٣ - تَخصيصُ الوَقفِ على أهلِ مَذهَبٍ مُعيَّنٍ أو جِهةٍ مُعيَّنةٍ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الواقِفَ لو شرَطَ في وَقفِه أنَّ رَيعَ وَقفِه أو السَّكنَ فيه يَكونُ لأهلِ مَذهبٍ مُعيَّنٍ مِنْ المَذاهبِ الأربَعةِ مثلًا اختَصَّ بهم، ولا يُدخلُ فيه غَيرُهم، ومَن خرَجَ عنه خرَجَ مِنْ الوَقفِ والاستِحقاقِ.
قالَ الحَنفيةُ: لو عيَّنَ الواقفُ مَذهبًا مِنْ المَذاهبِ وشرَطَ أنه إنِ انتَقلَ عنه خرَجَ اعتُبِرَ شَرطُه، فلو شرَطَ في الوَقفِ أنَّ كلَّ مَنْ انتَقلَ مِنْ مَذهبِ أبي حَنيفةَ ﵀ خرَجَ مِنْ الوَقفِ فهو على ما شرَطَ، فلو خرَجَ واحِدٌ مِنهم إلى مَذهبِ الشافِعيِّ ﵀ خرَجَ مِنْ الوَقفِ، ولو ادَّعى بَعضُهم على بَعضٍ أنه انتَقلَ مِنْ مَذهبِ أبي حَنيفةَ إلى مَذهبِ الشافِعيِّ وأنكَرَ ذلكَ المُدَّعى عليه فالقَولُ في ذلكَ قَولُه، وعلى المُدَّعِي بيِّنةٌ على ذلكَ.
ولو وقَفَ على أولادِه وشرَطَ أنَّ مَنْ انتَقلَ إلى مَذهبِ المُعتزلةِ صارَ خارِجًا فانتقلَ مِنهم واحِدٌ صارَ خارِجًا، فإنِ ادَّعَى على واحِدٍ مِنهم بأنه صارَ مُعتزليًّا فالبيِّنةُ على المُدَّعِي والقَولُ للمُنكِرِ.
وكذا لو كانَ الواقفُ مِنْ المُعتزلةِ وشرَطَ أنَّ مَنْ انتَقلَ إلى مَذهبِ أهلِ السُّنةِ صارَ خارِجًا اعتُبِرَ شَرطُه، ولو شرَطَ أنَّ مَنْ انتَقلَ مِنْ مَذهبِ أهلِ السُّنةِ إلى غَيرِه فصارَ خارِجيًّا أو رَافِضيًّا خرَجَ، فلو ارتَدَّ -والعِياذُ باللهِ تعالى- عن الإسلامِ خرَجَ، المَرأةُ والرَّجلُ سواءٌ.
стр. 6687
فلو شرَطَ أنَّ مَنْ خرَجَ مِنْ مَذهبِ الإثباتِ إلى غَيرِه خرَجَ، فخرَجَ واحِدٌ ثم عادَ إلى مَذهبِ الإثباتِ لا يَعودُ إلى الوَقفِ؛ لأنَّ مَذهبَ أهلِ الإثباتِ الإسلامُ والقَولُ بشَرائعِ الإسلامِ، فمَن خرَجَ عنه فقدْ ترَكَ الإسلامَ وشَرائعَه، والإثباتُ مِنْ شَرائِعِه، ولو رجَعَ إلى الإثباتِ بعدَما خرَجَ منه لا يَرجعُ إليهِ الوَقفُ، إلا أنْ يَكونَ الواقفُ شرَطَ أنَّ مَنْ رجَعَ إلى الإثباتِ رجَعَ حقُّه، بخِلافِ ما لو وقَفَ على مَنْ يَسكنُ بَغدادَ مِنْ فُقراءِ قَرابتِه فانتَقلَ منها بَعضُهم وسكَنَ الكُوفةَ ثم عادَ إليها وسكَنَ فإنه يَعودُ حقُّه؛ لأنَّ النَّظرَ هاهُنا إلى حالِهم يومَ قِسمةِ غَلةِ الوَقفِ، ألَا تَرى أنه لو وقَفَ على فُقراءِ قَرابتِه وكانَ فيهم فُقراءُ وأغنِياءُ تَكونُ الغَلَّةُ للفُقراءِ، ثُمَّ لو افتَقرَ الأغنياءِ واستَغنى الفُقراءُ تَكونُ الغَلةُ لمَن افتَقرَ دونَ مَنْ استَغنَى، ولو لم يُنظَرْ إلى حالِهم يومَ القِسمةِ لَربَّما لَزمَ دَفعُ الغَلةِ إلى الأغنياءِ دونَ الفُقراءِ، وإنه لا يَجوزُ؛ لكَونِه خِلافَ شَرطِ الواقفِ، ولو كانَ بعضُ قَرابتِه ساكِنًا في الكُوفةِ وقتَ الوَقفِ ثم انتَقلَ وسكَنَ بَغدادَ استَحقَّ مِنْ الغَلةِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: لو شرَطَ الواقِفُ تَخصيصَ مَذهبٍ مِنْ المَذاهبِ الأربَعةِ بصَرفِ غلَّتِه عليه أو بالتَّدريسِ في مَدرستِه فيُتَّبعُ شَرطُه وُجوبًا، ولا يَجوزُ العُدولُ عنهم لغَيرِهم (٢).
стр. 6688
وقالَ الشافِعيةُ: يُراعَى شَرطُ الواقفِ، فلو وقَفَ على العُلماءِ بشَرطِ كَونِهم على مَذهبِ فُلانٍ، أو على الفُقراءِ بشَرطِ الغُربةِ أو الشَّيخوخةِ اتُّبعَ شَرطُه، كالمَدرسةِ والرِّباطِ والمَقبرةِ إذا خصَّصَها بطائفةٍ فإنها تَختصُّ بهم؛ لعَودِ النَّفعِ إليهِم.
ولو شرَطَ في مُدرِّسٍ كَونَه شافِعيًّا فلا يَجوزُ تَوليةُ ذلكَ التَّدريسِ لغيرِ شافِعيٍّ، ولا يَجوزُ تَدريسُ غَيرِه أيضًا في مَكانٍ خصَّصَه به (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ خصَّصَ الواقفُ المَدرسةَ بأهلِ مَذهبٍ كالحَنابلةِ أو الشافِعيةِ تَخصَّصتْ، أو خصَّصَ المَدرسةَ بأهلِ بَلدٍ أو خصَّصَها بقَبيلةٍ تَخصَّصتْ، وكذلكَ الرِّباطُ والخانِقاهُ كالمَقبرةِ إذا خصَّصَها بأهلِ مَذهبٍ أو بَلدٍ أو قَبيلةٍ تَخصَّصتْ؛ إعمالًا للشَّرطِ، إلا أنْ يَقعَ الاختِصاصُ بنَقلةِ بِدعةٍ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا فضَّلَ بعضَهم على بَعضٍ فهو على ما قالَ، فلو قالَ: «وَقَفتُ على أولادي وأولادِ أولادي على أنَّ للذَّكرِ سَهمَينِ وللأُنثى سَهمًا، أو للذَّكرِ مثلُ حَظِّ الأُنثَيينِ، أو على حَسبِ ميراثِهم، أو على حَسبِ فَرائضِهم، أو بالعَكسِ مِنْ هذا، أو على أنَّ للكَبيرِ ضِعفَ ما للصَّغيرِ، أو للعامِلِ ضِعفَ ما للجاهِلِ، أو لِلعائلِ ضِعفَ ما للغَنيِّ» أو عكْسَ ذلكَ،
стр. 6689
أو عيَّنَ بالتَّفضيلِ واحِدًا مُعيَّنًا أو ولَدَه أو ما أشبَهَ هذا فهو على ما قالَ؛ لأنَّ ابتِداءَ الوَقفِ مُفوَّضٌ إليهِ، فكذلكَ تَفضيلُه وتَرتيبُه، وكذلكَ إنْ شرَطَ إخراجَ بَعضِهم بصِفةٍ ورَدَّه بصِفةٍ مِثل أنْ يَقولَ: «مَنْ تَزوَّجَ مِنهم فله ومَن فارَقَ فلا شيءَ له، أو عكْسَ ذلكَ، أو مَنْ حَفظَ القُرآنَ فله ومَن نَسِيَه فلا شيءَ له، ومَن اشتَغلَ بالعِلمِ فله ومَن ترَكَ فلا شيءَ له، أو مَنْ كانَ على مَذهبِ كذا فله ومَن خرَجَ منه فلا شيءَ له» فكلُّ هذا صَحيحٌ على ما شرَطَ، وقد رَوى هِشامُ بنُ عُروةَ «أنَّ الزُّبيرَ جعَلَ دُورَه صَدقةٌ على بَنيهِ لا تُباعُ ولا تُوهَبُ، وأنَّ للمَردودةِ مِنْ بَناتِهِ أنْ تَسكنَ غيرَ مُضرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ استَغنَتْ بزَوجٍ فلا حقَّ لها في الوَقفِ»، وليسَ هذا تَعليقًا للوَقفِ بصِفةٍ، بل الوَقفُ مُطلَقٌ والاستِحقاقُ له بصِفةٍ، وكلُّ هذا مَذهبُ الشافِعيِّ ولا نَعلمُ فيه خِلافًا (١).
٤ - تَخصيصُ المَسجدِ بأهلِ مَذهبٍ بعَينِه أو طائِفةٍ بعَينِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو شرَطَ الواقِفُ في المَسجدِ الذي أوقَفَه أنْ يَختصَّ به جَماعةٌ أو طائِفةٌ مُعيَّنةٌ أو أهلُ مَذهبٍ مُعيَّنٍ، هل يَختصُّ بهم أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ وبَعضُ الحَنابلةِ إلى أنه إذا شرَطَ الواقفُ في ابتِداءِ وَقفِ المَسجدِ اختِصاصَه بطائِفةٍ كالشافِعيةِ اختَصَّ بهم؛ رِعايةً
стр. 6690
لغَرضِ الواقفِ واتِّباعًا لشَرطِه وقَطعًا للنِّزاعِ في الشَّعائرِ، فلا يُصلِّي فيه ولا يَعتكِفُ فيهِ غَيرُهم ويَحرمُ عليهم، وما دامَ واحِدٌ مِنهم مَوجودًا فله مَنعُ الغَيرِ منه، إلا أنه يُكرَهُ هذا الشَّرطُ وإنْ كانَ، فإنِ انقَرَضوا صارَ عامًّا.
وفي مُقابِلِ الأصَحِّ: لا يَختصُّ المَسجدُ بهم ولا يُتَّبعُ شَرطُه؛ لأنَّ جعْلَ البُقعةِ مَسجدًا كالتَّحريرِ، فلا مَعنى لاختِصاصِه بجَماعةٍ، وصحَّحَه الإمامُ والغزاليُّ والشَّيخُ؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، ولقَولِه ﷺ : «إنَّ المَساجدَ لم تُبْنَ لهذا، إنَّما بُنِيتْ لذِكرِ اللهِ والصَّلاةِ عامَّةً».
فعَلى هذا قالَ المُتَولِّي ﵀: يَفسُدُ الوَقفُ بفَسادِ الشَّرطِ، وقالَ الإمامُ: لا يَفسدُ؛ إذْ لا أثَرَ للشُّروطِ الفاسِدةِ في التَّحريرِ (١).
وقالَ الحَنابلةٌ -وقَولٌ للشافِعيةِ كما تقدَّمَ-: إنْ خصَّصَ الواقفُ المُصلِّينَ في المَسجدِ أو الرِّباطِ أو المَدرسةِ بأهلِ مَذهبٍ لم يَختصَّ بهم؛ لأنَّ إثباتَ المَسجديةِ يَقتضي عدَمَ الاختِصاصِ، فأمَّا إنْ عيَّنَ لإمامتِه أو عيَّنَ لنَظرِه أو الخَطابةِ فيهِ شَخصًا فلا يَصحُّ تَقريرُ غيرِه؛ إعمالًا للشَّرطِ، وإنْ خَصَّصَ الإمامةَ في المَسجدِ أو رباطٍ أو مَدرسةٍ أو الخَطابةِ بمَذهبٍ تَخصَّصتْ به، ما لم يَكنِ المَشروطُ له الإمامةُ في شيءٍ مِنْ أحكامِ الصَّلاةِ
стр. 6691
مُخالِفًا لصَريحِ السُّنةِ أو ظاهِرِها، سَواءٌ كانَ خِلافُه لعدمِ الاطِّلاعِ على السُّنةِ أو لتأويلٍ ضَعيفٍ؛ إذْ لا يَجوزُ اشتِراطُ مثلِ هذا (١).
وقالَ الإمامُ السُّيوطيُّ ﵀: مَسألةٌ: قالوا: إنَّ المَسجدَ المَوقوفَ على قَومٍ مَخصوصينَ لا يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يَدخُلَه أو يُصلِّيَ فيه إلا بإذنِهم، فهلِ المَدارِسُ والرُّبطُ كذلكَ؟ وهل يَجوزُ للمَوقوفِ عليهم الإذنُ في الانتفاعِ مُطلَقًا بالنَّومِ والجُلوسِ والأكلِ واجتِماعِ الخُصومِ والقَضاءِ بينَهُم وإِقراءِ الصِّبيانِ؟ أو هو مُقيَّدٌ بما كانَ على وَفقِ شَرطِ الواقفِ؟
الجَوابُ: المَسجدِ المَوقوفُ على مُعيَّنينَ هل يَجوزُ لغَيرِهم دُخولُه والصَّلاةُ فيهِ والاعتكافُ بإذنِ المَوقوفِ عليهم؟ نقَلَ الأسنَويُّ في «الأَلْغَاز» أنَّ كلامَ القفَّالِ في فَتاويهِ يُوهِمُ المَنعَ، ثم قالَ الأسنَويُّ مِنْ عِندِه: والقِياسُ جَوازُه.
وأقولُ: الذي يَترجَّحُ التَّفصيلُ، فإنْ كانَ مَوقوفًا على أشخاصٍ مُعيَّنةٍ كزَيدٍ وعَمرٍو وَبَكرٍ مثلًا أو ذُرِّيتِه أو ذُريَّةِ فُلانٍ جازَ الدُّخولُ بإذنِهم، وإنْ كانَ على أجناسٍ مُعيَّنةٍ كالشافِعيةِ والحَنفيةِ والصُّوفيةِ لم يَجُزْ لغَيرِ هذا الجِنسِ الدُّخولُ ولو أَذِنَ لهم المَوقوفُ عليهم، فإنْ صرَّحَ الواقفُ بمَنعِ دُخولِ غيرِهم لم يَطرُقْه خِلافٌ البتَّةَ، وإذا قُلنا بجَوازِ الدُّخولِ بالإذنِ
стр. 6692
في القِسمِ الأولِ في المَسجدِ والمَدرسةِ والرِّباطِ كانَ لهم الانتفاعُ على نحوِ ما شرَطَه الواقفُ للمُعيَّنينَ؛ لأنهم تَبعٌ لهم وهُم مُقيَّدونَ بما شرَطَه الواقفُ (١).
إذَا جُهِلَ شَرطُ الواقِفِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ في الجُملةِ إلى أنه إذا جُهلَ شَرطُ الواقفُ فإنَّ الغَلةَ تُصرَفُ بينَهُم بالسَّويةِ ولا يُفضَّلُ بعضُ المُستحِقِّينَ لها على بَعضٍ.
قالَ المالِكيةُ: إنْ علِمَ بشَرطِ الواقفِ في الصَّرفِ اتُّبِعَ في المُساواةِ والتَّفضيلِ، وإلا صُرِفَ بالسَّويةِ؛ لأنها الأصلُ، وإنْ جَهِلَ أربابُه فهو كوَقفٍ لم يُعيَّنْ مَصرِفُه (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا جُهِلَ شَرطُ الواقفِ في كَيفيَّةِ التَّرتيبِ بينَ أربابِ الوَقفِ أو المَقاديرُ بأنْ لم يُعلَمْ هل سوَّى الواقفُ بينَهُم أو فاضَلَ لانعدامِ كتابِ الوَقفِ وعَدمِ الشُّهودِ؟ قُسِمَتِ الغَلةُ بينَهم بالسَّويةِ؛ لعَدمِ الأولَويةِ.
وحَكى بَعضُهم أنَّ الأوجَهَ الوَقفُ حتى يَصطلِحوا، قالَ النَّوويُّ ﵀: وهو القِياسُ.
ومَحلُّ القِسمةِ بينَهُم بالسَّويةِ إذا كانَ المَوقوفُ في أيديهِم، فإنْ كانَ في يَدِ بَعضِهم فالقَولُ قَولُه بيَمينِه؛ لاعتِضادِ دَعواهُ باليَدِ، ولو كانَ الواقفُ
стр. 6693
حَيًّا رجَعَ إلى قَولِه بلا يَمينٍ، وإذا ماتَ الواقفُ يَرجعُ إلى وَرثتِه، فإنْ لم يَكنْ له وَرثةٌ وكانَ له ناظرٌ مِنْ جِهةِ الواقفِ رجَعَ إليهِ، ولا يَرجعُ إلى المَنصوبِ مِنْ جِهةِ الوارِثِ أو الحاكِمِ، فلوِ اختَلفَ الناظِرُ والواقفُ فهل يرجعُ إلى الناظِرِ أوِ الواقفِ؟ فيهِ قَولانِ، ولو اختَلفَ الناظِرُ والمَوقوفُ عليه فَفيهِ الوَجهانِ، قالَ النَّوويُّ: ويُرجَعُ إلى عادَةِ مَنْ تقدَّمَ النَّاظِرَ مِنْ النُّظَّارِ إنِ اتَّفقتْ عادَتُهم.
ولو عَرَفْنا الوَقفَ ولم نَعرفْ أربابَ الوَقفِ قالَ الغَزاليُّ وغيرُه: جُعلَ كوَقفٍ لم يُذكَرْ مَصرِفُه، فيَكونُ كوَقفٍ مُطلَقٍ، قالَ الحِصنيُّ: كذا نقَلَه النَّوويُّ عن الغَزاليِّ وهو سَهوٌ، وإنَّما قالَ الغَزاليُّ أنه كمُنقطِعِ آخِرٍ، فيَكونُ الوَقفُ صَحيحًا، وإلحاقُه بالوَقفِ المُطلَقِ يَقتضي عدَمَ الصِّحةِ؛ لأنَّ الأصَحَّ في الوَقفِ المُطلَقِ أنه لا يَصِحُّ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: ولو جُهِلَ شَرطُه -أي الواقِفِ- بأنْ قامَتْ بيِّنةٌ بالوَقفِ دونَ شَرطِه عُمِلَ بعادةٍ جارِيةٍ -أي مُستمرَّةٍ- إنْ كانَتْ، ثمَّ عُمِلَ بعُرفٍ مُستقِرٍّ في الوَقفِ في مَقاديرِ الصَّرفِ كفُقهاءِ المَدارسِ؛ لأنَّ العادةَ المُستمرَّةَ والعُرفَ المُستقِرَّ في الوَقفِ يَدلُّ على شَرطِ الواقفِ أكثَرَ ممَّا يَدلُّ لفظُ
стр. 6694
الاستِفاضةِ، قالَهُ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ، ونُقلَ عنه أنه أَفتَى فيمَن وقَفَ على أحَدِ أولادِه وله عدَّةُ أولادٍ وجُهلَ اسمُه أنه يُميَّزُ بالقُرعةِ.
وأيضًا الأصلُ عَدمُ تَقييدِ الوَقفِ، فيَكونُ مُطلَقًا، والمُطلَقُ منه يَثبتُ له حُكمُ العُرفِ.
ثمَّ إنْ لم تَكنُ عادةٌ ولا عُرفٌ ببَلدِ الواقفِ كمَن ببادِيةٍ فالتَّساوي، فيُساوَى فيهِ بينَ المُستحِقِّينَ؛ لأنَّ التَّشريكَ ثابتٌ، والتَفضيلُ لم يَثبتْ.
فإنْ لم تُعرَفْ أربابُ الوَقفِ جُعلَ كوَقفٍ مُطلَقٍ لم يُذكَرْ مَصرِفُه (١).
وقالَ الحَنفيةُ: لو قالَ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ على بَني فُلانٍ على أنَّ لي أنْ أُفضِّلَ مَنْ شِئتُ مِنهم» وماتَ قبلَ أنْ يُفضِّلَ بعضَهُم على بَعضٍ كانَتِ الغَلةُ بينَهُم على السَّويةِ؛ لعَدمِ اتِّصالِ التَّفضيلِ بأحَدٍ مِنهم.
وكذا لو أوقَفَها عليهم وماتَ الواقفُ قبلَ أنْ يُسمِّيَ لأحَدٍ مِنهم شيئًا كانَتِ الغَلةُ بينَهُم بالسَّويةِ؛ لانقِطاعِها بمَوتِه (٢).
وجاءَ في «حاشِيَة ابنِ عابدِينَ»: وإنْ جُهِلَ شَرطُ الواقفِ عُمِلَ بما جَرَتْ به العَوائدُ السالِفةُ، كما هو الحُكمُ في سائِرِ الأوقافِ (٣).
стр. 6695
حُكمُ مُخالَفَةُ شَرطِ الواقِفِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مُخالَفةِ شَرطِ الواقفِ، هل يَجوزُ مِنْ غَيرِ حاجةٍ أو ضَرورةٍ؟ أم لا يَجوزُ إلا عندَ الحاجةِ أو الضَّرورةِ؟ أم يَجوزُ عندَ المَصلحةِ لذلكَ؟ أم لا يَجوزُ مُطلَقًا؟
فذكَرَ ابنُ حَجرٍ الهَيثميُّ الشافِعيُّ في كِتابِه «الزَّواجِر» على أنَّ مُخالَفةَ شَرطِ الواقِفِ كَبيرةٌ مِنْ الكَبائرِ، قالَ ﵀: الكَبيرَةُ الثالثةُ والثَّلاثونَ بعدَ المِائتَينِ: مُخالَفةُ شَرطِ الواقفِ، وذِكرِي لهذا مِنْ الكَبائرِ ظاهِرٌ وإنْ لم يُصرِّحوا بهِ؛ لأنَّ مُخالَفتَه يَترتَّبُ عليها أكلُ أموالِ الناسِ بالباطِلِ وهو كَبيرةٌ (١).
وهذا في غيرِ حالِ الضَّرورةِ، قالَ الرَّملِيُّ الشافِعيُّ ﵀: ومع الضَّرورةِ مُخالَفةُ شَرطِ الواقفِ جائِزةٌ؛ إذْ مِنْ المَعلومِ أنه لا يَقصدُ تَعطيلَ وَقفِه وثَوابِه (٢).
وأمَّا الحَنفيةُ فأجازوا مُخالَفةَ شَرطِ الواقفِ للمَصلحةِ في المَسائِلِ التاليةِ:
الأُولى: لو شرَطَ الواقِفُ عدَمَ استِبدالِ الوَقفِ (٣)، فللقاضي الاستِبدالُ للمَصلحةِ، بشَرط أنْ يَخرجَ عن الانتفاعِ بالكُلِّيةِ، وأنْ لا يَكونَ هُناكَ رَيعٌ
стр. 6696
للوَقفِ يُعمَرُ به، وأنْ لا يَكونَ البَيعُ بغُبنٍ فاحِشٍ، وشرَطَ في «الإسْعَاف» أنْ يَكونَ المُستبدلُ قاضِيَ الجنَّةِ المُفسَّرَ بذي العِلمِ والعملِ؛ لِئلَّا يَحصلَ التَّطرُّقُ إلى إبطالِ أوقافِ المُسلمينَ كما هو الغالِبُ في زَمانِنا، قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: ويَجبُ أنْ يُزادَ آخَرُ في زَمانِنا، وهو أنْ يُستبدَلَ بعَقارٍ لا بدَراهمَ ودَنانيرَ، فإنَّا قد شاهَدْنا النُّظَّارَ يَأكلونَها وقَلَّ أنْ يَشتريَ بها بَدلًا، ولم نَرَ أحَدًا مِنْ القُضاةِ فتَّشَ على ذلكَ مع كَثرةِ الاستبدالِ في زَمانِنا، مع أنِّي نَبَّهتُ بعضَ القُضاةِ على ذلكَ، وهَمَّ بالتَّفتيشِ ثمَّ ترَكَ (١).
الثانيةُ: لو شرَطَ أنَّ القاضِيَ لا يَعزلُ الناظِرَ، فله عَزلُ غيرِ الأهلِ.
الثالثةُ: لو شرَطَ ألا يُؤجِّرَ وقْفَه أكثَرَ مِنْ سَنةٍ والناسُ لا يَرغبونَ في استِئجارِ سَنةٍ، أو كانَ في الزِّيادةِ نَفعٌ للفُقراءِ، فللقاضي المُخالَفةُ دونَ النَّاظرِ.
الرابِعةُ: لو شرَطَ أنْ يُقرأَ على قَبرِه، فالتَّعيينُ باطِلٌ، أي: على القَولِ بكَراهةِ القِراءةِ على القَبْرِ، والمُختارُ خِلافُه.
الخامِسةُ: لو شرَطَ أنْ يُتصدَّقَ بفاضِلِ الغَلةِ على مَنْ يَسألُ في مَسجدِ كذا، فللقَيِّمِ التَّصدقُ على سائِلِ غيرِ ذلكَ المَسجدِ أو خارجَ المَسجدِ أو على مَنْ لا يَسألُ.
السادِسةُ: لو شرَطَ للمُستحقِّينَ خُبْزًا ولَحمًا مُعيَّنًا كلَّ يَومٍ، فللقَيِّمِ دَفعُ القِيمةِ مِنْ النَّقدِ، وفي مَوضعٍ آخَرَ: لهم طَلبُ المُعيَّنِ وأخذُ القيمَةِ، أي: فالخِيارُ لهم لا له.
стр. 6697
السابِعةُ: تَجوزُ الزِّيادةُ مِنْ القاضي على مَعلومِ الإمامِ إذا كانَ لا يَكفيهِ وكانَ عالِمًا تَقيًّا.
الثامِنةُ: يَجوزُ للسُّلطانِ مُخالَفةُ الشُّروطِ إذا كانَ أصلُ الوَقفِ لبَيتِ المالِ (١).
قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ويَجوزُ تَغييرُ شَرطِ الواقفِ إلى ما هو أصلَحُ منه وإنِ اختَلفَ ذلكَ باختِلافِ الزَّمانِ، حتى لو وقَفَ على الفُقهاءِ والصُّوفيةِ واحتاجَ الناسُ إلى الجِهادِ صُرِفَ إلى الجُندِ، وإذا وقَفَ على مَصالحِ الحَرمِ وعِمارتِه فالقائِمونَ بالوَظائِفِ التي يَحتاجُ إليها المَسجدُ مِنْ التَّنظيفِ والحِفظِ والفَرشِ وفَتحِ الأبوابِ وإغلاقِها ونحوِ ذلكَ يَجوزُ الصَّرفُ إليهِم، وقَولُ الفُقهاءِ: «نُصوصُ الواقفِ كنُصوصِ الشَّارعِ» يَعني: في الفَهمِ والدِّلالةِ لا في وُجوبِ العملِ، مع أنَّ التَّحقيقَ أنَّ لفْظَ الواقفِ والمُوصِي والناذِرِ والحالِفِ وكلِّ عاقِدٍ يُحمَلُ على مَذهبِه وعادَتِه في خِطابِه ولُغتِه التي يَتكلَّمُ بها، وافَقَ لُغةَ العَربِ أو لُغةَ الشارعِ أو لا، والعادَةُ المُستمرَّةُ والعُرفُ المُستقِرُّ في الوَقفِ يَدلُّ على شَرطِ الواقفِ أكثَرَ ممَّا يَدلُّ لفظُ الاستِفاضةِ (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ أيضًا: إنَّما يَلزمُ الوَفاءُ بالشُّروطِ إذا لم يُفضِ ذلكَ إلى الإخلالِ بالمَقصودِ الشَّرعيِّ الذي هو يَكونُ إمَّا واجِبًا وإمَّا
стр. 6698
مُستحَبًّا، فأمَّا المُحافَظةُ على بَعضِ الشُّروطِ مع فَواتِ المَقصودِ بالشُّروطِ فلا يَجوزُ (١).
وقالَ: ومَن شرَطَ في القُرُباتِ أنْ يُقدَّمَ فيها الصِّنفُ المَفضولُ فقدْ شرَطَ خِلافَ شَرطِ اللهِ، كشَرطِهِ في الإمامةِ تَقديمَ غيرِ الأعلَمِ، والناظِرُ مُنفِّذٌ لِما شرَطَه الواقفُ (٢).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: نُصوصُ الواقفِ يَتطرَّقُ إليها التَّناقضُ والاختِلافُ، ويَجبُ إبطالُها إذا خالَفتْ نُصوصَ الشارعِ وإلغاؤُها، ولا حُرمةَ لها حِينئذٍ البتَّةَ، ويَجوزُ بل يَترجَّحُ مُخالَفتُها إلى ما هو أحَبُّ إلى اللهِ ورَسولِه منها وأنفَعُ للواقِفِ والمَوقوفِ عليه، ويَجوزُ اعتِبارُها والعُدولُ عنها مع تَساوي الأمرَينِ ولا يَتعيَّنُ الوُقوفُ معها (٣).
стр. 6699
الرُّكنُ الثالِثُ: المَوقوفُ عَليهِ:
المَوقوفُ عليه: هو الجِهةُ التي تَنتفعُ بالمَوقوفِ، سَواءٌ كانَتْ الجِهةُ مُعيَّنةً كشَخصٍ مُعيَّنٍ ك: «وَقَفتُ على مُحمدٍ» مثلًا، أو جِهةٍ غَيرِ مُعيَّنةٍ كالفُقراءِ والمَساكينِ.
ويُشتَرطُ في الجِهةِ المَوقوفِ عَليهَا بَعضُ الشُّروطِ:
الشَّرطُ الأولُ: كَونُ المَوقوفِ عَليهِ جِهةَ بِرٍّ وقُرْبَةٍ:
اختَلفَ الفُقَهاءُ في الوَقفِ، هل يُشترطُ أنْ يُوقَفَ على جِهةِ بِرٍّ وقُربةٍ؟ أم يَكفي انتِفاءُ المَعصيةِ لا وُجودُ القُربةِ، فعليه يَصِحُّ الوَقفُ على الأغنياءِ والمُباحاتِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في الوَقفِ أنْ يَكونَ قُربَةً في ذاتِه بأنْ يُوقَفَ على جِهةِ بِرٍّ وقُربةٍ، سَواءٌ كانَ المَوقوفُ عليه مُسلِمًا أو ذِمِّيًّا؛ لأنَّ الذِّميَّ مَوضِعُ قُربةٍ؛ لأنه يَجوزُ التصدُّقُ عليه بل وإخراجُ زَكاةِ الفِطرِ إليهِ كما عندَ الحَنفيةِ، ولِمَا رُويَ: «أنَّ صَفيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ زوْجَ النبيِّ ﷺ وقَفَتْ على أخٍ لها يَهودِيٍّ» (١)، وإنْ كانَ الحَديثُ ضَعيفًا إلا أنَّ الفُقَهاءَ لم يَمنَعوا منه.
стр. 6700
قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ في الوَقفِ أنْ يَكونَ قُربةً في ذاتِه، بأنْ يَكونَ مِنْ حيثُ النَّظرُ إلى ذاتِه وصورَتِه قُربةً، والمُرادُ أنْ يَحكُمَ الشرعُ بأنه لو صدَرَ مِنْ مُسلِمٍ يَكونُ قُربةً؛ حَملًا على أنه قصَدَ القُربةَ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ الوَقفُ على بِرٍّ، وهو اسمٌ جامِعٌ للخيرِ، وأصلُه الطَّاعَةُ للهِ تعالى، والمُرادُ اشتِراطُ مَعنى القُربةِ في الصَّرفِ إلى المَوقوفِ عليه؛ لأنَّ الوَقفَ قُربةٌ وصَدقةٌ، فلا بُدَّ مِنْ وُجودِها فيما لأجلِه الوَقفُ؛ إذ هو المَقصودُ، سَواءٌ كانَ الوَقفُ مِنْ مُسلِمٍ أو ذِميٍّ؛ لأنَّ ما لا يَصحُّ مِنْ المُسلمِ الوَقفُ عليه لا يَصحُّ مِنْ الذِّميِّ، كالوَقفِ على غَيرِ مُعيَّنٍ.
والقُربةُ قد تَكونُ على الآدَميِّ كالفُقراءِ والمَساكِينِ والغُزاةِ والعُلماءِ والمُتعلِّمينَ، وقد تَكونُ على غَيرِ آدَميٍّ كالحَجِّ والغَزوِ وكِتابةِ الفِقهِ وكِتابةِ العِلمِ وكتابةِ القُرآنِ، وكالسِّقاياتِ والقَناطِرِ وإصلاحِ الطُّرقِ والمَساجِدِ والمَدارسِ والبيمارِستاناتِ، وإنْ كانَتْ مَنافِعُها تَعودُ على الآدَميِّ فيُصرَفُ في مَصالِحها عندَ الإطلاقِ، ومِن النَّوعِ الأولِ الأقارِبُ، فيَصحُّ الوَقفُ على القَريبِ مِنْ مُسلِمٍ وذِميٍّ ونحوِ ذلكَ مِنْ القُربِ كالرُّبطِ والخاناتِ لأبناءِ السَّبيلِ.
ولا يَصحُّ الوَقفُ على مُباحٍ كتَعليمِ شِعرٍ مُباحٍ.
стр. 6701
ولا على مَكروهٍ كتَعليمِ مَنطقٍ؛ لانتِفاءِ القُربةِ، ولا على مَعصيةٍ؛ لِما فيهِ مِنْ المَعونةِ عليهِما (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ وُجودُ ظُهورُ القُربةِ، بل يَكفي انتِفاءُ المَعصيةِ كما سَيأتي مُفصَّلًا في المَسألةِ التَّاليةِ:
الوَقفُ على الأغنِياءِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ على الأغنِياءِ، هل يَصحُّ أم لا؟
فقالَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ -وهو قَولُ ابنِ تَيميةَ وابنِ القَيِّمِ-: لا يَصحُّ الوَقفُ على الأغنِياءِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧].
قالَ ابنُ تَيميةَ ﵀: فعُلِمَ أنَّ اللهَ يَكرَهُ أنْ يَكونَ المالُ دُولةً بينَ الأغنِياءِ وإنْ كانَ الغِنى وَصفًا مُباحًا، فلا يَجوزُ الوَقفُ على الأغنِياءِ، وعلى قِياسِه سائِرُ الصِّفاتِ المُباحةِ، ولأنَّ العملَ إذا لم يَكنْ قُربةً لم يَكنْ الواقفُ مُثابًا على بَذلِ المالِ فيه، فيَكونُ قد صرَفَ المالَ فيما لا يَنفعُهُ لا في حَياتِهِ ولا في مَماتِه، ثمَّ إذا لم يَكنْ للعامِلِ فيهِ مَنفعةٌ في الدُّنيا كانَ تَعذيبًا له بلا فائِدَةٍ تَصلُ إليهِ ولا إلى الواقفِ، ويُشبِهُ ما كانَتِ الجاهِليةُ تَفعلُه مِنْ الأحْباسِ المُنبَّهِ عليها في سورَةِ الأنعامِ والمائِدةِ.
стр. 6702
وإذا خَلا العَملُ المَشروطُ في العُقودِ كُلِّها عن مَنفعةٍ في الدِّينِ أو في الدُّنيا كانَ باطِلًا بالاتِّفاقِ في أُصولٍ كَثيرةٍ؛ لأنه شَرطٌ ليسَ في كِتابِ اللهِ تعالى، فيَكونُ باطِلًا ولو كانَ مِائةَ شَرطٍ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: ولا يَجوزُ الوَقفُ على الأغنِياءِ وحْدَهُم؛ لأنه ليسَ بقُربةٍ ولا يَستَجلِبُ الثَّوابَ وصارَ كالصَّدقةِ، ولو وقَفَ على الأغنياءِ وهُم يُحصَونَ ثمَّ مِنْ بَعدِهم على الفُقراءِ جازَ، ويَكونُ كما شرَطَ؛ لأنه قُربةٌ في الجُملةِ بأَنِ انقَرضَ الأغنِياءُ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: ولا يَصحُّ الوَقفُ على طائِفةِ الأغنِياءِ وقُطَّاعِ الطَّريقِ وجِنسِ الفَسقةِ والمَغاني، ولا على التَّنويرِ على قَبْرٍ ولا على تَبخيرِه ولا على مَنْ يُقِيمُ عندَه أو يَخدِمُه أو يَزورُه؛ لأنَّ ذلكَ ليس مِنْ البِرِّ؛ لأنه إعانةٌ على المَعصيةِ (٣).
وقالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: لو شرَطَ في وَقفِه أنْ يَكونَ على الأغنِياءِ دونَ الفُقراءِ كانَ شَرطًا باطلًا عندَ جُمهورِ الفُقَهاءِ، قالَ أبو المَعالي الجُوينيُّ هو إمامُ الحَرَمينِ ﵁: ومُعظَمُ أصحابِنا قَطَعوا بالبُطلانِ (٤).
стр. 6703
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه يَجوزُ الوَقفُ على الأغنِياءِ، وأنه لا يُشترطُ وُجودُ ظُهورِ القُربةِ، بل يَكفي انتِفاءُ المَعصيةِ.
قالَ المالِكيةُ: إنَّ الوَقفَ يَصحُّ وإنْ لم تَظهرْ فيهِ قُربةٌ؛ لأنَّ الوَقفَ مِنْ بابِ العَطيَّاتِ والهِباتِ لا مِنْ بابِ الصَّدقاتِ، ولهذا يَصحُّ الوَقفُ على الغَنيِّ والفَقيرِ، ولأنَّ القُربةَ لا يُشترطُ فيها نيَّةٌ، بخِلافِ الطَّاعةِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو وقَفَ على جِهةٍ لا تَظهرُ فيها القُربةُ كالأغنِياءِ وأهلِ الذِّمةِ والفَسقةِ صَحَّ في الأصَحِّ؛ نَظرًا إلى أنَّ الوَقفَ تَمليكٌ، فالشَّرطُ انتِفاءُ المَعصيةِ لا وُجودُ ظُهورِ القُربةِ، بل يُسَنُّ الصَّدقةُ عليهم كغَيرِهم.
والثَّاني: لا؛ نَظرًا إلى ظُهورِ قَصدِ القُربةِ.
والثالثُ: يَصِحُّ على الأغنياءِ ويَبطلُ على أهلِ الذِّمةِ والفَسقةِ.
قالَ السُّيوطيُّ ﵀: هل يُشترطُ في الوَقفِ ظُهورُ القُربةِ؟ أو الشَّرطُ انتِفاءُ المَعصيةِ؟ وَجهانِ: أصَحُّهما الثَّاني، فيَصحُّ على الأغنياءِ وأهلِ الذِّمةِ والفَسَقةِ على الثَّاني دونَ الأوَّلِ، وجزَمَ في «الوَصيَّة» بالثَّاني (٢).
стр. 6704
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ولم يَتعرَّضوا لضابِطِ الغِنى الذي يُستحَقُّ به الوَقفُ على الأغنِياءِ، قالَ الأذرعِيُّ: والأشبَهُ الرُّجوعُ فيهِ إلى العُرفِ.
وقالَ غَيرُه: أنه الذي يَحرمُ عليه الصَّدقةُ إمَّا لمِلكِه أو لقُوتِه وكَسبِه أو كِفايتِه بنَفقةِ غَيرِه، وهذا أَولى.
ولو وقَفَ على الأغنِياءِ وادَّعى شَخصٌ أنه غَنيٌّ لم يُقبلْ إلا ببيِّنةٍ، بخِلافِ ما لو وقَفَ على الفُقراءِ وادَّعى شَخصٌ أنه فَقيرٌ ولم يُعرَفْ له مالٌ فيُقبلُ بلا بيِّنةٍ؛ نَظرًا للأَصلِ فيهما (١).
وقالَ المِرداويُّ ﵀: وقيلَ: يَصحُّ الوَقفُ على مُباحٍ أيضًا، وقيلَ: يَصحُّ على مُباحٍ ومَكروهٍ.
قالَ في «التَّلخِيص»: وقيلَ: المُشتَرَطُ ألا يَكونَ على جِهةِ مَعصيةٍ، سَواءٌ كانَ قُربةً وثوابًا أو لم يَكنْ. انتهى
فعلى هذا يَصحُّ الوَقفُ على الأغنياءِ (٢).
стр. 6705
الوَقفُ على جِهةِ مَعصيةٍ كالكَنائِسِ والمَعابِدِ:
لا خِلافَ بينَ فُقَهاءِ المَذاهبِ أنه لا يَصحُّ الوَقفُ على البِيَعِ والكَنائِسِ، سَواءٌ كانَ الواقفُ مُسلِمًا أو ذِميًّا؛ لأنَّ ذلكَ مَعصيةٌ؛ فإنَّ هذه المَواضِعَ بُنِيتْ للكُفرِ، ولأنَّ ذلكَ مِنْ أعظَمِ الإعانةِ لهم على كُفرِهم.
قالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: وأمَّا الوَقفُ على كَنائِسِهم وبِيَعِهم ومَواضعِ كُفرِهم التي يُقيمونَ فيها شِعارَ الكُفرِ فلا يَصحُّ مِنْ كافرٍ ولا مُسلمٍ؛ فإنَّ في ذلكَ أعظَمَ الإعانةِ لهم على الكُفرِ والمُساعَدةِ والتَّقويةِ عليه، وذلكَ مُنافٍ لدِينِ اللهِ.
وللإمامِ أنْ يَستوليَ على كُلِّ وَقفٍ وُقِفَ على كَنيسةٍ أو بَيتِ نارٍ أو بيعَةٍ، كما له أنْ يَستوليَ على ما وُقِفَ على الحاناتِ والخَمَّاراتِ وبُيوتِ الفِسقِ بل أَولى؛ فإنَّ بُيوتَ الكُفرِ أبغَضُ إلى اللهِ ورَسولِه مِنْ بُيوتِ الفِسقِ، وشِعارُ الكُفرِ أعظَمُ مِنْ شعائِرِ الفِسقِ وأضَرُّ على الدِّينِ.
وإنْ كُنَّا نُقِرُّ بُيوتَ الكُفرِ الجائزِ إقرارُها ولا نُقِرُّ بُيوتَ الفِسقِ فما ذاكَ لأنها أسهَلُ منها وأهوَنُ، بل لأنَّ عَقْدَ الذِّمةِ اقتَضى إقرارَهُم عليها كما نُقِرُّ الكافرَ على كُفرِه ولا نُقِرُّ الفاسِقَ على فِسقِه، فللإمامِ أنْ يَنتزعَ تلكَ الأوقافَ ويَجعلَها على القُرباتِ، ونحنُ لم نُقِرَّ أهلَ الذِّمةِ في بِلادِ الإسلامِ على أنْ يَتملَّكوا أرضَ المُسلمينَ ودُورَهم ويَستعينُوا بها على شِعارِ الكُفرِ.
وقد بَيَّنَّا أنهم في دارِ الإسلامِ تَبَعٌ، ولهذا قالَ الشافِعيُّ ومَن وافَقَه: إنَّ الجِزيةَ تُؤخذُ مِنهم عِوضَ سُكناهُم بينَ أظهُرِ المُسلمينَ وانتِفاعِهم
стр. 6706
بالإسلامِ، وإلَّا فالأرضُ للهِ ولرَسولِه وعبادِه المُسلمينَ الذينَ كتَبَ اللهُ في الزَّبورِ مِنْ بَعدِ الذِّكرِ أنه يُورِثُها عِبادَه الصالِحينَ.
وقدْ صرَّحَ بذلكَ المالِكيةُ في كُتبِهم، فقالَ القاضي أبو الوَليدِ: والظاهِرُ عِندي أنه لا يَجوزُ الوَقفُ على الكَنيسةِ؛ لأنه صرَفَ صَدقتَه إلى وَجهِ مَعصيةٍ مَحضةٍ، كما لو صرَفَها في شِراءِ خَمرٍ وأعطاها لأهلِ الفِسْقِ.
ونَصَّ الإمام أحمَدُ على ما هو أبلَغُ مِنْ ذلكَ.
قالَ الخلَّالُ في جامِعِه: بابٌ: النَّصارى يُوقِفونَ على البِيَعِ فيَموتُ النَّصرانِيُّ ويُخلِّفُ أولادًا فيُسلمونَ:
أخبَرَني مُحمدُ بنُ أبي هارونَ الورَّاقُ أنَّ إسحاقَ بنَ إبراهيمَ بنِ هانِئٍ حدَّثَهم، وأخبَرَنا مُحمدُ بنُ عَليٍّ ثَنَا يَعقوبُ بنُ بَختانَ قالَ: سُئلَ أبو عَبدِ اللهِ عن أقوامٍ نَصارى أوقَفوا على البيعَةِ ضِياعًا كَثيرةً فماتَ النَّصارى ولهم أبناءُ نَصارى ثُمَّ أسلَمَ بعدَ ذلكَ الأبناءُ والضِّياعُ بيَدِ النَّصارى، ألَهُم أنْ يَأخُذوها مِنْ أيدي النَّصارى؟ قالَ أبو عَبدِ اللهِ: نَعمْ، يَأخذونَها، وللمُسلمِينَ أنْ يُعِينوهُم حتى يَستَخرِجوها مِنْ أيديهِم، وهذا مَذهبُ الشَّافعيِّ أيضًا.
قالَ الشَّيخُ في «المُغْني»: ولا نَعلمُ فيهِ خِلافًا؛ وذلكَ لأنَّ ما لا يَصحُّ مِنْ المُسلمِ الوَقفُ عليه لا يَصحُّ مِنْ الذِّميِّ، كالوَقفِ على غَيرِ مُعيَّنٍ.
قالَ: فإنْ قيلَ: فقدْ قُلتُم: إنَّ أهلَ الكِتابِ إذا عَقَدوا عُقودًا فاسِدةً وتَقابَضوا ثُمَّ أسلَموا أو تَرافَعوا إلينَا لم نَنقُضْ ما فَعَلوه، فكيفَ أجَزْتُم الرُّجوعَ فيما وَقَفوهُ على كَنائِسِهم؟
стр. 6707
قُلنا: الوَقفُ ليس بعَقدِ مُعاوَضةٍ، وإنَّما هو إزالةٌ للمِلكِ في المَوقوفِ على وَجهِ القُربةِ، فإذا لم يَقعْ صحيحًا لم يَزُلِ المِلكُ، فبَقيَ بحالِه كالعِتقِ.
قالَ: وقد رُوِيَ عن أحمدَ في نَصرانِيٍّ أشهَدَ في وَصيتِه أنَّ غُلامَه فُلانًا يَخدمُ البيعَةَ خمسَ سِنينَ ثمَّ هو حُرٌّ، ثمَّ ماتَ مَولاهُ وخدَمَ سَنةً ثُمَّ أسلَمَ، ما عليه؟ قالَ: هو حُرٌّ ويَرجعُ على الغُلامِ بأُجرةِ خِدمتِه مَبلغَ أربَعِ سِنينَ، ورُويَ عنهُ أنه حُرٌّ ساعَةَ ماتَ مَولاهُ؛ لأنَّ هذه مَعصيةٌ.
قالَ: وهذه الرِّوايةُ أصَحُّ وأوفَقُ لأُصولِه، ويُحتمَلُ أنَّ قَولَه: «يَرجعُ عليه بخِدمةِ أربَعِ سِنينَ» لم يَكنْ لصِحةِ الوصيةِ، بل لأنه إنَّما أعتَقَه بعَوضٍ اعتَقدَ صِحتَه، فإذا تَعذَّرَ الغَرضُ بإسلامِه كانَ عليه ما يَقومُ مَقامَه، كما لو تَزوَّجَ الذِّميُّ ذِمِّيةً على ذلكَ ثمَّ أسلَمَ، فإنه يَجبُ عليه المَهرُ، كذا ههُنا يَجبُ عليه العِوضُ، والأوَّلُ أَولى. انتهَى كلامُه.
فقدْ صرَّحَ في مَسألةِ الوَقفِ أنه يُنزَعُ ويُدفَعُ إلى أيدي أولادِه الذينَ أسلَموا، وهذا تَصريحٌ منه ببُطلانِ الوَقفِ، وأنه لمَّا ماتَ انتَقلَ مِيراثًا عنه إلى أولادِه ثمَّ أَسلَموا بعد أنْ وَرِثوهُ.
وأمَّا مَسألةُ الوَصيةِ فلا تُناقِضُ ذلكَ؛ لأنَّ العِتقَ فيها بعِوَضٍ، فإذا لم يَصِحَّ رجَعَ الوارِثُ في مُقابِلِه وهو القيمَةُ كما ذكرَه الشَّيخُ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا لم يَكنِ الوَقفُ على مَعروفٍ أو بِرٍّ فهو باطِلٌ).
стр. 6708
وجُملةُ ذلكَ أنَّ الوَقفَ لا يَصحُّ إلا على مَنْ يُعرَفُ، كوَلدِه وأقارِبِه ورَجلٍ مُعيَّنٍ، أو على بِرٍّ كبِناءِ المَساجدِ والقَناطِرِ وكُتبِ الفِقهِ والعِلمِ والقُرآنِ والمَقابرِ والسِّقاياتِ وسَبيلِ اللهِ، ولا يَصحُّ على غَيرِ مُعيَّنٍ كرَجلٍ وامرَأةٍ؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكٌ للعَينِ أو للمَنفعةِ، فلا يَصِحُّ على غيرِ مُعيَّنٍ كالبَيعِ والإجارةِ، ولا على مَعصيةٍ كبَيتِ النارِ والبِيَعِ والكنائِسِ وكُتبِ التَّوراةِ والإنجيلِ؛ لأنَّ ذلكَ مَعصيةٌ؛ فإنَّ هذه المَواضِعَ بُنيَتْ للكُفرِ، وهذه الكُتبُ مُبدَّلةٌ مَنسوخةٌ، ولذلكَ غَضِبَ النبيُّ ﷺ حينَ رَأى مع عُمرَ صَحيفةً فيها شيءٌ مِنْ التَّوراةِ وقال: «أفي شَكٍّ أنتَ يا ابنَ الخطَّابِ؟ ألَمْ آتِ بها بَيضاءَ نَقيَّةً؟ لو كانَ مُوسَى أخِي حَيًّا ما وَسِعَه إلا اتِّباعي»، ولولا أنَّ ذلكَ مَعصيةٌ ما غَضِبَ منه، والوَقفُ على قناديلِ البيعَةِ وفُرشِها ومَن يَخدمُها ويَعمرُها كالوَقفِ عليها؛ لأنه يُرادُ لتَعظيمِها، وسَواءٌ كانَ الواقفُ مُسلِمًا أو ذِميًّا، قالَ أحمدُ في نَصارَى وَقَفوا على البيعَةِ ضِياعًا كَثيرةً وماتوا ولهم أبناءُ نَصارى فأسلَموا والضِّياعُ بيَدِ النَّصارى: فلَهمْ أخذُها وللمُسلِمينَ عَونُهم حتى يَستخرِجوهَا مِنْ أيديهم، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ ولا نَعلمُ فيهِ خِلافًا؛ وذلكَ لأنَّ ما لا يَصحُّ مِنْ المُسلمِ الوَقفُ عليه لا يَصحُّ مِنْ الذِّميِّ كالوَقفِ على غَيرِ مُعيَّنٍ.
فإنْ قيلَ: فقدْ قُلتُم: إنَّ أهلَ الكِتابِ إذا عَقَدوا عُقودًا فاسِدةً وتَقابَضوا ثمَّ أسلَموا وتَرافَعوا إلينا لم نَنقضْ ما فَعَلوهُ، فكيفَ أَجَزتُم الرُّجوعَ فيما وَقَفوهُ على كَنائِسِهم؟
стр. 6709
قُلنَا: الوَقفُ ليس بعَقدِ مُعاوَضةٍ، وإنَّما هو إزالةٌ للمِلكِ في المَوقوفِ على وَجهِ القُربةِ، فإذا لم يَقعْ صَحيحًا لم يَزُلِ المِلكُ، فيَبقَى بحالِه كالعِتقِ (١).
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: ولا يَصحُّ الوَقفُ على كَنائِسَ وبُيوتِ نارٍ وبِيَعٍ وصَوامِعَ ودُيورةٍ ومَصالِحِها كقَنادِيلِها وفُرشِها ووَقودِها وسَدَنتِها؛ لأنه مَعونةٌ على مَعصيةٍ، ولو كانَ الوَقفُ على ما ذُكِرَ مِنْ ذِميٍّ فلا يَصحُّ؛ لِما تقدَّمَ مِنْ أنَّ ما لا يَصحُّ مِنْ المُسلمِ لا يَصِحُّ مِنْ الذِّميِّ.
قالَ في «أحكام أهلِ الذِّمةِ»: وللإمامِ أنْ يَستوليَ على كُلِّ وَقفٍ وُقِفَ على كَنيسَةٍ وبَيتِ نارٍ أو بيعَةٍ ويَجعلَها على جِهةِ قُرباتٍ. انتهَى
والمُرادُ إذا لم يَعلَمْ وَرَثةَ واقِفِها، وإلا فللوَرثةِ أخذُها كما تقدَّمَ.
بل يَصحُّ الوَقفُ على مَنْ يَنزِلُها -أي الكَنائسَ والدُّيورةَ ونحوَها- مِنْ مارٍّ ومُجتازٍ بها فقط؛ لأنَّ الوَقفَ عليهم لا على البُقعةِ، والصَّدقةُ عليهم جائِزةٌ، ولو كانَ الوَقفُ على مَنْ يَمُرُّ بها أو يَجتازُ فقط فيَصحُّ الوَقفُ.
ولا يَصحُّ الوَقفُ على اليَهودِ والنَّصارى، ولا يَصحُّ الوَقفُ على كِتابةِ التَّوراةِ والإنجيلِ ولو كانَ الوَقفُ مِنْ ذِميٍّ؛ لوُقوعِ التَّبديلِ والتَّحريفِ.
وقد رُويَ مِنْ غيرِ وَجهٍ أنَّ النبيَّ ﷺ غَضِبَ لمَّا رَأى مع عُمرَ صَحيفةً فيها شيءٌ مِنْ التَّوراةِ، وكذا كُتبُ بِدعةٍ، ووَصيةٌ كوَقفٍ
стр. 6710
في ذلكَ المَذكورِ ممَّا تقدَّمَ، فتَصحُّ فيما يَصحُّ الوَقفُ عليه، وتَبطلُ فيما لا يَصحُّ عليه (١).
وقالَ المِرداويُّ ﵀: قَولُه: (ولا يَصحُّ على الكَنائسِ وبُيوتِ النارِ) وكذا البِيَعُ، وهذا المَذهبُ وعليه الأصحابُ، ونَصَّ عليه في الكَنائسِ والبِيَعِ.
وفي «المُوجَزِ» رِوايةٌ على الكَنيسةِ والبيعَةِ كمارٍّ بهِما.
فوائدُ:
الأُولى: الذِّميُّ كالمُسلمِ في عَدمِ الصِّحةِ في ذلكَ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، فلا يَصحُّ وَقفُ الذِّميِّ على الكَنائسِ والبيَعِ وبُيوتِ النارِ ونَحوِها، ولا على مَصالحِ شيءٍ مِنْ ذلكَ كالمُسلمِ، نَصَّ عليه، وقطَعَ به الحارِثيُّ وغَيرُه، قالَ المُصنِّفُ: لا نَعلمُ فيهِ خِلافًا.
وصحَّحَ في «الواضِح» وقْفَ الذِّميِّ على البيعَةِ والكَنيسةِ، وتَقدَّمَ كَلامُه في وَقفِ الذِّميِّ على الذِّميِّ.
الثانيةُ: الوَصيةُ كالوَقفِ في ذلكَ كُلِّه على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، قَدَّمَه في «الفُروعِ»، وقيلَ: مِنْ كافرٍ.
وقالَ في «الانتِصار»: لو نذَرَ الصَّدقةَ على ذِميَّةٍ لَزمَه، وذكرَ في المَذهبِ وغيرِه: يَصحُّ للكُلِّ، وذكَرَه جَماعةٌ رِوايةً.
وذكَرَ القاضي صِحَّتَها بحَصيرٍ وقَناديلَ.
стр. 6711
قالَ في «التَّبصِرَة»: إنْ وَصَّى لِمَا لا مَعروفَ فيه ولا بِرَّ ككَنيسةٍ أو كُتبِ التَّوراةِ لم يَصحَّ، وعنه: يَصحُّ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: وشَرطُ صِحةِ الوَقفِ أنْ يَكونَ قُربةً عندَنا وعندَهُم -أي أهلِ الذِّمةِ-، فإذا وقَفَ الذِّميُّ على بيعَةٍ فإذا خَرِبتْ كانَ للفُقراءِ لم يَصحَّ وكانَ ميراثًا عنه؛ لأنه ليس بقُربةٍ عندَنا كالوَقفِ على الحَجِّ أو العُمرةِ؛ لأنه ليس بقُربةٍ عندهُم، بخِلافِ ما لو وقَفَ على مَسجدِ بَيتِ المَقدسِ، فإنه صَحيحٌ؛ لأنه قُربةٌ عندَنا وعندَهُم.
وفي «الحاوي»: وَقفُ المَجوسيِّ على بَيتِ النارِ واليَهودِيِّ والنَّصرانِيِّ على البيعَةِ والكَنيسةِ باطِلٌ إذا كانَ في عَهدِ الإِسلامِ، وما كانَ منها في أيَّامِ الجاهِليةِ مُختلَفٌ فيهِ، والأصَحُّ أنه إذا دخَلَ في عَهدِ عَقدِ الذِّمةِ لا يُتعرَّضُ له (٢).
وقالَ الحدَّادُ الحَنفيُّ ﵀: ولا يَجوزُ الوَقفُ على البِيَعِ والكَنائِسِ ولا على قُطَّاعِ الطريقِ؛ لأنه لا قُربةَ فيهِ (٣).
وسُئلَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀ فيما إذا كانَ لنَصرانِيٍّ دارٌ مَعلومةٌ فوَقَفَها في صِحةٍ مُنجَّزًا على قَساقِسِ النَّصارى المَوجودينَ يَومئذٍ، ثمَّ مِنْ
стр. 6712
بَعدِهم على القَساقِسِ، وإنْ تَعذَّرَ ذلكَ فعلى فُقَراءِ النَّصارى، وكتَبَ بذلكَ صَكًّا، فهل يَجوزُ الوَقفُ ويَكونُ لفُقراءِ النَّصارى؟
(الجَوابُ): يَجوزُ الوَقفُ المَذكورُ، قالَ الإمامُ الخَصَّافُ في وَقفِ أهلِ الذِّمةِ: قُلتُ: فما تَقولُ إنْ قالَ: جَعلْتُ دارِي هذه صَدقةً مَوقوفةً تَجري غلَّتُها على فُقراءِ بيعَةِ كذا وكذا؟ قالَ: هذا جائِزٌ مِنْ قِبَلِ أنه إنَّما يُصرَفُ في هذا إلى الصَّدقةِ، ألَا تَرى أنه لو وقَفْ وَقفًا على فُقراءِ النَّصارى أني أُجيزُ ذلكَ، وكذلكَ لو عمَّمَ ولم يَخُصَّ فقال: تَجري غَلةُ صَدَقتي هذه على الفُقراءِ، قالَ: هذا جائِزٌ.
قُلتُ: فما تَقولُ لو جعَلَ الذِّميِّ أرضًا له صَدقةً مَوقوفةً فقالَ: تُنفَقُ غَلتَها على بيعَةِ كَذا وكَذا، فإنْ خَرِبتْ هذه البِيعةُ كانَتْ غَلةُ هذه الصَّدقةِ بعد النَّفقةِ عليها في الفُقراءِ والمَساكينِ؟
قالَ: لا يَجوزُ الوَقفُ، ويَكونُ على الفُقراءِ والمَساكينِ ولا يُنفَقُ على البيعَةِ مِنْ ذلكَ شيءٌ، قلتُ: وكذلكَ إنْ قالَ: تَجري غَلةُ هذه الضَّيعةِ على الرُّهبانِ والقِسِّيسينَ؟ قالَ: هذا باطِلٌ، قلتُ: فإنْ خَصَّ الرُّهبانَ والقِسِّيسينَ الذينَ في بيعَةِ كذا وكذا؟ قالَ: هذا كلُّهُ باطِلٌ. اه
وفي فَتاوى قارِئِ الهِدايَةِ: إذا وقَفَ الذِّميُّ على الكَنيسةِ أو البيعَةِ فهل يَجوزُ؟
أجابَ: الوَقفُ باطِلٌ ويَجوزُ بَيعُه ويُورَثُ عنه، وكذا إذا وقَفَ على
стр. 6713
الرُّهبانِ والقِسِّيسينَ، وإنْ وقَفَ على الفُقراءِ النَّصارى جازَ (١).
وسُئِلَ أيضًا في ذِميٍّ مَريضٍ مرَضَ المَوتِ وقَفَ دارَه على ابنَتَيهِ الذِّميتَينِ ثُمَّ مِنْ بَعدِهما على كَنيسةِ كذا، ثُمَّ هلَكَ مِنْ مَرضِه المَزْبورِ بعدَ ثلاثةِ أيامٍ عنهُما وعن زَوجةٍ وأخَوَينِ شَقيقَينِ لم يُجيزوا ذلكَ، فهل يَكونَ الوَقفُ غيرَ جائِزٍ؟
(الجَوابُ): نعم، قلتُ: وكلُّ وَقفٍ وقَفَه الذِّميُّ فجعَلَ غَلةَ ذلكَ فيما لا يَجوزُ، مِثل قَولِه في عِمارةِ البِيَعِ والكَنائِسِ وبُيوتِ النِّيرانِ والإسراجِ فيها ومَرمَّتِها، أليس ذلكَ باطِلًا؟ قالَ: بَلى (٢).
وجاءَ في «المُحيط البُرهانِي» للإمامِ بُرهانِ الدِّينِ ابنِ مازَةَ الحَنفيِّ ﵀: ذِميٌّ في يَديهِ أرضٌ أقَرَّ في صِحتِه أنَّ هذه الأرضَ وقَفَها رَجلٌ مُسلمٌ وكانَ يَملكُها وَقفًا صَحيحًا على أبوابِ البِرِّ وبِناءِ المَسجدِ أو ما أشبَهَ ذلكَ مِما يَتقرَّبُ به المُسلمونَ إلى اللهِ تعالى فإقرارُه جائِزٌ، وكذلكَ إنْ أقَرَّ به في مَرضِه، وهذه الأرضُ تَخرجُ مِنْ الثُّلثِ، فإقرارُه جائِزٌ.
وإنْ كانَ الذِّميِّ أقَرَّ بأنَّ هذا المُسلمَ وقَفَ هذه الأرضَ في الوُجوهِ التي لا يَتقرَّبُ بها المُسلمونَ إلى اللهِ تعالى نحو الوَقفِ على البِيَعِ والكَنائِسِ لم يَصحَّ إقرارُه، وتَخرجُ الأرضُ مِنْ يَدِ الذِّميِّ وتُجعلُ لبَيتِ مالِ المُسلمينَ،
стр. 6714
وإنْ كانَتْ هذه الأرضُ لا تَخرجُ مِنْ ثُلثِ مالِه فمِقدارُ الثُّلثِ يَجوزُ إقرارُه فيه فيما يَتقرَّبُ به المُسلمونَ إلى اللهِ تعالى، ويَكونُ لبَيتِ المالِ.
وإنْ أقَرَّ هذا الذِّميُّ أنَّ ذِميًّا كانَ يَملكُها جازَ إقرارُه فيما يَجوزُ مِنْ أوقافِ أهلِ الذِّمةِ، وبطَلَ إقرارُه فيما لا يَجوزُ مِنْ أوقافِهم، وتَخرجُ الأرضُ مِنْ يَدِه ويُجعَلُ لبَيتِ مالِ المُسلمينَ؛ لأنه لم يُسَمِّ مالِكَها (١).
وأمَّا المالِكيةُ فقالَ الرَّصَّاعُ في شَرحِه لحُدودِ ابنِ عَرفةَ المَوسومِ «الهِدايَة»: (قُلتُ): المَسألةُ التي وقَعَ فيها الرَّدُّ على الباجِي إذا حَبسَ (وقَفَ) مُسلمٌ على كَنيسةٍ، قالَ الباجِي: الأظهَرُ عِندي رَدُّه؛ لأنه مَعصيةٌ، كما لو صرَفَها إلى أهلِ الفسقِ، قالَ الشيخُ ﵀ عَقِبَ هذا الكَلامِ: قلتُ: عادَةُ الأشياخِ أنهم لا يَقولونَ: «الأظهَرُ عندي» إلا فيما فيهِ نَظرٌ، لا في أمرٍ ضَرورِيٍّ، ورَدُّ هذا الحَبسِ ضَروريٌّ مِنْ القَواعدِ الأُصوليةِ؛ لأنه تَسبَّبَ في مَعصيةٍ لو أعانَ عليها، وما هذا شَأنُه حرامٌ إجماعًا (٢).
وقالَ الدرْدِيرُ ﵀: وبطَلَ الوَقفُ على مَعصيةٍ كجَعلِ غلَّتِه في ثَمنِ خَمرٍ أو حَشيشةٍ أو سِلاحٍ لقِتالٍ غيرِ جائِزٍ، ويَدخلُ فيهِ وَقفُ الذِّميِّ على الكَنيسةِ، سواءٌ كانَ لعُبَّادِها أو لمَرمَّتِها؛ لأنَّ المَذهبَ خاطَبَهم بفُروعِ الشريعةِ (٣).
стр. 6715
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: قَولُه: (وبطَلَ على مَعصيةٍ) أي: ويَصيرُ ذلكَ المَوقوفُ مالًا مِنْ أموالِ الواقفِ يَملكُه ويُورَثُ عنه، لا أنه يَرجعُ مَراجِعَ الأحباسِ لأقربِ فُقراءِ عَصَبةِ المُحبِّسِ وإلى امرأةٍ لو كانَتْ رَجلًا عَصَّبتْ، ومُفهومُ «مَعصيةٍ» صحَّتُه على مَكروهٍ، وصُرِفتْ غَلتُه لتلكَ الجهةِ التي وُقِفَ عليها، وهو كذلكَ ولو اتُّفقَ على كراهَتِه، كما جَزَمَ به الشَّيخُ كَريمُ الدِّينِ، كما لو وقَفَ على مَنْ يُصلِّي رَكعتَينِ بعد العَصرِ، أو لمَن يَعملُ ذِكرًا يَلزمُ عليه رَفعُ الصَّوتِ في المَسجدِ، وكالوَقفِ على فَرشِ المَسجدِ بالبُسطِ، وقالَ بَعضُهم في المُتفَقِ على كَراهتِه: تُصرَفُ غَلةُ الوَقفِ في جهةٍ قَريبةٍ مِنْ الجِهةِ التي وقفَ عليها.
قولُه: (ويَدخلُ فيهِ … إلخ) ما ذكَرَه مِنْ بُطلانِ وَقفِ الذِّميِّ على الكَنيسةِ مُطلَقًا هو المُعتمَدُ، ولابنِ رُشدٍ قولٌ ثانٍ.
وحاصِلُه أنَّ وقْفَ الكافرِ على عُبَّادِ الكَنيسةِ باطِلٌ؛ لأنه مَعصيةٌ، وأمَّا على مَرمَّتِها أو على الجَرحى أو المَرضَى التي فيها فالوَقفُ صَحيحٌ مَعمولٌ به، فإذا أرادَ الواقفُ أو الأسقُفُ بيعَه ونُوزعَ في ذلكَ وترافَعوا إلينا راضِينَ بحُكمِنا فإنَّ للحاكِمِ أنْ يَحكمَ بينَهُم بحُكمِ الإسلامِ مِنْ صِحةِ الحَبسِ وعَدمِ بَيعهِ.
ولعِياضٍ قَولٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ الوَقفَ على الكَنيسةِ مُطلَقًا صَحيحٌ غيرُ لازِمٍ، سَواءٌ أشهَدُوا على ذلكَ الوَقفِ أم لا، بانَ مِنْ تحتِ يَدِ الواقفِ أم لا، وللواقِفِ الرُّجوعُ فيه مَتى شاءَ (١).
стр. 6716
وقالَ الشافِعيةُ: وإنْ وقَفَ مُسلمٌ أو ذمِّيٌّ على جِهةِ مَعصيةٍ كعِمارةِ الكَنائسِ ونَحوِها مِنْ مُتعبَّداتِ الكفَّارِ للتعبُّدِ فيها أو حُصرِها أو قَناديلِها أو خُدَّامِها -لأنَّ خدمتها مِنْ عِمارتِها- أو كُتبِ التَّوراةِ والإنجيلِ أو السِّلاحِ لقُطَّاعِ الطريقِ فباطِلٌ بلا خِلافٍ؛ لأنه إعانةٌ على مَعصيةٍ، والوَقفُ شُرعَ للتقرُّبِ، فهُما مُتضادَّانِ، وسواءٌ فيه إنشاءُ الكَنائسِ وتَرميمُها؛ لأنها مَجامِعُ الكُفرِ ومَشاتِمُ الرَّسولِ ﷺ ، وسَواءٌ مُنِعوا مِنْ ذلك أم لا، بأنْ تَكونَ في بلادٍ فُتِحتْ صُلحًا على أنْ تَكونَ رِقابُها لهم.
وكذا لو وقَفَ على حُصرِها وسُرجِها وكُتبِ التَّوراةِ والإنجيلِ؛ لأنهمْ حَرَّفوا وبَدَّلوا، ولا فرْقَ في ذلكَ بينَ أنْ يَكونَ الواقفُ مُسلمًا أو ذِميًّا.
قالَ الشِّربينيُّ ﵀: ولا يُعتبَرُ تَقييدُ ابنِ الرِّفعةِ عدَمَ صِحَّةِ الوَقفِ على التَّرميمِ بمَنعِه، فقدْ قالَ السُّبكيُّ أنه وَهمٌ فاحِشٌ؛ لاتِّفاقِهم على أنَّ الوَقفَ على الكَنائِسِ باطِلٌ وإنْ كانَتْ قَديمةً قبلَ البِعثةِ، فإذا لم نُصحِّحِ الوَقفَ عليها ولا على قَناديلِها وحُصرِها فكيفَ نُصحِّحُه على تَرميمِها؟! وإذا قُلنا ببُطلانِ وَقفِ الذِّميِّ على الكَنائِسِ ولم يَترافَعوا إلينا لم نَتعرَّضْ لهم، حيثُ لا يُمنَعونَ مِنْ الإظهارِ، فإنْ تَرافَعوا إلينا أبطَلْناهُ وإنْ أنفَذَه حاكِمُهم، لا ما وَقَفوهُ قبلَ المَبعَثِ على كَنائسِهم القَديمةِ فلا نُبطِلُه، بل نُقِرُّه حيثُ نُقِرُّها.
أمَّا عِمارةُ كَنائِسِ غيرِ التعبُّدِ ككنائسِ نُزولِ المارَّةِ فيَصحُّ الوَقفُ عليها كما قالَهُ الزَّركشيُّ وابنُ الرِّفعةِ وغَيرُهما كالوَصيةِ (١).
стр. 6717
وقالَ الإمامُ السُّبكيُّ ﵀: بناءُ الكَنيسةِ حَرامٌ بالإجماعِ، وكذا تَرميمُها، وكذلكَ قالَ الفُقهاءُ: لو وَصَّى ببِناءِ كَنيسةٍ فالوَصيةُ باطلةٌ؛ لأنَّ بِناءَ الكَنيسةِ مَعصيةٌ، وكذا تَرميمُها، ولا فرْقَ بينَ أنْ يَكونَ المُوصِي مُسلمًا أو كافرًا، وكذا لو وقَفَ على كَنيسةٍ كانَ الوَقفُ باطِلًا، مُسلمًا كانَ الواقفُ أو كافِرًا، فبناؤُها وإعادَتُها وتَرميمُها مَعصيةٌ، مُسلمًا كانَ الفاعِلُ لذلكَ أو كافرًا، هذا شَرعُ النبيِّ ﷺ ، وهو لازِمٌ لكلِّ مُكلَّفٍ مِنْ المُسلمينَ والكفَّارِ (١).
стр. 6718
الوَقفُ على المُباحِ:
قدْ تقدَّمَ الكَلامُ أنَّ مِنْ شُروطِ صِحةِ الوَقفِ أنْ يَكونَ على جِهةِ بِرٍّ وقُربَةٍ عند بَعضِ العُلماءِ كالحَنفيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ، لكنْ نَظرًا لأَهمِّيةِ هذه المَسألةِ أَفرَدْتُ ذِكرَها، وهي حُكمُ الوَقفِ على مُباحٍ، فأكثَرُ مَنْ شدَّدَ في عَدمِ جَوازِ الوَقفِ على المُباحِ هو شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ وتِلميذُه ابنُ القَيِّمِ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: الأصلُ أنَّ كلَّ ما شُرِطَ مِنْ العَملِ في الوُقوفِ التي تُوقَفُ على الأعمالِ فلا بُدَّ أنْ يَكونَ قُربةً، إمَّا واجِبًا وإمَّا مُستحبًّا، أمَّا اشتِراطُ عَملٍ مُحرَّمٍ فلا يَصحُّ باتِّفاقِ المُسلمينَ، بل كذلكَ المَكروهُ وكذلكَ المُباحُ على الصَّحيحِ …
إذا كانَتْ شُروطُ الواقفِ تَنقسِمُ إلى صَحيحٍ وباطِلٍ بالاتِّفاقِ فإنْ شرَطَ فِعلًا مُحرَّمًا ظهَرَ أنه باطِلٌ، فإنه لا طاعَةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ الخالقِ.
وإنْ شرَطَ مُباحًا لا قُربةَ فيهِ كانَ أيضًا باطِلًا؛ لأنه شرَطَ شَرطًا لا مَنفعةَ فيهِ لا له ولا للمَوقوفِ عليه، فإنه في نَفسِه لا يَنتفعُ إلا بالإعانةِ على البِرِّ والتَّقوَى.
وأمَّا بَذلُ المالِ في مُباحٍ فهذا إذا بذَلَه في حَياتِه مثلَ الابتِياعِ والاستِئجارِ جازَ؛ لأنه يَنتفعُ بتَناوُلِ المُباحاتِ في حَياتِه.
وأمَّا الواقفُ والمُوصِي فإنهما لا يَنتفعانِ بما يَفعلُ المُوصَى له والمَوقوفُ عليه مِنْ المُباحاتِ في الدُّنيا، ولا يُثابانِ على بَذلِ المالِ في ذلكَ
стр. 6719
في الآخِرةِ، فلو بذَلَ المالَ في ذلكَ عَبثًا وسَفهًا لم يَكنْ فيهِ حُجَّةٌ على تَناوُلِ المالِ، فكيفَ إذا أَلزَمَ بمُباحٍ لا غرَضَ له فيهِ؟! فلا هو يَنتفعُ به في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ، بل يَبقَى هذا مُنفِقًا للمالِ في الباطِلِ مُسَخَّرٌ مُعَذَّبٌ آكِلٌ لِلمالِ بالباطِلِ.
وإذا كانَ الشارعُ قد قالَ: «لا سَبْقَ إلَّا في خُفٍّ أو حافِرٍ أو نَصلٍ» فلمْ يُجوِّزْ بَذْلَ الجُعلِ في شَيءٍ لا يُستعانُ به على الجِهادِ وإنْ كانَ مُباحًا، وقد يَكونُ فيهِ مَنفعةٌ كما في المُصارَعةِ والمُسابَقةِ على الأقدامِ، فكيفَ يَبذلُ العِوضَ المُؤبَّدَ في عَملٍ لا مَنفعةَ فيهِ؟! لا سِيَّما والوَقفُ مُحبَّسٌ مُؤبَّدٌ، فكيفَ يحبسُ المالَ دائِمًا مُؤبَّدًا على عَملٍ لا يَنتفِعُ به هو ولا يَنتفعُ به العامِلُ؟! فيَكونُ في ذلكَ ضَررٌ على حَبسِ الوَرثةِ وسائِرِ الآدَميِّينَ بحَبسِ المالِ عليهم بلا مَنفعةٍ حصَلَتْ لأحَدٍ، وفي ذلكَ ضَررٌ على المُتناوِلينَ باستِعمالِهم في عَملٍ هُمْ فيهِ مُسخَّرونَ يَعوقُهُم عن مَصالِحِهم الدِّينيةِ والدُّنيويةِ، فلا فائِدةَ تَحصلُ له ولا لهم (١).
وقد قسَّمَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ شُروطَ الواقِفينَ إلى أربَعةِ أقسامٍ:
١ - شُروطٌ مُحرَّمةٌ في الشَّرعِ.
٢ - وشُروطٌ مَكروهةٌ للهِ تعالى ورَسولِه ﷺ .
٣ - وشُروطٌ تَتضمَّنُ ترْكَ ما هو أحَبُّ إلى اللهِ ورَسولِه.
٤ - وشُروطٌ تَتضمَّنُ فِعلَ ما هو أحَبُّ إلى اللهِ تعالى ورَسولِه.
стр. 6720
قالَ ابنُ القَيِّمِ: فالأقسامُ الثَّلاثةُ الأُوَلُ لا حُرمةَ لها ولا اعتِبارَ، والقِسمُ الرَّابعُ هو الشَّرطُ المُتَّبَعُ الواجِبُ الاعتِبارِ.
وقد أبطَلَ النبيُّ ﷺ هذه الشُّروطَ كلَّها بقَولِه: «مَنْ عَمِلَ عَملًا ليسَ عليهِ أمرُنَا فهو ردٌّ» (١)، وما رَدَّه رسولُ اللهِ ﷺ لم يَجُزْ لأحَدٍ اعتِبارُه ولا الإلزامُ به وتَنفيذُه، ومَن تَفطَّنَ لتَفاصيلِ هذه الجُملةِ التي هيَ مِنْ لَوازِمِ الإيمانِ تَخلَّصَ بها مِنْ آصارٍ وأغلالٍ في الدُّنيا، وإثمٍ وعُقوبةٍ ونَقصِ ثَوابٍ في الآخِرةِ، وباللهِ التَّوفيقُ (٢).
قالَ المِرداويُّ ﵀: تَنبيهٌ: ظاهِرُ كَلامِ المُصنِّفِ وغَيرِه أنَّ الشَّرطَ المُباحَ الذي لا يَظهرُ قَصدُ القُربةِ منه يَجبُ اعتِبارُه في كَلامِ الواقفِ.
قالَ الحارِثيُّ: وهو ظاهِرُ كَلامِ الأصحابِ، والمَعروفُ في المَذهبِ الوُجوبُ، قالَ: وهو الصَّحيحُ.
وقالَ في «الفائِق»: وقالَ شَيخُنا -يَعني به الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ ﵀: يُخَرَّجُ مِنْ شَرطِ كَونِه قُربةً اشتِراطُ القُربةِ في الأصلِ، يَلزمُ الشُّروطَ المُباحةَ. انتهى.
وقالَ في «الفُرُوع»: واختارَ شَيخُنا -يَعني به الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ- لُزومَ العملِ بشَرطٍ مُستحَبٍّ خاصَّةً، وذكَرَهُ صاحِبُ «المَذهَب»؛ لأنه لا يَنفعُه ويُعذرُ عليه، فبَذلُ المالِ فيهِ سَفهٌ ولا يَجوزُ. انتهى
стр. 6721
قالَ الحارِثيُّ: ومِن مُتأخِّري الأصحابِ مَنْ قالَ: لا يَصحُّ اشتِراطُه -يَعني المُباحَ- في ظاهِرِ المَذهبِ وعلَّلَه، قالَ: وهذا له قوَّةٌ على القَولِ باعتِبارِ القُربةِ في أصلِ الجِهةِ كما هو ظاهِرُ المَذهبِ، وإياه أرادَ بقَولِه: «في ظاهِرِ المَذهبِ» فيما أَرى، ويُؤيِّدُه مِنْ نَصِّ الإمامِ أحمَدَ، وذكَرَ النَّصَّ في الوَصيةِ. انتهى
والظاهِرُ أنه أرادَ بقَولِه: «مِنْ مُتأخِّري الأصحابِ» الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ ﵀، وكانَ في زَمنِه، وفي كَلامِ صاحِبِ «الفُرُوع» إيماءٌ إلى ذلكَ.
وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ أيضًا: الشَّرطُ المَكروهُ باطِلٌ اتِّفاقًا (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: إنَّما يَلزمُ الوَفاءُ بالشُّروطِ إذا لم يُفْضِ ذلكَ إلى الإخلالِ بالمَقصودِ الشَّرعيِّ الذي هو إمَّا واجِبٌ وإمَّا مُستحَبٌّ، فأمَّا المُحافَظةُ على بَعضِ الشُّروطِ مع فَواتِ المَقصودِ بالشُّروطِ فلا يَجوزُ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ وُجودُ ظُهورِ القُربةِ، بل يَكفي انتِفاءُ المَعصيةِ، كما سبَقَ مُفصَّلًا، فيَجوزُ الوَقفُ على المُباحِ عندَهُم (٣).
стр. 6722
الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكونَ المَوقوفُ عَليهِ ممَّن يَصحُّ أنْ يَملِكَ:
نَصَّ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ أنْ يَكونَ المَوقوفُ عليه ممَّن يَصحُّ أنْ يَملكَ، بأنْ يَكونَ أهلًا للتملُّكِ حُكمًا كالمَسجدِ والرِّباطِ والسَّبيلِ، أو حِسًّا كالآدَميِّ كزَيدٍ والفُقراءِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: فقدْ جَوَّزتُم الوَقفَ على المَساجِدِ والسِّقاياتِ وأشباهِها وهي لا تَملِكُ.
قُلنا: الوَقفُ هُناكَ على المُسلِمينَ، إلَّا أنه عُيِّنَ في نَفعٍ خاصٍّ لهم (١).
ويَندَرجُ تَحتَ هذا الشَّرطِ مَسألةٌ وهي:
اشْتِراطُ وُجودِ المَوقوفِ عَليهِ وقْتَ الوَقفِ (الوَقْفُ على الجَنينِ ومَن سَيُولَدُ لهُ):
اختَلفَ الفُقَهاءُ في المَوقوفِ عليه هل يُشترطُ أنْ يَكونَ مَوجودًا عندَ الوَقف؟ أم لا يُشترطُ ويَصحُّ ولو لم يَكنْ مَوجودًا عند الوَقفِ كالجَنينِ مثلًا أو مَنْ سَيُولدُ له؟
стр. 6723
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ لصِحةِ الوَقفِ أنْ يَكونَ المَوقوفُ عليهِ مَوجودًا وَقتَ الوَقفِ، فلا يَصحُّ الوَقفُ على مَنْ لا يَصحُّ تَملُّكُه.
قالَ الشافِعيةُ: إنْ وقَفَ على مُعيَّنٍ مِنْ واحِدٍ أو اثنَينِ أو جَمعٍ اشتُرطَ إمكانُ تَمليكِه في حالِ الوَقفِ عليه بوُجودِه في الخارِجِ، بأنْ يُوجَدَ خارِجًا مُتأهِّلًا للمِلكِ؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكُ المَنفعةِ، فلا يَصحُّ الوَقفُ على مَعدومٍ ك: على مَسْجِدٍ سَيُبنى أو على وَلدِه وهو لا ولَدَ له، ولا على فَقيرِ أولادِه ولا فَقيرَ فيهم، فإنْ كانَ فيهم فَقيرٌ وغَنيٌّ صَحَّ ويُعطَى منه أيضًا مَنْ افتَقرَ بعدُ.
وكذلكَ بكَونِه أهلًا لتَملُّكِ المَوقوفِ، فلا يَصحُّ الوَقفُ على جَنينٍ؛ لعَدمِ صِحةِ تَملُّكِه؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكٌ وإثباتُ حقٍّ ناجِزٍ، فأشبَهَ الهِبةَ، وليس كالوَصيةِ؛ لأنها تَتعلَّقُ بالمُستقبَلِ، وسَواءٌ أكانَ مَقصُودًا أم تابِعًا، حتى لو كانَ له أولادٌ وله جَنينٌ عند الوَقفِ لم يَدخلْ، نعم إنِ انفَصلَ دخَلَ مَعهُم، إلا أنْ يَكونَ الواقفُ قد سَمَّى المَوجودينَ أو ذكَرَ عدَدَهم فلا يَدخلْ.
ولا يَصحُّ الوَقفُ على المَيِّتِ؛ لأنه لا يَملِكُ، ولا على القِراءةِ على رأسِ قبْرِه أو قبْرِ أبيهِ الحَيِّ، ولا على أحَدِ هذَينِ الشَّخصَينِ؛ لعَدمِ تَعيينِ المَوقوفِ عليه (١).
стр. 6724
وقالَ الحَنابلة: يُشترطُ في الوَقفِ على مُعيَّنٍ مِنْ جِهةٍ كمَسجدِ كذا أو شَخصٍ كزَيدٍ أنْ يَملكَ مِلكًا مُستقِرًّا؛ لأنَّ الوَقفَ يَقتضي تَحبيسَ الأصلِ تَحبيسًا لا تَجوزُ إزالتُه، ومَن مِلكُه غيرُ ثابتٍ تَجوزُ إزالتُه، والوَقفُ على المَساجدِ ونحوِها وَقفٌ على المُسلمينَ، إلَّا أنه عُيِّنَ في نَفعٍ خاصٍّ لهم.
فلا يَصحُّ الوَقفُ على مَنْ لا يَملكُ، كالوَقفِ على مَجهولٍ كرَجلٍ؛ لصِدقِه بكلِّ رَجلٍ، وكمَسجدٍ فلا يَصحُّ؛ لصِدقِه بكلِّ مَسجدٍ، أو على مُبهَمٍ كأحَدِ هَذينِ الرَّجلينِ أو المَسجدينِ ونحوِهما؛ لتردُّدِه، ك: «بعتُكَ أحدَ هَذينِ العبدَينِ».
ولا يَصحُّ الوَقفُ على مَنْ لا يَملكُ، كقِنٍّ ومُدبَّرٍ وأُمِّ وَلدٍ ومَلَكٍ -بفَتحِ اللامِ: أحَدُ الملائِكةِ- وبَهيمةٍ؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكٌ، فلا يَصحُّ على مَنْ لا يَملكُ، وأمَّا الوَقفُ على المَساجدِ ونَحوِها فعلى المُسلمينَ، إلَّا أنه عُيِّنَ في نَفعٍ خاصٍّ لهم.
ولا يَصحُّ الوَقفُ أيضًا على حَملٍ أصالةً ك: «وَقَفتُ داري على ما في بَطنِ هذه المَرأةِ» فلا يَصحُّ؛ لأنه تَمليكٌ إذنْ، والحَملُ لا يَصحُّ تَمليكُه بغَيرِ الإرثِ والوَصيةِ، لا إنْ وقَفَ على الحَملِ تَبعًا لمَن يَصحُّ الوَقفُ عليه ك: «وَقَفتُ على أولادي، أو على أولادِ فُلانٍ» وفيهم حَملٌ، فيَشملُه الوَقفُ، أو قالَ: «وقَفْتُ هذا على أولادي ثمَّ أولادِهم أبَدًا، أو أولادِ زيدٍ ثم
стр. 6725
أولادِهم أبدًا» ونحوَه، فانتَقلَ الوَقفُ إلى بَطنٍ مِنْ أهلِ الوَقفِ وفيهم حَملٌ، فيَستحقُّ مَعهُم بوَضعِه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنه لا يُشترطُ لصِحةِ الوَقفِ أنْ يَكونَ المَوقوفِ عليه مَوجودًا وقتَ الوَقفِ، فيَصحُّ على الجَنينِ ومَن سيُولَدُ.
قالَ الحَنفيةُ: لا يُشترطُ لصِحةِ الوَقفِ على شيءٍ وُجودُ ذلكَ الشيءِ وَقتَه، فلو وقَفَ على أولادِ زَيدٍ ولا ولَدَ له أو على مَكانٍ هيَّأهُ لبِناءِ مَسجدٍ أو مَدرسةٍ صَحَّ في الأصَحِّ، وتُصرَفُ الغَلةُ للفُقراءِ إلى أنْ يُولدَ لزَيدٍ أوْ يُبنى المَسجدُ، بخِلافِ ما لو وقَفَ على مَسجدٍ سيَعمرُه ولم يُهيِّئْ مَكانَه لم يَصحَّ الوَقفُ.
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: هذا الوَقفُ يُسمَّى مُنقطِعَ الأولِ، قالَ في «الخانِيَّة»: ولو قالَ: «أَرضي صَدقةٌ مَوقوفةٌ على مَنْ يَحدثُ لي مِنْ الوَلدِ» وليس له ولَدٌ يَصحُّ، فإذا أُدركَتْ الغلَّةُ تُقسَمُ على الفُقراءِ، وإنْ حدَثَ له ولَدٌ بعدَ القِسمةِ تُصرَفُ الغَلةُ التي تُوجَدُ بعدَ ذلكَ إلى هذا الولَدِ؛ لأنَّ قولَه: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ» وَقفٌ على الفُقراءِ، وذِكرُ الوَلدِ الحادِثِ للاستِثناءِ، كأنه قالَ: «إلا إنْ حدَثَ لي وَلدٌ فغَلتُها له ما بَقيَ». اه
ومنه ما في «الإسْعَاف»: وقَفَ على وَلدِه وليس له إلا ولَدُ ابنٍ، تُصرَفُ الغَلةُ لوَلدِ الابنِ إلى أنْ يَحدُثَ للواقفِ وَلدٌ لصُلبِه فتُصرَفُ إليهِ. اه (٢).