قالَ الحارِثيُّ: ومِن مُتأخِّري الأصحابِ مَنْ قالَ: لا يَصحُّ اشتِراطُه -يَعني المُباحَ- في ظاهِرِ المَذهبِ وعلَّلَه، قالَ: وهذا له قوَّةٌ على القَولِ باعتِبارِ القُربةِ في أصلِ الجِهةِ كما هو ظاهِرُ المَذهبِ، وإياه أرادَ بقَولِه: «في ظاهِرِ المَذهبِ» فيما أَرى، ويُؤيِّدُه مِنْ نَصِّ الإمامِ أحمَدَ، وذكَرَ النَّصَّ في الوَصيةِ. انتهى
والظاهِرُ أنه أرادَ بقَولِه: «مِنْ مُتأخِّري الأصحابِ» الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ ﵀، وكانَ في زَمنِه، وفي كَلامِ صاحِبِ «الفُرُوع» إيماءٌ إلى ذلكَ.
وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ أيضًا: الشَّرطُ المَكروهُ باطِلٌ اتِّفاقًا (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: إنَّما يَلزمُ الوَفاءُ بالشُّروطِ إذا لم يُفْضِ ذلكَ إلى الإخلالِ بالمَقصودِ الشَّرعيِّ الذي هو إمَّا واجِبٌ وإمَّا مُستحَبٌّ، فأمَّا المُحافَظةُ على بَعضِ الشُّروطِ مع فَواتِ المَقصودِ بالشُّروطِ فلا يَجوزُ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ وُجودُ ظُهورِ القُربةِ، بل يَكفي انتِفاءُ المَعصيةِ، كما سبَقَ مُفصَّلًا، فيَجوزُ الوَقفُ على المُباحِ عندَهُم (٣).
стр. 6722
الشَّرطُ الثَّاني: أنْ يَكونَ المَوقوفُ عَليهِ ممَّن يَصحُّ أنْ يَملِكَ:
نَصَّ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ أنْ يَكونَ المَوقوفُ عليه ممَّن يَصحُّ أنْ يَملكَ، بأنْ يَكونَ أهلًا للتملُّكِ حُكمًا كالمَسجدِ والرِّباطِ والسَّبيلِ، أو حِسًّا كالآدَميِّ كزَيدٍ والفُقراءِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: فقدْ جَوَّزتُم الوَقفَ على المَساجِدِ والسِّقاياتِ وأشباهِها وهي لا تَملِكُ.
قُلنا: الوَقفُ هُناكَ على المُسلِمينَ، إلَّا أنه عُيِّنَ في نَفعٍ خاصٍّ لهم (١).
ويَندَرجُ تَحتَ هذا الشَّرطِ مَسألةٌ وهي:
اشْتِراطُ وُجودِ المَوقوفِ عَليهِ وقْتَ الوَقفِ (الوَقْفُ على الجَنينِ ومَن سَيُولَدُ لهُ):
اختَلفَ الفُقَهاءُ في المَوقوفِ عليه هل يُشترطُ أنْ يَكونَ مَوجودًا عندَ الوَقف؟ أم لا يُشترطُ ويَصحُّ ولو لم يَكنْ مَوجودًا عند الوَقفِ كالجَنينِ مثلًا أو مَنْ سَيُولدُ له؟
стр. 6723
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ لصِحةِ الوَقفِ أنْ يَكونَ المَوقوفُ عليهِ مَوجودًا وَقتَ الوَقفِ، فلا يَصحُّ الوَقفُ على مَنْ لا يَصحُّ تَملُّكُه.
قالَ الشافِعيةُ: إنْ وقَفَ على مُعيَّنٍ مِنْ واحِدٍ أو اثنَينِ أو جَمعٍ اشتُرطَ إمكانُ تَمليكِه في حالِ الوَقفِ عليه بوُجودِه في الخارِجِ، بأنْ يُوجَدَ خارِجًا مُتأهِّلًا للمِلكِ؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكُ المَنفعةِ، فلا يَصحُّ الوَقفُ على مَعدومٍ ك: على مَسْجِدٍ سَيُبنى أو على وَلدِه وهو لا ولَدَ له، ولا على فَقيرِ أولادِه ولا فَقيرَ فيهم، فإنْ كانَ فيهم فَقيرٌ وغَنيٌّ صَحَّ ويُعطَى منه أيضًا مَنْ افتَقرَ بعدُ.
وكذلكَ بكَونِه أهلًا لتَملُّكِ المَوقوفِ، فلا يَصحُّ الوَقفُ على جَنينٍ؛ لعَدمِ صِحةِ تَملُّكِه؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكٌ وإثباتُ حقٍّ ناجِزٍ، فأشبَهَ الهِبةَ، وليس كالوَصيةِ؛ لأنها تَتعلَّقُ بالمُستقبَلِ، وسَواءٌ أكانَ مَقصُودًا أم تابِعًا، حتى لو كانَ له أولادٌ وله جَنينٌ عند الوَقفِ لم يَدخلْ، نعم إنِ انفَصلَ دخَلَ مَعهُم، إلا أنْ يَكونَ الواقفُ قد سَمَّى المَوجودينَ أو ذكَرَ عدَدَهم فلا يَدخلْ.
ولا يَصحُّ الوَقفُ على المَيِّتِ؛ لأنه لا يَملِكُ، ولا على القِراءةِ على رأسِ قبْرِه أو قبْرِ أبيهِ الحَيِّ، ولا على أحَدِ هذَينِ الشَّخصَينِ؛ لعَدمِ تَعيينِ المَوقوفِ عليه (١).
стр. 6724
وقالَ الحَنابلة: يُشترطُ في الوَقفِ على مُعيَّنٍ مِنْ جِهةٍ كمَسجدِ كذا أو شَخصٍ كزَيدٍ أنْ يَملكَ مِلكًا مُستقِرًّا؛ لأنَّ الوَقفَ يَقتضي تَحبيسَ الأصلِ تَحبيسًا لا تَجوزُ إزالتُه، ومَن مِلكُه غيرُ ثابتٍ تَجوزُ إزالتُه، والوَقفُ على المَساجدِ ونحوِها وَقفٌ على المُسلمينَ، إلَّا أنه عُيِّنَ في نَفعٍ خاصٍّ لهم.
فلا يَصحُّ الوَقفُ على مَنْ لا يَملكُ، كالوَقفِ على مَجهولٍ كرَجلٍ؛ لصِدقِه بكلِّ رَجلٍ، وكمَسجدٍ فلا يَصحُّ؛ لصِدقِه بكلِّ مَسجدٍ، أو على مُبهَمٍ كأحَدِ هَذينِ الرَّجلينِ أو المَسجدينِ ونحوِهما؛ لتردُّدِه، ك: «بعتُكَ أحدَ هَذينِ العبدَينِ».
ولا يَصحُّ الوَقفُ على مَنْ لا يَملكُ، كقِنٍّ ومُدبَّرٍ وأُمِّ وَلدٍ ومَلَكٍ -بفَتحِ اللامِ: أحَدُ الملائِكةِ- وبَهيمةٍ؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكٌ، فلا يَصحُّ على مَنْ لا يَملكُ، وأمَّا الوَقفُ على المَساجدِ ونَحوِها فعلى المُسلمينَ، إلَّا أنه عُيِّنَ في نَفعٍ خاصٍّ لهم.
ولا يَصحُّ الوَقفُ أيضًا على حَملٍ أصالةً ك: «وَقَفتُ داري على ما في بَطنِ هذه المَرأةِ» فلا يَصحُّ؛ لأنه تَمليكٌ إذنْ، والحَملُ لا يَصحُّ تَمليكُه بغَيرِ الإرثِ والوَصيةِ، لا إنْ وقَفَ على الحَملِ تَبعًا لمَن يَصحُّ الوَقفُ عليه ك: «وَقَفتُ على أولادي، أو على أولادِ فُلانٍ» وفيهم حَملٌ، فيَشملُه الوَقفُ، أو قالَ: «وقَفْتُ هذا على أولادي ثمَّ أولادِهم أبَدًا، أو أولادِ زيدٍ ثم
стр. 6725
أولادِهم أبدًا» ونحوَه، فانتَقلَ الوَقفُ إلى بَطنٍ مِنْ أهلِ الوَقفِ وفيهم حَملٌ، فيَستحقُّ مَعهُم بوَضعِه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنه لا يُشترطُ لصِحةِ الوَقفِ أنْ يَكونَ المَوقوفِ عليه مَوجودًا وقتَ الوَقفِ، فيَصحُّ على الجَنينِ ومَن سيُولَدُ.
قالَ الحَنفيةُ: لا يُشترطُ لصِحةِ الوَقفِ على شيءٍ وُجودُ ذلكَ الشيءِ وَقتَه، فلو وقَفَ على أولادِ زَيدٍ ولا ولَدَ له أو على مَكانٍ هيَّأهُ لبِناءِ مَسجدٍ أو مَدرسةٍ صَحَّ في الأصَحِّ، وتُصرَفُ الغَلةُ للفُقراءِ إلى أنْ يُولدَ لزَيدٍ أوْ يُبنى المَسجدُ، بخِلافِ ما لو وقَفَ على مَسجدٍ سيَعمرُه ولم يُهيِّئْ مَكانَه لم يَصحَّ الوَقفُ.
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: هذا الوَقفُ يُسمَّى مُنقطِعَ الأولِ، قالَ في «الخانِيَّة»: ولو قالَ: «أَرضي صَدقةٌ مَوقوفةٌ على مَنْ يَحدثُ لي مِنْ الوَلدِ» وليس له ولَدٌ يَصحُّ، فإذا أُدركَتْ الغلَّةُ تُقسَمُ على الفُقراءِ، وإنْ حدَثَ له ولَدٌ بعدَ القِسمةِ تُصرَفُ الغَلةُ التي تُوجَدُ بعدَ ذلكَ إلى هذا الولَدِ؛ لأنَّ قولَه: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ» وَقفٌ على الفُقراءِ، وذِكرُ الوَلدِ الحادِثِ للاستِثناءِ، كأنه قالَ: «إلا إنْ حدَثَ لي وَلدٌ فغَلتُها له ما بَقيَ». اه
ومنه ما في «الإسْعَاف»: وقَفَ على وَلدِه وليس له إلا ولَدُ ابنٍ، تُصرَفُ الغَلةُ لوَلدِ الابنِ إلى أنْ يَحدُثَ للواقفِ وَلدٌ لصُلبِه فتُصرَفُ إليهِ. اه (٢).
стр. 6726
وقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: لا يُشترطُ لصِحةِ الوَقفِ على شيءٍ وُجودُ ذلكَ الشيءِ وقتَه، فلو وقَفَ على أولادِ زيدٍ ولا وَلدَ له صَحَّ، وتُصرَفُ الغَلةُ إلى الفُقراءِ إلى أنْ يُوجَدَ له وَلدٌ.
واختَلفُوا فيما إذا وقَفَ على مَدرسةٍ أو مَسجدٍ وهيَّأَ مَكانًا لبِنائِه قبلَ أنْ يَبنيَه، والصَّحيحُ الجَوازُ؛ أخذًا مِنْ السَّابقةِ كما في «فَتْح القَديرِ» (١).
قالَ الحَمويُّ ﵀ في شَرحِه على «الأشْبَاه»: قولُه: «لا يُشترطُ لصِحَّةِ الوقفِ على شيءٍ وُجودٍ ذلكَ الشيءِ إلخ … » قالَ بَعضُ الفُضَلاءِ: أصلُ المَسألةِ في «العِمادِيَّة» وفيهِ: «وجعَلَ آخِرَه للفُقراءِ»، ولا بدَّ مِنْ هذا القَيدِ؛ لانه مَدارُ الصِّحةِ، حتى لا يَكونَ وَقفًا على مَعدومٍ مَحضٍ، فإنَّ الوَقفَ على المَعدومِ لا يَجوزُ كما في «شَرْح الحَدَّادِيِّ»، ولذلكَ يَجوزُ الوَقفُ لو قالَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ» كما في «فَتاوى قاضي خان» وكثيرٍ مِنْ الكُتبِ، وذكَرَ أنه يَكونُ كما قالَ: «أَرضي صَدقةٌ مَوقوفةٌ على الفُقراءِ إلا إنْ حدَثَ لي وَلدٌ فغلَّتُها له ما بَقيَ». انتهى
ففي المَسألتينِ لا يَكونُ الوَقفُ على المَعدومِ المَحضِ كما في مسألةِ الحَدَّاديِّ. انتهى (٢).
فعَلى ما ذكَرَهُ الحَمويُّ أنه يُشترطُ لصِحةِ هذا الوَقفِ أنْ يقولَ: «وقَفتُ على أولادي -ولا وَلدَ له- ثم يَكونُ آخِرُه للفُقراءِ»؛ لأنَّ الوَقفَ
стр. 6727
على مَعدومٍ لا يَصحُّ، وهو ما يَتَّضحُ مِنْ كَلامِ الحَدَّادِ في «الجَوهَرة النيِّرَة» حَيثُ قالَ: ولو وقَفَ على مَعدومٍ كالوَقفِ على وَلدِه ولا وَلدَ له لم يَجُزْ (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا يُشترطُ لصِحةِ الوَقفِ أنْ يَكونَ المَوقوفُ عليه مَوجودًا وقتَ الوَقفِ، فلو قالَ: «أوقَفْتُ على وَلدِي -ولا ولَدَ له حينَ التَّحبيسِ- أو أوقَفْتُ على مَنْ سيُولَدُ لي -كانَ جَنينًا أو غيرَه- أو أوقَفتُ على وَلدِ فُلانٍ -ولا وَلدَ له» صحَّ الوقفُ وتُوقَفُ الغَلةُ إلى أنْ يُوجَدَ فيُعطاها، ما لم يَحصلْ مانِعٌ مِنْ الوُجودِ كمَوتٍ ويَأسٍ منه، فتَرجعُ الغَلةُ للمالِكِ أو وَرثتِه إذا ماتَ، ولكنَّه غيرُ لازِمٍ، بل يُوقَفُ لُزومُه كغَلتِه إلى أنْ يُوجَدَ فَيُعطاها ويَلزمُ، وعلى هذا فللمُحبِّسِ بَيعُ ذلكَ الوَقفِ قبلَ وِلادةِ المُحبَّسِ عليه عند الإمامِ مالكٍ (٢).
وإنْ لم يَحصلْ له يَأسُ مِنْ الوَلدِ لكنْ إنْ غَفلَ حتى حصَلَ عندَه وَلدٌ تمَّ الوَقفُ.
وقالَ ابنُ القاسِمِ: إنَّ الوَقفَ لازِمٌ بمُجرَّدِ عَقدِه، ولا يَكونُ مِلكًا إلا إذا حصَلَ له يَأسٌ مِنْ الوَلدِ، فيُوقَفُ أمرُ ذلك الحَبسِ للإياسِ.
стр. 6728
وقالَ ابنُ الماجشُونِ: يُحكَمُ بحَبسِه ويُخرجُ إلى ثِقةٍ ليَصحَّ الحَوزُ، وتُوقَفُ ثَمرتُه، فإنْ وُلدَ له فلهم، وإلا فلأقربِ الناسِ للمُحبِّسِ.
قالَ الدُّسوقِيُّ ﵀: والحاصِلُ أنه إذا قالَ: «وَقفٌ على وَلدي -ولا وَلدَ له- أو على مَنْ سيُولدُ» فالمَسألتانِ فيهما خِلافٌ، فمالِكٌ يَقولُ: الوَقفُ وإنْ كانَ صَحيحًا إلا أنه غيرُ لازِمٍ كغَلتِه إلى أنْ يُوجَدَ فيَلزمُ فيُعطاها، وعليه فللواقِفِ بَيعُ ذلكَ الوقفِ الآنَ قبلَ وِلادةِ المُحبَّسِ عليه.
وقالَ ابنُ القاسمِ: الوَقفُ لازمٌ بمُجرَّدِ عَقدِه، وإنه لا يَكونُ مِلكًا إلا إذا حصَلَ يَأسٌ مِنْ الوَلدِ، فيُوقفُ أمرُ ذلكَ الحَبسِ للإياسِ.
قالَ شَب (أي الشيخُ إبراهيمُ الشَّبرخيتيُّ): ويَبقَى النَّظرُ على قَولِ ابنِ القاسِمِ في غلَّتِه، هل تُوقَفُ فإنْ وُلدَ له كانَت الغَلةُ له كالحَبسِ وإلا فللمُحبِّسِ؟ أو لا تُوقَفُ فيَأخذُها المُحبِّسُ حتى يُولدَ له فتُعطى له مِنْ وَقتِ الوِلادةِ؟ اه، والظَّاهرُ أنها تُوقَفُ كما صرَّحَ به اللقَّانِيُّ.
وظاهِرُ المُصنِّفِ المَشيُ على قَولِ مالكٍ حَيثُ لم يُقيِّدْ باليأسِ كما قيَّدَ به ابنُ القاسِمِ، ومَحلُّ الخِلافِ إذا لم يَكنْ قد وُلدَ له سابقًا، أمَّا إنْ كانَ قد وُلدَ له فإنه ينتظرُ بلا نِزاعٍ، قالَه الشَّيخُ أحمدُ الزَّرقانِيُّ (١).
стр. 6729
الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ لا يَعودَ الوَقْفُ على نَفسِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ هل يُشترطُ لصِحتِه أنْ لا يَعودَ الوَقفُ على نَفسِ الواقفِ؟ أم يَجوزُ للإنسانِ أنْ يَقفَ على نَفسِه أو أنْ يَشترطَ الغَلةَ لنَفسِه؟
أ- وَقفُ الإنسانِ على نَفسِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في صِحةِ وَقفِ الإنسانِ على نَفسِه، هل يَصحُّ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه لا يَصحُّ وَقفُ الإنسانِ على نَفسِه؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكٌ إمَّا للرَّقبةِ أو المَنفعةِ، وكِلاهُما لا يَصحُّ هُنا؛ إذْ لا يجوزُ له أنْ يُملِّكَ نفسَه مِنْ نَفسِه كبَيعه مالَه مِنْ نَفسِه، ولقَولِه ﷺ : «حَبِّسِ الأصلَ وسَبِّلِ الثَّمرةَ» (١)، وبتَسبيلِ الثَّمرةِ يَمَعُ أنْ يَكونَ له فيها حقٌّ، ولأنَّ الوَقفَ صَدقةٌ، ولا تَصحُّ صَدقةُ الإنسانِ على نَفسِه، ولأنَّ الوقفَ عقدٌ يَقتضي زوالَ المِلكِ، فصارَ كالبَيعِ والهبةِ، فلمَّا لم تَصحَّ مُبايَعةُ نَفسِه ولا الهِبةُ بها لم يَصحَّ الوَقفُ عليها، ولأنَّ استِثناءَ مَنافعِ الوَقفِ لنَفسِه كاستِثنائِه في العِتقِ أحكامَ الرِّقِّ لنَفسِه، فلمَّا لم يَجُزْ هذا في العِتقِ لم يَجُزْ مثلُه في الوَقفِ، ولأنَّ الوقفَ يُوجِبُ إزالةَ مِلكٍ واستِحداثَ غيرِه، وهو إذا وقَفَ على نَفسِه لم يُزِلْ بالوقفِ مِلكًا ولا استَحدثَ به مِلكًا، فلم يَجُزْ أنْ يَصيرَ وَقفًا (٢).
стр. 6730
قالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ للإنسانِ أنْ يُوقفَ على نَفسِه؛ لأنَّ مَنْ ملَكَ شيئًا بجِهةٍ مِنْ الجِهاتِ لم يَملكْ نقْلَه إلى نَفسِه بغيرِ تلك الجِهةِ، أصلُه إذا وهَبَ شيئًا مِنْ مالِه، ولأنَّ فيهِ تَحجيرًا عليه وعلى وارِثِه بعد المَوتِ، وسَواءٌ كانَ ذلكَ على نَفسِه خاصَّةً -أي ابتِداءً- أو بعدَ أنْ حَبسَه على غيرِه كحَبسٍ على زَيدٍ وعَمرٍو ثمَّ بعد مَوتِهما على نَفسي ثم بعدِي على كذا، أو سكَتَ عمَّا بعدَ نَفسِه، والأُولى منهُما الوقفُ فيها مُنقطِعُ الوَسطِ، والثانيةُ مُنقطِعُ الآخِرِ، أو مع شَرِيكٍ كوَقفِه على نَفسِه وعلى فُلانٍ أو الفُقراءِ، كأنْ يَقفَ دارَينِ على نَفسِه وعلى شَخصٍ على أنَّ له إحداهُما مُعيَّنةً وللآخَرِ الأُخرى ولم يَحُزْ عنه قبلَ مَوتِهِ لم يَصِحُّ الوقفُ لا على نَفسِه ولا على شريكِه، أمَّا إنْ حازَه الشريكُ قبلَ المانعِ مِنْ مَوتٍ أو فَلسٍ أو جنونٍ فإن كانَ شائعًا فإنْ حازَ الجَميعَ قبلَ المانعِ صَحَّ له مَنابُه، وإلا فلا، فإنْ أوقَفَه على نَفسِه ثم على أولادِه وعَقبِه رجَعَ حَبسًا بعد مَوتِه على عَقبِه إنْ حازوا قبل المانعِ، وإلا بطَلَ، هذا إنْ أوقَفَ في صِحتِه، فإنْ أوقَفَ في مَرضِه صَحَّ إنْ حمَلَه الثلثُ (١).
стр. 6731
وقالَ الشافِعيةُ: لا يَصحُّ وَقفُ الشَّخصِ على نَفسِه في الأَصَحِّ المَنصوصِ؛ لتَعذُّرِ تَمليكِ الإنسانِ مِلكَه لنَفسِه؛ لأنه حاصِلٌ، وتَحصيلُ الحاصِلِ مُحالٌ؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكٌ للرَّقبةِ والمَنفعةِ، فلا يَجوزُ أنْ يُملِّكَ نفسَه مِنْ نَفسِه كما لا يَجوزُ ذلكَ في البَيعِ والهبةِ، ولقَولِه ﷺ : «حَبِّسِ الأصلِ وسَبِّلِ الثمرةَ»، وبتَسبيلِ الثمرةِ يَمنعُ أنْ يَكونَ له فيها حقٌّ، ولأنَّ الوقفَ صَدقةٌ ولا تَصحُّ صَدقةُ الإنسانِ على نَفسِه، ولأنَّ الوَقفَ عقدٌ يَقتضِي زوالَ المِلكِ، فصارَ كالبيعِ والهبةِ، فلمَّا لم تَصحَّ مُبايَعةُ نَفسِه ولا الهبةُ بها لم يَصحَّ الوَقف عليها، ولأنَّ استِثناءَ مَنافعِ الوَقفِ لنَفسِه كاستِثنائِه في العِتقِ أحكامَ الرِّقِّ لنَفسِه، فلمَّا لم يَجزْ هذا في العِتقِ لم يَجزْ مثلُه في الوقفِ، ولأنَّ الوقفَ يُوجِبُ إزالةَ ملكٍ واستِحداثَ غيرِه، وهو إذا وقَفَ على نَفسِه لم يُزِلْ بالوقفِ مِلكًا ولا استَحدثَ به مِلكًا، فلم يَجزْ أنْ يَصيرَ وَقفًا.
إلا أنه إذا حكَمَ به حاكِمٌ يَرى صِحتَه نفَذَ ولم يُنقَضْ؛ لأنها مَسألةٌ اجتِهاديةٌ.
ويُستثنَى مِنْ عَدمِ صِحةِ الوَقفِ على النَّفسِ ما لو وقَفَ على العُلماءِ ونحوِهم كالفُقراءِ واتَّصفَ بصِفتِهم، أو على الفُقراءِ ثم افتَقرَ، أو على المُسلمينَ كأنْ وقَفَ كِتابًا للقِراءةِ ونحوِها أو قِدرًا للطَّبخِ فيهِ أو كِيزانًا للشُّربِ بها ونحوَ ذلكَ، فله الانتفاعُ معهم؛ لأنهُ لم يَقصدْ نفسَه.
стр. 6732
ويَصحُّ شَرطُه النَّظرَ لنَفسِه ولو بمُقابِلٍ إنْ كانَ بقَدرِ أُجرةِ المِثلِ فأقلَّ؛ لأنَّ استِحقاقَه لها مِنْ جِهةِ العَملِ لا مِنْ جهةِ الوقفِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: لا يَصحُّ وَقفُ الإنسانِ على نَفسِه، فعن أحمدَ ﵀ في مَنْ وقَفَ على نَفسِه ثم على المَساكينِ أو على وَلدِه فقالَ في رِوايةِ أبي طالِبٍ وقد سُئلَ عن هذا فقالَ: لا أعرفُ الوَقفَ إلا ما أخرَجَه للهِ تعالى أو في سَبيلِه، فإذا وقَفَه عليه حتى يَموتَ فلا أعرفُه، ووَجهُه أنَّ الوَقفَ تَمليكٌ للرَّقبةِ أو للمَنفعةِ، ولا يَجوزُ أنْ يُملِّكَ الإنسانُ نفسَه مِنْ نفسِه كما لم يَجزْ أنْ يَبيعَ مالَه مِنْ نفسِه، ولأنَّ الوَقفَ على نفسِه إنَّما حاصِلُه مَنعُ نَفسِه مِنْ التصرفِ في رَقبةِ المِلكِ، فلم يَصحَّ ذلكَ، كما لو أفرَدُه بأنْ يَقولَ: «لا أبيعُ هذا ولا أهَبُه ولا أُورِّثُه».
فإنْ فعَلَ بأنْ وقَفَ على نَفسِه ثم على مَنْ يَصحُّ الوَقفُ عليه كوَلدِه صُرِفَ الوقفُ في الحالِ إلى مَنْ بعدَه في أصَحِّ الرِّوايتينِ؛ لأنَّ وُجودَ مَنْ لا يَصحُّ الوَقفُ عليه كعَدمِه، فيَكونُ كأنه وقَفَ على مَنْ بعدَه ابتِداءً، فإنْ لم يَذكرْ غيرَ نَفسِه فمِلكُه بحالِه ويُورَثُ عنه.
قالَ في «الفُرُوع»: ومتى حكَمَ به حاكِمٌ حيثُ يَجوزُ له الحُكمُ فظاهِرُ كلامِهم: يَنفذُ حُكمُه ظاهِرًا.
стр. 6733
قالَ في «شَرْح المُنتَهى»: ويُؤخَذُ منه جَوازُ القَضاءِ بالمَرجوحِ مِنْ الخِلافِ. انتهى
قالَ البُهوتيُّ ﵀: قلتُ: هذا في المُجتهِدِ كما يُشعرُ به قَولُه: «حيثُ يَجوزُ له الحكمُ»، أمَّا المُقلِّدُ فلا (١).
وذهَبَ أبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ -وهو المُعتمَدُ في المَذهبِ- والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ -وهو اختيارُ جَماعةٍ مِنهُم ابنُ سُريجٍ والزُّبيريُّ وابنُ الصَّباغِ وأكثَرُ مَشايخِ خُراسانَ، وجوَّزَ الرويانِيُّ الإفتاءَ به- والحَنابلةُ في رِوايةٍ -وعليها العَملُ عندَ الحَنابلةِ، وهي اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ- إلى أنه يَصحُّ أنْ يُوقِفَ الإنسانُ على نَفسِه؛ لأنَّ استحقاقَ الشيءِ وَقفًا غيرُ استِحقاقِه مِلكًا، وقدْ يَقصدُ حبْسَه ومنْعَ نَفسِه مِنْ التصرفِ المُزيلِ للمِلكِ، ولِما رُوِيَ أنَّ عُمرَ ﵁ لمَّا وقَفَ قالَ: «لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يَأكلَ منها بالمَعروفِ ويُطعِمَ غيرَ مُتموِّلٍ» (٢)، فجعَلَ لمَن يَليها أنْ يأكلَ منها، وقد يَليها الواقفُ وغيرُه، وقد كانَتْ بيَدِه إلى أنْ ماتَ.
ورُويَ أنَّ عُثمانَ ﵁ لمَّا وقَفَ بِئرَ رُومةَ قالَ: «دَلوِي منها كدِلاءِ المُسلمينَ» (٣)، ولأنَّ النبيَّ ﷺ أعتَقَ صَفيةَ وجعَلَ عِتقَها صَداقَها
стр. 6734
مُعادًا إليه بعدَ أنْ أخرَجَه للهِ، ولأنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ وقَفَ دارًا له فسكَنَها إلى أنْ ماتَ، وأنَّ الزُّبيرَ بنَ العوَّامِ ﵁ جعَلَ رَباعَه صَدقاتٍ مَوقوفاتٍ فسكَنَ مَنزلًا منها حتى خرَجَ إلى العِراقِ، وعن أنَسٍ ﵁ «أنَّ النبيَّ ﷺ رَأى رَجلًا يَسوقُ بَدنةً فقالَ له: اركَبْها، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ إنها بَدنةٌ، قالَ في الثالثةِ أو في الرابعةِ: اركَبْها وَيلَكَ أو وَيحَكَ» (١).
وعن أبي هُريرةَ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَجلًا يَسوقُ بَدنةً، فقالَ: اركَبْها، قالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنها بَدنةٌ، قالَ: اركَبْها وَيلَكَ، في الثانيةِ أو في الثالثةِ» (٢).
فإنه إذا جازَ له الانتفاعُ بما أهداهُ بعدَ خُروجِه عن مِلكِه بغَيرِ شَرطٍ فجَوازُه بالشَّرطِ أَولى.
ولأنه لمَّا استَوى هو وغيرُه في الوَقفِ العامِّ جازَ أنْ يَستويَ هو وغيرُه في الوَقفِ الخاصِّ، لأنَّ الوَقفَ وَقفانِ: وَقفٌ خاصٌّ، ووَقفٌ عامٌّ، ثمَّ ثبَتَ أنَّ الوَقفَ العامَّ له فيهِ حَظٌّ وهو إذا وقَفَ مَسجدًا أو سِقايَةً فإنَّ له أنْ يُصلِّيَ في المَسجدِ ويَشربَ مِنْ السِّقايةِ، فكذلكَ في الوَقفِ الخاصِّ (٣).
قالَ الحَنفيةُ: قالَ أبو يُوسفَ: إذا وقَفَ على نَفسِه ثمَّ على جِهاتٍ مِنْ بَعدِه جازَ؛ لِما رُويَ أنَّ عُمرَ ﵁ شرَطَ في وَقفِه «لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَه
стр. 6735
أنْ يأكلَ منه غيرَ مُتموِّلٍ»، وقد كانَ وَلِيَها بنفسِه، ولأنه أحَدُ نَوعَي الوَقفِ، فصَحَّ أنْ يكونَ الواقفُ أحدَ المَوقوفِ عليهم كالمَقبرةِ أو المَسجدِ، ولأنه وَقفٌ على مُعيَّنٍ، فصارَ كما لو وقَفَ على وَلدِه؛ لأنه شرَطَ الإنفاقَ منه على مَنْ لا مَعصيةَ عليه في الإنفاقِ عليه، كما لو شرَطَ أنْ يُنفقَ على غيرِه.
ولأنَّ الوَقفَ إزالةَ المِلكِ إلى اللهِ تعالى على وَجهِ القُربةِ، فإذا شرَطَ البَعضَ أو الكلَّ لنَفسِه فقدْ جعَلَ ما صارَ مَملوكًا للهِ تعالى لنَفسِه، لا أنْ يَجعلَ مِلكَ نَفسِه لنَفسِه، وهذا جائزٌ، كما إذا بَنى خانًا أو سِقايةً أو جعَلَ أرضَه مَقبرةً وشرَطَ أنْ يَنزلَه أو يَشربَ منه أو يُدفنَ فيه، ولأنَّ مَقصودَه القُربةُ، وفي الصَّرفِ إلى نَفسِه صَدقةٌ، قالَ ﵊: «نَفقةُ الرَّجلِ على نَفسِه صَدقةٌ»، قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: رُويَ معنَى هذا الحَديثِ مِنْ طُرقٍ كثيرةٍ يَبلغُ بها الشُّهرةَ، فرَوى ابنُ ماجَه مِنْ حَديثِ المِقدامِ بنِ مَعدِ يَكرِبَ عنه ﵊ قالَ: «ما مِنْ كَسبِ الرَّجلِ كَسبٌ أطيَبُ مِنْ عَملِ يَدِه، وما أنفَقَ الرَّجلُ على نَفسِه وأهلِه ووَلدِه وخادِمِه فهو له صَدقةٌ»، وأخرَجَه النَّسَائيُّ عن بَقيَّةَ عن بَحيرٍ بلَفظِ: «ما أَطْعَمْتَ نَفْسَكَ فهو لَكَ صَدقةٌ» الحَديث، وأخرَجَ ابنُ حبَّانَ في صَحيحِه عن أبي سَعيدٍ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «أيُّما رَجلٍ كسَبَ مالًا حلالًا فأطعَمَه نفسَه أو كَساها فمَن دونَه مِنْ خَلقِ اللهِ تَعالى فإنَّ له بها زَكاةً» (١)، ورواهُ الحاكِم إلا أنه قالَ: «فإنه له زَكاةٌ» وقالَ: صَحيحُ الإسنادِ ولم يُخرِّجاهُ.
стр. 6736
وأخرَجَ الحاكِمُ أيضًا والدَّارقطنيُّ عن جابرٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «كلُّ مَعروفٍ صَدقةٌ، وما أنفَقَ الرَّجلُ على نَفسِه وأهلِه فهو له صَدقةٌ، وما وَقَى به عِرضَه صَدقةٌ» الحَديث، وفيه: فقُلتُ لمُحمدِ بنِ المُنكدِرِ: ما مَعنى «وَقَى به عِرضَه»؟ قالَ: أنْ يُعطيَ الشاعرَ وذا اللِّسانِ المُتَّقى» وقال: صَحيحُ الإسنادِ (١).
وأخرَجَ الطَّبرانِيُّ عن أبي أُمامةَ عنه ﵊ قالَ: «مَنْ أنفَقَ على نَفسِه فهيَ له صَدقةٌ، ومَن أنفَقَ على امرَأتِه وأهلِه ووَلدِه فهوَ له صَدقةٌ» (٢).
وفي صَحيحِ مُسلِمٍ عن جابرٍ أنه ﵊ قالَ لرَجلٍ: «ابدَأْ بنَفسِكَ فتَصدَّقْ عليها، فإنْ فضَلَ شيءٌ فلأهلِكَ … الحَديث» (٣)، فقدْ تَرجَّحَ قَولُ أبي يُوسفَ، قالَ الصَّدرُ الشَّهيدُ: والفتوَى على قَولِ أبي يُوسفَ، ونحنُ أيضًا نُفتي بقَولِه؛ تَرغيبًا للناسِ في الوَقفِ، واختارَه مَشايخُ بَلخٍ، وكذا ظاهِرُ «الهِدايَة» حيثُ أخَّرَ وجْهَه ولم يَدفَعْه (٤).
стр. 6737
وقالَ المِرداويُّ: يَصحُّ الوَقفُ على النَّفسِ، وعليها -أي الرِّوايةِ- العَملُ في زَمنِنا وقبلَه عندَ حُكَّامِنا مِنْ أزمِنةٍ مُتطاوِلةٍ، وهو الصَّوابُ، وفيهِ مَصلحةٌ عَظيمةٌ وتَرغيبٌ في فِعلِ الخَيرِ، وهو مِنْ مَحاسنِ المَذهبِ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ويَصحُّ الوَقفُ على النَّفسِ، وهو أحَدُ الرِّوايتينِ عن أحمدَ، واختارَها طائِفةٌ مِنْ أصحابِه (٢).
ب- أنْ يَشترطَ الغَلةَ لنَفسِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اشتَرطَ الواقفُ الغلَّةَ لنَفسِه في حَياتِه، أوِ اشتَرطَ أنْ يأكلَ منها، هل يَصحُّ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في المُعتمَدِ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ -وهو اختيارُ جماعةٍ منهم ابنُ سُريجٍ والزُّبيريُّ وابنُ الصَّباغِ وأكثرُ مَشايخِ خُراسانَ، وجوَّزَ الرُّويانِيُّ الإفتاءَ به- إلى أنه يَصحُّ أنْ يَشترطَ الواقفُ الغَلةَ لنَفسِه ما دامَ حَيًّا، أو أنْ يَشترطَ أنْ يَأكلَ منها.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الواقفُ إذا اشتَرطَ في الوَقفِ أنْ يُنفِقَ منه على نَفسِه صَحَّ الوَقفُ والشرطُ، نَصَّ عليه أحمَدُ، قالَ الأثرمُ: قيلَ لأبي عَبدِ اللهِ: يَشترطُ في الوقفِ: «أني أُنفِقُ على نَفسي وأهلي منه»؟ قالَ: نعمْ، واحتَجَّ، قالَ: سَمعتُ ابنَ عُيينةَ عن ابنِ طاوسَ عن أبيهِ عن حجرٍ المدرِيِّ «أنَّ في صَدقةِ رَسولِ اللهِ ﷺ أنْ يَأكلَ منها أهلُه بالمَعروفِ غيرِ المُنكَرِ».
стр. 6738
وقالَ القاضي: يَصحُّ الوَقفُ رِوايةً واحِدةً؛ لأنَّ أحمَدَ نَصَّ عليها في رِوايةِ جَماعةٍ، وبذلكَ قالَ ابنُ أبي لَيلى وابنُ شُبرمةَ وأبو يُوسفَ والزُّبيرُ وابنُ شُريحٍ.
وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ: لا يَصحُّ الوَقفُ؛ لأنه إزالةُ الملكِ، فلمْ يَجُزِ اشتِراطُ نَفعِه لنَفسِه كالبَيعِ والهِبةِ وكما لو أعتَقَ عَبدًا بشَرطِ أنْ يَخدمَه، ولأنَّ ما يُنفِقُه على نَفسِه مَجهولٌ، فلم يَصحَّ اشتِراطُه كما لو باعَ شيئًا واشتَرطَ أنْ يَنتفعَ به.
ولنَا: الخبَرُ الذي ذكَرَه الإمامُ أحمدُ، ولأنَّ عُمرَ ﵁ لَمَّا وقَفَ قالَ: «ولا بَأسَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يَأكلَ منها أوْ يُطعِمَ صَديقًا غيرَ مُتموِّلٍ فيهِ»، وكانَ الوَقفُ في يَدِه إلى أنْ ماتَ، ولأنه إذا وقَفَ وَقفًا عامًّا كالمَساجدِ والسِّقاياتِ والرِّباطاتِ والمَقابرِ كانَ له الانتفاعُ به، فكذلكَ هاهُنا، ولا فرْقَ بينَ أنْ يَشترطَ لنَفسِه الانتفاعَ به مدَّةَ حياتِه أو مدَّةً مَعلومةً مُعيَّنةْ، وسواءٌ قدَّرَ ما يَأكلُ منه أو أطلَقَه، فإنَّ عُمرَ ﵁ لم يُقدِّرْ ما يأكلُ الوالي وما يُطعِمْ إلا بقَولِه: «بالمَعروفِ»، وفي حَديثِ صَدقةِ رَسولِ اللهِ ﷺ «أنه شرَطَ أنْ يَأكلَ أهلُه منها بالمَعروفِ غيرِ المُنكَرِ».
إلا أنه إذا شرَطَ أنْ يَنتفعَ به مدَّةً مُعيَّنةً فماتَ فيها فيَنبغي أنْ يَكونَ ذلكَ لوَرثتِه، كما لو باعَ دارًا واشتَرطَ أنْ يَسكُنَها سَنةً فماتَ في أثنائِها، واللهُ أعلَمُ.
وإنْ شرَطَ أنْ يَأكلَ أهلُه منه صَحَّ الوَقفُ والشَّرطُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ شرَطَ ذلكَ في صَدقتِه، وإنِ اشتَرطَ أنْ يَأكلَ مَنْ وَلِيَه منه
стр. 6739
ويُطعِمَ صَديقًا جازَ؛ لأنَّ عُمرَ ﵁ شرَطَ ذلكَ في صَدقتِه التي استَشارِ فيها رَسولَ اللهُ ﷺ ، فإنْ وَلِيَها الواقفُ كانَ له أنْ يَأكلَ ويُطعمَ صديقًا؛ لأنَّ عُمرَ وَلِيَ صَدقتَه، وإنْ وَلِيَها أحدٌ مِنْ أهلِه كانَ له ذلكَ؛ لأنَّ حَفصةَ بنتَ عُمرَ كانتْ تَلي صَدقتَه بعد مَوتِه، ثمَّ وَلِيَها بعدَها عَبدُ اللهِ ابنُ عُمرَ (١).
وقالَ الطَّحاويُّ ﵀: قالَ بشرٌ عن أبي يُوسفَ: ولو استَثنَى أنْ يُنفقَ منها على نَفسِه مِنْ الصَّدقةِ المَوقوفةِ حَياتَه وهي للأبَدِ فإنَّ ذلكَ جائِزٌ (٢).
واستَدلَّ الحَنفيةُ بالأدلَّةِ التي ذكَرْتُها في المَسألةِ السَّابقةِ في وَقفِ الإنسانِ على نَفسِه، ولأنَّ الوَقفَ إزالةَ المِلكِ إلى اللهِ تعالى على وَجهِ القُربةِ، فإذا شرَطَ البَعضَ أو الكلَّ لنَفسِه فقدْ جعَلَ ما صارَ مَملوكًا للهِ تعالى لنَفسِه، لا أنْ يَجعلَ مِلكَ نَفسِه لنَفسِه، وهذا جائزٌ، كما إذا بَنى خانًا أو سِقايةً أو جعَلَ أرضَه مَقبرةً وشرَطَ أنْ يَنزلَه أو يَشربَ منه أو يُدفنَ فيه، ولأنَّ مَقصودَه القُربةُ، وفي الصَّرفِ إلى نَفسِه صَدقةٌ، قالَ ﵊: «نَفقةُ الرَّجلِ على نَفسِه صَدقةٌ»، قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: رُويَ معنَى هذا الحَديثِ مِنْ طُرقٍ كثيرةٍ يَبلغُ بها الشُّهرةَ … فقدْ تَرجَّحَ قَولُ أبي يُوسفَ، قالَ الصَّدرُ
стр. 6740
الشَّهيدُ: والفتوَى على قَولِ أبي يُوسفَ، ونحنُ أيضًا نُفتي بقَولِه؛ تَرغيبًا للناسِ في الوَقفِ، واختارَه مَشايخُ بَلخٍ، وكذا ظاهِرُ «الهِدايَة» حيثُ أخَّرَ وجْهَه ولم يَدفَعْه (١).
وقالَ في «الإسْعَاف»: لو قالَ رَجلٌ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ على أنَّ لي غلَّتَها أبَدًا ما عِشتُ ثمَّ مِنْ بَعدي على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي ونَسلي أبدًا، أو قالَ: ثم مِنْ بَعدي على وَلدِ زَيدٍ ونَسلِه أبدًا ما تَناسَلوا ثم مِنْ بَعدِهم على المَساكينِ» يَجوزُ على قَولِ أبي يُوسفَ ﵀، وهو قَولُ أحمَدَ وابنِ أبي لَيلى وابنِ شُبرمةَ والزُّهريِّ وابنِ سُريجٍ مِنْ أصحابِ الشافعيِّ، وبه أخَذَ مَشايخُ بَلخٍ، وذكَرَ الصَّدرُ الشَّهيدُ أنَّ الفتوَى على قَولِه؛ تَرغيبًا للناسِ في الوَقفِ، ولا يَجوزُ على قِياسِ قَولِ مُحمدٍ، وبه قالَ هِلالٌ، وهو قولُ الشافِعيِّ ومالكٍ، وكذا لا يَجوزُ وَقفُه على نَفسِه، وفرَّعَ عليه هِلالٌ فُروعًا كَثيرةً (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وَيَجوزُ أيضًا للواقفِ إذا وقَفَ شيئًا أنْ يَستثنيَ مَنفعتَه وغلَّتَه جَميعَها لنَفسِه مُدَّةَ حياتِه، كما رُويَ عن الصَّحابةِ أنهم فَعَلوا ذلكَ، ورُويَ فيهِ حَديثٌ مُرسَلٌ عن النبيِّ ﷺ (٣).
стр. 6741
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه لا يَصحُّ اشتِراطُ أنْ يَأخذَ الغلَّةَ لنَفسِه ولا أنْ يَأكلَ منها؛ لقَولِه ﷺ : «حَبِّسِ الأصلَ وسَبِّلِ الثمرةَ»،
وبتَسبيلِ الثمرةِ يَمنعُ أنْ يَكونَ له فيها حقٌّ، ولأنَّ الوقفَ صَدقةٌ ولا تَصحُّ صَدقةُ الإنسانِ على نَفسِه، ولأنَّ استِثناءَ مَنافعِ الوَقفِ لنَفسِه كاستِثنائِه في العِتقِ أحكامَ الرِّقِّ لنَفسِه، فلمَّا لم يَجزْ هذا في العِتقِ لم يَجزْ مثلُه في الوقفِ.
قالَ الشافِعيةُ: إلا أنه إذا حكَمَ به حاكِمٌ يَرَى صِحتَه نفَذَ ولم يُنقَضْ؛ لأنها مَسألةٌ اجتِهاديةٌ (١).
الشَّرطُ الرابعُ: أنْ تَكونَ الجِهةُ المَوقوفُ عَليها غيرَ مُنقطِعَةٍ:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على صِحةِ الوَقفِ إذا كانَ غيرَ مُنقطِعٍ، بأنْ يَقفَ على جهةٍ لا تَنقطعُ كالمَساجدِ والفُقراءِ.
إلَّا أنهم اختَلفُوا فيما إذا كانَ الوَقفُ مُنقطِعَ الابتِداءِ أو الوَسطِ أو الانتِهاءِ هل يَصحُّ أم لا؟ على تَفصيلٍ، وبَيانُ ذلكَ يُتصوَّرُ في تَبيينِ حالاتِ وصُورِ الوَقفِ.
стр. 6742
صُوَرُ وحَالاتُ الوَقفِ:
الوَقفُ لا يَخلو مِنْ أحوالٍ:
١ - إمَّا أنْ يَكونَ مَعلومَ الابتِداءِ والانتِهاءِ (مُتصِلَ الأولِ والآخِرِ).
٢ - أو يَكونَ مَجهولَ الابتِداءِ والانتِهاءِ (مُنقطِعَ الأولِ والآخِرِ).
٣ - أو يَكونَ مَعلومَ الابتِداءِ مَجهولَ الانتِهاءِ (مُتصِلَ الأولِ مُنقطِعَ الآخِرِ).
٤ - أو يَكونَ مَجهولَ الابتِداءِ مَعلومَ الانتِهاءِ (مُنقطِعَ الأولِ مُتصِلَ الآخِرِ).
٥ - أوْ يَكونَ مَعلومَ الابتِداءِ والانتِهاءِ مَجهولَ الوَسطِ (مُتصِلَ الابتِداءِ والانتِهاءِ مُنقطِعَ الوَسطِ).
٦ - أنْ يَكونَ مَجهولَ الابتِداءِ والانتِهاءِ مُتَّصلَ الوَسطِ (مُنقطِعَ الطَّرفينِ صَحيحَ الوَسطِ).
الحالَةُ الأُولى: أنْ يَكونَ الوَقفُ مَعلومَ الابتِداءِ والانتِهاءِ (مُتصِلَ الأولِ والآخِرِ):
لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المُسلِمينَ على أنَّ الوَقفَ إذا كانَ مَعلومَ الابتِداءِ والانتِهاءِ فإنه صَحيحٌ، وذلكَ يُتصوَّرُ مِنْ وَجهَينِ:
أحَدُهما: أنْ يَقِفَه على قَومٍ مُعيَّنينَ بالصِّفةِ لا يَجوزُ بحُكمِ العادَةِ انقِطاعُهم، مِثلَ أنْ يَقِفَه على الفُقراءِ والمَساكينِ، أو على طَلبةِ العِلمِ أو أبناءِ
стр. 6743
السَّبيلِ وما أشبَهَ ذلكَ، أو على قَبيلةٍ لا تَنقطِعُ كبَني تَميمٍ، فهذا لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المُسلمينَ في جَوازِه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الوَقفُ الذي لا اختِلافَ في صِحتِه ما كانَ مَعلومَ الابتِداءِ والانتِهاءِ غيرَ مُنقطِعٍ، مثلَ أنْ يَجعلَ على المَساكينَ أو طائِفةً لا يَجوزُ بحُكمِ العادةِ انقِراضُهم (١).
الثَّاني: أنْ يَقفَه على قَومٍ مُعيَّنينَ يَنقطعونَ في العادةِ، ثمَّ بَعدَهم على مَنْ لا يَنقطعُ، مثلُ أنْ يَقفَه على أولادِه وأولادِ أولادِه، فإذا انقَرضوا فعلى الفُقراءِ والمَساكينِ؛ لأنَّ أثَرَ المَساكينِ لا يَنقطعُ أبَدًا، وكذلكَ إنْ قالَ: «هذا وَقفٌ على وَلدِي مدَّةَ حَياتي ثمَّ هو بعدَ مَوتي للمَساكينِ» صَحَّ؛ لأنه وَقفٌ مُتصِلُ الابتِداءِ والانتِهاءِ (٢).
стр. 6744
قالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ مِنْ الشافِعيةِ: ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ الابتِداءُ مَعلومًا بالصِّفةِ والانتِهاءُ مَعلومًا بالتَّعيينِ، مثلَ أنْ يَقولَ: «وَقَفتُ هذا على الفُقراءِ والمَساكينِ، ثمَّ على أولادي، أو على بَني تَميمٍ»؛ لأنَّ هذا لا يَفنى؛ لأنَّ الدُّنيا لا تَخلو مِنْ فُقراءَ ومَساكينَ.
قالَ: إلا أنْ يُقدِّرَه بمدَّةٍ، مِثل أنْ يَقولَ: «وَقَفتُه على الفُقراءِ والمَساكينِ سَنةً أو عشرَ سِنينَ، ثمَّ على أولادي ثُمَّ على بَني تَميمٍ» فيَصحُّ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ قالَ: «هو وَقفٌ على المَساكينِ ثمَّ على وَلدِه» صَحَّ للمَساكينِ دونَ وَلدِه؛ لأنَّ المَساكينَ لا انقِراضَ لهم (٢).
الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ يَكونَ الوَقفُ مَجهولَ الابتِداءِ والانتِهاءِ (مُنقطِعَ الأوَّلِ والآخِرِ):
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ الوَقفُ مَجهولَ الابتِداءِ والانتِهاءِ، هل يَصحُّ أم لا؟ مِثلَ أنْ يَقولَ: «وَقَفتُ داري على أولادي -ولا أولادَ له- أو على رِجالٍ، أو على عَبدِي، أو على حَملِ هذه المَرأةِ.
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَصحُّ الوقفُ؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكٌ للرَّقبةِ والمَنفعةِ، فلمْ يَصحَّ على مَنْ لا يَملكُ كالعَبدِ، ولا على الذي لم يُخلقْ، إلا تَبعًا؛ لأنه تَمليكٌ إذنْ، والحَملُ لا يَصحُّ تَمليكُه
стр. 6745
بغيرِ الإرثِ والوَصيةِ، كما لا يَصحُّ البَيعُ والإجارةُ مِنْ غيرِ مِلكٍ، ولا على المَجهولِ كرَجلٍ أو رِجالٍ (١).
وأمَّا الحَنفيةُ فلا يَصحُّ الوَقفُ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ حتى يَكونَ آخِرُه إلى جِهةٍ لا تَنقطِعُ كالفُقراءِ والمَساكينِ، ولا يَصحُّ أنْ يَكونَ مَقطوعَ الأولِ والآخِرِ اتِّفاقًا، وإنْ كانَ يُفهَمُ مِنْ عِبارةِ بَعضِهم كابنِ نُجيمٍ والحَصكفيِّ وابنِ عابدِينَ الصِّحةُ، قالَ في «الدُّر المُختَار»: صَحَّ الوَقفُ قبلَ وُجودِ المَوقوفِ عليه، فلو وقَفَ على أولاد زَيدٍ ولا ولَدَ له أو على مَكانٍ هيَّأهُ لبِناءِ مَسجدٍ أو مَدرسةٍ صَحَّ في الأصَحِّ، وتُصرَفُ الغَلةُ للفُقراءِ إلى أنْ يُولدَ لزَيدٍ أو يُبنَى المَسجدُ.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: (قَولُه: وتُصرَفُ الغَلةُ للفُقراءِ … إلخ) أقولُ: هذا الوَقفُ يُسمَّى مُنقطعَ الأولِ، قالَ في «الخَانِيَّة»: ولو قالَ: «أَرضي صَدقةٌ مَوقوفةٌ على مَنْ يَحدثُ لي مِنْ الوَلدِ» وليس له وَلدٌ يَصحُّ، فإذا أُدركَتِ الغَلةُ تُقسَمُ على الفُقراءِ، وإنْ حدَثَ له وَلدٌ بعدَ القِسمةِ تُصرَفُ الغَلةُ التي تُوجَدُ بعد ذلكَ إلى هذا الوَلدِ؛ لأنَّ قَولَه: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ» وَقفٌ على
стр. 6746
الفُقراءِ، وذكَرَ الوَلدِ الحادِثِ للاستِثناءِ، كأنه قالَ: «إلا إنْ حدَثَ لي وَلدٌ فغَلتُها له ما بَقيَ». اه
ومِنه ما في «الإسْعَاف»: وقَفَ على وَلدِه وليسَ له إلا وَلدُ ابنٍ، تُصرَفُ الغَلةُ لوَلدِ الابنِ إلى أنْ يَحدثَ للواقِفِ وَلدٌ لصُلبِه فتُصرَفُ إليه. اه (١).
وقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: لا يُشترطُ لصِحَّةِ الوَقفِ على شيءٍ وُجودُ ذلكَ الشيءِ وَقتَه، فلو وقَفَ على أولادِ زَيدٍ ولا وَلدَ له صَحَّ، وتُصرَفُ الغلَّةُ إلى الفُقراءِ إلى أنْ يُوجَدَ له وَلدٌ.
واختَلَفوا فيما إذا وقَفَ على مَدرسةٍ أو مَسجدٍ وهيَّأَ مَكانًا لبِنائِه قبلَ أنْ يَبنيهُ، والصَّحيحُ الجَوازُ؛ أخذًا مِنْ السَّابقةِ كما في «فَتْح القَديرِ» (٢).
قالَ الحَمويُّ في شَرحِه على «الأشْبَاه»: قَولُه: لا يُشترطُ لصِحةِ الوَقفِ على شيءٍ وُجودُ ذلكَ الشيءِ … إلخ، قالَ بَعضُ الفُضلاءِ: أصلُ المَسألةِ في «العِمادِيَّة» وفيهِ: «وجعَلَ آخِرَه للفُقراءِ» ولا بُدَّ مِنْ هذا القَيدِ؛ لأنه مَدارُ الصِّحةِ حتى لا يَكونَ وَقفًا على مَعدومٍ مَحضٍ، فإنَّ الوَقفَ على المَعدومِ لا يَجوزُ، كما في «شَرْح الحَدَّاديِّ»، ولذلكَ يَجوزُ الوَقفُ لو قالَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ» كما في «فَتاوى قَاضِي خَان» وكَثيرٍ مِنْ الكُتبِ، وذكرَ أنه يَكونُ كما قالَ: «أَرضي صَدقةٌ مَوقوفةٌ على الفُقراءِ إلا إنْ حدَثَ لي وَلدٌ فغَلتُها له ما بَقيَ». انتهى
стр. 6747
ففي المَسأَلتينِ لا يَكونُ الوَقفُ على المَعدومِ المَحضِ كما في مَسألةِ الحدَّاديِّ. انتهى (١).
فعَلى ما ذكَرَه الحَمويُّ أنه يُشترطُ لصِحةِ هذا الوَقفِ أنْ يَقولَ: «وَقَفتُ على أولادي -ولا وَلدَ له- ثمَّ يَكونُ آخِرُه للفُقراءِ»؛ لأنَّ الوَقفَ على مَعدومٍ لا يَصحُّ، وهو ما يَتَّضحُ مِنْ كلامِ الحَدَّاديِّ في «الجَوهَرة النَّيِّرَة» حَيثُ قالَ: ولو وقَفَ على مَعدومٍ كالوَقفِ على وَلدِه ولا ولَدَ له لم يَجزْ (٢).
أمَّا المالِكيةُ فعندَهُم ثَلاثةُ أقوالٍ:
الأوَّلُ: هو قَولُ الإمامِ مالكٍ، وعليه مَشَى خَليلٌ: أنه إنْ قالَ: «أوقَفْتُ على وَلَدي» ولا وَلَدَ له حِينَ التَّحبيسِ، أو: «أوقَفْتُ على مَنْ سيُولدُ لي، أو أوْقَفْتُ على وَلدِ فُلانٍ -ولا ولَدَ له» فإنه يَرجعُ مِلكًا للواقِفِ أو لوَرثتِه، فله بَيعُه مِنْ الآن وإنْ لم يَحصلْ له يَأسٌ مِنْ الوَلدِ، لكنْ إنْ غَفلَ حتى حصَلَ عندَه وَلدٌ تَمَّ الوَقفُ.
والثَّاني: لابنِ القاسِمِ: أنَّ الوَقفَ لازمٌ بمُجردِ عَقدِه، ولا يَكونُ مِلكًا إلا إذا حصَلَ له يَأسٌ مِنْ الوَلدِ، فيُوقفُ أمرُ ذلكَ الحَبسِ للإياسِ.
والثَّالثُ: لابنِ الماجشُونِ: أنه يُحكمُ بحَبسِه ويُخرَجُ إلى ثِقةٍ ليَصحَّ الحَوزُ وتُوقَفَ ثَمرتُه، فإنْ وُلدَ له فلهم، وإلَّا فلأقرَبِ الناسِ للمُحبِّسِ.
стр. 6748
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: والحاصِلُ أنه إذا قالَ: «وَقفٌ على وَلَدي -ولا ولَدَ له-، أو على مَنْ سيُولدُ» فالمَسألتانِ فيهما خِلافٌ.
فمالِكٌ يَقولُ: الوَقفُ وإنْ كانَ صَحيحًا إلا أنه غَيرُ لازِمٍ، كغلَّتِه إلى أنْ يُوجَدَ فيَلزمُ فيُعطاها، وعليه فللواقِفِ بَيعُ ذلكَ الوَقفِ الآنَ قبلَ وِلادةِ المُحبَّسِ عليه.
وقالَ ابنُ القاسمِ: الوَقفُ لازِمٌ بمُجردِ عَقدِه، وإنه لا يَكونُ مِلكًا إلا إذا حصَلَ يَأسٌ مِنْ الوَلدِ، فيُوقَفُ أمرُ ذلكَ الحَبسِ للإياسِ.
قالَ شَب (أي: الشَّيخُ إبراهِيمُ الشَّبرخيتيُّ): ويَبقى النَّظرُ على قَولِ ابنِ القاسِمِ في غلَّتِه، هل تُوقَفُ فإنْ وُلدَ له كانَتِ الغَلةُ له كالحَبسِ، وإلا فللمُحبِّسِ؟ أو لا تُوقَفُ فيَأخذُها المُحبِّسُ حتى يُولدَ له فتُعطَى له مِنْ وَقتِ الوِلادةِ؟ اه
والظاهِرُ أنها تُوقَفُ كما صرَّحَ به اللَّقانِيُّ.
وظاهِرُ المُصنِّفِ المَشيُ على قَولِ مالكٍ، حَيثُ لم يُقيِّدْ باليَأسِ كما قيَّدَ به ابنُ القاسمِ، ومَحلُّ الخِلافِ إذا لم يَكنْ قد وُلدَ له سابِقًا، أمَّا إنْ كانَ قد وُلدَ له فإنه ينتظرُ بلا نِزاعٍ، قالَه الشَّيخُ أحمدُ الزَّرقانِيُّ (١).
стр. 6749
الحالَةُ الثالِثةُ: أنْ يَكونَ مَعلومَ الابتِداءِ مَجهولَ الانتِهاءِ (مُتَّصِلَ الأولِ مُنقطِعَ الآخِرِ):
اختَلفَ الفُقَهاءُ فيما لو كانَ الوَقفُ مَعلومَ الابتداءِ مَجهولَ الانتِهاءِ، مثلَ أنْ يَقولَ: «وَقَفتُ هذا على أولادي» ويَسكتَ وله أولادٌ، أو: «على أولادي وأولادِ أولادي ما تَناسَلوا وتَعاقَبوا»، أو على رَجلٍ بعَينِه ثم على عَقبِه، أو: على أولادي ثمَّ على مَعصيةٍ أو على ما لا يَدومُ، ولم يَزدْ على هذا ولمْ يَصرِفْه بعد انقِراضِهم على سَبيلٍ لا يَنقطعُ، هل يَصحُّ هذا الوَقفُ أم لا؟
فذهَبَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ إلى أنَّ الوَقفَ باطِلٌ؛ لأنَّ مُقتَضى الوَقفِ التَّأبيدُ وأنْ يَتصلَ الثَّوابُ على الدَّوامِ، وهذا لا يُوجَدُ في هذا الوَقفِ؛ لأنه قد يَموتُ الرَّجلُ ويَنقطعُ عَقبُه، فلم يَصحَّ الوَقفُ كما لو كانَ مَجهولَ الابتِداءِ والانتهاءِ، ويَكونُ الوَقفُ باقِيًا على مِلكِ الواقفِ (١).
قالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ: لا يَتمُّ الوَقفُ حتى يُجعلَ آخِرُه لجِهةٍ لا تَنقطعُ أبدًا كالمَساكينِ ومَصالحِ الحَرمِ والمَساجدِ، بخِلافِ ما لو وقَفَ على مَسجدٍ مُعيَّنٍ ولم يَجعلْ آخِرَه لجِهةٍ لا تَنقطعُ، فلا يَصحُّ؛ لاحتِمالِ أنْ
стр. 6750
يَخربَ المَوقوفُ عليه؛ لأنَّ مَقصودَ الوَقفِ التَّأبيدُ كالعِتقِ، وهذا كقَولِه: «جَعلْتُ أَرضي هذه صَدقةً مَوقوفةً على أولادِ فُلانٍ ما تَناسَلوا فإذا انقَرَضوا كانَتْ غَلتُها للمَساكينِ»؛ لأنَّ أثَرَ المَساكينِ لا يَنقطعُ أبَدًا، وإذا لم يَقُلْ ذلكَ لم يَصحَّ؛ لأنَّ شرْطَ جَوازِه عندهُما أنْ يَكونَ مُؤبَّدًا، فإذا عيَّنَ جِهةً تَنقطعُ صارَ مُؤقَّتًا مَعنًى فلا يَجوزُ؛ لأنَّ حُكمَ الوَقفِ زَوالُ المِلكِ بغَيرِ التَّمليكِ، وإنه بالتَّأبيدِ كالعِتقِ، ولهذا كانَ التَّوقيتُ مُبطِلًا له كالتَّوقيتِ في البَيعِ (١).
وذهَبَ أبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ إلى أنَّ الوَقفَ صَحيحٌ.
قالَ أبو يُوسفَ: إذا سَمَّى جِهةً تَنقطعُ جازَ وصارَ بعدَها للفُقراءِ، وإنْ لم يُسمِّهمْ صارَ وَقفًا مُؤبَّدًا وإنْ لم يَذكُرِ التأبيدَ؛ لأنَّ لفْظَ الوَقفِ والصدقةِ مُنبئٌ عنه، فيُصرفُ إلى الجِهةِ التي سَمَّاها مدَّةَ دَوامِها، ويُصرفُ بعدَها للفُقراءِ وإنْ لم يُسمِّهم.
وذلكَ مِثلَ أنْ يَقولَ: «جَعلتُها صَدقةً مَوقوفةً للهِ تعالى أبدًا على وَلدِ فُلانٍ ووَلدِ وَلدِه» ولم يَذكُرِ الفُقراءَ ولا المَساكينَ؛ وذلكَ لأنه إذا جعَلَها للهِ فقد أبَّدَها؛ لأنَّ ما يَكونُ للهِ فهو يَنصرفُ إلى المَساكينِ، فصارَ كما لو ذكَرَهُم.
стр. 6751
لأنَّ المَقصودَ منه هو التَّقربُ إلى اللهِ تعالى به، وذلكَ يَحصلُ بجِهةٍ تَنقطعُ كما يَحصلُ بجِهةٍ لا تَنقطعُ، ثم يَصيرُ بعدَها للفُقراءِ (١).
وقالَ هِلالُ الرَّأْيِ ﵀: وقد قالَ ناسٌ مِنْ الفُقهاءِ: لا يَجوزُ الوَقفُ وإنْ قالَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ» حتى يَجعلَ آخِرَها للمَساكينِ.
ومِن حُجَّتِنا على مَنْ قالَ بهذا القَولِ السَّهمُ الذي جعَلَه عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ مِنْ وَقفِه لذَوي القُربى، ولم يَجعلْ آخِرَها للمَساكينِ.
ويَنبغي في قَولِ مَنْ خالَفَنا في ذلكَ أنْ يُبطِلَ السَّهمَ الذي جعَلَه عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ مِنْ وَقفِهِ لذَوي القُربى؛ لأنَّ آخِرَه ليس للمَساكينِ، وهذا جائِزٌ وهو جارٍ على ما أمَرَ به عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁، وقد بلَغَنا أنَّ الزُّبيرَ بنَ العوَّامِ ﵁ تصدَّقَ بدُورِهِ فقالَ: «هِي على المَردودةِ مِنْ بَناتي» (٢)، ولم يَبلغْنا أنه جعَلَ آخِرَها للمَساكينِ، فيَنبغي لمَن قالَ: «لا يَجوزُ الوَقفُ حتى يَكونَ آخِرُه للمَساكينِ» ألا يَجوزَ عندَه وَقفُ الزُّبيرِ ﵁، وليس هو بشَيءٍ، وهذا كلُّه جائِزٌ إذا قالَ: صَدقةٌ مَوقوفةٌ (٣).
стр. 6752
وقالَ المالِكيةُ: الوَقفُ يَتنوَّعُ إلى خَمسةِ أنواعٍ: مُنقطِع الأولِ، مُنقطِع الآخِرِ، مُنقطِع الطَّرَفينِ، مُنقطِع الوسَطِ، مُنقطِع الطَّرَفينِ والوَسطِ.
فالأولُ: كالوَقفِ على نَفسِه أو على مَعصيةٍ أو على مَيتٍ لا يَنتفعُ ثم على الفُقراءِ.
والثاني: كالوَقفِ على أولادِه ثُمَّ على مَعصيةٍ.
والثالثُ: كالوَقفِ على نَفسِه ثم على أولادِه ثمَّ على مَيتٍ لا يَنتفعُ.
والرَّابعُ: كالوَقفِ على أولادِهم ثمَّ على مَعصيةٍ ثمَّ على الفُقراءِ.
والخامِسُ: كالوَقفِ على نَفسِه ثم على أولادِه ثمَّ على المُحارِبينَ في جِهةٍ مُعيَّنةٍ ثم على مَدرسةٍ مُعيَّنةٍ ثم على الكَنيسةِ.
قالَ القَرافِيُّ ﵀: والظاهِرُ مِنْ مَذهبِنا أنه يَبطلُ فيما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه، ويَصحُّ إذا أمكَنَ الوُصولُ إليه ولا يَضرُّ الانقِطاعُ؛ لأنَّ
стр. 6753
الوَقفَ نَوعٌ مِنْ التَّمليكِ في المَنافعِ أو الأعيانِ، فجازَ أنْ يَعُمَّ أو يَخُصَّ كالعَواري والهِباتِ والوَصايا (١).
وقالَ الدُّسوقِيُّ ﵀: مَذهبُنا أنَّ الوَقفَ إذا كانَ فيهِ انقِطاعٌ في أولِه أو آخِرِه أو وَسطِه يَبطلُ فيما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه ويَصحُّ فيما يَصحُّ الوَقفُ عليه إنْ حصَلَ منه حَوزٌ قبلَ حُصولِ المانِعِ للوَقفِ، ولا يَضرُّ الانقِطاعُ؛ لأنَّ الوَقفَ نَوعٌ مِنْ التَّمليكِ في المَنافعِ فجازَ أنْ يُعمِّمَ فيه أو يَخُصَّ كالعَواري والهِباتِ والوَصايا (٢).
وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ: لو قالَ: «وَقَفتُ على أولادي، أو على زَيدٍ ثم نَسلِه» ونَحوِه ممَّا لا يَدومُ ولم يَزِدْ على ذلكَ مَنْ يُصرَفُ إليهِ بعدَهم فالأظهَرُ صِحةُ الوَقفِ؛ لأنَّ مَقصودَ الوَقفِ القُربةُ والدَّوامُ، وإذا بيَّنَ مَصرفَه ابتِداءً سَهلَ إدامَتهُ على سَبيلِ الخيرِ، ويُسمَّى مُنقطعَ الآخِرِ، ويُصرَفُ الوَقفُ على المَوقوفِ عليهم ما داموا.
فإذا انقَرَضوا -ومِثلُه الجَهلُ بأربابِ الوَقفِ- ففيهِ ثلاثةُ أقوالٍ:
أحَدُها: يُصرَفُ إلى المَساكينِ؛ لأنهم هم الذينَ يَؤولُ إليهِم الوَقفُ الصَّحيحُ في الانتِهاءِ.
والثَّاني: أنه يَرجعُ مِلكًا إلى الواقفِ إنْ كانَ باقيًا، أو إلى وارِثِه إنْ كانَ مَيتًا؛ لأنه جعَلَه وَقفًا على ما سمَّاه، فلا يَجوزُ أنْ يَكونَ وَقفًا على غيرِه، فرجَعَ إلى الواقفِ.
والثالثُ -وهو الصَّحيحُ في المَذهبِ-: أنه يُنقلُ إلى أقرَبِ الناسِ بالواقفِ؛ لأنَّ مِلكَه قد زالَ عنه على وَجهِ القُربةِ، فلم يَعُدْ إليه، كما لو أعتَقَ عَبدًا، وإذا لم يَعُدْ مِلكُه إليهِ كانَ أقارِبُه بعدَ مَنْ سَمَّاه أَولَى؛ لأنه قصَدَ جِهةَ الثَّوابِ، وأَولَى جِهاتِ الثَّوابِ أقارِبُه؛ لقَولِه ﷺ :
стр. 6754
«صَدَقتُكَ على المَساكينِ صَدقةٌ، وعلى ذي رَحمٍ اثنَتانِ: صَدقةٌ وصِلةٌ» (١).
ويَختصُّ المَصرفُ وُجوبًا بفُقراءِ قَرابةِ الرَّحمِ لا الإرثِ في الأصَحِّ، فيُقدَّمُ ابنُ بنتٍ على ابنِ عَمٍّ.
وإنْ كانَ هُناكَ قَرابةٌ له ذُكورٌ ونِساءٌ سوَّى بينَهُم فيُقدَّمُ الأقربُ فالأقربُ، فأقربُهُم الأولادُ، ثم أولادُهم وإنْ سَفَلوا، فإنْ لم يَكنْ أحَدٌ مِنهم فالأبَوانِ، فإنِ اجتَمَعا استَوَيا، فإنِ اجتَمعَ له جَدٌّ وأخٌ لأبٍ ففيهِ قَولانِ:
أحدُهُما: أنهما سَواءٌ، كما قُلنا في الميراثِ.
والثاني: أنَّ الأخَ أَولَى؛ لأنَّ تَعصيبَه تَعصيبُ الأولادِ.
وهل يَختصُّ به فُقراؤُهم؟ أو يَشتركُ به الأغنياءُ والفُقراءُ؟ فيهِ قَولانِ:
أحَدُهما: يَشتركُ فيهِ الأغنياءُ والفُقراءُ؛ لأنَّ اسمَ القَرابةِ يَجمعُهم.
والثَّاني: يَختصُّ به الفُقراءُ؛ لأنَّ القَصدَ منه القُربةُ، والقُربةُ في الفُقراءِ أكثَرُ ثَوابًا مِنْ الغَنيِّ.
فإنْ قيلَ: الزَّكاةُ وسائِرُ المَصارفِ الواجِبةِ عليه شَرعًا لا يَتعيَّنُ صَرفُها ولا الصَّرفُ منها إلى الأقارِبِ، فهلَّا كانَ الوَقفُ كذلكَ؟
أُجيبَ بأنَّ الأقارِبَ ممَّا حَثَّ الشارعُ عليهم في تَحبيسِ الوَقفِ؛ لقَولِه ﷺ لأبي طَلحةَ: «أرَى أنْ تَجعلَها في الأقرَبينَ» فجعَلَها في أقارِبِه وبَني عَمِّه.
стр. 6755
وأيضًا الزَّكاةُ ونحوُها مِنْ المَصارفِ الواجِبةِ لها مَصرِفٌ مُتعيِّنٌ فلم تَتعيَّنِ الأقارِبُ، وهُنا ليس مَعَنا مَصرفٌ مُتعيِّنٌ، والصَّرفُ إلى الأقارِبِ أفضَلُ، فعَيَّنَّاه.
فعلى هذا فإنْ لم يَكنْ له أقارِبُ صرَفَ الإمامُ الريعَ إلى مَصالحِ المُسلمينَ، يَضعُ غَلتُه في مَصالِحِهم.
وقيلَ: يُصرَفُ إلى الفُقراءِ والمَساكينِ.
وهذا إذا كانَ الواقفُ مالِكًا مُستقِلًّا، فإنْ وقَفَ الإمامُ مِنْ بَيتِ المالِ على بَني فُلانٍ ثم انقَرَضوا، قالَ الزَّركشيُّ: لم يُصرَفْ إلى أقارِبِ الإمامِ، بل في المَصالحِ.
وقد وقَعَ في «الفَتاوَى»: ولو لم يعرفْ أربابُ الوَقفِ فمَصرفُه كما في مُنقطِعِ الآخِرِ (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ كانَ غيرَ مَعلومِ الانتهاءِ مثلَ أنْ يَقفَ على قَومٍ يَجوزُ انقِراضُهم بحُكمِ العادةِ ولمْ يَجعلْ آخِرَه للمَساكينِ ولا لجِهةٍ غيرِ مُنقطِعةٍ فإنَّ الوَقفَ يَصحُّ، وبه قالَ مالِكٌ وأبو يُوسفَ والشافعيُّ في أحَدِ قَوليهِ.
стр. 6756
وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: لا يَصحُّ، وهو القَولُ الثَّاني للشافعيِّ؛ لأنَّ الوَقفَ مُقتَضاهُ التَّأبيدُ، فإذا كانَ مُنقطِعًا صارَ وَقفًا على مَجهولٍ، فلم يَصحَّ كما لو وقَفَ على مَجهولٍ في الابتِداءِ.
ولنا: أنه تَصرُّفٌ مَعلومُ المَصرِفِ، فصَحَّ كما لو صَحَّ بمَصرِفِه المُتصِلِ، ولأنَّ الإطلاقَ إذا كانَ له عُرفٌ حُمِلَ عليه، كنَقدٍ البَلدِ وعُرفِ المَصرفِ، وهاهُنا هم أَولَى الجِهاتِ به، فكأنه عيَّنَهم.
إذا ثبَتَ هذا فإنه يَنصرفُ عندَ انقِراضُ المَوقوفِ عليهم إلى أقارِبِ الواقفِ، وبه قالَ الشَّافعيُّ.
وعن أحمَدَ رِوايةٌ أخرى: أنه يَنصرفُ إلى المَساكينِ، واختارَهُ القاضي والشَّريفُ أبو جَعفرٍ؛ لأنه مَصرفُ الصَّدقاتِ وحُقوقِ اللهِ تعالى مِنْ الكفَّاراتِ ونَحوِها، فإذا وُجدَتْ صَدقةٌ غيرُ مُعيَّنةِ المَصرِفِ انصَرفَتْ إليهم، كما لو نذَرَ صَدقةً مُطلَقةً.
وعن أحمدَ رِوايةٌ ثالِثةٌ: أنه يُجعلُ في بَيتِ مالِ المُسلمينَ؛ لأنه مالٌ لا مُستحِقَّ له، فأشبَهَ مالَ مَنْ لا وارِثَ له.
وقالَ أبو يُوسفَ: يَرجعُ إلى الواقفِ وإلى وَرثتِه، إلَّا أنْ يَقولَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ يُنفَقُ منها على فُلانٍ وعلى فُلانٍ»، فإذا انقَرضَ المُسمَّى كانَتْ للفُقراءِ والمَساكينِ؛ لأنه جعَلَها صَدقةً على مُسمًّى فلا تَكونُ على غَيرِه، ويُفارِقُ ما إذا قالَ: «يُنفَقُ على فُلانٍ وفُلانٍ»؛ فإنه جعَلَ الصَّدقةَ مُطلَقةً.
стр. 6757
ولنا: أنه أزالَ مِلكَه للهِ تعالى، فلم يَجُزْ أنْ يَرجعَ إليه كما لو أعتَقَ عَبدًا، والدَّليلُ على صَرفِه إلى أقارِبِ الواقفِ أنهم أَولَى الناسِ بصَدقتِه، بدَليلِ قَولِ النبيِّ ﷺ : «صَدَقتُكَ على غيرِ رَحمِكَ صَدقةٌ، وصَدَقتُكَ على رَحمِكَ صَدقةٌ وصِلةٌ»، وقالَ ﷺ : «إنَّكَ إنْ تَدعْ وَرثتَكَ أغنياءَ خَيرٌ مِنْ أنْ تَدعَهُم عالَةً يَتكفَّفونَ الناسَ»، ولأنَّ فيه إغناءَهُم وصِلةَ أرحامِهم؛ لأنهم أَولَى الناسِ بصَدقاتِه النَّوافلِ والمَفروضاتِ، كذلكَ صَدَقتُه المَنقولةُ.
إذا ثبَتَ هذا فإنهُ في ظاهِرِ كَلامِ الخِرقيِّ وظاهرِ كَلامِ أحمدَ يَكونُ للفُقراءِ مِنهم والأغنياءِ؛ لأنَّ الوَقفَ لا يَختصُّ الفُقراءَ، ولو وقَفَ على أولادِه تَناوَلَ الفُقراءَ والأغنياءَ، كذا هاهُنا.
وفيهِ وَجهٌ آخَرُ: أنه يَختصُّ الفُقراءَ منهم؛ لأنهم أهلُ الصَّدقاتِ دونَ الأغنياءِ، ولأنَّا خصَّصَناهُم بالوَقفِ؛ لكَونِهم أَولَى الناسِ بالصَّدقةِ، وأَولَى الناسِ بالصَّدقةِ الفُقراءُ دونَ الأغنِياءِ.
واختَلفَتِ الرِّوايةُ فيمَن يَستحِقُّ الوَقفَ مِنْ أقرِباءِ الواقفِ:
ففي إحدَى الرِّوايتَينِ: يَرجعُ إلى الوَرثةِ مِنهم؛ لأنهمُ الذينَ صرَفَ اللهُ تعالى إليهم مالَه بعدَ مَوتِه واستِغنائِه عنه، فكذلكَ يُصرفُ إليهِم مِنْ صَدَقتِه ما لم يَذكرْ له مَصرِفًا، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّكَ إنْ تَدعْ وَرثتَكَ أغنياءَ خَيرٌ مِنْ أنْ تَدعَهُم عالَةً يَتكفَّفونَ الناسَ»، فعَلى هذا يَكونُ بينَهُم على حَسبِ مِيراثِهم، ويَكونُ وَقفًا عليهم، نَصَّ عليه أحمدُ وذكَرَه القاضي؛ لأنَّ
стр. 6758
الوَقفَ يَقتضِي التَّأبيدَ، وإنَّما صَرَفناهُ إلى هؤلاءِ لأنهُم أحَقُّ الناسِ بصَدقتِه، فصُرِفَ إليهِم مع بَقائِه صَدقةً، ويَحتمِلُ كلامُ الخِرقيِّ أنْ يُصرَفَ إليهِم على سَبيلِ الإرثِ ويَبطلَ الوَقفُ فيه، فعلى هذا يَكونُ كقَولِ أبي يُوسفَ.
(والرِّوايةُ الثانِيةُ): يَكونُ وَقفًا على أقرَبِ عَصَبةِ الواقفِ دونَ بَقيةِ الوَرثةِ مِنْ أصحابِ الفُروضِ، ودونَ البَعيدِ مِنْ العَصَباتِ، فيُقدَّمُ الأقرَبُ فالأقربُ على حَسبِ استِحقاقِهم لوَلاءِ المَوالي؛ لانهُم خُصُّوا بالعَقلِ عنه وبمِيراثِ مَواليه، فخُصُّوا بهذا أيضًا.
وهذا لا يَقوى عِندي؛ فإنَّ استِحقاقَهُم لهذا دونَ غَيرِهم مِنْ الناسِ لا يَكونُ إلا بدَليلٍ مِنْ نَصِّ أو إجماعٍ أو قِياسٍ، ولا نَعلمُ فيهِ نصًّا ولا إجماعًا، ولا يَصحُّ قِياسُه على مِيراثِ وَلاءِ المَوالي؛ لأنَّ عِلَّتَه لا تَتحقَّقُ هاهُنا، وأقرَبُ الأقوالِ فيهِ صَرفُه إلى المَساكينِ؛ لأنهم مَصارِفُ مالِ اللهِ تعالى وحُقوقِه، فإنْ كانَ في أقاربِ الواقفِ مَساكينُ كانوا أَولى به لا على سَبيلِ الوُجوبِ، كما أنهُم أَولى بزَكاتِه وصِلاتِه مع جَوازِ الصَّرفِ إلى غَيرهِم، ولأنَّنا إذا صَرَفناهُ إلى أقارِبِه على سَبيلِ التَّعيينِ فهي أيضًا جِهةٌ مُنقطِعةٌ، فلا يَتحقَّقُ اتِّصالُه إلا بصَرفِه إلى المَساكينِ، وقالَ الشافعيُّ: يَكونُ وَقفًا على أقرَبِ الناسِ إلى الواقفِ، الذَّكرُ والأُنثى فيهِ سَواءٌ.
فَصلٌ: فإنْ لم يَكنْ للواقِفِ أقارِبُ أو كانَ له أقارِبُ فانقَرَضوا صَرَفَه إلى الفُقراءِ والمَساكينِ وَقفًا عليهم؛ لأنَّ القَصدَ به الثَّوابُ الجاري عليه على وَجهِ الدَّوامِ، وإنَّما قَدَّمْنا الأقارِبَ على المَساكينِ لكَونِهم أَولى، فإذا لم يَكونوا
стр. 6759
فالمَساكينُ أهلٌ لذلكَ، فصُرِفَ إليهم، إلَّا على قَولِ مَنْ قالَ أنه يُصرَفُ إلى وَرثةِ الواقفِ مِلكًا لهم، فإنه يُصرَفُ عند عَدمِهم إلى بَيتِ المالِ؛ لأنه بطَلَ الوَقفُ فيه بانقِطاعِه وصارَ مِيراثًا لا وارِثَ له فكانَ بَيتُ المالِ به أَولى (١).
الحالَةُ الرابِعةُ: أنْ يَكونَ مَجهولَ الابتِداءِ مَعلومَ الانتِهاءِ (مُنقطِعَ الابتِداءِ مُتصِلَ الانتِهاءِ):
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ الوَقفُ مُنقطِعَ الابتِداءِ مُتصِلَ الانتِهاءِ، مثلَ أنْ يَقفَ على عَبدِه ثمَّ على المَساكينِ، أو يَقفَ على كَنيسةٍ ثمَّ على المَساكينِ، أو يَقِفَ على نَفسِه -عندَ مَنْ لا يُجيزُ الوَقفَ على النَّفسِ، وهُم الجُمهورُ كما تقدَّمَ- ثُمَّ على المَساكينِ، أو يَقفَ على وَلدِه ولا وَلدَ له ثمَّ على المَساكينِ، أو على قَومٍ غيرِ مُعيَّنينَ ثمَّ على المَساكينِ، أو على زَيدٍ ثمَّ على الفُقراءِ فرَدَّ زيدٌ الوَقفَ -عندَ مَنْ يَقولُ باشتِراطِ القَبولِ- هل يَبطلُ الوَقفُ بهذا أم يَصحُّ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَقفَ باطلٌ؛ لأنَّ الأولَ باطِلٌ لعَدمِ إمكانِ الصَّرفِ إليهِ في الحالِ؛ لأنه لم يَجدْ مُستحِقًّا وابتِداءً صَحيحًا يُبنَى عليه، ولأنَّ الثَّاني فرعٌ لأصلٍ باطلٍ، فكانَ باطلًا، ومِثلُه الوَقفُ على مَسجدٍ سيُبنَى (٢).
стр. 6760
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَقفَ صَحيحٌ.
قالَ المالِكيةُ: الوَقفُ إذا كانَ مُنقطعَ الأولِ كالوَقفِ على نَفسِه أو على مَعصيةٍ أو على مَيتٍ لا يَنتفعُ ثمَّ على الفُقراءِ فإنَّ الوَقفَ يَبطلُ فيما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه، ويَصحُّ إذا أمكَنَ الوُصولُ إليهِ ولا يَضرُّ الانقِطاعُ؛ لأنَّ الوَقفَ نَوعٌ مِنْ التَّمليكِ في المَنافعِ أو الأعيانِ، فجازَ أنْ يَعُمَّ أو يَخُصَّ كالعَواري والهِباتِ والوَصايا (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ كانَ الوَقفُ مُنقطِعَ الابتِداءِ مثلَ أنْ يَقفَه على مَنْ لا يَجوزُ الوَقفُ عليه كنَفسِه أو أمِّ وَلدِه أو عَبدِه أو كَنيسةٍ أو مَجهولٍ، فإنْ لم يَذكرْ له ما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه فالوَقفُ باطِلٌ، وكذلكَ إنْ جعَلَ مآلَه ممَّا لا يَجوزُ الوَقفُ عليهِ؛ لأنه أخَلَّ بأحَدِ شَرطَي الوَقفِ، فبطَلَ كما لو وقَفَ ما لا يَجوزُ وَقفُه.
وإنْ جعَلَ له ما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه مثلَ أنْ يَقفَه على عَبدِه ثمَّ على المَساكينِ ففي صِحتِه وَجهانِ؛ بِناءً على تَفريقِ الصَّفقةِ، وللشَّافعيِّ فيهِ قَولانِ كالوَجهَينِ.