← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

واحتَجُّوا على ذلك بما رَواه أبو داودَ وغيرُه عن أُمِّ سَلمةَ ﵂ قالَت: «كانَت النُّفساءُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ تَقعدُ بعدَ نِفاسِها أربَعينَ يَومًا أو أربَعينَ لَيلةً» (١). وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ والشافِعيُّ إلى أنَّ أكثَرَ النِّفاسِ سِتُّونَ يَومًا وهي رِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ حَكاها ابنُ عَقيلٍ واحتَجُّوا بما رُويَ عن الأَوزاعيِّ أنَّه قالَ: عندَنا امرَأةٌ تَرى النِّفاسَ شَهرَينِ، ورُويَ مِثلُ ذلك عن عَطاءٍ أنَّه وجَدَه، والمَرجعُ في ذلك إلى الوُجودِ. وعن الإمامِ مالِكٍ رِوايةٌ أُخرى أنَّه قالَ: لا حَدَّ لأكثَرِه، بل تَجلسُ أقصَى ما تَجلسُ النِّساءُ وتَرجعُ في ذلك إلى أهلِ العِلمِ والخِبرةِ منهُنَّ. ووَجهُ قَولِه هذا أنَّ العادةَ في هذا البابِ أصلٌ يُرجعُ إليه ويُعوَّلُ عليه، والنِّساءُ يَعرِفنَ ذلك ويُفرِّقنَ بينَ ما هو منه وما ليسَ منه، فيُرجعُ فيه إليهِنَّ. ويَدلُّ على هذه الجُملةِ قَولُه : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ فجعَلَهنَّ مُؤتَمناتٍ على ما يَخرُجنَ به من ذلك، وقَولُه ﷺ لفاطِمةَ بِنتِ أبي حُبَيشٍ أنَّها قالَت له: «إنَّ الدَّمَ قد غلَبَني فما أطهُرُ أفأدَعُ الصَّلاةَ؟» وذلك لخُروجِها عن عادَتِها وإنكارِها دَوامَه بها، فقالَ ﷺ : «إذا أقبَلَت الحَيضةُ فدَعي الصَّلاةَ فإذا أدبَرَت فاغتَسلي»، فوكَلَها إلى عِلمِها ومَعرِفتِها، ولم يُعلِّقْه بحَدٍّ (٢).

стр. 702

إذا انقطَعَ دَمُ النِّفاسِ قبلَ الغايةِ هل تُوطأُ؟ ذهَبَ الأئِمةُ الثَّلاثةُ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ إلى أنَّ المَرأةَ إذا انقطَعَ عنها دَمُ النِّفاسِ قبلَ الغايةِ؛ فإنَّها تَصومُ وتُصلِّي ويَطؤُها زَوجُها. وذهَبَ الإمامُ أحمدُ إلى أنَّه يُكرهُ للزَّوجِ أنْ يَطأَها قبلَ أنْ تَتمَّ الغايةُ عندَه، وهي أربَعونَ يَومًا؛ لحَديثِ عُثمانَ بنِ أبي العاصِ: «أنَّها أتَتْه -أي: امرأتُه- قبلَ الأربَعينَ، فقالَ: لا تَقرَبيني» (١). ولأنَّه لا يأمَنُ عَودَ الدَّمِ في زَمنِ الوَطءِ فيَكونُ وَطئًا في نِفاسٍ. قالَ ابنُ قُدامةَ: وهذا على سَبيلِ الاستِحبابِ؛ فإنَّا حَكَمنا لها بحُكمِ الطاهِراتِ، ولهذا يَلزمُها أنْ تَغتسلَ وتُصلِّيَ وتَصومَ. وإنْ عادَ دَمُها في مُدةِ الأربَعينَ ففيه رِوايتانِ، إحداهُما: أنَّه من نِفاسِها تَدعُ له الصَّومَ والصَّلاةَ، نُقلَ عن أحمدَ بنِ القاسِمِ أنَّه قالَ: فإنْ عاودَها الدَّمُ قبلَ الأربَعين أمسَكَت عن الصَّلاةِ والصَّومِ؛ فإنْ طهُرَت أيضًا اغتسَلَت

стр. 703

وصَلَّت وصامَت، وهذا قَولُ عَطاءٍ والشَّعبيِّ؛ لأنَّه دَمٌ في زَمنِ النِّفاسِ، فكانَ نِفاسًا كالأولِ، وكما لو اتَّصلَ. والثانيةُ: أنَّه مَشكوكٌ فيه، تَصومُ وتُصلِّي ثم تَقضي الصَّومَ احتِياطًا، وهذه الرِّوايةُ المَشهورةُ عنه نقَلَها الأثرَمُ وغيرُه، ولا يأتيها زَوجُها، وإنَّما ألزَمَها فِعلَ العِباداتِ في هذا الدَّمِ؛ لأنَّ سَببَها مُتيقَّنٌ، وسُقوطُها بهذا الدَّمِ مَشكوكٌ فيه، فلا يَزولُ اليَقينُ بالشَّكِّ، وأمَرَها بالقَضاءِ احتِياطيًّا؛ لأنَّ وُجوبَ الصَّلاةِ والصَّومِ مُتيقَّنٌ، وسُقوطُ الصَّومِ بفِعلِه في هذا الدَّمِ مَشكوكٌ فيه، فلا يَزولُ بالشَّكِّ. والفَرقُ بينَ هذا الدَّمِ وبينَ الزائِدِ على السِّتِّ والسَّبعِ في حَقِّ الناسيَةِ حيثُ لا يَجبُ قَضاءُ ما صامَته فيه مع الشَّكِّ؛ لأنَّ الغالِبَ مع عاداتِ النِّساء كَونُها سِتًّا أو سَبعًا، وما زادَ عليه نادِرٌ بخِلافِ النِّفاسِ، ولأنَّ الحَيضَ يَتكرَّرُ، فيَشقُّ إِيجابُ القَضاءِ فيه، والنِّفاسُ بخِلافِه، وكذلك الدَّمُ الزائِدُ على العادةِ في الحَيضِ. وقالَ مالِكٌ: إنْ رأتِ الدَّمَ بعدَ يَومَين أو ثَلاثةٍ فهو نِفاسٌ، وإنْ تَباعدَ ما بينَهما فهو حَيضٌ، ولأَصحابِ الشافِعيِّ وَجهانِ فيها إذا رأتِ الدَّمَ يَومًا ولَيلةً بعدَ طُهرٍ خَمسةَ عَشرَ يَومًا. أحدُهما: يَكونُ حَيضًا، والثاني: يَكونُ نِفاسًا. وقالَ القاضِي: إنْ رأتِ الدَّمَ أقَلَّ من يَومٍ ولَيلةٍ بعدَ طُهرٍ خَمسةَ عَشرَ يَومًا، فهو دَمُ فَسادٍ تُصلِّي وتَصومُ ولا تَقضي، وهذا قَولُ أبي ثَورٍ وإنْ كانَ الدَّمُ الثاني

стр. 704

يَومًا ولَيلةً فالحُكمُ فيه كما قُلناه، من أنَّها تَصومُ وتُصلِّي وتَقضي الصَّومَ (١). الدَّمُ النازِلُ بعدَ السَّقطِ هل هو دَمُ نِفاسٍ أو لا؟ اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المَرأةَ إذا أسقَطَت جَنينًا قد استَبانَ بعضُ خَلقِه كأُصبُعٍ مَثلًا فهو وَلدٌ تَصيرُ به المَرأةُ نُفساءَ؛ لأنَّه بَدءُ خَلقِ آدَميٍّ وتَنقَضي به عِدةُ المَرأةِ. إلا أنَّهم اختَلَفوا فيما إذا لم يَستَبنْ شَيءٌ من خَلقِه هل يُعتبَرُ الدَّمُ النازِلُ بعدَ ذلك دَمَ نِفاسٍ أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا لم يَستبِنْ خَلقُ الجَنينِ؛ فإنَّ الدَّمَ النازِلَ لا يُعتبَرُ نِفاسًا وإنَّما هو دَمُ استِحاضةٍ إلا إنْ أمكَنَ جَعلُه دَمَ حَيضٍ عندَ الحَنفيةِ. قالَ الحَنفيةُ: السَّقطُ إذا استَبانَ بعضُ خَلقِه كإصبَعٍ أو ظُفرٍ فهو مِثلُ الوَلدِ التامِّ يَتعلَّقُ به أَحكامُ الوِلادةِ من انقِضاءِ العِدةِ وصَيرورةِ المَرأةِ نُفساءَ لحُصولِ العِلمِ بكَونِه وَلدًا مَخلوقًا عن الذَّكرِ والأُنثَى. وإذا لم يَكُنِ استَبانَ من خَلقِه شَيءٌ فهذه عَلقةٌ أو مُضغةٌ فلم يَكنْ للدَّمِ المَرئيِّ بعدَها حُكمُ النِّفاسِ وأنَّه ليسَ بوَلدٍ؛ لأنَّا لا نَدري ذاكَ هو المَخلوقُ من مائِهما أو دَمٌ جامِدٌ أو شَيءٌ من الأَخلاطِ الرَّديةِ استَحالَ إلى صُورةِ لَحمٍ

стр. 705

فلا يَتعلَّقُ به شَيءٌ من أَحكامِ الوِلادةِ ولا تُصبحُ به المَرأةُ نُفساءَ ولا تَنقَضي به عِدَّتُها؛ لأنَّ الحَملَ اسمٌ لنُطفةٍ مُتغيرةٍ بدَليلِ أنَّ الساقِطَ إذا كانَ عَلقةً أو مُضغةً لم تَنقَضِ به العِدةُ؛ لأنَّها لم تَتغيَّرْ، فلا يُعرفُ كَونُها مُتغيرةً بيَقينٍ إلا باستِبانةِ بعضِ الخَلقِ. وقالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: إنَّه لا يَستَبينُ خَلقُه إلا بعدَ مِئةٍ وعِشرينَ يَومًا، وظاهِرُ ما قدَّمَه عن الذَّخيرةِ أنَّه لا بدَّ من وُجودِ الرأسِ. وفي الشُّمُنيِّ: ولو ألقَت مُضغةً ولم يَتبيَّنْ شَيءٌ من خَلقِه فشهِدَت ثِقاتٌ من القَوابلِ أنَّه مَبدأُ خَلقِ آدَميٍّ ولو بَقيَ لتَصوَّرَ فلا غِرةَ فيه وتَجبُ فيه عندَنا حُكومةٌ (١). ولكنْ إنْ أمكَنَ جَعلُ المَرئيِّ من الدَّمِ حَيضًا بأنْ يَدومَ إلى أقَلِّ مُدةِ الحَيضِ، وتقدَّمَه طُهرٌ تامٌّ يُجعلُ حَيضًا، وإنْ لم يُمكِنْ كانَ استِحاضةً. وقالَ السَّرخَسيُّ: فإنْ رأتِ الدَّمَ قبلَ إِسقاطِ السَّقطِ؛ فإنْ كانَ السَّقطُ مُستَبينَ الخَلقِ لا تَتركُ الصَّلاةَ والصَّومَ بالدَّمِ المَرئيِّ قبلَه، وإنْ كانَت ترَكَت الصَّلاةَ فعليها قَضاؤُها؛ لأنَّه تَبيَّن أنَّها كانَت حامِلًا حينَ رأتِ الدَّمَ وليسَ لدَمِ الحامِلِ حُكمُ الحَيضِ وهي نُفساءُ فيما تَراه بمَدِّ السَّقطِ. وإنْ لم يَكُنِ السَّقطُ مُستَبينَ الخَلقِ فما رأتْه قبلَ السَّقطِ حَيضٌ، إنْ أمكَنَ أنْ يُجعلَ حَيضًا بأنْ وافَقَ أيامَ عادَتِها وكانَ مَرئيًّا عُقَيبَ طُهرٍ صَحيحٍ؛

стр. 706

لأنَّه تَبيَّن أنَّها لم تَكنْ حامِلًا، ثم إنْ كانَ ما رأتْ قبلَ السَّقطِ في مُدةٍ تامةٍ فما رأت بعدَ السَّقطِ استِحاضةٌ، وإنْ لم تَكنْ مُدةً تامةً تُكملْ مُدَّتَها مما رأت بعدَ السَّقطِ ثم هي مُستحاضةٌ بعدَ ذلك؛ فإنْ كانَت أَيامُها ثَلاثةً فرَأت قبلَ السَّقطِ ثَلاثةً دَمًا ثم استمَرَّ بها الدَّمُ بعدَ السَّقطِ فحَيضُها يَكونُ الثَّلاثةَ التي رَأتها قبلَ السَّقطِ وهي مُستحاضةٌ فيما رَأت بعدَ السَّقطِ. وإنْ كانَ ما رأت قبلَ السَّقطِ يَومًا أو يَومَين تُكملُ مُدتَها ثَلاثةَ أَيامٍ مما تَراه بعدَ السَّقطِ ثم هي مُستحاضةٌ بعدَ ذلك. وإنْ لم تَرَه قبلَ السَّقطِ ورَأته بعدَه؛ فإنْ كانَ السَّقطُ مُستَبينَ الخَلقِ فهي نُفساءُ، وإنْ لم يَكنْ مُستَبينَ الخَلقِ؛ فإنْ أمكَنَ جَعلُ ما تَراه بعدَ السَّقطِ حَيضًا يُجعلُ حَيضًا لها بعَدلِ أَيامِ عادتِها وإنْ لم يُمكِنْ جَعلُه حَيضًا فهي مُستحاضةٌ في ذلك (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ النِّفاسَ يَثبتُ بالدَّمِ المُجتمعِ الذي إذا صُبَّ عليه الماءُ الحارُّ لا يَذوبُ، وهي العَلقةُ، فيَكونُ الدَّمُ النازِلُ بعدَه نِفاسًا وتَنقَضي به العِدةُ، لا الدَّمُ الذي إذا صُبَّ عليه الماءُ الحارُّ يَذوبُ؛ لأنَّ هذا لا شَيءَ فيه.

стр. 707

قالَ الدَّرديرُ في شَرحِه لمُختصرِ خَليلٍ: (وعِدةُ الحامِلِ) حُرةً أو أَمةً (في وَفاةٍ أو طَلاقٍ وَضعُ حَملِها كلِّه) … (وإنْ) كانَ الحَملُ (دَمًا اجتمَعَ) وعَلامةُ كَونِه حَملًا أنَّه إذا صُبَّ عليه الماءُ الحارُّ لم يَذُبْ (١). وقالَ الشَّيخُ عُليشٌ: وإنْ طلَّقَها قبلَه كَفاها وَضعُه إنْ كانَ مُضغةً أو ما بعدَها، بل وإنْ كانَ الحَملُ دَمًا اجتمَعَ بحيث إذا صُبَّ عليه ماءٌ حارٌّ لا يَذوبُ، وهي العَلقةُ. أبو الحَسنِ على «المُدوَّنة» إذا أشكَلَ أمرُ الخارِجِ من الدَّمِ هل هو وَلدٌ أو دَمٌ اختُبِرَ بالماءِ الحارِّ؛ فإنْ كانَ دَمًا انحَلَّ وإنْ كانَ وَلدًا فلا يَزيدُه ذلك إلا شِدةً (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ في ثُبوتِ حُكمِ النِّفاسِ أنْ يَكونَ الوَلدُ كاملَ الخِلقةِ بل يَثبتُ بوَضعِ ما تَظهرُ فيه صُورةُ إِنسانٍ أو لم تَظهرْ فيه لكنْ أخبَرَ النِّساءُ الثِّقاتُ المُتَّصفاتُ بالخِبرةِ في هذا الأمرِ بأنَّه لَحمُ إِنسانٍ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: لا يُشترطُ في ثُبوتِ حُكمِ النِّفاسِ أنْ يَكونَ الوَلدُ كامِلَ الخِلقةِ ولا حَيًّا، بل لو وضَعَت مَيتًا أو لَحمًا تَصوَّرَ في صُورةِ آدِميٍّ أو لم يَتصوَّرْ، وقالَ القَوابِلُ: إنَّه لَحمُ آدَميٍّ ثبَتَ حُكمُ

стр. 708

النِّفاسِ، هكذا صرَّحَ به المُتولِّي وآخَرون، وقالَ الماوَرديُّ: ضابِطُه أنْ تَضعَ ما تَنقَضي به العِدةُ وتَصيرُ به أُمَّ وَلدٍ (١). وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَثبتُ حُكمُ النِّفاسِ بوَضعِ شَيءٍ فيه خَلقُ الإِنسانِ. وأقَلُّ ما يَتبيَّنُ فيه خَلقُ الإِنسانِ واحِدٌ وثَمانونَ يَومًا وغالِبُها ثَلاثةُ أشهُرٍ، فلو وضَعَت عَلقةً أو مُضغةً لا تَخطيطَ فيها لم يَثبتْ لها بذلك حُكمُ النِّفاسِ، نَصَّ عليه. وعن الإمامِ أحمدَ يَثبتُ بوَضعِ مُضغةٍ وعنه: وعَلقةٍ، وقيلَ: يَثبتُ لها حُكمُ النُّفساءِ إذا وضَعَته لأربَعةِ أشهُرٍ. فأمَّا النُّطفةُ فلا أثَرَ لها قَولًا واحِدًا، وحيث قُلنا ليسَ هو نِفاسًا يَكونُ كما لو رأته غيرُ الحامِلِ إنْ صادَفَ زَمنَ العادةِ فهو حَيضٌ، وإنْ لم يُصادِفْها كانَ مَشكوكًا فيه حتى يَتكرَّرَ إلا أنْ تَكونَ مُبتدأةً، وبكلِّ حالٍ فإذا رأته على الطَّلقِ أمسَكَت عن العِباداتِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّها تَضعُ ما يَثبتُ فيه حُكمُ النِّفاسِ ثم إنْ تَبيَّن بعدَ الوَضعِ أنَّه ليسَ بنِفاسٍ ولا هو حَيضٌ قضَت ما ترَكَت من الواجِباتِ وإنْ لم يَتبيَّنْ شَيءٌ بأنْ يَكونَ قد دُفنَ قبلَ الكَشفِ ثبَتَ على الظاهِرِ أنَّه نِفاسٌ كما نَقولُ في سائِرِ أَنواعِ التَّحرِّي (٢).

стр. 709

مَسألةُ الاستِحاضةِ: قالَ أبو المَعالي الجُوينيُّ: أَحكامُ المُستحاضةِ من أغمَضِ ما خاضَ فيه العُلماءُ (١). والمُستَحاضةُ هي مَنْ رأتِ الدَّمَ في غيرِ وَقتِ الحَيضِ والنِّفاسِ بعدَ بُلوغِها سِنَّ الحَيضِ، أو مَنْ استمَرَّ بها الدَّمُ بعدَ تَمامِ حَيضِها بتَلفيقٍ أو بغيرِه. ودَمُ الاستِحاضةِ أحمَرُ رَقيقٌ، بخِلافِ دَمِ الحَيضِ والنِّفاسِ؛ فإنَّه كَدرٌ ليسَ له صَفاءٌ. وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ دَمَ الاستِحاضةِ يَنقضُ الطَّهارةَ، حَكاه ابنُ المُنذرِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: والمُبتَلى بسَلسِ البَولِ وكَثرةِ المَذيِ فلا يَنقطِعُ كالمُستَحاضةِ يَتوضَّأُ لكلِّ صَلاةٍ بعدَ أنْ يَغسلَ فَرجَه. وجُملتُه أنَّ المُستحاضةَ ومَن به سَلسُ البَولِ أو المَذيِ أو الجَريحَ الذي لا يَرقأُ دَمُه وأشباهَهم ممَّن يَستمرُّ منه الحَدثُ ولا يُمكنُه حِفظُ

стр. 710

طَهارتِه عليه الوُضوءُ لكلِّ صَلاةٍ بعدَ غَسلِ مَحلِّ الحَدثِ وشَدِّه والتَّحرزِ من خُروجِ الحَدثِ بما يُمكنُه. فالمُستحاضةُ تَغسلُ المَحلَّ ثم تَحشوه بقُطنٍ أو ما أشبَهَه ليَرُدَّ الدَّمَ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ لحَمنةَ حين شكَت إليه كَثرةَ الدَّمِ: أنعَتُ لك الكُرسُفَ؛ فإنَّه يُذهبُ الدَّمَ (١)؛ فإنْ لم يَرتَدَّ الدَّمُ بالقُطنِ استَثفَرت بخِرقةٍ مَشقوقةِ الطَّرفَين تَشدُّها على جَنبَيها ووَسطِها على الفَرجِ، وهو المَذكورُ في حَديثِ أُمِّ سَلمةَ: «لتَستَثفِرْ بثَوبٍ» وقالَ لحَمنةَ: «تَلجَّمي» لمَّا قالَت: إنَّه أكثَرُ من ذلك؛ فإنْ فعَلَت ذلك ثم خرَجَ الدَّمُ؛ فإنْ كانَ لرَخاوةِ الشَّدِ فعليها إعادةُ الشَّدِّ والطَّهارةُ، وإنْ كانَ لغَلبةِ الخارِجِ وقُوَّتِه وكَونِه لا يُمكنُ شَدُّه أكثَرَ من ذلك لم تَبطلِ الطَّهارةُ؛ لأنَّه لا يُمكنُ التَّحرزُ منه فتُصلِّي ولو قطَرَ الدَّمُ، قالَت عائِشةُ: «اعتكَفَت مع رَسولِ اللهِ ﷺ امرأةٌ من أزواجِه فكانَت تَرى الدَّمَ والصُّفرةَ والطِّستَ تحتَها وهي تُصلِّي» (٢) رَواه البُخاريُّ. وفي حَديثٍ: «صَلِّي وإنْ قطَرَ الدَّمُ على الحَصيرِ» (٣). وكذلك مَنْ به سَلسُ البَولِ أو كَثرةُ المَذيِ يَعصِبُ رأسَ ذَكرِه بخِرقةٍ ويَحترسُ حَسبَ ما يُمكنُه ويَفعلُ ما ذُكرَ.

стр. 711

وكذلك مَنْ به جُرحٌ يَفورُ منه الدَّمُ أو به رِيحٌ أو نَحوُ ذلك من الأَحداثِ ممَّن لا يُمكنُه قَطعُه عن نَفسِه. فإنْ كانَ ممَّا لا يُمكنُ عَصبُه مِثلَ مَنْ به جُرحٌ لا يُمكنُ شَدُّه أو به باسُورٌ أو ناصُورٌ لا يَتمكَّنُ من عَصبِه صلَّى على حَسبِ حالِه كما رُويَ عن عُمرَ ﵁ أنَّه حين طُعنَ صلَّى وجُرحُه يَثعَبُ دَمًا. فَصلٌ: ويَلزمُ كلَّ واحِدٍ من هَؤلاءِ الوُضوءُ لوَقتِ كلِّ صَلاةٍ إلا أنْ يَخرجَ منه شَيءٌ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ، وقالَ مالِكٌ: لا يَجبُ الوُضوءُ على المُستحاضةِ ورُويَ ذلك عن عِكرمةَ ورَبيعةَ. واستحَبَّ مالِكٌ لمَن به سَلسُ البَولِ أنْ يَتوضَّأَ لكلِّ صَلاةٍ إلا أنْ يُؤذيَه البَردُ. فإنْ آذاهُ قالَ: فأرجو ألَّا يَكونَ عليه ضِيقٌ في تَركِ الوُضوءِ، واحتَجُّوا بأنَّ في حَديثِ هِشامِ بنِ عُروةَ عن أبيه عن عائِشةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لفاطِمةَ بِنتِ أبي حُبَيشٍ: «فاغتَسلي وصَلِّي»، ولم يأمُرْها بالوُضوءِ، ولأنَّه ليسَ بمَنصوصٍ على الوُضوءِ منه، ولا في مَعنى المَنصوصِ؛ لأنَّ المَنصوصَ عليه الخارِجُ المُعتادُ وليسَ هذا بمُعتادٍ. ولنا: ما رَوى عَديُّ بنُ ثابِتٍ عن أبيه عن جَدِّه عن النَّبيِّ ﷺ في المُستحاضةِ «تَدعُ الصَّلاةَ أيامَ أقرائِها ثم تَغتسِلُ وتَصومُ وتُصلِّي وتَتوضَّأُ عندَ كلِّ صَلاةٍ» (١)، رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ.

стр. 712

وعن عائِشةَ قالَت: جاءَت فاطِمةُ بِنتُ أبي حُبَيشٍ إلى النَّبيِّ ﷺ فذكَرَت خبَرَها ثم قالَ: «اغتَسلي، ثم تَوضَّئي لكلِّ صَلاةٍ وصَلِّي» (١) رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ، وقالَ: حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ، ولأنَّه خارِجٌ من السَّبيلِ فنقَضَ الوُضوءَ كالمَذيِ. إذا ثبَتَ هذا فإنَّ طَهارةَ هؤلاء مُقيَّدةٌ بالوَقتِ لقَولِه: تَتوضَّأُ عندَ كلِّ صَلاةٍ، ولقَولِه: ثم تَوضَّئي لكلِّ صَلاةٍ، ولأنَّها طَهارةُ عُذرٍ وضَرورةٍ فتقَيَّدت بالوَقتِ كالتَّيممِ. فَصلٌ: فإنْ تَوضَّأ أحدُ هؤلاء قبلَ الوَقتِ وخرَجَ منه شَيءٌ بطَلَت طَهارتُه؛ لأنَّ دُخولَه يَخرجُ به الوَقتُ الذي تَوضَّأ فيه، وخُروجُ الوَقتِ مُبطلٌ لهذه الطَّهارةِ كما قرَّرناه. ولأنَّ الحَدثَ مُبطلٌ للطَّهارةِ وإنَّما عُفيَ عنه لعَدمِ إِمكانِ التَّحرُّزِ عنه مع الحاجةِ إلى الطَّهارةِ. وإنْ تَوضَّأ بعدَ الوَقتِ صَحَّ وارتفَعَ حَدثُه ولم يُؤثِّرْ فيه ما يَتجدَّدُ من الحَدثِ الذي لا يُمكنُ التَّحرزُ منه. فإنْ دخَلَ في الصَّلاةِ عُقَيبَ طَهارتِه أو أخَّرَها لأمرٍ يَتعلَّقُ بمَصلحةِ الصَّلاةِ كلُبسِ الثِّيابِ وانتِظارِ الجَماعةِ أو لم يَعلَمْ أنَّه خرَجَ منه شَيءٌ جازَ. وإنْ أخَّرَها لغيرِ ذلك ففيه وَجهان أحدُهما الجَوازُ؛ لأنَّها طَهارةٌ أُريدَت

стр. 713

للصَّلاةِ بعدَ دُخولِ وَقتِها، فأشبَهَت التَّيممَ، ولأنَّها طَهارةُ ضَرورةٍ فتَقيَّدت بالوَقتِ كالتَّيممِ. والثاني: لا يَجوزُ؛ لأنَّه إنَّما أُبيحَ له الصَّلاةُ بهذه الطَّهارةِ مع قيامِ الحَدثِ للحاجةِ والضَّرورةِ ولا ضَرورةَ ههنا. وإنْ خرَجَ الوَقتُ بعدَ أنْ خرَجَ منها شَيءٌ أو أحدَثَت حَدثًا سِوى هذا الخارِجِ بطَلَت الطَّهارةُ، قالَ أحمدُ في رِوايةِ أحمدَ بنِ القاسِمِ: إنَّما أمَرَها أنْ تَتوضَّأَ لكلِّ صَلاةٍ فتُصليَ بذلك الوُضوءِ النافِلةَ والصَّلاةَ الفائِتةَ حتى يَدخلَ وَقتُ الصَّلاةِ الأُخرى فتَتوضَّأَ أيضًا، وهذا يَقتَضي إلحاقَها بالتَّيممِ في أنَّها باقيةٌ ببَقاءِ الوَقتِ يَجوزُ لها أنْ تَتطوَّعَ بها وتَقضيَ بها الفَوائتَ وتَجمعَ بينَ الصَّلاتَينِ ما لم تُحدِثْ حَدثًا آخَرَ أو يَخرجِ الوَقتُ. فَصلٌ: ويَجوزُ للمُستحاضةِ الجَمعُ بينَ الصَّلاتَين بوُضوءٍ واحِدٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ حَمنةَ بِنتَ جَحشٍ بالجَمعِ بينَ الصَّلاتَينِ بغُسلٍ واحِدٍ وأمَرَ به سَهلةَ بِنتَ سُهيلٍ، وغيرُ المُستحاضةِ من أهلِ الأَعذارِ مَقيسٌ عليها ومُلحقٌ بها (١). وَطءُ المُستَحاضةِ: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ وَطءُ المُستَحاضةِ؛ لأنَّ دَمَ الاستِحاضةِ ليسَ بأذًى يَمنعُ

стр. 714

الصَّلاةَ والصَّومَ، فوجَبَ ألَّا يَمنعَ الوَطءَ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهذه قد تطهَّرَت من الحَيضِ. ولمَا رَواه عِكرمةُ عن حَمنةَ بِنتِ جَحشٍ ﵂: «أنَّها كانَت مُستحاضةً وكان زَوجُها يُجامِعُها» (١). وفي صَحيحِ البُخاريِّ قالَ: قالَ ابنُ عَباسٍ: «المُستحاضةُ يَأتيها زَوجُها إذا صَلَّت، الصَّلاةُ أعظَمُ» (٢). ولأنَّ المُستَحاضةَ كالطاهِرِ في الصَّلاةِ والصَّومِ والاعتِكافِ والقِراءةِ وغيرِها فكَذا في الوَطءِ، ولأنَّه دَمُ عِرقٍ لم يَمنعِ الوَطءَ كالناسُورِ، ولأنَّ التَّحريمَ بالشَّرعِ ولم يَرِدْ بتَحريمٍ، بل ورَدَ بإِباحةِ الصَّلاةِ التي هي أعظَمُ، كما قالَ ابنُ عَباسٍ. ولأنَّ المُستَحاضةَ لها حُكمُ الطاهِراتِ في غيرِ مَحلِّ النِّزاعِ وجَبَ إلحاقُه بنَظائِرِه لا بالحَيضِ الذي لا يُشاركُه في شَيءٍ (٣).

стр. 715

وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَحرمُ وَطءُ المُستَحاضةِ إلا أنْ يَخافَ على نَفسِه لمَا رَوى الخَلَّالُ بإِسنادِه عن عائِشةَ أنَّها قالَت: «المُستَحاضةُ لا يَغشاها زَوجُها» (١)، ولأنَّ بها أذًى فيَحرمُ وَطؤُها كالحائِضِ. فإنَّ اللهَ تَعالى منَعَ وَطءَ الحائِضِ، مُعلِّلًا بالأذَى بقَولِه : ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أمَرَ باعتِزالِهنَّ عُقَيبَ الأذى، بفاءِ التَّعقيبِ، فسَمَّى الحَيضَ أذًى، وأمَرَ باعتِزالِ النِّساءِ من أجلِه، وهو دَمٌ خارِجٌ من الفَرجِ وأجمَعوا على نَجاسَتِه وغَسلِ الثَّوبِ منه، فكلُّ دَمٍ يَجبُ غَسلُه ويُحكمُ بنَجاستِه فحُكمُه حُكمُ دَمِ الحَيضِ في تَحريمِ الوَطءِ إذا وُجدَ في مَوضعِ الوَطءِ. ولأنَّ الحُكمَ إذا ذُكرَ مع وَصفٍ يَقتَضيه ويَصلحُ له عُلِّلَ به كقَولِه تَعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والأذَى يَصلحُ أنْ يَكونَ عِلَّةً فيُعلَّلُ به، وهو مَوجودٌ في المُستحاضةِ فيَثبتُ التَّحريمُ في حَقِّها. وإنْ خافَ على نَفسِه الوُقوعَ في مَحظورٍ إنْ ترَكَ الوَطءَ أُبيحَ له؛ لأنَّ حُكمَهما أخَفُّ من حُكمِ الحائِضِ، ولو وَطِئها من غيرِ خَوفٍ فلا كَفَّارةَ عليه؛ لأنَّ الوُجوبَ من الشَّرعِ، ولم يَرِدْ بإِيجابِها في حَقِّها ولا هي في مَعنى الحائِضِ لمَا بينَهما من الاختِلافِ.

стр. 716

وإذا انقَطعَ دَمُها أُبيحَ وَطؤُها من غيرِ غُسلٍ؛ لأنَّ الغُسلَ ليسَ بواجِبٍ عليها، أشبَهَ سَلسَ البَولِ (١). قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في جَوازِ وَطءِ المُستَحاضةِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ: فقالَ قَومٌ: يَجوزُ وَطؤُها، وهو الذي عليه فُقهاءُ الأَمصارِ، وهو مَرويٌّ عن ابنِ عَباسٍ وسَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وجَماعةٍ من التابِعينَ. وقالَ قَومٌ: ليسَ يَجوزُ وَطؤُها، وهو مَرويٌّ عن عائِشةَ وبه قالَ النَّخعيُّ والحَكمُ. وقالَ قَومٌ: لا يأتيها زَوجُها إلا أنْ يَطولَ ذلك بها، وبهذا القَولِ قالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ. وسَببُ اختِلافِهم: هل إِباحةُ الصَّلاةِ لها هي رُخصةٌ لمَكانِ تَأكيدِ وُجوبِ الصَّلاةِ أو أُبيحَت لها الصَّلاةُ لأنَّ حُكمَها حُكمُ الطاهِرِ، فمَن رَأى أنَّ ذلك رُخصةٌ لم يُجِزْ لزَوجِها أنْ يَطأَها، ومَن رَأى أنَّ ذلك لأنَّ حُكمَها حُكمُ الطاهِرِ أَباح لها ذلك، وهي بالجُملةِ مَسألةٌ مَسكوتٌ عنها. وأمَّا التَّفريقُ بينَ الطُّولِ وعَدمِ الطُّولِ فاستِحسانٌ (٢).

стр. 717

كتاب الصلاة

стр. 718

كتاب الصلاة الصَّلاةُ في اللُّغةِ: الدُّعاءُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادعُ لَهم. وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إذا دُعِيَ أحَدُكم فلْيُجِبْ، فإنْ كانَ مُفطِرًا فلْيَطعَمْ، وإنْ كانَ صائمًا فلْيُصلِّ» (١)، أي: ليَدعُ لأربابِ الطَّعامِ بالخَيرِ والبَرَكَةِ (٢). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: اختَلفوا في معنَى «فَليُصلِّ»، قالَ الجُمهورُ: معناهُ: فَليَدعُ لِأهلِ الطَّعامِ بالمغفرةِ وَالبَرَكةِ ونحوِ ذلك، وأصلُ الصَّلاةِ في اللُّغةِ الدُّعاءُ، ومنه قولُه تَعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].

стр. 719

وقيلَ: المُرادُ الصَّلاةُ الشَّرعيَّةُ بالرُّكوعِ والسُّجودِ، أي: يَشتغِلُ بالصَّلاةِ؛ ليَحصلَ له فَضلُها ويَتبرَّكَ أهلُ المَكانِ والحاضِرونَ (١). وفي الاصطِلاحِ عرَّفها الجُمهورُ بقولِهم: إنَّها أقوالٌ وأفعالٌ مفتتحةٌ بالتَّكبيرِ مُختتمةٌ بالتَّسليمِ بشَرائطَ مخصوصَةٍ (٢). وقالَ الحنَفيةُ: هي اسمٌ لهذه الأفعالِ المعلومَةِ منَ القيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ (٣). فعلى هذا إذا وردَ في الشَّرعِ أمرٌ بصَلاةٍ أو حُكمٌ معلَّقٌ عليها انصرَفَ بظاهِره إلى الصَّلاةِ الشَّرعيَّةِ دونَ اللُّغويَّةِ (٤). ثُبوتُ فَرضيَّةِ الصَّلاةِ: فَرضيَّةُ الصَّلاةِ ثابِتةٌ بالكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ والمَعقولِ. أمَّا الكتابُ: فقولُه تَعالى في أكثرَ من موضعٍ مِنْ القرآنِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠]. وقولُه تَعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي: فرضًا مُؤقتًا.

стр. 720

وقولُه تَعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣١]. قالَ الكاسَانِيُّ ﵀: ومُطلَقُ اسمِ الصَّلاةِ يَنصرِفُ إلى الصَّلواتِ المَعهودَةِ، وهي التي تُؤدَّى في كلِّ يومٍ وليلَةٍ. وقولُه تَعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] الآية. يَجمعُ الصَّلواتِ الخَمسَ؛ لأنَّ صَلاةَ الفَجرِ تُؤدَّى في أحَدِ طرفَيِ النَّهارِ، وصَلاتَيِ الظُّهرِ والعَصرِ تُؤدَّيانِ في الطَّرفِ الآخَرِ؛ إذِ النَّهارُ قِسمانِ: غَداةٌ وعَشيٌّ، الغَداةُ: اسمٌ لأوَّلِ النَّهارِ إلى وقتِ الزَّوالِ، وما بعدَه العَشيُّ، حتى إنَّ مَنْ حلَف لا يأكُلُ العَشيَّ وأكلَ بعدَ الزَّوالِ يحنَث، فدخلَ في طرفَيِ النَّهارِ ثَلاثُ صَلواتٍ، ودخلَ في قولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ المَغربُ والعِشاءُ؛ لأنَّهما تُؤدَّيانِ في زُلفٍ منَ اللَّيلِ، وهِي ساعاتُه. وقولُه تَعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، قيلَ: دُلوكُ الشَّمسِ: زَوالُهَا، وغَسقُ اللَّيلِ: أوَّلُ ظُلمَتِه فيدخلُ فيهِ صَلاتَا الظُّهرِ والعَصرِ. وقولُه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي: وأقِم قُرآنَ الفَجرِ، وهو صَلاةُ الفَجرِ، فثبَتت فَرضيَّةُ ثَلاث صلَواتٍ بهذهِ الآيَةِ، وفَرضيَّةُ صَلاتَيِ المَغربِ والعِشاءِ ثبَتت بدَليلٍ آخرَ.

стр. 721

وقيلَ: دُلوكُ الشَّمسِ: غُروبُها، فيَدخلُ فيه صَلاتَا المَغربِ والعِشاءِ، وتدخلُ صَلاةُ الفَجرِ في قولِه: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، وفَرضيَّةُ صَلاتَيِ الظُّهرِ والعَصرِ ثبَتت بدَليلٍ آخرَ (١). وجاءَ في ذَمِّ تاركِيهَا قولُه تَعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وجاءَ في عُقوبةِ مَنْ تركَها قولُه تَعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر: ٣٩ - ٤٣]. أَمَّا السُّنةُ: فمَا رَوى ابنُ عمرَ ﵄ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: «بُنيَ الإسلامُ على خَمسٍ: شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمدًا عَبدُه ورَسولُه، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وحجِّ البيتِ، وصَومِ رَمضانَ» (٢). ولِما رَواهُ أبو أُمامةَ ﵁ قالَ: سَمعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَخطُبُ في حَجَّةِ الوَداعِ، فقالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُم وصَلُّوا خَمسَكُم وصُوموا شَهرَكُم وأدُّوا زَكاةَ أموالِكُم وأطِيعُوا ذا أمرِكُم، تَدخلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ» (٣). وحَديثُ مُعاذِ بن جَبَلٍ المَشهورُ لمَّا بَعثَه النَّبيُّ ﷺ إلى اليَمنِ، فعن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ مُعاذًا قالَ: بعَثَنِي رَسولُ اللهِ ﷺ قالَ: «إنكَ تأتِي قَومًا مِنْ أهلِ الكتابِ فادعُهُم إلى شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنِّي رَسولُ اللهِ، فإن هُمْ أطاعُوا لذلك فأَعلِمهُم أنَّ اللهَ افتَرَضَ عليهم خَمسَ صَلواتٍ في كلِّ يَومٍ ولَيلةٍ، فإنْ هُمْ أطاعُوا لذلك فأَعلِمهُم أنَّ اللهَ افتَرَضَ عليهم صَدقةً تُؤخَذُ مِنْ أغنيَائِهم فتُرَدُّ في فُقرائِهِم، فإنْ هُمْ أطاعُوا لذلك فإيَّاكَ

стр. 722

وكَرائِمَ أموالهِم، واتَّقِ دَعوةَ المظلُومِ؛ فإنه ليسَ بينَها وبينَ اللهِ حِجَابٌ» (١). أمَّا الإجماعُ: فقدِ انعَقَدَ إجماعُ الأمَّةِ على فرضِيَّةِ الصَّلواتِ الخَمسِ وتكفِيرِ مُنكرِهَا. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: الأمَّةُ أجمعَت على فَرضيَّةِ هذه الصَّلواتِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمعَتِ الأمَّةُ على وُجوبِ خَمسِ صَلواتٍ في اليَومِ واللَّيلةِ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: أجَمعوا على أنَّ الصَّلاةَ أحدُ أركانِ الإسلامِ الخَمسةِ، قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]. وأجمَعوا على أنَّها خَمسُ صَلواتٍ (٤). وأمَّا المَعقولُ: فمِن وُجوهٍ: أحدُها: أنَّ هذه الصَّلواتِ إنَّما وجبَت شُكرًا للنِّعمِ، ومنها: نِعمةُ الخِلقَةِ؛ حيثُ فُضِّل الجوهَرُ الإنسيُّ بالتَّصويرِ على أحسَنِ صُورةٍ، وأحسَنِ تَقويمٍ، كمَا قالَ تَعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]، وقالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] حتى لا تَرى أحَدًا يَتمَنَّى أن يَكونَ على غيرِ هذا التَّقويمِ والصُّورةِ التي أُنشئَ عليهَا.

стр. 723

(ومنها): نِعمةُ سلامَةِ الجَوارحِ عن الآفاتِ؛ إذ بها يقدِرُ على إقامَةِ مَصالِحِهِ، أعطاهُ اللهُ ذلك كلَّه إنعامًا مَحضًا مِنْ غيرِ أن يَسبِقَ منه ما يُوجِبُ استحِقاقَ شَيءٍ من ذلك، فأُمر باستِعمالِ هذه النِّعمةِ في خِدمةِ المُنعمِ؛ شُكرًا لِما أنعمَ؛ إذ شُكرُ النِّعمةِ استِعمالُها في خِدمةِ المُنعمِ، ثُّم الصَّلاةُ تَجمَعُ استِعمالَ جَميعِ الجَوارحِ الظَّاهرةِ مِنْ القِيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ والقُعودِ ووَضعِ اليَدِ مَواضِعَها وحِفظِ العَينِ، وكذَا الجَوارحُ الباطِنةُ من شُغلِ القَلبِ بالنِّيةِ، وَإشعارِه بالخَوفِ والرَّجاءِ، وإحضارِ الذِّهنِ وَالعَقلِ بالتَّعظيمِ والتَّبجِيلِ؛ ليكونَ عمَلُ كلِّ عُضوٍ شُكرًا لمَا أُنعِمَ عليه في ذلِك. (ومنها): نِعمةُ المفاصِلِ اللَّينةِ، والجَوارحِ المُنقادةِ التي بها يقدِرُ على استِعمالهِا في الأحوالِ المُختلِفةِ، من القِيامِ والقُعودِ والرُّكوعِ والسُّجودِ. والصَّلاةُ تشتَملُ على هذه الأحوالِ، فأُمِرنا باستِعمالِ هذه النِّعَمِ الخاصَّةِ في هذه الأحوالِ في خِدمةِ المُنعمِ؛ شُكرًا لهذه النِّعمةِ، وشُكرُ النِّعمةِ فَرضٌ عَقلًا وشَرعًا. (ومنها): أنَّ الصَّلاةَ -وكلَّ عِبادةٍ- خِدمةُ الربِّ ﷻ ، وخِدمةُ المَولى على العَبد لا تَكونُ إلَّا فرضًا؛ إذِ التَّبرعُ من العَبد على مَولاهُ مُحالٌ، والعزِيمَةُ: هي شَغلُ جَميعِ الأوقاتِ بالعِباداتِ بقَدرِ الإمكانِ وانتِفاءِ الحَرجِ، إلَّا أنَّ اللهَ تَعالى بفَضلِه وكَرَمهِ جعلَ لعَبدهِ أن يترُكَ الخِدمةَ في بعضِ الأوقاتِ رُخصةً، حتى لو شرعَ لم يَكن له التَّركُ؛ لأنَّه إذا شرعَ فقدِ اختارَ العَزيمةَ وتركَ الرُّخصةَ، فيَعودُ حكمُ العَزيمةِ.

стр. 724

يُحقِّقُ ما ذَكرنَا: أنَّ العَبدَ لا بدَّ له من إظهارِ سِمةِ العُبوديَّةِ؛ ليُخالِفَ به مَنْ عَصَى مَولاهُ؛ لِما فيها من القِيامِ بَين يَديِ المَولَى على الرُّكبتينِ، وتَحنِيةِ الظَّهرِ له، وتَعفيرِ الوَجهِ بالأرضِ، والجُثُوِّ على الرُّكبتينِ، والثَّناءِ عليه، والمَدحِ له. (ومنها): أنَّها مانِعةٌ لِلمُصلِّي من ارتِكابِ المَعاصِي؛ لأنَّه إذا قامَ بينَ يَدي ربِّه خاشِعًا مُتذلِّلًا مُستشعِرًا هَيبةَ الربِّ ﷻ خائِفًا تقصِيرَه في عبادَتهِ كلَّ يَومٍ خَمسَ مرَاتٍ، عصمَه ذلك من اقتِحامِ المعاصِي، والامتِناعُ عن المَعصِيةِ فَرضٌ، وذلِك قولُه تَعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. (ومنها): أنَّها جُعِلت مُكفِّرةً للذُّنوبِ والخَطايَا والزَّلَّاتِ والتَّقصيرِ؛ إذِ العبدُ في أوقاتِ لَيلِه ونَهارِه لا يَخلُو من ذَنبٍ أو خَطأٍ أو زلَّةٍ أو تَقصيرٍ في العِبادَةِ والقِيامِ بشُكرِ النِّعمةِ، وإن جلَّ قَدرُه وخطرُه عندَ اللهِ تَعالى؛ إذ قد سبقَ إليه مِنْ اللهِ تَعالى مِنْ النِّعمِ والإحسانِ ما لو أخذَ بشُكرِ ذلك لم يقدِر على أداءِ شُكرِ واحدةٍ منها، فَضلًا على أن يؤدِّيَ شُكرَ الكلِّ، فيَحتاجَ إلى تَكفيرِ ذلِك؛ إذ هو فَرضٌ، ففُرضتِ الصَّلواتُ الخَمسُ تَكفيرًا لذلِك. وذلِك قولُه تَعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] واللهُ الموفِّقُ (١). وقالَ الإمامُ أبو المَعالِي الجوينِيُّ: كتابُ الصَّلاةِ هذا كتابٌ عَظيمُ الموقِعِ

стр. 725

في الشَّرعِ، لم يتشعَّب أصلٌ في التَّكاليفِ تشعُّبَه ولم يتهذَّب بالمباحِثِ قُطبٌ من أَقطابِ الدِّينِ تهذُّبَه، والسَّببُ فيه أنَّه من أعظمِ شَعائرِ الإسلامِ، والنَّاسُ -على تاراتِهم وتبايُنِ طبقاتِهم- مُواظِبونَ على وَظائفِ الصَّلواتِ، مُثابِرونَ على رِعايَةِ الأوقاتِ، باحِثونَ عمَّا يتعلَّقُ بها من الشَّرائطِ والأركانِ والهَيئاتِ؛ فهي لذلِك لا تدرسُ على مرِّ الدُّهورِ، ولا يُمحقُ ذكرُ أُصولِها عن الصُّدورِ (١). حكمُ تاركِ الصَّلاةِ: قالَ الإمامُ ابنُ القِّيمِ ﵀: لا يختلِفُ المُسلِمونَ على أنَّ تَركَ الصَّلاةِ المَفروضَةِ عَمدًا من أعظمِ الذُّنوبِ وأكبَرِ الكَبائرِ، وأنَّ إثمه عندَ اللهِ أعظمُ من إثمِ قَتلِ النَّفسِ وأخذِ الأموالِ، ومن إثمِ الزِّنا والسَّرقةِ وشُربِ الخَمرِ، وأنَّه مُتعرِّضٌ لِعُقوبَةِ اللهِ وسَخطِه وخِزيِه في الدُّنيا والآخرةِ (٢). وتاركُ الصَّلاةِ إمَّا أن يترُكَها جاحِدًا لِوجوبِها، وإمَّا أن يترُكَها تَكاسلًا. أَوَّلًا: أن يترُكَها جاحِدًا لوُجوبِها: أجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ وجبَت عليه الصَّلاةُ من المُخاطَبِينَ بها، ثم امتَنعَ منها جاحِدًا لوُجوبِها وفَرضيَّتِها، ولم يكن قَريبَ عَهدٍ بإسلَامٍ، فهُو كافِرٌ مُرتدٌّ ويجبُ قتلُه ردَّةً. قالَ الإمامُ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: أجمعَ المُسلِمونَ على أنَّ جاحِدَ فَرضِ الصَّلاةِ كافِرٌ، يُقتلُ إن لم يَتُب مِنْ كُفرِه ذلِك (٣).

стр. 726

وقالَ الإمامُ الماورديُّ ﵀: فإن تركَها جاحِدًا كانَ كافِرًا، وأُجريَ عليه حكمُ الردَّةِ إجماعًا (١). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ مَنْ وجبَت عليه الصَّلاةُ من المُخاطَبينَ بها ثم امتَنعَ منها جاحِدًا لوُجوبِها عليه فهُو كافِرٌ ويجبُ قتلُه ردَّةً (٢). وقالَ الإمامُ الشِّيرَازِيُّ ﵀: مَنْ وجبَت عليه الصَّلاةُ وامتَنعَ مِنْ فِعلِها، فإن كانَ جاحِدًا لوُجوبِها فهو كافِرٌ ويَجبُ قتلُه بالردَّةِ؛ لأنَّه كذَّب اللهَ تَعالى في خَبرِه (٣). وقالَ النَّوويُّ ﵀: إذا تركَ الصَّلاةَ جاحِدًا لِوجوبِها أو جَحَد وُجوبَها ولم يترُك فِعلَها في الصُّورةِ فهُو كافِرٌ مُرتدٌّ بإجماعِ المُسلِمينَ، ويجبُ على الإمامِ قتلُه بالردَّةِ -إلَّا أن يُسلِمَ-، ويَترتَّبُ عليه جَميعُ أحكامِ المُرتدِّينَ، وسواءٌ كانَ هذا الجاحِدُ رَجلًا أو امرأةً، هذا إذا كانَ قد نَشَأَ بينَ المُسلِمينَ، فأمَّا مَنْ كانَ قَريبَ العَهدِ بالإسلامِ، أو نَشَأ ببادِيةٍ بَعيدَةٍ من المُسلِمينَ بحيثُ يَجوزُ أن يَخفَى عليه وُجوبُها، فلا يكفرُ بمُجرَّدِ الجَحدِ، بل نُعَرِّفُه وجوبَها، فإن جَحَد بعدَ ذلك كانَ مُرتدًّا (٤). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: تاركُ الصَّلاةِ لا يَخلُو إمَّا أن يَكونَ

стр. 727

جاحِدًا لوُجوبِها، أو غيرَ جاحدٍ، فإن كانَ جاحِدًا لوُجوبِها نُظرَ فيه، فإن كان جاهِلًا به وهو ممَّن يَجهلُ ذلك كالحَديثِ الإسلامِ والناشِئِ بباديةٍ عُرِّف وُجوبَها وعُلِّم ذلك، ولم يُحكم بكُفرِه؛ لأنَّه مَعذورٌ، فإن لم يكن ممَّن يَجهلُ ذلك، كالناَّشئِ مِنْ المُسلِمينَ في الأَمصارِ والقُرى لم يُعذَر، ولم يُقبل منه ادِّعاءُ الجَهلِ، وحُكم بكُفرِه؛ لأنَّ أدلَّةَ الوُجوبِ ظاهِرةٌ في الكتابِ والسُّنةِ، والمُسلِمونَ يَفعلونَها على الدَّوامِ، فلا يَخفَى وُجوبُها على مَنْ هذا حالُه، ولا يَجحَدُها إلا تَكذيبًا للهِ تَعالى ولِرَسولِه وإجماعِ الأمَّةِ، وهذا يَصيرُ مُرتدًّا عن الإسلامِ، وحكمُه حكمُ سائرِ المُرتدِّينَ في الِاستِتابةِ والقَتلِ، ولا أعلمُ في هذا خِلافًا (١). ثانيًا: أن يترُكَها وهو مُعتقِدُ لوُجوبِها: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تاركِ الصَّلاةِ إذا تركَها وهو مُعتقِدٌ لوُجوبِها، هل يَكفرُ بذلك ويُقتلُ قَتلَ ردَّةٍ، أو لا يكفرُ لكنَّه يُقتلُ حَدًّا، أو لا يكفرُ ولا يُقتلُ أصلًا، وإنَّما يُحبَسُ ويُضرَبُ؟ القولُ الأوَّلُ: وهو قولُ الحنابِلةِ في المَذهبِ وهو اختيارُ ابنِ تيميَّةَ وابنِ القيِّمِ وبعضِ الشَّافعيَّةِ: أنَّ تاركَ الصَّلاةِ تَكاسلًا وتَهاوُنًا يَدعوه الإمامُ أو نائِبُه لفِعلِها؛ لاحتِمالِ أن يَكونَ قد تركَها لِعُذرٍ يَعتقدُ سُقوطَها به، كمرَضٍ ونحوِه، ويُهددُه فيَقولُ له: إن صَّليتَ وإلَّا قَتَلناكَ، فإن أبَى أن يُصلِّيها حتى تَضايقَ وقتُ التي بعدَها وجبَ قتلُه، ولا يُقتلُ حتى يُستَتابَ

стр. 728

ثَلاثةَ أيَّامٍ، كسائرِ المُرتدِّينَ، فإن تابَ مِنْ تَركِ الصَّلاةِ بفِعلِها، خُلِّيَ سَبيلُه، وإن لم يَتُب بفِعلِ الصَّلاةِ قُتل بضَربِ عُنقِه بالسَّيفِ؛ لِكُفرِه كالمُرتدِّ، فلا يُغسَّلُ ولا يُكفَّنُ ولا يُدفنُ بينَ المُسلِمينَ، ولا يَرثُه أَحدٌ ولا يَرثُ أَحدًا. لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «العَهدُ الذي بينَنَا وبينَهُم الصَّلاةُ، فمَن تركَهَا فقَد كفرَ» (١). وعن جابرِ بنِ عَبد اللَّهِ ﵁ قالَ: سَمعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ: «بينَ الرَّجلِ وَبينَ الشِّركِ وَالكُفرِ تَركُ الصَّلاةِ» (٢). وقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَترُكُوا الصَّلاةَ مُتعمِّدِينَ؛ فمَن تَركَها مُتعمِّدًا فقدْ خرَج مِنْ المِلَّةِ» (٣). وقالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: «لا حَظَّ في الإسلامِ لِمَنْ تركَ الصَّلاةَ»، وعن علِيٍّ ﵁: «مَنْ لَم يُصلِّ فهو كافِرٌ» وعَن عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ: «مَنْ لَم يُصلِّ فلا دِينَ لَه». وحيثُ كفرَ فلا يُرقُّ ولا يُسبَى له أهلٌ ولا ولدٌ، كَسائرِ المُرتدِّينَ. ولَا قَتلَ ولَا تَكفيرَ قبلَ الدَّعايَةِ بِحالِه، وتَنبَغِي الإشاعةُ عنه بِتَركِها حتى يُصلِّيَ، ولا يَنبغي السَّلامُ عليه، ولا إجابَةُ دَعوتِه (٤).

стр. 729

القولُ الثَّاني: وهو مذهبُ الحَنفيَّةِ والمُزنيِّ مِنْ الشافِعيَّةِ: أنَّ تاركَ الصَّلاةِ عَمدًا تَكاسلًا فاسِقٌ، يُحبسُ حتى يُصلِّيَ؛ لأنَّه يُحبسُ لِحقِّ العَبد، فَحقُّ الحقِّ أَحقُّ، ويُضربُ حتى يَسيلَ منه الدَّمُ مُبالغةً في الزَّجرِ، ولا يُتركُ هَملًا بل يُتفقَّدُ حالُه بالوَعظِ والزَّجرِ والضَّربِ حتى يُصلِّيَها أو يَموتَ في حَبسِهِ، ولا يكفرُ بذلك، وهَذا جَزاؤُه الدُّنيويُّ، وأمَّا في الآخِرةِ: إذا ماتَ على الإسلامِ عاصِيًا بتَركِها فلَه عذابٌ طَويلٌ بوادٍ في جهنَّمَ، أَشدُّها حَرًّا وأبعدُها قَعرًا، فيهِ آبارٌ يَسيلُ إليها الصَّديدُ والقَيحُ، أُعِدَّت لِتاركِ الصَّلاةِ. ولكن لو استخفَّ بالصَّلاةِ مُتهاوِنًا أو نطقَ بما يَدلُّ عليه فيَكونُ حكمُه حُكمَ المُرتدِّ، فتُكشَفُ شُبهتُه ويُحبَسُ، ثم يُقتلُ إن أصَرَّ، وَهَذا الحكمُ في تاركِ صَومِ رَمضانَ (١). قالَ الإمامُ القُدوريُّ ﵀: إذا تَركَ الصَّلاةَ مُعتقِدًا بوُجوبِها حُبس وعُزِّرَ حتى يُصلِّيَ. قالَ أصحابُنا: إذا تركَ الصَّلاةَ مُعتقِدًا لوُجوبِها، حُبس وعُزِّرَ حتى يُصلِّيَ … لنا: قولُه ﷺ : «لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلَّا بإحدَى ثَلاثٍ: كُفرٍ بعدَ إيمانٍ، أو زِنًا بعدَ إحصانٍ، أو قَتلِ نَفسٍ بغيرِ نَفسٍ»، ولا يُقالُ: إنَّ قَتلَ تاركِ الصَّلاةِ ثابِتٌ بخَبرٍ آخرَ، فيُضمُّ إليه كما ضُمَّ نهيُه ﷺ عن

стр. 730

كلِّ ذي نابٍ مِنْ السِّباعِ، إلى قولِه: «إلَّا أن يَكونَ مَيتَةً»؛ لأنَّ الضمَّ إنَّما يَصحُّ إذا لَم يسقُط شَيءٌ مِنْ الخَبرِ، ولو ضَمَمناه في مَسألتِنا بطَل قولُه: «إلا بإحدَى ثَلاثٍ»، فَصارَ الحكمُ يتعلَّقُ بإحدَى أربَعٍ. ولا يُقالُ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أوجَبَ قَتلَ المُسلِمِ بكُفرٍ يُوجَدُ مع الإسلامِ، وهذا لا يَكونُ إلَّا في تَركِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه كُفرٌ بعدَ إيمانٍ، وهذا لا يَقتَضِي اجتِماعَهما، ولأنَّه إيقاعُ عِبادةٍ شَرعيَّةٍ، فتَركُه لا يُوجِبُ القَتلَ، كالحَجِّ والصَّومِ والزَّكاةِ، ولا يَلزمُ تَركُ الزِّنا؛ لأنَّه ليس بإيقاعِ عِبادةٍ؛ ألا تَرَى أنَّ الزِّنا لهُ أضدادٌ؟ فالنَّهيُ عنه لا يَكونُ أمرًا بشَيءٍ من أضدادِه … لأنَّها عِبادَةٌ عَقليَّةٌ، لها وقتٌ يُكرَهُ فِعلُها فيه كالحَجِّ، ولأنَّها عِبادةٌ تَنتقِلُ بجِنسِها كالصَّومِ، أو عبادَةٌ لها تَحريمٌ وتَحليلٌ. أو عِبادةٌ يَطرَأُ عليها الفَسادُ، أو عِبادةٌ تُؤدَّى وتُقضَى كالحَجِّ، ولا يَلزمُ الإيمانُ؛ لأنَّه لا يُوصَفُ بالفَسادِ. ولا يُقالُ: المعنَى في الحَجِّ والصَّومِ أنَّه تَقَعُ النِّيابةُ فيهما بالبَدنِ والمالِ، فلذلك لم يُقتل بتَركِهما، والصَّلاةُ لا تَقَعُ النِّيابةُ فيها عندَهُم في رَكعتَيِ الطَّوافِ إذا حَجَّ عن غيرِه، فلم يَصحَّ هذا الفَرقُ. ولأنَّها عِبادةٌ يُبطِلُها الحَدثُ، كالوُضوءِ. ولا يُقالُ: إنَّ الوُضوءَ تاركُه تاركٌ لِلصَّلاةِ، فيُقتلُ عندَنا؛ لأنَّه يُقتلُ لِتَركِ الصَّلاةِ، لِا لِتَركِ الوُضوءِ، ولأنَّها عِبادةٌ شُرِطَ فيها تَقديمُ الإيمانِ، كالصَّومِ. ولا يُقالُ: إنَّ المَقصودَ مِنْ الصَّلاةِ لا يَحصلُ بغيرِهِ؛ وذلك لأنَّ

стр. 731

المَقصودَ من الحَجِّ والصَّومِ لا يَحصلُ إلَّا بالنِّيةِ، وذلك لا يَقعُ بغيرِه، فإنِ اقتصَرُوا على ظاهِرِ الفِعلِ فمِثلُه في الصَّلاةِ مُمكِنٌ؛ لأنَّه يُوَضَّأُ ويُجبَرُ على القِيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ خلفَ إمامٍ؛ حتىَّ لا يَحتاجُ إلى القِراءةِ، ولأنَّه لا يَخلُو أن يُقتلَ بتَركِ الأُولى أوِ الثَّانيَةِ، ولا يَجوزُ أن يُقتلَ بالأُولَى؛ لأنَّها فائِتةٌ، ووقتُ فِعلِها غيرُ مُتَضَيَّقٍ، ولا يَجوزُ أن يُقتلَ بالثَّانيةِ؛ لأنَّها لم تَفُت عن وقتِها، فلا يُقتلُ بها، كالأُولَى، ولا يُقالُ: إنَّه يُضرَبُ عندَكم، فيَلزمُكم مِثلُ ما ألزَمتُمُونا؛ لأنَّ العازِمَ على تَركِ الصَّلاةِ يُضرَبُ عندَنا بالعَزمِ، فلا يَلزمُنَا ما ألزَمنَاهُم … (١). القولُ الثَّالثُ: هو مَذهبُ المالِكِيَّةِ والشافِعيِّةِ وبعضِ الحَنابلَةِ كَأَبِي عَبد اللهِ بنِ بَطَّةَ وابنِ قُدَامةَ: أنَّ تاركَ الصَّلاةِ تَكاسلًا وتَهاوُنًا بها يُستَتابُ، فإن تابَ وإلَّا قُتل حَدًّا، لا ردَّةً، فيُغَسلُ ويُصلَّى عليه ويُدفنُ في مَقابرِ المُسلِمينَ، ويَرثُهُ ورَثَتُه مِنْ المُسلِمينَ؛ لأنَّه لا يُقتلُ على الكُفرِ، إن كانَ مُقِرًّا بِما جَاءَ بِه مُحمَّدٌ ﷺ مِنْ التَّوحيدِ والشَّرائعِ ودِينِ الإسلامِ، ومُقِرًّا بفَرضِ الصَّلاةِ والصِّيامِ، إلَّا أَّنه يَأبَى أداءَها وهُو مُقِرٌّ بفَرضِها ومُؤمِنٌ باللهِ وملائكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه والبَعثِ بعدَ المَوتِ. قالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: ومِن حُجَّةِ مَنْ ذَهب هذا المَذَهب فِعلُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ في جَماعةِ الصَّحابَةِ؛ لأنَّهم رَجعُوا إلى قولِه حينَ قالَ له عمرُ: كيفَ نقاتلُ النَّاسَ وقد قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، عصمَ مِنِّي دَمَه ومالَه إلَّا بحقِّهِ، وحِسابُه على اللهِ؟» فقالَ أبو بَكرٍ:

стр. 732

واللهِ لأُقاتلَنَّ مَنْ فرَّق بينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ. قالَ عمرُ: فما هو إلَّا أن سَمِعتُ ذلك منه فعَلِمتُ أنَّ اللهَ قد شَرَحَ صَدرَهُ للحقِّ. فقاتَلَ أبو بكرٍ والصَّحابةُ معَه مانِعِي الزَّكاةِ، لمَّا أَبَوا أداءَها؛ إذ فرَّقوا بينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فأقاموا الصَّلاةَ وامتنَعوا عن الزَّكاةِ، فمَن أبَى مِنْ إقامةِ الصَّلاةِ وامتنَعَ منها، كانَ أحرَى بالقَتلِ. ومَعلومٌ أنَّ هؤلاءِ مِنْ بَينِ أهلِ الردَّةِ لم يكفروا بعدَ الإيمانِ، ولا أشرَكُوا باللهِ، وقد قالُوا لِأبي بَكرٍ: ما كفَرنا بعدَ إيمانِنا، ولكِن شحَحنا على أموالِنا، وذلك بَيِّنٌ في شِعرِ شاعِرِهِم، حيثُ يَقولُ: أطَعنَا رَسولَ اللهِ ما كانَ بينَنا … فيا عَجَبًا ما بالُ مُلكِ أبِي بَكرِ فإنَّ الَّتِي سأَلوكُمُوا فمَنَعتُمُوا … لكالتَّمرِ أو أشهَى إليهِم مِنْ التَّمرِ وأمَّا تَوريثُ ورثَتِهم منهُم فإنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ لمَّا ولِيَ الخِلافةَ ردَّ إلى هؤلاءِ ما وجدَ مِنْ أَموالِهم قائِمًا بأيدِي النَّاسِ، وكانَ أبُو بكرٍ قد سَباهُم كما سَبى أهلَ الردَّةِ. وقالَ أهلُ السِّيَر: إنَّ عمرَ ﵁ لمَّا ولِيَ أرسَل إلى النِّسوَةِ اللَّاتِي كانَ المُسلِمونَ قد أحرَزوهُنَّ مِنْ نِساءِ مانِعي الزَّكاةِ فيما أحرَزوا مِنْ غَنائِمِ أهلِ الردَّةِ، فخيَّرهُنَّ بينَ أن يَمكُثنَ عندَ مَنْ هُنَّ عندَه بتَزويجٍ وصَداقٍ، أو يَرجِعنَ إلى أهليهِنَّ بالفِداءِ، فاختَرنَ أن يَمكُثنَ عندَ مَنْ هُنَّ عندَه بتَزويجٍ وصَداقٍ. وكانَ الصَّداقُ الذي جُعل لِمَنِ اختارَ أهلَه عَشرَ أَواقٍ لكلِّ امرأةٍ، والأُوقيَّةُ أربَعونَ دِرهمًا.

стр. 733

ومِن حُجَّةِ مالِكٍ والشافِعيِّ في ذلك أيضًا حَديثُ أُمِّ سَلمةَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «سَيكونُ عليكُم أُمراءُ تَعرِفونَ وتُنكِرونَ؛ فمَن أنكَرَ فقَد بَرِئَ، ومَن كَرِهَ فقد سَلِمَ، ولكن مَنْ رَضِيَ وتابعَ. قالوا: يا رَسولَ اللهِ، ألَا نُقاتِلُهم؟ قالَ: لَا، ما صَلوا الخَمسَ»، فدلَّ على أنَّهم لا يُقاتَلونَ ولَا يُقتلونَ إذا صَلوا الخَمسَ. ودلَّ ذلك على أنَّ مَنْ لم يُصلِّ الخَمسَ قُوتِلَ وقُتل. وقولُه ﷺ في مالِكِ بنِ الدُّخشُمِ: ألَيسَ يُصلِّي؟ قالُوا: بَلَى، ولا صَلاةَ لَه. فقالَ: «أُولئِكَ الَّذينَ نَهانِي اللهُ عنهم، أو عن قَتلِهم»، فدلَّ على أنَّه لو لم يُصلِّ لم يكن من الَّذينَ نَهاهُ اللهُ عن قَتلِهم، بل كانَ يَكونُ مِنْ الَّذينَ أمرَهُ اللهُ بقَتلِهم. وقالَ ﷺ : «إنِّي نُهِيتُ عن قَتلِ المُصلِّينَ». فدلَّ ذلك على أنَّه قد أُمر بقَتلِ مَنْ لم يُصلِّ، كما نُهِيَ عَنْ قَتلِ مَنْ صلَّى، وأنَّه لا يَمنعُ منَ القتلِ إلَّا فِعلُ الصَّلاةِ، واللهُ أعلَمُ. قالُوا: فهَذا كلُّه يدلُّ على القَتلِ، ولَا يدلُّ على الكُفرِ. وتأوَّلوا في الآثارِ التي وردَ ظاهرُها بتَكفيرِ تاركِ الصَّلاةِ ما تَأوَّلوا في زِنا المُؤمِنِ وسِرقَتِه وشُربِه الخَمرَ، وانتِهابِه النُّهبَةَ التي يَرفعُ النَّاسُ إليه فيها رُؤُوسَهم بقولِه ﷺ : «لا يَزنِي الزَّانِي حين يَزني وهُو مُؤمِنٌ … »، الحَديثَ، وما كانَ مِثلَه، وفي تَفسيقِه وسِبابِه والرَّغبةِ عن الآباءِ وضَربِ بعضِهم رِقابَ بَعضٍ، والحُكمِ بغيرِ ما أنزَلَ اللهُ، وما كانَ مثلَ هذا. روى ابنُ عُيينةَ عَنْ هشامِ بنِ حجَرٍ عن طاوُسٍ عَنْ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قالَ:

стр. 734

ليس بالكُفرِ الذي تَذهبونَ إليه، إنَّه ليس بكُفرٍ يَنقُلُ عن المِلَّةِ، ثم تَلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. فلِهذا كلِّه وما كانَ مِثلَه وَرَّثوا مِنْ تاركِ الصَّلاةِ إذا قتلُوه ورثَتُه (١). وقالَ الماوَردِيُّ ﵀: وهَذا كما قالَ: تاركُ الصَّلاةِ على ضَربَينِ: أحَدُهما: أن يترُكَها جاحِدًا لوُجوبِها، والضَّربُ الثَّاني: أن يترُكَها مُعتقِدًا وُجوبَها، فإن تركَها جاحِدًا كانَ كافِرًا، وأُجرِيَ عليه حكمُ الردَّةِ إجماعًا، وإن تركَها مُعتقِدًا وُجوبَها، قيلَ لَه: لِمَ لَا تُصَلِّي؟ فإن قالَ: أنا مَريضٌ؛ قِيلَ لَه: صَلِّ كيفَ أمكَنَكَ، قائِمًا أو قاعِدًا أو مُضطَجِعًا؛ فإنَّ الصَّلاةَ لا تَسقُطُ عمَّن عَقَلَها، وإن قالَ: لَستُ مَريضًا ولكن نَسيتُها، قيلَ لَه: صَلِّها في الحالِ؛ فقد ذَكَرتَها، وإن قالَ: لَستُ أُصلِّيها كَسَلًا، وَلا أفعَلُها تَوانِيًا، فهَذا هو التَّاركُ لها غيرُ المَعذورِ، فالواجِبُ أن يُستَتَابَ؛ فإن تابَ وأجابَ إلى فِعلِها تُرِكَ، فلو قالَ: أنا أفعَلُها في مَنزِلي، وُكِلَ إلى أمانَتِه، ورُدَّ إلى دِيانَتِه، وإن لم يَتُب وأَقامَ على امتِناعِه مِنْ فِعلِها فقدِ اختَلفَ النَّاسُ فيهِ على ثَلاثَةِ مَذاهبَ: أحَدُها -وهُو مذهبُ الشافِعيِّ ومالِكِ-: أنَّ دَمَه مُباحٌ، وقَتلَه واجِبٌ، ولا يَكونُ بذلك كافِرًا. والمَذهبُ الثَّاني: هو مَذهبُ أبِي حَنيفةَ والمُزنيِّ، أنَّه مَحقونُ الدَّمِ لا يَجوزُ قتلُه، لكن يُضرَبُ عندَ صَلاةِ كلِّ فريضَةٍ أدَبًا وتَعزيرًا.

стр. 735

والمَذهبُ الثَّالثُ: وهُو مَذهبُ أحمدَ بنِ حَنبلٍ وإسحاقَ بنِ رَاهَوَيهِ، أنَّه كانَ كافِرًا كالجاحِدِ، تَجري عليهِم أحكامُ الردَّةِ. وأمَّا أبو حَنيفَةَ ومَن تابعَه فإنَّهم استدَلُّوا على حَقنِ دَمِه بقولِه ﷺ : «أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يَقولوا: لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَه، فإن قالُوها عَصَموا مني دِماءَهم وأموالَهم إلَّا بحقِّها وحِسابُهم على اللهِ »، وهذا قد قال: لا إلهَ إلا اللهُ، فوجبَ أن يَكونَ دَمُه مَحقونًا، وأيضًا مَا رَواه عُثمانُ بنُ عَفَّانَ ﵁ أنَّه قال: «لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلَّا بإحدَى ثَلاثٍ: كُفرٍ بعدَ إيمانٍ، أو زِنًا بعدَ إحصانٍ، أو قَتلِ نَفسٍ بغيرِ نَفسٍ»، وهذا لم يَفعلهُ أحَدٌ، فوجبَ أن يَكونَ مَحقونَ الدَّمِ، قالوا: ولأنَّها عِبادةٌ تُؤدَّى وتُقضَى، وجبَ ألَّا يُقتلَ بتركِها، كالصَّومِ، قالوا: ولأنَّها عِبادةٌ شَرعيَّةٌ، فوجبَ ألَّا يَستحِقَّ القَتلَ بتَركِها، كَسَائرِ العِباداتِ. والدَّليلُ على إباحةِ دَمِه قولُه تَعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] فأَمرَ بقَتلِهم ثم استَثنَى منهم مَنْ جَمعَ شَرطَينِ: التَّوبةَ وإقامةَ الصَّلاةِ، فعُلم أنَّ مَنْ أتَى بأحَدِهما -التَّوبةِ، أو إقامةِ الصَّلاةِ- كان الأمرُ بقَتلِه باقيًا، ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «ألَا إنِّي نُهِيتُ عن قَتلِ المُصلِّينَ»، فلمَّا كانَ فِعلُها سَببًا لِحَقنِ دَمِه كانَ تَركُها سَببًا لإراقَتِه، ولأنَّها أحَدُ أركانِ الإسلامِ الذي لا يَدخلُه النِّيابةُ ببَدلٍ ولا مالٍ، فوجبَ أن يُقتلَ بتَركِها كالإيمانِ، ولأنَّ الصَّلاةَ والإيمانَ يَشتَرِكانِ في الاسمِ والمعنَى، فأمَّا اشتِراكُهما في الاسمِ فهُو

стр. 736

أنَّ الصَّلاةَ تُسمَّى إيمانًا، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، يَعني: صَلاتَكُم، وأمَّا اشتِراكُهما في المعنَى فمِن وجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ مَنْ لزِمه الإيمانُ، لزِمه فِعلُ الصَّلاةِ، وقد لا يَلزمُه الصِّيامُ إذا كانَ شَيخًا هَرِمًا، ومَن لم يَلزمه فِعلُ الصَّلاةِ لم يَلزمه الإيمانُ، كالصَّبيِّ والمَجنونِ. والآخَرُ: أنَّ مِنْ هَيئاتِ الصَّلاةِ ما لا يَقعُ إلَّا طاعةً للهِ سُبحانَه، كالإيمانِ، الذي لا يَقعُ إلَّا لِلهِ ، فلمَّا وجبَ اشتِراكُهما في الاسمِ والمعنَى، وجبَ اشتِراكُهما في الحُكمِ، ولأنَّ الشَّرعَ يَشتمِلُ على أوَامِرَ ونَواهٍ، فَلمَّا قُتل بفِعلِ مَا نُهي عنهُ، وإن كانَ مُعتقِدًا لِتَحرِيمِه، اقتَضَى أن يُقتلَ بِتَركِ مَا أُمر بِه، وإن كانَ مُعتقِدًا لِوجوبِه. فَأمَّا الجَوابُ عَنِ الخَبرِ الأوَّلِ فقد قالَ ﷺ فيه: «إلَّا بِحقِّها»، وَالصَّلاةُ مِنْ حقِّهَا، كمَا قالَ أبُو بَكرٍ ﵁ في مَانِعِي الزَّكاةِ. وأمَّا الجَوابُ عَنِ الخَبرِ الثَّاني وقولِه: «لَا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلَّا بِإحدَى ثَلاث: كُفرٍ بعدَ إيِمَانٍ»، فَأباحَ دَمَه بِالكُفرِ معَ الإسلامِ، وَلا يكونُ ذلك إلَّا بتَركِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه يكونُ مُسلِمًا، وَتَكونُ أحكامُ الكُفرِ جَارِيَةً عَليهِ في إباحَةِ الدَّمِ. وَأمَّا الجَوابُ عن قِياسِهم على الصَّومِ والعِباداتِ فالمعنَى فيه أنَّ استِيفاءَ ذلك مُمكِنٌ مِنهُ، وَاستِيفاءَ الصَّلاةِ غيرُ مُمكِنٍ كالإيِمانِ. فَأمَّا أحمدُ بنُ حَنبَلٍ ومَن تابعَه فَاستدَلُّوا على إثباتِ كُفرِهِ بِروايَةِ جَابرٍ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: «بينَ الكُفرِ والإيِمَانِ تَركُ الصَّلاةِ، فَمَنْ تركَهَا فقد كفرَ». وَالدِّلالَةُ على إسلامِه أنَّ الشَّرعَ يَشتمِلُ على أوَامِرَ وَنَواهٍ،

стр. 737

فَلمَّا لم يكفر بِفِعلِ مَا نُهي عَنهُ إِذَا كانَ مُعتقِدًا تَحرِيمَه، لَم يكفر بِتَركِ مَا أُمر بِه إِذَا كانَ مُعتقِدًا وجوبَه، ولأنَّه لو كانَ كافِرًا بِتَركِهَا لَكانَ مُسلِمًا بِفِعلِها، فَلمَّا لَم يكن مُسلِمًا بِفِعلِها لم يكن كافِرًا بِتَركِها. فَأمَّا الجَوابُ عن قولِه ﷺ : «فَمَنْ تركَها فقد كفرَ»، فَفيه جَوابانِ: أَحدُهما: أنَّه قالَ ذلك على طَريقِ الزَّجرِ، كمَا قالَ: «لا إيِمانَ لمَن لا أمانَةَ له». وَالآخَرُ: أنَّه أرادَ بِذلك أنَّ حُكمَه حكمُ الكُفَّارِ في إباحَةِ الدَّمِ (١). وَقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: والرِّوايَةُ الثَّانيةُ يُقتلُ حَدًّا مع الحُكمِ بِإسلامِه، كالزَّانِي المُحصَنِ، وهَذا اختِيارُ أبِي عَبد اللهِ بنِ بَطَّةَ، وَأنكَرَ قولَ مَنْ قالَ إنَّه يكفرُ، وَذكرَ أنَّ المَذَهب على هذا، لَم يَجِد في المَذهبِ خِلافًا فيه، وَهَذا قولُ أكثرِ الفُقهاءِ، وقولُ أَبي حَنيفَةَ وَمَالكٍ والشافِعيِّ. ورُويَ عن حُذَيفةَ أنَّه قالَ: «يَأتِي على النَّاسِ زَمانٌ لا يَبقَى معَهم مِنْ الإسلامِ إلَّا قولُ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، فَقِيلَ لَه: وَمَا يَنفَعُهم؟ قالَ: تُنجِيهم مِنْ النَّارِ لا أبا لَك». وعن وَالَانَ قالَ: «انتَهيتُ إلى دَارِي فَوَجدتُ شاةً مَذبُوحةً، فَقُلتُ: مَنْ ذَبَحهَا؟ قالوا: غُلامُكَ. قُلتُ: واللهِ إنَّ غُلامِي لَا يُصلِّي. فقالَ النِّسوةُ: نحن عَلَّمنَاهُ فسَمَّى. فَرَجعتُ إلى ابنِ مَسعودٍ فَسَألتُه عن ذلك، فأَمرَنِي بِأَكلِها».

стр. 738

الدَّليلُ على هذا قولُ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ حَرمَ على النَّارِ مَنْ قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، يَبتَغِي بِذَلِك وَجهَ اللهِ»، وعن أبِي ذَرٍّ قالَ: أَتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: «مَا مِنْ عَبدٍ قالَ: لا إلَه إلَّا اللهُ، ثم مَاتَ على ذلك، إلَّا دخلَ الجَنَّةَ». وَعن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقول: «مَنْ شَهِدَ أن لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ وَرَسولُه، وَأنَّ عِيسَى عَبد اللهِ وَرَسولُه، وَكَلِمَتُه ألقاهَا إلى مَريَمَ، ورُوحٌ منهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌ، وَالنَّارَ حَقٌ، أَدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ على مَا كانَ مِنْ عمَلٍ». وعن أَنسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «يَخرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قالَ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَكانَ في قَلبِه مِنْ الخَيرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً»، مُتفقٌ على هَذه الأَحادِيثِ كلِّها، وَمِثلُها كَثِيرٌ. وعن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «خَمسُ صَلواتٍ كَتَبهُنَّ اللهُ على العَبد في اليَومِ والليلَةِ، فَمَنْ جَاءَ بِهنَّ لم يُضيِّع مِنهُنَّ شَيئًا، استِخفافًا بِحقِّهِنَّ، كانَ لهُ عندَ اللهِ عَهدٌ أن يُدخِلَه الجَنَّةَ، وَمَنْ لَم يَأتِ بِهنَّ فليس له عندَ اللهِ عَهدٌ، إِنْ شاءَ عَذَّبَه، وَإِنْ شاءَ أَدخَلَه الجَنَّةَ» (١)، وَلَو كانَ كافِرًا لَم يُدخِلهُ في المَشِيئةِ، وَقالَ الخلَّالُ في جَامِعِه: ثَنَا يَحيَى ثَنَا عَبدُ الوهَّابِ ثنَا هِشامُ بنُ حَسَّانَ عن عَبد اللهِ بنِ عَبد الرَّحمنِ عن أبِي شُمَيلةَ أنَّ

стр. 739

النَّبيَّ ﷺ خرَج إلى قُباءَ فَاستَقبَلهُ رَهطٌ مِنْ الأنصارِ يَحمِلونَ جِنازةً على بابٍ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «ما هذا؟ قالُوا: مَملوكٌ لِآلِ فُلانٍ كانَ مِنْ أمرِه. قالَ: أَكانَ يَشهَدُ أن لَا إلَهَ إلَا اللهُ؟ قالوا: نَعم، ولكنَّه كانَ وكانَ. فقالَ: أما كانَ يُصلِّي؟ فقالوا: قد كانَ يُصلِّي ويَدعُ. فقالَ لهُم: ارجِعوا بِه فغَسِّلوهُ وكفِّنوهُ وصلُّوا عليه وادفِنوه، والذي نَفسي بيَدِه لقد كادَتِ المَلائِكةُ تَحُولُ بَيني وبينَه». ورَوى بإسنادِه عن عطاءٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «صَلُّوا على مَنْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ». ولأنَّ ذلك إجماعُ المُسلِمينَ؛ فإنَّنا لا نَعلمُ في عَصرٍ مِنْ الأعصارِ أحَدًا مِنْ تاركِي الصَّلاةِ تُرِكَ تَغسيلُه والصَّلاةُ عليه ودَفنُه في مَقابرِ المُسلِمينَ، ولا مُنِعَ ورَثَتُه مِيراثَه، ولا مُنِعَ هو مِيراثَ مُوَرِّثِه، ولا فُرِّقَ بينَ زَوجَينِ لِتَركِ الصَّلاةِ مع أحَدِهما، لِكَثرةِ تاركي الصَّلاةِ، ولو كانَ كافِرًا لَثبَتت هذه الأحكامُ كلُّها، ولا نَعلمُ بينَ المُسلِمينَ خِلافًا في أنَّ تاركَ الصَّلاةِ يجبُ عليه قَضاؤُها، ولو كانَ مُرتدًّا لم يَجِب عليه قَضاءُ صَلاةٍ ولا صِيامٍ. وأمَّا الأحاديثُ المُتقدِّمةُ فهي على سبيلِ التَّغليظِ والتَّشبيهِ لهُ بالكُفارِ، لا على الحَقيقةِ، كقولِه ﷺ : «سِبابُ المُسلِمِ فُسُوقٌ، وقِتالُه كُفرٌ». وقولِه: «كُفرٌ باللهِ تبَرُّؤٌ من نَسَبٍ وإن دقَّ»، وقولِه: «مَنْ قالَ لِأَخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بِها أحَدُهما». وقولِه: «مَنْ أتَى حائِضًا أو امرأةً في دُبُرِها فقد كفرَ بما أُنْزِلَ على مُحمَّدٍ»، قالَ: «ومَن قالَ: مُطِرنا بنَوءِ الكَواكِبِ فهُو كافِرٌ باللهِ مُؤمِنٌ بالكَواكِبِ»، وقولِه: «مَنْ حلَف بغيرِ اللهِ فقد أشرَكَ». وقولِه: «شارِبُ

стр. 740

الخَمرِ كعابِدِ وَثَنٍ»، وأشباهِ هذا ممَّا أُريدَ بهِ التَّشديدُ في الوَعيدِ، وهُو أصوَبُ القولَينِ، واللهُ أعلمُ (١). وقالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ مَنْ وجبَت عليه الصَّلاةُ مِنْ المُخاطَبِينَ بها ثم امتنَعَ منها جاحِدًا لوُجوبِها عليه، فهُو كافِرٌ ويجبُ قتلُه ردَّةً. ثم اختَلَفوا فيمَن تركَها ولم يُصلِّ وهُو مُعتقِدٌ لوُجوبِها، فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ: يُقتلُ، إجماعًا منهم. وقالَ أبو حَنيفَةَ: يُحبَسُ أبَدًا حتى يُصلِّيَ مِنْ غيرِ قَتلٍ. ثم اختَلفَ مُوجِبُو قَتلِه بعدَ ذلك في تَفصيلِ هذه الجُملةِ. فقالَ مالِكٌ: يُقتلُ حَدًّا، وقالَ ابنُ حَبيبٍ مِنْ أصحابِه: يُقتلُ كُفرًا، ولم تَختلِفِ الرِّوايةُ عن مالِكٍ أنَّه بالسَّيفِ. وإذا قُتل حَدًّا على المُستقرَأِ من مَذهبِ مالِكٍ، فإنَّه يُورَّثُ ويُصلَّى عليه، وله حكمُ أمواتِ المُسلِمينَ. وقالَ الشافِعيُّ: إذا تركَ الصَّلاةَ مُعتقِدًا بوُجوبِها، وأُقيمَ عليه الحَدُّ، يُقتلُ حَدًّا، وحكمُه حكمُ أمواتِ المُسلِمينَ. واختَلفَ أصحابُه متى يُقتلُ؟ فقالَ أبو علِيِّ بنُ أبي هُريرةَ: ظاهرُ كَلامِ الشافِعيِّ: يُقتلُ إذا ضاقَ وقتُ الصَّلاةِ الأُولَى، وهكَذا ذَكرَ صاحِبُ الحاوِي. وقالَ أبو سَعيدٍ الأصطَخرِيُّ: يُقتلُ بتَركِ الصَّلاةِ الرَّابعةِ، إذا ضاقَ وقتُها، ويُستتابُ قبلَ القَتلِ، واختَلَفوا أيضًا كيف يُقتلُ، فقالَ أبو إسحاقَ الشِّيرازِيُّ: المَنصوصُ أنَّه يُقتلُ ضَربًا بالسَّيفِ، إلَّا أنَّ ابنَ سُرَيجٍ قالَ: لا
следующие страницы →