وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: لا يَصحُّ، وهو القَولُ الثَّاني للشافعيِّ؛ لأنَّ الوَقفَ مُقتَضاهُ التَّأبيدُ، فإذا كانَ مُنقطِعًا صارَ وَقفًا على مَجهولٍ، فلم يَصحَّ كما لو وقَفَ على مَجهولٍ في الابتِداءِ.
ولنا: أنه تَصرُّفٌ مَعلومُ المَصرِفِ، فصَحَّ كما لو صَحَّ بمَصرِفِه المُتصِلِ، ولأنَّ الإطلاقَ إذا كانَ له عُرفٌ حُمِلَ عليه، كنَقدٍ البَلدِ وعُرفِ المَصرفِ، وهاهُنا هم أَولَى الجِهاتِ به، فكأنه عيَّنَهم.
إذا ثبَتَ هذا فإنه يَنصرفُ عندَ انقِراضُ المَوقوفِ عليهم إلى أقارِبِ الواقفِ، وبه قالَ الشَّافعيُّ.
وعن أحمَدَ رِوايةٌ أخرى: أنه يَنصرفُ إلى المَساكينِ، واختارَهُ القاضي والشَّريفُ أبو جَعفرٍ؛ لأنه مَصرفُ الصَّدقاتِ وحُقوقِ اللهِ تعالى مِنْ الكفَّاراتِ ونَحوِها، فإذا وُجدَتْ صَدقةٌ غيرُ مُعيَّنةِ المَصرِفِ انصَرفَتْ إليهم، كما لو نذَرَ صَدقةً مُطلَقةً.
وعن أحمدَ رِوايةٌ ثالِثةٌ: أنه يُجعلُ في بَيتِ مالِ المُسلمينَ؛ لأنه مالٌ لا مُستحِقَّ له، فأشبَهَ مالَ مَنْ لا وارِثَ له.
وقالَ أبو يُوسفَ: يَرجعُ إلى الواقفِ وإلى وَرثتِه، إلَّا أنْ يَقولَ: «صَدقةٌ مَوقوفةٌ يُنفَقُ منها على فُلانٍ وعلى فُلانٍ»، فإذا انقَرضَ المُسمَّى كانَتْ للفُقراءِ والمَساكينِ؛ لأنه جعَلَها صَدقةً على مُسمًّى فلا تَكونُ على غَيرِه، ويُفارِقُ ما إذا قالَ: «يُنفَقُ على فُلانٍ وفُلانٍ»؛ فإنه جعَلَ الصَّدقةَ مُطلَقةً.
стр. 6757
ولنا: أنه أزالَ مِلكَه للهِ تعالى، فلم يَجُزْ أنْ يَرجعَ إليه كما لو أعتَقَ عَبدًا، والدَّليلُ على صَرفِه إلى أقارِبِ الواقفِ أنهم أَولَى الناسِ بصَدقتِه، بدَليلِ قَولِ النبيِّ ﷺ : «صَدَقتُكَ على غيرِ رَحمِكَ صَدقةٌ، وصَدَقتُكَ على رَحمِكَ صَدقةٌ وصِلةٌ»، وقالَ ﷺ : «إنَّكَ إنْ تَدعْ وَرثتَكَ أغنياءَ خَيرٌ مِنْ أنْ تَدعَهُم عالَةً يَتكفَّفونَ الناسَ»، ولأنَّ فيه إغناءَهُم وصِلةَ أرحامِهم؛ لأنهم أَولَى الناسِ بصَدقاتِه النَّوافلِ والمَفروضاتِ، كذلكَ صَدَقتُه المَنقولةُ.
إذا ثبَتَ هذا فإنهُ في ظاهِرِ كَلامِ الخِرقيِّ وظاهرِ كَلامِ أحمدَ يَكونُ للفُقراءِ مِنهم والأغنياءِ؛ لأنَّ الوَقفَ لا يَختصُّ الفُقراءَ، ولو وقَفَ على أولادِه تَناوَلَ الفُقراءَ والأغنياءَ، كذا هاهُنا.
وفيهِ وَجهٌ آخَرُ: أنه يَختصُّ الفُقراءَ منهم؛ لأنهم أهلُ الصَّدقاتِ دونَ الأغنياءِ، ولأنَّا خصَّصَناهُم بالوَقفِ؛ لكَونِهم أَولَى الناسِ بالصَّدقةِ، وأَولَى الناسِ بالصَّدقةِ الفُقراءُ دونَ الأغنِياءِ.
واختَلفَتِ الرِّوايةُ فيمَن يَستحِقُّ الوَقفَ مِنْ أقرِباءِ الواقفِ:
ففي إحدَى الرِّوايتَينِ: يَرجعُ إلى الوَرثةِ مِنهم؛ لأنهمُ الذينَ صرَفَ اللهُ تعالى إليهم مالَه بعدَ مَوتِه واستِغنائِه عنه، فكذلكَ يُصرفُ إليهِم مِنْ صَدَقتِه ما لم يَذكرْ له مَصرِفًا، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّكَ إنْ تَدعْ وَرثتَكَ أغنياءَ خَيرٌ مِنْ أنْ تَدعَهُم عالَةً يَتكفَّفونَ الناسَ»، فعَلى هذا يَكونُ بينَهُم على حَسبِ مِيراثِهم، ويَكونُ وَقفًا عليهم، نَصَّ عليه أحمدُ وذكَرَه القاضي؛ لأنَّ
стр. 6758
الوَقفَ يَقتضِي التَّأبيدَ، وإنَّما صَرَفناهُ إلى هؤلاءِ لأنهُم أحَقُّ الناسِ بصَدقتِه، فصُرِفَ إليهِم مع بَقائِه صَدقةً، ويَحتمِلُ كلامُ الخِرقيِّ أنْ يُصرَفَ إليهِم على سَبيلِ الإرثِ ويَبطلَ الوَقفُ فيه، فعلى هذا يَكونُ كقَولِ أبي يُوسفَ.
(والرِّوايةُ الثانِيةُ): يَكونُ وَقفًا على أقرَبِ عَصَبةِ الواقفِ دونَ بَقيةِ الوَرثةِ مِنْ أصحابِ الفُروضِ، ودونَ البَعيدِ مِنْ العَصَباتِ، فيُقدَّمُ الأقرَبُ فالأقربُ على حَسبِ استِحقاقِهم لوَلاءِ المَوالي؛ لانهُم خُصُّوا بالعَقلِ عنه وبمِيراثِ مَواليه، فخُصُّوا بهذا أيضًا.
وهذا لا يَقوى عِندي؛ فإنَّ استِحقاقَهُم لهذا دونَ غَيرِهم مِنْ الناسِ لا يَكونُ إلا بدَليلٍ مِنْ نَصِّ أو إجماعٍ أو قِياسٍ، ولا نَعلمُ فيهِ نصًّا ولا إجماعًا، ولا يَصحُّ قِياسُه على مِيراثِ وَلاءِ المَوالي؛ لأنَّ عِلَّتَه لا تَتحقَّقُ هاهُنا، وأقرَبُ الأقوالِ فيهِ صَرفُه إلى المَساكينِ؛ لأنهم مَصارِفُ مالِ اللهِ تعالى وحُقوقِه، فإنْ كانَ في أقاربِ الواقفِ مَساكينُ كانوا أَولى به لا على سَبيلِ الوُجوبِ، كما أنهُم أَولى بزَكاتِه وصِلاتِه مع جَوازِ الصَّرفِ إلى غَيرهِم، ولأنَّنا إذا صَرَفناهُ إلى أقارِبِه على سَبيلِ التَّعيينِ فهي أيضًا جِهةٌ مُنقطِعةٌ، فلا يَتحقَّقُ اتِّصالُه إلا بصَرفِه إلى المَساكينِ، وقالَ الشافعيُّ: يَكونُ وَقفًا على أقرَبِ الناسِ إلى الواقفِ، الذَّكرُ والأُنثى فيهِ سَواءٌ.
فَصلٌ: فإنْ لم يَكنْ للواقِفِ أقارِبُ أو كانَ له أقارِبُ فانقَرَضوا صَرَفَه إلى الفُقراءِ والمَساكينِ وَقفًا عليهم؛ لأنَّ القَصدَ به الثَّوابُ الجاري عليه على وَجهِ الدَّوامِ، وإنَّما قَدَّمْنا الأقارِبَ على المَساكينِ لكَونِهم أَولى، فإذا لم يَكونوا
стр. 6759
فالمَساكينُ أهلٌ لذلكَ، فصُرِفَ إليهم، إلَّا على قَولِ مَنْ قالَ أنه يُصرَفُ إلى وَرثةِ الواقفِ مِلكًا لهم، فإنه يُصرَفُ عند عَدمِهم إلى بَيتِ المالِ؛ لأنه بطَلَ الوَقفُ فيه بانقِطاعِه وصارَ مِيراثًا لا وارِثَ له فكانَ بَيتُ المالِ به أَولى (١).
الحالَةُ الرابِعةُ: أنْ يَكونَ مَجهولَ الابتِداءِ مَعلومَ الانتِهاءِ (مُنقطِعَ الابتِداءِ مُتصِلَ الانتِهاءِ):
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ الوَقفُ مُنقطِعَ الابتِداءِ مُتصِلَ الانتِهاءِ، مثلَ أنْ يَقفَ على عَبدِه ثمَّ على المَساكينِ، أو يَقفَ على كَنيسةٍ ثمَّ على المَساكينِ، أو يَقِفَ على نَفسِه -عندَ مَنْ لا يُجيزُ الوَقفَ على النَّفسِ، وهُم الجُمهورُ كما تقدَّمَ- ثُمَّ على المَساكينِ، أو يَقفَ على وَلدِه ولا وَلدَ له ثمَّ على المَساكينِ، أو على قَومٍ غيرِ مُعيَّنينَ ثمَّ على المَساكينِ، أو على زَيدٍ ثمَّ على الفُقراءِ فرَدَّ زيدٌ الوَقفَ -عندَ مَنْ يَقولُ باشتِراطِ القَبولِ- هل يَبطلُ الوَقفُ بهذا أم يَصحُّ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَقفَ باطلٌ؛ لأنَّ الأولَ باطِلٌ لعَدمِ إمكانِ الصَّرفِ إليهِ في الحالِ؛ لأنه لم يَجدْ مُستحِقًّا وابتِداءً صَحيحًا يُبنَى عليه، ولأنَّ الثَّاني فرعٌ لأصلٍ باطلٍ، فكانَ باطلًا، ومِثلُه الوَقفُ على مَسجدٍ سيُبنَى (٢).
стр. 6760
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَقفَ صَحيحٌ.
قالَ المالِكيةُ: الوَقفُ إذا كانَ مُنقطعَ الأولِ كالوَقفِ على نَفسِه أو على مَعصيةٍ أو على مَيتٍ لا يَنتفعُ ثمَّ على الفُقراءِ فإنَّ الوَقفَ يَبطلُ فيما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه، ويَصحُّ إذا أمكَنَ الوُصولُ إليهِ ولا يَضرُّ الانقِطاعُ؛ لأنَّ الوَقفَ نَوعٌ مِنْ التَّمليكِ في المَنافعِ أو الأعيانِ، فجازَ أنْ يَعُمَّ أو يَخُصَّ كالعَواري والهِباتِ والوَصايا (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ كانَ الوَقفُ مُنقطِعَ الابتِداءِ مثلَ أنْ يَقفَه على مَنْ لا يَجوزُ الوَقفُ عليه كنَفسِه أو أمِّ وَلدِه أو عَبدِه أو كَنيسةٍ أو مَجهولٍ، فإنْ لم يَذكرْ له ما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه فالوَقفُ باطِلٌ، وكذلكَ إنْ جعَلَ مآلَه ممَّا لا يَجوزُ الوَقفُ عليهِ؛ لأنه أخَلَّ بأحَدِ شَرطَي الوَقفِ، فبطَلَ كما لو وقَفَ ما لا يَجوزُ وَقفُه.
وإنْ جعَلَ له ما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه مثلَ أنْ يَقفَه على عَبدِه ثمَّ على المَساكينِ ففي صِحتِه وَجهانِ؛ بِناءً على تَفريقِ الصَّفقةِ، وللشَّافعيِّ فيهِ قَولانِ كالوَجهَينِ.
стр. 6761
فإذا قُلنا: يَصحُّ -وهو قَولُ القاضي- وكانَ مَنْ لا يَجوزُ الوَقف عليه ممَّن لا يُمكِنُ اعتِبارُ انقِراضِه كالمَيتِ والمَجهولِ والكَنائسِ صُرِفَ في الحالِ إلى مَنْ يَجوزُ الوَقفُ عليه؛ لأنَّنا لمَّا صَحَّحْنا الوَقفَ مع ذِكرِ ما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه فقدْ ألغَيْناهُ؛ لتَعذُّرِ التَّصحيحِ مع اعتِبارِه.
وإنْ كانَ مَنْ لا يَجوزُ الوَقفُ عليه يُمكِنُ اعتِبارُ انقِراضِه كأمِّ وَلدِه وعَبدٍ مُعيَّنٍ فَفيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: أنه يَنصرفُ في الحالِ إلى مَنْ يَجوزُ الوَقفُ عليهِ كالتي قبلَها، ذكَرَه أبو الخطَّابِ.
الثَّاني: أنه يَنصرفُ في الحالِ إلى مَصرفِ الوَقفِ المُنقطِعِ إلى أنْ يَنقرِضَ مَنْ لا يَجوزُ الوَقفُ عليه، فإذا انقَرضَ صُرفَ إلى مَنْ يَجوزُ، وهذا الوَجهُ الذي ذكَرَه القاضي وابنُ عَقيلٍ؛ لأنَّ الواقفَ إنَّما جعَلَه وَقفًا على مَنْ يَجوزُ بشَرطِ انقِراضِ هذا، فلا يَثبتُ بدُونِه، وفارَقَ ما لا يُمكِنُ اعتِبارُ انقِراضِه، فإنه تَعذَّرَ اعتِبارُه، ولأصحابِ الشافِعيِّ وَجهانِ كهذَينِ (١).
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: ووَقفٌ مُنقطِعُ الابتِداءِ فقط كوَقفِه على نَفسِه أو على عَبدِه ثمَّ على وَلدِه ثمَّ الفُقراءِ يُصرَفُ في الحالِ إلى مَنْ بعدَه، فيُصرَفُ لوَلدِه في الحالِ؛ لِما تَقدَّمَ مِنْ أنَّ وُجودَ مَنْ لا يَصحُّ الوَقفُ عليه كعَدمِه (٢).
стр. 6762
وقالَ الشافِعيةُ في القَولِ الثَّاني: يَصحُّ الوَقفُ؛ لأنه لمَّا بطَلَ الأولُ صارَ كأنْ لم يَكنْ، وصارَ الثَّاني أصلًا.
قالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: فإذا قُلْنا أنه يَصحُّ، فإنْ كانَ الأولُ لا يُمكِنُ اعتِبارُ انقِراضِه كرَجلٍ غيرِ مُعيَّنٍ صُرِفَ إلى مَنْ بعدَه وهُم الفُقراءُ؛ لأنه لا يُمكنُ اعتِبارُ انقِراضِه، فسقَطَ حُكمُه.
وإنْ كانَ يُمكنُ اعتِبار انقِراضِهِ كالعَبدِ ففيهِ أوجُهٌ:
أحَدُهما: يُنقَلُ في الحالِ إلى مَنْ بعدَه؛ لأنَّ الذي وُقفَ عليه في الابتِداءِ لم يَصحَّ الوَقفُ عليه، فصارَ كالمَعدومِ.
والثَّاني وهو المَنصوصُ: أنه للواقِفِ ثمَّ لوارثِهِ إلى أنْ يَنقرضَ المَوقوفُ عليه، ثمَّ يُجعلَ لمَن بعدَه؛ لأنه لم يُوجدْ شَرطُ الانتِقالِ إلى الفُقراءِ، فبَقيَ على مِلكِه.
والثَّالثُ: أنه يَكونُ لأقرِباءِ الواقفِ إلى أنْ يَنقرضَ المَوقوفُ عليه ثمَّ يُجعلَ للفُقراءِ؛ لأنه لا يُمكنُ تَركُه على الواقفِ؛ لأنه أزالَ المِلكَ فيهِ، ولا يُمكنُ أنْ يُجعلَ للفُقراءِ؛ لأنه لم يُوجَدْ شَرطُ الانتِقالِ إليهِم، فكانَ أقرِباءُ الواقفِ أحَقَّ.
وهَل يَختصُّ به فُقراؤُهم؟ أو يَشتركُ فيهِ الفُقراءُ والأغنياءُ؟ على ما ذَكَرناهُ مِنْ القَولينِ (١).
стр. 6763
وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: تَنبيهٌ: عُلِمَ مِنْ هذا أنَّ مُنقطِعَ الأولِ ومُنقطِعَ الوَسطِ يُصرَفُ إلى الفُقراءِ (١).
وقالَ أبو يُوسفَ ﵀: إذا سَمَّى جِهةً تَنقطعُ جازَ وصارَ بعدَها للفُقراءِ، وإنْ لم يُسَمِّهم صارَ وَقفًا مُؤبَّدًا وإنْ لم يَذكُرِ التأبيدَ؛ لأنَّ لفْظَ الوَقفِ والصَّدقةِ مُنبئٌ عنه، فيُصرَفُ إلى الجِهةِ التي سَمَّاها مدَّةَ دَوامِها، ويُصرفُ بعدَها للفُقراءِ وإنْ لم يُسَمِّهم.
وذلكَ مِثل أنْ يَقولَ: «جَعَلتُها صَدقةً مَوقوفَةً للهِ تعالى أبدًا على وَلدِ فُلانٍ ووَلدِ وَلدِه» ولم يَذكُرِ الفُقراءَ ولا المَساكينَ؛ وذلكَ لأنه إذا جعَلَها للهِ فقدْ أبَّدَها؛ لأنَّ ما يَكونُ للهِ فهو يَنصرفُ إلى المَساكينِ، فصارَ كما لو ذكَرَهُم.
لأنَّ المَقصودَ منه هو التَّقربُ إلى اللهِ تعالى به، وذلكَ يَحصلُ بجِهةٍ تَنقطعُ كما يَحصلُ بجِهةٍ لا تَنقطعُ، ثمَّ يَصيرُ بعدَها للفُقراءِ (٢).
стр. 6764
الحالَةُ الخامِسةُ: أنْ يَكونَ مَعلومَ الابتِداءِ والانتِهاءِ مَجهولَ الوَسطِ (مُتصِلَ الابتِداءِ والانتِهاءِ مُنقطِعَ الوَسطِ):
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ الوَقفُ مُتصِلَ الابتِداءِ والانتِهاءِ مُنقطِعَ الوَسطِ، مثلَ أنْ يَقفَ على وَلدِه ثم على عَبيدِه أو على رَجلٍ مُبهمٍ ثمَّ على الفُقراءِ والمَساكينِ، أو قالَ: «وَقَفتُه على زَيدٍ وبعدَ مَوتِه بعَشرِ سِنينَ على المَساكينِ»، هل يَصحُّ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَقفَ صَحيحٌ.
قالَ الحَنفيةُ: الوَقفُ مُنقطِعُ الوَسطِ صَحيحٌ ويُصرَفُ إلى الفُقراءِ.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: لم أرَ أحَدًا مِنْ أهلِ مَذهبِنا قالَ: إنَّ المُنقطِعَ يُصرَفُ إلى الأقرَبَ للواقِفِ، وإنَّما قالوا: يُصرَفُ إلى الفُقراءِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: الوَقفُ إذا كانَ مُنقطِعَ الوَسطِ كالوَقفِ على أولادِه ثم على مَعصيةٍ ثمَّ على الفُقراءِ فإنَّ الوَقفَ يَبطلُ فيما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه، ويَصحُّ إذا أمكَنَ الوُصولُ إليهِ ولا يَضرُّ الانقِطاعُ؛ لأنَّ الوَقفَ نوعٌ مِنْ التَّمليكِ في المَنافعِ أو الأعيانِ، فجازَ أنْ يَعُمَّ أو يَخُصَّ كالعَواري والهِباتِ والوَصايا (٢).
стр. 6765
وقالَ الدُّسوقيُّ ﵀: مَذهبُنا أنَّ الوَقفَ إذا كانَ فيهِ انقِطاعٌ في أولِه أو آخِرِه أو وَسطِه يَبطلُ فيما لا يَجوزُ الوَقفُ عليه، ويَصحُّ فيما يَصحُّ الوَقفُ عليه، إنْ حصَلَ منه حَوزُ قبلَ حُصولِ المانعِ للواقِفِ ولا يَضرُّ الانقِطاعُ؛ لأنَّ الوَقفَ نَوعٌ مِنْ التَّمليكِ في المَنافعِ، فجازَ أنْ يُعمِّمَ فيه أو يَخُصَّ كالعَواري والهِباتِ والوَصايا (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا كانَ الوَقفُ مُنقطِعَ الوَسطِ ك: «وَقَفتُ على أولادي ثمَّ على رَجلٍ مِنهم ثمَّ على الفُقراءِ» فالمَذهبُ صِحتُه؛ لوُجودِ المَصرِفِ في الحالِ والمآلِ، وعلى هذا يُصرَفُ بعدَ أولادِه للفُقراءِ، لا لأقرَبِ الناسِ إلى الواقفِ؛ لعَدمِ مَعرفةِ أمَدِ الانقِطاعِ.
فإنْ قالَ: «وَقَفتُ على أولادي ثمَّ على العَبدِ نَفسِه ثمَّ على الفُقراءِ» كانَ مُنقطِعَ الوَسطِ أيضًا، ولكنْ في هذه الصُّورةِ يُصرَفُ بعدَ أولادِه لأقرِباءِ الواقفِ مثلَ ما مَرَّ في مُنقطعِ الآخِرِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ كانَ الوَقفُ صَحيحَ الطَّرَفينِ مُنقطِعَ الوَسطِ كمَن وقَفَ على وَلدِه ثمَّ على عَبيدِه ثمَّ على المَساكينِ صَحَّ في المَذهبِ، ويُصرَفُ مُنقطِعُ الوَسطِ في الحالِ بعد مَنْ يَجوزُ الوَقفُ عليه إلى مَنْ بعدَه،
стр. 6766
فلو وقَفَ دارَه على زَيدٍ ثمَّ على عَبدِه ثمَّ على المَساكينِ صُرِفتْ بعد زيدٍ للمَساكينِ؛ لأنَّ وُجودَ مَنْ لا يَصحُّ الوَقفُ عليه كعَدمِه، فيَكونُ كأنه وقَفَ على الجِهةِ الصَّحيحةِ مِنْ غيرِ ذِكرِ الباطِلةِ، ولأنَّنا لمَّا صَحَّحْنا الوَقفَ مع ذِكرِ مَنْ لا يَجوزُ الوَقفُ عليه فقدْ ألغَيْناهُ، فإنه يَتعذَّرُ التَّصحيحُ مع اعتِبارِه (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ عندَهُما إلى أنَّ الوَقفَ باطِلٌ؛ بِناءً على عَدمِ الصِّحةِ في مُنقطِعِ الآخِرِ (٢).
الحالَةُ السادِسةُ: مُنقطِعُ الطَّرَفينِ صَحيحُ الوَسطِ:
قالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: الوَقفُ إذا كانَ مُنقطِعَ الطَّرفينِ صَحيحَ الوَسطِ كرَجلٍ وقَفَ على عَبدِه ثمَّ على زَيدٍ ثمَّ على الكَنيسةِ فإنه صَحيحٌ، ويُعمَلُ بالاعتِبارَينِ فيُصرَفُ في الحالِ لزَيدٍ ويَرجعُ بعدَه إلى وَرثةِ الواقفِ نَسبًا وَقفًا على قَدرِ إرثِهِم، ثُمَّ المَساكينِ.
وفي وَجهٍ: أنه غَيرُ صَحيحٍ (٣).
стр. 6767
الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ تَكونَ الجِهةُ المَوقوفُ عَليها مَعلومةً:
الأصلُ في الوَقفِ أنْ تَكونَ الجِهةُ المَوقوفُ عليها مَعلومةً، فإنْ كانَتِ الجِهةُ المَوقوفُ عليها مَجهولةً كالوَقفِ على جَماعةٍ أو رَجلٍ غيرِ مُعيَّنٍ، أوْ كانَتِ الجِهةُ مُبهَمةً كالوَقفِ على أحَدِ هَذينِ الرَّجلينِ لم يَصحَّ الوَقفُ عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنَّ الوَقفَ تَمليكٌ، فلا يَصحُّ على غيرِ مُعيَّنٍ كالهِبةِ، ولأنَّ تَمليكَ غيرِ المُعيَّنِ لا يَصحُّ.
قالَ ابنُ السِّمنانِيِّ الحَنفيُّ ﵀: ولا يَصحُّ الوَقفُ على مَجهولٍ مِنْ الناسِ كالبَيعِ (١).
وقالَ الشِّيرازِيُّ: ولا يَصحُّ الوَقفُ على مَجهولٍ كالوَقفِ على رَجلٍ غيرِ مُعيَّنٍ والوَقفِ على مَنْ يَختارُه فُلانٌ؛ لأنه تَمليكٌ مُنجَّزٌ، فلمْ يَصحَّ في مَجهولٍ كالبَيعِ والهِبةِ (٢).
وقالَ المِرداويُّ ﵀: ولا يَصحُّ على مَجهولٍ كرَجلٍ ومَسجدٍ بلا نِزاعٍ، وكذا لا يَصحُّ لو كانَ مُبهَمًا كأحَدِ هَذينِ الرَّجلينِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وعليه جَماهيرُ الأصحابِ، وقطَعَ به كَثيرٌ مِنهم.
وقيلَ: يَصِحُّ، ذكَرَه في «الرِّعايَة» احتِمالًا.
وقيلَ: يَصحُّ إنْ قُلنا لا يَفتَقرُ الوَقفُ إلى قَبولٍ، مُخرَّجٌ مِنْ وَقفِ إحدَى الدَّارينِ، وهو احتِمالٌ في «التَّلخِيص»، فعَلى الصِّحةِ: يَخرجُ المُبهَمُ
стр. 6768
بالقُرعةِ، قالَه في «الرِّعايتَين»، قُلتُ: وهو مُرادُ مَنْ يَقولُ بذلكَ، وتقدَّمَ نَظيرُه فيما إذا وقَفَ أحَدَ هذينِ (١).
وأمَّا إذا قالَ: «وَقَفتُ» وسكَتَ فقدْ سبَقَ الكلامُ عليه مُفصَّلًا في الشَّرطِ الرَّابعِ مِنْ شُروطِ الصِّيغةِ، وهو ذِكرُ مَصرفِ الوَقفِ.
стр. 6769
فصل في الوَقفِ على الأَوْلادِ والذرِّيةِ
الواقفُ قد يَقفُ على أولادِه أو أولادِه وأولادِ أولادِه أو على ذُرِّيتِه، وهذا جائِزٌ عند عامَّةِ الفُقهاءِ.
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا في بَعضِ المَسائلِ التي تَختصُّ بالوَقفِ على الأولادِ، هل يَدخلُ فيهم مَنْ سيُولَدُ؟ وهَل يَجبُ التَّسويةُ بينَهُم؟ وهَل يَدخلُ فيهم أبناءُ البِنتِ؟ على تَفصيلٍ سَيأتي بَيانُه إنْ شاءَ اللهُ.
الوَقفُ عَلى الأولادِ:
الواقِفُ إذا ذكَرَ طَبقةً واحِدةً في الوَقفِ على الأولادِ كأنْ قالَ: «وقَفْتُ على ولَدي، أوْ وَقَفتُ على ولَدي ثُمَّ على المَساكينِ» فقدِ اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يَنفرِدُ بالاستِحقاقِ مَنْ يَكونُ مَوجودًا مِنْ أولادِه حالَ الوَقفِ، ولو جَنينًا (١)،
стр. 6770
سواءٌ كانَ واحِدًا (١) أو أكثَرَ مِنْ واحِدٍ، ذَكرًا كانَ أو أُنثى أوْ خُنثى؛ لأنَّ الوَلدَ يَقعُ على الواحِدِ والجَمعِ والذَّكرِ والأُنثى كما قالَه أهلُ اللُّغةِ.
ويَكونُ بينَهُم بالسَّويةِ إذا لم يُفضِّلْ أحَدًا مِنهم على الآخَرِ؛ لأنه جعَلَه لهم، وإطلاقُ التَّشريكِ يَقتضي التَّسويةَ، كما لو أقَرَّ لهم بشَيءٍ، وكوَلدِ الأمِّ في الميراثِ حينَ شَرَّكَ اللهُ تعالى بينَهُم فيهِ فقالَ: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، تَساوَوا فيهِ ولَم يُفضِّلْ بعضَهُم على بَعضٍ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا أعلَمُ في هذا خِلافًا (٢).
стр. 6771
إلا أنَّ العُلماءَ اختَلَفوا في الوَلدِ الحادِثِ بعدَ الوَقفِ، بأنْ وُلدَ له وَلدٌ بعدَ أنْ وقَفَ على أولادِه، هل يَدخلُ في الاستِحقاقِ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ رجَّحَه كَثيرٌ مِنهم إلى أنَّ الواقفَ إذا وُلدَ له وَلدٌ بعدَ الوَقفِ استَحقَّ كالمَوجودينَ حالَ الوَقفِ تَبعًا لهمْ.
وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَلدَ الحادِثَ بعدَ الوقفِ لا يَدخلُ في الاستِحقاقِ (١).
دُخولُ أَولادِ الأَولادِ في الوَقفِ على الأولادِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ الواقِفُ: «أوقَفْتُ على أولادي»، هل يَدخلُ أولادُ الأولادِ في الوَقفِ والاستِحقاقِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والقاضي وأصحابُه مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه لا يَدخلُ أولادُ الأولادِ في الوَقفِ إذا قالَ الواقفُ: «أوقَفْتُ على أولادي، أو على وَلدِي»، سَواءٌ في ذلكَ وَلدُ البَنينَ ووَلدُ البَناتِ؛
стр. 6772
لأنه لا يَقعُ عليه اسمُ الوَلدِ حَقيقةً؛ إذْ يَصحُّ أنْ يُقالَ في وَلدِ وَلدِ الشَّخصِ: ليس وَلدَه، بل وَلدُ وَلدِه.
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ أولادَ الابنِ وإنْ سَفَلوا يَدخلونَ فقطْ دونَ أولادِ الإناثِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فدخَلَ فيه وَلدُ البَنينَ وإنْ سَفَلوا، وللإجماعِ على أنَّ وَلدَ البَناتِ لا مِيراثَ لهُم.
وكذلكَ كلُّ مَوضعٍ ذكَرَ اللهُ فيه الوَلدَ دخَلَ فيهِ وَلدُ البَنينَ، فالمُطلَقُ مِنْ كلامِ الآدَميِّ إذا خَلا عن قَرينةٍ يَنبغي أنْ يُحمَلَ على المُطلَقِ مِنْ كَلامِ اللهِ تعالَى ويُفسَّرَ بما يُفسَّرُ به.
ولأنَّ وَلدَ وَلدِه وَلدٌ له؛ بدليلِ قَولِه تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ و: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وقَولِه ﷺ : «ارْمُوا بَني إسماعِيلَ فإنَّ أباكُم كانَ رامِيًا» (١)، وقَولِه ﷺ : «نَحنُ بَنو النَّضرِ بنِ كِنانةَ» (٢)، والقَبائلِ كلُّها تَنتسِبُ إلى جُدودِها، وقالَ ﷺ : «أنَا ابنُ عَبدِ المُطَّلبِ» (٣).
ومحَلُّه ما لم يَقلْ: «على ولَدِي لصُلبي، أو على أولادي الذينَ يَلونَني»، فإنْ قالَه لم يَدخلْ وَلدُ الوَلدِ بلا خِلافٍ.
ولا يَدخلُ وَلدُ البَناتِ في وَلدِه ولا في أولادِه إذا وقَفَ عليهم، كما
стр. 6773
لو وَصَّى لوَلدِ زَيدٍ أو أولادِه، فيَدخلُ فيها أولادُ بَنيهِ دونَ أولادِ بَناتِه وأولادِ بناتِ بَنيهِ وبَناتِ بَني بَنيهِ، فليسَ لهم شَيءٌ في الوَقفِ ولا في الوَصيةِ؛ لأنهم مِنْ رَجلٍ آخَرَ، ولعَدمِ دُخولِهم في قَولِه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، وكذا كلُّ وَلدٍ ذُكِرَ في القُرآنِ في الإرثِ أو الحَجبِ لا مَدخلَ لهم فيهِ، ولأنَّ أولادَ البَناتِ يَنتسِبونَ إلى آبائِهم على ما قالَه الشاعِرُ:
بَنُونَا بَنو أبنائِنا وبَناتُنا بَنوهُنَّ أبناءُ الرِّجالِ الأباعِدِ
قالَ المَرُّوذيُّ ﵀: قُلتُ لأبي عَبدِ اللهِ: ما تَقولُ في رَجلٍ وقَفَ ضَيعةً على وَلدِه فماتَ الأولادُ وتَرَكوا النِّسوةَ حَواملَ؟ فقالَ: كلُّ ما كانَ مِنْ أولادِ الذُّكورِ بَناتٍ كُنَّ أو بَنينَ فالضَّيعةُ مَوقوفةٌ عليهم، وما كانَ مِنْ أولادِ البَناتِ فليسَ لهم فيهِ شيءٌ؛ لأنهم مِنْ رَجلٍ آخَرَ (١).
وفي قَولٍ ثالثٍ للشافِعيةِ وللحَنابلةِ اختارَه أبو بَكرٍ ابنُ حامِدٍ يَدخلُ الأولادُ مُطلقًا، سَواءٌ كانوا أولادَ البَنينَ أو أولادَ البَناتِ؛ لأنَّ أولادَ البَناتِ أولادُه، وأولادُهنَّ أولادُ أولادِه؛ لقَولِهِ تعالى في شَأنِ إبراهيمَ ﵇: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَولِه: ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٥] وهو وَلدُ ابنَتِه، وقَولِه ﷺ : «إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ» يَعني الحَسنَ (٢).
стр. 6774
إذا لم يَكنْ للواقِفِ وَلدٌ وقالَ: «وَقَفتُ على أَولادي»:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الواقِفَ إذا قالَ: «وَقَفتُ على أولادي» ولم يَكنْ له وَلدٌ حينَ الوَقفِ، وكانَ له أولادُ أولادٍ، فإنَّ اللَّفظَ يُحمَلُ عليهم؛ لوُجودِ القَرينةِ وصِيانةً لكَلامِ المُكلَّفِ عن الإلغاءِ، ويَكونُ وَلدُ الابنِ عندَ عَدمِ وُجودِ وَلدِ الصُّلبِ بمَنزلةِ وَلدِ الصُّلبِ.
قالَ في «الإسْعَاف»: وإنْ لم يَكنْ له وَلدٌ لصُلبِه وقتَ الوَقفِ وله وَلدُ ابنٍ كانَتِ الغَلةُ له، لا يُشاركُه فيها مَنْ دونَه مِنْ البُطونِ؛ لقِيامِه مَقامَ وَلدِ الصُّلبِ، ولا يَدخلُ وَلدُ البِنتِ في ظاهرِ الرِّوايةِ، وبه أخَذَ هِلالٌ، وذكرَ الخَصَّافُ عن مُحمدٍ أنه يَدخلُ فيهِ أولادُ البَناتِ أيضًا، والصَّحيحُ ظاهرُ الرِّوايةِ؛ لأنَّ أولادَ البَناتِ إنَّما يُنسَبونَ إلى آبائِهم لا إلى آباءِ أمَّهاتِهم (١).
стр. 6775
وقالَ في «الدُّر المُختَار»: إذا لم يَكنْ للواقفِ وَلدٌ صُلبيٌّ حينَ الوَقفِ على الوَلدِ فيَختصُّ بوَلدِ الابنِ ولو أُنثى دونَ مَنْ دونَه مِنْ البُطونِ، ودونَ وَلدِ البِنتِ في الصَّحيحِ، ولو زادَ «ووَلدِ وَلدِي فقط» اقتصرَ عليهِما، ولو زادَ البَطنَ الثالثَ عَمَّ نَسلَه.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قولُه: (فيَختصُّ بوَلدِ الابنِ) أي: لا يُشاركُه في الغَلةِ مَنْ دُونَه مِنْ البُطونِ، ويَكونُ وَلدُ الابنِ عندَ عَدمِ الصُّلبيِّ بمَنزلةِ الصُّلبيِّ، أي: لأنه يُنسَبُ إليه.
وفي «الخَصَّافِ»: فإنْ لم يَكنْ له وَلدٌ لصُلبِه ولا وَلدُ وَلدٍ وكانَ له وَلدُ وَلدِ وَلدٍ فالغَلةُ له ولمَن كانَ أسفَلَ مِنْ البُطونِ، والفرقُ بينَه وبينَ الصُّلبيِّ حيثُ لم يَدخلْ مع الصُّلبيِّ مَنْ هو أسفَلُ أنه لمَّا نزَلَ إلى ثلاثةِ أبطُنٍ فقدْ صارُوا مثلَ الفَخذِ والقَبيلةِ، كما لو قالَ: «لوَلدِ العبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ» فهو لمَن يُنسَبُ إلى العبَّاسِ. انتهى مُلَخَّصًا.
قَولُه: (ولو أُنثى)؛ لأنَّ لفْظَ الوَلدِ يَعمُّها كما قدَّمَه آنِفًا.
قولُه: (في الصَّحيحِ) وهو ظاهِرُ الرِّوايةِ، وبه أخَذَ هِلالٌ؛ لأنَّ أولادَ البَناتِ يُنسَبونَ إلى آبائِهم لا آباءِ أمَّهاتِهم، بخِلافِ وَلدِ الابنِ (١).
قالَ الشافِعيةُ: إنْ قالَ: «وَقَفتُ على أولادي» ولم يَكنْ له إلا أولادُ أولادٍ حُملَ اللَّفظُ عليهم؛ لوُجودِ القَرينةِ وصِيانةً لكَلامِ المُكلَّفِ عن
стр. 6776
الإلغاءِ، إلا إنْ حدَثَ له وَلدٌ فيُصرَفُ إليه وحْدَه على الأوجَهِ؛ لأنَّ الصَّرفَ إليهم إنَّما كانَ لتَعذُّرِ الحَقيقةِ، وقد وُجِدتْ.
وقيلَ: يُصرفُ لهم مَعه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأما معَ وُجودِ دلالةِ تَصرُّفٍ إلى أحَدِ المَحمَلَينِ فإنه يُصرَفُ إليه بغيرِ خِلافٍ، مثلَ أنْ يَقولَ: «على وَلدِ فُلانٍ» وهُم قَبيلةٌ ليس فيهم وَلدٌ مِنْ صُلبِه، فإنه يُصرَفُ إلى أولادِ الأولادِ بغَيرِ خِلافٍ، وكذلكَ إنْ قالَ: «على أولادي»، أو «وَلدِي» وليسَ له وَلدٌ مِنْ صُلبِه (٢).
.
стр. 6777
الوَقفُ على الأَولادِ وأَولادِ الأولادِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ الواقفُ: «وَقَفتُ على وَلدِي ووَلدِ وَلَدي، أو وَقَفتُ على أولادي وأولادِ أولادي»، هل يَقتصرُ على البَطنَينِ فقط فلا يَدخلُ فيهِم البَطنُ الثالثُ؟ أم يَدخلُ فيهِ البَطنُ الثالثُ؟ وهل يَشتركونَ في الغَلةِ فلا يُقدَّمُ وَلدُ الصُّلبيِّ على وَلدِ الابنِ أم يَتقدَّمُ وَلدَ الصُّلبيِّ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في أصَحِّ الوُجوهِ والحَنابلةُ في أحَدِ القَولينِ إلى أنهُم لا يَدخلونَ، فإذا قالَ: «وَقَفتُ على وَلدي ووَلدِ وَلدِي» فلا يَدخلُ أولادُ أولادِ أولادِه، وهُم البَطنُ الثالثُ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنهُم يَدخلونَ.
وسَيأتي بَيانُ تَفصيلِهم.
وقالَ الحَنفيةُ: لو قالَ الواقفُ: «وَقَفتُ على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي» فقط ولم يَزدْ على هذا يَدخلُ فيه الصُّلبيُّ وأولادُ بَنيه يَشتركونَ في الغَلةِ، ولا يُقدَّمُ الصُّلبيُّ على وَلدِ الابنِ؛ لأنه سَوَّى بينَهُما في الذِّكرِ حيثُ لم يَذكرُ ما يَدلُّ على التَّرتيبِ، ثمَّ إذا انقَرضَ الأولادُ وأولادُهم صُرفَتِ الغَلةُ إلى الفُقراءِ؛ لانقِطاعِ المَوقوفِ عليه، ولا يَدخلُ البَطنُ الثالثُ حيثُ لم يَذكرِ الوَلدَ بلَفظِ الجَمعِ.
ولو زادَ البَطنَ الثالثَ بأنْ قالَ: «على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي ووَلدِ وَلدِ وَلدِي» عَمَّ نَسلَه وصُرِفَ إلى أولادِه ما تَناسَلوا لا الفُقراءِ ما بَقيَ واحِدٌ مِنْ
стр. 6778
أولادِه وإنْ سفَلَ، يَستوي فيهِ الأقرَبُ والأبعَدُ، إلَّا أنْ يَذكرَ ما يَدلُّ على التَّرتيبِ بأنْ يَقولَ: «الأقرَبُ فالأقرَبُ، أو يَقولَ: على وَلدِي ثمَّ على وَلدِ وَلدِي، أو يَقولَ: بَطنًا بعدَ بَطنٍ»، فحِينئذٍ يُبدأُ بما بدَأَ به الواقفُ؛ لأنه لمَّا ذكَرَ البَطنَ الثالثَ فَحُشَ التَّفاوتُ، فتَعلَّقَ الحُكمُ بنَفسِ الانتِسابِ لا غَيرُ، والانتِسابُ مَوجودٌ في حَقِّ مَنْ قَرُبَ ومَن بَعُدَ، بخِلافِ البَطنِ الثاني؛ لأنَّ الواسِطةَ له واحِدٌ.
وهذا الحُكمُ إذا ذكَرَ الوَلدَ بلَفظِ المُفرَدِ، أمَّا لو ذكَرَ الوَلدَ بلَفظِ الجَمعِ بأنْ قالَ: «وَقَفتُ على أولادي» بلَفظِ الجَمعِ يَدخلُ فيهِ البُطونُ كلُّها؛ لعُمومِ اسمِ الأولادِ، ولكنْ يُقدَّمُ البَطنُ الأولُ، فإذا انقَرضَ فالثاني، ثُمَّ من بَعدهُم يَشتركُ جميعُ البُطونِ فيهِ على السَّواءِ قَريبُهم وبَعيدُهم، ولا يُصرَفُ إلى الفُقراءِ ما دامَ واحدٌ منهم باقيًا وإنْ سفَلَ؛ لأنَّ اسمَ الأولادِ يَتناولُ الكُلَّ، بخِلافِ اسمِ الوَلدِ؛ فإنه يُشترطُ فيهِ ذِكرُ ثلاثةِ بُطونٍ حتى يُصرَف إلى النَّوافلِ ما تَناسَلوا، والأقرَبُ والأبعَدُ في الغَلةِ سَواءٌ، فتُقسَمُ بينَهُم على عَددِ رُؤوسِهم، والأُنثى مثلُ الذَّكرِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: ولو وقَفَ على أولادِه وأولادِ أولادِه ففي دُخولِ أولادِ أولادِ أولادِه ثَلاثةُ أوجُهٍ: أَصَحُّها: لا يَدخلونَ.
والثَّاني: يَدخلونَ.
стр. 6779
والثالثُ: يَدخلُ أولادُ البَنينَ دونَ أولادِ البَناتِ، على الخِلافِ السابقِ فيما لو قالَ: «وَقَفتُ على أولادي» هل يَدخلُ أولادُ الأولادِ أم لا؟ كما تقدَّمَ.
ولو قالَ الوَاقِفُ: «وَقَفتُ كذا على أولادي وأولادِ أولادي» يَقتَضي التَّسويةَ في أصلِ الإعطاءِ والمِقدارِ بينَ الكلِّ، وهو جَميعُ أفرادِ الأولادِ وأولادِهم ذَكرِهم وأُنثاهُم؛ لأنَّ الواوَ لمُطلَقِ الجَمعِ لا للترتيبِ كما هو الصَّحيحُ عندَ الأُصوليِّينَ ونُقِلَ عن إجماعِ النُّحاةِ.
ولو جمَعَهُم بالواوِ ثم قالَ: «ومَن ماتَ منهم فنَصيبُه لوَلدِه» فماتَ أحَدُهم اختَصَّ وَلدُه بنَصيبِه وشارَكَ الباقينَ فيما عَداهُ.
وكذا يُسوَّى بينَ الكُلِّ لو قالَ: «على أولادي وأولادِهم ما تَناسَلوا» أي أولادِ الأولادِ، وكأنه قالَ: «عليهِم وعلى أعقابِهِم ما تَناسَلوا».
وكذا لو قالَ: «بَطنًا بعدَ بَطنٍ، أو نَسلًا بعدَ نَسلٍ» فإنه أيضًا يَقتضي التَّسويةَ بينَ الجَمِيعِ، فيُشاركُ البَطنُ الأسفَلُ البَطنَ الأعلى كقَولِه: «ما تَناسَلوا» على المُعتمَدِ.
وذهَبَ الجُمهورُ إلى أنَّ قَولَه: «بَطنًا بعدَ بَطنٍ» للتَّرتيبِ كقَولِه: «الأعلَى فالأعلَى»، وصحَّحَه السُّبكيُّ تبَعًا لابنِ يُونسَ، قالَ: وعليه هو للتَّرتيبِ بينَ البَطنَينِ فقط، فيَنتقلُ بانقِراضِ الثَّاني لمَصرفٍ آخَرَ إنْ ذكَرَه الواقفُ، وإلا فمُنقطعُ الآخِرِ.
ولو قالَ: «وَقَفتُ كذا على أولادي ثم أولادِ أولادي ثمَّ أولادِهم ما
стр. 6780
تَناسَلوا، أو قالَ: وَقَفتُ كذا على أولادي وأولادِ أولادي الأعلَى فالأعلَى منهُم، أو الأولِ فالأولِ منهُم، أو الأقرَبِ فالأقرَبِ مِنهم» فهو للتَّرتيبِ فيما ذُكرَ؛ لدَلالةِ اللَّفظِ عليه ب «ثمَّ» في الأُولى، وبتَصريحِه به في الثانيةِ، فلا يَأخذُ بَطنٌ وهناكَ أحَدٌ مِنْ بَطنٍ أقرَبَ منه.
ولو جاءَ ب «ثُمَّ» للبَطنِ الثَّاني وبالواوِ فيما بعدَه مِنْ البُطونِ كأنْ قالَ: «وَقَفتُ على أولادي ثمَّ أولادِ أولادي وأولادِ أولادِ أولادي» كانَ التَّرتيبُ للبَطنِ الثاني دُونَهم؛ عَملًا ب «ثمَّ» وب «الواوِ» فيهم، وإنْ عكَسَ بأنْ جاءَ ب «الواوِ» في البَطنِ الثاني وب «ثُمَّ» فيما جاءَ بعدَه كانَ التَّرتيبِ لهم دُونَه (١).
وأمَّا الحَنابلةُ فاختَلَفوا فيما لو قالَ: «وَقَفتُ على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي» هل يَدخلُ البَطنُ الثالثُ أمْ لا؟ على قَولينِ:
أحَدُهما: لم يَشمَلِ البَطنَ الثالثَ ومَن بعدَه، وإنْ قالَ: «وَقَفتُ على وَلدِي ووَلدِ وَلدِ وَلدِي» دخَلَ ثلاثةُ بُطونٍ دونَ مَنْ بعدَهم.
والثَّاني: يَدخلونَ لكنْ لا يَستحقُّونَ إلا بعدَ آبائِهم مُرتَّبًا على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لقَولِه: «بَطنًا بعدَ بَطنٍ، أو الأقرَب فالأقرَب»، وقيلَ: يَستحقُّونَ مَعهم (٢).
стр. 6781
وإنْ رتَّبَ الواقفُ فقالَ: «وَقَفتُ هذا على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي ما تَناسَلوا وتَعاقَبوا، الأعلَى فالأعلَى، أو الأقرَبِ فالأقرَبِ، أو الأولِ فالأوَلِ، أو البَطنِ الأولِ ثُمَّ البَطنِ الثَّاني، أو على أولادِي ثمَّ على أولادِ أولادي، أو على أولادي فإنِ انقَرَضوا فعلَى أولادِ أولادي» فكلُّ هذا على التَّرتيبِ، فيَكونُ على ما شرَطَ، ولا يَستحقُّ البَطنُ الثَّاني شيئًا حتى يَنقرضَ البَطنُ كلُّه، ولو بَقيَ واحِدٌ مِنْ البَطنِ الأولِ كانَ الجَميعُ له؛ لأنَّ الوَقفَ ثبَتَ بقَولِه، فيُتَّبعُ فيهِ مُقتضَى كَلامِه.
وإنْ قالَ: «على أولادي وأولادِهم ما تَعاقَبوا وتَناسَلوا على أنه مَنْ ماتَ مِنهم عن وَلدٍ كانَ ما كانَ جاريًا عليه جاريًا على وَلدِه» كانَ ذلكَ دليلًا على التَّرتيبِ؛ لأنه لو اقتَضَى التَّشريكَ لَاقتَضى التَّسويةَ، ولو جعَلْنا لوَلدِ الوَلدِ سَهمًا مثلَ سَهمِ أبيهِ ثمَّ دفَعْنا إليه سهْمَ أبيهِ صارَ له سَهمانِ ولغَيرِه سَهمٌ، وهذا يُنافي التَّسويةَ، ولأنه يُفضي إلى تَفضيلِ وَلدِ الابنِ على الابنِ، والظَّاهرُ مِنْ إرادةِ الواقفِ خِلافُ هذا.
فإذا ثبَتَ التَّرتيبُ فإنه يَترتَّبُ بينَ كلِّ والِدٍ ووَلدِه، فإذا ماتَ عن وَلدٍ انتَقلَ إلى وَلدِه سَهمُه، سواءٌ بَقيَ مِنْ البَطنِ الأولِ أحَدٌ أو لم يَبقَ.
وإنْ رتَّبَ بعضَهم دونَ بَعضٍ فقالَ: «وَقَفتُ على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي ثمَّ على أولادِهم، أو على أولادِي ثمَّ على أولادي وأولادِهم ما تَناسَلوا وتَعاقَبوا، أو قالَ: على أولادي وأولادِ أولادي ثمَّ على أولادِهم وأولادِ
стр. 6782
أولادِهم ما تَناسَلوا» فهو على ما قالَ، يَشتركُ مَنْ شرَّكَ بينَهُم ب «الواوِ» المُقتضيةِ للجَمعِ والتَّشريكِ وتَرتيبِ مَنْ رتَّبَه بحَرفِ التَّرتيبِ، ففي المَسألةِ الأُولى يَشتركُ الوَلدُ ووَلدُ الوَلدِ، ثمَّ إذا انقَرَضوا صارَ لمَن بعدَهم، وفي الثَّانيةِ يَختصُّ به الوَلدُ، فإذا انقَرَضوا صارَ مُشتَرَكًا بينَ مَنْ بعدَهم، وفي الثالثةِ يَشتركُ فيه البَطنانِ الأوَّلانِ دونَ غيرِهم، فإذا انقَرَضوا اشتَركَ فيه مَنْ بعدَهُم.
وإنْ قالَ: «وَقَفتُ على أولادي ثمَّ على أولادِ أولادي على أنه مَنْ ماتَ مِنْ أولادي عن وَلدٍ فنَصيبُه لوَلدِه، أو فنَصيبُه لإخوَتِه أو لوَلدِ وَلدِه أو لوَلدِ أخيهِ أو لأخَواتِه أو لوَلدِ أخَواتِه» فهو على ما شرَطَه (١).
стр. 6783
دُخولُ أَولادِ البِنتِ في الوَقفِ على الأولادِ وأولادِ الأولادِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ الواقفُ: «وَقَفتُ على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي»، هل يَدخلُ وَلدُ البِنتِ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ إلى أنَّ أولادَ البَناتِ يَدخُلونَ.
قالَ في «الإسْعَاف»: لو قالَ: «على وَلدي ووَلدِ وَلدِي» ولمْ يَزدْ عليه تَكونُ الغَلةُ بينَ أولادِه وأولادِ ابنِه؛ لأنه سَوَّى بينَهُما في الذِّكرِ.
وهَل يَدخلُ وَلدُ البنتِ؟ قالَ هِلالٌ: يَدخلُ.
ولو قالَ: «على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي الذُّكورِ» قالَ هِلالٌ: يَدخلُ فيهِ الذُّكورُ مِنْ وَلدِ البَنينَ والبَناتِ.
وقالَ عليٌّ الرَّازيُّ: لو وقَفَ على وَلدِه ثمَّ وَلدِ وَلدِه يَدخلُ فيه الذُّكورُ والإناثُ مِنْ وَلدِه، فإذا انقَرَضوا فهو لوَلدِ ابنِ الواقفِ دونَ وَلدِ ابنَتِه، ولو قالَ: «على أولادي وأولادِهم» كانَ ذلكَ لكُلِّهم، يَدخلُ فيهِ وَلدُ الابنِ ووَلدُ البنتِ.
والصَّحيحُ ما قالَ هِلالٌ ﵀؛ لأنَّ اسمَ وَلدِ الوَلدِ كما يَتناوَلُ أولادَ البَنينَ يَتناوَلُ أولادَ البَناتِ، ذكرَ في «السِّيَرِ»: إذا قالَ أهلُ الحَربِ: «أمِّنونَا على أولادِنا» يَدخلُ فيه أولادُ البَنينَ وأولادُ البَناتِ.
стр. 6784
قالَ شَمسُ الأئمَّةِ السَّرخسيُّ ﵀: لأنَّ وَلدَ الوَلدِ اسمٌ لمَن وَلَدَهُ وَلَدُهُ، وَابْنَتُهُ وَلَدُهُ، فمَن ولَدَتْه ابنَتُه يَكونُ وَلدَ وَلدِه حَقيقةً، بخِلافِ ما إذا قالَ: «على وَلدِي» فإن ثَمَّة وَلدَ البنتِ لا يَدخلُ في الوَقفِ في ظاهرِ الرِّوايةِ؛ لأنَّ اسمَ الوَلدِ يَتناوَلُ وَلدَه لصُلبِه، وإنَّما يَتناولُ وَلدَ الابنِ لأنه يُنسَبُ إليه عُرفًا (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو وقَفَ على أولادِه وأولادِ أولادِه دخَلَ فيهِ أولادُ البَنينَ والبَناتِ، والدَّليلُ على أنْ أولادَ بَناتِه هُمْ خَيرُ أولادِ أولادِه هو أنَّ البَناتِ لمَّا كُنَّ مِنْ أولادِه كانَ أولادُهنَّ أولادَ أولادِه، وقد رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ في الحَسنِ: «إنَّ ابنِي هذا سَيِّدٌ»، فسمَّاهُ ابنًا.
ولقَولِه تعالَى في شَأنِ إبراهيمَ ﵇: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ [الأنعام: ٨٤] إلى قَولِه: ﴿وَعِيسَى﴾ [الأنعام: ٨٥] وهو وَلدُ ابنَتِه.
فإنْ قالَ: «على مَنْ يَنتسبُ إليَّ مِنْ أولادِ أولادي لم يَدخلْ أولادُ البَناتِ على الصَّحيحِ (٢).
стр. 6785
وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ والحَنابلةُ إلى أنَّ أولادَ البَناتِ لا يَدخلونَ في الوَقفِ إذا قالَ الواقفُ: «وَقَفتُ على أولادي وأولادِهم».
قالَ المالِكيةُ: لو قالَ الواقفُ: «وَقَفتُ على نَسلِي وعَقبِي ووَلدِي ووَلدِ وَلدِي وأولادِ أولادِي وبَنيَّ وبَني بَنيَّ» فإنَّ أولادَ البَناتِ لا يَدخلونَ في شيءٍ مِنْ هذهِ الألفاظِ الثَّمانيةِ على الصَّحيحِ.
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: لا فرْقَ عندَ أحَدٍ مِنْ العُلماءِ بينَ لَفظِ العَقبِ والوَلدِ في المعنى.
فإذا قالَ المُحبِّسُ: «حَبسْتُ على وَلدِي أو على أولادي» ولم يَزدْ على ذلكَ فيَكونُ الحَبسُ على أولادِه الذُّكرانِ والإناثِ وعلى أولادِ بَنيهِ الذُّكرانِ دونَ الإناثِ، ولا يَدخلُ في ذلكَ أولادُ البناتِ على مَذهبِ مالكٍ؛ للإجماعِ على أنَّ وَلدَ البَناتِ لا مِيراثَ لهُم.
وإذا قالَ: «حَبسْتُ على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي، أو على أولادي وأولادِ أولادِي» فذهَبَ جَماعةٌ مِنْ الشُّيوخِ إلى أنَّ وَلدَ بَناتِ المُحبِّسِ يَدخلونَ فيها على مَذهبِ مالكٍ بظاهِرِ اللَّفظِ؛ لأنَّ لفْظَ الوَلدِ يَعُمُّ الذَّكرَ والأُنثى، فلا فرْقَ بينَ أنْ يَقولَ: «على وَلدِي ووَلدِ وَلدِي» أو يَقولَ: «على وَلدِي ذُكورِهم وإناثِهِم وعلى أولادِهم كُلِّهم» فيما يُوجِبُه الحُكمُ.
وعلى هذا جرَى العَملُ عندَنا، وبه كانَ يُفتي شَيخُنا الفَقيهُ أبو جعفرٍ ابنِ رزقٍ ﵀.
стр. 6786
وقد رُويَ عن مالِكٍ ﵀ فيمَن حَبسَ على وَلدِه ووَلدِ وَلدِه: أنَّ وَلدَ البَناتِ لا يَدخلونَ في ذلكَ، فيُحتملُ أنْ يُريدَ بوَلدِ البَناتِ وَلدَ بَناتِ أبناءِ المُحبِّسِ لا وَلدَ بناتِ المُحبِّسِ، ويُحتملُ أيضًا أنْ يَكونَ لم يَتكلَّمْ على أنَّ المُحبِّسَ نَصَّ على أنه حَبسَ على وَلدِه ووَلدِ وَلدِه، وإنَّما أرادَ الحَبسَ الذي يَكونُ على الوَلدِ ووَلدِ الوَلدِ بقَولِ الحابِسِ: حَبسْتُ على وَلدِي فقط.
وتأوَّلَ قَومٌ أنه إنَّما قالَ ذلكَ لأنَّ الناسَ كانوا بعَهدِه يُخرِجونَ البَناتِ مِنْ أحباسِهم، فحَمَلَ الأمرَ على المُتعارَفِ عندهُم، ولمْ يَلتفِتْ إلى لَفظِ المُحبِّسِ في قَولِه: «وَلدِي ووَلدِ وَلدِي» وما يُوجِبُه بحَقِّ عُمومِه.
وإنْ حُمِلَتِ الرِّوايةُ على ظاهِرِها -في أنَّ وَلدَ البَناتِ لا يَدخلونَ فيها، كانوا بَناتِ المُحبِّسِ أو بَناتِ أبنائِهِ، مع نَصِّ المُحبِّسِ على أنه حَبسٌ على وَلدِه ووَلدِ وَلدِه- فلها وَجهانِ:
أحَدُهما: أنَّ وَلدَ البَناتِ وإنْ كانوا وَلدَ وَلدِه فإنهم لا يَنتسبونَ إليه ولا يُوارِثونَه، فحُمِلَ على المُحبِّسِ أنه أرادَ مِنْ وَلدِ وَلدِه مَنْ يُنسَبُ إليه مِنهم ويُوارِثُه، دونَ مَنْ لا يَنتسبُ إليه منهم ولا يُوارِثُه؛ لأنَّ الميراثَ والنَّسبَ هو المعنَى الذي يُرادُ الوَلدُ له ويُرغبُ فيه مِنْ أجلِه، قالَ اللهُ : ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٥، ٦]، وكانَ لفظُ وَلدِ الوَلدِ لا يَقعُ عندَه بإطلاقِه إلا على مَنْ يَرجعُ نَسبُه إليهِ.
стр. 6787
والثَّاني: أنَّ وَلدَ الابنةِ وإنْ كانَ وَلدَ وَلدِه فإنه لا يَعلمُ ذلكَ إلَّا الخاصُّ مِنْ الناسِ، وأكثَرُهم يَعتقدونَ أنَّ الوَلدَ لا يَقعُ إلَّا على الذَّكرِ دونَ الأُنثى، وإذا سَألتَ أحَدَهم هل له وَلدٌ ولا ابنَ له ذَكرٌ قالَ لكَ: «ليس لي وَلدٌ، وإنَّما ليَ ابنةٌ»، فوجَبَ أنْ يُحمَلَ لفظُ المُحبِّسِ على ما يُعرَفُ مِنْ مَقاصدِ الناسِ بألفاظِهم وإنْ خالَفَ ذلكَ مُوجَبَ اللَّفظِ في اللِّسانِ العرَبيِّ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ حلَفَ ألا يَأكلَ لَحمًا أو بَيضًا لا يَحنثُ بأكلِ الحِيتانِ وبَيضِها وإنْ كانَ ذلكَ لَحمًا في اللِّسانِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: لا يَدخلُ وَلدُ البَناتِ في الوَقفِ على وَلدِه أو أولادِه أو ذُرِّيتِه ونَحوِه؛ لأنهُم لم يَدخُلوا في قَولِه تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، ولأنهُم إنَّما يُنسَبونَ إلى قَبيلةِ آبائِهِم دونَ قَبيلةِ أمَّهاتِهِم، وقالَ تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [لقمان: ٥]، وقالَ الشاعِرُ:
بَنُونَا بَنو أبنائِنا وبَناتُنا بَنوهُنَّ أبناءُ الرِّجالِ الأباعِدِ
وأمَّا قَولُه ﷺ : «إنَّ ابنِي هذا سَيِّدٌ» (٢) ونحوُه فمِن خَصائِصِه انتِسابُ أولادِ فاطِمةَ إليهِ.
стр. 6788
ولا يَدخلونَ إلا بصَريحٍ كقَولِه: «وَقَفتُ على وَلدِي وأولادِهم على أنَّ لوَلدِ الإناثِ سَهمًا ولوَلدِ الذُّكورِ سَهمَينِ» ونحوِه.
أو بقَرينةٍ كقَولِه: «مَنْ ماتَ منهم عن وَلدِه فنَصيبُه لوَلدِه، أو قالَ: وَقَفتُ على وَلدي فُلانٍ وفُلانٍ وفُلانةَ وأولادِهم، أو قالَ: فإذا خَلَتِ الأرضُ ممَّن يُنسَبُ إليَّ مِنْ قِبَلِ أبٍ أو أمٍّ فللمَساكينِ»، أو قالَ: «على البَطنِ الأولِ مِنْ أولادي ثمَّ على الثَّاني والثالثِ وأولادِهِم» والبَطنُ الأولُ بَناتٌ، ونحوِ ذلكَ ممَّا يَدلُّ على دُخولِ أولادِ البَناتِ، فيَدخلونَ بلا خِلافٍ.
فإنَّ قيَّدَ الواقفُ بما يَقتضِي عَدمَ دُخولِ أولادِ البَناتِ فقالَ: «وَقَفتُ على أولادي لصُلبِي، أو على مَنْ يَنتسبُ إليَّ» لم يَدخلُوا -أي: وَلدُ البَناتِ- بلا خِلافٍ (١).
стр. 6789
الوَقفُ على البَنينَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ على البَنينَ، هل يَشملُ الذُّكورَ والإناثَ؟ أم يَقتصرُ على الذُّكورِ فقطْ ولا يَدخلُ فيه الإناثُ؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه -واختارَه هِلالٌ وعليه عامَّةُ الحَنفيةِ- والمالِكيةُ في أحَدِ القَولينِ إلى أنَّ الواقِفَ إذا قالَ: «وَقَفتُ على بَنيَّ» وله بَنونَ وبَناتٌ تَكونُ الغَلةُ بينَهُم بالسَّويةِ.
وفي الرِّوايةِ الثانِيةِ عن أبي حَنيفةَ وهو قَولُ أبي يُوسفَ والشافِعية والحَنابلة والقَول الثاني للمالِكيةِ أنَّ البَناتِ لا يَدخلْنَ في قَولِه: «وَقَفتُ على بنيَّ»، ويَختصُّ به الذُّكورُ.
قالَ في «الإسْعَاف»: ولو قالَ: «على بَنيَّ» وله بَنونَ وبَناتٌ، قالَ هِلالٌ: تَكونُ الغَلةُ بينَهُم جَميعًا بالسَّويةِ؛ لأنَّ البَناتِ إذا جُمِعْنَ مع البَنينَ ذُكِروا بلَفظِ التَّذكيرِ، وهو رِوايةٌ عن أبي حَنيفةَ، ألَا تَرى أنه إنْ قالَ: «على إخوَتي» وله إخوَةٌ وأخَواتٌ أنَّ الغَلةَ تَكونُ لهُم جَميعًا؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ وإنه يَشمَلُ الإناثَ.
ورَوى أبو يُوسفَ عنه أنه قالَ في الوَصيةِ أنَّ الثُّلثَ للبَنينَ دونَ البَناتِ، إلا في كُلِّ بِنتٍ يَحسُنُ أنْ يُقالَ: «هذه المَرأةُ مِنْ بَني فُلانٍ»، فإذا نُسِبَ إلى فَخذٍ أو قَبيلةٍ شَمِلَ البَنينَ والبَناتِ جَميعًا في الرِّواياتِ كلِّها، ولو قالَ: «على بَنيَّ» وله بَناتٌ فقط، أو قالَ: «على بَناتي» وله بَنونَ لا غيرُ، تَكونُ الغَلةُ للمَساكينِ ولا شيءَ لهم.
стр. 6790
ولو قالَ: «على بَناتي» وله بَناتٌ وبَنونَ تَكونُ الغَلةُ للبناتِ فقط؛ لعَدمِ شُمولِ لَفظِ البَناتِ البَنينَ (١).
وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: وتَدخلُ البَناتُ في قَولِه: «بَنيَّ»، واختارَهُ هِلالٌ، وعَن أبي حَنيفةَ اختِصاصُ الذُّكورِ به، قالَ بَعضُ المَشايخِ: في المَسألةِ رِوايتانِ. انتهى، والوَجهُ الدُّخولُ؛ لِما عُرِفَ في أصولِ الفِقهِ، وعليه بَنَوا قَولَ المُستأمنِ: «آمِنونِي على بَنيَّ» تَدخلُ البَناتُ، قالَ في «الخُلاصَة»: وهذا إنَّما يَستقيمُ في بَنِي أبٍ يُحصَونَ، أمَّا فيما لا يُحصَونَ فيَصحُّ أنْ يُقال: «هذه المَرأةُ مِنْ بَني فُلانٍ». انتهى، يَعني فتَدخلُ المَرأةُ بلا تَردُّدٍ.
ولو لم يَكنْ له إلَّا بَناتٌ صُرِفَتِ الغلَّةُ للفُقراءِ، و: «على بَنَاتي» لا تَدخلُ الذُّكورُ (٢).
وجاءَ في «أَحكَام الوَقفِ» لهِلالٍ ﵀: قُلتُ: أرَأيتَ إذا قالَ: «على بَنيَّ» وله بَنونَ وبَناتٌ؟
قالَ: فهُم جَميعًا في الوَقفِ سَواءٌ؛ لأنَّ البَنينَ والبَناتِ إذا اجتَمَعوا كانوا مُذكَّرينَ، فقدْ رَوى يُوسفُ بنُ خالِدَ عن أبي حَنيفةَ ﵀ في رَجلٍ قالَ: «قد أوصَيْتُ بثُلثِ مالي لبَني فُلانٍ» وله بَنونَ وبَناتٌ فالثُّلثُ لهُم جَميعًا وهُم فيهِ سَواءٌ، وكذلكَ الوَقفُ.
стр. 6791
وأمَّا يَعقوبُ -أي أبو يُوسفَ- فرَوَى خِلافَ ذلكَ، قالَ: للبَنينِ دُونَ البَناتِ، ألَا تَرى أنه لا يَحسنُ فيهِ أنْ يَقولَ: «هذه المَرأةُ مِنْ بَني فُلانٍ»؟ وإذا كانَ كذلكَ دخَلَ الذُّكورُ والإناثُ وإلا لم يَدخُلوا، وهذه رِوايةُ يَعقوبَ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إنْ قالَ: «وَقَفتُ على بَنيَّ» لا يَدخلُ فيه بَناتُه، قالَ الدَّرديرُ: كما هو ظاهِرُ المُصنِّفِ، وقيلَ بدُخولِ البَناتِ (٢).
وقالَ الزَّرقانِيُّ ﵀: قولُه: (وبَنيَّ وبَني بَنيَّ) دخَلَ بَناتُ أبنائِه دونَ بَناتِ بَناتِه، وفي المَفهومِ مِنْ كونِ هذه الألفاظِ لا تَتناولُ الحافِدَ أنها تَتناولُ أولادَ الذُّكورِ ذُكورًا وإناثًا، وهو كذلكَ، وبالأحرَى دخولُ إناثِ الصُّلبِ مع الذُّكورِ، انظُر النَّقلَ في الشَّارحِ، وحِينئذٍ فالمُرادُ بقَولِه: (بَنيَّ وبَني بَنيَّ) أولادِي وأولادُ أولادي. انتهى (٣).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا لفظُ البَنينَ في قَولِه: «حَبسْتُ على بَنيَّ، أو على بَنيَّ وبَني بَنيَّ، أو على بَنيَّ وبَنيهِم» فالحُكمُ في ذلكَ كالحُكمِ في لَفظِ الوَلدِ والعَقبِ على القَولِ بأنَّ لفْظَ جَمعِ المُذكَّرِ يَدخلُ فيه المُؤنَّثُ، وعلى القَولِ بأنهنَّ لا يَدخلْنَ فيهِ يَنفردُ الذُّكرانُ مِنْ بَنيهِ وبَني بَنيهِ بالحَبسِ دونَ الإناثِ، وأمَّا إذا قالَ: «حَبسْتُ على بَنيَّ ذُكورِهم وإناثِهِم -سَمَّاهم أو لم
стр. 6792
يُسَمِّهم- وعلى أعقابِهِم» فالحُكمُ في ذلكَ على ما ذكَرْتُه في الوَلدِ والعَقبِ، وباللهِ التَّوفيقُ (١).
وأمَّا الشافِعيةُ فقالوا: إنْ وقَفَ على بَني زيدٍ لم يَدخلْ فيهِ بناتُه، وإنْ وقَفَ على بَني تَميمٍ وقُلنا: «إنَّ الوَقفَ صَحيحٌ» ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يَدخلُ فيهِ البَناتُ؛ لأنَّ اسمَ البَنينَ يَنصرفُ للذُّكورِ حَقيقةً.
والثَّاني: يَدخُلْنَ فيه؛ لأنه إذا أطلَقَ اسمَ القَبيلةِ دخَلَ فيهِ كلُّ مَنْ يُنسَبُ إليها مِنْ الرِّجالِ والنِّساءِ (٢).
ولا يَدخلُ الأخَواتُ في الوقفِ على الإخوةِ على الصَّحيحِ، وقالَ الماوَرديُّ بدُخولِهنَّ (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ وقَفَ على بَنيهِ أو بَني فُلانٍ فهو للذُّكورِ خاصَّةً؛ لأنَّ لفْظَ البَنينَ وُضعَ لذلكَ حَقيقةً، قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ [الصافات: ١٥٣]. وقالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤].
إلا إنْ كانوا قَبيلةً كَبَني هاشمٍ وتَميمٍ دخَلَ نِساؤُهم؛ لأنَّ اسمَ القَبيلةِ يَشملُ ذكَرَها وأُنثاها.
стр. 6793
ورُويَ أنَّ جَواريَ مِنْ بَني النجَّارِ قُلنَ:
نَحنُ جَوارٍ مِنْ بَني النجَّارِ يا حَبَّذا مُحمدٌ مِنْ جارِ
دونَ أولادِهنَّ مِنْ رِجالِ غَيرِهم؛ لأنهُم إنَّما يَنتسِبونَ لآبائِهِم كما تقدَّمَ (١).
قالَ المُوفَّقُ في «الشَّرْح الكَبير»: إنْ وقَفَ على بَنيهِ أو بَني فُلانٍ فهو للذُّكورِ دونَ الإناثِ والخنَاثَى، هذا قَولُ الجُمهورِ، وبه قالَ الشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ.
وقالَ الحَسنُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ: هو للذَّكرِ والأُنثى جَميعًا؛ لأنه لو أَوصَى لبَني فُلانٍ وهُم قَبيلةٌ دخَلَ فيه الذَّكرُ والأُنثى.
وقالَ الثَّوريُّ: إنْ كانوا ذُكورًا وإِناثًا فهو بينَهُم، وإنْ كُنَّ بَناتٍ لا ذكَرَ مَعهنَّ فلا شيءَ لهُنَّ؛ لأنه متى اجتَمعَ الذُّكورُ والإناثُ غلِّبَ لفظُ التَّذكيرِ ودخَلَ فيه الإناثُ، كلَفظِ المُسلمينَ والمُشركينَ.
ولنَا: إنَّ لفْظَ البَنينَ يَختصُّ الذُّكورَ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ [الصافات: ١٥٣]، وقالَ تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾ [الزخرف: ١٦]، وقالَ تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤] وقالَ تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ
стр. 6794
الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقد أخبَرَ أنهُم لا يَشتهونَ البَناتِ فقالَ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ [النحل: ٥٧، ٥٨].
وإنَّما دَخَلوا في الاسمِ إذا صاروا قَبيلةً؛ لأنَّ الاسمَ نُقلَ فيهم عن الحَقيقةِ إلى العُرفِ، ولهذا تَقولُ المَرأةُ: «أنَا مِنْ بَني فُلانٍ» إذا انتَسبَتْ إلى القَبيلةِ، ولا تَقولُ ذلكَ إذا انتَسبَتْ إلى أبيها (١).
стр. 6795
الوَقفُ على البَنينَ دونَ البَناتِ أو البَناتِ دونَ البَنينَ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على جَوازِ الوَقفِ على البَناتِ دونَ البَنينَ.
واختَلَفوا فيما لو أوقَفَ الواقفُ على الذُّكورِ مِنْ أولادِه دونَ بَناتِه هل يَجوزُ أم لا؟ على أقوالٍ.
فذهَبَ جُمهورُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الواقفَ لو أوقَفَ على بَنيهِ الذُّكورِ دونَ بَناتِه صَحَّ الوَقفُ للبَنينَ ولم تَدخُلِ البَناتُ في الوَقفِ، وكذا لو وقَفَ على بَناتِه دونَ الذُّكورِ صَحَّ الوَقفُ.
واستَدلُّوا على ذلكَ بما رَواهُ البخاري: باب الشُّروط في الوَقفِ (٢٥٨٦): قالَ: حدَّثَنا قُتيبةُ بنُ سَعيدٍ حدَّثَنا مُحمدُ بنُ عَبدِ اللهِ الأنصارِيُّ حدَّثَنا ابنُ عَونٍ قالَ: أنبَأَني نافعٌ عن ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أصَابَ أرضًا بخَيبَرَ فأتَى النبيَّ ﷺ يَستأمِرُه فيها، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني أصَبتُ أرضًا بخَيبَرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ أنفَسَ عندي منه، فما تَأمرُ به؟ قالَ: إنْ شِئتَ حَبسْتَ أصلَها وتَصدَّقتَ بها، قالَ: فتَصدَّقَ بها عُمرُ أنه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورثُ، وتَصدَّقَ بها في الفُقراءِ وفي القُربى وفي الرِّقابِ وفي سَبيلِ اللهِ وابنِ السَّبيلِ والضَّيفِ، لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يَأكلَ منها بالمَعروفِ ويُطعِمَ غيرَ مُتموِّلٍ» قالَ: فحَدَّثتُ به ابنَ سيرِينَ فقالَ: غيرَ مُتأثِّلٍ مَالًا» (١).