وأمَّا يَعقوبُ -أي أبو يُوسفَ- فرَوَى خِلافَ ذلكَ، قالَ: للبَنينِ دُونَ البَناتِ، ألَا تَرى أنه لا يَحسنُ فيهِ أنْ يَقولَ: «هذه المَرأةُ مِنْ بَني فُلانٍ»؟ وإذا كانَ كذلكَ دخَلَ الذُّكورُ والإناثُ وإلا لم يَدخُلوا، وهذه رِوايةُ يَعقوبَ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إنْ قالَ: «وَقَفتُ على بَنيَّ» لا يَدخلُ فيه بَناتُه، قالَ الدَّرديرُ: كما هو ظاهِرُ المُصنِّفِ، وقيلَ بدُخولِ البَناتِ (٢).
وقالَ الزَّرقانِيُّ ﵀: قولُه: (وبَنيَّ وبَني بَنيَّ) دخَلَ بَناتُ أبنائِه دونَ بَناتِ بَناتِه، وفي المَفهومِ مِنْ كونِ هذه الألفاظِ لا تَتناولُ الحافِدَ أنها تَتناولُ أولادَ الذُّكورِ ذُكورًا وإناثًا، وهو كذلكَ، وبالأحرَى دخولُ إناثِ الصُّلبِ مع الذُّكورِ، انظُر النَّقلَ في الشَّارحِ، وحِينئذٍ فالمُرادُ بقَولِه: (بَنيَّ وبَني بَنيَّ) أولادِي وأولادُ أولادي. انتهى (٣).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا لفظُ البَنينَ في قَولِه: «حَبسْتُ على بَنيَّ، أو على بَنيَّ وبَني بَنيَّ، أو على بَنيَّ وبَنيهِم» فالحُكمُ في ذلكَ كالحُكمِ في لَفظِ الوَلدِ والعَقبِ على القَولِ بأنَّ لفْظَ جَمعِ المُذكَّرِ يَدخلُ فيه المُؤنَّثُ، وعلى القَولِ بأنهنَّ لا يَدخلْنَ فيهِ يَنفردُ الذُّكرانُ مِنْ بَنيهِ وبَني بَنيهِ بالحَبسِ دونَ الإناثِ، وأمَّا إذا قالَ: «حَبسْتُ على بَنيَّ ذُكورِهم وإناثِهِم -سَمَّاهم أو لم
стр. 6792
يُسَمِّهم- وعلى أعقابِهِم» فالحُكمُ في ذلكَ على ما ذكَرْتُه في الوَلدِ والعَقبِ، وباللهِ التَّوفيقُ (١).
وأمَّا الشافِعيةُ فقالوا: إنْ وقَفَ على بَني زيدٍ لم يَدخلْ فيهِ بناتُه، وإنْ وقَفَ على بَني تَميمٍ وقُلنا: «إنَّ الوَقفَ صَحيحٌ» ففيهِ وَجهانِ:
أحَدُهما: لا يَدخلُ فيهِ البَناتُ؛ لأنَّ اسمَ البَنينَ يَنصرفُ للذُّكورِ حَقيقةً.
والثَّاني: يَدخُلْنَ فيه؛ لأنه إذا أطلَقَ اسمَ القَبيلةِ دخَلَ فيهِ كلُّ مَنْ يُنسَبُ إليها مِنْ الرِّجالِ والنِّساءِ (٢).
ولا يَدخلُ الأخَواتُ في الوقفِ على الإخوةِ على الصَّحيحِ، وقالَ الماوَرديُّ بدُخولِهنَّ (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ وقَفَ على بَنيهِ أو بَني فُلانٍ فهو للذُّكورِ خاصَّةً؛ لأنَّ لفْظَ البَنينَ وُضعَ لذلكَ حَقيقةً، قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ [الصافات: ١٥٣]. وقالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤].
إلا إنْ كانوا قَبيلةً كَبَني هاشمٍ وتَميمٍ دخَلَ نِساؤُهم؛ لأنَّ اسمَ القَبيلةِ يَشملُ ذكَرَها وأُنثاها.
стр. 6793
ورُويَ أنَّ جَواريَ مِنْ بَني النجَّارِ قُلنَ:
نَحنُ جَوارٍ مِنْ بَني النجَّارِ يا حَبَّذا مُحمدٌ مِنْ جارِ
دونَ أولادِهنَّ مِنْ رِجالِ غَيرِهم؛ لأنهُم إنَّما يَنتسِبونَ لآبائِهِم كما تقدَّمَ (١).
قالَ المُوفَّقُ في «الشَّرْح الكَبير»: إنْ وقَفَ على بَنيهِ أو بَني فُلانٍ فهو للذُّكورِ دونَ الإناثِ والخنَاثَى، هذا قَولُ الجُمهورِ، وبه قالَ الشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ.
وقالَ الحَسنُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ: هو للذَّكرِ والأُنثى جَميعًا؛ لأنه لو أَوصَى لبَني فُلانٍ وهُم قَبيلةٌ دخَلَ فيه الذَّكرُ والأُنثى.
وقالَ الثَّوريُّ: إنْ كانوا ذُكورًا وإِناثًا فهو بينَهُم، وإنْ كُنَّ بَناتٍ لا ذكَرَ مَعهنَّ فلا شيءَ لهُنَّ؛ لأنه متى اجتَمعَ الذُّكورُ والإناثُ غلِّبَ لفظُ التَّذكيرِ ودخَلَ فيه الإناثُ، كلَفظِ المُسلمينَ والمُشركينَ.
ولنَا: إنَّ لفْظَ البَنينَ يَختصُّ الذُّكورَ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾ [الصافات: ١٥٣]، وقالَ تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾ [الزخرف: ١٦]، وقالَ تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤] وقالَ تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ
стр. 6794
الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقد أخبَرَ أنهُم لا يَشتهونَ البَناتِ فقالَ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ [النحل: ٥٧، ٥٨].
وإنَّما دَخَلوا في الاسمِ إذا صاروا قَبيلةً؛ لأنَّ الاسمَ نُقلَ فيهم عن الحَقيقةِ إلى العُرفِ، ولهذا تَقولُ المَرأةُ: «أنَا مِنْ بَني فُلانٍ» إذا انتَسبَتْ إلى القَبيلةِ، ولا تَقولُ ذلكَ إذا انتَسبَتْ إلى أبيها (١).
стр. 6795
الوَقفُ على البَنينَ دونَ البَناتِ أو البَناتِ دونَ البَنينَ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على جَوازِ الوَقفِ على البَناتِ دونَ البَنينَ.
واختَلَفوا فيما لو أوقَفَ الواقفُ على الذُّكورِ مِنْ أولادِه دونَ بَناتِه هل يَجوزُ أم لا؟ على أقوالٍ.
فذهَبَ جُمهورُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الواقفَ لو أوقَفَ على بَنيهِ الذُّكورِ دونَ بَناتِه صَحَّ الوَقفُ للبَنينَ ولم تَدخُلِ البَناتُ في الوَقفِ، وكذا لو وقَفَ على بَناتِه دونَ الذُّكورِ صَحَّ الوَقفُ.
واستَدلُّوا على ذلكَ بما رَواهُ البخاري: باب الشُّروط في الوَقفِ (٢٥٨٦): قالَ: حدَّثَنا قُتيبةُ بنُ سَعيدٍ حدَّثَنا مُحمدُ بنُ عَبدِ اللهِ الأنصارِيُّ حدَّثَنا ابنُ عَونٍ قالَ: أنبَأَني نافعٌ عن ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أصَابَ أرضًا بخَيبَرَ فأتَى النبيَّ ﷺ يَستأمِرُه فيها، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني أصَبتُ أرضًا بخَيبَرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ أنفَسَ عندي منه، فما تَأمرُ به؟ قالَ: إنْ شِئتَ حَبسْتَ أصلَها وتَصدَّقتَ بها، قالَ: فتَصدَّقَ بها عُمرُ أنه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورثُ، وتَصدَّقَ بها في الفُقراءِ وفي القُربى وفي الرِّقابِ وفي سَبيلِ اللهِ وابنِ السَّبيلِ والضَّيفِ، لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يَأكلَ منها بالمَعروفِ ويُطعِمَ غيرَ مُتموِّلٍ» قالَ: فحَدَّثتُ به ابنَ سيرِينَ فقالَ: غيرَ مُتأثِّلٍ مَالًا» (١).
стр. 6796
قالَ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: للواقِفِ أنْ يَشترطَ في وَقفِهِ ما شاءَ إذا أخرَجَه مِنْ يَدِه إلى مُتَولِّي النَّظرِ فيه فيَجعلَه في صِنفٍ واحِدٍ أو أصنافٍ مُختلِفةٍ، إنْ شاءَ في الأغنياءِ أو في الفُقراءِ، وإنْ شاءَ في الأقارِبِ أو الأباعِدِ، وإنْ شاءَ في إناثِ بَيتِه دونَ الذُّكورِ، أو الذُّكورِ دونَ الإناثِ، وإنْ كانَ يُستحبُّ له التَّسويةُ بينَ بَنيهِ؛ لقَولِه: «فتَصدَّقَ بها عُمرُ في الفُقراءِ وفي القُربى» وسائرِ مَنْ ذُكِرَ، فدَلَّ ذلكَ إلى اختيارِ المُحبِّسِ يَضَعُه حيثُ شرَطَ (١).
قالَ الحَنفيةُ: ولو وقَفَ على بَنيهِ لا تَستحقُّ البَناتُ كعَكسِه (٢).
وجاءَ في «أحكَام الوَقفِ» لهِلالٍ ﵀: قُلتُ: أرَأيتَ لو قالَ: «أَرضِي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ على بَناتي» وله بَنونَ وبَناتٌ؟
قالَ: الوَقفُ للبَناتِ دونَ البَنينَ (٣).
أمَّا الشافِعيةُ فقَالَ ابنُ حَجرٍ الهَيثميُّ ﵀: يَقعُ لكَثيرينَ أنهُم يَقِفونَ أموالَهُم في صحَّتِهم على ذُكورِ أولادِهم قاصِدينَ بذلكَ حِرمانَ إناثِهِم، وقد تَكرَّرَ مِنْ غيرِ واحِدٍ الإفتاءُ ببُطلانِ الوقفِ حِينئذٍ، وفيهِ نَظرٌ ظاهِرٌ، بل الوَجهُ الصِّحةُ.
أما أولًا: فلا نُسلِّمَ أنَّ قصْدَ الحِرمانِ مَعصيةٌ، كيفَ وقد اتَّفقَ أئمَّتُنا كأكثَرِ العُلماءِ على أنَّ تَخصيصَ بَعضِ الأولادِ بمالِه كلِّهِ أو بَعضِه هِبةً أو
стр. 6797
وَقفًا أو غيرَهما لا حُرمةَ فيه ولو لغَيرِ عُذرٍ؟ وهذا صَريحٌ في أنَّ قصْدَ الحِرمانِ لا يَحرمُ؛ لأنه لازِمٌ للتَّخصيصِ مِنْ غيرِ عُذرٍ، وقد صَرَّحوا بحِلِّه كما عَلِمتَ.
وأما ثانيًا: فبتَسليمِ حُرمتِه هي مَعصيةٌ خارِجةٌ عن ذاتِ الوقفِ، كشِراءِ عِنبٍ بقَصدِ عَصرِه خَمرًا، فكيفَ يَقتضِي إبطالَه؟ (١)
قالَ الشافِعيةُ: أمَّا إنْ أوقَفَ في حالِ مَرضِه فلا يَصحُّ إلا بإجازةِ الإناثِ؛ لأنَّ التَّبرعَ في مَرضِ المَوتِ على بَعضِ الوَرثةِ يَتوقَّفُ على رِضَا الباقينَ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: يَجوزُ أنْ يُوقِفَ على أولادِه الذُّكورِ دونَ الإناثِ، وأنْ يُوقِفَ على أولادِه الإناثِ دونَ الذُّكورِ، إلا أنَّ المُستحَبَّ أنْ يقسمَ الوَقفُ على أولادِهِ الذُّكورِ والإناثِ، فإنْ خَصَّ الواقفُ بعضَهُم بالوقفِ دونَ بعضِ فإنْ كانَ على طريقِ الأثَرةِ بأنْ لم يَكنْ لغَرضٍ شَرعيٍّ كُرِهَ؛ لأنه يُؤدِّي إلى التَّقاطُعِ بينَهُم، وإنْ كانَ على أنَّ بعضَهُم له عِيالٌ وبه حاجةٌ فلا بَأسَ به.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والمُستحَبُّ أنْ يُقسِّمَ الوَقفَ على أولادِه على حَسبِ قِسمةِ اللهِ تعالى المِيراثَ بينَهُم، للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثيَينِ … فإنْ خالَفَ فسَوَّى بينَ الذَّكرِ والأُنثى أو فضَّلَها عليه أو فضَّلَ بعضَ البَنينَ أو
стр. 6798
بعضَ البَناتِ على بَعضٍ أو خَصَّ بعضَهُم بالوَقفِ دونَ بَعضٍ فقالَ أحمدُ في رِوايةِ مُحمدِ بنِ الحَكمِ: إنْ كانَ على طَريقِ الأثَرةِ -بأنْ لم يَكنْ لغَرضٍ شَرعيٍّ- فأكرَهُه؛ لأنه يُؤدِّي إلى التَّقاطُعِ بينَهُم، وإنْ كانَ على أنَّ بعضَهُم له عِيالٌ وبه حاجةٌ يَعني فلا بَأسَ به.
ووَجهُ ذلكَ «أنَّ الزُّبيرَ خَصَّ المَردودةَ مِنْ بَناتِه دونَ المُستَغنِيةِ مِنهنَّ بصَدَقتِه»، وعلى قِياسِ قَولِ أحمدَ لو خَصَّ المُشتَغلينَ بالعِلمِ مِنْ أولادِه بوَقفِه تَحريضًا لهُم على طَلبِ العِلمِ أو ذا الدِّينِ دونَ الفاسِقِ أو المَريضَ أو مَنْ له فَضلٌ مِنْ أجلِ فَضيلتِه فلا بَأسَ.
وقد دَلَّ على صحَّةِ هذا «أنَّ أبا بَكرٍ الصِّديقَ ﵁ نحَلَ عائِشةَ جُذَاذَ عِشرينَ وَسقًا دونَ سائرِ وَلدِه»، وحَديثُ عُمرَ أنه كتَبَ: «بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ هذا ما أَوصَى به عَبدُ اللهِ أميرُ المُؤمنينَ إنْ حدَثَ به حدَثٌ أنَّ ثَمغًا وصِرمةَ بنَ الأكوَعِ والعبدَ الذي فيهِ والمِائةَ سَهمٍ التي بخَيبَرَ ورَقيقَه الذي فيهِ الذي أطعَمَه مُحمدٌ ﷺ بالوادي تَليهِ حَفصةُ ما عاشَتْ، ثمَّ يَليهِ ذو الرَّأيِ مِنْ أهلِها، أنْ لا يُباعَ ولا يُشتَرى، يُنفِقُه حيثُ رَأى مِنْ السَّائِلِ والمَحرومِ وذَوي القُربى، لا حرَجَ على مَنْ وَلِيَه إنْ أكَلَ أو اشتَرى رَقيقًا منه» رَواهُ أبو داوُدَ، وفيه دَليلٌ على تَخصيصِ حَفصةَ دونَ إخوتِها وأخَواتِها (١).
стр. 6799
وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ إلى أنه يُكرَهُ لمَن حَبسَ أنْ يُخرِجَ البَناتِ مِنْ تَحبيسِه، قالَ أبو الحَسَنِ وابنُ ناجِي وابنُ غازِي: الكَراهةُ على بابِها، فإنْ وقَعَ ذلكَ مَضى، وقيلَ: إنها للتَّحريمِ، وعليهِ: إذا وقَعَ فإنه يُفسخُ.
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: واعلَمْ أنَّ في هذه المَسألةِ -وهي الوَقفُ على البَنينَ دونَ البَناتِ- أقوالًا:
أوَّلُها: البُطلانُ مع حُرمةِ القُدومِ على ذلكَ.
ثانيها: الكَراهةُ مع الصِّحةِ، والكَراهةُ على بابِها.
ثالِثُها: جَوازُه مِنْ غيرِ كَراهةٍ.
رابِعُها: الفرقُ بينَ أنْ يُحازَ عنه فيَمضِي على ما حَبسَه عليه، أو لا يُحازَ فيَردُّه للبَنينَ والبَناتِ معًا.
خامِسُها: ما رَواهُ عِيسى عن ابنِ القاسِمِ حُرمةُ ذلكَ، فإنْ كانَ الواقفُ حيًّا فسَخَه وجعَلَه للذُّكورِ والإناثِ، وإنْ ماتَ مَضى.
سادِسُها: فَسخُ الحَبسِ وجَعلُه مَسجدًا إنْ لم يَأبَ المُحبَّسُ عليهم، فإنْ أَبَوا لم يَجُزْ فَسخُه ويُقَرُّ على حالِه حَبسًا وإنْ كانَ الواقفُ حَيًّا.
والمُعتمَدُ مِنْ هذه الأقوالِ ثَانيها كما قالَ الشَّارحُ.
ومَحلُّ الخِلافِ إذا حصَلَ الوَقفُ على البَنينَ دونَ البَناتِ في حالِ الصِّحةِ وحصَلَ الحَوزُ قبلَ المانِعِ، أمَّا لو كانَ الوَقفُ في حالةِ المَرضِ فباطِلٌ اتِّفاقًا ولو حِيزَ؛ لأنه عَطيَّةٌ لوارِثٍ، أو كانَ في حالِ الصِّحةِ وحصَلَ
стр. 6800
المانِعُ قبلَ الحَوزِ فباطِلٌ اتِّفاقًا أيضًا، ومَحلُّه أيضًا ما لم يَحكمْ بصِحتِه حاكِمٌ ولو مالِكيًّا، وإلا صَحَّ اتِّفاقًا؛ لأنَّ حُكمَ الحاكِمِ يَرفعُ الخِلافَ (١).
وقالَ الصَّاويُّ ﵀: وكَلامُ المُؤلِّفِ في بَنيهِ وبَناتِه لصُلبِه، وأمَّا بَنو بَنيهِ دونَ بَناتِ بَنيهِ فيَصحُّ وَقفُه اتِّفاقًا، وأمَّا هِبةُ الرَّجلِ لبَعضِ وَلدِه مالَه كلَّه أو جُلَّه فمَكْروهٌ اتِّفاقًا، وكذا يُكرَهُ أنْ يُعطيَ مالَه كلَّه لأولادِه، يقسمُ بينَهُم بالسَّويةِ إنْ كانوا ذُكورًا وإناثًا، وإنْ قسَمَه بينَهُم على قَدرِ مَواريثِهم فذلكَ جائزٌ.
وكذلكَ يَصحُّ الوَقفُ باتِّفاقٍ في العَكسِ، كوَقفِه على بَناتِه دونَ بَنيهِ، وإنَّما بطَلَ الوقفُ على البَنينَ دونَ البَناتِ على القَولِ به لقَولِ مالكٍ: إنه مِنْ عَملِ الجاهِليةِ، أي: يُشبِهُ عمَلَهُم؛ لأنَّ الجاهِليةَ كانوا إذا حضَرَ أحَدَهُم المَوتُ ورَّثُوا الذُّكورَ دونَ الإناثِ، فصارَ فيهِم حِرمانُ الإناثِ دونَ الذُّكورِ.
فالوَقفُ على هذا الوَجهِ يُشبِهُ عمَلَ الجاهِليةِ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ -وهو اختيارُ خَليلٍ في مُختصَرِه، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ في «العُتَيبية» - إلى أنه لا يَجوزُ ويَحرمُ ويُفسَخُ إنْ وقَعَ إنْ وقَفَ على بَنيهِ الذُّكورِ دونَ بَناتِه؛ لأنه يُشبِهُ فِعلَ الجاهِليةِ مِنْ حِرمانِ البَناتِ مِنْ
стр. 6801
إرثِ أبيهِنَّ، وسَواءٌ أخرَجَهنَّ ابتداءً أو بعدَ تَزوُّجِهنَّ، بأنْ وقَفَ على بَنيهِ وبَناتِه جَميعًا وشرَطَ أنَّ مَنْ تَزوَّجتْ مِنْ بَناتِه فلا حقَّ لها في الوقفِ وتَخرجُ منه ولا تَعودُ له ولو تَأيَّمتْ، وأمَّا لو شرَطَ أنَّ مَنْ تَزوَّجتْ مِنْ البَناتِ فلا حقَّ لها إلا أنْ تَتأيَّمَ فإنه يَرجعُ لها الحَقُّ فيهِ، كانَ الوَقفُ صَحيحًا.
قالَ الإمامُ مالكٌ في «العُتَيبيَّة»: مَنْ حَبسَ حَبسًا على ذُكورِ وَلدِه وأخرَجَ الإناثَ منه إذا تَزوَّجنَ فإني لا أرَى ذلكَ جائِزًا وإنه مِنْ أمرِ الجاهِليةِ، وليسَ على هذا تُوضَعُ الصَّدقاتُ للهِ وما يُرادُ به وَجهُه، إلا ما تَصدَّقَ به رَجلٌ وجعَلَه بعدَ انقِراضِ وَلدِه في سَبيلٍ مِنْ سُبلِ الخيرِ.
قالَ ابنُ القاسِمِ: فقُلتُ لمالِكٍ: أفتَرَى لمَن حَبسَ حَبسًا وأخرَجَ بَناتِه منه إذا تَزوَّجنَ أنْ يُبطِلَ ذلكَ ويُسجِّلَ الحَبسَ؟ قالَ: نعمْ، وذلكَ وَجهُ الشَّأنِ فيه.
قالَ ابنُ القاسمِ: ولكنْ إذا فاتَ ذلكَ فهو على ما حَبسَ، فإنْ كانَ المُحبِّسُ حَيًّا ولم يُحَزِ الحَبسُ فأرَى أنْ يَفسخَه ويُدخلَ فيهِ الإناثَ، وإنْ كانَ قد حِيزَ أو ماتَ فهو فَوتٌ، وهو على ما جعَلَه عليهِ.
قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ ﵀: ظاهِرُ قَولِ مالكٍ هذا أنَّ الحَبسَ لا يَجوزُ، ويَبطلُ على كُلِّ حالٍ، خِلافَ مَذهبِ ابنِ القاسِمِ في أنه يَمضي إذا فاتَ ولا يُنقَضُ، وفَوتُ الحَبسِ عندَه أنْ يُحازَ عن المُحبِّسِ على ما قالَه في هذه الرِّوايةِ، فرَأى للمُحبِّسِ ما لم يُحَزِ الحَبسُ عنه أنْ يُبطِلَ الحَبسَ ويُدخِلَ الإناثَ فيهِ، وظاهرُ قَولِه وإنْ كَرهَ ذلكَ المُحبَّسُ عليهم؛ مُراعاةً
стр. 6802
لقَولِ مَنْ يَقولُ: إنَّ الصَّدقاتِ والهِباتِ والأحباسَ لا تَلزمُ ولا يَجبُ الحُكمُ بها حتى تُقبضَ (١).
وأمَّا لو وقَفَ على بَني بَنيهِ دونَ بَناتِ بَنيهِ فيَصحُّ، كما لو وقَفَ على بَناتِه دونَ بَنيهِ، وكذا على بَعضِ بَنيهِ دونَ بعضِ بَناتِه وعلى إخوَتِه دونَ أخواتِه، أو على بَني فُلانٍ دونَ بَناتِه، فيَصحُّ الوَقفُ في ذلكَ كلِّه لانتِفاءِ العلَّةِ المَذكورةِ.
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: وأمَّا لو وقَفَ على بَنيهِ الذُّكورِ ثمَّ مِنْ بَعدِهم على بَناتِه، فتَردَّدَ فيهِ بعضُ شُيوخِنا، وأفتَى بَعضُهم بالمَنعِ (٢).
التَّفضيلُ بينَ الأولادِ في الوَقفِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ القائِلونَ بجَوازِ الوَقفِ على أولادِه الذُّكورِ دونَ الإناثِ أو الإناثِ دونَ الذُّكورِ أنه يَجوزُ للواقِفِ أنْ يَشترطَ في وَقفِه التَّسويةَ في الاستِحقاقِ بينَ أولادِه، أو تَفضيلَ بَعضِهم على بَعضٍ ذُكورًا كانوا أو إناثًا، صِغارًا كانوا أو كِبارًا؛ لأنه إذا جازَ حِرمانُه بأنْ لا يَقفَ عليه فلَأنْ يَجوزَ تَفضيلُ غَيرِه عليه مِنْ بابِ أَولى، إلَّا أنَّ الأفضَلَ التَّسويةُ بينَهُم.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا فضَّلَ بعضَهُم على بَعضٍ فهو على ما قالَ، فلو قالَ: «وَقَفتُ على أولادي وأولادِ أولادِي على أنَّ للذَّكرِ سَهمَينِ
стр. 6803
وللأُنثى سَهمًا، أو للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثيَينِ، أو على حَسبِ مِيراثِهم، أو على حَسبِ فَرائِضِهم، أو بالعَكسِ مِنْ هذا، أو على أنَّ للكَبيرِ ضِعفَ ما للصَّغيرِ أو للعامِلِ ضِعفَ ما للجاهِلِ أو للعائِلِ ضِعفَ ما للغَنيِّ أو عَكسَ ذلكَ» أو عَيَّنَ بالتَّفضيلِ واحِدًا مُعيَّنًا أو ولَدَه أو ما أشبَهَ هذا فهو على ما قالَ؛ لأنَّ ابتِداءَ الوَقفِ مُفوَّضٌ إليه، فكذلكَ تَفضيلُه وتَرتيبُه، وكذلكَ إنْ شرَطَ إخراجَ بَعضِهم بصِفةٍ ورَدَّه بصِفةٍ مثلَ أنْ يَقولَ: «مَنْ تَزوَّجَ مِنهم فلَه ومَن فارَقَ فلا شيءَ له أو عَكسَ ذلكَ، أو مَنْ حَفِظَ القُرآنَ فله ومَن نَسيَه فلا شيءَ له، ومَن اشتَغلَ بالعِلمِ فله ومَن ترَكَ فلا شيءَ له، أو مَنْ كانَ على مَذهبِ كذا فله ومَن خرَجَ منه فلا شيءَ له» فكلُّ هذا صَحيحٌ على ما شرَطَ، وقد رَوى هِشامُ بنُ عُروةَ «أنَّ الزُّبيرَ جعَلَ دُورَه صَدقةً على بَنيهِ لا تُباعُ ولا تُوهبُ وأنَّ للمَردودةِ مِنْ بَناتِه أنْ تَسكنَ غيرَ مُضرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ استَغنَتْ بزَوجٍ فلا حقَّ لها في الوَقفِ» (١)، وليسَ هذا تَعليقًا للوَقفِ بصِفةٍ، بل الوَقفُ مُطلَقٌ والاستِحقاقُ له بصِفةٍ.
قالَ ابنُ قُدامةَ: وكلُّ هذا مَذهبُ الشافِعيِّ، ولا نَعلمُ فيه خِلافًا (٢).
وقالَ أيضًا: والمُستحَبُّ أنْ يُقسِّمَ الوَقفَ على أولادِه على حَسبِ قِسمةِ اللهِ تعالى المِيراثَ بينَهُم، للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثيَينِ.
стр. 6804
وقالَ القاضي: المُستحَبُّ التَّسويةُ بينَ الذَّكرِ والأُنثى؛ لأنَّ القَصدَ القُربةُ على وَجهِ الدَّوامِ وقد استَوَوا في القَرابةِ.
ولنَا: أنه إيصالٌ للمالِ إليهم، فيَنبَغي أنْ يَكونَ بينَهُم على حَسبِ الميراثِ كالعَطيَّةِ، ولأنَّ الذَّكرَ في مَظنَّةِ الحاجةِ أكثَرَ مِنْ الأُنثى؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهُما في العادةِ يَتزوَّجُ ويَكونُ له الوَلدُ، فالذَّكرُ تَجبُ عليه نَفقةُ امرَأتِه وأولادِه، والمَرأةُ يُنْفِقُ عليها زَوجُها ولا يَلزمُها نَفقةُ أولادِها، وقد فضَّلَ اللهُ الذَّكرَ على الأُنثى في الميراثِ على وَفقِ هذا المعنى، فيَصحُّ تَعليلُه به، ويَتعدَّى إلى الوَقفِ وإلى غَيرِه مِنْ العَطايا والصِّلاتِ، وما ذكَرَه القاضي لا أصلَ له، وهو مَلغيٌّ بالميراثِ والعَطيةِ.
فإنْ خالَفَ فسَوَّى بينَ الذَّكرِ والأُنثى أو فضَّلَها عليه أو فضَّلَ بعضَ البَنينَ أو بعضَ البَناتِ على بَعضٍ أو خَصَّ بعضَهُم بالوَقفِ دونَ بَعضٍ فقالَ أحمدُ في رِوايةِ مُحمدِ بنِ الحَكمِ: إنْ كانَ على طَريقِ الأثَرةِ فأكرَهَه، وإنْ كانَ على أنَّ بعضَهُم له عِيالٌ وبه حاجةٌ يَعني فلا بَأسَ به».
ووَجهُ ذلكَ «أنَّ الزُّبيرَ خَصَّ المَردودةَ مِنْ بَناتِه دونَ المُستَغنِيةِ مِنهنَّ بصَدَقتِه»، وعلى قِياسِ قَولِ أحمدَ لو خَصَّ المُشتَغلينَ بالعِلمِ مِنْ أولادِه بوَقفِه تَحريضًا لهُم على طَلبِ العِلمِ أو ذا الدِّينِ دونَ الفاسِقِ أو المَريضَ أو مَنْ له فَضلٌ مِنْ أجلِ فَضيلتِه فلا بَأسَ.
وقد دَلَّ على صحَّةِ هذا «أنَّ أبا بَكرٍ الصِّديقَ ﵁ نحَلَ عائِشةَ جُذَاذَ عِشرينَ وَسقًا دونَ سائرِ وَلدِه»، وحَديثُ عُمرَ أنه كتَبَ: «بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ
стр. 6805
الرَّحيمِ هذا ما أَوصَى به عَبدُ اللهِ أميرُ المُؤمنينَ إنْ حدَثَ به حدَثٌ أنَّ ثَمغًا وصِرمةَ بنَ الأكوَعِ والعبدَ الذي فيهِ والمِائةَ سَهمٍ التي بخَيبَرَ ورَقيقَه الذي فيهِ الذي أطعَمَه مُحمدٌ ﷺ بالوادي تَليهِ حَفصةُ ما عاشَتْ، ثمَّ يَليهِ ذو الرَّأيِ مِنْ أهلِها، أنْ لا يُباعَ ولا يُشتَرى، يُنفِقُه حيثُ رَأى مِنْ السَّائِلِ والمَحرومِ وذَوي القُربى، لا حرَجَ على مَنْ وَلِيَه إنْ أكَلَ أو اشتَرى رَقيقًا منه» رَواهُ أبو داوُدَ، وفيه دَليلٌ على تَخصيصِ حَفصةَ دونَ إخوتِها وأخَواتِها (١).
قالَ الحَنفيةُ: لو قالَ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ على بَني فُلانٍ على أنَّ لي أنْ أُفضِّلَ مَنْ شِئتُ منهم» وماتَ قبلَ أنْ يُفضِّلَ بعضَهُم على بعضٍ كانَتِ الغَلةُ بينَهُم على السَّويةِ؛ لعَدمِ اتِّصالِ التَّفضيلِ بأحَدٍ مِنهم، فإنْ قالَ: «فَضَّلتُ فُلانًا فجَعِلتُ له كلَّ الغلَّةِ» لم تَصحَّ؛ لأنه تَخصيصٌ وليس بتَفضيلٍ، ولا بُدَّ أنْ يُعطيَ لكلِّ واحِدٍ منهُم شيئًا ثمَّ يَزيدُ مَنْ شاءَ مِنهم بما شاءَ مِنْ قَليلٍ أو كَثيرٍ، مُطلَقًا أو مدَّةً مُعيَّنةً، ولو زادَ وقالَ: «على بَني فُلانٍ ونَسلِهم» وفضَّلَ واحدًا مِنهم ووَلدَه ونَسلَه أبدًا ما تَناسَلوا جازَ، وكانَ ذلكَ له ولنَسلِه أبدًا وليسَ له الرُّجوعُ فيه؛ لأنَّ التَفضيلَ يَلتحقُ بأصلِ الوَقفِ بسَببِ اشتِراطِه فيهِ، ولو فضَّلَ واحِدًا بنِصفِ غلَّةِ سَنةٍ مثلًا جازَ، ويَكونُ أسوَةَ شُركائِه فيما يَحدثُ بعدَها، وتَعودُ مَشيئةُ التَّفضيلِ إليهِ.
стр. 6806
ولو قالَ: «فضَّلتُ فُلانًا على إخوَتِه بنِصفِ الغلَّةِ» وكانوا ثلاثةً استَحقَّ المُفضَّلُ ثُلثَيها وأخَواهُ ثُلثَها؛ لأنَّ النِّصفَ صارَ له بالتَّفضيلِ والنِّصفُ الآخَرُ يُقسمُ بينَهُم أثلاثًا لتَساويهِم فيه، فيَكونُ لكُلٍّ سُدسٌ، والنِّصفُ مع السُّدسِ ثُلثانِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: مَطلبٌ مُهمٌّ في قَولِ الواقفِ على الفَريضةِ الشَّرعيةِ:
قولُه: (متى وقَفَ) أي على أولادِه؛ لأنه مَنشأُ الجَوابِ المَذكورِ كما تَعرِفُه، وبه يَظهرُ فائِدةُ التَّقييدِ بقَولِه: (حالَ صِحتِه).
قولُه: (كما حقَّقَه مُفتي دِمشقَ … إلخ) أقولُ: حاصِلُ ما ذكَرَه في الرِّسالةِ المَذكورةِ أنه ورَدَ في الحديثِ أنه قالَ: «سَوُّوا بينَ أولادِكُم في العَطيَّةِ، ولو كُنْتُ مُؤثِرًا أحَدًا لَآثَرتُ النِّساءَ على الرِّجالِ» (٢) رَواهُ سَعيدٌ في سُننِه.
وفي صَحيحِ مُسلمٍ مِنْ حَديثِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ: «اتَّقوا اللهَ واعدِلُوا في أولادِكُم»، فالعَدلُ مِنْ حُقوقِ الأولادِ في العَطايا، والوَقفُ عَطيَّةٌ، فيُسوِّي بينَ الذَّكرِ والأُنثى؛ لأنهم فسَّروا العَدلَ في الأولادِ بالتَّسويةِ في العَطايا حالَ الحياةِ.
стр. 6807
وفي «الخانِيَّة»: ولو وهَبَ شيئًا لأولادِه في الصِّحةِ وأرادَ تَفضيلَ البَعضِ على البَعضِ رُويَ عن أبي حَنيفةَ: لا بَأسَ به إذا كانَ التَّفضيلُ لزيادةِ فَضلٍ في الدِّينِ، وإنْ كانوا سَواءً يُكرَهُ.
ورَوى المُعلَّى عن أبي يُوسفَ أنه لا بَأسَ به إذا لم يَقصِدِ الإضرارَ، وإلَّا سَوَّى بينَهُم، وعليهِ الفتوَى.
وقالَ مُحمدٌ: يُعطى للذَّكرِ ضِعفُ الأُنثى.
وفي «التَّتارخانيَّة» مَعزيًّا إلى «تَتمَّة» الفَتاوى قالَ: ذكَرَ في الاستِحسانِ في كتابِ الوقفِ: ويَنبغي للرَّجلِ أنْ يَعدلَ بينَ أولادِه في العَطايا، والعَدلُ في ذلكَ التَّسويةُ بينَهُم في قَولِ أبي يُوسفَ، وقد أخَذَ أبو يُوسفَ حُكمَ وُجوبِ التَّسويةِ مِنْ الحَديثِ، وتَبعَه أعيانُ المُجتهِدينَ وأوجَبُوا التَّسويةَ بينَهُم، وقالوا: يَكونُ آثِمًا في التَّخصيصِ وفي التَّفضيلِ.
وليسَ عندَ المُحقِّقينَ مِنْ أهلِ المَذهبِ فَريضةٌ شَرعيةٌ في بابِ الوَقفِ إلا هذه بمُوجبِ الحَديثِ المَذكورِ، والظاهِرُ مِنْ حالِ المُسلمِ اجتِنابُ المَكروهِ، فلا تَنصرفُ الفَريضةُ الشَّرعيةُ في بابِ الوَقفِ إلا إلى التَّسويةِ، والعُرفُ لا يُعارِضُ النصَّ.
هذا خُلاصةُ ما في هذه «الرِّسالَة»، وذكَرَ فيها أنه أفتَى بذلكَ شَيخُ الإسلامِ مُحمدٌ الحِجازيُّ الشافعيُّ والشَّيخُ سالمٌ السَّنهورِيُّ المالكيُّ والقاضي تاجُ الدِّينِ الحَنفيُّ وغيرُهُم. اه
стр. 6808
قُلتُ: وقد كُنْتُ قَديمًا جَمَعتُ في هذه المَسألةِ رِسالةً سَمَّيتُها «العُقود الدُّرِّيةُ في قَولِ الواقفِ على الفَرضيَّةِ الشَّرعيةِ»، حَقَّقتُ فيها المَقامَ وكَشَفتُ عن مُخدَّراتِه اللِّثامَ بما حاصِلُه أنه صرَّحَ في «الظَّهيريَّة» بأنه لو أرادَ أنْ يَبُرَّ أولادَه فالأفضَلُ عندَ مُحمدٍ أنْ يَجعلَ للذَّكرِ مثلَ حَظِّ الأنثَيينِ، وعندَ أبي يُوسفَ يَجعلُهما سَواءً، وهو المُختارُ، ثمَّ قالَ في «الظَّهيريَّة» قُبَيلَ المَحاضِرِ والسِّجلَّاتِ عندَ الكلامِ على كِتابةِ صَكِّ الوَقفِ: إنْ أرادَ الوَقفَ على أولادِه يقولُ: «للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثيَينِ»، وإنْ شاءَ يقولُ: «الذَّكرُ والأُنثى على السَّواءِ»، ولكنَّ الأولَ أقرَبُ إلى الصَّوابِ وأجلَبُ للثَّوابِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا قالَ الواقفُ: «داري وَقفٌ على أولادي» ولمْ يُبيِّنْ تَفضيلَ أحَدٍ على أحَدٍ فيَجبُ التَّسويةُ بينَ الذَّكرِ والأُنثى في المَصرفِ، فإنْ بيَّنَ شيئًا بأنْ فضَّلَ الأُنثى على الذَّكرِ أو الذَّكرَ على الأُنثى عُملَ به (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: يُرعى شَرطُ الواقفِ في الأقدارِ وصِفاتِ المُستحِقِّينَ وزَمنِ الاستِحقاقِ، فإذا وقَفَ على أولادِه وشرَطَ التَّسويةَ بينَ الذَّكرِ والأُنثى أو تَفضيلَ أحَدِهما اتُّبعَ (٣).
стр. 6809
النِّيابةُ في الوَظيفَةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ النِّيابةِ في الوَظائِفِ، هل تَجوزُ مُطلَقًا؟ أم لا تَجوزُ مُطلَقًا؟ أم تَجوزُ لعُذرٍ ولا تَجوزُ لغَيرِ عُذرٍ؟ للفُقهاءِ في ذلكَ أقوالٌ.
قالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: فإنْ قُلتَ: هل تَجوزُ النِّيابةُ في الوظائِفِ مُطلقًا أو بعُذرٍ؟ أم لا مُطلَقًا؟
قُلتُ: لم أرَ فيها نَقلًا عن أصحابِنا إلَّا ما ذكَرَه الطَّرسوسيُّ في «أنفَع الوَسَائلِ» فَهمًا مِنْ كَلامِ الخَصَّافِ، فإنه قالَ: قلتُ: أرَأيتَ إنْ حلَّتْ بهذا القيِّمِ آفَةٌ مِنْ الآفاتِ مثلَ الخَرسِ والعَمى وذَهابِ العَقلِ والفَالجِ وأشباهِ ذلكَ، هل يَكونُ له الأجرُ قائِمًا أم لا؟
قالَ: إذا حَلَّ به مِنْ ذلكَ شيءٌ يُمكنُه معه الكَلامُ والأمرُ والنَّهيُ فالأجرُ له قائِمٌ، وإنْ كانَ لا يُمكنُه معه الكَلامُ والأمرُ والنَّهيُ والأخذُ والإعطاءُ لم يَكنْ له مِنْ هذا الأجرِ شيءٌ. اه
قالَ الطَّرسوسيُّ: فاستَنبَطْنا منه جَوابَ مَسألةٍ واقِعةٍ، وهي أنَّ المُدرِّسَ أو الفَقيهَ أو المُعيدَ أو الإمامَ أو مَنْ كانَ مُباشِرًا شيئًا مِنْ وظائِفِ المَدارِسِ إذا مَرضَ أو حَجَّ وحصَلَ له ما يُسمُّونَه الناسُ عُذرًا شَرعيًّا -على اصطِلاحِهم المُتعارَفِ بينَ الفُقهاءِ- أنه لا يَحرمُ مَرسومُه المُعيَّنُ، بل يُصرفُ إليه ولا تُكتبُ عليه غَيبةٌ.
ومُقتضَى ما ذكَرَه الخَصَّافُ أنه لا يَستحقُّ شيئًا مِنْ المَعلومِ مدَّةَ ذلكَ العُذرِ، فالمُدرِّسُ إذا مَرضَ أو الفَقيهُ أو أحَدٌ مِنْ أربابِ الوَظائفِ فإنه على
стр. 6810
ما قالَ الخصَّافُ، إنْ أمكَنَه أنْ يُباشِرَ ذلكَ استَحقَّ، وإنْ كانَ لا يُمكنُه أنْ يُباشِرَ ذلكَ لا يَستحقُّ شيئًا مِنْ المَعلومِ، وما جعلَ هذه العَوارِضَ عُذرًا في عَدمِ مَنعِه عن مَعلومِه المُقرَّرِ له، بل أدارَ الحُكمَ في المَعلومِ على نَفسِ المُباشَرةِ، فإنْ وُجدَتِ استَحقَّ المَعلومَ، وإنْ لم تُوجَدْ لا يَكونُ له مَعلومٌ، وهذا هو الفِقهُ.
واستَخرَجْنا أيضًا مِنْ هذا البَحثِ والتَّقريرِ جَوابَ مَسألةٍ أُخرى، وهي أنَّ الاستِنابةَ لا تَجوزُ، سَواءٌ كانَ لعُذرٍ أو لغيرِ عُذرٍ، فإنَّ الخصَّافَ لم يَجعلْ له أنْ يَستَنيبَ مع قيامِ الأعذارِ التي ذكَرَها، ولو كانَتِ الاستِنابةُ تَجوزُ كانَ قالَ: ويَجعلُ له مَنْ يَقومُ مَقامَه إلى أنْ يَزولَ عُذرُه، وهذا أيضًا ظاهرُ الدَّليلِ، وهو فقهٌ حَسنٌ. اه
وقَدَّمْنا عن ابنِ وَهبانَ أنه إذا سافَرَ للحَجِّ أو صِلةِ الرَّحمِ لا يَنعزلُ، ولا يَستحقُّ المَعلومَ، مع أنهما فَرضانِ عليه، وإلَّا ما ذكَرَه في «القُنيَة» استَخلَفَ الإمامُ خَليفةً في المَسجدِ ليَؤمَّ فيهِ زمانَ غَيبتِه لا يَستحقُّ الخَليفةُ مِنْ أوقافِ الإمامةِ شيئًا إنْ كانَ الإمامُ أمَّ أكثَرَ السَّنةِ. اه
وحاصِلُه: أنَّ النَّائبَ لا يَستحقُّ مِنْ الوَقفِ شيئًا؛ لأنَّ الاستَحقاقَ بالتَّقريرِ، ولمْ يُوجَدْ، ويَستحِقُّ الأصيلُ الكلَّ إنْ عَمِلَ أكثَرَ السَّنةِ، وسكَتَ عمَّا يُعيِّنُه الأصيلُ للنائِبِ كُلَّ شَهرٍ في مُقابَلةِ عَملِه، هل يَستحِقُّهُ النائِبُ عليه أو لا؟ والظاهِرُ أنه يَستحِقُّه؛ لأنها إجارةٌ وقد وَفَّى العملَ؛ بناءً على قَولِ المُتأخِّرينَ المُفتى به مِنْ جَوازِ الاستِئجارِ على الإمامةِ والتَّدريسِ وتَعليمِ القُرآنِ.
стр. 6811
وعلى هذا -أي على القَولِ بعدمِ جَوازِ الاستِنابةِ- إذا لم يَعمَلِ الأصيلُ وعَمِلَ النائبُ كانَتِ الوَظيفة شاغِرةً، ولا يَجوزُ للناظرِ الصَّرفُ إلى واحِدٍ منهما، ويَجوزُ للقاضي عَزلُه، وعَملُ الناسِ بالقاهِرةِ على جَوازِ الاستِناباتِ في الوَظائِفِ وعَدمِ اعتِبارِها شاغِرةً مع وُجودِ النِّيابةِ.
ثمَّ رَأيتُ في «الخُلاصَة» مِنْ كِتابِ القَضاءِ أنَّ الإمامَ يَجوزُ استِخلافُه بلا إذنٍ بخِلافِ القاضي، وعلى هذا لا تَكونُ وَظيفتُه شاغِرةً وتَصحُّ النيابةُ.
وممَّا يُردُّ على الطَّرسوسيِّ أنَّ الخصَّافَ صرَّحَ بأنَّ للقيِّمِ أنْ يُوكِّلَ وَكيلًا يَقومُ مَقامَه، وله أنْ يَجعلَ له مِنْ مَعلومِه شيئًا، وكَذا في «الإسعاف»، وهذا كالتَّصريحِ بجَوازِ الاستِنابة؛ لأنَّ النائبَ وَكيلٌ بالأُجرةِ كما لا يَخفى، فالذي تَحرَّرَ جَوازُ الاستنابةِ في الوظائفِ (١).
وقالَ ابنُ عابدينَ بعدَما ذكَرَ كلامَ ابنَ نُجيمٍ هذا: ويُؤيِّدُه ما مَرَّ في الجُمعةِ مِنْ تَرجيحِ جَوازِ استِنابةِ الخَطيبِ.
قالَ الخيرُ الرَّمليُّ في «حاشِيَته»: ما تقدَّمَ عن «الخُلاصَة» ذكَرَه في كِتابِ القَضاءِ مِنْ «الكَنز» و «الهِداية» وكَثيرٍ مِنْ المُتونِ والشُّروحِ والفَتاوَى، ويجبُ تَقييدُ جَوازِ الاستنابةِ بوَظيفةٍ تَقبلُ الإنابةَ، كالتَّدريسِ، بخِلافِ التعلُّمِ، وحيثُ تَحرَّرَ الجَوازُ فلا فرْقَ بينَ أنْ يَكونَ المُستنابُ مُساوِيًا له في الفَضيلةِ أو فوقَه أو دونَه كما هو ظاهرٌ، ورَأيتُ لمُتأخِّري الشافِعيةِ مَنْ قيَّدَه
стр. 6812
بالمُساوِي وبما فوقَهُ، وبعضُهم قالَ بجَوازِه مُطلَقًا ولو دونَه، وهو الظاهِرُ، واللهُ تعالى أعلَمُ. اه
وقالَ في «الخَيريَّة» بعدَ نَقلِ حاصِلِ ما في «البَحر»: والمَسألةُ وُضعَ فيها رَسائلُ ويَجبُ العملُ بما عليه الناسُ، وخُصوصًا مع العُذرِ، وعلى ذلكَ جَميعُ المَعلومِ للمُستنيبِ، وليسَ للنائبِ إلَّا الأُجرةُ التي استَأجرَه بها. اه
قلتُ: وهذا اختيارٌ لخِلافِ ما أفتَى به علَّامةُ الوُجودِ المُفتِي أبو السُّعودِ مِنْ اشتِراطِ العُذرِ الشَّرعيِّ وكَونِ الوَظيفةِ ممَّا يَقبلُ النِّيابةَ، كالإفتاءِ والتَّدريسِ، وكونِ النائبِ مثلَ الأصيلِ أو خيرًا منه، وأنَّ المَعلومَ بتَمامِه يكونُ للنائبِ ليسَ للأصيلِ منه شيءٌ. اه
ونقَلَه البِيريُّ وقالَ: إنه الحَقُّ، لكنَّه نقَلَ عن الشَّيخِ بَدرِ الدِّينِ الشَّهاويِّ الحَنفيِّ مثلَ ما في «البَحر»، وعن شَيخِ مَشايخِه القاضي عليِّ بنِ ظَهيرةَ الحَنفيِّ اشتِراطَ العُذرِ.
مَطلبٌ فيما إذا شرَطَ المَعلومَ لمُباشِرِ الإمامةِ لا يَستحِقُّ المُستنيبُ:
قلتُ: أمَّا اشتِراطُ العُذرِ فلهُ وجهٌ، وأمَّا كونُ النائبِ مثلَ الأصِيلِ أو خيرًا منه فهو بَعيدٌ حيثُ وُجدَتْ في النائبِ أهليةُ تلكَ الوَظيفةِ، إلا أنْ يُرادَ مثلُه في الأهليةِ، ويُشيرُ إليهِ ما في «فَتاوَى ابنِ الشَّلَبيِّ» حيثُ سُئلَ عن الناظرِ إذا ضَعُفتْ قوَّتُه عن التَّحدُّثِ على الوقفِ، هل له أنْ يَأذنَ لغيرهِ فيه بَقيةَ حَياتِه؟ وهل له النُّزولُ عن النَّظرِ؟ أجابَ: نعم، له استِنابةُ مَنْ فيهِ العَدالةُ والكِفايةُ، ولا يَصحُّ نُزولُه عن النَّظرِ المَشروطِ له، ولو عزَلَ نفسَه لم يَنعزلْ. اه
стр. 6813
وأمَّا كَونُ المَعلومِ للنائبِ فيُنافيهِ ما مَرَّ عن «البَحر» مِنْ أنَّ الاستِحقاقَ بالتَّقريرِ، ولا سِيَّما إذا باشَرَ الأصيلُ أكثَرَ السَّنةِ، فصَريحُ ما مَرَّ عن «القُنيَة» أنه لا يَستحقُّ النائبُ شيئًا، أي: إلا إذا شرَطَ له الأصيلُ أُجرةً، أمَّا إذا كانَ المُباشِرُ هو النائبَ وحْدَه، وشرَطَ الواقفُ المَعلومَ لمُباشِرِ الإمامةِ أو التَّدريسِ مثلًا فلا خَفاءَ في اختِصاصِه بالمَعلومِ بتَمامِه.
وكَتَبتُ في «تَنقيح الحامِديَّةِ» عن المُحقِّقِ الشَّيخِ عَبدِ الرَّحمنِ أفَندي العِماديِّ أنه سُئلَ فيما إذا كانَ لمُؤذِّني جامعٍ مُرتَّباتٌ في أوقافٍ شرَطَها واقِفُوها لهم في مُقابَلةِ أدعِيةٍ يُباشِرونَها للواقِفِينَ المَذكورينَ، وجعَلَ جَماعةٌ مِنْ المُؤذِّنينَ لهم نُوَّابًا عنهم في ذلكَ، فهل يَستحِقُّ النُّوَّابُ المُباشِرونَ للأذانِ والأدعيةِ المَزبورةِ المُرتَّباتِ المَرقومةَ دونَ الجَماعةِ المَذكورينَ؟ الجَوابُ: نعمْ (١).
وأمَّا المالِكيةُ فقالَ الحطَّابُ ﵀: قالَ في «المَسائِل المَلقوطَة»: مَنْ ولَّاه الواقفُ على وَظيفةٍ بأجرةٍ فاستَنابَ فيها غيرَه ولمْ يُباشِرِ الوَظيفةَ بنفسِه فإنه لا يَجوزُ له تَناولُ الأجرةِ ولا لنائبِه؛ لأنه لم يُباشِرِ الوَظيفةَ بنفسِهِ، وما عيَّنَ له الناظرُ لا يَستحقُّه إلا بمُباشَرتِه بنفسِه، ولا عيَّنَ الناظرُ النائبَ في الوَظيفةِ، فما تَناولاهُ حَرامٌ، قالَه الشَّيخُ جَمالُ الدينِ الأقفَهسيُّ المالكيُّ. انتهى
стр. 6814
يعني: استَنابَ فيها في غيرِ أوقاتِ الأعذارِ، وأمَّا إذا استَنابَ في أيامِ العُذرِ فله تَناولُ رَيعِ الوَقفِ، وأنْ يُطلِقَ لنائبِه ما أحَبَّ مِنْ ذلكَ الرَّيعِ، ونقَلَه القرافِيُّ في الفَرقِ الخامسَ عشَرَ والمِائةِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ القَرافِيُّ ﵀: يَجوزُ أنْ يَجعلَ الإمامُ لمُتَولِّي المَسجدِ أنْ يَستَنيبَ دائمًا ويَكونَ له تلكَ الأرزاقُ، وتلكَ الرِّزقةُ مِنْ الخَراجِ والطِّينِ على النَّظرِ لا على القِيامِ بالوَظيفةِ، وإنْ كانَ ذلكَ لمن تَقدَّمَه على القِيامِ بالوَظيفةِ بسببِ أنَّ الأرزاقَ مَعروفٌ يَتبعُ المَصالحَ، فكَيفَما دارَتْ دارَ معها، ويَتعذَّرُ مثلُ ذلكَ في الأوقافِ مِنْ الحَوانيتِ والدُّورِ وغَيرِها، بسببِ أنَّ الوَقفَ لا يَجوزُ تَغييرُه ولا تَغييرُ شَرطٍ مِنْ شُروطِه.
فإذا وقَفَ الواقفُ على مَنْ يَقومُ بوَظيفةِ الإمامةِ أو الأذانِ أو الخَطابةِ أو التَّدريسِ لا يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يَتناولَ مِنْ رَيعِ ذلكَ الوَقفِ شيئًا، إلَّا إذا قامَ بذلكَ الشَّرطِ على مُقتَضى شَرطِ الواقفِ، فإنِ استَنابَ عنه غيرَه في هذه الحالةِ دائِمًا في غيرِ أوقاتِ الأعذارِ لا يَستحِقُّ واحِدٌ منهُما شيئًا مِنْ رَيعِ ذلكَ الوَقفِ، أما النائبُ فلِأنهُ مِنْ شَرطِ استِحقاقِه صِحةُ وِلايتِه، وصِحةُ وِلايتِه مَشروطةٌ بأنْ يكونَ ممَّن له النَّظرُ، وهذا المُستَنيبُ ليسَ له نَظرٌ، إنَّما هو إمامٌ أو مُؤذِّنٌ أو مُدرِّسٌ، فلا تَصحُّ النِّيابةُ الصادِرةُ عنه، وأمَّا المُستَنيبُ فلا يَستحِقُّ شيئًا أيضًا؛ بسببِ أنه لم يَقمْ بشَرطِ الواقفِ.
стр. 6815
فإنِ استَنابَ في أيامِ الأعذارِ جازَ له أنْ يَتناولَ رَيعَ الوَقفِ، وأنْ يُطلِقَ لنائِبِه ما أحَبَّ مِنْ ذلكَ الرَّيعِ.
وإنْ كانَ المُطلَقُ له أرزاقًا على وَظيفةٍ مِنْ تَدريسٍ أو غيرِه مِنْ الإمامةِ أو الأذانِ أو الحُكمِ بينَ الناسِ أو الحِسبةِ ولم يَقُمْ بتلكَ الوَظيفةِ لا يَجوزُ له أنْ يَتناوَلَ ذلكَ القَدرَ؛ لأنَّ الإمامَ إنَّما أطلَقَه له مِنْ بيتِ المالِ على وَظيفةٍ، ولم يَقُمْ بها، واستِباحةُ أموالِ بَيتِ المالِ بغيرِ إذنِ الإمامِ لا تَجوزُ، وأخذُ هذا المُطلَقِ بغيرِ هذا الشَّرطِ لم يَأذنْ فيهِ الإمامُ، فلا يَجوزُ له أخذُه، وللإمامِ أنْ يُطلِقَه له بعد اطِّلاعِه على عَدمِ قِيامِه بالوَظيفةِ لمَصلحةٍ أُخرى غيرِ تلكَ الوَظيفةِ، فيَستحقُّه بالإطلاقِ الثَّاني لا بالتَّقديرِ الأولِ، ولو كانَ وَقفًا ولم يَقمْ بشَرطِه لم يَجزْ للإمامِ إطلاقُه لمَن لم يَقمْ بشَرطِ الواقفِ في استِحقاقِهِ (١).
وجاءَ في «فَتح العَليِّ المالِكِ» للشَّيخِ عِليشٍ ﵀: (ما قَولُكم) في استِنابةِ المُقرَّرِ في وَظيفةِ إمامةٍ أو أذانٍ أو تَدريسٍ لغَيرِ عُذرٍ؟ هل تُمنَعُ؟ وهل المُرتَّبُ للمُقرَّرِ أو للنائبِ؟
فأجَبتُ بما نَصُّه: الحَمدُ للهِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِنا مُحمدٍ رَسولِ اللهِ، نعم تُمنَعُ استِنابةُ المُقرَّرِ في وَظيفةٍ بلا عُذرٍ اتِّفاقًا، واختُلفَ في المُرتَّبِ: فقالَ القَرافِيُّ: لا يَستحقُّه المُقرِّرُ؛ لعَدمِ قِيامِه بالوَظيفةِ، ولا نائِبُه؛ لعَدمِ تَقريرِه، ومُقتَضى كلامِ المَنوفِيِّ وابنِ رُشدٍ أنه يَستحقُّه كلَّه النائبُ في مُدَّةِ الاستِنابةِ، قالَ في «التَّوضيح»: وكان شَيخُنا ﵀ يَقولُ: المَساجِدُ
стр. 6816
ونَحوُها يَأخذُها الوَجيهُ بوَجاهتِه ثمَّ يَدفعُ منها شيئًا قليلًا لمَن يَنوبُ عنه، فأرَى الذي أبقاهُ لنَفسِه حرامًا؛ لأنه اتَّخذَ عِبادةَ اللهِ مَتجَرًا ولم يُوَفِّ بقَصدِ صاحِبِها إذْ مُرادُه التَّوسِعةُ ليأتِيَ الأجيرُ بذلكَ مُنشرِحَ الصَّدرِ. اه
قالَ البَدرُ: وقَضيَّةُ هذا الكلامِ أنَّ المَعلومَ كلَّه مدَّةَ الاستِنابةِ يَستحقُّه النائِبُ وحدَه، وهو صَريحُ ما نقَلَه المَوَّاقُ عن ابنِ رُشدٍ، ونَصُّه: لا يَجوزُ بَيعُ أرزاقِ القُضاةِ والمُؤذِّنينَ مِنْ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه؛ لأنها أُجرةٌ، خِلافَ قَولِ ابنِ حَبيبٍ: إنَّ ذلكَ ليس بإجارةٍ.
واختُلفَ في كَونِ الأحباسِ عليها إجارةً أو إعانةً، وفُهِمَ كَونُها إجارةً مِنْ قَولِ المُوثِّقينَ في استِئجارِ الناظِرِ، فلَعلَّه فيما حُبسَ ليُستأجَرَ مِنْ غلَّتِه، وأحباسُ زَمانِنا ليسَتْ كذلكَ، إنَّما هي عَطيَّةٌ لمَن قامَ بتلكَ المُؤنةِ. اه
قالَ ابنُ عَرفةَ: أحباسُ بَلدِنا قطُّ ما يُحبسُ الذي يَحبسُ إلا على مَنْ يَقومُ بتلكَ المُؤنةِ، لا ليَستأجِرَ مِنْ فائِدةِ الحَبسِ بما يُقدِّرُ ويَستَفضلُ منه، وعلى هذا يَكونُ الحُكمُ ما نَصَّ عليه القَرافِيُّ في الفرقِ الخامِسَ عشَرَ والمِائةِ، وتقدَّمَه بذلكَ عِزُّ الدِّينِ بنُ عَبدِ السَّلامِ: أنه لا يَجوزُ أنْ يَستَنيبَ ببَعضِ المُرتَّبِ ويُمسكَ باقِيه، والقائِمُ بالوَظيفةِ ليس بنائبٍ، وإنَّما هو مُستقِلٌّ يَجبُ له مِنْ الفائِدةِ ما يَخصُّ زمَنَ قِيامِه بالوَظيفةِ، وبذلكَ كانَ بعضُ شُيوخي المُفتينَ يُفتِي في ثَمرِ الأشجارِ التي لا تُؤتي ثمَرَها إلَّا مرَّةً في عامَينِ أنَّ ذلكَ الفائدَ يُوزَّعُ على العامَينِ معًا، ويَقسمُه القائِمونَ بالوَظيفةِ على حَسبِ أزمِنةِ قيامِهم. اه
стр. 6817
ونَصُّ ما في الفَرقِ الخامسَ عشَرَ بعد المِائةِ: فإذا وقَفَ على مَنْ يَقومُ بوَظيفةِ الإمامةِ أو الأذانِ أو الخَطابةِ أو التَّدْريسِ فلا يَجوزُ أنْ يَتناولَ مِنْ رَيعِ ذلكَ الوَقفِ شَيئًا، إلا إذا قامَ بذلكَ الشَّرطِ على مُقتضَى شَرطِ الواقفِ، فإنِ استَنابَ غيرَه عنه دائِمًا في غيرِ أوقاتِ الأعذارِ فلا يَستحقُّ واحِدٌ منهما شيئًا مِنْ رَيعِ الوَقفِ، أمَّا النائِبُ فلِأنَّ مِنْ شَرطِ استِحقاقِه وصِحةِ وِلايتِه أنْ يَكونَ ممَّن له النظرُ، وهذا المُستَنيبُ ليس له نَظرٌ، إنَّما هو إمامٌ أو مُؤذِّنٌ أو مُدرِّسٌ، فلا تَصحُّ النِّيابةُ الصادِرةُ عنه، وأمَّا المُستَنيبُ فلا يَستحقُّ شَيئًا أيضًا بسَببِ أنه لم يَقمْ بشَرطِ الواقفِ. انتهى، واللهُ أعلَمُ، وصلَّى اللهُ على سَيِّدِنا مُحمدٍ وآلِه وسَلَّمَ (١).
وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ قَلْيوبِيٌّ في حاشِيَتِه: وتَصحُّ الاستِنابةُ في الوظائِفِ والإمامةِ والخُطبةِ وغيرِ ذلكَ، والمَنعُ السابِقُ إنَّما هو مِنْ حَيثُ سَلبُ ثَوابِ الأجيرِ عنه وحصولُه للمُستأجِرِ، كأنْ يَستأجِرَ مَنْ يُصلِّي إمامًا ويُصلِّيَ هو مُنفرِدًا، ويَحصلَ له ثَوابُ إمامةِ الأجيرِ، وهكذا البَقيةُ، وأمَّا إقامةُ شعائِرِ الوَقفِ فلا ريبَ في صِحةِ الإنابةِ فيها، لكنْ شرَطَ شَيخُنا (م ر) في استِنابةِ الوَظائفِ أنْ يَكونَ المُستنابُ مثلَ المُستنيبِ أو أعلَى، فراجِعْهُ (٢).
وقالَ في مَوضِعٍ آخَرَ: وتَجوزُ الاستِنابةُ في الوظائِفِ، قالَه شَيخُنا تَبعًا لشَيخِنا الرَّمليِّ تَبعًا للسُّبكيِّ، ولا يَستنيبُ إلَّا مثلَه أو أعلَى منه كما مَرَّ،
стр. 6818
وأُجرةُ النائبِ على مَنْ استَنابَه لا على الوَقفِ، وسَواءٌ في ذلكَ الوَقفُ مِنْ بَيتِ المالِ أو غيرِه، خِلافًا لِما ذكَرَه الجَلالُ السُّيوطيُّ، حيثُ قالَ بعَدمِها في الثَّاني (١).
وجاءَ في «الحاوي للفَتَاوي» لجَلالِ الدِّينِ السُّيوطيِّ ﵀: كَشفُ الضَّبابةِ في مَسألةِ الاستِنابةِ:
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، الحَمدُ للهِ وسَلامٌ على عِبادِه الذينَ اصطَفَى، وقَعَ السُّؤالُ كثيرًا عن الاستِنابةِ في الوَظائفِ، فقدْ عَمَّتِ البَلوَى بها، وتَمسَّكَ كثيرٌ مِنْ النُّظَّارِ في عَدمِ جَوازِها بما نقَلَ عن النَّوويِّ وابنِ عَبدِ السَّلامِ أنهما أفتَيَا بعَدمِ جَوازِها، وتَمسَّكَ طائِفةٌ مِنهم في جَوازِها بما نقَلَه الدَّميريُّ في «شَرح المِنهاجِ» عن السُّبكيِّ وغَيره أنهمْ أفتَوا بجَوازِها، وقد أفتَيتُ بذلكَ غيرَ مرَّةٍ، وسُئِلتُ الآنَ عن تَحريرِ القَولِ في ذلكَ مِنْ جِهةِ النَّظرِ والدَّليلِ، فوَضَعتُ له هذه الكُرَّاسةَ، ونَبدأُ بنَقلِ كَلامِ السُّبكيِّ وغيرِه في ذلكَ، قالَ السُّبكيُّ في «شَرْح المِنهَاج» في بابِ الجَعالةِ ما نَصُّه:
فرعٌ: يَقعُ كَثيرًا في هذا الزَّمانِ إمامُ مَسجدٍ يَستَنيبُ، فيه أفتَى ابنُ عَبدِ السَّلامِ والمُصنِّفُ بأنه لا يَستحقُّ مَعلومَ الإمامةِ، لا المُستنيبُ؛ لعَدمِ مُباشَرتِه، ولا النائبُ؛ لعَدمِ وِلايتِه.
قالَ: واستَنبَطتُ أنَا مِنْ قَولِ الأصحابِ أنَّ المَجعولَ إذا استعانَ بغيرِه وحصَلَ مِنْ غيرِه العَملُ على قَصدِ الإعانةِ مُنفرِدًا أو مُشارِكًا إذ المَجعولُ له
стр. 6819
يَستحقُّ كَمالَ الجَعلِ أنَّ ذلكَ جائِزٌ، وأنَّ المُستنيبَ يَستحِقُّ جَميعَ المَعلومِ؛ لأنَّ النائبَ مُعِينٌ له، لكنِّي أشتَرِطُ في ذلكَ أنْ يَكونَ النائبُ مثلَ المُستنيبِ أو خيرًا منه؛ لأنَّ المَقصودَ في الجَعالةِ رَدُّ العَبدِ مثلًا، ولا يَختلِفُ باختِلافِ الأشخاصِ، والمَقصودُ في الإمامةِ العِلمُ والدِّينُ وصِفاتٌ أُخَرُ، فإذا كانَ المُتولِّي بصِفةٍ ونائبُه مِثلُه فقدْ حصَلَ الغَرضُ الذي قصَدَه مَنْ وَلَّاه، فكانَ كالصُّورةِ المَفروضةِ في الجَعالةِ، وإذا لم يَكُنْ بِصِفَتِهِ لم يَحْصُلِ الغَرَضُ، فلا يَستحقُّ واحِدٌ منهُما إنْ كانَتِ التَّوليةُ شَرطًا، وإنْ لم تَكُنْ شَرطًا استَحقَّ المُباشِرُ؛ لاتِّصافِه بالإمامةِ المُقتضيةِ للاستِحقاقِ، والاستِنابةُ في الإمامةِ تُشبِهُ التوكيلَ في المُباحاتِ، وفي معنى الإمامةِ كلُّ وَظيفةٍ تَقبلُ الاستِنابةَ كالتَّدريسِ ونَحوِه، وهذا في القَدرِ الذي لا يَعجزُ عن مُباشرتِه بنفسِه، أمَّا في ما يَعجزُ عنه فلا إشكالَ في الاستِنابةِ. هذا كلُّه كَلامُ السُّبكيِّ، ونقَلَه الشَّيخُ كَمالُ الدِّينِ الدَّميريُّ في «شَرح المنهاجِ» وأقَرَّه، ثمَّ قالَ:
كانَ الشَّيخُ فَخرُ الدِّينِ ابنُ عَساكرَ مُدرِّسًا بالعَذراويةِ والتَّقويةِ والجاروخيةِ، وهذه الثلاثةُ بدِمشقَ، والمَدرسةُ الصلاحيةُ بالقُدسِ، يُقيمُ بهذه أشهُرًا وبهذه أشهُرًا في السَّنةِ، هذا مع عِلمِه ووَرعِه.
قالَ: وقد سُئلَ في هذا الزَّمانِ عن رَجلٍ وَليَ تَدرِيسَ مَدرستينِ في بَلدتينِ مُتَباعِدتينِ كحَلَبَ ودِمشقَ، فأفتى جَماعةٌ بجوازِ ذلكَ، واستُنيبَ مِنهم قاضي القُضاةِ بهاءُ الدِّينِ أبو البَقاءِ السُّبكيُّ والشيخُ شِهابُ الدِّينِ أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ البَعلَبكيُّ وشَمسُ الدِّينِ الغَزِّيُّ والشيخُ
стр. 6820
عِمادُ الدِّينِ الحَسبانِيُّ، كلُّهم مِنْ الشافِعيةِ، ومِن الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ آخَرونَ. انتهى (١).
وأقولُ: قد أباحَ اللهُ ورَسولُه وحَمَلةُ الشرعِ مِنْ جَميعِ المَذاهبِ الاستِنابةَ في عدَّةِ مَواضعَ، كلُّ واحِدٍ منها يَصلحُ على انفِرادِهِ دَليلًا مُستقِلًّا لجَوازِ الاستِنابةِ في الوَظائِفِ، وهي قِسمانِ: قِسمٌ تَجوزُ الاستِنابةُ فيهِ وإنْ لم يَكنْ عذرٌ، وقِسمٌ لا يَجوزُ إلا مع العُذرِ.
فأما القِسمُ الأولُ ففيه فُروعٌ:
الأولُ: تَجوزُ الاستِنابةُ في غَسلِ أعضاءِ الوُضوءِ وإنْ لم يَكنْ له عُذرٌ، قالَ النَّوويُّ: ولا نَعلمُ في ذلكَ خِلافًا بينَ المُسلمينَ، إلا ما حَكاهُ صاحِبُ «الشَّامِل» عن دَاودَ الظاهريِّ أنه قالَ: لا يَصحُّ وُضوؤُه إذا وضَّأَه غيرُه، ورُدَّ عليه بأنَّ الإجماعَ مُنعقدٌ على خِلافِ ما قالَه، وكذا تَجوزُ الاستِنابةُ في صَبِّ الماءِ على الأعضاءِ وفي إحضارِه للطهارةِ مِنْ غيرِ كَراهةٍ فيهما، سَواءٌ كانَ له عُذرٌ أم لم يَكنْ، فهذه ثَلاثةُ فُروعٍ … ثُمَّ ذكَرَ الباقي ثمَّ قالَ: فهذه نحوُ مِائةِ مَوضعٍ أباحَ عُلماءُ المُسلمينَ الاستِنابةَ فيها مِنْ غيرِ عُذرٍ، وغالِبُها ممَّا انعَقدَ فيه الإجماعُ، أفَلا يَصلحُ أنْ تُلحَقَ الوظائِفُ التي مَبناها على الإحسانِ والمُسامَحةِ بواحِدٍ منها؟!
ومِن ألطَفِ الفُروعِ التي تَجوزُ فيها الاستِنابةُ ما ذكَرَه إمامُ الحَرمينِ في «الأَسالِيب» أنه يَجوزُ أنْ يَستأجرَ رَجلًا ليَسرِقَ له شيئًا مِنْ أموالِ
стр. 6821
الكُفَّارِ مِنْ غيرِ قِتالٍ ويَكونُ مِلكًا للمُستأجِرِ، ومِن ألطَفِها أيضًا ما في «فَتاوي ابنِ الصَّلاحِ» أنه يَجوزُ أنْ يَستأجرَ رَجلًا ليَقعدَ مَكانَه في الحَبسِ، فإذا كانَ هذا في الحَبسِ المَقصودِ منه الزَّجرُ والتَّعلقُ بإنسانٍ مُعيَّنٍ ففي سَدِّ وَظيفةٍ أَولَى.
فصلٌ: وأما القِسمُ الثاني: وهو ما يَكونُ عند العُذرِ ففيهِ فُروعٌ، منها جَوازُ الاستِنابةِ في الحَجِّ للمَغصوبِ، وجَوازُ الاستِنابةِ في رَميِ الجِمارِ لمن يَحجُّ بنفسِه وحصَلَ له عُذرٌ أيامَ الرَّميِ، وجَوازُ الاستِنابةِ في الصَّومِ عن المَيتِ على ما صَحَّحَه النَّوويُّ وورَدَتْ به الأحاديثُ الصَّحيحةُ، وجوازُ الاستِنابةِ في الاعتِكافِ عنه في قَولٍ حَكاهُ البُويطيُّ عن الشافعيِّ، وجَوازُ الاستِنابةِ في الصلاةِ عنه في وَجهٍ حكاهُ.
فصلٌ: ذكَرَ الحافِظُ عِمادُ الدِّينِ ابنُ كثيرٍ في تاريخِه في تَرجمةِ الشيخِ مُحيي الدِّينِ النَّوويِّ أنه باشَرَ تَدريسَ الإقباليةِ نيابةً عن ابنِ خِلِّكانَ، وكذلكَ الفَلكيَّة والرُّكنيَّة، وهذا مِنْ النَّوويِّ دَليلٌ على أنه تَجوزُ الاستِنابةُ؛ لأنه أورَعُ مِنْ أنْ يَفعلَ ما لا يَجوزُ.
فصلٌ: ومِن الدَّليلِ على جوازِ الاستِنابةِ أنَّ جَماعةً مِنْ الصَّحابةِ كانوا يُفتونَ الناسَ في زَمنِ النبيِّ ﷺ ، والإفتاءُ بالأصالةِ إنما هو مَنصِبُ النبيِّ ﷺ ؛ لأنه المَبعوثُ لتَبليغِ الناسِ وتَعليمِهم، وإفتاءُ العُلماءِ بعد وَفاتِه إنَّما هو بطَريقِ الخِلافةِ والوِراثةِ عنه، فإفتاؤُهُم في حَياتِه بإذنِه استِنابةٌ منه لهم ليَقوموا عنه بما هوَ مَنصِبٌ له على وَجهِ النِّيابةِ …
стр. 6822
فصلٌ: ومِن الدَّليلِ على جَوازِ الاستِنابةِ ما أخرَجَه عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حَنبلٍ في زَوائدِ مُسندِ أبيهِ عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ قالَ: «لمَّا نزَلَتْ عشرُ آياتٍ مِنْ «بَراءة» دَعا النبيُّ ﷺ أبا بَكرٍ ليَقرأَها على أهلِ مَكةَ، ثمَّ دَعاني فقالَ لي: أَدرِكْ أبا بَكرٍ فحَيثُ ما لَقيتَه فخُذِ الكِتابَ منه فاقرَأْه على أهلِ مَكةَ، فلَحِقتُه فأخَذْتُ الكِتابَ منه، ورجَعَ أبو بَكرٍ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ نزَلَ فِيَّ شيءٌ؟ قالَ: لا، ولكنَّ جِبريلَ جاءَني فقالَ لي: لنْ يُؤدِّيَ عنكَ إلا أنتَ أو رَجلٌ منكَ»، وأخرَجَ أحمَدُ والتِّرمذيُّ -وحسَّنَه- عن أنسٍ قال: «بعَثَ النبيُّ ﷺ ب «بَراءَة» معَ أبي بَكرٍ ثمَّ دَعاهُ فقالَ: لا يَنبغِي لأحَدٍ أنْ يُبلِّغَ هذا إلا رَجلٌ مِنْ أهلِي، فدعَا عَليًّا فأعطاهُ إياهُ»، فهذه استِنابةٌ مِنْ النبيِّ ﷺ في تَبليغِ ما أُمرَ بتَبليغِه، ثمَّ لمَّا أُمرَ أنْ يَستَنيبَ رَجلًا مِنْ قَبيلةٍ مَخصوصةٍ رجَعَ إليهِ، فيُستدلُّ بفِعلِه أولًا على جَوازِ الاستِنابةِ مُطلَقًا إذا سكَتَ الواقفُ عن شَرطٍ، ويُستدلُّ بفِعلِه ثانيًا على أنه إذا خصَّصَ الواقفُ تَخصيصًا يُتَّبعُ شَرطُه.
وأخرَجَ التِّرمذيُّ -وحسَّنَه- عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: «بعَثَ النبيُّ ﷺ أبا بَكرٍ وأمَرَه أنْ يُناديَ بهؤلاءِ الكَلماتِ، ثمَّ أتبَعَه عَليًّا فانطَلقَا فحَجَّا، فقامَ عَليٌّ أيامَ التَّشريقِ فنادَى: ذمَّةُ اللهِ ورَسولِه بَريئةٌ مِنْ كلِّ مُشرِكٍ، فسِيحُوا في الأرضِ أربَعةَ أشهُرٍ، ولا يَحجَّنَّ بعدَ العامِ مُشرِكٌ، ولا يَطوفَنَّ بالبَيتِ عُريانُ، ولا يَدخلُ الجنَّةَ إلا مُؤمنٌ، فكانَ عَليٌّ يُنادي، فإذا أعيَا قامَ أبو بَكرٍ فنادَى بِها»، فهذه نِيابةٌ مِنْ أبي بَكرٍ عن عَليٍّ، فإنه قُصدَ بالبَعثِ عَليٌّ.
стр. 6823
وأخرَجَ البُخاريُّ عن أبي هُريرةَ قالَ: «بعَثَني أبو بَكرٍ فيمَن يُؤذِّنُ يَومَ النَّحرِ بمِنًى: لا يَحجُّ بعدَ العامِ مُشرِكٌ ولا يَطوفُ بالبَيتِ عُريانُ»، فهذهِ نِيابةٌ مِنْ أبي هُريرةَ أيضًا، والمَقصودُ بالتَّبليغِ في هذهِ القصَّةِ أنْ تَكونَ مِنْ عَليٍّ.
فصلٌ: هذا كلُّه في وَقفٍ سكَتَ واقِفُه عن ذِكرِ الاستِنابةِ إباحَةً ومَنعًا وكانَ الواقفُ حُرًّا مالِكًا لِما وقَفَه، أمَّا وَقفٌ صرَّحَ واقِفُه بتَجويزِ الاستِنابةِ أو بمَنعِها، فإنه يُتَّبعُ شَرطُه لا مَحالةَ، وأمَّا وَقفٌ لم يَملكْه واقِفُه -وذلكَ كالذي وقَفَه أميرُ المُؤمنينَ أو السُّلطانُ مِنْ بَيتِ المالِ- فإنَّ ذلك حُكمُه حُكمُ الأرصادِ لا حُكمُ الأوقافِ التي مَلكَها واقِفُوها، فلا يَتقيَّدُ بما شرَطَه الواقفُ فيها؛ لأنه مالُ بَيتِ المالِ أُرصدَ لمَصالحِ المُسلمينَ، فإذا قُرِّرَ فيه بعضُ مَنْ له استِحقاقٌ في بَيتِ المالِ جازَ له أنْ يَأكلَ منه وإنْ لم يَقُمْ بذلكَ الشَّرطِ، ولو لم يَكنْ بصِفةِ الاستِحقاقِ مِنْ بيتِ المالِ لم يَجزْ له أنْ يَأكلَ منه ولو بَاشرَ تلكَ الوَظيفةَ، وبهذا صرَّحَ المُتأخِّرونَ أصحابُنا، فقالَ الزَّركشيُّ في «شَرح المِنهاجِ» في بابِ الإجارةِ: ظَنَّ بَعضُهم أنَّ الجامِكيَّةَ عن الإمامةِ والطَّلبِ ونحوِهما مِنْ بابِ الإجارةِ، حتى لا يَستحقُّ شيئًا إذا أخَلَّ ببَعضِ الصَّلواتِ أو الأيامِ، وليسَ كذلكَ، بل هو مِنْ بابِ الأرصادِ والأرزاقِ المَبنيِّ على الإحسانِ والمُسامَحةِ، بخِلافِ الإجارةِ؛ فإنها مِنْ بابِ المُعاوَضةِ، ولهذا يَمتنعُ أخذُ الأجرةِ على القَضاءِ ويَجوزُ إرزاقُه مِنْ بَيتِ المالِ بالإجماعِ. انتهى
стр. 6824
وقالَ الدَّميريُّ في «شَرْح المنهاجِ» في بابِ الجَعالةِ: سَألتُ شَيخَنا -يعني الإسْنَويَّ- مَرَّتينِ عن غَيبةِ الطالبِ عن الدَّرسِ، هل يَستحقُّ المَعلومَ أو يُعطَى بقِسطِ ما حضَرَ؟ فقالَ: إنْ كانَ الطالِبُ في حالِ انقِطاعِه يَشتغلُ بالعِلمِ استَحقَّ، وإلَّا فلا، ولو حضَرَ ولم يَكنْ بصَددِ الاشتِغالِ لم يَستحقَّ؛ لأنَّ المَقصودَ نَفعُه بالعِلمِ لا مُجرَّدُ حُضورِه، وكانَ يَذهبُ إلى أنَّ ذلكَ مِنْ بابِ الأرصادِ. انتهى … (١).
وأمَّا الحَنابلة فقالَ البُهوتيُّ ﵀: قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ابنُ تَيميةَ: مِنْ أكلِ المالِ بالباطِلِ قَومٌ لهم رَواتِبُ أضعافُ حاجاتِهم -أي مِنْ بَيتِ المالِ-، وقَومٌ لهُم جِهاتٌ مَعلومُها كثيرٌ يَأخذونَه ويَستنيبونَ في الجِهاتِ بيَسيرٍ مِنْ المَعلومِ؛ لأنَّ هذا خِلافُ غَرضِ الواقِفينَ.
قالَ الشيخُ: والنِّيابةُ في مِثلِ هذه الأعمالِ المَشروطةِ مِنْ تَدريسٍ وإمامةٍ وخَطابةٍ وأذانٍ وغَلقِ بابٍ ونَحوِها جائِزةٌ ولو عيَّنَه الواقِفُ -وفي عِبارةٍ أُخرَى له: ولو نهَى الواقفُ عنه -إذا كانَ النائبُ مثلَ مُستنيبِه في كَونِه أهلًا لِما استُنيبَ فيهِ إذا لم يَكنْ في ذلكَ مَفسدةٌ رَاجِحةٌ. هكذا هو في فَتاوى الشَّيخِ (٢).
стр. 6825
الرُّكنُ الرَّابعُ: المَوقوفُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه يَصحُّ وَقفُ العينِ المَملوكةِ المُباحةِ المُنتفَعِ بها مع بَقاءِ عَينِها، وإنِ اختَلَفوا فيما عَدا هذا.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: مَحلُّ الوَقفِ المالُ المُتقوَّمُ، أي: بشَرطِ أنْ يَكونَ عَقارًا أو مَنقولًا فيهِ تَعامُلٌ (١). وزادَ في «الإسْعَاف»: أو مُتعارَفًا وَقفُهُ (٢).
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا الذي يَرجعُ إلى المَوقوفِ فأنواعٌ: منها أنْ يَكونَ مِمَّا لا يُنقَلُ ولا يُحوَّلُ كالعَقارِ ونَحوِه، فلا يَجوزُ وَقفُ المَنقولِ مَقصودًا (٣).
وقالَ المالِكيةُ: هو ما مُلِكَ مِنْ ذاتٍ أو مَنفعةٍ ولو حَيوانًا رَقيقًا أو غيرَه يُوقَفُ على مُستحِقٍّ للانتِفاعِ بخِدمتِه أو رُكوبِه أو الحَملِ عليهِ، أو طعامًا وعَينًا يُوقَفُ كلٌّ مِنهُما للسَّلفِ ويَنزِلُ رَدُّ بَدلِه مَنزلةَ بَقاءِ عَينِه (٤).
وعَرَّفَ الشافِعيةُ المَوقوفَ بكَونِه عَينًا مُعيَّنةً مَملوكَةً مِلكًا يَقبلُ النَّقلَ ويَحصلُ منها مع بَقاءِ عَينِها فائِدةٌ، أو مَنفعة يَصحُّ استِئجارُها، ويُشترطُ دَوامُ الانتفاعِ به انتِفاعًا مُباحًا مَقصودًا.
стр. 6826
فخرَجَ بالعَينِ المَنفعةُ وإنْ مَلكَها مُؤبَّدًا بالوَصيةِ والوَقفِ المُلتزَمِ في الذِّمةِ، وبالمُعيَّنةِ وَقفُ إحدَى دارَيهِ، وبالمَملوكةِ ما لا يُملَكُ ككَلبٍ.
واستثني مِنْ اعتِبارِ المِلكِ وقْفَ الإمامِ شَيئًا مِنْ أرضِ بَيتِ المالِ، فإنه يَصحُّ، سَواءٌ أكانَ على مُعيَّنٍ أم جِهةٍ عامَّةٍ، بشَرطِ أنْ يَظهرَ له في ذلكَ مَصلحةٌ؛ لأنَّ تَصرُّفَه فيه مَنوطٌ بها كوَليِّ اليَتيمِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: شَرطُ المَوقوفِ كَونُه عَينًا يَصحُّ بَيعُها ويُنتفَعُ بها انتِفاعًا عُرفًا كإجارةٍ، بأنْ يَكونَ النَّفعُ مُباحًا بلا ضَرورةٍ مَقصودًا مُتقوَّمًا يُستَوفى مع بَقائِها -أي العَينِ-؛ لأنه يُرادُ للدَّوامِ ليَكونَ صَدقةً جارِيةً، ولا يُوجَدُ ذلكَ فيما لا تَبقى عَينُه (٢).
قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ابنُ تيميةَ ﵀: وأقرَبُ الحُدودِ في الوَقفِ أنه: كلُّ عَينٍ تَجوزُ عارِيتُها (٣).
قالَ المِرداويُّ ﵀: فأدخَلَ في حَدِّهِ أشياءَ كَثيرَةً لا يَجوزُ وَقفُها عندَ الإمامِ أحمدَ ﵀ والأصحابِ (٤).
стр. 6827
فالفُقَهاءُ -كما نَرى- مُتفِقونَ على صِحةِ وَقفِ العَينِ المَملوكةِ التي يُمكِنُ الانتفاعُ بها مع بَقاءِ عَينِها انتِفاعًا مُباحًا في الجُملةِ.
واختَلَفوا في وَقفِ المَنقولِ والمَنفعةِ والمَشاعِ، وبَيانُ ذلكَ على ما يَلي:
أولاً: وَقفُ العَقارِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَوازِ وَقفِ العَقارِ مِنْ أرضٍ ودُورٍ وآبارٍ وقَناطِرَ؛ لأنَّ جَماعةً مِنْ الصَّحابةِ ﵃ وَقَفوا ذلكَ.
وقد نقَلَ الإجماعَ على هذا عَددٌ كَبيرٌ مِنْ الفُقهاءِ، مِنهُم ابنُ حَجرٍ (١) والرَّمليُّ (٢) والدَّميريُّ (٣) والأنصارِيُّ (٤).
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ويَصحُّ وَقفُ عَقارٍ مِنْ أرضٍ أو دارٍ بالإجماعِ (٥).
وقالَ ابنُ شَاسٍ ﵀: ولا شَكَّ في صِحةِ وَقفِ العَقارِ الأراضِي وما يَتعلَّقُ بها كالدِّيارِ والحَوانِيتِ والحَوائطِ والمَساجدِ والمَصانعِ والآبارِ والقَناطِرِ والطُّرقِ ونحوِ ذلكَ (٦).
стр. 6828
فعن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أصابَ أرضًا بخيبَرَ فأتَى النبيَّ ﷺ يَستأمِرُه فيها فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني أصَبتُ أرضًا بخَيبَرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ أنفَسَ عندِي منه، فما تَأمرُ به قالَ: إنْ شِئتَ حَبسْتَ أصلَها وتَصدَّقتَ بها، قالَ: فتَصدَّقَ بها عُمرُ أنه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورثُ، وتصدَّقَ بها في الفُقراءِ وفي القُربَى وفي الرِّقابِ وفي سَبيلِ اللهِ وابنِ السَّبيلِ والضَّيفِ، لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يَأكلَ منها بالمَعروفِ ويُطعِمَ غيرَ مُتموِّلٍ» (١).
وقد رَوى هِشامُ بنُ عُروةَ «أنَّ الزُّبيرَ جعَلَ دُورَه صَدقةً على بَنيهِ، لا تُباعُ ولا تُوهَبُ، وأنَّ للمَردودةِ مِنْ بَناتِه أنْ تَسكُنَ غيرَ مُضرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ استَغنَتْ بزَوجٍ فلا حقَّ لها في الوَقفِ» (٢).
وعَن عُثمانَ ﵁ «أنَّ النبيَّ ﷺ دخَلَ المَدينةَ وليسَ بها ماءٌ يُستعذَبُ غيرَ بِئرِ رُومةَ، فقالَ: مَنْ يَشتري بئرَ رُومةَ فيَجعلُ فيها دَلوَه مع دِلاءِ المُسلمينَ بخَيرٍ له منها في الجَنَّةِ؟ فاشتَرَيتُها مِنْ صُلبِ مالي» (٣).
стр. 6829
وفي رِوايةِ الطَّبرانِيِّ عن أبي سَلمةَ بِشرِ بنِ بَشيرٍ الأسلَميِّ عن أبيهِ قالَ: «لمَّا قَدِمَ المُهاجِرونَ المَدينةَ استَنكَروا الماءَ، وكانَتْ لرَجلٍ مِنْ بَني غِفارٍ عَينٌ يُقالُ لها رُومةُ، وكانَ يَبيعُ منها القِربةَ بمُدٍّ، فقالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ : بِعْنِيهَا بعَينٍ في الجنَّةِ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ ليسَ لي ولا لعِيالي غيرُها، لا أستَطيعُ ذلكَ، فبلَغَ ذلكَ عُثمانَ ﵁، فاشتَراها بخَمسةٍ وثَلاثينَ ألفَ دِرهمٍ، ثمَّ أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ أتَجعَلُ لي مثلَ الذي جَعلْتَه له، عَينًا في الجنَّةِ إنِ اشتَريتُها؟ قالَ: نعمْ، قالَ: قد اشتَريتُها وجَعلتُها للمُسلِمينَ» (١).
ورَوى البُخاريُّ (٣٤): بابٌ: إذا وقَفَ أرضًا أو بِئرًا واشتَرطَ لنَفسِه مِثلَ دِلاءِ المُسلمينَ:
وأوقَفَ أَنسٌ دارًا، فكانَ إذا قَدِمَها نزَلَها.
وتَصدَّقَ الزُّبيرُ بدُورِه وقالَ للمَردودةِ مِنْ بَناتِه أنْ تَسكنَ غيرَ مُضِرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ استَغنَتْ بزَوجٍ فليسَ لها حقٌّ.
وجعَلَ ابنُ عمرَ نَصيبَه مِنْ دارِ عُمرَ سُكنى لذَوِي الحاجةِ مِنْ آلِ عبدِ اللهِ.
قالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: إنَّما الوَقفُ في الأرَضينَ والدُّورِ على ما وقَفَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ (٢).
стр. 6830
ما يَتبعُ العَقارَ في الوَقفِ وما لا يَتبعُ:
قالَ الحَنفيةُ: يَدخلُ في وَقفِ الأرضِ ما فيها مِنْ الشَّجرِ والبِناءِ بلا ذِكرٍ، ولا يَدخلُ الزَّرعُ والرَّيَاحينُ والخلافُ والآسُ والثَّمرُ والبَقلُ والطَّرفاءُ وما في الأجَمةِ مِنْ حطَبٍ والوَردُ والياسَمينُ وورَقُ الحنَّاءِ والقُطنُ والباذِنجانُ.
وأمَّا الأُصولُ التي تَبقَى والشَّجرُ الذي لا يُقطَعُ إلا بعد عامَينِ أو أكثَرَ فإنها تَدخلُ تَبعًا، والبَقرُ والعَبيدُ بلا ذِكرٍ.
ولا تَدخلُ الأشجارُ العِظامُ والأبنيةُ فيما إذا جعَلَ أرضَه أو دارَهُ مَقبرةً، وتَكونُ له ولوَرثتِه مِنْ بَعدِه.
ولو وقَفَ أرضَه بحُقوقِها وجَميعِ ما فيها ومنها وعلى الشَّجرةِ ثَمرةٌ قائِمةٌ يومَ الوقفِ قالَ هِلالٌ: في القِياسِ: تَكونُ الثَّمرةُ له ولا تَدخلُ في الوَقفِ، وفي الاستِحسانِ: يَلزمُه التَّصدُّقُ بها على الفُقراءِ على وَجهِ النَّذرِ لا على وَجهِ الوَقفِ.
وذكَرَ الناطِفيُّ: إذا قالَ: «بحُقوقِها» تَدخلُ في الوَقفِ، قالَ ابنُ عابدِينَ: وهذا أَولَى، خُصوصًا إذا زادَ «بجَميعِ ما فيها ومنها».
ولو وقَفَ دارًا بجَميعِ ما فيها، وفيها حَمَاماتٌ يَطِرنَ أو بَيتًا وفيه كُورَاتُ عَسلٍ يَدخلُ الحَمَامُ والنَّحلُ تَبعًا للدَّارِ والعَسلِ، كما لو وقَفَ ضَيعةً وذكَرَ ما فيها مِنْ العَبيدِ والدَّواليبِ وآلاتِ الحِراثةِ.