فخرَجَ بالعَينِ المَنفعةُ وإنْ مَلكَها مُؤبَّدًا بالوَصيةِ والوَقفِ المُلتزَمِ في الذِّمةِ، وبالمُعيَّنةِ وَقفُ إحدَى دارَيهِ، وبالمَملوكةِ ما لا يُملَكُ ككَلبٍ.
واستثني مِنْ اعتِبارِ المِلكِ وقْفَ الإمامِ شَيئًا مِنْ أرضِ بَيتِ المالِ، فإنه يَصحُّ، سَواءٌ أكانَ على مُعيَّنٍ أم جِهةٍ عامَّةٍ، بشَرطِ أنْ يَظهرَ له في ذلكَ مَصلحةٌ؛ لأنَّ تَصرُّفَه فيه مَنوطٌ بها كوَليِّ اليَتيمِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: شَرطُ المَوقوفِ كَونُه عَينًا يَصحُّ بَيعُها ويُنتفَعُ بها انتِفاعًا عُرفًا كإجارةٍ، بأنْ يَكونَ النَّفعُ مُباحًا بلا ضَرورةٍ مَقصودًا مُتقوَّمًا يُستَوفى مع بَقائِها -أي العَينِ-؛ لأنه يُرادُ للدَّوامِ ليَكونَ صَدقةً جارِيةً، ولا يُوجَدُ ذلكَ فيما لا تَبقى عَينُه (٢).
قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ابنُ تيميةَ ﵀: وأقرَبُ الحُدودِ في الوَقفِ أنه: كلُّ عَينٍ تَجوزُ عارِيتُها (٣).
قالَ المِرداويُّ ﵀: فأدخَلَ في حَدِّهِ أشياءَ كَثيرَةً لا يَجوزُ وَقفُها عندَ الإمامِ أحمدَ ﵀ والأصحابِ (٤).
стр. 6827
فالفُقَهاءُ -كما نَرى- مُتفِقونَ على صِحةِ وَقفِ العَينِ المَملوكةِ التي يُمكِنُ الانتفاعُ بها مع بَقاءِ عَينِها انتِفاعًا مُباحًا في الجُملةِ.
واختَلَفوا في وَقفِ المَنقولِ والمَنفعةِ والمَشاعِ، وبَيانُ ذلكَ على ما يَلي:
أولاً: وَقفُ العَقارِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على جَوازِ وَقفِ العَقارِ مِنْ أرضٍ ودُورٍ وآبارٍ وقَناطِرَ؛ لأنَّ جَماعةً مِنْ الصَّحابةِ ﵃ وَقَفوا ذلكَ.
وقد نقَلَ الإجماعَ على هذا عَددٌ كَبيرٌ مِنْ الفُقهاءِ، مِنهُم ابنُ حَجرٍ (١) والرَّمليُّ (٢) والدَّميريُّ (٣) والأنصارِيُّ (٤).
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ويَصحُّ وَقفُ عَقارٍ مِنْ أرضٍ أو دارٍ بالإجماعِ (٥).
وقالَ ابنُ شَاسٍ ﵀: ولا شَكَّ في صِحةِ وَقفِ العَقارِ الأراضِي وما يَتعلَّقُ بها كالدِّيارِ والحَوانِيتِ والحَوائطِ والمَساجدِ والمَصانعِ والآبارِ والقَناطِرِ والطُّرقِ ونحوِ ذلكَ (٦).
стр. 6828
فعن نافعٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ أصابَ أرضًا بخيبَرَ فأتَى النبيَّ ﷺ يَستأمِرُه فيها فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إني أصَبتُ أرضًا بخَيبَرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ أنفَسَ عندِي منه، فما تَأمرُ به قالَ: إنْ شِئتَ حَبسْتَ أصلَها وتَصدَّقتَ بها، قالَ: فتَصدَّقَ بها عُمرُ أنه لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورثُ، وتصدَّقَ بها في الفُقراءِ وفي القُربَى وفي الرِّقابِ وفي سَبيلِ اللهِ وابنِ السَّبيلِ والضَّيفِ، لا جُناحَ على مَنْ وَلِيَها أنْ يَأكلَ منها بالمَعروفِ ويُطعِمَ غيرَ مُتموِّلٍ» (١).
وقد رَوى هِشامُ بنُ عُروةَ «أنَّ الزُّبيرَ جعَلَ دُورَه صَدقةً على بَنيهِ، لا تُباعُ ولا تُوهَبُ، وأنَّ للمَردودةِ مِنْ بَناتِه أنْ تَسكُنَ غيرَ مُضرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ استَغنَتْ بزَوجٍ فلا حقَّ لها في الوَقفِ» (٢).
وعَن عُثمانَ ﵁ «أنَّ النبيَّ ﷺ دخَلَ المَدينةَ وليسَ بها ماءٌ يُستعذَبُ غيرَ بِئرِ رُومةَ، فقالَ: مَنْ يَشتري بئرَ رُومةَ فيَجعلُ فيها دَلوَه مع دِلاءِ المُسلمينَ بخَيرٍ له منها في الجَنَّةِ؟ فاشتَرَيتُها مِنْ صُلبِ مالي» (٣).
стр. 6829
وفي رِوايةِ الطَّبرانِيِّ عن أبي سَلمةَ بِشرِ بنِ بَشيرٍ الأسلَميِّ عن أبيهِ قالَ: «لمَّا قَدِمَ المُهاجِرونَ المَدينةَ استَنكَروا الماءَ، وكانَتْ لرَجلٍ مِنْ بَني غِفارٍ عَينٌ يُقالُ لها رُومةُ، وكانَ يَبيعُ منها القِربةَ بمُدٍّ، فقالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ : بِعْنِيهَا بعَينٍ في الجنَّةِ، فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ ليسَ لي ولا لعِيالي غيرُها، لا أستَطيعُ ذلكَ، فبلَغَ ذلكَ عُثمانَ ﵁، فاشتَراها بخَمسةٍ وثَلاثينَ ألفَ دِرهمٍ، ثمَّ أتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ أتَجعَلُ لي مثلَ الذي جَعلْتَه له، عَينًا في الجنَّةِ إنِ اشتَريتُها؟ قالَ: نعمْ، قالَ: قد اشتَريتُها وجَعلتُها للمُسلِمينَ» (١).
ورَوى البُخاريُّ (٣٤): بابٌ: إذا وقَفَ أرضًا أو بِئرًا واشتَرطَ لنَفسِه مِثلَ دِلاءِ المُسلمينَ:
وأوقَفَ أَنسٌ دارًا، فكانَ إذا قَدِمَها نزَلَها.
وتَصدَّقَ الزُّبيرُ بدُورِه وقالَ للمَردودةِ مِنْ بَناتِه أنْ تَسكنَ غيرَ مُضِرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإنِ استَغنَتْ بزَوجٍ فليسَ لها حقٌّ.
وجعَلَ ابنُ عمرَ نَصيبَه مِنْ دارِ عُمرَ سُكنى لذَوِي الحاجةِ مِنْ آلِ عبدِ اللهِ.
قالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: إنَّما الوَقفُ في الأرَضينَ والدُّورِ على ما وقَفَ أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ (٢).
стр. 6830
ما يَتبعُ العَقارَ في الوَقفِ وما لا يَتبعُ:
قالَ الحَنفيةُ: يَدخلُ في وَقفِ الأرضِ ما فيها مِنْ الشَّجرِ والبِناءِ بلا ذِكرٍ، ولا يَدخلُ الزَّرعُ والرَّيَاحينُ والخلافُ والآسُ والثَّمرُ والبَقلُ والطَّرفاءُ وما في الأجَمةِ مِنْ حطَبٍ والوَردُ والياسَمينُ وورَقُ الحنَّاءِ والقُطنُ والباذِنجانُ.
وأمَّا الأُصولُ التي تَبقَى والشَّجرُ الذي لا يُقطَعُ إلا بعد عامَينِ أو أكثَرَ فإنها تَدخلُ تَبعًا، والبَقرُ والعَبيدُ بلا ذِكرٍ.
ولا تَدخلُ الأشجارُ العِظامُ والأبنيةُ فيما إذا جعَلَ أرضَه أو دارَهُ مَقبرةً، وتَكونُ له ولوَرثتِه مِنْ بَعدِه.
ولو وقَفَ أرضَه بحُقوقِها وجَميعِ ما فيها ومنها وعلى الشَّجرةِ ثَمرةٌ قائِمةٌ يومَ الوقفِ قالَ هِلالٌ: في القِياسِ: تَكونُ الثَّمرةُ له ولا تَدخلُ في الوَقفِ، وفي الاستِحسانِ: يَلزمُه التَّصدُّقُ بها على الفُقراءِ على وَجهِ النَّذرِ لا على وَجهِ الوَقفِ.
وذكَرَ الناطِفيُّ: إذا قالَ: «بحُقوقِها» تَدخلُ في الوَقفِ، قالَ ابنُ عابدِينَ: وهذا أَولَى، خُصوصًا إذا زادَ «بجَميعِ ما فيها ومنها».
ولو وقَفَ دارًا بجَميعِ ما فيها، وفيها حَمَاماتٌ يَطِرنَ أو بَيتًا وفيه كُورَاتُ عَسلٍ يَدخلُ الحَمَامُ والنَّحلُ تَبعًا للدَّارِ والعَسلِ، كما لو وقَفَ ضَيعةً وذكَرَ ما فيها مِنْ العَبيدِ والدَّواليبِ وآلاتِ الحِراثةِ.
стр. 6831
قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: والحاصِلُ أنَّ الوَقفَ كالبَيعِ، لا يَدخلُ فيهما الزَّرعُ والثَّمرُ إلَّا بالذِّكرِ، وفي الإقرارِ بأرضٍ في يَدِه لرَجلٍ وفيها ثَمرةٌ قائِمةٌ كانَتِ الثَّمرةُ للمُقَرِّ له بالأرضِ إذا كانَتْ مُتَّصِلةً بالأرضِ.
وفي «الظَّهيرِيَّة»: وقصَبُ السُّكَّرِ لا يَدخلُ، وشَجرُ الوَردِ والياسَمينُ يَدخلُ، والرَّحى تَدخلُ في وَقفِ الضَّيعةِ، ورَحى الماءِ ورَحى اليَدِ في ذلكَ سَواءٌ، وكذلكَ الدَّوالِي تَدخلُ، والدَّواليبُ لا تَدخلُ، وفي وَقفِ الحَمَّامِ تَدخلُ قُدورُ الحَمَّامِ، وفي وَقفِ الحانوتِ يَدخلُ ما كانَ يَدخلُ في بَيعِها، وخَوابي الدَّبَّاسِينَ وقُدورُ الدَّبَّاغينَ لا تَدخلُ، سَواءٌ كانَتْ في البناءِ أو لم تَكنْ. اه
وفي «المُحيط»: وقَفَ أرضًا فيها أشجارٌ واستَثنى الأشجارَ لا يَجوزُ الوَقفُ؛ لأنه صارَ مُستثنِيًا للأشجارِ بمَواضِعِها، فيَصيرُ الدَّاخِلُ تحتَ الوَقفِ مَجهولًا. اه (١).
ذِكرُ الحُدودِ في وَقفِ العَقارِ:
نَصَّ فُقهاءُ الحَنفيةِ والحَنابلةِ على أنَّ العَقارَ إذا كانَ مَشهورًا مَعروفًا مُتميِّزًا فلا يُشترطُ ذِكرُ حُدودِه.
وأمَّا إنْ كانَ غيرَ مَشهورٍ وغيرَ مُتميِّزٍ فلا بُدَّ مِنْ التَّحديدِ اتِّفاقًا كما يَقولُ المُهلَّبُ والحافِظُ ابنُ حَجرٍ.
стр. 6832
قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: لم يَشترطِ المُصنِّفُ لصِحةِ وَقفِ العَقارِ تَحديدَه، وإنَّما الشَّرطُ كَونُ المَوقوفِ مَعلومًا، ولذا قالَ في «الخُلاصَة»: ولو قَالا: «أشهَدَنا على أرضِه أنه وقَفَها وهو فيها ولمْ يَذكرْ لنا حُدودَها» جازَتْ شَهادتُهما؛ لأنهما شَهِدا على وَقفِ أرضٍ بعَينِها، إلَّا أنهُما لا يَعرفانِ جِيرانَ الحُدودِ، فلم يَتمكَّنِ الخَللُ في شَهادتِهما، ولو شَهِدا على أنَّ الواقفَ وقَفَ أرضَه وذكَرَ حُدودَها ولكنَّا لا نَعرفُ تلكَ الأرضَ في أنها في أيِّ مَكانٍ جازَتْ شَهادتُهما، ويُكلَّفُ المُدَّعي إقامةَ البيِّنةِ أنَّ الأرضَ التي يَدَّعيها هذه الأرضُ، ولو شَهِدا «أنه وقَفَ أرضَه ولم يُحدِّدْها لنا ولكنَّا نَعرفُ أرضَه» لا تُقبلُ شَهادتُهما؛ لعَلَّ للواقِفِ أرضًا أُخرى، وكذا لو قالا: «لا نَعرفُ له أرضًا أُخرى» لا تُقبلُ شَهادتُهما؛ لعَلَّ للواقِفِ أرضًا أُخرَى وهُما لا يَعلمانِ. اه
وظاهِرُ ما في «فَتْح القَديرِ» اشتِراطُ تَحديدِها، فإنه قالَ: إذا كانَتِ الدارُ مَشهورةً مَعروفةً صَحَّ وَقفُها وإنْ لم تُحدَّدْ؛ استِغناءً بشُهرتِها عن تَحديدِها. اه
ولا يَخفَى ما فيهِ إنَّما ذلكَ الشَّرطُ لقَبولِ الشَّهادةِ بوَقفيَّتِها كما قَدَّمناهُ (١). ونقلَ هذا الكلامَ أيضًا عن «البَحْر» ابنُ عابِدينَ في حَاشِيتِه.
وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ البُهوتيُّ ﵀: وإذا وقَفَ عَقارًا مَشهورًا لم يُشترطْ ذِكرُ حُدودِه نَصًّا (٢).
стр. 6833
وقالَ الرُّحَيبانِيُّ ﵀: لو صَادفَ الوَقفُ (دارًا لم يَذكُرْ) الواقفُ (حُدودَها) فيَصحُّ (إذا كانَتْ مَعروفةً)، قالَهُ في «شَرْح المُنتَهى»، وظاهِرُ ما تقدَّمَ أنه إذا وقَفَ عَقارًا مَشهورًا لم يَشترطْ حُدودَه، وهو المَذهبُ نَصَّ عليه، وقالَ في «الفُروع»: نقَلَ جَماعةٌ فيمَن وقَفَ دارًا ولم يَحُدَّهَا، قالَ: وإنْ لم يَحُدَّهَا إذا كانَتْ مَعروفةً. انتَهَى (١).
وقالَ المِرداويُّ ﵀: ونقَلَ جَماعةٌ عن الإمامِ أحمدَ ﵀ فيمَن وقَفَ دارًا ولم يَحُدَّهَا، قالَ: يَصحُّ وإنْ لم يَحُدَّها إذا كانَتْ مَعروفةً، اختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀ (٢).
وقد بَوَّبَ البُخاريُّ في صَحيحِه: بابٌ إذا وقَفَ أرضًا ولم يُبيِّنِ الحُدودَ فهو جائِزٌ، وكذلكَ الصَّدقةُ:
٢٦١٧ - حدَّثَنا عَبدُ اللهِ بنُ مَسلمةَ عن مالِكٍ عن إسحاقَ بنِ عَبدِ اللهِ ابنِ أبي طَلحةَ أنه سَمعَ أنسَ بنَ مالكٍ ﵁ يَقولُ: «كانَ أبو طَلحةَ أكثرَ أنصاريٍّ بالمدينةِ مالًا مِنْ نَخلٍ، أحَبُّ مالِه إليهِ بَيرُحاءَ مُستقبِلةَ المَسجدِ، وكانَ النبيُّ ﷺ يَدخلُها ويَشربُ مِنْ ماءٍ فيها طَيِّبٍ، قالَ أنسٌ: فلمَّا نزَلَتْ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قامَ أبو طَلحةَ فقال: يا رَسولَ اللهِ إنَّ اللهَ يَقولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإنَّ أحَبَّ أموالي إليَّ بَيرُحاءَ، وإنها صَدقةٌ للهِ أرجُو بِرَّها
стр. 6834
وذُخرَها عندَ اللهِ، فضَعْها حيثُ أراكَ اللهُ، فقالَ: بَخ، ذلكَ مالٌ رابحٌ -أو رايحٌ، شكَّ ابنُ مَسلمةَ- وقدْ سَمِعتُ ما قُلتَ، وإني أرَى أنْ تَجعلَها في الأقرَبينَ، قالَ أبو طَلحةَ: أفعَلُ ذلكَ يا رَسولَ اللهِ، فقَسَمَها أبو طَلحةَ في أقَاربِه وفي بَني عَمِّهِ» وقالَ إسماعِيلُ وعبدُ اللَّهِ بنُ يُوسفَ ويَحيَى بنُ يَحيَى عن مالكٍ: رايحٌ.
٢٦١٨ - حدَّثَنا مُحمدُ بنُ عَبدِ الرَّحيمِ أخبَرَنا رَوحُ بنُ عُبادةَ حدَّثَنا زَكريَّاءُ بنُ إسحاقَ قالَ: حَدَّثَني عَمرُو بنُ دينارٍ عن عِكرمةَ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ «أنَّ رَجلًا قالَ لرَسولِ اللهِ ﷺ إنَّ أمَّهُ تُوفِّيتْ، أيَنفعُها إنْ تَصدَّقتُ عَنها؟ قالَ: نعم، قالَ: فإنَّ لي مِخرافًا (١) وأُشهدُكَ أني قد تَصدَّقتُ به عنها».
قالَ المُهلَّبُ: إذا لم يُبيِّنِ الحُدودَ في الوَقفِ فإنَّما يَجوزُ إذا كانَ للأرضِ اسمٌ مَعلومٌ يَقعُ عليها وتَتعيَّنُ به، كما كانَ بَيرُحاءُ مُعيَّنًا، وكما كانَ المِخرافُ مُعيَّنًا عند مَنْ أشهَدَهُ، وعلى هذا الوَجهِ تَصحُّ التَّرجمةُ، وأمَّا إذا لم يَكنِ الوَقفُ مُعيَّنًا وكانتْ له مَخاريفُ وأموالٌ كثيرةٌ فلا يَجوزُ الوَقفُ إلا بالتَّحديدِ والتَّعيينِ، ولا خِلافَ في هذا (٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀: قولُه: (بابٌ إذا وقَفَ أرضًا ولم يُبيِّنِ الحُدودَ فهو جائِزٌ وكذلكَ الصَّدقةُ) كذا أطلَقَ الجَوازَ، وهو مَحمولٌ على ما
стр. 6835
إذا كانَ المَوقوفُ أو المُتَصدَّقُ به مَشهورًا مُتميِّزًا بحيثُ يُؤمَنُ أنْ يَلتبسَ بغيرِه، وإلَّا فلا بُدَّ مِنْ التَّحديدِ اتِّفاقًا.
لكنْ ذكرَ الغَزالِيُّ في فَتاويهِ أنَّ مَنْ قالَ: «اشهَدُوا على أنَّ جَميعَ أملاكي وَقفٌ على كذا» وذكَرَ مَصرِفَها ولم يُحَدِّدْ شيئًا منها صارَتْ جَميعُها وَقفًا، ولا يَضرُّ جَهلُ الشُّهودِ بالحُدودِ، ويُحتملُ أنْ يَكونَ مُرادُ البخاري أنَّ الوَقفَ يَصحُّ بالصِّيغةِ التي لا تَحديدَ فيها بالنِّسبةِ إلى اعتِقادِ الواقفِ وإرادتِه لشيءٍ مُعيَّنٍ في نَفسِه، وإنَّما يُعتبَرُ التَّحديدُ لأجْلِ الإشهادِ عليه؛ ليُبيِّنَ حقَّ الغَيرِ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ بَدرُ الدِّينِ العينِيُّ ﵀: أيْ: هذا بابٌ يذكرُ فيهِ إذا وقَفَ شَخصٌ أرضًا والحالُ أنه لم يُبيِّنْ حُدودَ تلكَ الأرضِ فهو جائِزٌ، وهذا غيرُ مُطلَقٍ، بَلِ المُرادُ منه أنَّ الأرضَ إذا كانَتْ مَشهورةً لا يُحتاجُ إلى ذِكرِ حُدودِها، وإلَّا فلا بُدَّ مِنْ التَّحديدِ؛ لئلَّا يَلتبسَ بحُدودِ الغَيرِ فيَحصلَ الضَّررُ.
قولُه: (وكذلكَ الصَّدقةُ)، أي: وكذلكَ الوَقفُ بلَفظِ الصَّدقةِ، بأنْ جعَلَ أرضَه صَدقةً للهِ تعالى وتَعظَّمَ كما جعَلَ أبو طَلحةَ حائِطَه صَدقةً للهِ تعالى ولم يَذكُرْ شيئًا غيرَ ذلكَ (٢).
стр. 6836
ثَانيًا: وَقفُ المَنقولِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الشيءِ المَنقولِ كالأثاثِ والحَيوانِ والسِّلاحِ والعَبيدِ والشَّجرِ، هل يَصحُّ وَقفُه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المُعتمَدِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى جَوازِ وَقفِ المَنقولِ مِنْ أثاثٍ وحَيَوانٍ وسِلاحٍ وعَبدٍ وثَوبٍ، وذلكَ لإجماعِ المُسلمينَ على صِحَّةِ وَقفِ الحُصرِ والمَصابيحِ في المَساجدِ مِنْ غَيرِ نكيرٍ، ولِما رَواهُ الشَّيخانِ عن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «وأمَّا خالِدٌ فإنَّكُم تَظلِمونَ خالِدًا، قد احتَبَسَ أدْراعَه وأعْتُدَهُ في سَبيلِ اللهِ» وفي رِوايةٍ: «وأعتَادَهُ» (١).
قالَ أَهلُ اللُّغَةِ: الأعتادُ: آلاتُ الحَربِ مِنْ السِّلاحِ والدَّوابِّ وغَيرها، والواحِدُ عَتادٌ -بفَتحِ العَينِ-، ويُجمَعُ: أعتَادًا وأَعتُدةً.
والسِّلاحُ في لُغةِ العَربِ: السُّيوفُ والرِّماحُ والقِسيُّ والنَّبلُ والدُّروعُ والجَواشِنُ، وما يُدافَعُ به كالطَّبرزينِ والدُّبُّوسِ والخِنجرِ والسَّيفِ بحَدٍّ واحِدٍ والدَّرَقِ والتِّراسِ، ولا يَقعُ اسمُ السِّلاحِ على سَرجٍ ولا لِجامٍ ولا مِهْمازٍ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وفيه -أي حَدِيث خالدٍ- دَليلٌ على صِحةِ وَقفِ المَنقولِ، وبه قالَتْ الأمَّةُ بأسرِها إلَّا أبا حَنيفةَ وبَعضَ الكُوفِيِّينَ (٢).
стр. 6837
وعنْ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنِ احتَبسَ فَرسًا في سَبيلِ اللهِ إيمانًا باللَّهِ وتَصديقًا بوَعدِه فإنَّ شِبَعَه وَرِيَّه ورَوْثَه وبَولَه في مِيزانِه يَومَ القِيامةِ» (١)، وهذا أصلٌ في تَحبيسِ ما سِوى الأرضِ.
قالَ المُهلَّبُ وغَيرُه: في هذا الحَديثِ جَوازُ وَقفِ الخَيلِ للمُدافَعةِ عن المُسلمينَ، ويُستنبَطُ منه جَوازُ وَقفِ غَيرِ الخَيلِ مِنْ المَنقولاتِ ومِن غيرِ المَنقولاتِ مِنْ بابِ الأَولَى (٢).
ورُوِيَ عن أُمِّ مَعقِلٍ ﵄ قالَتْ: «لَمَّا حَجَّ رَسولُ اللهِ ﷺ حجَّةَ الوداعِ وكانَ لنا جَملٌ فجعَلَه أبو مَعقِلٍ في سَبيلِ اللهِ، وأصابَنَا مرَضٌ وهلَكَ أبو مَعقِلٍ، وخرَجَ النبيُّ ﷺ ، فلمَّا فرَغَ مِنْ حَجِّه جِئتُه، فقالَ: يا أُمَّ مَعقِلٍ ما منَعَكِ أنْ تَخرُجي مَعنَا؟ قالَتْ: لقدْ تَهيَّأْنا فهلَكَ أبو مَعقِلٍ، وكانَ لنا جمَلٌ هو الذي نَحُجُّ عليه، فأَوصَى به أبو مَعقِلٍ في سبِيلِ اللهِ، قالَ: فهَلَّا خَرَجتِ عليه، فإنَّ الحَجَّ في سبيلِ اللهِ» (٣).
ولأنه يَحصلُ فيهِ تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ المَنفعةِ، فصَحَّ وَقفُه كالعَقارِ والفَرسِ الحَبيسِ، ولأنه يَصحُّ وَقفُه مع غَيرِه فصَحَّ وَقفُه وحْدَهُ كالعَقارِ.
ولأنه مالٌ يُنتفَعُ به في وَجهِ قُربةٍ، فجازَ أنْ يُوقَفَ كالعَقارِ (٤).
стр. 6838
وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنه لا يَصِحُّ وَقفُ المَنقولِ؛ لأنها أعيانٌ لا تَبقى على التَّأبيدِ، فلم يَجُزْ وَقفُها كالطَّعامِ (١).
قالَ الدُّسوقِيُّ ﵀: قَولُه: (ولو كانَ المَملوكُ حَيَوانًا) رَدَّ ب «لو» على ما حَكاهُ ابنُ القصَّارِ مِنْ مَنعِ وَقفِ الحَيَوانِ، قالَ ابنُ رُشدٍ: ومَحلُّ الخِلافِ في المُعقَّبِ أو على قَومٍ بأعيانِهم، وأمَّا تَحبيسُ ذلكَ ليُوضَعَ بعَينِه في سَبيلِ اللهِ أو لتُصرفَ غلَّتُه في إصلاحِ الطَّريقِ أو في مَنافعِ المَساجدِ أو لتُفرَّقَ غلَّتُه على المَساكينِ وشبهِ ذلكَ فجائِزٌ اتِّفاقًا. اه
قولُه: (وكذا الثِّيابُ) أي: والكُتبُ يَصحُّ وَقفُها على المَذهبِ، فهي ممَّا فيه الخِلافُ؛ وذلكَ لأنَّ الخِلافَ عندنا جَارٍ في كُلِّ مَنقولٍ، وإنْ كانَ المُعتمَدُ صِحةَ وَقفِه خِلافًا للحَنفيةِ، فإنهمْ يَمنعونَ وقْفَه كالمَرجوحِ عندَنا (٢).
стр. 6839
وقالَ المِرداويُّ ﵀: أمَّا وَقفُ غيرِ المَنقولِ فيَصحُّ بلا نِزاعٍ.
وأمَّا وَقفُ المَنقولِ كالحَيوانِ والأثاثِ والسِّلاحِ ونَحوِها فالصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ صِحةُ وَقفِها، وعليه الأصحابُ ونَصَّ عليه، وعنهُ: لا يَصحُّ وَقفُ غيرِ العَقارِ، نَصَّ عليه في روايةِ الأثرَمِ وحَنبلٍ.
ومنَعَ الحارِثيُّ دلالةَ هذه الرِّوايةِ، وجعَلَ المَذهبَ رِوايةً واحِدةً.
ونقَلَ المَرُّوذِيُّ: لا يَجوزُ وَقفُ السِّلاحِ، ذكَرَه أبو بَكرٍ.
وقالَ في «الإرشادِ»: لا يَصحُّ وَقفُ الثِّيابِ (١).
أما الحَنفيةُ فاختَلَفوا، فعِندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ ﵀ لا يَجوزُ وَقفُ ما يُنقلُ ويُحوَّلُ على الإطلاقِ، مَقصودًا أو تَبعًا، كُراعًا أو غَيرَه، تَعامَلوا فيهِ أو لا؛ لأنَّ التَّأبيدَ شَرطُ جَوازِه، ووَقفُ المَنقولِ لا يَتأبَّدُ؛ لكونِه على شَرفِ الهَلاكِ، فلا يَجوزُ وَقفُه.
وعندَ أبي يُوسفَ لا يَجوزُ وَقفُ المَنقولِ مَقْصودًا، إلَّا إذا كانَ تَبعًا للعَقارِ بأنْ وقَفَ ضَيعةً ببَقرِها وأَكَرَتِها -وهُم عَبيدُه- فيَجوزُ، وكذا سائِرُ آلاتِ الحِراثةِ؛ لأنه تابعٌ للأرضِ في تَحصيلِ ما هو المَقصودُ، وقد يَثبتُ مِنْ الحُكمِ تَبعًا ما لا يثبتُ مَقصودًا، كالشُّربِ في البَيعِ والبِناءِ في الوَقفِ، ومُحمدٌ مَعه فيه؛ لأنه لمَّا جازَ إفرادُ بَعضِ المَنقولِ بالوَقفِ عندهُ فلَأنْ يَجوزَ الوَقفُ فيهِ تَبعًا أَولى.
стр. 6840
ولا يَجوزُ للواقِفِ عِتقُهم؛ لأنهُم خَرَجوا عن مِلكِه، فإنْ أعتَقَهُم لم يُعتَقوا.
وقالَ مُحمدٌ: يَجوزُ حَبسُ الكُراعِ والسِّلاحِ في سَبيلِ اللهِ، وأبو يُوسفَ مَعهُ فيهِ على ما قالُوا، وهو استِحسانٌ عندهُ، والقِياسُ ألَّا يَجوزَ؛ لِما بيَّنَّاهُ مِنْ قبلُ.
وَجهُ الاستِحسانِ الآثارُ المَشهورَةُ فيهِ، منها قَولُه ﵊: «وأمَّا خالِدٌ فقدْ حَبسَ أَدرُعًا وأفرَاسًا له في سَبيلِ اللهِ تعالى» «وطَلحةُ حَبسَ دُروعَه في سَبيلِ اللهِ تَعالى»، ويُروَى «أَكرَاعَهُ»، والكُراعُ: الخَيلُ، ويَدخلُ في حُكمِه الإبلُ؛ لأنَّ العَربَ يُجاهِدونَ عليها، وكذا السِّلاحُ يُحمَلُ عليها.
ويَجوزُ عندَهُما بَيعُ ما هَرِمَ منها أو صارَ بحالٍ لا يُنتفعُ به، فيُباعُ ويُردُّ ثَمنُه في مِثلِه.
وعن مُحمدٍ أنه يَجوزُ وَقفُ ما فيهِ تَعاملٌ مِنْ المَنقولاتِ، كالفَأسِ والمَرِّ والقَدُومِ والمِنشارِ والجِنازةِ وثِيابِها والقُدورِ والمَراجِلِ والمَصاحِفِ.
وعندَ أبي يُوسفَ لا يَجوزُ؛ لأنَّ القِياسَ إنَّما يُتركُ بالنَّصِّ، والنَّصُّ ورَدَ في الكُراعِ والسِّلاحِ، فيقتَصرُ عليه.
ومُحمدٌ يَقولُ: القِياسُ قد يُتركُ بالتَّعاملِ كما في الاستِصناعِ، وقد وُجِدَ التَّعاملُ في هذه الأشياءِ.
стр. 6841
وعن نُصيرِ بنِ يَحيَى أنه وقَفَ كُتبَه إلحاقًا لها بالمَصاحِفِ، قالَ البابَرتِيُّ ﵀: وهذا صَحيحٌ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ يُمسَكُ للدِّينِ تَعليمًا وتَعلُّمًا وقِراءةً، وأكثَرُ فُقَهاءِ الأمصارِ على قَولِ مُحمدٍ، وما لا تَعامُلَ فيهِ لا يَجوزُ عندَنا وَقفُه؛ لأنَّ الوَقفَ فيهِ لا يَتأبَّدُ، ولا بُدَّ منه على ما بيَّنَّاهُ، فصارَ كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ، بخِلافِ العَقارِ، ولا مُعارِضَ مِنْ حيثُ السَّمعُ ولا مِنْ حيثُ التَّعاملُ، فبَقيَ على أصلِ القِياسِ.
وهذا لأنَّ العَقارَ يَتأبَّدُ، والجِهادُ سَنامُ الدِّينِ، فكان معنَى القُربةِ فيهِما أقوَى، فلا يَكونُ غَيرُهما في مَعناهما (١).
وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: وَقفُ المَنقولِ تَبعًا للعَقارِ فهو جائِزٌ بلا خِلافٍ عندَهُما … لا خِلافَ في صِحةِ وَقفِ السِّلاحِ والكُراعِ -أي الخَيلِ-؛ للآثارِ المَشهورةِ، والخِلافُ فيما سِوَى ذلكَ؛ فعندَ أبي يُوسفَ لا يَجوزُ، وعندَ مُحمدٍ يَجوزُ ما فيه تَعامُلٌ مِنْ المَنقولاتِ، واختارَهُ أكثَرُ فُقهاءِ الأمصارِ كما في «الهِدايَة»، وهو الصَّحيحُ كما في «الإسْعَاف»، وهو قَولُ أكثَرِ المَشايخِ كما في «الظَّهيرِيَّة»؛ لأنَّ القِياسَ قد يُتركُ بالتَّعاملِ.
ونقَلَ في «المُجتبَى» عن «السِّيَر» جَوازَ وَقفِ المَنقولِ مُطلَقًا عند مُحمدٍ، وإذا جَرى فيهِ التَّعاملُ عند أبي يُوسفَ، وتَمامُه في «البَحْر»، والمَشهورُ الأولُ (٢).
стр. 6842
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولو وقَفَ أشجارًا (١) قائِمةً، فالقِياسُ ألَّا يَجوزَ؛ لأنه وقَفَ المَنقولَ، وفي الاستِحسانِ يَجوزُ؛ لتَعامُلِ الناسِ ذلكَ.
وأمَّا وَقفُ الكُتبِ فلا يَجوزُ على أصلِ أبي حَنيفةَ، وأمَّا على قَولِهما فقدِ اختَلفَ المَشايخُ فيهِ، وحُكِيَ عن نَصرِ بنِ يَحيى أنه وقَفَ على الفُقهاءِ مِنْ أصحابِ أبي حَنيفةَ (٢).
ثالثًا: وَقفُ المَنفعةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَنفعةِ، هل يَجوزُ وَقفُها دونَ الرَّقبةِ كمَن استَأجرَ دارًا وأوقَفَها؟ أم لا يَجوزُ وَقفُها إلا مع الرَّقبةِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى عَدمِ جَوازِ وَقفِ المَنفعةِ دونَ الرَّقبةِ، مُؤقَّتةً كانَتْ كالإجارةِ أو مُؤبَّدةً كالوَصيةِ؛ لأنَّ الرَّقبةَ أصلٌ والمَنفعةَ فَرعٌ، والفَرعُ يَتبعُ الأصلَ، ولأنَّ مِنْ شَرطِ الوَقفِ أنْ تَكونَ عَينًا يُنتفعُ بها مع بَقاءِ عَينِها، وأنْ تَكونَ مُؤبَّدةً (٣).
стр. 6843
وذهَبَ المالِكيةُ -خِلافًا لابنِ الحاجِبِ- إلى جَوازِ وَقفِ المَنفعةِ، فليسَ مِنْ شَرطِ الوَقفِ أنْ تَكونَ رَقبَتُه مَملوكَةً للواقِفِ، بل يَجوزُ استِئجارُ دارٍ مُدَّةً مَعلومةً لوَقفِ مَنفعتِها في تلكَ المدَّةِ، ويَنقضَي الوَقفُ بانقِضائِها؛ لأنه لا يُشترطُ فيهِ التَّأبيدُ ولو كانَتِ الدارُ المُستأجَرةُ مَوقوفةً، فمَن استَأجَرَ دارًا مُحبَّسةً مدَّةً فله تَحبيسُ مَنفعتِها على مُستحِقٍّ آخَرَ غيرِ الأوَّلِ في تلكَ المُدَّةِ، وأمَّا المُحبَّسُ عليه فليسَ له تَحبيسُ المَنفعةِ التي يَستحِقُّها؛ لأنه لا يَمتلِكُها؛ لأنَّ المَوقوفَ عليه إنما يَملكُ الانتفاعَ لا المَنفعةَ (١).
وسَببُ اختِلافِهم: هل يُشترَطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ أم لا؟
فمَن قالَ: يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ -وهُم الجُمهورُ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ كما تقدَّمَ- قالوا: لا يَجوزُ وَقفُ العينِ المُؤجَّرةِ.
ومَن قالَ أنه لا يُشترطُ في الوَقفِ التَّأبيدُ -وهُم المالِكيةُ- قالوا: يَصحُّ وَقفُ المَنفعةِ، بأنْ يَستأجِرَ دارًا مُدَّةً مَعلومةً ويُوقِفَ مَنفعتَها في تلكَ المدَّةِ، ويَنقضِي الوَقفُ بانقِضائِها.
وقد تَقدَّمَتِ المَسألةُ بتَمامِها في وَقفِ العينِ المُؤجَّرةِ.
стр. 6844
رابِعًا: وَقفُ المَشاعِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في وَقفِ المَشاعِ هل يَصحُّ أم لا؟ بعدَ اتِّفاقِهِم على صِحَّةِ وَقفِ المَشاعِ إنْ حكَمَ به حاكِمٌ.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ -على تَفصيلٍ سَيَأتي عندَهُم- والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى جَوازِ وَقفِ المَشاعِ مِنْ عَقارٍ أو مَنقولٍ ولا يَسرِي إلى الباقي؛ لأنها مِنْ خَواصِّ العِتقِ، واستَدلُّوا على ذلكَ بما رَواهُ النَّسائيُّ وابنُ ماجَه عن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: قالَ عُمرُ للنبيِّ ﷺ : «إنَّ المِائةَ سَهمٍ التي لي بخَيبَرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ أعجَبَ إليَّ منها، قد أرَدْتُ أنْ أتَصدَّقَ بها، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : احبِسْ أصلَهَا وسَبِّلْ ثَمرَتَها» (١)، وهذا صِفةُ المَشاعِ؛ لأنَّ المِائةَ سَهمٍ التي كانَتْ لعُمرَ بخَيبَرَ لم تَكنْ مُنقسمةً، ولأنه عَقدٌ يَجوزُ على بَعضِ الجُملةِ مُفرَزًا، فَجازَ عليه مَشاعًا كالبَيعِ، أو عَرْصَةً يَجوزُ بَيعُها، فَجازَ وَقفُها كالمُفرَزةِ، ولأنَّ الوَقفَ تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ المَنفعةِ، وهذا يَحصلُ في المَشاعِ كحُصولِه في المُفرَزِ، ولا نُسلِّمُ اعتِبارَ القَبضِ، وإنْ سَلَّمْنا فإذا صَحَّ في البَيعِ صَحَّ في الوَقفِ.
واستَدلُّوا أيضًا بما رَواهُ البُخاريُّ: بابٌ: إذا أوقَفَ جمَاعَةٌ أَرضًا مَشاعًا فهو جائِزٌ:
стр. 6845
٢٦١٩ - حدَّثَنا مُسدَّدٌ حدَّثَنا عَبدُ الوَارثِ عن أبي التَّيَّاحِ عن أنسٍ ﵁ قالَ: «أمَرَ النبيُّ ﷺ ببِناءِ المَسجدِ فقالَ: يا بَني النجَّارِ ثامِنوني بحائِطِكُم هذا، قالوا: لا واللهِ لا نَطلبُ ثَمنَه إلا إلى اللهِ».
فبَنُو النجَّارِ جَعَلوا حائِطَهُم لمَكانِ المَسجدِ، وقالوا: «لا نَطلبُ ثَمنَه إلَّا إلى اللهِ تعالى»، وأجازَ النَّبيُّ ﷺ ذلكَ مِنْ فِعلِهم، وكانَ ذلكَ وَقفًا للمَشاعِ، والحُجَّةُ في السُّنةِ لا في خِلافِها (١).
قالَ المالِكيةُ: يَصحُّ وَقفُ المَشاعِ إنْ كانَ ممَّا يَقبلُ القِسمةَ، ويُجبَرُ عليها الواقفُ إنْ أرادَها الشَّريكُ، ولا يقالُ: «القِسمةُ بَيعٌ وهو غَيرُ جائزٍ في الوَقفِ»؛ لأنَّا نَقولُ: الرَّاجحُ أنَّ القِسمةَ تَمييزُ حقٍّ لا بَيعٌ، وعلى القَولِ بأنها
стр. 6846
بَيعٌ فيُقالُ: المَمنوعُ بَيعُه مِنْ الوَقفِ ما كانَ مُعيَّنًا لا المَعروضُ للقَسمِ؛ لأنه كالمَأذونِ في بَيعهِ لمَن يُحبِّسُه؛ لأنَّ الواقفَ لَمَّا عَلِمَ أنَّ لشَريكِه البَيعَ فكأنهُ أَذِنَ له فيهِ.
وإنْ كانَ مِمَّا لا يَقبلُ القِسمةَ فهل يَصحُّ أم لا؟ ففي صِحتِه وعَدمِها قَولانِ مُرجَّحانِ، وعلى القَولِ بالصِّحةِ يُجبَرُ الواقفُ على البَيعِ إنْ أرادَه الشَّريكُ، ويَجعلُ الثَّمنَ في مِثلِه، وهل يُجبَرُ على جَعلِ الثَّمنِ في مِثلِ وَقفِهِ أو لا يُجبَرُ على ذلكَ؟ قَولانِ مُرجَّحانِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: يَصحُّ وَقفُ المَشاعِ مِنْ عَقارٍ ومَنقولٍ وإنْ جَهلَ قَدْرَ حِصَّتِه أو صِفتَها؛ لأنَّ وقْفَ عُمرَ ﵁ وهو أوَّلُ وَقفٍ في الإسلامِ- كانَ مَشاعًا، ولا يَسري للباقي وإنْ كانَ مَسجدًا، ويَجبُ قِسمتُه؛ لتَعيُّنِها طَريقًا إلى الانتفاعِ بالمَوقوفِ، ويَحرمُ المُكثُ فيهِ للجُنبِ؛ تَغليبًا للمَنعِ، ولا فَرْقَ بينَ أنْ يَكونَ المَوقوفُ مَسجدًا هو الأقلَّ أو الأكثَرَ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: يَجوزُ وَقفُ المَشاعِ كنِصفٍ أو سَهمٍ مِنْ عَينٍ يَصحُّ وَقفُها؛ لحَديثِ ابنِ عمرَ السَّابقِ، ولأنه يَجوزُ على بَعضِ الجُملةِ مُنفرِدًا، فجازَ عليها مَشاعًا كالبَيعِ، ويُعتبَرُ أنْ يَقولَ: كذا سَهمًا مِنْ كذا سَهمٍ.
стр. 6847
ولو وقَفَ المَشاعَ مَسجدًا ثبَتَ فيهِ حُكمُ المَسجدِ في الحالِ عندَ التلفُّظِ بالوَقفِ، فيُمنَعُ مِنْ الجُنبِ والسَّكرانِ ومَن عليه نَجاسةٌ تَتعدَّى.
ثُمَّ القِسمةُ مُتعيِّنةٌ هُنا؛ لتَعيُّنِها طَريقًا للانتِفاعِ بالمَوقوفِ (١).
وذهَبَ الإمامُ مُحمدُ بنُ الحَسَنِ إلى عَدمِ صِحةِ وَقفِ المَشاعِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ صِحةِ الوَقفِ عندهُ تَسليمُه، والشُّيوعُ يُخلُّ بالقَبضِ والتَّسليمِ.
قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: وَقفُ المَشاعِ جائِزٌ عندَ أبي يُوسفَ، وعند مُحمدٍ لا يَجوزُ، والخِلافُ مَبنيٌّ على الخِلافِ في اشتِراطِ تَسليمِ الوَقفِ، فلمَّا شرَطَه مُحمدٌ قالَ بعدمِ صِحةِ المَشاعِ؛ لأنَّ القِسمةَ مِنْ تَمامِ القَبضِ، ولا بُدَّ مِنْ القَبضِ، فوجَبَ، وعندَ أبي يُوسفَ لا يُشترطُ قَبضِ المُتولِّي، فلا يُشترطُ ما هو مِنْ تَمامِه، فمَن أخَذَ بقَولِ أبي يُوسفَ في خُروجِه بمُجرَّدِ اللَّفظِ -وهُم مَشايخُ بَلخٍ- أخَذَ بقَولِه في هذهِ، ومَن أخَذَ بقَولِ مُحمدٍ في تلكَ -وهُم مَشايخُ بُخارَى- أخَذَ بقَولِه في وَقفِ المَشاعِ.
وأمَّا إلحاقُ مُحمدٍ ﵀ بالهِبةِ والصَّدقةِ المُنفذةِ -أي المُنجَّزةِ- في الحالِ فإنها لا تَكونُ مَشاعًا، فكذا الصَّدقةُ المُستمِرَّةُ، ففرَّقَ أبو يُوسفَ بأنَّ اشتِراطَ القَبضِ في تَينِكَ لِما فيهِما مِنْ التَّمليكِ للغَيرِ، وأمَّا الوَقفُ فليسَ فيه
стр. 6848
تَمليكٌ مِنْ الغَيرِ حتى يُشترطَ قَبضُه، وإنَّما هو إسقاطٌ المِلكِ بلا تَمليكٍ، فلا يُرَدُّ كالعِتقِ والطلاقِ، فلا مُوجِبَ لاشتِراطِ القِسمةِ فيهِ.
والحاصِلُ أنَّ المَشاعَ إمَّا أنْ يَحتملَ القِسمةَ أو لا يَحتملَها، ففيما يَحتملُها أجازَ أبو يُوسفَ وقْفَه إلَّا المَسجدَ والمَقبرةَ والخانَ والسِّقايةَ، ومنَعَه مُحمدٌ ﵀ مُطلقًا.
وفيما لا يَحتملُها -كالحمَّامِ والبِئرِ والرَّحى- اتَّفقُوا على إجازةِ وَقفِه إلا المَسجدَ والمَقبرةَ، فصارَ الاتِّفاقُ على عَدمِ جَعلِ المَشاعِ مَسجدًا أو مَقبرةً مُطلَقًا -أي: سَواءٌ كانَ ممَّا يَحتملُ القِسمةَ أو لا يَحتملُها-، والخِلافُ مَبنيٌّ على اشتِراطِ القَبضِ والتَّسليمِ وعَدَمِه، فلمَّا لم يَشترطْ أبو يُوسفَ أجازَ وقْفَه، ولمَّا شرَطَه مُحمدٌ منَعَه؛ لأنَّ الشُّيوعَ وإنْ لم يَمنعْ مِنْ التَّسليمِ والقَبضِ -ألَا تَرَى أنَّ الشَّائِعَ كانَ مَقبوضًا لمالِكِه قبلَ أنْ يَقفَه؟ - لكنْ يَمنعُ مِنْ تَمامِ القَبضِ، فلِذا منَعَه مُحمدٌ ﵀ عند إمكانِ تَمامِ القَبضِ، وذلكَ فيما يَحتملُ القِسمةَ، فإنه يُمكِنُ أنْ يَقسمَ أولًا ثمَّ يَقفَه، وإنَّما أسقَطَ اعتِبارَ تَمامِ القَبضِ عند عَدمِ الإمكانِ وذلكَ فيما لا يَحتملُها، لأنه لو قَسمَ قبل الوَقفِ فاتَ الانتفاعُ كالبَيتِ الصَّغيرِ والحمَّامِ، فاكتَفى بتَحقُّقِ التَّسليمِ في الجُملةِ.
وإنَّما اتَّفقُوا على مَنعِ وَقفِ المَشاعِ مُطلَقًا مَسجدًا ومَقبرةً؛ لأنَّ الشُّيوعَ يَمنعُ خُلوصَ الحَقِّ للهِ تعالى، ولأنَّ جَوازِ وَقفِ المَشاعِ فيما لا يَحتملُ القِسمةَ؛ لأنه يُحتاجُ فيه إلى التَّهايُؤِ، والتَّهايؤُ فيهِ يُؤدِّي إلى أمرٍ مُستقبَحٍ
стр. 6849
وهو أنْ يَكونَ المَكانُ مَسجدًا سَنةً واصطَبلًا للدَّوابِّ سَنةً، ومَقبرةً عامًا ومَزرعةً عامًا، أو مِيضَأةً عامًا، وأمَّا النَّبشُ فليسَ بلازمٍ مِنْ المُهايَأةِ، بل ليسَ للشَّريكِ ذلكَ.
ثُمَّ فيما يَحتملُ القِسمةَ إذا قَضى القاضي بصِحتِه وطلَبَ بَعضُهم القِسمةَ لا يَقسمُ عندَ أبي حَنيفةَ ويَتهايَؤُونَ، وعندَهُما يَقسمُ، وأجمَعوا أنَّ الكُلَّ لو كانَ وَقفًا على الأربابِ وأرادُوا القِسمةَ لا تَجوزُ، وكذا التَّهايؤُ …
ولو اقتَسَما -أعني الواقفَ للمَشاعِ وشَريكَه- على القَولِ بلُزومِ القِسمةِ بعد القَضاءِ أو قبلَه على قَولِ أبي يُوسفَ فوقَعَ نَصيبُ الواقفِ في مَحلٍّ مَخصوصٍ كانَ هو الوَقفَ ولا يَجبُ عليه أنْ يَقفَه ثَانيًا (١).
وقالَ في «الإسْعَاف»: اتَّفقَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ -رحمهما الله- على جَوازِ وَقفِ مَشاعٍ لا يُمكِنُ قِسمتُه كالحمَّامِ والبئرِ والرَّحى، واختَلَفا في المُمكِنِ، فأجازَه أبو يُوسفَ وبه أخَذَ مَشايخُ بَلخٍ، وأبطَلَه مُحمدٌ؛ بناءً على اختِلافِهما المُتقدِّمِ، فنَقولُ تَفريعًا على قَولِ أبي يُوسفَ ﵀: إذا وقَفَ أحَدُ الشَّريكَينِ حِصتَه مِنْ أرضٍ جازَ، وإذا اقتَسَماها بعد ذلكَ فما وقَعَ في نَصيبِ
стр. 6850
الواقفِ كانَ وَقفًا، ولا يَحتاجُ إلى إعادةِ الوَقفِ فيهِ، وإنْ وقَفَه ثانيًا كانَ أحوَطَ؛ لارتِفاعِ الخِلافِ حِينئذٍ، ولو وقَفَ نِصفَ أرضِه مثلًا يَنبَغي أنْ يَبيعَ نِصفَها ثمَّ يُقاسِمَ المُشتريَ.
ولو رفَعَ الأمرَ إلى القاضي فأمَرَ رَجلًا بالمُقاسَمةِ معَه جازَ، وليسَ له أنْ يُقاسِمَ نفسَه؛ لأنها مأخوذةٌ مِنْ «المُفاعَلةِ»، فتَقتَضي المُشارَكةَ بينَ اثنَينِ فما فوقَهُما، ولو قَضى بجَوازِ الوَقفِ المَشاعِ ارتَفعَ الخِلافُ، ثمَّ أذا طَلَبا مِنْ القاضي القِسمةَ، قالَ أبو حَنيفةَ: لا تُقسَمُ، ويَأمرُهما بالمُهايَأةِ، وقالَا: يُقسَمُ إذا كانَ البَعضُ مِلكًا والبَعضُ وَقفًا، ولو كانَ الكلُّ وَقفًا فأرادَ أربابُه قِسمتَه لا يُقسَمُ، حتى لو وقَفَ ضَيعةً على ولَدَيهِ مثلًا فأرادَ أحَدُهُما قِسمتَها ليَدفَعَ نَصيبَه مُزارَعةً لا يَجوزُ، بل يَدفعُ القيِّمُ كُلَّها مُزارَعةً، وليس ذلكَ إلى أربابِه، وإنَّما هو للقيِّمِ، ولو قَسمَه الواقفُ بينَ أربابِه ليَزرعَ كلُّ واحِدٍ مِنهم نَصيبَه وليَكونَ المَزروعُ له دونَ شُركائِه تَوقَّفَ على رِضاهُم، ولو فعَلَ أهلُ الوَقفِ ذلكَ فيما بينَهُم جازَ، ولمَن أَبى مِنهم بعد ذلكَ إبطالُه.
ومَن وقَفَ دُورًا للاستِغلالِ ليسَ له أنْ يُسكِنَها أحَدًا بغيرِ أجرٍ، ولو وقَفَ دارَه لسُكنى ولَدَيهِ فطلَبَ أحَدُهُما المُهايَأةَ وأبَى الآخَرُ يَسكنُ كلٌّ نِصفًا بلا مُهايَأةٍ (١).
والشُّيوعُ المانِعُ للقِسمةِ فيما يَحتملُ القِسمةَ إنَّما يَكونُ مانِعًا مِنْ الوَقفِ عند مُحمدٍ إذا كانَ الشُّيوعُ وَقتَ القَبضِ لا وَقتَ العَقدِ.
стр. 6851
قالَ في «الإسْعَاف»: لو كانَتِ الأرضُ بينَ رَجلينِ فتَصدَّقا بها جُملةً صَدقةً مَوقوفةً على المَساكينِ ودَفَعاها مَعًا إلى قيِّمٍ واحِدٍ جازَ اتِّفاقًا؛ لأنَّ المانعَ مِنْ الجَوازِ عند مُحمدٍ هو الشُّيوعُ وقتَ القَبضِ لا وَقتَ العَقدِ، ولم يُوجدْ هاهُنا؛ لوُجودِهما مَعًا مِنهُما، ولو وقَفَ كُلٌّ مِنهُما نَصيبَه على جِهةٍ وجَعلَا القيِّمَ واحِدًا وسَلَّماهُ معًا جازَ اتِّفاقًا؛ لعَدمِ الشُّيوعِ وَقتَ القَبضِ، ولو اختَلَفا في وَقفَيهِما جِهةً وقيِّمًا واتَّحدَ زَمانُ تَسليمِهما لهُما، أو قالَ كُلٌّ مِنهُما لقَيِّمِه: «اقبِضْ نَصيبي مع نَصيبِ صاحِبي» جازَ أيضًا اتِّفاقًا؛ لأنهما صارَا كمُتولٍّ واحِدٍ، بخِلافِ ما لو وقَفَ كلُّ واحِدٍ وحدَهُ وسلَّمَ لقيِّمِه وحدَه، فإنه لا يَصحُّ الوَقفُ عند مُحمدٍ؛ لوُجودِ الشُّيوعِ وَقتَ العَقدِ وتَمكُّنِه وَقتَ القَبضِ.
ولو قالَ: «وَقَفتُ نَصيبي مِنْ هذه الأرْضِ وهو ثُلثُها» فوجدَ أكثَرَ مِنْ ذلكَ كانَ نَصيبُه كلُّه وَقفًا كالوَصيةِ، بخِلافِ البَيعِ؛ فإنَّ الزَّائدَ يَكونُ للبائِعِ (١).
стр. 6852
شُروطُ العَينِ المَوْقوفَةِ:
اشتَرطَ الفُقهاءُ في العَينِ المَوقوفةِ عِدَّةَ شُروطٍ، وهي ما يَلي:
أ- أنْ تَكونَ العينُ مُعيَّنةً:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنه يُشترطُ في العَينِ المَوقوفةِ أنْ تَكونَ مُعيَّنةً مَعلومةً غيرَ مُبهَمةٍ، فلو وقَفَ عَبدًا غيرَ مُعيَّنٍ أو دارًا غيرَ مُعيَّنةٍ بطَلَ الوَقفُ؛ لأنَّ الوَقفَ إبطالٌ لمَعنى المِلكِ فيهِ، فلم يَصحَّ في غَيرِ مُعيَّنٍ كالعِتقِ، وكذا لو وقَفَ أحَدَ دارَيهِ أو أحَدَ عَبدَيهِ؛ لأنَّ الوَقفَ نَقلٌ للمِلكِ على وَجهِ القُربةِ، فلم يَصحَّ في غَيرِ مُعيَّنٍ كالهِبةِ.
قالَ البُهوتيُّ ﵀: فإنْ كانَ المُعيَّنُ مَجهولًا مثلَ أنْ يَقِفَ دارًا لم يَرَها، قالَ أبو العَبَّاسِ: مَنعُ هذا بَعيدٌ، وكذلكَ هِبَتُه (١).
قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ في المَوقوفِ عَدمُ الجَهالةِ بأنْ يَكونَ مَعلومًا، فلو قالَ: «وَقَفتُ مِنْ أَرضي هذه شيئًا» ولم يُسَمِّه كانَ باطِلًا؛ لأنَّ الشيءَ يَتناولُ القَليلَ والكَثيرَ، ولو بيَّنَ بعد ذلكَ ربَّما يُبيِّنُ شيئًا قَليلًا لا يُوقَفُ عادَةً.
ولو قالَ: «وَقَفتُ جَميعَ حِصَّتي مِنْ هذه الدَّارِ والأرضِ» ولم يُسَمِّ السِّهامَ يَجوزُ استِحسانًا إذا ثبَتَ الواقفُ على إقرارِه، وإنْ جحَدَ فجاءَتْ بيِّنةٌ
стр. 6853
فشَهدَتْ بالوَقفِ ومِقدارِ حِصَّتِه وسَمَّوهُ حكَمَ القاضي بالوَقفِ، وإنْ شَهِدوا على إقرارِه بالوَقفِ ولم يَعرِفوا مِقدارَ حِصَّتِه ألزَمَه القاضي ببَيانِ مِقدارِ حِصَّتِه، والقَولُ قَولُه فيهِ، وإنْ ماتَ قامَ وارِثُه مَقامَه، فما أقَرَّ به لَزمَه وحكَمَ به القاضي، ثمَّ إنْ ثبَتَ عندهُ أزيَدُ مِنْ ذلكَ حكَمَ به أيضًا.
ولو قالَ: «وَقَفتُ هذه الأرضَ أو هذهِ الأرضَ» وبيَّنَ وجْهَ الصَّرفِ كانَ باطِلًا؛ لمَكانِ الجَهالةِ.
ولو قالَ: «جَعَلتُ نَصيبي مِنْ هذه الدارِ وَقفًا وهو ثُلثُ جَميعِ الدارِ» فإذا هِي النِّصفُ كانَ النِّصفُ كلُّه وَقفًا (١).
وأمَّا المالِكيةُ فقالَ الدَّرديرُ ﵀: وصَحَّ وَقفُ مَملوكٍ ولو بالتَّعليقِ، كَ: «إنْ مَلَكتُ دارَ فُلانٍ فهيَ وَقفٌ».
قالَ الدُّسوقِيُّ ﵀: قَولُه: (ك: إنْ مَلَكتُ … إلخ) وانظُر، هل لا بُدَّ في التَّعليقِ مِنْ تَعيينِ المُعلَّقِ فيهِ كما ذكَرَه الشَّارحُ؟ أو يَدخلُ فيهِ ما يَقعُ لبَعضِ الواقِفينَ أنه يَقولُ في كِتابِ وَقفِه: «وكلُّ ما تَجدَّدَ لي مِنْ عَقارٍ أو غَيرِه ودخَلَ في مِلكِي فهو مُلحَقٌ بوَقفي»؟ هذا ما حرَّرَه. اه
وأقولُ: المَأخوذُ مِنْ كلام الرَّصَّاعِ في «شَرْح الحُدودِ» أنه إذا عَمَّ التَّعليقُ فإنَّ الوَقفَ لا يَلزمُ للتَّحجيرِ كالطَّلاقِ، فقَولُ المُصنِّفِ (مَملوك) أي: تَحقيقًا أو تَقديرًا كما في التَّعليقِ، إلا أنْ يَعُمَّ، ك: «كُلِّ ما أملِكُه في المُستقبَلِ وَقفٌ» (٢).
стр. 6854
ب- أنْ يَكونَ المَوقوفُ ممَّا يُنتفَعُ به مع بَقاءِ عَينِه:
اشتَرطَ عامَّةُ الفُقهاءِ في المَوقوفِ أنْ يَكونَ مِمَّا يُنتفعُ به مع بَقاءِ عَينِه، فلا يَصِحُّ وَقفُ الطَّعامِ ولا الدَّراهمِ والدَّنانيرِ.
وبَيانُه في مَسألتَينِ:
المَسألةُ الأُولى: وَقفُ الطَّعامِ والشَّرابِ والرَّياحينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ وَقفِ الطَّعامِ والشَّرابِ والرَّياحينِ وما لا يُنتفعُ به إلا بذَهابِ عَينِه، هل يَصحُّ أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ في المَوقوفِ أنْ يَكونَ ممَّا يُنتفعُ به مع بَقاءِ عَينِه، فلا يَصحُّ وَقفُ ما يُستهلكُ كالطَّعامِ والشَّرابِ إلا الماءَ؛ لأنَّ مَنفعتَه في استِهلاكِه، وشَأنُ الوَقفِ بَقاءُ العينِ؛ لأنَّ الوَقفَ تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ الثَّمرةِ، وما لا يُنتفعُ به إلا بالإتلافِ لا يَصحُّ فيهِ ذلكَ (١).
قالَ الحَنفيةُ: وَقفُ ما لا يُنتفعُ به إلَّا بالإتلافِ كالمَأكولِ والمَشروبِ غَيرُ جائِزٍ.
стр. 6855
قالوا: ولو وقَفَ بَقرةً على أنَّ ما يَخرجُ مِنْ لَبنِها وسَمنِها يُعطَى لأبناءِ السَّبيلِ، قالَ محمد: إنْ كانَ ذلكَ في مَوضعٍ غلَبَ ذلكَ في أوقافِهِم رَجَوتُ أنْ يَكونَ ذلكَ جائزًا.
وعنِ الأنصارِيِّ -وكانَ مِنْ أصحابِ زُفرَ- فيمَن وقَفَ الطَّعامَ أو ما يُكالُ أو يُوزَنُ أيجوزُ؟ قالَ: نعم، قيلَ: وكيفَ؟ قالَ: ما يُكالُ وما يُوزَنُ يُباعُ ويُدفعُ ثَمنُهُ مُضارَبةً أو بِضاعةً، قالَ: فعَلى هذا القِياسِ إذا وقَفَ هذا الكُرَّ مِنْ الحِنطةِ على شَرطِ أنْ يُقرَضَ للفُقراءِ الذينَ لا بَذرَ لهُم ليَزرَعوهُ لأنفُسِهِم ثمَّ يُؤخَذُ مِنهم بعد الإدراكِ قَدرُ القَرضِ ثمَّ يُقرَضُ لغَيرهِم مِنْ الفُقراءِ أبَدًا على هذا السَّبيلِ يَجبُ أنْ يَكونَ جائزًا (١).
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: وبهذا ظهَرَ صِحَّةُ ما ذكَرَه المُصنِّفُ مِنْ إِلحاقِها بالمَنقولِ المُتعارَفِ على قَولِ مُحمدٍ المُفتَى به، وإنَّما خصُّوها بالنَّقلِ عن زُفرَ لأنها لم تَكنْ مُتعارَفةً إذْ ذاكَ، ولأنه هو الذي قالَ بها ابتِداءً، قالَ في «النَّهْر»: ومُقتَضى ما مَرَّ عن مُحمدٍ عَدمُ جَوازِ ذلكَ -أي وَقفِ الحِنطةِ في الأقطارِ المِصريةِ-؛ لعَدمِ تَعارُفِه بالكُلِّيةِ …
ثُمَّ قالَ: مَطلَبٌ في التَّعاملِ والعُرفِ:
(قَولُه: لأنَّ التَّعاملَ يُتركُ به القِياسُ)؛ فإنَّ القِياسَ عَدمُ صِحةِ وَقفِ المَنقولِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ الوَقفِ التأبيدَ، والمَنقولُ لا يَدومُ، والتعاملُ كما في
стр. 6856
«البَحر» عن «التَّحرِير» هو الأكثَرُ استِعمالًا، وفي «شَرح البِيريِّ» عن «المَبسوط» أنَّ الثَّابتَ بالعُرفِ كالثابتِ بالنصِّ. اه، وتَمامُ تَحقيقِ ذلكَ في رسَالتِنا المُسمَّاةِ: «نَشرُ العُرفِ في بِناءِ بَعضِ الأحكامِ على العُرفِ»، وظاهِرُ ما مَرَّ في مَسألةِ البَقرَةِ اعتِبارُ العُرفِ الحادِثِ، فلا يَلزمُ كَونُه مِنْ عَهدِ الصَّحابةِ، وكذا هو ظاهرُ ما قَدَّمناهُ آنِفًا مِنْ زِيادةِ بَعضِ المَشايخِ أشياءَ جَرَى التَّعاملُ فيها، وعلى هذا فالظَّاهرُ اعتِبارُ العُرفِ في المَوضعِ أو زَمانِ الذِي اشتُهرَ فيه دونَ غَيرِه، فوَقفُ الدَّراهمِ مُتعارَفٌ في بلادِ الرُّومِ دونَ بِلادِنا، وَقفُ الفَأسِ والقَدُومِ كانَ مُتعارَفًا في زَمنِ المُتقدِّمينَ ولم نَسمعْ به في زَمانِنا، فالظاهرُ أنه لا يَصحُّ الآنَ، ولَئِنْ وُجدَ نادرًا لا يُعتبَرُ؛ لِما عَلِمْت مِنْ أنَّ التَّعاملَ هو الأكثرُ استِعمالًا، فتأمَّلْ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لا يَصحُّ وَقفُ ما لا يَدومُ الانتفاعُ به كالمَطعومِ والرَّياحينِ المَشمومةِ؛ لسُرعةِ فَسادِها، ولأنَّ نَفْعَه في إهلاكِه، وأمَّا الرَّيحانُ المَزروعُ فيَصحُّ وَقفُهُ للشَّمِّ؛ لأنه يَبقَى مدَّةً وفيه نَفعٌ آخَرُ وهو التَّنزهُ.
وقالَ الخَوارِزميُّ وابنُ الصَّلاحِ: يَصحُّ وَقفُ المَشمومِ الدَّائِمِ نَفعُه كالمِسكِ والعَنبَرِ والعُودِ، ويُطلَقُ الرَّيحانُ على كُلِّ نَبتٍ رَطبٍ غَضٍّ طَيِّبِ الرِّيحِ، فيَدخلُ الوَردُ لِريحِه (٢).
стр. 6857
قالَ الحَنابلةُ: لا يَصحُّ وَقفُ مَطعومٍ ومَشروبٍ غيرِ الماءِ، ولا وَقفُ دُهنٍ وشَمعٍ؛ لأنَّ ما لا يُنتفعُ به إلا بإتلافِه لا يَصِحُّ وَقفُه؛ لأنه يُرادُ للدَّوامِ؛ ليَكونَ صَدقةً جارِيةً، ولا يُوجَدُ ذلكَ فيما لا تَبقى عَينُه، لأنَّ الوَقفَ تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ الثَّمرةِ، وما لا يُنتفعُ به إلَّا بالإتلافِ لا يَصحُّ فيهِ ذلكَ.
أمَّا الماءُ فيَصحُّ وَقفُه.
قالَ المِرداويُّ ﵀: قَولُه: (والمَطعومُ والرَّياحِينُ) يَعني: لا يَصحُّ وَقفُها، وهو صَحيحٌ، وهو المَذهبُ وعليه الأصحابُ.
وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀: لو تَصدَّقَ بدُهنٍ على مَسجدٍ ليُوقدَ فيهِ جازَ، وهو مِنْ بابِ الوَقفِ، وتَسميتُه وَقفًا بمعنَى أنه وَقفٌ على تِلكَ الجِهةِ لا يُنتفعُ به في غَيرِها لا تَأباهُ اللُّغةُ، وهو جارٍ في الشَّرعِ.
وقالَ أيضًا: يَصحُّ وَقفُ الرَّيحانِ ليَشمَّه أهلُ المَسجدِ، قالَ: وطيبُ الكَعبةِ حُكمُه حُكمُ كِسوَتِها، فعُلِمَ أنَّ التَّطيبَ مَنفعةٌ مَقصودَةٌ، لِكنْ قد تَطولُ مُدةُ التطيُّبِ وقد تَقصرُ ولا أثَرَ لذلكَ.
قالَ الحارِثيُّ: وما يَبقَى أثَرُه مِنْ الطِّيبِ كالنِّدِّ (١) والصَّندَلِ (٢) وقِطَعِ الكافورِ لشَمِّ المَريضِ وغَيرِه فيَصحُّ وَقفُه على ذلكَ؛ لبَقائِه مع الانتفاعِ، وقد صحَّتْ إجارتُه لذلكَ، فصَحَّ وَقفُهُ. انتهى، وهذا ليسَ داخِلًا في
стр. 6858
كَلامِ المُصنِّفِ، والظاهِرُ أنَّ هذا مِنْ المُتفَقِ على صِحتِه؛ لوُجودِ شُروطِ الوَقفِ (١).
وأمَّا المالِكيةُ فالصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ عندَهُم أنه يَجوزُ وَقفُ الطَّعامِ الذي تَطولُ إقامتُه، بأنْ يَستلِفَه مَنْ يَحتاجُ إليهِ ويَرُدَّ مِثلَه، ويَنزلُ رَدُّ بَدلِ ما انتفعَ به بمَنزلةِ دَوامِ العَينِ.
أمَّا الطَّعامُ الذي لا تَطولُ إقامتُه بأنْ يَفسدَ بتَأخيرِه فلا يَجوزُ اتِّفاقًا (٢).
المَسألةُ الثَّانيةُ: وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانِيرِ:
قَسَّمَ الفُقهاءُ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ إلى قِسمَينِ:
القِسمُ الأوَّلُ: وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانِيرِ للقَرضِ والانتفاعِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانير للقَرضِ والانتفاعِ بها ثمَّ استِردادِ بَدلِها، هل يَجوزُ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ -ما عَدا زُفرَ- وابنُ شاسٍ وابنُ الحاجِبِ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةِ في أحَدِ الوَجهينِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَصحُّ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ يُنتفَعُ بها في القَرضِ؛ لأنَّ الوَقفَ تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ
стр. 6859
المَنفعةِ، وما لا يُنتفعُ به إلا بالإتلافِ لا يَصحُّ فيهِ ذلكَ؛ لأنها تُستهلَكُ عَينُها، فتَخرجُ عن أنْ تَكونَ مَوقوفةً، فيُزكِّيهِ رَبُّه -أي النَّقد-؛ لبَقاءِ مِلكِه عليه (١).
قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: وأمَّا وَقفُ ما لا يُنتفَعُ به إلا بالإتلافِ كالذَّهبِ والفِضةِ والمَأكولِ والمَشروبِ فغَيرُ جائِزٍ في قَولِ عامَّةِ الفُقهاءِ، والمُرادُ بالذَّهبِ والفضَّةِ الدَّراهِمُ والدَّنانيرُ وما ليسَ بحُليٍّ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: ولا يَصحُّ وَقفُ ما لا يُنتفَعُ به مع بَقائِه دائِمًا كالأثمانِ ولو لتَحلٍّ ووَزنٍ كقِنديلٍ مِنْ نَقدٍ على مَسجدٍ ونَحوِه كحَلقةِ فضَّةٍ تُجعَلُ في بابِه.
стр. 6860
وكوَقفِ دَراهمَ ودَنانيرَ ليُنتفَعُ باقتِراضِها؛ لأنَّ الوَقفَ تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ المَنفعةِ، وما لا يُنتفعُ به إلا بإتلافِه لا يَصحُّ فيهِ ذلكَ، فيُزكِّي النَّقْدَ رَبُّه؛ لبَقاءِ مِلكِه عليه، إلا إذا وقَفَ الأثمانَ تَبعًا كفَرسٍ وُقِفَ في سَبيلِ اللهِ بلِجامٍ وسَرجٍ مُفضَّضَينِ، فيَصحُّ الوَقفُ في الكُلِّ، فإنْ بِيعَتِ الفِضةُ مِنْ السَّرجِ واللَّجامِ وجُعلَ ثَمنُه في وَقفٍ مِثلِه فحَسنٌ؛ لأنَّ الفِضةَ لا يُنتفعُ بها، أشبَهَ الفرَسَ الحَبيسَ إذا عَطبَ، ولا تُصرَفُ في نَفقةِ الفَرسِ نَصًّا؛ لأنه صَرفٌ لها إلى غيرِ جِهَتِها، وفي «الإقْنَاع» تَبعًا ل «الاختِيارات» تُصرَفُ في نَفقتِه، وكذا لو وقَفَ حُليًّا وأطلَقَ لم يَصحَّ (١).
قالَ أحمَدُ ﵀: لا أَعرِفُ الوَقفَ في المالِ، إنَّما الوَقفُ في الدُّورِ والأرَضينَ على ما وقَفَ أصحابُ النبيِّ ﷺ ، قالَ: ولا أَعرِفُ وَقفَ المالِ البَتَّةَ (٢).
وذهَبَ زُفَرُ مِنْ الحَنفيةِ -وبهِ أَفتَى عامَّةُ الحَنفيةُ- والمالِكيةُ في المُعتمَدِ والشافِعيةُ في الوَجهِ الثَّاني والحَنابلةُ في قَولٍ -وهو اختِيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ- إلى جَوازِ وَقفِ الدَّراهِمِ والدَّنانيرِ للقَرضِ يُنتفعُ بها ويُردُّ بَدلُها، أو يُضارَبُ بها ويُتصدَّقُ برِبحِها في الوَجهِ الذي وُقِفَ عليه.
стр. 6861
فعَن الأنصارِيِّ -وكانَ مِنْ أصحابِ زُفرَ- فيمَن وقَفَ الدَّراهِمَ أو الطَّعامَ أو ما يُكالُ أو ما يُوزنُ أيَجوزُ ذلكَ؟ قالَ: نعم، قيلَ: وكيفَ؟ قالَ: يَدفعُ الدَّراهِمَ مُضارَبةً ثمَّ يَتصدَّقُ بفَضلِها في الوَجهِ الذي وُقِفَ عليه (١).
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: مَطلبٌ في وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ:
قَولُه: (بَلْ ودَراهِمُ ودَنانيرُ) عَزاهُ في «الخُلاصَة» إلى الأنصارِيِّ -وكانَ مِنْ أصحابِ زُفرَ-، وعَزاهُ في «الخانِيَّة» إلى زُفرَ حيثُ قالَ: وعَن زُفرَ «شَرنَبلاليَّة».
وقالَ المُصنِّفُ في «المِنَح»: ولمَّا جَرَى التَّعاملُ في زَمانِنا في البلادِ الرُّوميةِ وغَيرِها في وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ دَخَلتْ تحتَ قَولِ مُحمدٍ المُفتَى به في وَقفِ كلِّ مَنقولٍ فيه تَعاملٌ كما لا يَخفَى، فلا يُحتاجُ على هذا إلى تَخصيصِ القَولِ بجَوازِ وَقفِها بمَذهبِ الإمامِ زُفرَ مِنْ رِوايةِ الأنصارِيِّ، واللهُ تعالَى أعلَمُ، وقد أَفتَى مَولانا صاحِبُ «البَحْر» بجَوازِ وَقفِها ولمْ يَحْكِ خِلافًا. انتهى ما في «المِنَح».
قالَ الرَّمليُّ: لكنْ في إلحاقِها بمَنقولٍ فيه تَعاملٌ نَظرٌ؛ إذْ هي ممَّا يُنتفعُ بها مع بَقاءِ عَينِها على مِلكِ الواقفِ، وإفتاءُ صَاحبِ «البَحر» بجَوازِ وَقفِها بلا حِكايةِ خِلافٍ لا يَدلُّ على أنه داخلٌ تحتَ قَولِ مُحمدٍ المُفتَى به في وَقفِ مَنقولٍ فيه تَعاملٌ؛ لاحتِمالِ أنه اختارَ قَولَ زُفرَ وأفتَى به، وما استَدلَّ به
стр. 6862
في «المِنَح» مِنْ مَسألةِ البَقرةِ الآتيةِ مَمنوعٌ بما قُلنا؛ إذْ يُنتفعُ بلَبنِها وسَمنِها مع بَقاءِ عَينِها، لكنْ إذا حكَمَ به حاكمٌ ارتَفعَ الخِلافُ. انتهى مُلخَّصًا.
قلتُ (أي ابنُ عابدِينَ): إنَّ الدَّراهمَ لا تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، فهي وإنْ كانَتْ لا يُنتفعُ بها مع بقاءِ عَينِها لكنَّ بدَلَها قائمٌ مَقامَها؛ لعَدمِ تَعيُّنِها، فكأنها باقِيةٌ، ولا شَكَّ في كَونِها مِنْ المَنقولِ، فحيثُ جَرى فيها تَعاملٌ دَخَلتْ فيما أجازَهُ مُحمدٌ، ولهذا لمَّا مثَّلَ مُحمدٌ بأشياءَ جَرى فيها التَّعاملُ في زَمانه قالَ في «الفَتح»: إنَّ بعضَ المَشايخِ زادوا أشياءَ مِنْ المَنقولِ على ما ذكَرَه مُحمدٌ لمَّا رَأَوا جَرَيانَ التَّعاملِ فيها، وذكَرَ منها مَسألةَ البَقرةِ الآتيةَ، ومَسألةَ الدَّراهمِ والمَكيلِ، حيثُ قالَ: فَفي «الخُلاصَة»: وقَفَ بَقرةً على أنَّ ما يَخرجُ مِنْ لَبنِها وسَمنِها يُعطَى لأبناءِ السَّبيلِ، قالَ: إنْ كانَ ذلكَ في مَوضعٍ غلَبَ ذلكَ في أوقافِهِم رَجَوتُ أنْ يَكونَ جائِزًا.
وعن الأنصارِيِّ -وكانَ مِنْ أصحابِ زُفرَ- فيمَن وقَفَ الدَّراهمَ أو ما يُكالُ أو ما يُوزَنُ، أيَجوزُ ذلكَ؟ قالَ: نَعم، قيلَ: وكيفَ؟ قالَ: يَدفعُ الدَّراهِمَ مُضارَبةً ثم يَتصدَّقُ بها في الوَجهِ الذي وقفَ عليه، وما يُكالُ أو يُوزنُ يُباعُ ويُدفعُ ثَمنُه لمُضارَبةٍ أو بضاعةٍ، قالَ: فعَلى هذا القِياسِ إذا وقَفَ كُرًّا مِنْ الحِنطةِ على شَرطِ أنْ يُقرضَ للفُقراءِ الذينَ لا بَذْرَ لهم ليَزرَعوهُ لأنفُسِهم ثم يُؤخَذُ مِنهُم بعدَ الإدراكِ قَدرُ القَرضِ، ثم يُقرَضُ لغَيرِهم مِنْ الفُقراءِ أبدًا، على هذا السَّبيلِ يَجبُ أنْ يَكونَ جائِزًا، قالَ: ومثلُ هذا كثيرٌ في الرَّيِّ وناحِيةِ دُوما ونَدٍّ. اه
стр. 6863
وبهذا ظهَرَ صِحَّةُ ما ذكَرَه المُصنِّفُ مِنْ إلحاقِها بالمَنقولِ المُتعارَفِ على قَولِ مُحمدٍ المُفتَى به، وإنَّما خَصُّوها بالنَّقلِ عن زُفرَ لأنها لم تَكنْ مُتعارَفَةً إذْ ذاكَ، ولأنه هو الذي قالَ بها ابتداءً، قالَ في «النَّهر»: ومُقتضَى ما مَرَّ عن مُحمدٍ عَدمُ جَوازِ ذلكَ -أي وَقفِ الحِنطةِ- في الأقطارِ المِصريةِ؛ لعَدمِ تَعارُفِه بالكلِّيةِ، نعمْ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ تُعُورِفَ في الدِّيارِ الرُّوميةِ. اه
قَولُه: (ومَكيل) مَعطوفٌ على قَولِ المُصنِّفِ: (ودَراهِم)، قَولُه: (ويُدفعُ ثَمنُه مُضارَبةً أو بضاعةً) وكذا يُفعلُ في وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ، وما خرَجَ مِنْ الرِّبحِ يُتصدَّقُ به في جِهةِ الوَقفِ، وهذا هو المُرادُ في قَولِ «الفَتح» عن «الخُلاصَة»: (ثم يُتَصدَّقُ بها)، فهو على تَقديرِ مُضافٍ، أي: برِبحِها، وعِبارةُ «الإسْعَاف»: ثم يُتصدَّقُ بالفَضلِ (١).
وقالَ المالِكيةُ في المَذهبِ: يَجوزُ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ للسَّلفِ، ويَنزلُ رَدُّ بَدلِه مَنزلةَ بَقاءِ عَينِه، وهو نَصُّ «المُدوَّنة»، وأمَّا إنْ وقفَ مع بَقاءِ عَينِه فلا يَجوزُ اتِّفاقًا؛ إذْ لا مَنفعةَ شَرعيةً تَترتَّبُ على ذلكَ.
وفي قَولٍ للمالِكيةِ أنه يُكرَهُ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ (٢).
стр. 6864
وقالَ النَّوويُّ ﵀: وفي وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ وَجهانِ كإجارَتِهما، إنْ جَوَّزناها صَحَّ الوَقفُ لتُكرَى (١).
وقالَ المِرداويُّ ﵀: وقالَ في «الفائِق»: وعنه -أي الإمامِ أحمَدَ- يَصحُّ وَقفُ الدَّراهمِ، فيُنتفعُ بها في القَرضِ ونَحوِه، اختارَهُ شَيخُنا، يَعني به الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ ﵀.
وقالَ في «الاختِيَارات»: ولو وقَفَ الدَّراهمَ على المُحتاجينَ لم يَكنْ جَوازُ هذا بَعيدًا (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: قد نَصَّ أحمَدُ على أبلَغَ مِنْ ذلكَ، وهو وَقفُ ما لا يُنتفعُ به إلَّا مع إبدالِ عَينِه، فقالَ أبو بَكرٍ عَبدُ العَزيزِ في «الشَّافي»: نقَلَ المَيمونِيُّ عن أحمَدَ أنَّ الدَّراهمَ إذا كانَتْ مَوقوفةً على أهلِ بَيتِه فَفيها الصَّدقةُ، وإذا كانَتْ على المَساكينِ فليسَ فيها صَدقةٌ، قلتُ: رَجلٌ وقَفَ ألفَ دِرهمٍ في السَّبيلِ؟ قالَ: إنْ كانَتْ للمَساكينِ فليسَ فيها شَيءٌ، قلتُ: فإنْ وقَفَها في الكُراعِ والسِّلاحِ؟ قالَ: هذه مَسألةُ لُبسٍ واشتِباهٍ، قالَ أبو البَركاتِ: وظاهِرُ هذا جَوازُ وَقفِ الأثمانِ لغَرضِ القَرضِ أو التَّنميةِ والتَّصدُّقِ بالرِّبحِ، كما قد حَكَيْنا عن مالكٍ والأنصارِيِّ، قالَ: ومَذهبُ مالِكٍ صِحةُ وَقفِ الأثمانِ للقَرضِ، ذكَرَه صاحِبُ «التَّهذيب» وغَيرُه في الزَّكاةِ، وأوجَبُوا فيها الزَّكاةَ كقَولِهم في الماشِيةِ المَوقوفةِ على الفُقراءِ، وقالَ
стр. 6865
مُحمدُ بنُ عَبدِ اللهِ الأنصاريُّ: يَجوزُ وَقفُ الدَّنانيرِ؛ لأنه لا يُنتفعُ بها بلا استِهلاكِ عَينِها، وتُدفعُ مُضارَبةً ويُصرَفُ رِبحُها في مَصرِفِ الوَقفِ، ومَعلومٌ أنَّ القَرضَ والقِراضَ يُذهِبُ عيْنَه ويَقومُ بَدلُه مَقامَه، وجَعلُ المُبدَلِ به قائِمًا مَقامَه لمَصلحةِ الوَقفِ وإنْ لم تَكنِ الحاجةُ ضَرورةَ الوَقفِ لذلكَ، وهذه المَسألةُ فيها نِزاعٌ في مَذهبِه، فكَثيرٌ مِنْ أصحابِه مَنَعوا وقْفَ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ؛ لِما ذكَرَه الخِرَقيُّ ومَن اتَّبعَه، ولمْ يَذكُروا عن أحمدَ نَصًّا بذلكَ، ولم يَنقلْه القاضي وغيرُه إلَّا عن الخِرقيِّ وغَيرِه.
وقد تأوَّلَ القاضي رِوايةَ المَيمونِيِّ فقالَ: ولا يَصحُّ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ على ما نقَلَ الخِرقيُّ، قالَ: قالَ أحمَدُ في رِوايةِ المَيمونِيِّ: إذا وقَفَ ألفَ دِرهمٍ في سَبيلِ اللهِ وللمَساكينِ فلا زَكاةَ فيها، وإنْ وقَفَها في الكُراعِ والسِّلاحِ فهيَ مَسألةُ لُبسٍ، قالَ: ولم يُرِدْ بهذا وقْفَ الدَّراهمِ، وإنَّما أرادَ إذا أَوصَى بألفٍ تُنفَقُ على أفراسٍ في سَبيلِ اللهِ، فتَوقَّفَ في صِحةِ هذه الوَصيةِ، قالَ أبو بَكرٍ: لأنَّ نَفقةَ الكُراعِ والسِّلاحِ على مَنْ وقَفَه، فكأنهُ اشتَبهَ عليه إلى أينَ تُصرفُ هذه الدَّراهمُ إذا كانَ نَفقةُ الكُراعِ والسِّلاحِ على أصحابِه.
والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ المَسألةَ صَريحةٌ في أنه وقَفَ الألفَ ولم يُوصِ بها بعد مَوتِه؛ لأنه لو وَصَّى أنْ تُنفَقَ على خَيلٍ وقَفَها غيرُه جازَ ذلكَ بلا نِزاعٍ، كما لو وَصَّى بما يُنفَقُ على مَسجدٍ بَناهُ غيرُه (١).