← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.

стр. 6861

فعَن الأنصارِيِّ -وكانَ مِنْ أصحابِ زُفرَ- فيمَن وقَفَ الدَّراهِمَ أو الطَّعامَ أو ما يُكالُ أو ما يُوزنُ أيَجوزُ ذلكَ؟ قالَ: نعم، قيلَ: وكيفَ؟ قالَ: يَدفعُ الدَّراهِمَ مُضارَبةً ثمَّ يَتصدَّقُ بفَضلِها في الوَجهِ الذي وُقِفَ عليه (١). قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: مَطلبٌ في وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ: قَولُه: (بَلْ ودَراهِمُ ودَنانيرُ) عَزاهُ في «الخُلاصَة» إلى الأنصارِيِّ -وكانَ مِنْ أصحابِ زُفرَ-، وعَزاهُ في «الخانِيَّة» إلى زُفرَ حيثُ قالَ: وعَن زُفرَ «شَرنَبلاليَّة». وقالَ المُصنِّفُ في «المِنَح»: ولمَّا جَرَى التَّعاملُ في زَمانِنا في البلادِ الرُّوميةِ وغَيرِها في وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ دَخَلتْ تحتَ قَولِ مُحمدٍ المُفتَى به في وَقفِ كلِّ مَنقولٍ فيه تَعاملٌ كما لا يَخفَى، فلا يُحتاجُ على هذا إلى تَخصيصِ القَولِ بجَوازِ وَقفِها بمَذهبِ الإمامِ زُفرَ مِنْ رِوايةِ الأنصارِيِّ، واللهُ تعالَى أعلَمُ، وقد أَفتَى مَولانا صاحِبُ «البَحْر» بجَوازِ وَقفِها ولمْ يَحْكِ خِلافًا. انتهى ما في «المِنَح». قالَ الرَّمليُّ: لكنْ في إلحاقِها بمَنقولٍ فيه تَعاملٌ نَظرٌ؛ إذْ هي ممَّا يُنتفعُ بها مع بَقاءِ عَينِها على مِلكِ الواقفِ، وإفتاءُ صَاحبِ «البَحر» بجَوازِ وَقفِها بلا حِكايةِ خِلافٍ لا يَدلُّ على أنه داخلٌ تحتَ قَولِ مُحمدٍ المُفتَى به في وَقفِ مَنقولٍ فيه تَعاملٌ؛ لاحتِمالِ أنه اختارَ قَولَ زُفرَ وأفتَى به، وما استَدلَّ به

стр. 6862

في «المِنَح» مِنْ مَسألةِ البَقرةِ الآتيةِ مَمنوعٌ بما قُلنا؛ إذْ يُنتفعُ بلَبنِها وسَمنِها مع بَقاءِ عَينِها، لكنْ إذا حكَمَ به حاكمٌ ارتَفعَ الخِلافُ. انتهى مُلخَّصًا. قلتُ (أي ابنُ عابدِينَ): إنَّ الدَّراهمَ لا تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، فهي وإنْ كانَتْ لا يُنتفعُ بها مع بقاءِ عَينِها لكنَّ بدَلَها قائمٌ مَقامَها؛ لعَدمِ تَعيُّنِها، فكأنها باقِيةٌ، ولا شَكَّ في كَونِها مِنْ المَنقولِ، فحيثُ جَرى فيها تَعاملٌ دَخَلتْ فيما أجازَهُ مُحمدٌ، ولهذا لمَّا مثَّلَ مُحمدٌ بأشياءَ جَرى فيها التَّعاملُ في زَمانه قالَ في «الفَتح»: إنَّ بعضَ المَشايخِ زادوا أشياءَ مِنْ المَنقولِ على ما ذكَرَه مُحمدٌ لمَّا رَأَوا جَرَيانَ التَّعاملِ فيها، وذكَرَ منها مَسألةَ البَقرةِ الآتيةَ، ومَسألةَ الدَّراهمِ والمَكيلِ، حيثُ قالَ: فَفي «الخُلاصَة»: وقَفَ بَقرةً على أنَّ ما يَخرجُ مِنْ لَبنِها وسَمنِها يُعطَى لأبناءِ السَّبيلِ، قالَ: إنْ كانَ ذلكَ في مَوضعٍ غلَبَ ذلكَ في أوقافِهِم رَجَوتُ أنْ يَكونَ جائِزًا. وعن الأنصارِيِّ -وكانَ مِنْ أصحابِ زُفرَ- فيمَن وقَفَ الدَّراهمَ أو ما يُكالُ أو ما يُوزَنُ، أيَجوزُ ذلكَ؟ قالَ: نَعم، قيلَ: وكيفَ؟ قالَ: يَدفعُ الدَّراهِمَ مُضارَبةً ثم يَتصدَّقُ بها في الوَجهِ الذي وقفَ عليه، وما يُكالُ أو يُوزنُ يُباعُ ويُدفعُ ثَمنُه لمُضارَبةٍ أو بضاعةٍ، قالَ: فعَلى هذا القِياسِ إذا وقَفَ كُرًّا مِنْ الحِنطةِ على شَرطِ أنْ يُقرضَ للفُقراءِ الذينَ لا بَذْرَ لهم ليَزرَعوهُ لأنفُسِهم ثم يُؤخَذُ مِنهُم بعدَ الإدراكِ قَدرُ القَرضِ، ثم يُقرَضُ لغَيرِهم مِنْ الفُقراءِ أبدًا، على هذا السَّبيلِ يَجبُ أنْ يَكونَ جائِزًا، قالَ: ومثلُ هذا كثيرٌ في الرَّيِّ وناحِيةِ دُوما ونَدٍّ. اه

стр. 6863

وبهذا ظهَرَ صِحَّةُ ما ذكَرَه المُصنِّفُ مِنْ إلحاقِها بالمَنقولِ المُتعارَفِ على قَولِ مُحمدٍ المُفتَى به، وإنَّما خَصُّوها بالنَّقلِ عن زُفرَ لأنها لم تَكنْ مُتعارَفَةً إذْ ذاكَ، ولأنه هو الذي قالَ بها ابتداءً، قالَ في «النَّهر»: ومُقتضَى ما مَرَّ عن مُحمدٍ عَدمُ جَوازِ ذلكَ -أي وَقفِ الحِنطةِ- في الأقطارِ المِصريةِ؛ لعَدمِ تَعارُفِه بالكلِّيةِ، نعمْ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ تُعُورِفَ في الدِّيارِ الرُّوميةِ. اه قَولُه: (ومَكيل) مَعطوفٌ على قَولِ المُصنِّفِ: (ودَراهِم)، قَولُه: (ويُدفعُ ثَمنُه مُضارَبةً أو بضاعةً) وكذا يُفعلُ في وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ، وما خرَجَ مِنْ الرِّبحِ يُتصدَّقُ به في جِهةِ الوَقفِ، وهذا هو المُرادُ في قَولِ «الفَتح» عن «الخُلاصَة»: (ثم يُتَصدَّقُ بها)، فهو على تَقديرِ مُضافٍ، أي: برِبحِها، وعِبارةُ «الإسْعَاف»: ثم يُتصدَّقُ بالفَضلِ (١). وقالَ المالِكيةُ في المَذهبِ: يَجوزُ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ للسَّلفِ، ويَنزلُ رَدُّ بَدلِه مَنزلةَ بَقاءِ عَينِه، وهو نَصُّ «المُدوَّنة»، وأمَّا إنْ وقفَ مع بَقاءِ عَينِه فلا يَجوزُ اتِّفاقًا؛ إذْ لا مَنفعةَ شَرعيةً تَترتَّبُ على ذلكَ. وفي قَولٍ للمالِكيةِ أنه يُكرَهُ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ (٢).

стр. 6864

وقالَ النَّوويُّ ﵀: وفي وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ وَجهانِ كإجارَتِهما، إنْ جَوَّزناها صَحَّ الوَقفُ لتُكرَى (١). وقالَ المِرداويُّ ﵀: وقالَ في «الفائِق»: وعنه -أي الإمامِ أحمَدَ- يَصحُّ وَقفُ الدَّراهمِ، فيُنتفعُ بها في القَرضِ ونَحوِه، اختارَهُ شَيخُنا، يَعني به الشَّيخَ تَقيَّ الدِّينِ ﵀. وقالَ في «الاختِيَارات»: ولو وقَفَ الدَّراهمَ على المُحتاجينَ لم يَكنْ جَوازُ هذا بَعيدًا (٢). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: قد نَصَّ أحمَدُ على أبلَغَ مِنْ ذلكَ، وهو وَقفُ ما لا يُنتفعُ به إلَّا مع إبدالِ عَينِه، فقالَ أبو بَكرٍ عَبدُ العَزيزِ في «الشَّافي»: نقَلَ المَيمونِيُّ عن أحمَدَ أنَّ الدَّراهمَ إذا كانَتْ مَوقوفةً على أهلِ بَيتِه فَفيها الصَّدقةُ، وإذا كانَتْ على المَساكينِ فليسَ فيها صَدقةٌ، قلتُ: رَجلٌ وقَفَ ألفَ دِرهمٍ في السَّبيلِ؟ قالَ: إنْ كانَتْ للمَساكينِ فليسَ فيها شَيءٌ، قلتُ: فإنْ وقَفَها في الكُراعِ والسِّلاحِ؟ قالَ: هذه مَسألةُ لُبسٍ واشتِباهٍ، قالَ أبو البَركاتِ: وظاهِرُ هذا جَوازُ وَقفِ الأثمانِ لغَرضِ القَرضِ أو التَّنميةِ والتَّصدُّقِ بالرِّبحِ، كما قد حَكَيْنا عن مالكٍ والأنصارِيِّ، قالَ: ومَذهبُ مالِكٍ صِحةُ وَقفِ الأثمانِ للقَرضِ، ذكَرَه صاحِبُ «التَّهذيب» وغَيرُه في الزَّكاةِ، وأوجَبُوا فيها الزَّكاةَ كقَولِهم في الماشِيةِ المَوقوفةِ على الفُقراءِ، وقالَ

стр. 6865

مُحمدُ بنُ عَبدِ اللهِ الأنصاريُّ: يَجوزُ وَقفُ الدَّنانيرِ؛ لأنه لا يُنتفعُ بها بلا استِهلاكِ عَينِها، وتُدفعُ مُضارَبةً ويُصرَفُ رِبحُها في مَصرِفِ الوَقفِ، ومَعلومٌ أنَّ القَرضَ والقِراضَ يُذهِبُ عيْنَه ويَقومُ بَدلُه مَقامَه، وجَعلُ المُبدَلِ به قائِمًا مَقامَه لمَصلحةِ الوَقفِ وإنْ لم تَكنِ الحاجةُ ضَرورةَ الوَقفِ لذلكَ، وهذه المَسألةُ فيها نِزاعٌ في مَذهبِه، فكَثيرٌ مِنْ أصحابِه مَنَعوا وقْفَ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ؛ لِما ذكَرَه الخِرَقيُّ ومَن اتَّبعَه، ولمْ يَذكُروا عن أحمدَ نَصًّا بذلكَ، ولم يَنقلْه القاضي وغيرُه إلَّا عن الخِرقيِّ وغَيرِه. وقد تأوَّلَ القاضي رِوايةَ المَيمونِيِّ فقالَ: ولا يَصحُّ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ على ما نقَلَ الخِرقيُّ، قالَ: قالَ أحمَدُ في رِوايةِ المَيمونِيِّ: إذا وقَفَ ألفَ دِرهمٍ في سَبيلِ اللهِ وللمَساكينِ فلا زَكاةَ فيها، وإنْ وقَفَها في الكُراعِ والسِّلاحِ فهيَ مَسألةُ لُبسٍ، قالَ: ولم يُرِدْ بهذا وقْفَ الدَّراهمِ، وإنَّما أرادَ إذا أَوصَى بألفٍ تُنفَقُ على أفراسٍ في سَبيلِ اللهِ، فتَوقَّفَ في صِحةِ هذه الوَصيةِ، قالَ أبو بَكرٍ: لأنَّ نَفقةَ الكُراعِ والسِّلاحِ على مَنْ وقَفَه، فكأنهُ اشتَبهَ عليه إلى أينَ تُصرفُ هذه الدَّراهمُ إذا كانَ نَفقةُ الكُراعِ والسِّلاحِ على أصحابِه. والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ المَسألةَ صَريحةٌ في أنه وقَفَ الألفَ ولم يُوصِ بها بعد مَوتِه؛ لأنه لو وَصَّى أنْ تُنفَقَ على خَيلٍ وقَفَها غيرُه جازَ ذلكَ بلا نِزاعٍ، كما لو وَصَّى بما يُنفَقُ على مَسجدٍ بَناهُ غيرُه (١).

стр. 6866

المَسألةُ الثانِيةُ: وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ للزِّينةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ لِلزِّينةِ: فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ المَنصوصِ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَجوزُ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ للزِّينةِ ويَكونُ الوَقفُ باطِلًا. قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: إذا وقَفَ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ مع بَقاءِ عَينِها -كما لو وقَفَ لأجلِ تَزيينِ الحَوانيتِ- فإنه يُمنعُ اتِّفاقًا، ويَكونُ الوَقفُ باطِلًا (١). وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: وأمَّا وَقفُ ما لا يُنتفعُ به إلا بالإتلافِ كالذَّهبِ والفِضةِ والمَأكولِ والمَشروبِ فغَيرُ جائِزٍ في قَولِ عامَّةِ الفُقهاءِ، والمُرادُ بالذَّهبِ والفِضةِ الدَّراهمُ والدَّنانيرُ وما ليسَ بحُليٍّ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ عندَهُما إلى أنه يَصحُّ وَقفُ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ للزِّينةِ؛ قياسًا على الإجارةِ (٣).

стр. 6867

وَقفُ الحُليِّ للزِّينةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ وَقفِ الحُلِيِّ للتَّزيينِ: فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى صِحةِ وَقفِ الحُلِيِّ لغَرضِ اللبْسِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أمَّا الحُليُّ فيَصحُّ وَقفُه لِلبْسِ والعارِيةِ؛ لِما رَوى نافعٌ قالَ: «ابتاعَتْ حَفصةُ حُليًّا بعِشرينَ ألفًا فحَبسَتْه على نِساءِ آلِ الخطَّابِ، فكانَتْ لا تُخرِجُ زَكاتَه» رَواهُ الخلَّالُ بإسنادِه، ولأنه عَينٌ يُمكِنُ الانتفاعُ بها مع بَقائِها دائِمًا، فصَحَّ وَقفُها كالعَقارِ؛ لأنه يَصحُّ تَحبيسُ أصلِها وتَسبيلُ الثَّمرةِ، فصَحَّ وَقفُها كالعَقارِ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ. وقد رُويَ عن أحمَدَ أنه لا يَصحُّ وَقفُها، وأنكَرَ الحَديثَ عن حَفصةَ في وَقفِه، وذكَرَه ابنُ أبي مُوسى، إلا أنَّ القاضيَ تَأوَّلَه على أنه لا يَصحُّ الحَديثُ فيهِ، ووَجهُ هذه الرِّوايةِ أنَّ التَّحليَ ليسَ هو المَقصودَ الأصليَّ مِنْ الأثمانِ، فلمْ يَصحَّ وَقفُها عليه، كما لو وقَفَ الدَّنانيرَ والدَّراهمَ، والأولُ هو المَذهبُ؛ لِما ذكَرْناهُ، والتحلِّي مِنْ المَقاصدِ المُهمةِ والعادةُ جارِيةٌ به، وقد اعتَبَرهُ الشَّرعُ في إسقاطِ الزَّكاةِ عن مُتَّخِذِه وجوَّزَ إجارَتَه لذلكَ، ويُفارِقُ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ؛ فإنَّ العادَةَ لم تَجْرِ بالتحلِّي به ولا اعتبَرَهُ الشَّرعُ في إسقاطِ زَكاتِه ولا ضَمانِ نَفعِه في الغَصبِ، بخِلافِ مَسألتِنا (١).

стр. 6868

وقالَ الزَّركَشيُّ ﵀: ويَصحُّ وَقفُ الحُليِّ عندَ العامَّةِ؛ لأنه مِنْ المَقاصِدِ المُهمةِ (١). قالَ الحَنابلةُ: لو أطلَقَ وقْفَ الحُليِّ ولم يُعيِّنْه للبْسٍ أو عارِيةٍ لم يَصحَّ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنه لا يُنتفعُ به في غيرِ ذلكَ إلَّا باستِهلاكِه. قالَ المَرداويُّ ﵀: لو قِيلَ بالصِّحةِ ويُصرَفُ إلى اللبْسِ والعارِيةِ لَكانَ مُتجِهًا، وله نَظائرُ (٢). وقالَ الشافِعيةُ ﵀: يَصحُّ وَقفُ الحُليِّ لغَرضِ اللبسِ؛ لجَوازِ إجارَتِه وإمكانِ الانتفاعِ به مع بَقاءِ عَينِه (٣). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى عَدمِ صِحةِ وَقفِ الحُليِّ للبسِ، كما هو واضِحٌ مِنْ كلامِهمُ السَّابقِ في حُكمِ وَقفِ الدَّراهمِ والدَّنانيرِ (٤). قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وَقفُ الحِليَةِ صَحيحٌ، وهو قَولُ الخِرقيِّ والقاضي وغَيرِهما، والقاضي يَجعلُ المَذهبَ قَولًا واحِدًا في صِحةِ وَقفِه.

стр. 6869

وأمَّا أبو الخطَّابِ وغَيرُه فيَجعلونَ في المَسألةِ خِلافًا، بل ويَذكُرونَ النُّصوصَ أنه لا يَصحُّ بحَسبِ ما بلَغَهُم مِنْ نَصِّه، قالَ القاضي: فإنْ وقَفَ الحُليَّ على الإعارَةِ واللبسِ فقالَ في رِوايةِ الأثرَمِ وحَنبلٍ: لا يَصحُّ، وأنكَرَ الحَديثَ الذي يُروَى عن أمِّ سَلمةَ في وَقفِه، قالَ القاضي: وظاهِرُ ما نقَلَه الخِرقيُّ جَوازُ وَقفِه؛ لأنه يُمكِنُ الانتفاعُ به مع بَقاءِ عَينِه، وقَولُه: «لا يَصحُّ» يَعني: لا يَصحُّ الحَديثُ فيهِ، ولم يَقصدْ لا يَصحُّ الوَقفُ فيهِ، وقالَ أبو الخطَّابِ: وأمَّا وَقفُ الحُليِّ على الإعارةِ واللبْسِ فجائزٌ على ظاهِرُ ما نقَلَه الخِرقيُّ، ونقَلَ عنه الأثرمُ وحَنبلٌ أنه لا يَصحُّ (١). ج- ألَّا يَتعلَّقَ بالعَينِ المَوقوفةِ حقُّ الغَيرِ: اشتَرطَ جُمهورُ الفُقهاءِ لصِحةِ الوَقفِ عدَمَ تَعلُّقِ حقِّ الغَيرِ به، كأنْ تَكونَ العَينُ مَرهونةً أو مُؤجَّرةً. أوَّلًا: وَقفُ العَينِ المَرهونةِ: ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى صِحةِ وَقفِ العينِ المَرهونةِ، وتَعودُ العَينُ بعد افتِكاكِها مِنْ الرَّهنِ إلى المَوقوفِ عليهِم؛ لأنَّ حقَّ اللهِ تعالَى لا يَصحُّ إسقاطُه بعدَ ثُبوتِه، فصارَ كالعِتقِ. قالَ الحَنفيةُ: يَصحُّ وَقفُ المَرهونِ، فإنِ افتكَّه أو ماتَ عن وَفاءٍ صَحَّ الوَقفُ وعادَ إلى الجِهةِ، وإنْ ماتَ عن غَيرِ وَفاءٍ بِيعَ للدَّينِ وبطَلَ الوَقفُ.

стр. 6870

قالَ في «الإسْعَاف»: لو وقَفَ المَرهونُ بعد تَسليمِه صَحَّ، وأجبَرَهُ القاضي على دَفعِ ما عليه إنْ كانَ مُوسِرًا، فإنْ كانَ مُعسِرًا أبطَلَ الوَقفَ وباعَه فيما عليه (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى عَدمِ صِحةِ وَقفِ المَرهونِ؛ لأنه تَصرُّفٌ لا يَسرِي إلى مِلكِ الغَيرِ، فلا يَصحُّ كالبَيعِ والهِبةِ. قالَ الدَّرديرُ ﵀: شَرطُ المَوقوفِ ألَّا يَتعلَّقَ به حقُّ الغَيرِ، فلا يَصحُّ وَقفُ مَرهونٍ ومُؤجَّرٍ وعَبدٍ جانٍ حالَ تَعلُّقِ حقِّ الغَيرِ به. قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: قَولُه: (حالَ تَعلُّقِ حقِّ الغَيرِ به) أي: بأنْ أرادَ الواقفُ وقْفَ ما ذُكِرَ مِنْ الآنَ مع كَونِه مُرتهَنًا أو مُستأجَرًا، وأمَّا لو وقَفَ ما ذُكِرَ قاصِدًا بوَقفِها مِنْ الآنَ أنها بعدَ الخَلاصِ مِنْ الرَّهنِ والإجارةِ تَكونُ وَقفًا صَحَّ ذلكَ؛ إذْ لا يُشترطُ في الوَقفِ التَّنجيزُ (٢). وقالَ الشِّيرازِيُّ ﵀: وإنْ وقَفَ المَرهونَ ففيهِ وَجهانِ: أحَدُهما: أنه كالعِتقِ؛ لأنهُ حقٌّ للهِ تعالَى لا يَصِحُّ إسقاطُه بعدَ ثُبوتِه، فصارَ كالعِتقِ.

стр. 6871

والثَّاني: أنه لا يَصحُّ؛ لأنه تَصرُّفٌ لا يَسري إلى مِلكِ الغَيرِ، فلا يَصحُّ كالبَيعِ والهبةِ (١). وقالَ الرَّافعيُّ ﵀: وفي وَقفِ المَرهونِ طَريقانِ: (أحَدُهما): أنه كالعِتقِ؛ لِما فيه مِنْ الغَررِ والتَّعليقِ الذي لا يَقبَلُ النَّقضَ. (وأظهَرُهما): القَطعُ بالمَنعِ، ويُفارِقُ العِتقَ؛ لِقُوَّةِ العِتقِ بالسِّرايةِ وغيرِها. وقالَ المُتَولِّي: (إنْ قُلنا): «الوَقفُ لا يَحتاجُ إلى القَبولِ» فهو كالعِتقِ، (وإنْ قُلنَا): «يَحتاجُ إليهِ» فيُقطَعُ بالمَنعِ، وهذه طَريقةٌ ثالِثةٌ، واللهُ أعلَمُ (٢). وقالَ النَّوويُّ ﵀: وَقفُ المَرهونِ باطِلٌ على المَذهبِ، وقيلَ على الأقوالِ. وقالَ في «التَّتمَّة»: إنْ قُلْنا: «لا يَحتاجُ إلى القَبولِ» فكالعِتقِ، وإلَّا فباطِلٌ (٣). وقالَ الحَنابلةُ: لا يَصحُّ وَقفُ مَرهونٍ بلا إذنِ راهِنٍ؛ لأنَّ الوَقفَ تَصرُّفٌ بإزالةِ المِلكِ فيما لا يَصحُّ بَيعُه، فإنْ أَذِنَ له صَحَّ تَصرُّفُه؛ لأنَّ منْعَه مِنْ تَصرُّفِه فيهِ لتَعلُّقِ حقِّ المُرتَهِنِ به، وقد أسقَطَه بإذْنِه، وبطَلَ الرَّهنُ؛ لأنَّ هذا التَّصرُّفَ يَمنعُ الرَّهنَ ابتِداءً، فامتَنعَ معَه دَوامًا (٤).

стр. 6872

ثانِيًا: وَقفُ العينِ المُؤجَّرةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في العَينِ المُؤجَّرةِ، هل يَصحُّ وَقفُها أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى صِحةِ وَقفِ العَينِ المُؤجَّرةِ، فإنِ انقَضتْ مدَّةُ الإجارةِ صُرِفتْ إلى جِهةِ الوَقفِ. قالَ الحَنفيةُ: لا يُشترطُ لصِحةِ الوَقفِ عدَمُ تَعلُّقِ حقِّ الغَيرِ به، فلو وقَفَ ما في إجارةِ الغَيرِ صَحَّ، ولا تَبطلُ الإجارةُ، فإذا انقَضَتْ أو ماتَ أحَدُهما صُرِفتْ إلى جِهاتِ الوَقفِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: لو وقَفَ المُؤجِّرُ أرضَهُ التي أجَّرَها أو الوارِثُ المُوصِي بمَنفعتِه مُدَّةً أو المُستأجِرُ لأرضٍ بناءه أو غِراسه الذي بَناهُ أو غرَسَه فيها صَحَّ؛ لأنَّ كُلًّا مِنهُما مَملوكٌ يُمكِنُ الانتفاعُ به في الجُملةِ مع بَقاءِ عَينِه، سَواءٌ أكانَ الوَقفُ في الأخيرةِ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ أم بعدَه (٢). وذهَبَ المالِكيةُ إلى عَدمِ صِحةِ وَقفِ العَينِ المُؤجَّرةِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِ المَوقوفِ عندَهُم ألَّا يَتعلَّقَ به حقُّ الغَيرِ، وهذا إذا أرادَ الواقفُ وقْفَ العَينِ المُؤجَّرةِ مِنْ الآنَ مع كَونِه مُستأجِرًا، وأمَّا لو وقَفَ ما ذُكِرَ قاصِدًا بوَقفِها مِنْ الآنَ أنها بعدَ الخَلاصِ مِنْ الإجارةِ تَكونُ وَقفًا صحَّ ذلكَ؛ إذْ لا يُشترطُ في الوَقفِ التَّنجيزُ (٣). أمَّا الحَنابلةُ فلمْ أَقِفْ لهم على قَولٍ صَريحٍ في وَقفِ العينِ المُؤجَّرةِ.

стр. 6873

د- أنْ يَكونَ المَوقوفُ مِمَّا يَجوزُ بَيعُه: اختَلفَ الفُقهاءُ في المَوقوفِ، هل يُشترطُ أنْ يَكونَ ممَّا يَصحُّ بَيعُه؟ أم يُشترطُ أنْ يَكونَ مَملوكًا للإنسانِ وإنْ لم يَصحَّ بَيعُه؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ -وهو مُقتضَى كَلامِ الحَنفيةِ- إلى أنه يُشترطُ في المَوقوفِ أنْ يَكونَ مِمَّا يَصحُّ بَيعُه، فلا يَصحُّ وَقفُ الكَلبِ غَيرِ المُعلَّمِ والخِنزيرِ وسائِرِ السِّباعِ التي لا تَصلحُ للصَّيدِ وجَوارحِ الطَّيرِ التي لا يُصادُ بها. قالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ في المَوقوفِ أنْ يَكونَ عَينًا مُعيَّنةً مَملوكةً مِلكًا يَقبلُ النَّقلَ، ويَحصلُ منها مَنفعةٌ، فلا يَصحُّ وَقفُ مُستولَدةٍ؛ لأنها لا تَقبلُ النَّقلَ، فهي كالحُرِّ، وكذا المُكاتَبُ، وكذا لا يَصِحُّ وَقفُ الكَلبِ المُعلَّمِ أو قابِلٍ للتَّعليمِ على الأصَحِّ، وقيلَ: لا يَصحُّ قَطعًا، وأمَّا غيرُ المُعلَّمِ والقابلُ للتَّعليمِ فلا يَصحُّ وَقفُه جَزمًا (١). وقالَ الحَنابلةُ: يُشترطُ في المَوقوفِ أنْ يَكونَ ممَّا يَصحُّ بَيعُه، فعَلى هذا لا يَصحُّ وَقفُ ما لا يَجوزُ بَيعُه كأمِّ الوَلدِ والكَلبِ غَيرِ المُعلَّمِ والمَرهونِ، وكذلكَ الخِنزيرُ وسَائِرُ سِباعِ البَهائمِ التي لا تَصلحُ للصَّيدِ وجَوارحُ الطَّيرِ التي لا يُصادُ بها، لأنه نَقلٌ للمِلكِ فيها في الحَياةِ، فلم يَجُزْ كالبَيعِ، ولأنَّ

стр. 6874

الوَقفَ تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ المَنفعةِ، وما لا مَنفعةَ فيهِ مُباحةً فلا يَحصلُ فيهِ تَسبيلُ المَنفعةِ، والكَلبُ أُبيحَ الانتفاعُ به على خِلافِ الأصلِ للضَّرورةِ، فلم يَجُزْ التوسُّعُ فيها، والمَرهونُ في وَقفِه إبطالُ حقِّ المُرتَهِنِ منه، فلم يَجُزْ إبطالُه، ولا يَصحُّ وَقفُ الحَملِ المُنفرِدِ؛ لأنه لا يَجوزُ بَيعُه، وهذا في غيرِ المُصحفِ؛ فإنه يَصحُّ وَقفُه ولا يَصحُّ بَيعُه. وأمَّا الكَلبُ المُعلَّمُ فيَصحُّ وَقفُه؛ لأنَّ بَيعَه جائِزٌ، وفي مَعْناهُ جَوارحُ الطَّيرِ وسِباعُ البَهائمِ الصَّيَّادةِ يَصحُّ وَقفُها ويَجوزُ بَيعُها، بخِلافِ غَيرِ الصَّيَّادةِ، قالَ المِرداويُّ: ومَرَّ في المَذهبِ رِوايةٌ بامتِناعِ بَيعِها -أعني: الصَّيَّادةَ- فيَمتنعُ وَقفُها، والأولُ أصَحُّ. انتهى. قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀: يَصحُّ وَقفُ الكَلبِ المُعلَّمِ والجَوارحِ المُعلَّمةِ وما لا يُقدَرُ على تَسليمِه (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنه لا يُشترطُ في المَوقوفِ أنْ يَصحَّ بَيعُه، بل يَكفي أنْ يَكونَ مَملوكًا ولو كانَ ذلكَ المَملوكُ الذي أُرِيدَ وَقفُه لا يَجوزُ بَيعُه، كجِلدِ أُضحِيةٍ وكَلبِ صَيدٍ وعَبدٍ آبقٍ (٢).

стр. 6875

والحَنفيةُ وإنْ لم يَنصُّوا على هذا صَراحةً كما تَقدَّمَ، إلَّا أنهم لا يُجوِّزونَ إلَّا وقْفَ ما ورَدَ النَّصُّ به أو جَرى به التَّعاملُ، فالأصلُ عندَهُمْ عَدمُ جَوازِ وَقفِ المَنقولِ إلَّا تَبعًا، أو ما جَرى فيهِ تَعاملُ الناسِ. قالَ الزَّيلعيُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ: يَجوزُ وَقفُ كلِّ ما يَجوزُ بَيعُه ويُمكِنُ الانتفاعُ به مع بَقاءِ عَينِه؛ قِياسًا على الكُراعِ والسِّلاحِ. قُلنَا: الأصلُ عَدمُ جَوازِ الوَقفِ، فيَقتصِرُ على مَورِدِ الشَّرعِ وهو العَقارُ والكُراعُ والسِّلاحُ، فبَقيَ ما وَراءَه على أصلِ القِياسِ إلَّا ما جَرى التَّعاملُ فيه، فصارَ كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ (١). زَكاةُ العَينِ المَوقوفةِ: قَدْ تَقدَّمَ في كِتابِ الزَّكاةِ مِنْ كِتابِنا هذا أنَّ مِنْ شُروطِ الزَّكاةِ كونَ المالِ مَملوكًا لمُعيَّنٍ، وعليه تَكلَّمَ الفُقهاءُ في حُكمِ زَكاةِ العينِ المَوقوفةِ، هل تَجبُ فيها زَكاةٌ إذا بلَغَتِ النِّصابَ وحالَ عليها الحَول أم لا؟ فالحَنفيةُ قالُوا: لا تَجبُ فيها الزَّكاةُ مُطلَقًا، والمالِكيةُ أوجَبُوا فيها الزَّكاةَ سَواءٌ كانتْ لمُعيَّنٍ أو غيرِ مُعيَّنٍ، والشافِعيةُ والحَنابلةُ فصَّلُوا، فأوجَبُوها -على تَفصيلٍ عندَهُم- في المُعيَّنِ، ولم يُوجِبُوها إذا كانَتْ وَقفًا على غيرِ مُعيَّنٍ. فليُراجَعْ في مَوضِعِه مِنْ كِتابِ الزَّكاةِ.

стр. 6876

إِجارةُ المَوقوفِ ومَن لهُ حَقُّ التأجيرِ: لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ الإسلامِ على جَوازِ إجارةِ الوَقفِ، وعلى أنَّ مَنْ له حقُّ التَّأجيرِ هو الناظِرُ الذي شرَطَه الواقفُ إنْ كانَ شرَطَ ناظرًا مُعيَّنًا، سَواءٌ كانَ المَوقوفُ عليه مُعيَّنًا كزَيدٍ وعَمرٍو، أم غيرَ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ والمَساكينِ، وسَواءٌ أكانَ الناظِرُ هو المَوقوفَ عليه المُعيَّنَ أم كانَ غيرَه. وإنَّما اختَلَفوا، هل للمَوقوفِ عليهمُ الحَقُّ في التَّأجيرِ أم لا؟ قالَ الحَنفيةُ: المَوقوفُ عليهِم الغلَّةُ أو السُّكنى لا يَملكونَ حقَّ الإجارةِ، فلو أرادُوا أنْ يُؤاجِرُوا لا يَجوزُ؛ لأنه لا حقَّ لهم في الرَّقبةِ ولا مِلكَ، وإنَّما يَملكُ المَنافعَ بلا بَدلٍ، فلم يَملكْ تَمليكَها ببَدلٍ وهو الإجارةُ، وإلَّا لَملَكَ أكثَرَ ممَّا يَملكُ، بخِلافِ الإعارةِ، إلا إذا شرَطَ الواقفُ التَّوليةَ والنَّظرَ للمَوقوفِ عليهم، أو للأرشَدِ مِنهم وكانَ هو الأرشَدَ أو لم يُوجَدْ غيرُه؛ لأنه حِينئذٍ يَكونُ مَنصوبَ الواقفِ، أو أَذِنَ القاضي لهم بالإيجارِ، وإنَّما يَملكُ الإجارةَ المُتولِّي أو القاضي، وكذا لو كانَ الوَقفُ على رَجلٍ مُعيَّنٍ لا يَجوزُ له على ما عليهِ الفتوَى. وقالَ الفَقيهُ أبو جَعفرٍ: إذا كانَ الأجرُ كلُّه للمَوقوفِ عليه بأنْ كانَ الوَقفُ لا يَحتاجُ إلى العِمارةِ كالحَوانيتِ والدُّورِ وليسَ معَه شَريكٌ في الوَقفِ حِينئذٍ جازَتِ الإجارةُ.

стр. 6877

وأمَّا في الأرضِ، فإنْ كانَ الواقفُ شرَطَ تَقديمَ العُشرِ والخَراجِ وسائرَ المُؤَنِ وما فضَلَ للمَوقوفِ عليهم، فليسَ لهُم إجارتُه؛ لأنَّ فيه إبطالًا (لشَرطِ) الواقفِ البِدايةَ بالخَراجِ والمُؤنِ. وإنْ لم يَشترطْ ذلكَ يَجبُ أنْ يَجوزَ، ويَكونُ الخَراجُ والمُؤنةُ عليهِ. بَيانُه: أنَّ إجارَةَ المَوقوفِ عليه إنَّما تَجوزُ على معنى إجارَتِه مِلكَ نَفسِه، لا على اعتبارِ إجارتِه للوَقفِ؛ لأنه ليسَ بمُتولٍّ للوَقفِ، وإذا كانَ جَوازُ إجارَتِه على اعتِبارِ إجارتِه مِلكَ نَفسِه لنَفسِه كانَ الأجرُ له، ليسَ فيهِ خَراجٌ ولا شَيءٌ، فهو على معنى قَولِنا: إنَّ فيهِ إبطالَ شَرطِ الواقفِ، وأمَّا إذا لم يَشترطْ بِدايةَ الخَراجِ والمُؤَنِ يَجبُ أنْ تَجوزَ إجارتُه، ويَكونُ الخَراجُ والمُؤنةُ عليه، وهو نَظيرُ ما رُويَ عن أبي يُوسفَ في أرضِ الوَقفِ إذا كانَ المَوقوفُ عليهِم اثنَينِ أو ثَلاثةً فتَقاسَموا وأخَذَ كلُّ واحِدٍ مِنهم أرضًا يَزرعُها بنفسِه، قالَ أبو يُوسفَ: إنْ كانتِ الأرضُ عُشريَّةً جازَ منها ما يَأْتيهِم، وإنْ كانَتِ الأرضُ خَراجيةً لا يَجوزُ، قالَ: لأنَّ العُشرَ صَدقةٌ، وما وُقفَ عليهِم كالصَّدقةِ عليهم، فصارَتِ الجِهةُ في جَميعِ الغلَّةِ واحِدةً، فأشبَهَ سُكنَى الدَّارِ إذا كانَ المَوقوفُ عليهِم نَفرًا فبَدا لهم أنْ يَقتسمُوا وأنْ يَسكنَ كلُّ واحِدٍ مِنهم ناحِيةً منها على سَبيلِ التَّهايُؤِ؛ إذْ ليس فيه تَعيُّنُ شَرطٍ؛ إذْ ليس سَبيلُ العُشرِ أنْ يُبدَأَ كما يُبدأُ بالخَراجِ والمُؤنِ، وأمَّا في الأرضِ الخَراجِيَّةِ فإنَّ عادةَ الواقِفينَ شَرطُهم بدايةَ الخَراجِ مِنْ الغلَّاتِ، ونحنُ لو أخَّرْنا التَّهايُؤَ لم يَكنِ الخَراجُ في الغَلةِ، بل يَكونُ في ذِمةِ المَوقوفِ عليهْم؛ إذِ

стр. 6878

(الحالُ) صُورةُ التهايُؤِ، وأنْ يَخصَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم بما يَخصُّهُ، ولَمَّا صارَ بالمَنفعةِ مُختصًّا كانَ المالِكَ، فيَكونُ الخَراجُ في ذِمتِه كالمالكِ، فيَكونُ فيهِ تَعيينُ شَرطِ الواقفِ؛ لأنَّ الواقفَ شرَطَ أنْ يَكونَ الخَراجُ في الغَلةِ. وقالَ ابنُ نُجَيمٍ الحَنفيُّ ﵀: فإنْ قُلتَ: إذا لم يَصحَّ إيجارُه، ما حُكْمُ الأُجرةِ التي آجَرَها؟ قلتُ: يَنبغِي أنْ تَكونَ للوَقفِ، ولم أرَهُ صَريحًا. ولو قالوا: عَمَّرَها المُتولِّي أو القاضِي لَكانَ أَولَى، فظاهِرُ قَولِهم إنَّما يَملكُ الإجارةَ المُتَولِّي أو القاضي، وأنَّ للقاضِي الاستِقلالَ بالإجارةِ ولو أبَى المُتولِّي، إلَّا أنْ يَكونَ المُرادُ التَّوزيعَ، فالقاضي يُؤجِّرُها إنْ لم يَكنْ لها مُتولٍّ، أو كانَ لها وأبَى الأصلَحَ، وأمَّا معَ حُضورِ المُتولِّي فليسَ للقاضِي ذلكَ (١). وقالَ المالِكيةُ: لا تَصحُّ إعارةُ شَخصٍ مالكٍ انتِفاعًا بنفسِه فقطْ كمُحبَّسٍ عليه لسُكناهُ، ولا تَصحُّ إجارَتُه أيضًا (٢). وقالَ الشافِعيةُ: مَنافعُ المَوقوفِ على مُعيَّنٍ مِلكٌ للمَوقوفِ عليه، يَتصرَّفُ فيه تَصرُّفَ المُلَّاكِ، فيَجوزُ أنْ يَستوفيَها بنفسِه ويَجوزُ أنْ يَستَوفيَها بغَيرِه بإعارةٍ وإجارةٍ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ ذلكَ مَقصودُ الواقفِ ما لم يَشترطْ نَفيَ

стр. 6879

الإجارةِ، فإنِ اشتَرطَ نَفيَها امتَنعَ، لكنْ لا يُؤجِّرُ إلا إذا كانَ ناظِرًا أو أَذِنَ له الناظِرُ في ذلكَ، ويَملكُ الأُجرةَ كما لو أجَّرَ مِلكَه، وتُصرَفُ إليه الأجرةُ في الحالِ. وإنْ كانَ الوَقفُ على جِهةٍ كالفُقراءِ لم يَملكِ المَوقوفُ عليه المَنفعةَ بلِ الانتفاعَ، وكذا لو كانَ الوَقفُ على مُعيَّنٍ وقيَّدَ بشَيءٍ -كما لو وقَفَ دارًا على أنْ يَسكنَها مُعلِّمُ الصِّبيانِ بالقَريةِ مثلًا- ليسَ له أنْ يُسكِنَها غيرَه بأجرةٍ ولا بغيرِها، وقَضيةُ هذا مَنعُ إعارتِها. قالُوا: إنْ شرَطَ الواقفُ النَّظرَ على وَقفِه لنَفسِهِ أو غيرِه واحِدًا كانَ أو أكثَرَ اتُّبعَ شَرطُه، سَواءٌ فوَّضَه له في حالِ حَياتِه أم أوصَى بهِ؛ لأنه المُتقرِّبُ بالصَّدقةِ، فيُتَّبعُ شَرطُه كما يُتَّبعُ في مَصارفِها وغَيرِها، وإنْ لم يَشرِطْه لأحَدٍ فالنَّظرُ للقاضي على المَذهبِ؛ لأنَّ له النَّظرَ العامَّ، فكانَ أَولَى بالنَّظرِ فيهِ، ولأنه يَتعلَّقُ به حقُّ المَوقوفِ عليهِ وحَقُّ مَنْ يَنتقِلُ إليه، فكانَ أَولى، ولأنَّ المِلكَ في الوَقفِ للهِ تعالى. والثَّاني: أنه إلى الواقفِ؛ لأنه كانَ النَّظرُ إليهِ، فإذا لم يَشرِطْه بَقيَ على نَظرِه. والثَّالثُ: أنه للمَوقوفِ عليه؛ لأنَّ الغَلةَ له، فكانَ النَّظرُ إليهِ (١).

стр. 6880

وقالَ الحَنابلةُ: يَجوزُ للمَوقوفِ عليه إجارَةُ الوَقفِ؛ لأنَّ مَنافِعَه مَملوكةٌ له، فجازَ له إجارَتُها كالمُستأجِرِ (١). مُدةُ إجارةِ الوَقفِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في مُدَّةِ إجارةِ الوَقفِ، هل يَجوزُ أنْ تَكونَ مدَّةً مُطلَقةً؟ أم لا بُدَّ مِنْ مُدَّةٍ قَصيرةٍ لا يُزادُ عليها؟ وهذا إذا لم يَشتَرطِ الواقفُ مدَّةً مُحدَّدةً فيُتَّبعُ شَرطُه إلا لضَرورةٍ عندَ الجُمهورِ كما سَيَأتي. فالمَذهبُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ أنَّ حُكمَ الوَقفِ كحُكمِ المِلكِ، يَجوزُ إجارَتُه أيَّ مُدَّةٍ وإنْ طالَتْ. والمَرجعُ في مَعرفةِ المُدَّةِ التي تَبقَى فيها كلُّ عَينٍ غالِبًا إنَّما هو العُرفُ وأهلُ الخِبرةِ، ويَختلفُ ذلكَ مِنْ عَينٍ إلى عَينٍ، فعِندَ الشافِعيةِ تَصحُّ إجارَة الأَرضِ مِائةَ سَنةٍ أو أكثَرَ. - والدَّارُ: تَصحُّ إجارَتُها ثلاثِينَ سَنةً. - والدَّابةُ: تَصحُّ إجارَتُها عَشرَ سِنينَ. وهكذا كلُّ شيءٍ على ما يَليقُ به ويُقدِّرُ أهلُ الخِبرةِ أنه يَبقَى هذه المدَّةَ. وأقلُّ مدَّةٍ تَصحُّ فيها إجارةُ الدَّارِ للسُّكنى يَومٌ واحِدٌ، ولا يَجوزُ أقَلُّ منه. وأقَلُّ مدَّةِ الزِّراعةِ ما يَبقى فيها الزَّرعُ غالبًا.

стр. 6881

وقَريبٌ مِنْ هذا قَولُ الجُمهورِ، فالعِبرةُ هو العُرفُ، والغالِبُ أنَّ هذه العينَ تَبقَى إلى هذه المدَّةِ غالِبًا (١)، وقد تَقدَّمَ الكَلامُ على هذا في كِتابِ الإجارةِ بالتَّفصيلِ. قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: إنْ كانَ الوَقفُ على جِهةٍ عامَّةٍ جازَتْ إجارَتُه بحَسبِ المَصلحةِ، ولا يَتوقَّتُ ذلكَ بعَددٍ عندَ أكثَرِ العُلماءِ (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ في المُختارِ وبَعضُ الشافِعيةُ إلى أنَّ الأوقافَ لا تَجوزُ الإجارةُ الطَّويلةُ فيها؛ كَيلَا يَدَّعيَ المُستأجِرُ مِلكَها. وقالَ القاضي والمُتولِّي مِنْ الشافِعيةِ: أجمَعَ الحُكَّامُ على أنه لا يُؤجَّرُ أكثَرَ مِنْ ثَلاثِ سِنينَ؛ لِئلَّا يَندرسَ، قالَ الرافِعيُّ: وهذا الاصطِلاحُ غيرُ مُطَّرِدٍ. وفي «أَمالي السَّرخسيِّ»: تَمتَنعُ إجارةُ الوَقفِ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ إذا لم تَمسَّ إليه حاجةٌ لعِمارةٍ وغَيرِها، قالَ النَّوويُّ: وهو غَريبٌ، وقالَ الدِّميريُّ: حَكاهُ الإمامُ وجهًا، وقال: لا اتِّجاهَ له في الوَقفِ على جِهاتِ الخيرِ (٣).

стр. 6882

قالَ الحَنفيةُ: لا تَصحُّ إجارةُ الأراضي أكثَرَ مِنْ ثلاثِ سِنينَ والمَساكِنُ والحَوانيتُ (الدَّكاكينُ) ونَحوُهما أكثَرَ مِنْ سَنةٍ، إلَّا إذا كانَتِ المَصلحةُ تَقتضي تَأجيرِ الوَقفِ أكثَرَ مِنْ ذلكَ، فإنَّ للقاضي في هذه الحالةِ أنْ يُؤجِّرَها أكثَرَ مِنْ ذلكَ، وأمَّا الناظِرُ فليسَ له أنْ يَفعلَ ذلكَ دُونَ إذنِ القاضي، إلَّا إذا نَصَّ الواقفُ على جَوازِ تَأجيرِها أكثَرَ مِنْ هذه المُدَّةِ إذا كانَ مَنفعةً، فإذا قالَ الواقفُ مثلًا: «لا يَجوزُ تَأجيرُ هذا المَنزلِ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ إلا إذا كانَ في تَأجيرِه مَصلحةٌ للفُقراءِ المَوقوفِ عليهم» فإنَّ للناظرِ أنْ يُؤجِّرَ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ بِناءً على هذا الشَّرطِ. ومَحلُّ عَدمِ جَوازِ تَأجيرِ الوَقفِ أكثَرَ مِنْ تلكَ المدَّةِ إذا كانَ المُؤجِّرُ غيرَ الواقفِ، أمَّا الواقفُ فله أنْ يَزيدَ على هذه المدَّةِ كما يُحبُّ. وقالَ المَوْصِلِيُّ ﵀: لا تَجوزُ إجارةُ الوَقفِ أكثَرَ مِنْ المدَّةِ التي شرَطَها الواقفُ؛ لأنه يَجبُ اعتبارُ شَرطِ الواقفِ؛ لأنه مِلكُه أخرَجَه بشَرطٍ مَعلومٍ ولا يَخرجُ إلا بشَرطِه، فإنْ لم يَشرِطْ مُدةً فالمُتقدِّمونَ مِنْ أصحابِنا قالوا: يَجوزُ إجارتُه أيَّ مدَّةٍ كانَتْ، والمُتأخِّرونَ قالوا: لا يَجوزُ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ، لِئلَّا يُتَّخذَ مِلكًا بطولِ المُدةِ فتَندَرسَ سِمةُ الوَقفيةِ ويَتَّسمَ بسِمةِ المِلكيةِ؛ لكَثرةِ الظَّلمةِ في زَمانِنا وتَغلُّبِهم واستِحلالِهم، وقيلَ: يَجوزُ في الضِّياعِ ثَلاثَ سِنينَ وفي غيرِ الضِّياعِ سَنةً، وهو المُختارُ؛ لأنه لا يُرغَبُ في الضِّياعِ أقَلُّ مِنْ ذلكَ، ولا تَجوزُ إجارَتُه إلا بأجرِ المِثلِ؛ دَفعًا للضَّررِ عنِ

стр. 6883

الفُقراءِ، فلو آجَرَه ثَلاثَ سِنينَ بأُجرةِ المِثلِ ثمَّ ازدادَتْ لكَثرةِ الرَّغباتِ لا تُنقَضُ الإجارةُ، لأنَّ المُعتبَرَ أجرُ المِثلِ يَومَ العَقدُ (١). وقالَ المالِكيةُ: الوَقفُ إذا كانَ على قَومٍ مُعيَّنينَ كفُلانٍ وأولادِه فإنَّ الناظرَ عليه لا يَجوزُ له أنْ يُكرِيَ أكثَرَ مِنْ سَنتَينِ أو ثلاثٍ لا أكثَرَ مِنْ ذلكَ، ولكنْ لا يَكونُ كِراؤُه بالنَّقدِ. فإنْ كانَ على قَومٍ غيرِ مُعيَّنينَ كالفُقراءِ ونَحوِهم كالمَرضى والقَناطرِ والمَساجدِ فإنه يَجوزُ له أنْ يُكرِيَه أكثَرَ مِنْ ذلكَ، كالأربعةِ أعوامٍ ونَحوِها لا أكثَرَ إنْ كانَ أرضًا للزِّراعةِ، وعامًا لا أكثَرَ إنْ كانَ دارًا ونحوَها، سَواءٌ كانتْ مَوقوفةً على مُعيَّنينَ أو على غَيرِهم، فإنْ أكرَى أكثَرَ مِنْ ذلكَ مَضى إنْ كانَ ناظرًا ولا يُفسخُ، قالَه ابنُ القاسِمِ، ومَحلُّ ذلكَ حيثُ لم تَكنْ ضَرورةٌ تَقتضِي الكِراءَ لأكثَرَ ممَّا تقدَّمَ، كما لو انهَدمَ الوَقفُ فيَجوزُ كِراؤُه بما يُبنَى به ولو طالَ الزَّمنُ كأربَعينَ عامًا أو أزيَدَ، بقَدرِ ما تَقتضي الضَّرورةُ، وهو خيرٌ مِنْ ضَياعِه واندِراسِه. أمَّا إذا أَكرَى مُستحِقٌّ لمَن مَرجِعُها له فيَجوزُ كِراؤُها عَشرَ سِنينَ ونحوَها؛ لخِفَّةِ الغَررِ، ولأنَّ مَرجِعَها له، ولا فرْقَ في ذلكَ بينَ الأرضِ والدَّارِ.

стр. 6884

وصورَتُها: أنَّ مَنْ حَبسَ على زَيدٍ ثمَّ على عَمرٍو فإنه يَجوزُ لعَمرٍو أنْ يَكتريَها مِنْ زيدٍ عَشرةَ أعوامٍ، وسَواءٌ كانَ المَرجِعُ بتَحبيسٍ عليه أو مِلكٍ. ومَحلُّ هذا إذا لم يَشترطِ الواقفُ مُدةً، وإلا عُمِلَ على ما شرَطَ، وبما إذا لم تَدعُ الضَّرورَةُ لأكثَرَ مِنْ ذلكَ لأجْلِ مَصلحةِ الوَقفِ، كما وقَعَ في زَمنِ القاضي ابنِ باديسَ بالقَيروانِ أنَّ دارًا حَبسًا على الفُقراءِ خَرِبتْ ولم يُوجَدْ ما تُصلَحُ به، فأَفتَى بأنها تُكرَى السِّنينَ الكَثيرةَ كيفَ تَيسَّرُ بشَرطِ إصلاحِها مِنْ كِرائِها، وأبَى أنْ يُسمَحَ ببَيعِها، وهو المُعوَّلُ عليه. قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: والمُرادُ بالناظِر مَنْ كانَ مِنْ جُملةِ المَوقوفِ عليهم، وأمَّا غيرُه فيَجوزُ له أنْ يُكريَ أزيَدَ مِنْ ذلكَ؛ لأنَّ بمَوتِه لا تَنفسخُ الإجارةُ، بخِلافِ المُستحِقِّ؛ فإنه تَنفسخُ الإجارةُ بمَوتِه، كذا في «عبق» و «كبير» و «خش»، قالَ شَيخُنا العَدويُّ: ولم أرَهُ مَنصوصًا، وظاهِرُ كلامِهِم الإطلاقُ، تَأمَّلْ (١).

стр. 6885

اتِّباعُ شَرطِ الواقِفِ في التأجيرِ ومُخالَفةُ شَرطِه للضَّرورةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ على أنه يُتَّبعُ شَرطُ الواقفِ في إجارةِ المَوقوفِ، فإذا شرَطَ ألا يُؤَجَّرَ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ مثلًا أو لا يُؤجَّرَ أصلًا اتُّبعَ شَرطُه إلَّا لضَرورةٍ، كما سَيأتي مُفصَّلًا. وقالَ الشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ: لا يُتَّبعُ شَرطُ الواقفِ في ذلكَ؛ لأنه حَجرٌ على المُستحِقِّ في المَنفعةِ. وبَيانُ ذلكَ مُفصَّلًا على ما يَلي: قالَ الحَنفيةُ: لا تَصحُّ إجارةُ الأراضي أكثَرَ مِنْ ثلاثِ سِنينَ والمَساكِنُ والحَوانيتُ (الدَّكاكينُ) ونَحوُهما أكثَرَ مِنْ سَنةٍ، إلَّا إذا كانَتِ المَصلحةُ تَقتضي تَأجيرِ الوَقفِ أكثَرَ مِنْ ذلكَ، فإنَّ للقاضي في هذه الحالةِ أنْ يُؤجِّرَها أكثَرَ مِنْ ذلكَ، وأمَّا الناظِرُ فليسَ له أنْ يَفعلَ ذلكَ دُونَ إذنِ القاضي، إلَّا إذا نَصَّ الواقفُ على جَوازِ تَأجيرِها أكثَرَ مِنْ هذه المُدَّةِ إذا كانَ مَنفعةً، فإذا قالَ الواقفُ مثلًا: «لا يَجوزُ تَأجيرُ هذا المَنزلِ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ إلا إذا كانَ في تَأجيرِه مَصلحةٌ للفُقراءِ المَوقوفِ عليهم» فإنَّ للناظرِ أنْ يُؤجِّرَ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ بِناءً على هذا الشَّرطِ. ومَحلُّ عَدمِ جَوازِ تَأجيرِ الوَقفِ أكثَرَ مِنْ تلكَ المدَّةِ إذا كانَ المُؤجِّرُ غيرَ الواقفِ، أمَّا الواقفُ فله أنْ يَزيدَ على هذه المدَّةِ كما يُحبُّ.

стр. 6886

قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: لو شرَطَ الواقِفُ ألَّا يُؤجَّرَ وَقفُه أكثَرَ مِنْ سَنةٍ والناسُ لا يَرغَبونَ في استِئجارِ سَنةٍ، أو كانَ في الزِّيادةِ نَفعٌ للفُقراءِ، فللقاضي المُخالَفةُ دونَ الناظِرِ (١). وأمَّا المالِكيةُ فقالوا: إذا شرَطَ الواقفُ مُدَّةً يَجبُ العَملُ بها، إلَّا لضَرورةٍ فيَجوزُ إجارةُ الوَقفِ أكثَرَ مِنْ المُدَّةِ الجائِزةِ له أو أكثَرَ ممَّا شَرَطَه الواقفُ لضَرورةٍ تَقتضِي الكِراءَ لأكثَرَ مِمَّا تقدَّمَ، كما لو انهدَمَ الوَقفُ فيَجوزُ كِراؤُه بما يُبنَى به ولو طالَ الزَّمنُ كأربَعينَ عامًا أو أزيَدَ، بقَدرِ ما تَقتضي الضَّرورةُ، وهو خيرٌ مِنْ ضَياعِه واندِراسِه. ووقَعَ في زَمنِ القاضي ابنِ باديسَ بالقَيروانِ أنَّ دارًا حَبسًا على الفُقراءِ خَرِبتْ ولم يُوجَدْ ما تُصلَحُ به، فأَفتَى بأنها تُكرَى السِّنينَ الكثيرةَ كيفَ تَيسَّرُ بشَرطِ إصلاحِها مِنْ كِرائِها، وأبَى أن يُسمحَ ببَيعِها، وهو المُعوَّلُ عليهِ (٢). وقالَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ: إذا وقَفَ بشَرطِ ألا يُؤجَّرَ أصلًا أو ألا يُؤجَّرَ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ صَحَّ الوَقفُ واتُّبعَ شَرطُه كسائِرِ الشُّروطِ المُتضمِّنةِ للمَصلحةِ.

стр. 6887

والثَّاني: لا يُتَّبعُ شَرطُه؛ لأنه حَجرٌ على المُستحِقِّ في المَنفعةِ. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ويُستَثنى مِنْ ذلكَ حالُ الضَّرورةِ، كما لو شرَطَ ألَّا تُؤجَّرَ الدارُ أكثَرَ مِنْ سَنةٍ ثُمَّ انهدَمَتْ وليسَ لها جِهةُ عِمارةٍ إلا بإجارةِ سِنينَ، فإنَّ ابنَ الصَّلاحِ أَفتَى بالجَوازِ في عُقودٍ مُستأنَفةٍ وإنْ شرَطَ الواقِفُ ألا يُستأنَفَ؛ لأنَّ المَنعَ في هذه الحالةِ يُفضي إلى تَعطيلِه، وهو مُخالِفٌ لمَصلحةِ الواقفِ. ووافَقَه السُّبكيُّ والأذرعِيُّ، إلا في اعتِبارِ التَّقييدِ بعُقودٍ مُستأنَفةٍ، فرَدَّاهُ عليه وقالا: يَنبغي الجَوازُ في عَقدٍ واحِدٍ. والذي يَنبَغي -كما قالَ شَيخُنا- ما أَفتَى به ابنُ الصَّلاحِ؛ لأنَّ الضَّرورةَ تَتقدَّرُ بقَدرِها. ولو شرَطَ الواقِفُ ألا يُؤجَّرَ أكثَرَ مِنْ ثلاثِ سِنينَ فأجَّرَهُ الناظِرُ سِتَّ سِنينَ فإنْ كانَ في عَقدٍ واحِدٍ لم يَصحَّ في شيءٍ منها، ولا يُخرَّجُ على تَفريقِ الصَّفقةِ كما مَرَّتِ الإشارةُ إليه في فَصْلِها، وإذا أجَّرَ ثَلاثَ سِنينَ ثمَّ الثَّلاثَ الأُخَرَ قبلَ انقِضاءِ الأُولى لم يَصحَّ العَقدُ الثَّاني، كما أَفتَى به ابنُ الصَّلاحِ. وإنْ فرَّعْنا على الأصَحِّ أنَّ إجارةَ المُدةِ المُستقبَلةِ مِنْ المُستأجِرِ صَحيحَةٌ اتِّباعًا لشَرطِ الواقفِ، فإنَّ المُدَّتينِ المُتصِلتَينِ كالمُدةِ الواحِدةِ، وإنَّما أبطَلْناهُ في الثَّاني دونَ الأولِ لانفِرادِه.

стр. 6888

ولو شرَطَ في وَقفِه ألا يُؤَجِّرَ مِنْ مُتَجَوِّهٍ أو ظالِمٍ ونحوَ ذلكَ ممَّا يُكتبُ في كُتبِ الأوقافِ اتُّبعَ شَرطُه، قالَه الأذرعِيُّ، قالَ: ولم أرَهُ نَصًّا. اه، وهو ظاهِرٌ، والظاهِرُ كما في «المَطْلَب» أنَّ للمَوقوفِ عليهِ الإعارةُ (١). وقالَ الحَنابلةُ: ويُرجَعُ إلى شَرطِ الواقِفِ، ويَجبُ العَملُ به في عَدمِ إيجارِ الوَقفِ أو في قَدرِ مُدتِه، فإنْ شرَطَ ألَّا يُؤجَّرَ أبدًا أو ألا يُؤجَّرَ أكثرَ مِنْ سَنةٍ لم تَجُزِ الزِّيادةُ عليها، لكنْ عندَ الضَّرورةِ يُزادُ بحَسبِها، ولم يَزَلْ عَملُ القُضاةِ عليهِ مِنْ أزمنةٍ مُتطاوِلةٍ، وقالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدينِ: والشروطُ إنَّما يَلزمُ الوفاءُ بها إذا لم تُفضِ إلى الإخلالِ بالمَقصودِ الشَّرعيِّ. قالَ الرُّحيبانِيُّ ﵀: ويَتَّجهُ أنه يَجبُ العملُ بالشَّرطِ إنْ لم يُحتَجْ إلى زيادةٍ على القَدرِ المَشروطِ، أمَّا إذا احتِيجَ بأنْ تَعطَّلتْ مَنافِعُ المَوقوفِ ولم يُمكِنْ تَعميرُه إلا بذلكَ جازَ، ويَتَّجهُ إنْ تَعذَّرَ عُقودًا حيثُ احتِيجَ إليه كعَقدٍ واحِدٍ، حتى لو شرَطَ أنْ لا يُؤجَّرَ أبَدًا واحْتاجَ الوَقفُ إلى الإجارةِ فللنَّاظِرِ أنْ يُؤجِّرَه، وهو أَولَى مِنْ بَيعِه، وقد أَفتَى به المِرداوِيُّ وغَيرُه، ولم تَزَلْ عُلَماؤُنا تُفتِي به، وهو أَولَى مِنْ بَيعِه، ولا تَجوزُ المُحافَظةُ على بَعضِها مع فَواتِ المَقصودِ بها ويَأتي، قالَ في «شَرح الوَجيزِ»: إنْ كانَ الوَقفُ يَحتاجُ إلى

стр. 6889

عِمارةٍ لا تَحصلُ إلَّا بأنْ يُزادَ على المُدةِ المَشروطةِ مُدَّةً أخرَى جازَ أنْ يُزادَ عليها بقَدرِ ما يُحتاجُ إليه فقط، ككَونِ العِمارةِ تَحتاجُ إلى استِلافِ دَراهمَ ولم يَحصلْ مَنْ يُسلِّفُهم إلا مَنْ يَستأجِرُ أكثَرَ مِنْ هذه المُدةِ، وأنْ تَكونَ عِمارَتُه مع الخَرابِ ليُعمَرَ بما يَحصلُ مِنْ الأجرةِ لا تُمكِنُ إلا مع الزِّيادةِ، فإنه يَجوزُ أنْ يُزادَ بقَدرِ الحاجةِ، فإنَّ عِمارةَ الوَقفِ واجِبةٌ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلا به فلا بُدَّ مِنْ فِعلِه، وهذا واجِبٌ بالشَّرعِ. انتهى، وهو مُتَّجِهٌ (١). وقالَ البُهوتيُّ ﵀: قالَ الحارِثيُّ: وعَن بَعضِهِمْ جوازُ الزِّيادةِ بحَسبِ المَصلَحة، وهو يَحتاجُ عِندي إلى تَفصيلٍ (٢). وقالَ ابنُ القَيِّمِ ﵀: ومِن الحِيَلِ الباطِلةِ تَحيُّلُهم على إيجارِ الوَقفِ مِائةَ سَنةٍ مثلًا وقد شرَطَ الواقفُ ألا يُؤجَّرَ أكثَرَ مِنْ سَنتَينِ أو ثَلاثٍ، فيُؤجَّرُ المُدَّةَ الطَّويلةَ في عُقودٍ مُتفَرِّقةٍ في مَجلسٍ واحِدٍ، وهذه الحيلَةُ باطِلةٌ قَطعًا، فإنه إنَّما قصَدَ بذلكَ دفْعَ المَفاسدِ المُترتِّبةِ على طولِ مُدةِ الإجارةِ، فإنها مَفاسِدُ كَثيرةٌ جِدًّا، وكم قد مُلِكَ مِنْ الوُقوفِ بهذه الطُّرقِ وخرَجَ عن الوَقفيَّةِ بطُولِ المُدةِ واستيلاءِ المُستأجِرِ فيها على الوَقفِ هو وذُرِّيتُه ووَرَثتُه سِنينَ بعد سِنينَ، وكم فاتَ البُطونَ اللَّواحِقَ مِنْ مَنفعةِ الوَقفِ بالإيجَارِ الطَّويلِ، وكم أُوجِرَ الوَقفُ بدونِ إجارةِ مِثلِه لطُولِ المُدَّةِ وقَبضِ الأُجرةِ، وكم

стр. 6890

زادَتْ أجرةُ الأرضِ أو العَقارِ أضعافَ ما كانَتْ ولم يَتمكَّنِ المَوقوفُ عليه مِنْ استيفائِها؟ وبالجُملةِ فمَفاسِدُ هذه الإجارةِ تَفوتُ العَدَّ، والواقفُ إنَّما قصَدَ دفْعَها، وخَشيَ منها بالإجارةِ الطَّويلةِ فصرَّحَ بأنه لا يُؤجَّرُ أكثَرَ مِنْ تلكَ المُدةِ التي شرَطَها، فإيجارُه أكثَرَ منها -سَواءٌ كانَ في عَقدٍ أو عُقودٍ- مُخالَفةٌ صَريحةٌ لشَرطِه، مع ما فيها مِنْ المَفسدةِ بل المَفاسِدِ العَظيمةِ. وياللهِ العَجَبُ! هل تَزولُ هذه المَفاسِدُ بتَعدُّدِ العُقودِ في مَجلسٍ واحدٍ، وأيُّ غَرضٍ للعاقِلِ أنْ يَمنعَ الإجارةَ لأكثَرَ مِنْ تِلكَ المُدَّةِ ثمَّ يُجوِّزَها في ساعةٍ واحِدةٍ في عُقودٍ مُتفرِّقةٍ؟! وإذا أجَّرَهُ في عُقودٍ مُتفرِّقةٍ أكثَرَ مِنْ ثَلاثِ سِنينَ أيَصحُّ أنْ يُقالَ: «وَفَّى بشَرطِ الواقفِ ولَم يُخالِفْه»؟! هذا مِنْ أبطَلِ الباطِلِ وأقبَحِ الحِيَلِ، وهو مُخالِفٌ لشَرطِ الواقفِ ومَصلحةِ المَوقوفِ عليه، وتَعرُّضٌ لإبطالِ هذه الصَّدقةِ وألَّا يَستمرَّ نَفعُها وألَّا يَصلَ إلى مَنْ بعدَ الطَّبقةِ الأُولى وما قارَبَها، فلا يَحلُّ لمُفتٍ أنْ يُفتيَ بذلكَ، ولا لحاكِمٍ أنْ يَحكمَ به، ومتى حكَمَ به نُقضَ حُكمُه، اللَّهمَّ إلَّا أنْ يَكونَ فيهِ مَصلحةُ الوَقفِ بأنْ يَخربَ ويَتعطَّلَ نَفعُه فتَدعوَ الحاجةُ إلى إيجارِه مُدةً طَويلةً يَعمرُ فيها بتلكَ الأُجرةِ، فهُنا يَتعيَّنُ مُخالَفةُ شَرطِ الواقفِ تَصحيحًا لوَقفِه واستِمرارًا لصَدقتِه، وقد يَكونُ هذا خيرًا مِنْ بَيعِه والاستِبدالِ به، وقد يَكونُ البَيعُ أو الاستِبدالُ خيرًا مِنْ الإجارةِ، واللهُ يَعلمُ المُفسِدَ مِنْ المُصلِحِ.

стр. 6891

والذي يَقضِي منه العَجبُ التَّحيُّلُ على مُخالَفةِ شَرطِ الواقفِ وقَصدِه الذي يقطعُ بأنه قَصدُه مع ظُهورِ المَفسَدةِ، والوُقوفُ مع ظاهرِ شَرطِه ولَفظِه المُخالِفِ لقَصدِه والكِتابِ والسُّنةِ ومَصلحةِ المَوقوفِ عليه، بحَيثُ يَكونُ مَرضاةَ اللهِ ورَسولِه ومَصلحةَ الواقفِ وزيادةَ أجرِه ومَصلحةَ المَوقوفِ عليه وحُصولَ الرِّفقِ به مع كَونِ العملِ أحَبَّ إلى اللهِ ورَسولِه، لا يُغيِّرُ شرْطَ الواقفِ ويَجري مع ظاهِرِ لَفظِه وإنْ ظهَرَ قَصدُه بخِلافِه، وهل هذا إلَّا مِنْ قلَّةِ الفِقهِ، بل مِنْ عَدمِه، فإذا تَحيَّلْتُم على إبطالِ مَقصودِ الواقفِ حيثُ يَتضمَّنُ المَفاسِدَ العَظيمةَ، فهَلَّا تَحيَّلتُم على مَقصودِه ومَقصودِ الشَّارعِ حيثُ يَتضمَّنُ المَصالِحَ الراجِحةَ بتَخصيصِ لَفظِه أو تَقييدِه أو تَقديمِ شَرطِ اللهِ عليه؟! فإنَّ شرْطَ اللهِ أحَقُّ وأوثَقُ، بل يَقولونَ هاهُنا: «نُصوصُ الواقفِ كنُصوصِ الشَّارِعِ»، وهذه جُملةٌ مِنْ أبطَلِ الكَلامِ، وليس لنُصوصِ الشارعِ نَظيرٌ مِنْ كَلامِ غيرِه أبدًا، بل نُصوصُ الواقفِ يَتطرَّقُ إليها التَّناقضُ والاختلافُ، ويجبُ إبطالُها إذا خالَفتْ نُصوصَ الشَّارعِ وإلغاؤُها، ولا حُرمةَ لها حِينئذٍ ألبتَّةَ، ويَجوزُ -بل يَترجَّحُ- مُخالَفتُها إلى ما هو أحَبُّ إلى اللَّهِ ورَسولِه منها وأنفَعُ للواقفِ والموقوفِ عليه، ويجوزُ اعتبارُها والعدولُ عنها مع تَساوي الأمرَينِ، ولا يَتعيَّنُ الوُقوفُ مَعها، وسَنذكرُ إنْ شاءَ اللَّهُ فيما بَعدُ ونُبيِّنُ ما يَحلُّ الإفتَاءُ به وما لا يَحلُّ مِنْ شُروطِ الواقِفينَ؛ إذِ القَصدُ بَيانُ بُطلانِ هذه الحِيلةِ شرعًا وعُرفًا ولُغةً (١).

стр. 6892

إيجارُ الوَقفِ بأقلَّ مِنْ أجرَةِ المِثلِ: اتَّفقَ العُلماءُ على أنه لا يَصحُّ إجارةُ الوَقفِ بأقلَّ مِنْ أجرَةِ المِثلِ لغَيرِ حاجةٍ إذا كانَ المُؤجِّرُ غيرَ المَوقوفِ عليه. واختَلفُوا في حُكمِ إجارةِ الوَقفِ بأقلَّ مِنْ أُجرةِ المثلِ، هل يَصحُّ عَقدُ الإجارةِ ويَضمنُ الناظرُ الفرقَ؟ أم يَبطلُ العَقدُ؟ أم يَضمنُ المُستأجِرُ تمامَ أُجرةِ المثلِ؟ فعندَ الحَنفيةِ: العَقدُ صَحيحٌ، ويَضمنُ المُستأجِرُ تَمامَ أُجرةِ المِثلِ. وقالَ الحَنابلةُ: يَضمنُ الناظِرُ تَمامَ أُجرةِ المِثلِ، وهو أيضًا قَولُ المالِكيةِ على تَفصيلٍ. وعندَ الشافِعيةِ: العَقدُ غيرُ صَحيحٍ. قالَ الحَنفية: لا يَجوزُ إجارةُ الوَقفِ بأقلَّ مِنْ أُجرةِ المثلِ، ولو كانَ الناظرُ هو المُستحِقَّ أو غيرُه؛ لِما يَصلُ إليهِ مِنْ الضَّررِ للوقفِ بالأجرةِ، ولاحتِمالِ مَوتِه، فيَضرُّ بمَن بعدَه مِنْ المُستحِقِّينَ، وربَّما يَتضرَّرُ الوَقفُ أيضًا الآنَ إذا كانَ مُحتاجًا للتَّعميرِ، إلَّا إذا كانَ النُّقصانُ يَسيرًا -وهو ما يَتغابَنُ الناسُ فيهِ، أي يَقبلونَه ولا يَعدُّونَه غَبنًا- فيَجوزُ، أمَّا إذا كانَ الغَبنُ فاحِشًا فلا تَجوزُ الإجارةُ، إلَّا في حالِ الضَّرورةِ فتَجوزُ الإجارةُ بأقلَّ مِنْ أجرةِ المِثلِ، وذلكَ مثلُ: أ- إذا كانَ لا يَرغبُ أحَدٌ في إجارتِه إلا بالأقلِّ مِنْ أُجرةِ المِثلِ.

стр. 6893

ب- إذا نابَتِ الوَقفَ نائِبةٌ، أو كانَ عليه دَينٌ أو كانَ على الدَّارِ مَرصدٌ، والمَرصَدُ: دَينٌ على الوَقفِ يُنفِقُه المُستأجِرُ لعِمارةِ الدارِ لعَدمِ مالٍ حاصِلٍ في الوَقفِ. وفي غَيرِ هذه الحالاتِ إذا أجَّرَهَا الناظرُ بدونِ أُجرةِ المِثلِ صَحَّ العَقدُ ويَلزمُ المُستأجِرَ تَمامُ أجرِ المِثلِ على المُفتى به (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا أكرَى الناظِرُ بغَيرِ أُجرةِ المثلِ ضَمِنَ تَمامَ أجرةِ المِثلِ إنْ كانَ مَليئًا، وإلا رجَعَ على المُستأجِرِ؛ لأنه مُباشِرٌ، وكلُّ مَنْ رجَعَ عليه لا يَرجعُ على الآخَرِ، هذا ما لم يَعلَمِ المُستأجِرُ بأنَّ الأُجرةَ غيرُ أجرةِ المِثلِ، فإنْ كانَ كُلٌّ مِنهما ضامِنًا فيُبدأُ به، وأجرةُ المِثلِ ما يَقولُه أهلُ المَعرفةِ. وإنْ وقَعَ كِراءُ الوَقفِ بدونِ أُجرةِ المِثلِ ثُمَّ زادَ آخرُ على المُستأجِرِ ما يَبلغُ أجرةَ المِثلِ فإنه يُفسخُ للزِّيادةِ، أي يَفسخُ إجارةَ الأولِ للثَّاني الذي زادَ، سَواءٌ كانَ حاضِرًا وَقتَ إجارَةِ الأولِ أو غائبًا، فإنْ طلَبَ مَنْ زِيدَ عليه أنْ يَبقى بيَدِه ويَدفعَ الزِّيادةَ لم يَكنْ له ذلكَ، إلَّا أنْ يَزيدَ على مَنْ زادَ حيثُ لم تَبلغْ زيادةُ مَنْ زادَ أجرةَ المِثلِ، فإنْ بَلَغَتْها فلا يُلتفَتُ لزيادةِ مَنْ زادَ. وقيلَ: إذا التَزمَ الساكِنُ بالزيادةِ كانَ أحَقَّ، ولا يُلتفَتُ لزيادةِ مَنْ زادَ بعد ذلكَ، وكانَ الساكنُ أحَقَّ؛ لوُقوعِ عَقدٍ عُقدَ معَه في الجُملةِ، ما لم

стр. 6894

يَزدِ الآخَرُ على ذلكَ، وإلا كانَ أحَقَّ؛ لوُقوعِ الخَللِ في العَقدِ، ما لم يَلتزمِ الساكنُ تِلكَ الزِّيادةَ. قالَ العَدوِيُّ ﵀: وهذا الذي يَظهرُ؛ إذْ فيهِ جَمعٌ بينَ الطَّريقتينِ في الجُملةِ، وبعدَ كَتبِي هذا رَأيتُ عِندي ما نَصُّه قولُه: ولا يُفسخُ -أي: إذا وقَعَ العقدُ-، وأمَّا لو أعطاهُ إنسانٌ أجرةَ المثلِ وأعطى غيرُه أكثَرَ فإنَّ الزيادةَ تُقبلُ بلا شَكٍّ؛ لأنه لم يَحصلْ عقدٌ (١). وأمَّا الشافِعيةُ والحَنابلةُ ففرَّقُوا بينَ أنْ يُؤجِّرَ العينَ المَوقوفةَ عليه، وبينَ أنْ يُؤجِّرَ العينَ المَوقوفةَ على غيرِه … فإنْ أجَّرَ العينَ المَوقوفةَ عليه بأقلَّ مِنْ أجرةِ المثلِ صَحَّ قَطعًا عند الشافِعيةِ والحَنابلةِ في أحَدِ الوَجهينِ. والوَجهُ الآخَرُ: لا يَجوزُ. وأمَّا إذا كانَتِ العينُ مَوقوفةً على غَيرِه فإنه لا يَصحُّ أنْ يُؤجِّرَها بأنقَصَ مِنْ أُجرةِ المثلِ، فإنْ أجَّرَها بأقلَّ مِنْ أُجرةِ المِثلِ لم يَصحَّ العَقدُ عند الشافِعيةِ والحَنابلةِ في وَجهٍ؛ لانتِفاءِ الإذنِ فيهِ.

стр. 6895

قالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يَصحُّ عَقدُ الإجارةِ ويَضمنُ الناظرُ نَقصًا لا يُتغابَنُ به في العادةِ؛ لأنه يَتصرَّفُ في مالِ غيرِه على وَجهِ الحَظِّ، فضَمنَ ما نقَصَه بعَقدِه كالوَكيلِ إذا باعَ أو أجَّرَ بدونِ ثَمنِ أو أجرِ المِثلِ (١). إذا زادَتِ الأُجرَةُ بعدَ عَقدِ الإجارةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أجَّرَ الناظرُ العينَ المَوقوفةَ بأجرَةِ المِثلِ ثمَّ ظهَرَ طالِبٌ بالزيادةِ عن أُجرةِ المِثلِ، أو زادَتْ أُجرةُ المِثلِ أثناءَ مُدةِ العَقدِ، هل تَنفسخُ الإجارةُ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في رِوايةٍ -وهذه رِوايةُ «فتَاوى سَمرقَند» وعليها مَشى في «التَجنيسِ» لصاحِبِ «الهِدايَة» و «الإسعَاف» - والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ إلى أنه إذا كانَ عقدُ الإجارةِ صَحيحًا وكانَ بأُجرةِ المِثلِ عندَ العقدِ فلا يَنفسخُ العقدُ بزيادةِ الأجرةِ بعد ذلكَ؛ لأنه عَقدٌ لازِمٌ، ولأنَّ العِبرةَ بأُجرةِ المثلِ وَقتَ العَقدِ، فلا يَضُرُّ التَّغييرُ بعد ذلكَ، ولأنه قد جَرى بالغِبطةِ وَقتَ العَقدِ فأشبَه ما إذا باعَ الوَليُّ مالَ الصَّغيرِ ثمَّ ارتَفَعتْ القِيَمُ بالأسواقِ أو ظهَرَ طالِبٌ بالزيادَةِ (٢).

стр. 6896

وفي مُقابلِ الأصَحِّ عندَ الشافِعيةِ: يَنفسخُ إذا كانَ للزِّيادةِ وَقعٌ والطالِبُ ثِقةٌ؛ لأنه تَبيَّنَ وُقوعُه على خِلافِ الغِبطةِ في المُستقبلِ؛ لأنَّ تَقويمَ المَنافعِ في مُدةٍ مُمتدةٍ إنَّما يَصحُّ إذا استَمرَّتِ الحالُ المَوجودةُ حالةَ التَّقويمِ التي هي حالةُ العَقدِ، وليسَ هذا التَّقويمُ كتَقويمِ السِّلعةِ الحاضِرةِ، وإلى هذا مالَ ابنُ الصَّلاحِ وجَزمَ به الإصطخريُّ. لكن قالَ الأذرعِيُّ: هذا مُشكِلٌ جِدًّا، والذي يَقعُ في النَّفسِ إنَّما يُنظرُ إلى أُجرةِ المثلِ التي تَنتهي إليها الرَّغباتُ حالَةَ العَقدِ في جَميعِ المُدةِ المَعقودِ عليها، مع قَطعِ النظَرِ عَمَّا عَساهُ يَتجدَّدُ؛ لأنَّ ذلكَ يُؤدِّي إلى سَدِّ بابِ إجارةِ الأوقافِ والزُّهدِ فيها؛ لأنَّ الدُّنيا لا تَبقى على حالةٍ واحِدةٍ. والثالثُ: إنْ كانَتِ الإجارةُ سَنةً فما دُونَها لم يَتأثَّرِ العَقدُ، وإنْ زادتِ الإِجارَةُ على سَنةٍ فالزِّيادةُ عليها مَردودةٌ، وبه جزَمَ الدَّارميُّ، ووجَّهُوهُ بأنَّ السَّنةَ فيها تَتكامَلُ الفُصولُ وتَتغيَّرُ الأغراضُ. ومَحلُّ الخِلافِ فيما إذا أجَّرَها الناظِرُ، أمَّا لو أجَّرَها المَوقوفُ عليه بحَقِّ المِلكِ فيَصحُّ قَطعًا ولا يَتأثَّرُ العَقدُ بالزيادةِ بعدَه (١).

стр. 6897

وقالَ الحَنفيةُ في الأصَحِّ المُفتَى بهِ: لو زادَ أجرُه بعدَ العَقدِ على أجرِ مِثلِه -أي الذي كانَ وقتَ العَقدِ- زيادةً فاحِشةً لا يَتغابنُ الناسُ فيها فإنَّ العَقدَ يُفسخُ ويُعقدُ ثانيةً بالزيادةِ مع المُستَأجِرِ الأولِ، والمُرادُ أنه يُجدِّدُ العَقدَ بالأُجرةِ الزائِدَةِ؛ لأنَّ الإجارةَ تَنعقدُ شيئًا فشيئًا، والوَقفُ يَجبُ له النظَرُ، قالَ ابنُ عابدِينَ: والظاهرُ أنَّ قَبولَ المُستأجِرِ الزِّيادةَ يَكفي عن تَجديدِ العَقدِ. وطريقُ عِلمِ القاضي بالزِّيادةِ أنْ يَجتمعَ رَجلانِ مِنْ أهلِ البَصرِ والأمانةِ، فيُؤخَذَ بقَولهِما مَعًا عند مُحمدٍ، وعندَهُما قَولُ الواحِدِ يَكفِي. وقيَّدَ الحَنفيةُ هذا بعدَّةِ قُيودٍ: أولُها: أنه ليسَ المُرادُ بالزِّيادةِ ما يَشملُ زيادةَ تَعنُّتٍ، أي إضرارٍ مِنْ واحِدٍ أو اثنَينِ، فإنها غيرُ مَقبولةٍ، بل المُرادُ أنْ تَزيدَ في نَفسِها عند الكلِّ. ثَانيها: أنَّ الزِّيادةَ يَجبُ أنْ تَكونَ مِنْ نَفسِ الوَقفِ لا مِنْ عِمارةِ المُستأجِرِ بمالِه لنَفسِه، كما في الأرضِ المُحتكَرةِ لأجْلِ العِمارةِ. قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: مُستأجِرُ أرضِ الوَقفِ إذا بَنى فيها ثُمَّ زادَتْ أجرةُ المثلِ زيادةً فاحِشةً فإمَّا أنْ تَكونَ الزِّيادةُ بسَببِ العِمارةِ والبِناءِ، أو بسببِ زيادةِ أُجرةِ الأرضِ في نَفسِها … فإنْ كانَتِ الزِّيادةُ بسببِ العِمارةِ والبِناءِ فلا تَلزمُه الزِّيادةُ؛ لأنها أجرةُ عِمارتِه وبِنائِه، وهذا لو كانَتِ العِمارةُ مِلكَه، أمَّا لو كانَتْ للوقفِ كما لو بَنى بأمرِ الناظِرِ ليَرجعَ على الوَقفِ تَلزمُه الزيادَةُ.

стр. 6898

وإنْ كانتِ الزِّيادةُ بسببِ زيادةِ أجرةِ الأرضِ في نَفسِها فإنَّ الزِّيادةَ تَلزمُ المُستأجِرَ (١). ثالِثُها: أنه لا يَنفسِخُ العَقدُ بمُجرَّدِ الزِّيادةِ، بل يَفسخُه المُتولِّي، فإنِ امتَنعَ يَفسَخُه القاضي. رابِعُها: أنه قبلَ الفَسخِ لا يَجبُ إلا المُسمَّى، وإنَّما تَجبُ الزِّيادةُ بَعدَه. ثُمَّ إذا قَبِلَ المُستأجِرُ الأولُ الزِّيادةَ وكانَ مُستأجِرًا إجارةً صَحيحةً كانَ أَولى مِنْ غيرِه، وإلا بأنْ كانَتِ الإجارةُ غيرَ صَحيحةٍ أو لم يَقبَلِ الزِّيادةَ فلا حقَّ له، ويُؤجِّرُها مِنْ الثاني إذا كانَتِ الأرضُ خالِيةً مِنْ الزِّراعةِ، وإلا وَجبَتِ الزِّيادةُ على المُستأجِرِ الأولِ مِنْ وَقتِها إلى أنْ يَستحصِدَ الزَّرعُ؛ لأنَّ شغْلَها بمِلكِه يَمنعُ مِنْ صحَّةِ إيجارِها لغَيرِه، فإذا استَحصدَ فُسخَ وأُجِّرَ مِنْ غَيرِه، وكذا لو كانَ بَنى فيها أو غرَسَ، لكنْ هُنا يَبقى إلى انتِهاءِ العَقدِ؛ لأنه لا نِهايةَ مَعلومةً للبِناءَ والغِراسِ، بخِلافِ الزَّرعِ، فإذا انتهى العَقدُ ولم يَقبَلِ الزِّيادةَ أُمرَ برَفعِ البِناءِ والغِراسِ وتُؤجَّرُ لغيرهِ. قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قد عُلِمَ ممَّا قَرَّرناهُ أنَّ قَولَهم: «إنَّ المُستأجِرَ الأولَ أَولَى» إنَّما هو فيما إذا زادَتْ أُجرةُ المِثلِ في أثناءِ المُدةِ قبل فَراغِ أُجرَتِه وقد قَبِلَ الزِّيادةَ، أمَّا إذا فرَغَتْ مُدتُه فليسَ بأَولَى، إلَّا إذا كانَ له فيها حقُّ القَرارِ وهو المُسمَّى بالكِرْدارَ، على ما قَدَّمناهُ مَبسوطًا في مَسألةِ الأرضِ

стр. 6899

المُحتكَرةِ مِنْ أنَّ له الاستِبقاءَ بأجرةِ المِثلِ دَفعًا للضَّررِ عنهُ، مع عَدمِ الضَّرَرِ على الوَقفِ، وأنَّ هذا مُستَثنًى مِنْ إطلاقِ عِباراتِ المُتونِ والشُّروحِ المُفيدةِ لوُجوبِ القَلعِ والتَّسليمِ بعد مُضيِّ مُدَّةِ الإجارةِ، فهذا وَجهُ كَونِه أحقَّ بالاستِئجارِ مِنْ غيرِه. وأمَّا وَجهُه في مَسألةِ زيادةِ أُجرةِ المِثلِ في أثناءِ المُدَّةِ، فهو أنَّ مُدةَ إجارتِه قائِمةٌ لم تَنقَضِ، وقد عرَضَ في أثنائِها ما يُسوِّغُ الفَسخَ وهو الزِّيادةُ العارِضةُ، فإذا قَبِلَها ورَضيَ بدَفعِها كانَ أَولَى مِنْ غيرِه؛ لزَوالِ ذلكَ المُسوِّغِ في أثناءِ مُدتِه، فلا يُسوَّغُ فسْخَها وإيجارَها لغيرهِ، بل تُؤجَّرُ منه بالزِّيادةِ المَذكورةِ إلى تَمامِ مُدتِه، ثمَّ يُؤجِّرُها ناظرُ الوَقفِ لمن أرادَ وإنْ قَبِلَ المُستأجِرُ الأولُ الزِّيادةَ؛ لزَوالِ عِلَّةِ الأحقِّيةِ وهي بَقاءُ مُدةِ إجارتِه، إلَّا إذا كانَ له فيها حقُّ القَرارِ فهو أحَقُّ مِنْ غيرِه ولو بعد تَمامِ المُدةِ لهذه العِلَّةِ الأخرى كما عَلِمْتَ، وبهذا ظهَرَ أنَّ المُستأجِرَ لأرضِ الوَقفِ ونَحوِها مِنْ حانوتٍ أو دارٍ إذا لم يَكنْ له فيها حقُّ القَرارِ المُسمَّى بالكِرْدارِ لا يَكونُ أحقَّ بالاستِئجارِ بعد فَراغِ مُدةِ استِئجارِه، سَواءٌ زادَتْ أُجرة المِثلِ أو لا، وسواءٌ قَبِلَ الزيادةَ أو لا، خِلافًا لِما يَفهمُه أهلُ زَمانِنا مِنْ أنه أحَقُّ مِنْ غيرِه مُطلَقًا، ويُسمُّونَه ذا اليَدِ، ويَقولونَ أنه مَتى قَبِلَ الزيادةَ العارِضةَ لا تُؤجَّرُ لغيرِه، ويَحكُمونَ بذلكَ ويُفتونَ به مع كَونِه مُخالِفًا لِما أَطبَقتْ عليه كُتبُ المَذهبِ مِنْ مُتونٍ وشُروحٍ وفَتاوى، بل مُستنَدُهم إطلاقُ عِبارةِ المُصَنِّفِ

стр. 6900

هُنا، وهو باطِلٌ قَطعًا؛ لِما عَلِمتَ مِنْ أنه مُصوَّرٌ في زيادةِ أُجرةِ المِثلِ قبلَ انتِهاءِ مُدَّةِ الإجارةِ، كما هو صَريحُ عِباراتِهم، ولم يَقلْ أحَدٌ بإطلاقِه، ولا يَخفى مع ذلكَ ما فيهِ مِنْ الفَسادِ وضَياعِ الأوقافِ، حيثُ لَزمَ مِنْ إبقاءِ أرضِ الوَقفِ بيَدِ مُستأجِرٍ واحِدٍ مُدةً مَديدةً تُؤدِّيه إلى دَعوَى تَملُّكِها، مع أنهم مَنَعوا مِنْ تَطويلِ مُدةِ الإجارةِ خَوفًا مِنْ ذلكَ كما عَلِمتَه، وهذا خُلاصةُ ما ذَكَرتُه في رسالَتيَ المُسمَّاةِ ب «تَحرِير العِبارَةِ في مَنْ هو أَولَى بالإجارةِ»، وبمُراجَعتِها يَظهرُ لكَ العَجبُ العُجابُ، وتَقفُ على حَقيقةِ الصَّوابِ، والحَمدُ للهِ المُنعِمِ الوَهَّابِ (١).
следующие страницы →