← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

قالَ الشافِعيةُ: لو عزَلَ الناظِرُ المُعيَّنُ حالةَ إنشاءِ الوَقفِ نفْسَه فليسَ للواقفِ نَصبُ غيرِه، فإنه لا نظَرَ له بعدَ أنْ جعَلَ النَّظرَ في حالةِ الوَقفِ لغَيرِه، بل يَنصِبُ الحاكِمُ ناظِرًا. وإذا جعَلَ في حالةِ الوَقفِ النَّظرَ لزَيدٍ بعدَ انتِقالِ الوَقفِ مِنْ عَمرٍو إلى الفُقراءِ فعزَلَ زَيدٌ نفسَهُ قبلَ انتِقالِه إلى الفُقراءِ لم يَنفذْ عَزلُه، ولا يَملكُ الواقفُ عزْلَ زَيدٍ في الحالِ ولا بعدَها كما تقدَّمَ (١). وقالَ المالِكيةُ: للناظِرِ عَزلُ نَفسِه ولو وَلَّاهُ الواقفُ، فيُولِّي الواقِفُ غيرَه مِمَّنْ شاءَ، وإلا فالحاكِمُ (٢). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: مَنْ شرَطَ النَّظرَ لرَجلٍ ثمَّ لغَيرِه إنْ ماتَ فعزَلَ نفسَه أو فسَقَ فكَمَوتِه (٣).

стр. 7072

كتاب إحياء الموات

стр. 7073

كتاب إحياء الموات تَعريفُ الإِحياءِ: الإِحياءُ لغةً: مَصدرُ «أحيا» وهو جعلُ الشَّيءِ حيًّا، أي صاحِبَ قوَّةٍ حساسَةٍ أو قوَّةٍ ناميَةٍ (١)، أو بثُّ الحَياةِ في الهامِدِ، ومنه قولُهم: أَحياهُ اللهُ إِحياءً، أي جعَلَه حيًّا، وأَحيَا اللهُ الأرضَ، أي: أخصَبَها بعدَ الجَدبِ، جاءَ في كتابِ اللهِ تَعالَى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ [فاطر: ٩]. وإِحياءُ المَواتِ: أنْ يَعمدَ الشخصُ لأرضٍ لا يُعلمُ تقدُّمُ ملكٍ عليها لأحدٍ، فيُحيِيها بالسَّقيِ أو الزَّرعِ أو الغرسِ أو البناءِ، فتَصيرُ بذلك مِلكَه (٢). على تَفصيلٍ سيَأتي فيما لو كانَت قَريبةً منِ العُمرانِ أم بَعيدةً، وفيما إذا لَم يَأذنْ في ذلك الإمامُ، وهل يُشتَرطُ إذنُه أم لا؟

стр. 7074

تَعريفُ المَواتِ: المَواتُ: هي الأرضُ التي ليسَ لها مالكٌ ولا بها ماءٌ ولا عِمارةٌ، ولا يُنتفَعُ بها إلا أنْ يَجريَ إليها ماءٌ، أو تُستنبَطَ فيها عَينٌ، أو يُحفَرَ فيها بئرٌ، ويُقالُ لها مَيتةٌ (١). قالَ الحَنفيةُ: المَواتُ ما لا يُنتفَعُ به مِنْ الأرضِ؛ لانقِطاعِ الماءِ عنه، أو لغَلبةِ الماءِ عليه، أو كَونِها حَجرًا أو سَبخةً ونحوَ ذلك مما يَمنعُ الزِّراعةَ، وليسَتْ ملكًا لأحدٍ، وسُمِّيتْ بذلك تشبيهًا لها بالحَيوانِ الميتِ في عدمِ الانتِفاعِ به (٢). وقالَ المالِكيةُ: مَواتُ الأرضِ ما سلِمَ عن الاختِصاصِ بوَجهٍ مِنْ الوُجوهِ (٣). وقالَ الشافِعيةُ: المَواتُ: الأرضُ التي لا ماءَ لها، ولا يَنتفعُ بها أحدٌ إلا أنْ يُجرِيَ إليها ماءً، أو يَستنبِطَ فيها عينًا أو يَحفِرَ بِئرًا. وحَدُّهُ: ما لَم يَكنْ عامرًا ولا حريمًا لعامرٍ قرُبَ منَ العامرِ أو بعُدَ.

стр. 7075

وهو طارِئٌ وأَصليٌّ، فالطارِئُ: ما خرِبَ بعدَ عِمارتِه، والأَصليُّ ما لَم يُعمَرْ قطُّ (١). وقالَ الحَنابلةُ: المَواتُ هي الأرضُ المُنفكَّةُ عن الاختِصاصياتِ ومِلكِ مَعصومٍ (٢). وحَدُّه عندَهم: ما لَم يَكنْ عامِرًا ولا حَريمًا لعامرٍ وإنْ كانَ مُتصلًا بعامرٍ (٣). تَعريفُ الإِحياءِ اصطِلاحًا: قالَ الحَنفيةُّ: الإِحياءُ هو الإِعِمار، وهو جَعلُ الأَراضي المَواتِ صالِحةً للزِّراعةِ برفعِ أَشواكِها وتنقيةِ أَحجارِها ورَفعِها، ويُسمَّى المُعمِّرُ للأَرضِ مُحيِيًا (٤). وقالَ الغنيميُّ ﵀: الإِحياءُ لغةً: جَعلُ الشيءِ حيًّا، أي ذا قوَّةٍ حَساسةٍ أو ناميةٍ. وشَرعًا: إِصلاحُ الأرضِ المَواتِ بالبناءِ أو الغرسِ أو الكِرابِ أو غيرِ ذلك كما في «القهستاني» (٥).

стр. 7076

أدلَّةُ مَشروعيَّةِ إِحياءِ المَواتِ: ثبتَتْ مَشروعيَّةُ إِحياءِ المَواتِ بالسُّنةِ الصَّحيحةِ وبالإِجماع المُتيقَّنِ. أمَّا السُّنةُ: ١ - عن عُروةَ، عن عائِشةَ ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ أَعمَرَ أرضًا ليسَت لأحدٍ فهو أَحقُّ»، قالَ عُروةُ: «قَضى به عُمرُ ﵁ في خِلافتِه ورَأى ذلك عَليٌّ في أرضِ الخَرابِ بالكوفةِ مَواتٌ» (١). ٢ - عن سَعيدِ بنِ زَيدٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهيَ له، وليسَ لعِرقٍ ظالمٍ حقٌّ» (٢) قالَ مالكٌ: والعِرقُ الظالمُ: كلُّ ما اُحتفِرَ أو أُخذَ أو غُرسَ بغيرِ حقٍّ (٣). ٣ - عن جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له وما أَكلَتِ العافيةُ فَهوَ له صَدقةٌ» (٤). ٤ - عن عُروةَ قالَ: «أَشهدُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَضى أنَّ الأرضَ

стр. 7077

أرضُ اللهِ، والعِبادَ عِبادُ اللهِ، ومَن أَحيا مَواتًا فهو أَحقُّ به، جاءَنا بهذا عن النَّبيِّ ﷺ الذينَ جَاؤُوا بالصَّلواتِ عنه» (١). ٥ - وعن سَمرةَ بنِ جُندبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ أَحاطَ حائِطًا على أرضٍ فهي له» (٢). أَقوالُ الصَّحابةِ: ١ - رَوى مالكٌ عن ابنِ شهابٍ عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ عن أَبيه أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ ﵁ قالَ: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له» قالَ مالكٌ: وعلى ذلك الأمرُ عندَنا (٣). ٢ - رَوى البُخاريُّ عن عُروةَ عن عائِشةَ ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ أَعمرَ أرضًا ليسَت لأحدٍ فهو أَحقُّ بها»، قالَ عُروةُ: «قَضى به عُمرُ ﵁ في خِلافتِه، ورَأى ذلك عليٌّ في أرضِ الخَرابِ بالكوفةِ مَواتٌ» (٤). ٣ - وعن سالمٍ، عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «كانَ الناسُ يَتحجَّرونَ على عهدِ عُمرَ في الأرضِ التي ليسَت لِأحدٍ، فقَالَ عُمرُ: مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له» (٥).

стр. 7078

٤ - ورَوى ابنُ أَبي شَيبةَ في مُصنَّفِه مَوقوفًا على ابنِ عَباسٍ ﵄ قالَ: «إنَّ عادِيَّ الأرضِ للهِ ولرَسولِه ولكم مِنْ بعدُ، فمَن أَحيا شيئًا مِنْ مَوتانِ الأرضِ فهو أَحقُّ به» (١). ٥ - عن هِشامٍ عن الحَسنِ مَوقوفًا قالَ: «مَنْ أَحيا أرضًا مَواتًا لم تَكنْ لأحدٍ قبلَه فهي له»، قالَ هِشامٌ: وكتَبَ بذلك عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ (٢). وأمَّا الإِجماعُ: فقد نقَلَ عددٌ كَبيرٌ مِنْ عُلماءِ المُسلِمينَ الإِجماعَ على جَوازِ الإِحياءِ. قالَ الإمامُ إِسحاقُ بنُ راهَويهِ ﵀: مضَتِ السنةُ مِنْ النَّبيِّ ﷺ أنَّ مَنْ أَحيا أرضًا مَواتًا فقد ملَكَ رَقبتَها، وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «عاديُّ الأرضِ للهِ تَعالَى ولرَسولِه ﷺ ثم لكم، مَنْ أَحيا مِنْ مَوتانِ الأرضِ شيئًا فقد ملكَ رقبتَها». فلمَّا ثبتَتِ السُّنةُ بملكِ رقبةِ المَواتِ للذين أَحيَوها صارَت سُنةً مَسنونةً، وعمِلَ بذلك الخُلفاءُ بعدَه، واجتَمعَ عُلماءُ الأَمصارِ في عَصرِنا هذا ومِن قبلُ أنَّ الأمرَ على ذلك لم يَختلفْ منهم في ذلك والٍ ولا عالمٌ ولا جَماعةٌ (٣).

стр. 7079

وقالَ الجوَينيُّ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على الأصلِ -أي أصلِ الإِحياءِ- وإنِ اختلَفُوا في التَّفاصيلِ (١). وقالَ العُمرانِيُّ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على جَوازِ إِحياءِ المَواتِ والتملُّكِ به (٢). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفقُوا على جَوازِ إِحياءِ الأرضِ المَيتةِ العارِيةِ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وعامَّةُ فَقهاءِ الأَمصارِ على أنَّ المَواتَ يُملَكُ بالإِحياءِ وإنِ اختلَفُوا في شُروطِه (٤). وقالَ الدَّميريُّ ﵀: والإِجماعُ مُنعقِدٌ على جَوازِه في الجُملةِ (٥). وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: اتَّفقُوا أنَّ مَنْ أَقطعَه الإمامُ أرضًا لَم يَعمرْها في الإِسلامِ قطُّ لا مُسلمٌ ولا ذِميٌّ ولا حَربيٌّ، ولا كانَت مما صَالحَ عليها أهلُ الذِّمةِ، ولا كانَ فيها مُنتفعٌ لمَن يُجاورُها، ولا كانَت في خِلالِ المَعمور، ولا بقُربِ مَعمور بحيثُ إن وقَفَ واقِفٌ في أدنَى المَعمور وصَاحَ بأَعلى صَوتِه لم يَسمعْه مَنْ في أدنَى ذلك العامِرِ، فعمَرَه الذي أَقطعَها أو أَحياها بحَرثٍ أو

стр. 7080

حَفرٍ أو غَرسٍ أو جَلبِ ماءٍ لسقيِها أو بناءٍ بَناه- أنَّها له ملكٌ مَوروثٌ عنه يَبيعُها إنْ شاءَ ويَفعلُ فيها ما أَحبَّ (١). قالَ الماوَرديُّ ﵀: ولأنَّ ما لم يَجرِ عليه ملكٌ نَوعانِ: أرضٌ، وحَيوانٌ، فلمَّا ملَكَ الحَيوان إذا ظهَرَ عليه بالاصطِيادِ؛ مَلكَ مَواتَ الأرضِ إذا ظهَرَ عليه بالإِحياءِ (٢). حكمُ إِحياءِ المَواتِ: نصَّ الشافِعيةُ على أنَّ إِحياءَ المَواتِ مُستحَبٌ؛ لمَا رَواهُ جابرٌ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له وما أكلَتِ العافِيةُ فهو له صَدقةٌ» (٣). والعَوافِيُّ: طُلابُ الرِّزقِ مِنْ طَيرٍ أو وَحشٍ أو غيرِهما (٤). حِكمةُ مَشروعيَّتِه: حِكمةُ مَشروعيَّةِ الإِحياءِ: هو الرِّفقُ والحثُّ على العِمارةِ (٥).

стр. 7081

أَقسامُ المَواتِ: المَواتُ قِسمانِ: أَصليٌّ: وهو ما لَم يُعمَرْ قطُّ. وطارِئٌ: وهو ما خرِبَ بعدَ عِمارتِه. الِقسمُ الأولُ: ما لَم يُعمَرْ قطُّ: وهو الذي لَم يَجرِ عليه ملكٌ لأحدٍ ولم يُوجَدْ فيه أَثرُ عِمارةٍ، فهذا النَّوعُ يُملَكُ بالإِحياءِ بلا خلافٍ بينَ فَقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ، وذلك لِمَا رواه البُخاريُّ عن عُروةَ، عن عائِشةَ ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ أَعمرَ أرضًا ليسَت لأحدٍ فهوَ أحقُّ بها»، قالَ عُروةُ: «قَضى به عُمرُ ﵁ في خِلافتِه ورَأى ذلك عَلِيٌّ في أرضِ الخَرابِ بالكوفةِ مَواتٌ» (١). ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له، وليسَ لعِرقٍ ظالمٍ حقٌّ» (٢). ولقولِه ﷺ : «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له، وما أَكلَتِ العافِيةُ فهو له صَدقةٌ» (٣). ولقولِ عُروةَ: «أَشهدُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَضى

стр. 7082

أنَّ الأرضَ أرضُ اللهِ والعبادَ عِبادُ اللهِ، ومَن أَحيا مَواتًا فهو أَحقُّ به، جاءَنا بهذا عن النَّبيِّ ﷺ الذين جاؤُوا بالصَّلواتِ عنه» (١). وغيرِها مِنْ الأَحاديثِ السابقِ ذكرُها إذا أَحياها ملَكَها بلا صِيغةٍ؛ لأنَّه إِعطاءٌ عامٌّ منه ﷺ . قالَ الإمامُ إِسحاقُ بنُ راهَويهِ ﵀: مَضتِ السُّنةُ مِنْ النَّبيِّ ﷺ أنَّ مَنْ أَحيا أرضًا مَواتًا فقد مَلكَ رقبتَها، وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «عادِيُّ الأرضِ للهِ تَعالَى ولرَسولِه ﷺ ثُم لكم، مَنْ أَحيا مِنْ مَوتانِ الأرضِ شيئًا فقد ملَكَ رَقبتَها». فلمَّا ثبتَتِ السُّنةُ بملكِ رقبةِ المَواتِ للذين أَحيوْها صارَت سُنةً مَسنونةً، وعمِلَ بذلك الخُلفاءُ بعدَه، واجتَمعَ عُلماءُ الأَمصارِ في عَصرِنا هذا ومِن قبلُ أنَّ الأمرَ على ذلك لم يَختلفْ منهم في ذلك والٍ، ولا عالِمٌ ولا جَماعةٌ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما لَم يَجرِ عليه ملكٌ لأحدٍ ولم يُوجَدْ فيه أثرُ عِمارةٍ، فهذا يُملَكُ بالإِحياءِ بغيرِ خِلافٍ بينَ القَائلينَ بالإِحياءِ، والأَخبارُ التي رَوينَاها مُتناولِةٌ له (٣).

стр. 7083

القِسمُ الثانِي مِنْ المَواتِ: الطارِئُ: وهو ما خرِبَ بعدَ عِمارتِه، وهو ما جَرى عليه ملكٌ مِنْ قبلُ، بأنْ لم تَكنْ مَعمورةً في الحالِ، ولكنَّها كانَت مَعمورةً مِنْ قبلُ. وهذا القِسمُ نَوعانِ: النوعُ الأولُ: ما له مالِكٌ مُعيَّنٌ، وهو ضَربانِ: الضربُ الأولُ: ما مُلكَ بشِراءٍ أو عَطيةٍ أو هِبةٍ أو مِيراثٍ ثُم اندَرسَ: فهذا النوعُ لا يَجوزُ تَمليكُه بالإِحياءِ بلا خِلافٍ بينَ العُلماءِ؛ لأنَّ الأَملاكَ لا تَزولُ بزَوالِ العِماراتِ (١). قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ ما عُرفَ ملكًا لمالكٍ غيرَ مُنقطِعٍ أنَّه لا يَجوزُ إِحياؤُه وملكُه لأحدٍ غيرِ أَربابِه (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما مُلكَ بشِراءٍ أو عَطيةٍ فهذا لا يُملَكُ بالإِحياءِ بغيرِ خِلافٍ (٣). وقالَ أَبو الوليدِ الباجِيُّ ﵀: مَنْ اشتَرَى أرضًا لم يَرتفعْ ملكُه باندِراسِها اتِّفاقًا (٤).

стр. 7084

وقالَ الإمامُ الدّسوقِيُّ ﵀: إذا اندرَسَت فإنْ كانَت عن ملكٍ كإِرثٍ أو هِبةٍ أو شِراءٍ؛ فالاختِصاصُ باقٍ ولو طالَ زَمنُ الاندِراسِ اتِّفاقًا (١). وقالَ العُمرانِيُّ ﵀: والضربُ الثانِي: مَواتٌ قد كانَ جَرى الملكُ عليه لمُسلمٍ ثُم ماتَ، أو غابَ وخرِبَت الأرضُ وصارَت كالمَواتِ، فإنْ كانَ المالكُ لها مَعروفًا؛ فهذا لا يَجوزُ إِحياؤُه بلا خِلافٍ (٢). الضربُ الثانِي: ما مُلكَ بالإِحياءِ وله حَالتانِ: الحالةُ الأُولى: ما مُلكَ بالإِحياءِ ثُم اندَثرَ وعُرفَ مالكُه: اختَلفَ الفَقهاءُ فيما مُلكَ بالإِحياءِ ثُم تُرِكَ حتى دثرَ وعادَ مَواتًا، هل يَبقَى على ملكِ مالكِه ولا يَجوزُ إِحياؤُه أم يَصيرُ في حُكمِ المَواتِ ويَجوزُ إِحياؤُه؟ فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والحَنفيةُ في قولٍ ووَجهٍ للشافِعيةِ إلى أنَّ مَنْ أَحيا أرضًا وتَركَها حتى دَثرتْ وعَادتْ إلى ما كانَت عليه وطَالَ زمنُ الاندِراسِ ثُم أَحيَاها آخرُ فهي للثانِي، وقد زالَ مُلكُ الأولِ عنها، وذلك لعُمومِ قولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَحيا أَرضًا مَيتةً فهيَ له» (٣) فعمَّمَ ﷺ ، ولأنَّ عينَ هذه الأرضِ مُباحةٌ في الأصلِ، فإذا تُركَت حتى

стр. 7085

تَصيرَ مَواتًا عادَت إلى الأصلِ وهو الإِباحةُ، فأَشبَه مَنْ أخَذَ ماءً مِنْ النهرِ ثُّم رَدَّه إليه، وكالصيدِ يَخرجُ مِنْ يدِ صائدِه فيَلحقُ بالوَحشِ فهو لمَن صادَه بعدَه. قالَ الموَّاقُ ﵀: مِنْ «المدوَّنة»: مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً ثُم ترَكَها حتى دثَرَت وطَالَ زمانُها وهلَكَت أَشجارُها وتَهدَّمت آبارُها وعادَت كأولِ مرةً ثُم أَحيَاها غيرُه فهي لمُحيِيها آخِرًا. قالَ ابنُ يُونسَ: قِياسًا على الصَّيدِ إذا أفلَتَ ولحِقَ بالوَحشِ وطالَ زَمانُه فهو للثانِي (١). وذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ الحَنفيةِ في الصَّحيحِ عندَهم، وسُحنونٌ مِنْ المالِكيةِ، والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ ما مُلكَ بالإِحياءِ ثُم تُركَ حتى دثَرَ وعادَ مَواتًا وعُرفَ صاحبُه فهو لصاحبِه، ولا يَجوزُ إِحياؤُه؛ لأنَّ هذه الأرضَ يُعرَفُ مالكُها فلَم تُملَكْ بالإِحياءِ، كالتي مُلكَتْ بشِراءٍ أو عَطيةٍ، والخبَرُ مُقيَّدٌ بغيرِ المَملوكِ بقولِه ﷺ في الروايةِ الأخرى: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً ليسَت لأحدٍ فهو أحقُّ بها» (٢)، فجَعلَ زوالَ الملكِ عن المَواتِ شرطًا في جَوازِ ملكِه بالإِحياءِ، فدَلَّ على أنَّ ما جَرَى عليه ملكٌ لَم

стр. 7086

يَجزْ أنْ يُملَكَ بالإِحياءِ، وهذا الحَديثُ مُقيِّدٌ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له». ولما رَواه البُخاريُّ عن عُروةَ، عن عائِشةَ ﵂، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ أَعمرَ أرضًا ليسَت لأحدٍ فهو أحقُّ بها»، قالَ عُروةُ: «قَضى به عُمرُ ﵁ في خِلافتِه ورَأى ذلك عَليٌّ في أرضِ الخرابِ بالكوفةِ مَواتٌ» (١). وفي رِوايةٍ عن عُروةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ أَحيا أرضًا مَواتًا ليسَت لأحدٍ فهي له، ولا حقَّ لعرقٍ ظالمٍ»، قالَ عُروةُ: العرقُ الظالمُ: الرَّجلُ يَعمرُ الأرضَ الخَربةَ وهي للناسِ قد عَجزُوا عنها فتَرَكوها حتى خرِبَت (٢)، ولأنَّها أرضٌ استَقرَّ عليها ملكُ مُسلمٍ فلم يَجزْ أنْ تُملَكَ بالإِحياءِ. ولأنَّ سائرَ الأَموالِ لا يَزولُ الملكُ عنها بالتَّركِ بدَليلِ سائرِ الأَملاكِ إذا تُركَت حتى تشَعَّثتْ، وما ذَكرُوه يَبطلُ بالمَواتِ إذا أَحياهُ إِنسانٌ ثُم باعَه فتركَه المُشتَري حتى عادَ مَواتًا، وباللُّقَطةِ إذا ملَكَها ثُم ضاعَت منه، ويُخالِفُ ماءَ النهرِ فإنَّه استُهلكَ. وأما استِدلالُهم بقولِه ﷺ : «مَنْ أَحيا أرضًا مَواتًا فهي له» فهو دليلٌ عليهم؛ لأنَّ الأولَ قد أَحياها فوجَبَ أنْ يَكونَ أَحقَّ بها مِنْ الناسِ؛ لأَمرينِ:

стр. 7087

أحدهُما: أنَّه أَسبَقُ. والثانِي: أنَّ مُلكَه قد ثبَتَ باتِّفاقٍ (١). قالَ المَرغينانِيُّ ﵀: فلو أَحياها ثُم ترَكَها فزرَعَها غيرُه فقد قِيل: الثانِي أَحقُّ بها؛ لأنَّ الأولَ ملَكَ استِغلالَها لا رَقبتَها، فإذا ترَكَها كانَ الثانِي أحقَّ بها، والأصحُّ أنَّ الأولَ يَنزعُها مِنْ الثانِي لأنَّه ملَكَها بالإِحياءِ على ما نطَقَ به الحَديثُ؛ إذ الإِضافةُ فيه ب «لام» التَّمليكِ، وملكُه لا يَزولُ بالتَّركِ (٢). قالَ في «العِناية»: وقولُه: (والأَصحُّ أنَّ الأولَ يَنزعُها مِنْ الثانِي)، بَيانُه أنَّ المَشايخَ ﵏ اختَلفُوا في أنَّ إِحياءَ المَواتِ يُثبتُ ملكَ الاستِغلالِ أو ملكَ الرَّقبةِ، فذهَبَ بعضُهم -منهم الفَقيهُ أَبو القاسمِ أحمدُ البَّلخيُّ ﵀ إلى الأولِ قِياسًا على مَنْ جلَسَ في مَوضعٍ مُباحٍ فإنَّ له الانتِفاعَ به، فإذا قَامَ عنه وأَعرَضَ بطَلَ حقُّه. وعامَّتُهم إلى الثانِي استِدلالًا بالحَديثِ، فإنَّه أَضافَ لامَ التَّمليكِ في قولِه: «فهي له»، وملكُه لا يَزولُ بالتَّركِ (٣).

стр. 7088

الحالةُ الثانِيةُ: ما مُلكَ بالإِحياءِ ثُم اندَثرَ ولم يُعرَفْ مالكُه: اختَلفَ الفَقهاءُ فيما مُلكَ بالإِحياءِ ثُم تُركَ حتى دثَرَ وعادَ مَواتًا ولَم يُعرَفْ مالكُه، هل يَجوزُ إِحياؤُه أم لا؟ وتَكونُ لورثتِه أو لبيتِ المالِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ الحَنفيةِ في المُفتَى به عندَهم والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ ما مُلكَ بالإِحياءِ ثُم اندَرسَ ولم يُعرَفْ مالكُه فهو ملكٌ لمُسلمٍ غيرِ مُعيَّنٍ، ويَجوزُ إِحياؤُه؛ لعُمومِ الأَخبارِ، ولأنَّها أرضٌ مَواتٌ لا حقَّ فيها لقومٍ بأَعيانِهم، أَشبهَتْ ما لَم يَجرِ عليه ملكُ مالكٍ، ولأنَّها إنْ كانَت في دارِ الإِسلامِ فهي كلُقَطةِ دارِ الإِسلامِ، وإنْ كانَت في دارِ الكُفرِ فهي كالرِّكازِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ -وهو قولٌ مَحكيٌّ عن مُحمدِ بنِ الحَسنِ الشَّيبانِيِّ- والحَنابلةُ في رِوايةٍ -وهي ظاهرُ كَلامِ الخِرقيِّ- أنَّها لا تُملَكُ بالإِحياءِ؛ لمَا رُويَ مَرفوعًا: «مَنْ أَحيا مَواتًا مِنْ الأرضِ في غيرِ حقِّ مُسلمٍ فهو له، وليسَ لعِرقٍ ظالِمٍ حقٌّ» (٢). فقيَّدَه بكَونِه في غيرِ حقِّ مُسلمٍ، وهذه في حقِّ مُسلمٍ،

стр. 7089

ولأنَّ هذه الأرضَ لها مالكٌ فلَم يَجزْ إِحياؤُها كما لو كانَ مُعينًا، فإنَّ مالِكَها إنْ كانَ له وَرثةٌ فهي لهم، وإنْ لم يَكنْ له وَرثةٌ ورِثَها المُسلِمونَ (١). قالَ الشافِعيةُ: والأمرُ فيه إذا لم يُعلَمْ مالكُه مُفوَّضٌ إلى رأيِ الإمامِ، فإنْ رَأى أنْ يَحفظَه إلى أنْ يَظهرَ مالكُه أو ورثتُه فَعلَ، وإنْ رَأى أنْ يَبيعَه ويَحفظَ ثمنَه على مالكِه فيَفعلُ مِنْ ذلك ما يَرى النَّظرَ فيه، وله أنْ يَستقرِضَ ذلك على بَيتِ المالِ على الصَّحيحِ على المَذهبِ. وهل يَجوزُ للإمامِ أنْ يُعطيَه مَنْ يُعمِّرُه أم لا؟ على وَجهينِ: أحدُهما: لا يَجوزُ لاستِقرارِ الملكِ عليه. والوَجهُ الثانِي: يَجوزُ إذا رَأى ذلك صَلاحًا؛ لقِيامِه بالنَّظرِ العامِّ (٢). النوعُ الثانِي: ما يُوجدُ فيه آثارُ ملكٍ قَديمٍ كآثارِ الرُّومِ ومَساكنِ ثَمودَ ونحوِها: اختَلفَ الفَقهاءُ فيما لو كانَت على الأرضِ آثارُ عِمارةٍ جاهليَّةٍ كآثارِ الرُّومِ ونحوِها، هل تُملَكُ بالإِحياءِ أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في الأَظهرِ والحَنابلةُ في المَذهبِ (وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ كما تقَدمَ) إلى أنَّها تُملَكُ بالإِحياءِ كالرِّكازِ، ولأنَّ ذلك

стр. 7090

الملكَ لا حُرمةَ له، رَوى ابنُ أَبي شَيبةَ في مُصنَّفِه مَوقوفًا على ابنِ عَباسٍ ﵄ قالَ: «إنَّ عادِيَّ الأرضِ للهِ ولرَسولِه ولكم مِنْ بعدُ، فمَن أَحيا شيئًا مِنْ مَوتانِ الأرضِ فهو أَحقُّ به» (١). وقد رُويَ عن طاوسَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «عَاديُّ الأرضِ للهِ ولرَسولِه ثُم هو بعدُ لكم» (٢). رَواه أَبو عُبيدٍ في «الأَموال»، وقالَ: عادِيُّ الأرضِ التي كانَ بها ساكِنٌ في آبادِ الدَّهرِ فانقَرضُوا فلم يَبقَ منهم أَنيسٌ، وإنَّما نَسبَها إلى عادٍ لأنَّهم كانُوا مع تَقدُّمِهم ذَوي قوَّةٍ وبَطشٍ وآثارٍ كَثيرةٍ، فنسَبَ كلَّ أثرٍ قَديمٍ إليهم. ولأنَّه لو وُجدَ في بَلادِ الشِّركِ رِكازٌ مِنْ ضَربِ المُشرِكينَ لمَلكَه بالوُجودِ، وإنْ كانَ قد جَرى عليه ملكُ مُشركٍ، فكذلك إذا أَحيا مَواتًا جَرى عليه ملكٌ لمالكٍ غيرِ مَعروفٍ مِنْ المُشرِكينَ. وذهَبَ الشافِعيةُ في قولٍ والحَنابلةُ في احتِمالٍ إلى أنَّ كلَّ ما فيه أَثرُ الملكِ ولم يُعلَمْ زَوالُه قبلَ الإِسلامِ أنَّه لا يُملكُ؛ لأنَّه ليسَ بمَواتٍ، ولأنَّه يَحتملُ أنَّ المُسلِمينَ أَخذُوه عامرًا فاستَحقُّوه فصارَ مَوقوفًا بوقفٍ عُمِّرَ له، فلم يُملَكْ كما لو عُلمَ مالكُه (٣).

стр. 7091

هل يُشتَرطُ إذنُ الإمامِ في الإِحياءِ أم لا؟ ابتِداءً، لَم يَقلْ أحدٌ مِنْ عُلماءِ أمةِ الإِسلامِ قاطِبةً إنَّ أرضَ المُسلِمينَ هي ملكٌ شَخصيٌّ للحاكمِ، وإنَّما هي لعامَّةِ المُسلِمينَ، وإنَّما للحاكمِ حقُّ التصرُّفِ الذي يَعودُ بمَصلحةٍ للمُسلِمينَ في هذه الأرضِ، والعُلماءُ الذين اختلفُوا هل يُشتَرطُ لصِحةِ الإِحياءِ إذنُ الإمامِ أو لا يُشتَرطُ إذنُه؟ كلُّهم مُجمِعونَ على أنَّ أرضَ الإِسلامِ لَيسَت ملكًا شخصيًّا للحاكمِ. اختَلفَ الفَقهاءُ في الإِحياءِ، هل يُشتَرطُ لمَن أَرادَ أنْ يُحييَ أرضًا مَواتًا أنْ يَأذنَ الإمامُ له أم يَجوزُ بغيرِ إذنِه؟ في ذلك تَفصيلٌ بينَ العُلماءِ على النحوِ التالِي: أولًا: الأرضُ البَعيدةُ عن العُمرانِ: اختَلفَ الفَقهاءُ في الأرضِ البَعيدةِ عن العُمرانِ، هل يَجوزُ إِحياؤُها بغيرِ إذنِ الإمامِ أم يُشتَرطُ إذنُه في إِحيائِها؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه لو أذِنَ فيها الإمامُ ملَكَها. فذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ والصَّاحبانِ مِنْ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ إلى أنَّه لا يُشتَرطُ لصِحةِ الإِحياءِ إذنُ الإمامِ، فمَن أَحيا مَواتًا مَلكَه سَواءٌ أذِنَ فيه الإمامُ أم لَم يَأذنْ، وذلك اكتِفاءً بإذنِ إمامِ الأئِمةِ شَفيعِ الأمَّةِ نَبيِّنا

стр. 7092

مُحمدٍ ﷺ ، فقد أذِنَ ﷺ ، وكذا الخُلفاءُ مِنْ بعدِه، فقد رَوى البُخاريُّ وغيرُه عن عُروةَ، عن عائِشةَ ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ أَعمَرَ أرضًا ليسَت لأحدٍ فهو أَحقُّ بها»، قالَ عُروةُ: «قَضى به عُمرُ ﵁ في خِلافتهِ ورَأى ذلك عَليٌّ في أرضِ الخَرابِ بالكوفةِ مَواتٌ» (١). وعن سَعيدِ بنِ زيدٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له، وليسَ لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ» (٢). وعن جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له، وما أَكلتِ العافيةُ فهو له صَدقةٌ» (٣). وعن سَمرةَ بنِ جُندبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ أَحاطَ حائِطًا على أرضٍ فهي له» (٤). وإذنُه ﷺ عامٌّ في جَميعِ الأَحوالِ؛ لأنَّه إذنٌ عن اللهِ تَعالى، فهو نافذٌ على جَميعِ الخَلقِ إلى يومِ القِيامةِ، ولو كانَ إِذنًا لأهلِ عَصرِه لعيَّنَ المَأذونَ فيه والبُقعةَ.

стр. 7093

ولأنَّ الأرضَ أرضُ اللهِ والعبيدُ عبيدُه، وقد أذِنَ لهم في تَملُّكِها، فعن عُروةَ قالَ: «أَشهدُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَضى أنَّ الأرضَ أرضُ اللهِ والعِبادَ عِبادُ اللهِ، ومَن أَحيا مَواتًا فهو أَحقُّ به جاءَنا بهذا عن النَّبيِّ ﷺ الذين جاؤُوا بالصَّلواتِ عنه» (١). ورَوى ابنُ أَبي شَيبةَ في مُصنَّفهِ مَوقوفًا على ابنِ عَباسٍ ﵄ قالَ: «إنَّ عادِيَّ الأرضِ للهِ ولرَسولِه ولكم مِنْ بعدُ، فمَن أَحيا شيئًا مِنْ مَوتانِ الأرضِ فهو أحقُّ به» (٢). وعن هِشامٍ عن الحَسنِ مَوقوفًا قالَ: «مَنْ أَحيا أرضًا مَواتًا لم تَكنْ لأحدٍ قبلَه فهي له»، قالَ هِشامٌ: وكتَبَ بذلك عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ (٣). ولأنَّها عَينٌ لم يَتقدَّمْ عليها ملكٌ بحيثُ لا يُستَباحُ منها، فلم يَفتقرْ تَملُّكُها إلى إذنِ الإمامِ، كالحَطبِ والحَشيشِ، ولو كانَ يُشتَرطُ إذنُ الإمامِ لبيَّنَه النَّبيُّ ﷺ ؛ لأنَّه أذِنَ ولم يُفرِّقْ بينَ أنْ يَكونَ بإذنِ الإمامِ أو بغيرِ إذنِه، ولأنَّه ليسَ في ذلك إِتلافُ حقِّ غيرِه، ولا ما يُؤدِّي إلى التَّخاصمِ والعَداوةِ، فكَانَ مملَّكًا بالإِحياءِ مُباحًا كتَمليكِ الحَشيشِ والصَّيدِ بالأَخذِ. ولأنَّ هذه الأرضَ لا يَتعلَّقُ بها حقٌّ لغيرِ المُحيِي، فلم يُحتَجْ في إِحيائِها إلى إذنِ الإمامِ كما لو ملَكَها المُحيِي.

стр. 7094

وقولُ النَّبيِّ ﷺ يَبقى على عُمومِه فيما كانَ بإذنِ الإمامِ وبغيرِ إذنِه، ولأنَّ ما يَبتدِئُ المُسلمُ بملكِه لا يَفتقرُ إلى إذنِ الإمامِ كالصَّيدِ، ولأنَّ كلَّ ما لا يَفتقرُ بملكِ الصَّيدِ إليه لم يَفتقرْ إلى إذنِ الإمامِ كالصَّيدِ، ولأنَّ كلَّ ما لا يَفتقرُ بملكِ الصَّيدِ إليه لم يَفتقرِ الإِحياءُ له كإذنِ غيرِ الإمامِ، ولأنَّ كلَّ ما لا يَنحصرُ على الإمامِ الإذنُ فيه لَم يَفتقرِ الإِحياءُ له كإذنِ غيرِ الإمامِ، ولأنَّ كلَّ ما لا يَنحصرُ على الإذنِ فيه لم يَفتقرْ تَملُّكُه إلى إذنِه كالماءِ والحَطبِ، ولأنَّ كلَّ مالٍ لَم يَملُكْه مُسلمٌ لَم يَفتقرِ المُسلِمُ في تَملُّكِه إلى إذنِ الإمامِ كالغَنائمِ، ولأنَّه نوعُ تَمليكٍ فلَم يَفتقرْ إلى إذنِ الإمامِ كالبيعِ والهِبةِ، ولأنَّ الإذنَ في التَّمليكِ إنَّما يُستفادُ به رَفعُ الحَجرِ عن المُتمَلَّكِ، والمَواتُ مَرفوعٌ الحَجرُ عنه، فلم يُفدْه الإذنُ صِحةَ التَّمليكِ. ولأنَّ إمامَ الأئِمةِ نبيَّنا محمدًا ﷺ قد طَابَتْ به نفسُه لنا بقولِه: «عاديُّ الأرضِ للهِ ولِرَسولِه ثُم هو بعدُ لكم» (١). وعنِ ابنِ عَباسٍ ﵄ موقوفًا: «إنَّ عاديَّ الأرضِ للهِ ولرَسولِه ولكم مِنْ بعدُ، فمَن أَحيا شيئًا مِنْ مَوتانِ الأرضِ فهو أحقُّ به» (٢). أيْ: هي لكم أنْ تُحيُوها.

стр. 7095

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: إذا لَم يَكنْ للمواتِ مالكٌ فمَن أَحيا مِنْ أهلِ الإِسلامِ فهو له دونَ غيرِه، ولا أُبالِي أَعطاه إِيَّاه السلطانُ أو لم يُعطِه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أَعطاه، وإعطاءُ النَّبيِّ ﷺ أحقُّ أنْ يتمَّ لمَن أَعطاه مِنْ عطاءِ السلطانِ. ثُم ذَكرَ الأَحاديثَ السابقةَ، ثُم قالَ: وبهذا نَأخذُ، وعطيةُ رَسولِ الله ﷺ مَنْ أَحيا أرضًا مَواتًا أنَّها له أكثرُ له مِنْ عطيةِ الوالي، وليسَ للوالي أنْ يُعطيَ أحدًا ما ليسَ له ولا يَمنعُه ما له، ولا على أحدٍ حرجٌ أنْ يَأخذَ ما له، وإذا أَحيا أرضًا مَيتةً فقد أَخذَ ما له ولا دافع عنها، فيُقالُ للرجلِ فيما لا دافعَ عنه وله أخذُه لا تَأخذْ إلا بإذنِ سلطانٍ، وما عَلمتُ أحدًا منَ الناسِ خَالفَ في هذا غيرَكم وغيرَ مَنْ رَويتُم هذا عنه إلا أبَا حَنيفةَ، فإنِّي أَراكم سَمعْتم قولَه فقُلْتم به، ولقد خالَفَه أَبو يُوسفَ فقَالَ فيه مثلَ قولِنا، وعَابَ قولَ أَبي حَنيفةَ بخِلافِ السُّنةِ (١).

стр. 7096

وذهَبَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّه يُشتَرطُ لصِحةِ الإِحياءِ إذنُ الإمامِ، فمَن أَحيا أرضًا مَواتًا بغيرِ إذنِ الإمامِ لم يَملِكْها؛ لمَا رُويَ مَرفوعًا: «إنَّما للمَرءِ ما طابَتْ به نَفسُ إِمامِه» (١)، والمرادُ به المُباحاتُ، فإذا لَم يَأذَنْ فلم تَطبْ نَفسُه به فلا يَكونُ له، ولأنَّ ما يَتعلَّقُ به حقُّ المُسلِمينَ لا يختَصُّ به واحدٌ دونَ واحدٍ إلا بإذنِ الإمامِ، أصلُه الرِّزقُ مِنْ بَيتِ المالِ. ولأنَّ المَواتَ غَنيمةٌ فلا بدَّ للاختِصاصِ به مِنْ إذنِ الإمامِ كسائرِ الغَنائمِ، والدَّليلُ عليه أنَّ «غَنيمةً» اسمٌ لما أُصِيبَ مِنْ أهلِ الحربِ بإِيجافِ الخَيلِ والرِّكابِ، والمَواتُ كذلك؛ لأنَّ الأرضَ كلَّها كانَت تحتَ أيدِي أهلِ الحربِ استَولَى عليها المُسلِمونَ عَنوةً وقَهرًا فكانَت كلُّها غَنائمَ، فلا يَختصُّ بعضُ المُسلِمينَ بشيءٍ منها مِنْ غيرِ إذنِ الإمامِ كسائرِ الغَنائمِ، بخِلافِ الصَّيدِ والحَطبِ والحَشيشِ؛ لأنَّها لم تَكنْ في يدِ أهلِ الحَربِ فجَازَ أنْ تُملَكَ بالاستِيلاءِ وإِثباتِ اليدِ عليها. وقولُ الرَسولِ ﷺ : «ألَا إنَّ عادِيَّ الأرضِ هي للهِ ورَسولِه ثُم هي لكم مِنْ بعدُ» فما كانَ مُضافًا إلى اللهِ تَعالَى والرَسولِ ﷺ فالتَّدبيرُ فيه إلى الإمامِ، فلا يَستبِدُّ أحدٌ به بغيرِ إذنِ الإمامِ كخُمسِ الغَنيمةِ، فرَسولُ اللهِ ﷺ في هذا الحَديثِ أَشارَ إلى أنَّ هذه الأَراضي كانَت

стр. 7097

في يدِ المُشرِكينَ ثُم صارَت في يدِ المُسلِمينَ بإِيجافِ الخيلِ، فكَانَ ذلك لهم مِنْ اللهِ تَعالَى ورَسولِه ﵊، وما كانَ بهذه الصفةِ لم يَختصَّ أحدٌ بشيءٍ منه دونَ إذنِ الإمامِ كالغَنائمِ. وأصلُ اشتِقاقِ الكَلمةِ مِنْ الحَجرِ، وهو المَنعُ، فإنَّ مَنْ أَعلمَ في مَوضعٍ مِنْ المَواتِ عَلامةً فكأنَّه منَعَ غيرَه مِنْ إِحياءِ ذلك المَوضعِ، فسُمِّيَ فِعلُه تَحجيرًا، وبَيانُ ذلك أنَّ الرجلَ إذا مرَّ بمَوضعٍ مِنْ المَواتِ فقصَدَ إِحياءَ ذلك المَوضعِ فوضَعَ حولَ ذلك المَوضعِ أحجارًا، أو حصَدَ ما فيها مِنْ الحَشيشِ والشَّوكِ وجعَلَها حوْلَ ذلكَ فمنَعَ الداخِلَ مِنْ الدُّخولِ فيها؛ فهَذا تَحجيرٌ ولا يَكونُ إحياءً. ثُم عندَ أَبي حَنيفةَ إذا لم يَملكْها بالإِحياءِ وملَّكَه إيَّاها الإمامُ بعدَ الإِحياءِ تَصيرُ ملكًا له، والأَولى للإمامِ أنْ يَجعلَها له إذا أَحيَاها ولا يَستَردَّها منه، وهذا إذا ترَكَ الاستِئذانَ جَهلًا، أما إذا ترَكَه تَهاونًا بالإمامِ كانَ له أنْ يَستَردَّها زَجرًا له، فإذا ترَكَها له الإمامُ ترَكَها بعُشرٍ أو خَراجٍ. وفي «الهدايةِ»: يَجبُ فيها العُشرُ؛ لأنَّ ابتِداءَ تَوظيفِ الخَراجِ على المُسلمِ لا يَجوزُ إلا إذا سَقاها بماءِ الخَراجِ، حِينئذٍ يَكونُ إِبقاءُ الخَراجِ على اعتِبارِ الماءِ (١).

стр. 7098

ثانيًا: الأرضُ القَريبةُ مِنْ العُمرانِ: اختَلفَ الفَقهاءُ في الأرضِ القَريبةِ مِنْ العُمرانِ ولم تَكنْ مِنْ مُرافقِه، هل يَجوزُ إِحياؤُها بغيرِ إذنِ الإمامِ أم يُشتَرطُ أنْ يَأذنَ فيها الإمامُ؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ وأشهبُ مِنْ المالِكيةِ (١) إلى أنَّه لا يُشتَرطُ إذنُ الإمامِ في إِحياءِ ما قَربَ مِنْ العامرِ إذا لم يَكنْ مِنْ مَرافقِ العامرِ وحريمِه؛ لعُمومِ قولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له، وليسَ لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ» (٢) ولم يُفرِّقِ النَّبيُّ ﷺ بينَ ما قرُبَ مِنْ العامرِ وما بَعُدَ. قالَ الإمامُ الشَّافعِيُّ ﵀: أَخبَرنا ابنُ عُيينةَ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عن يَحيى بنِ جَعدةَ قالَ: «لمَّا قدِمَ رَسولُ اللهِ ﷺ المَدينةَ أَقطعَ الناسَ الدّورَ، فقَالَ حيٌّ مِنْ بَني زُهرةَ -يُقالُ لهم بنُو عبدِ بنِ زُهرةَ-: نكَبَ عنَّا ابنُ أمِّ عبدٍ -أيْ أَخرجَ مِنْ جُملتِنا ابنَ مَسعودٍ- فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : فلِمَ ابتَعثَني اللهُ إذًا؟ إنَّ اللهَ لا يُقدّسُ أُمّةً لا يُؤخذُ للضَّعِيفِ فيهم حقُّه» (٣).

стр. 7099

قالَ الشافِعيُّ: في هذا الحَديثِ دَلائلُ: منها: أنَّ حقًّا على الوالِي إِقطاعُ مَنْ سَألَه القَطيعَ مِنْ المُسلِمينَ؛ لأنَّ فِي قولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ لا يُقدِّسُ أمَّةً لا يُؤخَذُ للضَّعيفِ فيهم حقُّهُ» دَلالةً أنَّ لمَن سَألَه الإِقطاعَ أنْ يُؤخَذَ للضَّعيفِ فيهم حقُّه وغيرُه. ودَلالةٌ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطَعَ الناسَ بالمَدينةِ، وذلك بينَ ظَهرانَيْ عِمارةِ الأَنصارِ مِنْ المَنازلِ والنَّخلِ، فلَم يَكنْ لهم بالعامرِ مَنعُ غيرِ العامرِ، ولو كانَ لهم لَم يَقطعْه الناسُ، وفي هذا دَلالةٌ على أنَّ ما قارَبَ العامرَ وكانَ بينَ ظَهرانَيْه وما لم يُقاربْ مِنْ المَواتِ سواءٌ في أنَّه لا مالكَ له، فعلى السُّلطانِ إِقطاعُه ممَّن سأَلَه مِنْ المُسلِمينَ. قالَ الشافِعيُّ: أخبَرَنا ابنُ عُيينةَ عن هِشامٍ عن عُروةَ عن أَبيه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أقطَعَ الزُّبيرَ أرضًا، وأنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ أقطَعَ العَقيقَ أَجمَعَ، وقالَ: أينَ المُستَقطعونَ؟ (قالَ الشافِعيُّ) والعَقيقُ قَريبٌ مِنْ المَدينةِ، وقولُه: «أين المُستقطِعونَ نَقطعُهم؟» وإنَّما أقطَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ ثُم عُمرُ، ومَن أقطَعَ ما لا يَملكُه أحدٌ يُعرَفُ مِنْ المَواتِ، وفي قولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَحيا مَواتًا فهو له» دليلٌ على أنَّ مَنْ أَحيا مَواتًا كانَ له كما يَكونُ له إنْ أقطَعَه، واتِّباعٌ في أنْ يَملكَ مَنْ أَحيا المَواتَ ما أَحيا كاتِّباعِ أَمرِه في أنْ يَقطعَ المَواتَ من يُحيِيه، لا فرقَ بينَهما، ولا يَجوزُ أنْ

стр. 7100

يُقطعَ المَواتَ مَنْ يُحيِيه ولا مالكَ له، وإذا قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَحيا مَواتًا فهو له» فعَطيةُ رَسولِ اللهِ ﷺ عامةٌ لمَن أَحيا المَواتَ، فمَن أَحيا المَواتَ فبعَطيةِ رَسولِ اللهِ ﷺ أَحياه، وعَطيتُه في الجُملةِ أثبَتُ مِنْ عَطيةِ مَنْ بعدَه في النصِّ والجُملةِ، وقد رُويَ عن عُمرَ مثلُ هذا المَعنى لا يُخالفُه (١). وقالَ البُهوتيُّ ﵀: وما قرُبَ مِنْ العامرِ لكنَّه لا يَتعلقُ بمَصالحِه مُلكَ بإِحياءٍ كالبَعيدِ عنه؛ لعُمومِ ما سبَقَ مع انتِفاءِ المانعِ وهو التَّعلقُ بمَصالحِ العامرِ، وللإمامِ إِقطاعُ ما قرُبَ مِنْ العامرِ ولَم يَتعلَّقْ بمَصالحِه «لأنَّه ﷺ أقطَعَ بِلالَ بنَ الحارثِ العَقيقَ» مع قربِه مِنْ عامرِ المَدينةِ (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ ما قرُبَ مِنْ العامرِ -على تَفصيلٍ بينَهم في المَقصودِ به- أنَّه لا يَجوزُ إِحياؤُه إلا بإذنِ الإمامِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «وليسَ لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ»، والذي يُحيِي بقُربِ العُمرانِ قد يَظلمُ في إِحيائِه ويَستضِرُّ الناسُ بذلك؛ لتَضييقِه عليهم في مَسارحِهم وعِماراتِهم ومَواضعِ مَواشيهم ومَراعي أَغنامِهم، فاحتاجَ إلى نظرِ الإمامِ واجتِهادِه في ذلك.

стр. 7101

ولأنَّ ما قرُبَ مِنْ البلدِ في حُكمِ فنائِه، فالانتِفاعُ به مُشتَركٌ بينَ أَهلِ البلدِ مِنْ الاحتِطابِ به والاصِطيادِ والرَّعيِ وغيرِ ذلك مِنْ وجوهِ الإِرفاقِ، فلو أُجيزَ لكلِّ واحدٍ اقتِطاعُه لأضرَّ ذلك بأَهلِ البلدِ، فلم يَكنْ بدٌّ مِنْ نَظرِ الإمامِ لِيكونَ كالحُكمِ. ولأنَّه إذا كانَ بالقُربِ مِنْ العُمرانِ يُؤدِّي إلى التَّنازعِ والخُصومةِ، وأنْ يَقولَ مَنْ له بقربِه ملكٌ: أنا أَحقُّ بهذا؛ لأنَّه بقُربِ ملكِي، ولأنِّي مُحتاجٌ إليه لصَلاحِ ملكِي، فاحتِيجَ إلى إذنِ الإمامِ لقَطعِ الخُصومةِ (١). قالَ المالِكيةُ: فإنْ تَعدَّى وأَحياه بدونِ إذنِ الإمامِ؛ فالإمامُ مُخيَّرٌ بينَ إِمضائِه له أو ردِّه، لأنَّه لما كانَ للإمامِ منعُه بما في ذلك ضَررٌ على المُسلِمينَ، وأنَّه لا يَستحقُّ ذلك إلا إذا أَباحَه له لكَونِه أصلًا له ولا ضررَ فيه على غيرِه فكذلك إذا تعَدَّى وعمَّرَه بغيرِ إذنِ الإمامِ؛ لكونِ النَّظرِ فيه لِلإمامِ باقيًا، ولا يُخرجُه بتَعدِّيه فيه وسَبقِه إليه عن نَظرِ الإمامِ واجتِهادِه بشَرطينِ: الأولُ: أنْ يَكونَ المَوضعُ لا مَضرَّةَ في إِحيائِه.

стр. 7102

والثانِي: أنْ يَكونَ المُحيِي لا يَستضرُّ أهلُّ العِمارةِ به، أو يَكونَ هو أَصلحُ لهم مِنْ غيرِه. وهذا في حقِّ المُسلمِ فإنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَأذنَ للذِّميِّ فيما قرُبَ مِنْ العُمرانِ، بل يُخرجُه ويُعطيه قِيمةَ ما عمَّرَ؛ لأنَّ ما قرُبَ مِنْ العُمرانِ بمنزلةِ الفيءِ، والذِّميُّ لا حقَّ له في الفيءِ. وله أنْ يُزيلَه عنه ويَأخذَه لجَماعةِ المُسلِمينَ ويُعطيَه قِيمةَ عملِه مَنقوضًا من بيتِ المالِ، أو يُعطيَه إيَّاه بعدَ أمرِه بقَلعِه، ولا يَرجعُ عليه فيما استَغلَّه فيما مَضى لكَونِه مِنْ جُملةِ المُسلِمينَ الذين لهم فيه حقٌّ (١). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفقُوا على جَوازِ إِحياءِ الأرضِ المَيتةِ العارِيةِ، ثُم اختلَفُوا هل يُشتَرطُ في ذلك إذنُ الإمامِ؟ فقالَ أَبو حَنيفةَ: يُحتاجُ إلى إذنِه. وقالَ مالكٌ: ما كانَ في الفَلاةِ وحيثُ لا يَتشاحُّ الناسُ فيه فلا يُحتاجُ إلى إذنِ الإمامِ، وما كانَ قريبًا مِنْ العُمرانِ وحيثُ يَتشاحُّ الناسُ فيه افتقَرَ إلى إذنِ الإمامِ. وقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ: لا يَفتقرُ إلى إذنِ الإمامِ (٢).

стр. 7103

حدُّ القُربِ والبُعدِ مِنْ العامرِ: حدُّ البُعدِ مِنْ العامرِ عندَ أَبي يُوسفَ أنْ يَكونَ في مَكانٍ بحيثُ لو وقَفَ إِنسانٌ جَهْوريُّ الصوتِ في أقصَى العامرِ فصاحَ بأَعلى صَوتِه لم يُسمَعْ منه فإنَّه مَواتٌ، وإنْ كانَ يُسمَعُ فليسَ بمَواتٍ؛ لأنَّه فِناءُ العامرِ فيَنتفِعونَ به؛ لأنَّهم يَحتاجونَ إليه لرَعيِ مَواشيهم وطَرحِ حَصائدِهم، فلَم يَكنْ انتِفاعُهم مُنقطِعًا عنه ظاهرًا فلا يَكونُ مَواتًا. وعندُ مُحمدٍ: يُعتبَرُ حَقيقةُ الانتِفاعِ، حتى لا يَجوزَ إِحياءُ ما يَنتفِعُ به أهلُ القريةِ وإنْ كانَ بعيدًا، ويَجوزُ إِحياءُ ما لا يَنتفِعونَ به وإنْ كانَ قَريبًا مِنْ العامرِ. فأَبو يُوسفَ اشتَرطَ البعدَ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ ما يَكونُ قَريبًا مِنْ القريةِ لا يَنقطعُ ارتِفاقُ أهلِها عنه. ومُحمدٌ اعتبَرَ انقِطاعَ ارتِفاقِ أهلِ القَريةِ عنها حَقيقةً (١). وأما المالِكيةُ فقالَ الحَطابُ ﵀: والقَريبُ هو حَريمُ العِمارةِ مما يَلحقونَه غَدوًّا ورَواحًا قالَه في «التوضيح»، وقالَه في «الجواهر» ونصُّه: وأما البَعيدُ فلا يَفتقرُ إلى إذنِ الإمامِ فيه وهو ما كانَ خارجًا عما يَحتاجُه أهلُ العُمرانِ مِنْ مُحتطَبٍ ومرعًى، ممَّا العادةُ أنَّ الرِّعاءُ يَصلونَ إليه ثُم يَعودونَ إلى مَنازلِهم فيَبيتونَ بها، ويَحتطبُ المُحتطِبُ ثُم يَعودُ إلى مَنزلِه انتهى.

стр. 7104

وقالَ ابنُ رشدٍ في رسمِ الدورِ مِنْ سماعِ يَحيى في كِتابِ السِّدادِ والأَنهارِ: وحَدُّ البَعيدِ مِنْ العُمرانِ الذي يَكونُ لمن أَحياه دونَ إذنِ الإمامِ ما لم يَنتهِ إليه مَسرحُ العُمرانِ واحتِطابُ المُحتطِبينَ إذا رجَعُوا إلى المَبيتِ في مَواضعِهم مِنْ العُمرانِ انتهى (١). إِحياءُ ما كانَ مِنْ مَرافقِ العامرِ: لا خِلافَ بينَ الفَقهاءِ على أنَّ ما كانَ مِنْ مَرافقِ العامرِ ومَصالحِه لا يَجوزُ إِحياؤُه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وما قرُبَ مِنْ العامرِ وتعلَّقَ بمَصالحِه مِنْ طُرقِه ومَسيلِ مائِه ومَطرحِ قُمامتِه ومَلقى ترابِه وآلاتِه فلا يَجوزُ إِحياؤُه بغيرِ خِلافٍ في المَذهبِ، وكذلك ما تَعلقَ بمَصالحِ القريةِ كفِنائِها ومَرعى ماشيتِها ومحتطبِها وطرقِها ومَسيلِ مائِها لا يُملَكُ بالإِحياءِ، ولا نَعلمُ فيه أيضًا خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ، وكذلك حَريمُ البِئرِ والنَهرِ والعَينِ وكلِّ مَملوكٍ لا يَجوزُ إِحياءُ ما تَعلقَ بمَصالحِه؛ لقولِه ﵇: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً في غيرِ حقِّ مُسلمٍ فهي له»، مَفهومُه أنَّ ما تَعلقَ به حقُّ مُسلمٍ لا يُملَكُ بالإِحياءِ، ولأنَّه تابعٌ للمَملوكِ، ولو جوَّزْنا إِحياءَه لبطَلَ الملكُ في العامرِ على أَهلِه، وذكَرَ القاضِي أنَّ هذه المَرافقَ لا يَملكُها المُحيِي بالإِحياءِ، لكن هو أحقُّ بها مِنْ غيرِه؛ لأنَّ الإِحياءَ الذي هو سَببُ الملكِ لم يُوجَدْ فيها (٢).

стр. 7105

إِحياءُ الذِّميِّ للمَواتِ: اتَّفقَ الفَقهاءُ على أنَّ الإِحياءَ المَذكورَ إنَّما هو للمُسلمِ خاصَّةً، واختَلفوا في الذِّميِّ هل يَجوزُ له إِحياءُ المَواتِ ويَشتركُ مع المُسلمِ في حكمِ الإِحياءِ؟ أم أنَّ الإِحياءَ خاصٌّ بالمُسلمِ دونَ الذِّميِّ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ إلى أنَّه لا فَرقَ بينَ المُسلمِ والذِّميِّ في إِحياءِ المَواتِ، فيَجوزُ للذِّميِّ أنْ يُحييَ المَواتَ؛ لعُمومِ قولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له» (١)، ولأنَّ هذه جِهةٌ مِنْ جِهاتِ التَّمليكِ فاشتَركَ فيها المُسلمُ والذِّميُّ كسائرِ جِهاتِه، ولأنَّ الذِّميَّ مِنْ أهلِ دارِ الإِسلامِ تَجرِي عليه أَحكامُها ويَمتلكُها كما يَملكُها بالشراءِ، ويَملكُ مُباحاتِها مِنْ الحَشيشِ والحَطبِ والصّيودِ والرِّكازِ والمَعدِنِ واللُّقطَةِ، وهي مِنْ مَرافقِ دارِ الإِسلامِ. ولأنَّ الإِحياءَ سَببُ الملكِ فيَستوِي فيه المُسلِمُ والذِّميُّ كسائرِ الأَسبابِ (٢).

стр. 7106

إلا أنَّه لا يُحيِي في جَزيرةِ العَربِ -ولو أذِنَ له الإمامُ عندَ المالِكيةِ- لأنَّه ليسَ له السُّكنَى فيها، وكذا ما قرُبَ مِنْ العُمرانِ لا يَجوزُ له إِحياؤُه ولو أذِنَ فيه الإمامُ، أما ما بعُدَ عن العُمرانِ فيَجوزُ إِحياؤُه بغيرِ إذنِ الإمامِ (١). وقالَ الحَنفيةُ: لا يَجوزُ إِحياؤُه إلا بإذنِ الإمامِ اتِّفاقًا (٢). وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: لا يُشتَرطُ إذنُ الإمامِ فيما يُحيِيه الذميُّ في ديارِ الإِسلامِ كالمُسلمِ. وفي قولٍ: لا بدَّ مِنْ إذنِ الإمامِ (٣). وذهَبَ الشافِعيةُ وابنُ القصَّارِ مِنْ المالكِيةِ وبعضُ الحَنابلةِ كابنِ حامدٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ للذِّميِّ أنْ يُحيِيَ في دارِ الإِسلامِ ولا يَملكُه بذلك، سَواءٌ أذِنَ له الإمامُ أم لَم يَأذنْ، وليسَ للإمامِ أنْ يَأذنَ له في ذلك، وذلك لما رُويَ مَوقوفًا على ابنِ عَباسٍ ﵄: «إنَّ عادِيَّ الأرضِ للهِ ولرَسولِه ولكم مِنْ بعدُ، فمَن أَحيا شيئًا مِنْ مَوتانِ الأرضِ فهو أحقُّ به» (٤).

стр. 7107

وقد رُويَ عن طاوسٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «عادِيُّ الأرضِ للهِ ولِرَسولِه، ثُم هو بعدُ لكم» (١). فوجهُ الدليلِ مِنْ الخبَرِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أضافَ المَواتَ إلى اللهِ لا على سَبيلِ أنَّه يَملكُها لأنَّه مالكٌ لها ولغيرِها، وإنَّما أضافَها إلى اللهِ تَعالَى تَشريفًا لها؛ لأنَّها تُملَكُ بغيرِ عِوضٍ ولا عن مالكٍ، كما أضافَ خُمسَ الغَنيمةِ إليه لِشرفِه؛ لأنَّه يُملَكُ بغيرِ عِوضٍ ولا عن مُملّكٍ؛ لقولِه تَعالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فلمَّا لَم يَكنِ للكافرِ حقٌّ في خُمسِ الغَنيمةِ فكذلك في المَواتِ في بلادِ الإِسلامِ، وإنَّما لم يُضفِ الزكاةَ إليه؛ لأنَّها أَوساخُ الناسِ، ثُم قالَ: «ثُم هو بعدُ لكم» وهذا خَطابُ للمُسلِمينَ. حتى لو أذِنَ له الإمامُ لَم يَملِكْها؛ لأنَّه استِعلاءٌ وليسَ له أنْ يَستعليَ في دارِ الإِسلامِ، وللمُسلمِ أنْ يَأخذَه منه ويَملكَه إنْ أَحياه وإنْ لم يَأذنْ له فيه الإمامُ، فإنْ كانَ فيه عينٌ له كزَرعٍ رَدَّه المُسلمُ إليه، فإنْ أعرَضَ عنه فهو لبَيتِ المالِ وليسَ لأحدٍ التصرُّفُ فيه، ولا أجرةَ عليه مدَّةَ إِحيائِه، لأنَّه ليسَ ملكًا لأحدٍ. لكنْ يَجوزُ له وللمُستأمِنِ الاحتِطابُ والاحتِشاشُ والاصطِيادُ ونَقلُ التُّرابِ (٢).

стр. 7108

حُكمُ إِحياءِ المُستأمِنِ والحَربيِّ: ذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ إلى أنَّ المُستأمِنَ والحَربيَّ لا يَجوزُ لهم الإِحياءُ في بِلادِ الإِسلامِ مُطلقًا، ولا يَملكُوه بذلك وإنْ أذِنَ له فيه الإمامُ؛ لأنَّه استِعلاءٌ وليسَ لهم أنْ يَستَعلوا في دارِ الإِسلامِ (١).

стр. 7109

وُجودُ المَعادنِ في أرضِ الإِحياءِ: اختَلفَ الفَقهاءُ فيمَن أَحيا أرضًا مَواتًا فوجَدَ فيها شيئًا في باطنِ الأرضِ، هل يَمتلكُه بذلك أم لا؟ قالَ الشافِعيةُ: لو أَحيا مَواتًا ثُم ظهرَ فيه معدنٌ ظاهرٌ أو باطنٌ كذهبٍ أو فضةٍ أو غيرِ ذلك ولَم يَعلَمْ به مَلَكَه بلا خلافٍ؛ لأنَّه قد ملَكَ الأرضَ بالإِحياءِ، فملَكَها بجميعِ أجزائِها، والمَعدِنُ مِنْ أجزائِها فمَلَكَه، كما لو أَحيا أرضًا فنبَعَ فيها عينُ ماءٍ. وقيلَ: إنَّ الظاهرَ لا يُملَكُ بالإِحياءِ إنْ علِمَه لظهورِه مِنْ حيثُ إنَّه لا يَحتاجُ إلى علاجٍ. وإنْ علِمَ أنَّ فيها مَعدِنًا فأَحياها واتَّخذَ عليه دارًا فلا يَملكُه في أحدِ القَولينِ لِفسادِ القصدِ؛ لتَأديَتِه إلى حِرمانِ غيرِه مِنْ الانتِفاعِ. وفي القولِ الآخرِ: القَطعُ بالملكِ، إلا أنَّه لا يَملِكُ بُقعةَ المَعدِنِ بالإِحياءِ مع عِلمِه به لِفسادِ قَصدِه؛ لأنَّ المَعدِنِ لا يُتَّخذُ دارًا ولا مَزرعةً ولا بُستانًا أو نحوَها (١). وقالَ الحَنابلةُ: مَنْ أَحيا أرضًا فمَلكَها بذلك فظهَرَ فيها مَعدِنٌ؛ ملَكَه ظاهرًا كانَ أو باطنًا إذا كانَ مِنْ المَعادنِ الجامِدةِ كالذَّهبِ والفِضةِ والحَديدِ

стр. 7110

والكُحلِ؛ لأنَّه ملَكَ الأرضَ بجَميعِ أَجزائِها وطَبقاتِها وهذا منها، فيَتبعُها في الملكِ كما لو اشتَراها، بخِلافِ الرِّكازِ فإنَّه مُودَعٌ فيها للنَّقلِ وليسَ مِنْ أَجزائِها. وهذا في المَعدِنِ الظاهرِ، إذا ظهَرَ بإِظهارِه وحَفرِه، وأما ما كانَ ظاهرًا فيها قبلَ إِحيائِها فلا يُملَكُ؛ لأنهَّ قَطعٌ لنفعٍ كانَ واصلًا للمُسلِمينَ، ومَنعُهم انتِفاعًا كانَ لهم، وهاهنا لَم يَقطَعْ عنهم شيئًا؛ لأنَّه ظهَرَ بإِظهارِه له. ولو تَحجَّرَت الأرضُ أو أقطَعَها فظهَرَ فيها المَعدِنُ قبلَ إِحيائِها لكانَ له إِحياؤُها، ويَملكُها بما فيها لأنَّه صارَ أحقَّ به بتَحجُّرِه وإِقطاعِه، فلَم يَمنعْ مِنْ إِتمامِ حقِّه. وأما المَعادنُ الجاريةُ كالقارِ والنّفطِ والماءِ، فهل يَملكُها مَنْ ظهرَتْ في ملكِه؟ فيه رِوايتانِ: أَظهرهُما وهي المَذهبُ: لا يَملكُها؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «المُسلِمونَ شُركَاءُ في ثَلاثٍ: في الماءِ والكلأِ والنَّارِ وَثمنُه حَرامٌ» (١) وفي لفظٍ «الناسُ شُركاءُ»، ولأنَّها ليسَت مِنْ أَجزاءِ الأرضِ فلَم يَملكْها بملكِ الأرضِ كالكَنزِ، إلا أنَّه أحقُّ به مِنْ غيرِه؛ لحَديثِ: «مَنْ سبَقَ إلى ما لَم يَسبقْ إليه أحدٌ فهو له» رواه أَبو داودَ، وفي لفظٍ: «فهو أحقُّ به» (٢) فهنا أَولى.
следующие страницы →