أنَّ الصَّلاةَ تُسمَّى إيمانًا، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، يَعني: صَلاتَكُم، وأمَّا اشتِراكُهما في المعنَى فمِن وجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ مَنْ لزِمه الإيمانُ، لزِمه فِعلُ الصَّلاةِ، وقد لا يَلزمُه الصِّيامُ إذا كانَ شَيخًا هَرِمًا، ومَن لم يَلزمه فِعلُ الصَّلاةِ لم يَلزمه الإيمانُ، كالصَّبيِّ والمَجنونِ. والآخَرُ: أنَّ مِنْ هَيئاتِ الصَّلاةِ ما لا يَقعُ إلَّا طاعةً للهِ سُبحانَه، كالإيمانِ، الذي لا يَقعُ إلَّا لِلهِ ، فلمَّا وجبَ اشتِراكُهما في الاسمِ والمعنَى، وجبَ اشتِراكُهما في الحُكمِ، ولأنَّ الشَّرعَ يَشتمِلُ على أوَامِرَ ونَواهٍ، فَلمَّا قُتل بفِعلِ مَا نُهي عنهُ، وإن كانَ مُعتقِدًا لِتَحرِيمِه، اقتَضَى أن يُقتلَ بِتَركِ مَا أُمر بِه، وإن كانَ مُعتقِدًا لِوجوبِه.
فَأمَّا الجَوابُ عَنِ الخَبرِ الأوَّلِ فقد قالَ ﷺ فيه: «إلَّا بِحقِّها»، وَالصَّلاةُ مِنْ حقِّهَا، كمَا قالَ أبُو بَكرٍ ﵁ في مَانِعِي الزَّكاةِ.
وأمَّا الجَوابُ عَنِ الخَبرِ الثَّاني وقولِه: «لَا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلَّا بِإحدَى ثَلاث: كُفرٍ بعدَ إيِمَانٍ»، فَأباحَ دَمَه بِالكُفرِ معَ الإسلامِ، وَلا يكونُ ذلك إلَّا بتَركِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه يكونُ مُسلِمًا، وَتَكونُ أحكامُ الكُفرِ جَارِيَةً عَليهِ في إباحَةِ الدَّمِ.
وَأمَّا الجَوابُ عن قِياسِهم على الصَّومِ والعِباداتِ فالمعنَى فيه أنَّ استِيفاءَ ذلك مُمكِنٌ مِنهُ، وَاستِيفاءَ الصَّلاةِ غيرُ مُمكِنٍ كالإيِمانِ.
فَأمَّا أحمدُ بنُ حَنبَلٍ ومَن تابعَه فَاستدَلُّوا على إثباتِ كُفرِهِ بِروايَةِ جَابرٍ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: «بينَ الكُفرِ والإيِمَانِ تَركُ الصَّلاةِ، فَمَنْ تركَهَا فقد كفرَ». وَالدِّلالَةُ على إسلامِه أنَّ الشَّرعَ يَشتمِلُ على أوَامِرَ وَنَواهٍ،
стр. 737
فَلمَّا لم يكفر بِفِعلِ مَا نُهي عَنهُ إِذَا كانَ مُعتقِدًا تَحرِيمَه، لَم يكفر بِتَركِ مَا أُمر بِه إِذَا كانَ مُعتقِدًا وجوبَه، ولأنَّه لو كانَ كافِرًا بِتَركِهَا لَكانَ مُسلِمًا بِفِعلِها، فَلمَّا لَم يكن مُسلِمًا بِفِعلِها لم يكن كافِرًا بِتَركِها.
فَأمَّا الجَوابُ عن قولِه ﷺ : «فَمَنْ تركَها فقد كفرَ»، فَفيه جَوابانِ:
أَحدُهما: أنَّه قالَ ذلك على طَريقِ الزَّجرِ، كمَا قالَ: «لا إيِمانَ لمَن لا أمانَةَ له».
وَالآخَرُ: أنَّه أرادَ بِذلك أنَّ حُكمَه حكمُ الكُفَّارِ في إباحَةِ الدَّمِ (١).
وَقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: والرِّوايَةُ الثَّانيةُ يُقتلُ حَدًّا مع الحُكمِ بِإسلامِه، كالزَّانِي المُحصَنِ، وهَذا اختِيارُ أبِي عَبد اللهِ بنِ بَطَّةَ، وَأنكَرَ قولَ مَنْ قالَ إنَّه يكفرُ، وَذكرَ أنَّ المَذَهب على هذا، لَم يَجِد في المَذهبِ خِلافًا فيه، وَهَذا قولُ أكثرِ الفُقهاءِ، وقولُ أَبي حَنيفَةَ وَمَالكٍ والشافِعيِّ.
ورُويَ عن حُذَيفةَ أنَّه قالَ: «يَأتِي على النَّاسِ زَمانٌ لا يَبقَى معَهم مِنْ الإسلامِ إلَّا قولُ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، فَقِيلَ لَه: وَمَا يَنفَعُهم؟ قالَ: تُنجِيهم مِنْ النَّارِ لا أبا لَك».
وعن وَالَانَ قالَ: «انتَهيتُ إلى دَارِي فَوَجدتُ شاةً مَذبُوحةً، فَقُلتُ: مَنْ ذَبَحهَا؟ قالوا: غُلامُكَ. قُلتُ: واللهِ إنَّ غُلامِي لَا يُصلِّي. فقالَ النِّسوةُ: نحن عَلَّمنَاهُ فسَمَّى. فَرَجعتُ إلى ابنِ مَسعودٍ فَسَألتُه عن ذلك، فأَمرَنِي بِأَكلِها».
стр. 738
الدَّليلُ على هذا قولُ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ حَرمَ على النَّارِ مَنْ قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، يَبتَغِي بِذَلِك وَجهَ اللهِ»، وعن أبِي ذَرٍّ قالَ: أَتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: «مَا مِنْ عَبدٍ قالَ: لا إلَه إلَّا اللهُ، ثم مَاتَ على ذلك، إلَّا دخلَ الجَنَّةَ».
وَعن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقول: «مَنْ شَهِدَ أن لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ وَرَسولُه، وَأنَّ عِيسَى عَبد اللهِ وَرَسولُه، وَكَلِمَتُه ألقاهَا إلى مَريَمَ، ورُوحٌ منهُ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌ، وَالنَّارَ حَقٌ، أَدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ على مَا كانَ مِنْ عمَلٍ».
وعن أَنسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «يَخرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قالَ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَكانَ في قَلبِه مِنْ الخَيرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً»، مُتفقٌ على هَذه الأَحادِيثِ كلِّها، وَمِثلُها كَثِيرٌ.
وعن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «خَمسُ صَلواتٍ كَتَبهُنَّ اللهُ على العَبد في اليَومِ والليلَةِ، فَمَنْ جَاءَ بِهنَّ لم يُضيِّع مِنهُنَّ شَيئًا، استِخفافًا بِحقِّهِنَّ، كانَ لهُ عندَ اللهِ عَهدٌ أن يُدخِلَه الجَنَّةَ، وَمَنْ لَم يَأتِ بِهنَّ فليس له عندَ اللهِ عَهدٌ، إِنْ شاءَ عَذَّبَه، وَإِنْ شاءَ أَدخَلَه الجَنَّةَ» (١)، وَلَو كانَ كافِرًا لَم يُدخِلهُ في المَشِيئةِ، وَقالَ الخلَّالُ في جَامِعِه: ثَنَا يَحيَى ثَنَا عَبدُ الوهَّابِ ثنَا هِشامُ بنُ حَسَّانَ عن عَبد اللهِ بنِ عَبد الرَّحمنِ عن أبِي شُمَيلةَ أنَّ
стр. 739
النَّبيَّ ﷺ خرَج إلى قُباءَ فَاستَقبَلهُ رَهطٌ مِنْ الأنصارِ يَحمِلونَ جِنازةً على بابٍ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «ما هذا؟ قالُوا: مَملوكٌ لِآلِ فُلانٍ كانَ مِنْ أمرِه. قالَ: أَكانَ يَشهَدُ أن لَا إلَهَ إلَا اللهُ؟ قالوا: نَعم، ولكنَّه كانَ وكانَ. فقالَ: أما كانَ يُصلِّي؟ فقالوا: قد كانَ يُصلِّي ويَدعُ. فقالَ لهُم: ارجِعوا بِه فغَسِّلوهُ وكفِّنوهُ وصلُّوا عليه وادفِنوه، والذي نَفسي بيَدِه لقد كادَتِ المَلائِكةُ تَحُولُ بَيني وبينَه». ورَوى بإسنادِه عن عطاءٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «صَلُّوا على مَنْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ».
ولأنَّ ذلك إجماعُ المُسلِمينَ؛ فإنَّنا لا نَعلمُ في عَصرٍ مِنْ الأعصارِ أحَدًا مِنْ تاركِي الصَّلاةِ تُرِكَ تَغسيلُه والصَّلاةُ عليه ودَفنُه في مَقابرِ المُسلِمينَ، ولا مُنِعَ ورَثَتُه مِيراثَه، ولا مُنِعَ هو مِيراثَ مُوَرِّثِه، ولا فُرِّقَ بينَ زَوجَينِ لِتَركِ الصَّلاةِ مع أحَدِهما، لِكَثرةِ تاركي الصَّلاةِ، ولو كانَ كافِرًا لَثبَتت هذه الأحكامُ كلُّها، ولا نَعلمُ بينَ المُسلِمينَ خِلافًا في أنَّ تاركَ الصَّلاةِ يجبُ عليه قَضاؤُها، ولو كانَ مُرتدًّا لم يَجِب عليه قَضاءُ صَلاةٍ ولا صِيامٍ.
وأمَّا الأحاديثُ المُتقدِّمةُ فهي على سبيلِ التَّغليظِ والتَّشبيهِ لهُ بالكُفارِ، لا على الحَقيقةِ، كقولِه ﷺ : «سِبابُ المُسلِمِ فُسُوقٌ، وقِتالُه كُفرٌ». وقولِه: «كُفرٌ باللهِ تبَرُّؤٌ من نَسَبٍ وإن دقَّ»، وقولِه: «مَنْ قالَ لِأَخيهِ: يا كافِرُ، فقد باءَ بِها أحَدُهما». وقولِه: «مَنْ أتَى حائِضًا أو امرأةً في دُبُرِها فقد كفرَ بما أُنْزِلَ على مُحمَّدٍ»، قالَ: «ومَن قالَ: مُطِرنا بنَوءِ الكَواكِبِ فهُو كافِرٌ باللهِ مُؤمِنٌ بالكَواكِبِ»، وقولِه: «مَنْ حلَف بغيرِ اللهِ فقد أشرَكَ». وقولِه: «شارِبُ
стр. 740
الخَمرِ كعابِدِ وَثَنٍ»، وأشباهِ هذا ممَّا أُريدَ بهِ التَّشديدُ في الوَعيدِ، وهُو أصوَبُ القولَينِ، واللهُ أعلمُ (١).
وقالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ مَنْ وجبَت عليه الصَّلاةُ مِنْ المُخاطَبِينَ بها ثم امتنَعَ منها جاحِدًا لوُجوبِها عليه، فهُو كافِرٌ ويجبُ قتلُه ردَّةً.
ثم اختَلَفوا فيمَن تركَها ولم يُصلِّ وهُو مُعتقِدٌ لوُجوبِها، فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ: يُقتلُ، إجماعًا منهم. وقالَ أبو حَنيفَةَ: يُحبَسُ أبَدًا حتى يُصلِّيَ مِنْ غيرِ قَتلٍ. ثم اختَلفَ مُوجِبُو قَتلِه بعدَ ذلك في تَفصيلِ هذه الجُملةِ. فقالَ مالِكٌ: يُقتلُ حَدًّا، وقالَ ابنُ حَبيبٍ مِنْ أصحابِه: يُقتلُ كُفرًا، ولم تَختلِفِ الرِّوايةُ عن مالِكٍ أنَّه بالسَّيفِ. وإذا قُتل حَدًّا على المُستقرَأِ من مَذهبِ مالِكٍ، فإنَّه يُورَّثُ ويُصلَّى عليه، وله حكمُ أمواتِ المُسلِمينَ. وقالَ الشافِعيُّ: إذا تركَ الصَّلاةَ مُعتقِدًا بوُجوبِها، وأُقيمَ عليه الحَدُّ، يُقتلُ حَدًّا، وحكمُه حكمُ أمواتِ المُسلِمينَ. واختَلفَ أصحابُه متى يُقتلُ؟ فقالَ أبو علِيِّ بنُ أبي هُريرةَ: ظاهرُ كَلامِ الشافِعيِّ: يُقتلُ إذا ضاقَ وقتُ الصَّلاةِ الأُولَى، وهكَذا ذَكرَ صاحِبُ الحاوِي.
وقالَ أبو سَعيدٍ الأصطَخرِيُّ: يُقتلُ بتَركِ الصَّلاةِ الرَّابعةِ، إذا ضاقَ وقتُها، ويُستتابُ قبلَ القَتلِ، واختَلَفوا أيضًا كيف يُقتلُ، فقالَ أبو إسحاقَ الشِّيرازِيُّ: المَنصوصُ أنَّه يُقتلُ ضَربًا بالسَّيفِ، إلَّا أنَّ ابنَ سُرَيجٍ قالَ: لا
стр. 741
يُقتلُ بالسَّيفِ، ولكِن يُحبَسُ ويُضرَبُ بالخَشَبِ حتى يُصلِّيَ أو يَموتَ. واختَلَفوا أيضًا: هل يكفرُ بتَركِها مع اعتِقادِ وُجوبِها؟ فمنهم مَنْ قالَ: يكفرُ بمُجرَّدِ تَركِها؛ لِظاهِرِ الحَديثِ، ومنهم مَنْ قالَ: لا يُحكَمُ بكُفرِهِ، وتأوَّلوا الحَديثَ على الاعتقادِ. وقالَ أحمدُ: مَنْ تركَ الصَّلاةَ مُتهاوِنًا كَسَلًا وهُو غيرُ جاحِدٍ وُجوبَها، فإنَّه يُقتلُ رِوايةً واحدةً. واختُلِفَ عنه متَى يجبُ قتلُه على ثَلاثِ رِواياتٍ، إحداها: أنَّه متى تركَ صلاةً واحدةً وضاقَ وقتُ الثَّانيةِ ودُعِيَ لفِعلِها ولم يُصلِّ، قُتل، نصَّ عليه، وهُو اختيارُ أكثرِ أصحابِه، وفرَّق أبو إسحاقَ بنُ شَاقلَا، فقالَ: إن تركَ صَلاةً إلى وقتِ صَلاةٍ أُخرَى لا تُجمَعُ معَها، مثلَ أن يترُكَ الفَجرَ إلى الظُّهرِ، والعَصرَ إلى المَغربِ، قُتل، وإن تركَ صَلاةً لِوقتِ صَلاةٍ أُخرَى تُجمَعُ معَها، كالمَغربِ إلى العِشاءِ، والظُّهرِ إلى العَصرِ، لم يُقتل. والثَّانيةُ: إذا تركَ ثَلاثَ صَلواتٍ مُتوالِياتٍ وتَضايَق وقتُ الرَّابعةِ، ودُعِيَ إلى فِعلِها ولم يُصلِّ، قُتل. والثَّالثةُ: أنَّه يُدعَى إليها ثَلاثةَ أيَّامٍ، فإن صلَّى وإلَّا قُتل، رَواهُ المَروَزِيُّ. واختارَها الخرقِيُّ، ويُقتلُ بالسَّيفِ رِوايةً واحدةً. واختُلِفَ عنه: هل وجبَ قتلُه حَدًّا أو كُفرًا؟ على رِوايتَينِ، إحداهُما: أنَّه يُقتلَ لِكُفرِه، كالمُرتدِّ، ويَجرِي عليه أحكامُ المُرتدِّينَ، فلا يُورَّثُ ولا يُصلَّى عليه، ويَكونُ مالُه فَيئًا، وهُو اختيارُ الجُمهورِ من أصحابِه. والأُخرى: أنَّه يُقتلُ حَدًّا، وحكمُه حكمُ أمواتِ المُسلِمينَ، وهُو اختيارُ أبي عبدِ اللهِ بنِ بَطَّةَ. وأجمَعوا على أنَّ الصَّلاةَ المَفروضةَ مِنْ الفُروضِ التي لا تَصحُّ فيها النِّيابَةُ بنَفسٍ، ولا بمالٍ (١).
стр. 742
وقال الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: المَسألةُ الرَّابعةُ، وأمَّا ما الواجِبُ على مَنْ تركَها عَمدًا وأُمر بها، فأبَى أن يُصلِّيَها، لا جُحُودًا لِفَرضِها، فإنَّ قَومًا قالوا: يُقتلُ، وقَومًا قالوا: يُعزَّرُ ويُحبَسُ، والَّذينَ قالوا: يُقتلُ، منهم مَنْ أوجَبَ قَتلَه كُفرًا، وهُو مَذهبُ أحمدَ وإسحاقَ وابنِ المُبارَكِ، ومنهم مَنْ أوجَبَه حَدًّا، وهُو مالِكٌ والشافِعيُّ وأبو حَنيفَةَ وأصحابُه وأهلُ الظَّاهرِ ممَّن رَأى حَبسَه وتَعزِيرَه حتى يُصلِّيَ.
والسَّببُ في هذا الاختِلافِ اختِلافُ الآثارِ.
وذلك أنَّه ثَبت عنه ﷺ أنَّه قالَ: «لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلَّا بإحدَى ثَلاثٍ: كُفرٍ بعدَ إيمانٍ، أو زِنًا بعدَ إحصانٍ، أو قَتلِ نَفسٍ بغيرِ نَفسٍ».
ورُويَ عنه ﷺ مِنْ حَديثِ بُريدَةَ أنَّه قالَ: «العَهدُ الذي بينَنا وبينَهمُ الصَّلاةُ، فمَن تركَها فقد كفرَ».
ورَوى جابرٌ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «ليس بينَ العَبد وَبينَ الكُفرِ -أو قالَ: الشِّركِ- إلَّا تَركُ الصَّلاةِ».
فمَن فَهِمَ مِنْ الكُفرِ ههُنَا الكُفرَ الحَقيقيَّ جَعلَ هذا الحَديثَ كأنَّه تَفسيرٌ لِقولِه ﷺ : «كُفرٍ بعدَ إيمانٍ»، ومَن فَهِم ههُنا التَّغليظَ والتَّوبيخَ، أي أنَّ أفعالَه أفعالُ كافِرٍ، وأنَّه في صُورَةِ كافِرٍ، كما قالَ: «لا يَزنِي الزَّانِي حينَ يَزنِي وهُو مُؤمِنٌ، ولا يَسرِقُ السَّارقُ حينَ يَسرقُ وهُو مُؤمِنٌ»، لم يَرَ قَتلَه كُفرًا.
وأمَّا مَنْ قالَ: يُقتلُ حَدًّا فضَعيفٌ، ولا مُستنَدَ له إلَّا قِياسٌ شِبهُ ضَعيفٍ إن أمكَنَ، وهُو تَشبيهُ الصَّلاةِ بالقَتلِ في كَونِ الصَّلاةِ رَأسَ المَأموراتِ، وكَونِ القَتلِ رَأسَ المَنهياتِ.
стр. 743
وعلَى الجُملةِ فاسمُ الكُفرِ إنَّما يُطلَقُ بالحَقيقةِ على التَّكذيبِ، وتاركُ الصَّلاةِ مَعلومٌ أنَّه ليس بمُكذِّبٍ، إلَّا أن يترُكَها مُعتقِدًا لِتَركِها هكَذا، فنحنُ إذَن بينَ أحَدِ أمرَينِ، إمَّا أن نَفهَمَ من الحَديثِ الكُفرَ الحَقيقيَّ، فيجبُ علينا أن نَتأوَّلَ أنَّه أرادَ ﵊ مَنْ تركَ الصَّلاةَ مُعتقِدًا لِتَركِها، فقد كفَرَ.
وإمَّا أن يُحمَلَ على أنَّ اسمَ الكُفرِ على غيرِ مَوضوعِه الأوَّلِ، وذلِك على أحَدِ مَعنيَينِ، إمَّا على أنَّ حُكمَه حكمُ الكافرِ، أعنِي في القَتلِ وسائرِ أحكامِ الكُفَّارِ، وإن لم يكن مُكذِّبًا، وإمَّا على أنَّ أفعالَه أفعالُ كافِرٍ على جِهَةِ التَّغليظِ والرَّدعِ لهُ، أي أنَّ فاعلَ هذا يُشبِهُ الكافِرَ في الأفعالِ، إذ كانَ الكافِرُ لا يُصلِّي، كما قالَ ﷺ : «لا يَزنِي الزَّانِي حين يَزنِي وهُو مُؤمِنٌ»، وحَملُه على أنَّ حُكمَه حكمُ الكافرِ في أحكامِه لا يجبُ المَصيرُ إليه إلَّا بدَليلٍ، لأنَّه حُكمٌ لم يثبُت بَعدُ في الشَّرعِ مِنْ طريقٍ يجبُ المَصيرُ إليه، فقد يجبُ إذا لم يَدُلَّ عِندنَا على الكُفرِ الحَقيقيِّ الذي هو التَّكذيبُ أن يَدُلَّ على المعنَى المَجازِيِّ، لا على مَعنًى يُوجِبُ حُكمًا لم يثبُت بَعدُ في الشَّرعِ، بلَ يُثبِتُ ضِدَّه الَّذين نصَّ عليهم الشَّرعُ، فتَأمَّل هذا؛ فإنَّه بيِّنٌ واللهُ أعلمُ، أعنِي أنَّه يجبُ علينا أحَدُ أمرَينِ، إمَّا أن نُقدِّرَ في الكلامِ مَحذوفًا، إن أرَدنَا حَملَه على المعنَى الشَّرعيِّ المَفهومِ مِنْ اسمِ الكُفرِ، وإمَّا أن نَحمِلَه على المعنَى المُستَعارِ، وأمَّا حَملُه على أنَّ حُكمَه حكمُ الكافرِ في جَميعِ أحكامِه معَ أنَّه مُؤمِنٌ فشَيءٌ مُفارِقٌ لِلأُصولِ، مع أنَّ الحَديثَ نَصٌّ في حقِّ مَنْ يجبُ قتلُه كُفرًا أو حَدًّا، ولذلكَ صارَ هذا القولُ مُضاهيًا لقولِ مَنْ يكفرُ بالذُّنوبِ (١).
стр. 744
أوقاتُ الصَّلاةِ:
الوقتُ: مِقدارٌ منَ الزَّمانِ مُقدَّرٌ لِأمرٍ ما، وكلُّ شَيءٍ قدَّرتَ له حينًا فقد وقَّتَّه تَوقيتًا.
وأوقاتُ الصَّلاةِ هيَ: الأزمِنةُ التي حدَّدَها الشَّارعُ لِفِعلِ الصَّلاةِ أداءً، فالوقتُ سَببُ وُجوبِ الصَّلاةِ؛ فلا تَصحُّ قبلَ دُخولِه، وتَكونُ قَضاءً بعدَ خُروجِه (١).
أوقاتُ الصَّلواتِ المَفروضةِ:
أجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ اللهَ تَعالى قد حَدَّدَ أوقاتًا لِلصَلواتِ الخَمسِ على لسانِ نبيِّهِ ﷺ ، وجعلَ لِكلِّ وَقتٍ صَلاةً منها أولًا، ليس ما قبلَه وَقتًا لتَأديَتها، فلا يَجوزُ إيقاعُ الصَّلاةِ قبلَها بحالٍ، وليس ما بعدَه وَقتًا لِتَأدِيَتِها ولا يَجوزُ تَأخِيرُ الصَّلاةِ حتى يَخرُجَ وقتُها، وتَكونُ قَضاءً بعدَ وقتِها، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وهذا ما لا خِلافَ فيه مِنْ أحَدٍ مِنْ الأمَّةِ (٢).
وأصلُ مَشروعيَّةِ هذه الأوقاتِ عُرف بالكتابِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧، ١٨].
قالَ بَعضُ المُفسِّرينَ: إنَّ المُرادَ بالتَّسبيحِ الصَّلاةُ، أي: صَلُّوا حينَ
стр. 745
تُمسونَ، أي: حينَ تَدخُلونَ في وقتِ المَساءِ، والمُرادُ به المَغربُ والعِشاءُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صلاةُ الفجرِ ﴿وَعَشِيًّا﴾ العصرُ ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهرُ.
ذكرَ التَّسبيحَ وأرادَ بهِ الصَّلاةَ، أي: صَلُّوا للهِ إمَّا لأنَّ التَّسبيحَ مِنْ لَوازمِ الصَّلاةِ، أو لأنَّه تَنزيهٌ والصَّلاةُ مِنْ أوَّلِها إلى آخرِها تَنزيهُ الربِّ ؛ لمَا فيها مِنْ إظهارِ الحاجاتِ إليه، وإظهارِ العَجزِ والضَّعفِ، وفيه وَصفٌ له بالجَلالِ والعَظَمةِ والرِّفعةِ والتَّعالِي عن الحاجةِ.
قالَ الشَّيخُ أبو مَنصورٍ الماتُرِيديُّ: إنَّهم فَهِموا من هذه الآيةِ فَرضيَّةَ الصَّلواتِ الخَمسِ، ولو كانت أفهامُهم مثلَ أفهامِ أهلِ زَمانِنا لَمَا فَهِموا منها سِوَى التَّسبيحِ المَذكورِ (١).
وكذلك قولُه تَعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
وقد بَيَّنتِ السُّنةُ أوقاتَ الصَّلاةِ كما في حَديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَمَّنِي جِبرِيلُ ﵇ عندَ البَيتِ مرَّتينِ، فَصلَّى الظُّهرَ في الأُولَى مِنهُمَا حين كانَ الفَيءُ مثلَ الشِّرَاكِ، ثم صلَّى العَصرَ حين كان كلُّ شَيءٍ مثلَ ظِلِه، ثم صلَّى المَغربَ حين وجبَتِ الشَّمسُ وَأَفطَرَ الصَّائِمُ، ثم صلَّى العِشاءَ حين غَابَ الشَّفقُ، ثم صلى الفَجرَ حين بَرَقَ الفَجرُ وَحَرُمَ الطَّعامُ على الصَّائِمِ، وَصلَّى المرَّةَ الثَّانيَةَ الظُّهرَ حين كان ظِلُّ كلِّ شَيءٍ مِثلَه لِوقتِ العَصرِ بِالأَمسِ، ثم صلى العَصرَ حين كان ظِلُّ كلِّ شَيءٍ
стр. 746
مِثلَيهِ، ثم صلَّى المَغربَ لِوقتِه الأَوَّلِ، ثم صلَّى العِشاءَ الآخرةَ حين ذَهب ثُلُثُ اللَّيلِ، ثم صلَّى الصُّبحَ حين أَسفَرَتِ الأَرضُ، ثم التَفَتَ إلَيَّ جِبرِيلُ فقالَ: يا مُحمدُ، هذا وقتُ الأَنبِيَاءِ مِنْ قَبلِكَ، وَالوقتُ فِيمَا بينَ هَذَينِ الوقتَينِ» (١).
وعن أبِي مُوسى ﵁ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّه أتَاهُ سائِلٌ يسأَلُه عن موَاقِيتِ الصَّلاةِ، فلم يَرُدَّ عليه شَيئًا، قالَ: فأَقامَ الفَجرَ حين انشَقَّ الفَجرُ والنَّاسُ لا يَكادُ يَعرِفُ بَعضُهُم بَعضًا، ثم أمرَهُ فأَقامَ بِالظُّهرِ حين زَالَتِ الشَّمسُ، والقائِلُ يَقولُ: قدِ انتَصَفَ النَّهَارُ، وهو كان أعلَمَ منهم، ثم أمرَهُ فأَقامَ بِالعَصرِ والشَّمسُ مُرتفِعَةٌ، ثم أمرَهُ فأَقامَ بِالمَغربِ حين وقعَتِ الشَّمسُ، ثم أمرَهُ فأَقامَ العِشاءَ حين غابَ الشَّفقُ، ثم أخرَ الفَجرَ من الغَدِ حتى انصَرفَ منها والقائِلُ يَقولٌ: قد طلَعتِ الشَّمسُ، أو كادَت، ثم أخرَ الظُّهرَ حتى كانَ قَريبًا من وقتِ العَصرِ بالأَمسِ، ثم أخرَ العَصرَ حتى انصَرفَ منها وَالقائِلُ يَقولُ: قدِ احمرَتِ الشَّمسُ، ثم أخرَ المَغربَ حتى كان عندَ سُقُوطِ الشَّفقِ، ثم أخرَ العِشاءَ حتى كانَ ثُلُثُ اللَّيلِ الأَوَّلِ، ثم أَصبَحَ فدَعا السَّائِلَ فقالَ: الوقتُ بينَ هَذَينِ» (٢).
ولم يختلِفِ العُلماءُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ هبَط عليه جِبريلُ ﵇ وعلَّمه الصَّلاةَ ومَواقِيتَها وهَيئاتِها (٣).
стр. 747
عددُ الصَّلواتِ المَفروضةِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ عددَ أوقاتِ الصَّلواتِ المَفروضةِ خَمسٌ، بقَدرِ عددِ الصَّلواتِ.
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمعَ المُسلِمونَ على أنَّ الصَّلواتِ الخَمسَ مُؤقَّتةٌ بمَواقيتَ مَعلومةٍ مَحدودةٍ، وقد وردَ ذلك في أحاديثَ صِحاحِ جيادٍ (١).
مَبدأُ كلِّ وَقتٍ ونِهايَتُه:
مَبدأُ وقتِ الصُّبحِ ونهايَتُه:
قد قدَّمتُ وقتَ الصُّبحِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ بَدأَ بهِ لِسَائلٍ بالمَدينةِ، كما رَواه مُسلِمٌ عن بُريدةَ أَنَّ رَجلًا أتَى النَّبيَّ ﷺ فَسَأَلَه عن مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ فقالَ: «اشهَد معَنَا الصَّلاةَ»، فَأَمرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ بِغَلَسٍ فَصلَّى الصُّبحَ حين طلَع الفَجرُ، ثم أَمرَهُ بِالظُّهرِ … الحَديثَ (٢).
ولمَا رَوَاه مُسلِمٌ أيضًا عن عَبد اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ ﵁ أنَّه قالَ: سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن وقتِ الصَّلواتِ؟ فقالَ: «وقتُ صَلاةِ الفَجرِ ما لم يَطلُع قَرنُ الشَّمسِ الأَوَّلُ، وَوقتُ صَلاةِ الظُّهرِ إذا زَالَتِ الشَّمسُ عن بَطنِ السَّمَاءِ ما لم يَحضُرِ العَصرُ … » الحَديثَ (٣).
стр. 748
وعن أبِي مُوسى ﵁ عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّه أتَاهُ سائِلٌ يسأَلُه عن موَاقِيتِ الصَّلاةِ فلم يَرُدَّ عليه شَيئًا، قالَ: فأَقامَ الفَجرَ حين انشَقَّ الفَجرُ والنَّاسُ لا يَكادُ يَعرِفُ بَعضُهُم بَعضًا … » (١).
ولأنَّها أُولَى الصَّلواتِ افتِراضًا باتِّفاقٍ؛ لأنَّها كانَت صُبحَ لَيلةِ الإسراءِ، ولم يَقضِهِ ﵊؛ لتَوقُّفِ وُجوبِ الأداءِ على العِلمِ بالكَيفيَّةِ (٢).
ثم إنَّه لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ الأمَّةِ على أنَّ أوَّلَ وقتِ الصُّبحِ يَدخلُ بطُلوعِ الفَجرِ الثَّاني: وهُو البَياضُ المُستَطيرُ المُنتَشِرُ في الأُفُقِ، ويُسمَّى الفَجرَ الصَّادِقَ؛ لأنَّه صَدَقَكَ عن الصُّبحِ وبيَّنهُ لَكَ، والصُّبحُ ما جَمعَ بَياضًا وحُمرةً، ومنه سُمِّيَ الرَّجلُ الذي في لَونِه بَياضٌ وحُمرَةٌ: أصبَح، فأمَّا الفَجرُ الأوَّلُ، فهو: البَياضُ المُستَدِقُّ صَعَدًا من غيرِ اعتِراضٍ، وهذا لا يتعلَّقُ به حُكمٌ، ويُسمَّى الفَجرَ الكاذِبَ.
والدَّليلُ على ذلك: حَديثُ جِبريلَ ﵇ في المَواقيتِ؛ فإنَّه: «أَمَّ النَّبيَّ ﷺ عندَ البَيتِ مرَّتينِ، فَصلَّى الفَجرَ في اليَومِ الأوِّلِ حينَ بَرَقَ الفَجرُ وَحَرُمَ الطَّعامُ على الصَّائِمِ» (٣).
قالَ الإمامُ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: فأمَّا أوَّلُ وقتِها -أي: صَلاةِ الصُّبحِ- فلا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلِمينَ أنَّه طُلوعُ الفَجرِ على ما في هذا الحَديثِ وغيرِه، وهُو إجماعٌ، فسقطَ الكَلامُ فِيه، والفَجرُ هو أوَّلُ بَياضِ النَّهارِ الظَّاهرِ
стр. 749
المُستَطِيرِ في الأفُقِ المُستَنيرِ المُنتَشِرِ تُسَمِّيهِ العَرَبُ الخَيطَ الأَبيَضَ، قالَ اللهُ : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، يُريدُ بَياضَ النَّهارِ مِنْ سَوادِ اللَّيلِ (١).
وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: ولم يختلِف أحَدٌ أنَّ الفَجرَ الأَوَّلَ لا تَحِلُّ الصَّلاةُ فِيه، وأنَّ الفَجرَ الثَّانيَ إذا كانَ مُعترِضًا جازَ أن تُصلِّيَ فيهِ الصُّبحَ (٢).
وأمَّا آخرُ وقتِ الصُّبحِ فهُو طُلوعُ الشَّمسِ؛ لحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِنَّ أَوَّلَ وقتِ الفَجرِ حينَ يَطلُعُ الفَجرُ، وَإِنَّ آخر وقتِهَا حين تَطلُعُ الشَّمسُ» (٣).
وهذا قولُ عامَّةِ العُلماءِ، إلَّا ما حَكاهُ ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ، وهُو قولُ الأصطَخرِيِّ من الشافِعيَّةِ أنَّ آخر وقتِها الإسفارُ.
لكن قالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: وهَذا عندَنا على الوقتِ المُختار؛ لأنَّ مالِكًا لم يختلِف قولُه فيمَن أدرَكَ رَكعةً منها قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ ممَّن لهُ عُذرٌ مِنْ سُقوطِ الصَّلاةِ عندَ خُروجِ الوقتِ، مثلَ الحائِضِ تَطهُرُ، ومَن جَرى مَجراها أنَّ تلكَ الصَّلاةَ واجِبةٌ عليها بإدراكِ مِقدارِ رَكعةٍ مِنْ وقتِها، وإن صلَّتِ الرَّكعةَ الثَّانيةَ مع الطُّلوعِ أو بعدَه (٤).
стр. 750
وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: اتَّفقَتِ الآثارُ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه صلَّى الصُّبحَ في اليَومِ الأوَّلِ حينَ طلَع الفَجرُ، وفي اليَومِ الثَّاني حينَ كادتِ الشَّمسُ تَطلُعُ، وعلَى ذلك إجماعُ المُسلِمينَ أنَّ وقتَها حينَ يَطلُعُ الفَجرُ، وأنَّ آخر وقتِها حينَ تَطلُعُ الشَّمسُ (١).
وقالَ الإمامُ أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ ﵀: فأمَّا ما رُويَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ في هذه الآثارِ في صَلاةِ الفَجرِ، فلم يختلِفوا عنه فِيه أنَّه صلَّاها في اليَومِ الأوَّلِ حينَ طلَع الفَجرُ، وهُو أوَّلُ وقتِها، وصلَّاها في اليَومِ التَّالي حينَ كادَتِ الشَّمسُ تَطلُعُ، وهَذا اتِّفاقُ المُسلِمينَ أنَّ أوَّلَ وقتِ الفَجرِ حينَ يَطلُعُ الفَجرُ، وآخر وقتِها حينَ تَطلُعُ الشَّمسُ (٢).
وقالَ ابنُ رشدٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ أوَّلَ وقتِ الصُّبحِ طُلوعُ الفَجرِ الصَّادِقِ، وآخرهُ طُلوعُ الشَّمسِ، إلَّا ما رُويَ عن ابنِ القاسِمِ، وعن بعضِ أصحابِ الشافِعيِّ مِنْ أنَّ آخر وقتِها الإسفارُ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ عابِدينَ ﵀: لا خِلافَ في أوَّلِه، وهُو أصلُ طُلوعِ الفَجرِ الثَّاني، وإنَّما الخِلافُ في المُرادِ من الطُّلوعِ، وأمَّا عدمُ الخِلافِ في آخرِه فلمَا صَرَّح بِه الطَّحاويُّ وابنُ المُنذرِ من أنَّ عليه اتِّفاقُ المُسلِمينَ، قالَ في «الحِليَةِ»: فلا يُلتَفَتُ إلى ما عن الأصطَخرِيِّ منَ الشافِعيَّةِ، معَ أنَّه إذا أسفَرَ الفَجرُ يَخرُجُ الوقتُ وتَصيرُ الصَّلاةُ بعدَه إلى الطُّلوعِ قَضاءً (٤).
стр. 751
وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ طُلوعَ الفَجرِ المُعتَرِضِ إلى طُلوعِ قُرصِ الشَّمسِ وقتٌ لِلدُّخولِ في صَلاةِ الصُّبحِ لغيرِ مَنْ يَقضِيها (١).
الوقتُ المُختارُ لِلفَجرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوقتِ المُختار لِلفَجرِ، هل الأفضَلُ التَّغليسُ أو الإسفارُ؟
فذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ الإسفارَ بالفَجرِ أفضَلُ بأن يُبدَأَ بالإسفارِ ويُختَمَ بهِ؛ لحَديثِ رافِعِ بنِ خَديجٍ ﵁ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «أسفِروا بالفَجرِ؛ فإنَّه أعظَمُ لِلأجرِ»، رَواه أبو داوُدَ والتِّرمِذِيُّ، وقالَ: حَديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، وهَذا لَفظُ التِّرمِذِيِّ، وفِي رِوايةِ أبي داوُدَ: «أَصبِحوا بالصُّبحِ؛ فإنَّه أعظَمُ لِلأجرِ»، وعن عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: «ما رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى صَلاةً لغيرِ مِيقاتِها، إلَّا صَلاتَينِ: جَمعَ بينَ المَغربِ والعِشاءِ بجَمعٍ، يَعني المُزدَلِفَةَ، وصلَّى الفَجرَ يَومئذٍ قبلَ ميقاتِها»، رَواهُ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ، قالوا: ومَعلومٌ أنَّه لم يُصلِّها قبلَ طُلوعِ الفَجرِ، وإنَّما صلَّاها بعدَ طُلوعِه مُغَلِّسًا بِها، فدلَّ على أنَّه كانَ يُصلِّيها في جَميعِ الأيَّامِ غيرِ ذلك اليَومِ مُسفِرًا بِها.
قالُوا: لأنَّ الإسفارَ يُفيدُ كَثرةَ الجَماعةِ، واتِّصالَ الصُّفوفِ، ولأنَّ الإسفارَ يتَّسعُ بِه وقتُ التنَفُّلِ قبلَها، وما أفادَ كَثرةَ النَّافِلةِ كانَ أفضَلَ.
وحَدُّ الإسفارِ أن يَبدَأَ بالصَّلاةِ بعدَ انتِشارِ البَياضِ بقِراءةٍ مَسنونةٍ، فإن
стр. 752
ظَهَرَ لهُ حاجةٌ إلى الوُضُوءِ بعدَ الصَّلاةِ أمكَنَهُ أن يَتوَضَّأَ أو يُصلِّيَ الفَجرَ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ (١).
وذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ التَّغليس بالفَجرِ أفضَلُ، واحتَجوا على ذلك بقولِ اللهِ تَعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ومِنَ المُحافَظةِ تَقديمُها في أوَّلِ الوقتِ؛ لأنَّه إذا أخرَها عرَّضَها لِلفَواتِ، وبقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والصَّلاةُ تُحَصِّلُ ذلِك، وبقولِه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وبحَديثِ عائِشَةَ ﵂ قالَت: «كُنَّ نِساءُ المُؤمِناتِ يَشهَدنَ مع النَّبيَّ ﷺ صَلاةَ الفَجرِ مُتلفِّعاتٍ بمُروطِهنَّ، ثم يَنقَلِبنَ إلى بُيوتِهنَّ حينَ يَقضِينَ الصَّلاةَ، لا يَعرِفُهنَّ أحَدُ منَ الغَلسِ»، رَواه البُخارِيُّ ومُسلِمُ. المُتلَفِّعاتُ: المُتلَفِّفاتُ، والمُروطُ: الأَكسِيَةُ.
وعن أبي مُوسَى ﵁ عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّه أتَاهُ سائِلٌ يسأَلُه عن موَاقِيتِ الصَّلاةِ، فلم يَرُدَّ عليه شَيئًا، قالَ: فأَقامَ الفَجرَ حين انشَقَّ الفَجرُ والنَّاسُ لا يَكادُ يَعرِفُ بَعضُهُم بَعضًا … » (٢).
وعن أبِي بَرزةَ ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَنفَتِلُ من
стр. 753
صَلاةِ الغَداةِ حينَ يَعرِفُ الرَّجلُ جَليسه، وكانَ يَقرأُ بالسِّتِّينَ إلى المَئةِ» رَواه البُخاريُّ.
وعن جابر ﵁ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي الظُّهرَ إذا زالَتِ الشَّمسُ، والعَصرَ والشَّمسُ حَيَّةٌ، والمَغربَ إذا غابَتِ الشَّمسُ، والعِشاءَ: إذا رَأى في النَّاسِ قِلةً أخرَ، وإِذا رَأى كَثرةً عَجَّلَ، والصُّبحَ بغَلَسٍ» رَواه البُخاريُّ ومُسلِمٌ.
وعن قَتادةَ عن أنَسٍ ﵁ قالَ: «تَسَحَّر نَبيُّ اللهِ ﷺ وزَيدُ ابنُ ثابِتٍ فلمَّا فرغَا من سَحورِهِما قامَ نَبيُّ اللهِ ﷺ إلى الصَّلاةِ فصلَّى، قُلتُ لِأنَسٍ: كم كانَ بينَ فراغِهِما من سَحورِهِما ودُخولِهما في الصَّلاةِ؟ قالَ: قَدرَ ما يَقرأُ الرَّجلُ خَمسينَ آيةً» رواهُ البُخاريُّ بلَفظِه ومُسلِمٌ بمعناه.
وعن سَهلِ بنِ سَعدٍ ﵁ قالَ: «كُنْتُ أتسَحَّرُ في أهلِي، ثم يَكونُ سُرعةٌ بِي أن أُدرِكَ صَلاةَ الفَجرِ معَ رَسولِ اللهِ ﷺ » رَواهُ البُخاريُّ، وعن أبِي مَسعودٍ الَبدريِّ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى الصُّبحَ مرَّةً بغَلَسٍ، ثم صلَّى مرَّةً أُخرَى فأسَفرَ بِها، ثم كانَت صَلاتُه بعدَ ذلك التَّغليس حتى ماتَ، لم يَعُد إلى أن يُسفِرَ» رَواه أبو داودَ بإسنادٍ حَسَنٍ. قالَ الخطَّابيُّ: هو صَحيحُ الإسنادِ.
وعن مُغيثِ بنِ سُمَيٍّ قالَ: «صلَّيتُ مع ابنِ الزُّبيرِ صَلاةَ الفَجرِ فصلَّى بغَلَسٍ، وكانَ يُسفِرُ بِها، فلمَّا سلَّم قُلتُ لابنِ عمرَ: ما هَذه الصَّلاةُ؟ وهُو إلى
стр. 754
جانِبِي، فقالَ: هذه صَلاتُنا معَ رَسولِ اللهِ ﷺ وأبِي بَكرٍ وعمرَ ﵄، فلمَّا قُتل عمرُ أسفَر بِها عُثمانُ ﵁»، قالَ التِّرمذيُّ في كتابِ العِلَلِ: قالَ البُخاريُّ: هذا حَديثٌ حَسَنٌ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا الجَوابُ عن حَديثِ رافِعِ بنِ خَديجٍ فمِن وجهَينِ:
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بالإسفارِ طُلوعُ الفَجرِ وهُو ظُهورُه، يُقالُ: سَفرتِ المَرأةُ، أي: كَشَفت وَجهَها، فإن قيلَ: لا يَصحُّ هذا التَّأويلُ؛ لقولِه ﷺ : «فإنَّه أعظَمُ لِلأجَرِ»؛ لِأنَّ هذا يدلُّ على صحَّةِ الصَّلاةِ قبلَ الإسفارِ، لكنَّ الأجرَ فِيها أقَلُّ.
فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ أنَّه إذا غلَب على الظَّنِّ دُخولُ الوقتِ ولم يَتيَقَّنهُ جازَ لهُ الصَّلاةُ، ولكنَّ التَّأخيرَ إلى إسفارِ الفَجرِ، وهُو ظُهورُه الذي يُتَيقَّنُ بِه طُلوعُه، أفضَلُ.
وقِيلَ: يُحتمَلُ أن يَكونَ الأمرُ بالإسفارِ في اللَّيالِى المُقمِرةِ؛ فإنَّه لا يُتَيَقَّنُ فيها الفَجرُ إلَّا باستِظهارٍ في الإسفارِ.
والآخَرُ: ذكرَه الخطَّابيُّ أنَّه يَحتمِلُ أنَّهم لمَّا أُمِرُوا بالتَّعجيلِ صَلوا بينَ الفَجرِ الأوَّلِ والفَجرِ الثَّاني طَلَبًا لِلثَّوابِ، فقيلَ لهُم: صَلُّوا بعدَ الفَجرِ الثَّاني وأصبِحُوا بِها؛ فإنَّه أعظَمُ لِأجرِكُم، فإن قيلَ: لو صَلوا قبلَ الفَجرِ لم يكن فِيها أجرٌ، فالجَوابُ أنَّهم يُؤجَرونَ على نيَّتِهم وإن لم تَصحَّ صَلاتُهم، لقولِه ﷺ : «إذا اجتَهدَ الحاكِمُ فأخطَأَ فلَه أجرٌ».
стр. 755
وأمَّا الجَوابُ عن حَديثِ ابنِ مَسعودٍ ﵁ فمَعناهُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى الفَجرَ في هذا اليَومِ قبلَ عادَتِه في بَقيَّةِ الأيَّامِ، وصلَّى في هذا اليَومِ في أوَّلِ طُلوعِ الفَجرِ لِيتَّسعَ الوقتُ لِمَناسِكِ الحَجِّ، وفِي غيرِ هذا اليَومِ كانَ يُؤَخِّرُ عن طُلوعِ الفَجرِ قَدرَ ما يَتوَضَّأُ المُحدِثُ ويَغتَسِلُ الجُنُبُ، ونحوَه. فقولُه: قبلَ مِيقاتِها مَعناهُ: قبلَ مِيقاتِها المُعتادِ بشَيءٍ يَسيرٍ، والجَوابُ عن قولِهمُ: (الإسفارُ يُفيدُ كَثرةَ الجَماعةِ ويتَّسعُ بِه وقتُ النَّافِلةِ) أنَّ هذه القاعِدةَ لا تَلتَحِقُ بفائِدةِ فَضيلةِ أوَّلِ الوقتِ ولهذا كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُغَلِّسُ بالفَجرِ (١).
وقالَ في «شَرحِ مُسلمٍ»: استِحبابُ التَّبكيرِ بالصُّبحِ هو مَذهبُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ والجُمهورِ، وقالَ أبُو حَنيفَةَ: الإسفارُ أفضَلُ (٢).
وقالَ الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ أوَّلَ وقتِ الفَجرِ طُلوعُ الفَجرِ الثَّاني المُنتَشِرِ، ولا ظُلمةَ بعدَه، وآخر وقتِها المُختار إلى أن يُسفِرَ. واختَلَفوا: هل الأفضَلُ تَقديمُ صَلاةِ الفَجرِ من أوَّلِ الوقتِ؟ فقالَ أبو حَنيفةَ: الإسفارُ أفضَلُ إلَّا بالمُزدَلِفةِ. وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ: الأفضَلُ التَّغلِيسُ، وعن أحمدَ رِوايةٌ أنَّه يُعتبَرُ حالُ المُصلِّينَ، فإن شَقَّ عليهِم
стр. 756
التَّغليسُ كانَ الإسفارُ أفضَلَ، وأجمَعُوا على أنَّ وقتَ الضَّرورةِ إلى طُلوعِ الشَّمسِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختَلَفوا في وقتِها المُختار، فذَهب الكُوفيُّونَ وأبو حَنيفَةَ وأصحابُه والثَّورِيُّ وأكثرُ العِراقيِّينَ إلى أنَّ الإسفارَ بِها أفضَلُ.
وذَهب مالِكٌ والشافِعيُّ وأصحابُه وأحمدُ بنُ حَنبَلٍ وأبو ثَورٍ وداودُ إلى أنَّ التَّغليس بِها أفضَلُ.
وسَببُ اختِلافِهمُ: اختِلافُهم في طَريقةِ جَمعِ الأحاديثِ المُختَلِفةِ الظَّواهِرِ في ذلكَ.
وذلِك أنَّه وردَ عنه ﵊ من طَريقِ رافِعِ بنِ خَديجٍ أنَّه قالَ: «أسفِروا بالصُّبحِ، فكلَّما أسفَرتُم فهُو أعظَمُ لِلأجرِ»، ورُويَ عنه ﷺ أنَّه قالَ -وقد سُئلَ: أيُّ الأعمالِ أفضَلُ-: «الصَّلاةُ لِأوَّلِ مِيقاتِها»، وثَبت عنه ﷺ «أنَّه كانَ يُصلِّي الصُّبحَ فتَنصَرفُ النِّساءُ مُتَلفِّعاتٍ بمُروطِهِنَّ ما يُعرَفنَ مِنْ الغَلَسِ» وظاهرُ الحَديثِ أنَّه كانَ عمَلَه في الأغلَبِ.
فمَن قالَ: إنَّ حَديثَ رافِعٍ خاصٌّ، وقولَه: «الصَّلاةُ لِأوَّلِ مِيقاتِها» عامٌّ، والمَشهورَ أنَّ الخاصَّ يَقضِي على العامِّ إذا هو استَثنَى من هذا العُمومِ صَلاةَ الصُّبحِ وجعلَ حَديثَ عائِشةَ مَحمولًا على الجَوازِ، وأنَّه إنَّما تَضَمَّنَ
стр. 757
الإخبارَ بِوُقوعِ ذلك منهُ، لا بأنَّه كانَ ذلك أغلَبُ أحوالِه ﷺ قالَ: «الإسفارُ أفضَلُ منَ التَّغليسِ»، ومَن رجَّح حَديثَ العُمومِ؛ لِمُوافَقةِ حَديثِ عائِشةَ لَه، ولأنَّه نَصٌّ في ذلك، أو ظاهِرٌ وحَديثُ رافعِ بنِ خَديجٍ مُحتمَلٌ، لأنَّه يُمكِنُ أن يُرِيدَ بذلك تَبيُّنَ الفَجرِ وتَحقُّقَهُ، فلا يَكونُ بينَه وبينَ حَديثِ عائِشةَ ولَا العُمومِ الوارِدِ في ذلك تَعارُضٌ، قالَ أَفضَلُ الوقتِ أوَّلُه.
وأمَّا مَنْ ذَهب إلى أنَّ آخر وقتِها الإسفارُ، فإنَّه تَأوَّلَ الحَديثَ في ذلك أنِّه لِأهلِ الضَّروراتِ، أعنِي قولَه ﷺ : «مَنْ أدرَكَ رَكعةً مِنْ الصُّبحِ قبلَ أن تَطلُعَ الشَّمسُ، فقد أدرَكَ الصُّبحَ»، وهَذا شَبيهٌ بِما فعَلَه الجُمهورُ في العَصرِ، والعَجَبُ أنَّهم عدلُوا عن ذلك في هذا ووافَقُوا أهلَ الظَّاهرِ، ولذلك لِأَهلِ الظَّاهرِ أن يُطالبُوهم بالفَرقِ بينَ ذلك (١).
وسُئلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمِيَّةَ ﵀: هل التَّغليسُ أفضَلُ أو الإسفارُ؟
فأجابَ: الحَمدُ للهِ، بلِ التَّغليسُ أفضَلُ إِذا لم يكن ثَمَّ سَببٌ يَقتَضِي التَّأخيرَ، فإنَّ الأحاديثَ الصَّحيحةَ المُستفيضةَ عن النَّبيِّ تُبيِّنُ أنَّه كانَ يُغَلِّسُ بصَلاةِ الفَجرِ كَما في الصَّحيحَينِ عن عائِشةَ ﵂ قالَت: «لقد كانَ رَسولُ اللهِ يُصلِّي الفَجرَ فيَشهَدُ معهُ نِساءٌ منَ المُؤمِنَاتِ مُتَلفِّعاتٍ بمُروطِهِنَّ، ثم يَرجِعنَ إلى بُيوتِهنَّ ما يَعرِفُهنَّ أحَدٌ مِنْ الغَلَسِ»، والنَّبيُّ لم يكن في مَسجدِه قَناديلُ، كَما في الصَّحِيحَينِ عن أبِي بَرزَةَ الأسلَميِّ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَقرأُ في الفَجرِ بمَا بينَ السِّتِّينَ آيةً إلى المِئةِ، ويَنصرِفُ منها حينَ يَعرِفُ الرَّجلُ جَليسهُ»، وهذه القِراءةُ هيَ نَحوُ نِصفِ جُزءٍ أو ثُلُثِ جُزءٍ، وكانَ فَراغُه مِنْ الصَّلاةِ حينَ يَعرِفُ
стр. 758
الرَّجلُ جَليسه، وهكذا في الصَّحيحِ مِنْ غيرِ هذا الوَجهِ أنَّه كانَ يُغَلِّسُ بِالفَجرِ، وكذلك خُلفاؤُه الرَّاشِدونَ بعدَه، وكانَ بعدَه أُمراءُ يُؤَخِّرونَ الصَّلاةَ عن وقتِها، فَنَشأَ في دَولَتِهم فُقهاءُ رَأَوا عادَتَهم فظَنَّوا أنَّ تأخِيرَ الفَجرِ والعَصرِ أفضَلُ مِنْ تَقديمِهما، وذلك غَلَطٌ في السُّنةِ.
وَاحتَجَّوا بِمَا رَوَاهُ التِّرمِذيُّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «أسفِرُوا بِالفَجرِ؛ فإنَّه أعظَمُ لِلأجرِ». وقد صحَّحهُ التِّرمِذيُّ، وهَذا الحَديثُ لو كانَ مُعارِضًا لم يُقاوِمها؛ لأنَّ تلك في الصَّحِيحَينِ، وهي مَشهورَةٌ مُستَفيضَةٌ، والرَّأيُ الوَاحِدُ إِذا خَالَفَ المَشهورَ المُستفِيضَ كانَ شاذًّا وقد يكونُ مَنسوخًا؛ لأنَّ التَّغليس هو فِعلُه حتى مَاتَ، وفِعلُ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ بعدَه.
وقَد تَأوَّلَ الطَّحاويُّ مِنْ أصحابِ أبي حَنيفَةَ وغيرُه، كَأبي حَفصٍ البرمَكِيِّ مِنْ أصحابِ أحمدَ وغيرُهما قولَه: «أسفِرُوا بِالفَجرِ» على أنَّ المُرادُ بالإسفَارِالخُروجُ مِنها، أي: أَطِيلُوا صَلاةَ الفَجرِ حتى تَخرُجوا مِنها مُسفِرينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإسفارِ التَّبيُّنُ، أي: صَلُّوها إذا تبيَّن الفَجرُ وانكَشَفَ ووَضَحَ؛ فإنَّ في الصَّحيحَينِ عن ابنِ مَسعودٍ قالَ: «مَا رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى صَلاةً لغيرِ وقتِها إلَّا صَلاةَ الفَجرِ بِمُزدلِفةَ، وصَلاةَ المَغربِ بِجَمعٍ»، وصَلاةُ الفَجرِ إنَّما صلَّاها يَومئذٍ بعدَ طُلُوعِ الفَجرِ، هكَذا في صَحِيحِ مُسلِمٍ عن جَابرٍ قالَ: «وصلَّى صَلاةَ الفَجرِ حينَ بَرَقَ الفَجرُ»، وإنَّما مُرادُ عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ أنَّه كانَ يُؤخِّرُ الفَجرَ عن أوَّلِ طُلُوعِ الفَجرِ حتى يَتبيَّنَ ويَنكَشِفَ ويَظهَرَ، وذلكَ اليومَ عَجَّلَها قَبلُ.
стр. 759
وبِهذا تتَّفقُ معانِي أحَاديثِ النَّبيِّ ﷺ ، وأمَّا إذا أخرَها لِسَببٍ يَقتَضِي التَّأخيرَ، مثلَ المُتَيَمِّمِ، عادتُه إنَّما يُؤخِّرُها لِيُصلِّيَ آخر الوقتِ بِوُضُوءٍ، والمُنفرِدُ يُؤخِّرُها حتى يُصلِّيَ آخر الوقتِ في جَمَاعةٍ، أو أن يقدِرَ على الصَّلاةِ آخر الوقتِ قائِمًا، وفِي أوَّلِ الوقتِ لا يقدِرُ إلَّا قَاعِدًا، ونحوِ ذلك ممَّا يَكونُ فيهِ فَضيلَةٌ تَزيدُ على الصَّلَاةِ في أَّولِ الوقتِ، فَالتَّأخِيرُ لِذَلك أفضَلُ، واللهُ أعلَمُ (١).
مَبدأُ وقتِ الظُّهرِ ونِهايتُه:
أَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ أوَّلُ وقتِ الظُّهرِ إذا زَالَتِ الشَّمسُ، قالَه ابنُ المُنذرِ وابنُ عَبد البرِّ وغيرُهما كَثِيرونَ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمعَ أهلُ العَلمِ على أنَّ أوَّلَ وقتِ الظُّهرِ زَوَالُ الشَّمسِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: أجمعَ عُلماءُ المُسلِمينَ في كلِّ عَصرٍ وفي كلِّ مِصرٍ فيما بلغَنَا عنهُم أنَّ أوَّلَ وقتِ الظُّهرِ زَوَالُ الشَّمسِ عن كَبِدِ السَّماءِ ووَسطِ الفلَكِ، إِذا استُوقِنَ ذلك في الأرضِ بالتَّفقُدِ والتَّأمُّلِ، وذلك ابتِداءَ زيَادَةِ الظِّلِّ بعدَ تَناهِي نُقصَانِه في الشِّتاءِ والصِّيفِ جَميعًا، وإن كانَ الظِّلُ مُخَالِفًا في الصِّيفِ لهُ في الشِّتاءِ، وهَذا إجماعٌ منَ عُلماءِ المُسلمينَ كلِهم في أوَّلِ وقتِ الظُّهر، فَإذا تبيَّن زَوالُ الشَّمسِ بِما ذكَرنا أو بِغيرِهِ فقد
стр. 760
حَلَّ وقتُ الظُّهرِ، وذلكَ مَا لا خِلافَ فيهِ، وذلك تَفسيرٌ لِقولِه تَعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ودُلوكُها مَيلُها، عندَ أكثرِ العُلماءِ (١).
وَقالَ الإمَامُ أبو بكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: وأمَّا أوَّلُ وقتِ الظُّهرِ فهو مِنْ حِينِ تَزُولُ الشَّمسُ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ فيهِ، وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]، وقالَ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ﴾ [الإسراء: ٧٨] (٢).
ومعنَى زَوَالِ الشَّمسِ مَيلُها عن كَبِدِ السَّماءِ، ويُعرَفُ ذلك بِأن تُغرَزَ خَشَبةٌ مُستَوِيَةٌ في أرضٍ مُستوِيةٍ والشَّمسُ ما زالَت في المَشرِقِ، فما دامَ ظِلُّ الخَشبَةِ يُنتقَصُ، فالشَّمسُ قبلَ الزَّوالِ، فإذَا لم يكن لِلخَشَبةِ ظِلٌّ، أو تمَّ نَقصُ الظِّلِّ، بأن كانَ الظِّلُّ أقلَّ ما يَكونُ، فالشَّمسُ في وسَطِ السَّماءِ، وهُو الوقتُ الذي تُحظَرُ فِيه الصَّلاةُ، فإذا انتقلَ الظِّلُّ منَ المَغربِ إلى المَشرِقِ، وبَدأَ في الزِّيادةِ فقد زالَتِ الشَّمسُ مِنْ وَسَطِ السَّماءِ، ودخلَ وقتُ الظُّهرِ.
قالَ المَاوَرديُّ ﵀: واعلَم: أنَّ ظِلَّ الزَّوالِ قد يختلِفُ في الزِّيادةِ والنُّقصانِ بحَسَبِ اختلافِ البُلدانِ، ويتغيَّرُ بحَسَبِ تنَقُّلِ الأزمانِ، فيكونُ ظِلُّ الزَّوالِ في البَلدِ المُحاذِي لقِبلةِ الفلَكِ أقصَرَ منهُ في غيرِهِ؛ لأنَّ الشَّمسَ فيهِ قد تَسامتِ الشَّخصَ، حتى قِيلَ فِيه: إنَّه لا يَبقَى لِلشَّخصِ في مكَّةَ ظِلٌّ وقتَ الزَّوالِ في أطولِ يومٍ في السَّنَةِ، وهُو اليَومُ السابعُ مِنْ حُزَيرانَ، ثم يَكونُ ظِلُّ الزَّوالِ في الصَّيفِ أقَلَّ منهُ في الشِّتاءِ، لأنَّ الشَّمسَ في الصَّيفِ تَعتَرِضُ وَسَطَ الفلَكِ ويَكونُ زَوالُهَا في وَسَطِهِ فيَكونُ الظِّلُّ أقصَرَ. وفِي الشِّتاءِ
стр. 761
تَعتَرِضُ جانِبَ الفلَكِ فيَكونُ زَوالُها في جانِبِه فيَكونُ الفلَكُ أطوَلَ، ولِلشَّمسِ عندَ الزَّوالِ كالوَقفَةِ لِإبطاءِ سَيرِها في وَسَطِ الفلَكِ (١).
وقد تَظَاهرَتِ الأخبارُ بذلك، فمنها حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ المُتقَدِّمُ وفيهِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَمَّنِي جِبرِيلُ عندَ البَيتِ مرَّتينِ: فَصلَّى بِيَ الظُّهرَ حين زَالَتِ الشَّمسُ، فَكانَت بِقَدرِ الشِّرَاكِ … ثُمَّ صلَّى المرَّةَ الثَّانيَةَ الظُّهرَ حين كانَ ظِلُّ كلِّ شَيءٍ مِثلَه لِوقتِ العَصرِ بِالأَمسِ … » (٢).
وعن أبي مُوسى ﵁ عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّه أتَاهُ سائِلٌ يسأَلُه عن موَاقِيتِ الصَّلاةِ، فلم يَرُدَّ عليه شَيئًا، قالَ: فأَقامَ الفَجرَ حين انشَقَّ الفَجرُ والنَّاسُ لا يَكادُ يَعرِفُ بَعضُهُم بَعضًا، ثم أمرَهُ فأَقامَ بِالظُّهرِ حين زالَتِ الشَّمسُ والقائِلُ يَقولُ: قد انتَصَفَ النَّهَارُ … » (٣).
آخرُ وقتِ الظُّهرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في آخرِ وقتِ الظُّهرِ:
فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ المالكيَّةِ والشَّافعيَّةُ والحنابِلةُ والصَّاحبانِ منَ الحَنفيَّةِ أبُو يوسُفَ ومُحمَّدٌ -وهُو رِوايةٌ عن أبِي حَنيفَةَ- إلى أنَّ آخر وقتِ الظُّهرِ إلى أن يَكونَ كلُّ شَيءٍ مِثلَه بعدَ ظِلِّ الزَّوالِ. لحَديثِ عَبد اللهِ بنِ عَمرٍو ﵄، وفيه: «وقتُ الظُّهرِ إذا زالَتِ الشَّمسُ، وكانَ ظِلُّ الرَّجلِ كطُولِه، ما لم يَحضُرِ العَصرُ». ولحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ في إِمامةِ جِبريلَ
стр. 762
﵇ بالنَّبيِّ ﷺ ، وفيهِ: «وصلَّى المرَّةَ الثَّانيَةَ الظُّهرَ حينَ كانَ ظِلُّ كلِّ شَيءٍ مِثلَه لِوقتِ العَصرِ بالأمسِ» (١).
ولحَديثِ أبِي مُوسَى ﵁، وفيهِ: «ثم أخرَ الظُّهرَ حتى كانَ قَريبًا من وقتِ العَصرِ بالأَمسِ» (٢).
وذَهب الإمامُ أبُو حَنيفَةَ في رِوايةٍ عنه إلى أنَّ آخر وقتِ الظُّهرِ أن يَكونَ ظِلُّ كلِّ شَيءٍ مِثلَيهِ، وهُو عندَه أوَّلُ وقتِ العَصرِ.
وقد رُويَ عنه أنَّ آخر وقتِ الظُّهرِ هو المِثلُ، وأوَّلَ وقتِ العَصرِ المِثلانِ، وأمَّا ما بينَ المِثلِ والمِثلَينِ فليس يَصلُحُ لِصَلاةِ الظُّهرِ، ورُويَ عنه أيضًا مِثلُ قولِ الجُمهورِ (٣).
قالَ أبُو بكرٍ الجَصَّاص ﵀: وأمَّا آخرُ وقتِها فقد اختَلفَ فِيه الفُقهاءُ، فرُويَ عن أبِي حَنِيفةَ فِيه ثَلاثُ رِواياتٍ، إحداهُنَّ أن يَصيرَ الظِّلُّ أقَلَّ مِنْ قامَتَينِ، والأُخرَى -وهي رِوايةُ الحَسنِ بنِ زِيادٍ- أن يَصيرَ ظِلُّ كلِّ شَيءٍ مِثلَه، والثَّالثَةُ أن يَصيرَ الظِّلُّ قامَتَينِ، وهيَ رِوايةُ الأصلِ، وقالَ أبُو
стр. 763
يُوسفَ ومُحمَّدٌ وزُفَرُ والحَسنُ بنُ زيادٍ والحَسنُ بنُ صالحٍ والثَّورِيُّ والشافِعيُّ: هو أن يَصيرَ ظِلُّ كلِّ شَيءٍ مِثلَه …
ويُحتَجُّ لقولِ مَنْ قالَ بالمِثلَينِ في آخرِ وقتِ الظُّهرِ بظاهرِ قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، وذلكَ يَقتَضِي فِعلَ العَصرِ بعدَ المِثلَينِ؛ لأنَّه كلَّما كانَ أقربَ إلى وقتِ الغُروبِ، فهُو أولَى باسمِ الطَّرفِ، وإذا كانَ وقتُ العَصرِ مِنْ المِثلَينِ، فمَا قبلَه مِنْ وقتِ الظُّهرِ لحَديثِ الأعمَشِ عن أبِي صالحٍ عن أبِي هُريرَةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ أوَّلَ وقتِ الظُّهرِ حينَ تَزولُ الشَّمسُ، وآخر وقتِها حينَ يَدخلُ وقتُ العَصرِ» ويُحتَجُّ أيضًا لهَذا القولِ بظاهرِ قولِه تَعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقد بيَّنا أنَّ الدُّلوكَ يَحتَمِلُ الزَّوالَ، فإذَا أُرِيدَ بِه ذلك اقتَضَى ظاهرُه امتدَادَ الوقتِ إلى الغُروبِ، إلَّا أنَّه ثَبت أنَّ ما بعدَ المِثلَينِ ليس بوَقتٍ لِلظُّهرِ، فوجبَ أن يثبُتَ إلى المِثلَينِ بالظَّاهرِ.
ويُحتَجُّ فِيه مِنْ جِهةِ السُّنةِ بحَديثِ ابنِ عمرَ عن النَّبيِّ ﷺ : «أجَلُكُم في أجَلِ مَنْ مَضَى قبلَكُم كَما بينَ صَلاةِ العَصرِ إلى غُروبِ الشَّمسِ، ومَثَلُكُم ومَثَلُ أهلِ الكتابَينِ قبلَكُم كرَجلٍ استأجَرَ أُجَراءَ فقالَ: مَنْ يَعمَلُ لِي ما بينَ غُدوَةٍ إلى نِصفِ النِّهارِ على قِيراطٍ، فعمِلتِ اليَهودُ، ثم قالَ: مَنْ يَعمَلُ لِي ما بينَ نِصفِ النِّهارِ إلى العَصرِ على قِيراطٍ، فعَمِلَتِ النَّصارَى، ثم قالَ: مَنْ يَعمَلُ لِي مَا بينَ العَصرِ إلى المَغربِ على قِيراطَينِ، فعَمِلتُم أنتُم، فغَضِبَتِ اليَهودُ والنَّصارَى فقالوا: كُنَّا أكثرَ عمَلًا وأقلَّ عَطَاءً. قالَ: هل ظَلَمتُكم مِنْ حقِّكم شَيئًا؟ قالوا: لا، قالَ فإنَّما هو فَضلِي، أُوتِيهِ مَنْ أشاءُ».
стр. 764
ودِلالَةُ هذا الخَبرِ على ما ذكَرنا مِنْ وجهَينِ:
أحَدُهما: قولُه: «أجَلُكم في أجَلِ مَنْ مَضَى قبلَكُم، كمَا بينَ صَلاةِ العَصرِ إلى غُروبِ الشَّمسِ»، وإنَّما أرادَ بذلك الإخبارَ عن قِصَرِ الوقتِ، وقالَ ﷺ : «بُعِثتُ أنَا والسَّاعةُ كهاتَينِ»، وجَمعَ بينَ السَّبابةِ والوُسطَى، وفِي خَبرٍ آخرَ: «كما بينَ هذه وهذه»، فأخبَرَ فيه أنَّ الذي بَقيَ مِنْ مدَّةِ الدُّنيا كنُقصَانِ السَّبابَةِ عن الوُسطَى، وقد قُدِّرَ ذلك بنِصفِ السَّبعِ، فثَبت بذلك حينَ شَبَّهَ ﷺ أَجَلَنا في أَجَلِ مَنْ مَضَى قبلَنَا بوقتِ العَصرِ في قِصَرِ مدَّتِه أنَّه لا يَنبَغِي أن يكونَ مِنْ المِثلِ؛ لأنَّه لو كانَ كذلك لَكانَ أكثرَ مِنْ ذلك؛ فدلَّ ذلك على أنَّ وقتَ العَصرِ بعدَ المِثلَينِ.
والوَجهُ الآخَرُ مِنْ دِلالةِ الخَبرِ: المَثَلُ الذي ضَرَبَه ﷺ لنا ولِأهلِ الكتابَينِ بالعملِ في الأوقاتِ المَذكورَةِ، وأنَّهم غَضِبُوا، فقالوا: كُنَّا أكثرَ عمَلًا، وأَقَلَّ عَطَاءً؛ فلو كانَ وقتُ العَصرِ في المِثَلِ لَمَا كانَتِ النَّصَارَى أكثرَ عمَلًا مِنْ المُسلِمينَ، بل يَكونُ المُسلِمونَ أكثرَ عمَلًا؛ لأنَّ ما بينَ المِثلِ إلى الغُروبِ أكثرُ ممَّا بينَ الزَّوالِ إلى المِثلِ فثَبت بذلك أنَّ وقتَ العَصرِ أقصَرُ مِنْ وقتِ الظُّهرِ (١).
مَبدأُ وقتِ العَصرِ ونِهايَتُه:
أمَّا مَبدأُ وقتِ العَصرِ فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ المالكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحنابِلةُ والصَّاحبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ إلى أنَّ أوَّلَ وقتِ
стр. 765
العَصرِ هو بعَينِه آخرُ وقتِ الظُّهرِ وذلك إذَا صَارَ كلُّ شَيءٍ مِثلَه، غيرَ الظِّلِّ الذي يَكونُ عندَ الزَّوالِ؛ لِلأحادِيثِ المُتَقدِّمةِ في هذا.
إلَّا أنَّ الإمامَ مالِكًا يَرى أنَّ آخر وقتِ الظُّهرِ وأوَّلَ وقتِ العَصرِ هو وقتٌ مُشترَكٌ لِلصَّلاتَينِ معًا، فلَو أنَّ رَجلَينِ يُصلِّيانِ معًا، أحَدُهُما يُصلِّي العَصرَ، والآخَرُ يُصلِّي الظُّهرَ، حينَ صارَ كلُّ شَيءٍ مِثلَه، وفي الزَّوالِ بقَدرِ ما يُصلِّي أربعَ رَكعاتٍ، كانَ كلُّ واحدٍ منهما مُصلِّيًا لَها في وقتِها، أي: أداءً.
وقالَ الشَّافعيَّةُ والحنابِلةُ في المَذهبِ: لا اشتِراكَ بينَ وقتِ الظُّهرِ ووقتِ العَصرِ، بل متَى خرَج وقتُ الظُّهرِ بمَصيرِ ظِلِّ الشَّيءِ مِثلَه غيرَ الظِّلِّ الذي يَكونُ عندَ الزَّوالِ، دخلَ وقتُ العَصرِ، وإذَا دخلَ وقتُ العَصرِ لم يَبقَ شَيءٌ من وقتِ الظُّهرِ.
وسَببُ اختِلافِ مالِكٍ معَ الشافِعيِّ وأَحمدَ في هذه مُعارضَةُ حَديثِ جِبريلَ في هذا المعنَى؛ لحَديثِ عَبد اللهِ بنِ عمرَ، وذلك أنَّه جاءَ في حَديثِ إِمامةِ جِبريلَ ﵇ أنَّه صلَّى بالنَّبيِّ ﷺ الظُّهرَ في اليَومِ الثَّاني، في الوقتِ الذي صلَّى فِيه العَصرَ في اليَومِ الأوَّلِ.
وفِي حَديثِ ابنِ عمرَ أنَّه قالَ ﵊: «وقتُ الظُّهرِ ما لم يَحضُر وقتُ العَصرِ»؛ فهذا الحَديثُ نَصٌّ صَريحٌ على أنَّه إِذَا حَضرَ وقتُ العَصرِ خرَج وقتُ الظُّهرِ.
فمَن رجَّح حَديثَ جِبريلَ جعلَ الوقتَ مُشترَكًا، ومَن رجَّح حَديثَ عَبد اللهِ لم يَجعل بينَهُما اشتِراكًا.
стр. 766
وذَهب الإِمامُ أبُو حَنيفَةَ ﵀ إلى أنَّ أوَّلَ وقتِ العَصرِ عندَه أن يَصيرَ ظِلُّ كلِّ شَيءٍ مِثلَيهِ سِوَى الفَيءِ.
لكِن قالَ الإمامُ أبُو عمرَ بنُ عَبد البرِّ ﵀ عن قولِ أبِي حَنيفَةَ هذا: وهَذا خِلافُ الآثارِ وخِلَافُ الجُمهورِ، وهُو قَولٌ عندَ الفُقهاءِ من أصحابِه وغيرِهم مَهجورٌ (١).
وقالَ أبُو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: أمَّا أوَّلُ وقتِ العَصرِ فهُو على مَا ذكَرنا مِنْ خُروجِ وقتِ الظُّهرِ على اختِلافهِم فيه، والصَّحيحُ مِنْ قولِهم أنَّه ليس بينَ وقتِ الظُّهرِ ووقتِ العَصرِ واسِطةُ وَقتٍ مِنْ غيرِهِما، ومَا رُويَ عن أبِي حَنيفةَ مِنْ أنَّ آخر وقتِ الظُّهرِ أن يَصيرَ الظِّلُّ أقَلَّ قامَتَينِ، وأوَّلَ وقتِ العَصرِ إِذا صارَ الظِّلُّ قامَتَينِ، فهُو رِوايةٌ شاذَّةٌ وهيَ أيضًا مُخالِفَةٌ لِلآثار الوارِدةِ في أنَّ وقتَ الظُّهرِ ما لم يَحضُر وقتُ العَصرِ، وفِي بعضِ ألفاظِ حَديثِ أبِي هُريرَةَ عن النَّبيِّ ﷺ : «وآخرُ وقتِ الظُّهرِ حينَ يَدخلُ وقتُ العَصرِ»، في حَديثِ أبِي قَتادةَ: «التَّفريطُ في الصَّلاةِ أن يترُكَها حتى يَدخُلَ وقتُ الأُخرَى»، والصَّحيحُ مِنْ مَذهبِ أبِي حَنيفةَ أحَدُ قولَينِ: إِمَّا المِثلانِ، وإِمَّا المِثلُ، وأنَّ بخُروجِ وقتِ الظُّهرِ يَدخلُ وقتُ العَصرِ (٢).
стр. 767
أمَّا بَيَانُ آخرِ وقتِ العَصرِ:
فقالَ الإِمامُ أبُو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: اتَّفق فُقهاءُ الأمصارِ على أنَّ آخر وقتِ العَصرِ غُروبُ الشَّمسِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولَا أعلَمُ في هذا خِلافًا (٢).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا آخرُ وقتِ العَصرِ فهُو غُروبُ الشَّمسِ، هذا هو الصَّحيحُ الذي نصَّ عليه الشافِعيُّ، وقَطعَ بِه جَماهيرُ الأَصحابِ.
وقالَ أبُو سَعيدٍ الأصطَخرِيُّ: آخرُه إذَا صارَ ظِلُّ الشَّيءِ مِثلَيهِ فإن أَخرَ عن ذلك أثِمَ، وكانَت قَضاءً.
قالَ الشَّيخُ أبُو حامِدٍ: هذا الذي قالَه الأصطَخريُّ لم يُخَرِّجه على أصلِ الشافِعيِّ؛ لأنَّ الشافِعيَّ نصَّ في القَدِيمِ والجَدِيدِ على أنَّ وقتَها يَمتَدُّ حتى تَغرُبَ الشَّمسُ، إنَّما هو اختِيارٌ لِنَفسِهِ، وهُو خِلافُ نَصِّ الشافِعيِّ والأصحابِ، واستَدلَّ بحَديثِ جِبريلَ، وفيه أنَّه ﷺ صلَّى العَصرَ في اليومِ الثَّاني حينَ كانَ ظِلُه مِثلَيهِ، ودَليلُ المَذهبِ حَديثُ أبِي قَتَادةَ: «ليس في النَّومِ تَفرِيطٌ، إنَّما التَّفرِيطُ على مَنْ لم يُصلِّ الصَّلاةَ حتى يَجِيءَ وقتُ الصَّلاةِ الأُخرَى» (٣)، وحَديثُ أبِي هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ
стр. 768
أَدرَكَ رَكعَةً من الصُّبحِ قبلَ أَنْ تَطلُعَ الشَّمسُ فقد أَدرَكَ الصُّبحَ، وَمَنْ أَدرَكَ رَكعَةً مِنْ العَصرِ قبلَ أَنْ تَغرُبَ الشَّمسُ فقد أَدرَكَ العَصرَ» (١)، وحَديثُ أبِي موسَى أنَّ النَّبيَّ ﷺ آخرَ العَصرِ حتى انصَرفَ مِنها، وَالقائِلُ يَقولُ: قد احمرَتِ الشَّمسُ (٢)، وبِقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ فَاتَه العَصرُ حتى غرَبتِ الشَّمسُ فَكَإنَّما وُتِرَ أَهلَه وَمَالَه» (٣).
قالَ الإمَامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا حَديثُ جِبرِيلَ فَإنَّ مَا ذُكر فيه وقتُ الاختيارِ، لا وقتُ الجَوازِ، بدَليلِ الأحاديثِ الصَّحِيحةِ التي ذَكَرتُها، ولأنَّ هذه الأحاديثَ مُتأَخِّرةٌ عن حَديثِ جِبريلَ؛ فيَكونُ العملُ عليها، ولأنَّها أصحُّ منه بلا خِلافٍ بينَ أهلِ الحَديثِ، وإن كانَ هو أيضًا صَحِيحًا، ولأنَّ الحائِضَ وغيرَها مِنْ أهلِ الأعذارِ إذا زالَ عُذرُهم قبلَ غُروبِ الشَّمسِ برَكعةٍ، لزِمتهُمُ العَصرُ بلا خِلافٍ، ولو كان الوقتُ قد خرَج لم يَلزمهم هذا، وهذا إلزامٌ حَسَّنَ ذِكرَه إمامُ الحَرمَينِ وغيرُه، وقد قالَ الغَزاليُّ في دَرسِه: إنَّ الإِصطَخرِيَّ يَحمِلُ حَديثَ: «مَنْ أَدرَكَ رَكعَةً مِنْ العَصرِ»، على أصحابِ الأعذارِ (٤).
стр. 769
مَبدأُ وقتِ المَغربِ ونِهايَتُه:
أمَّا مَبدأُ وقتِ المَغربِ فهو حينَ تَغرُبُ الشَّمسُ، لا اختِلافَ بينَ الفُقهاءِ في ذلك؛ لِلأحادِيثِ الوارِدةِ في المَواقِيتِ عن النَّبيِّ ﷺ من طَريقِ ابنِ عبَّاسٍ وجابرٍ وأبي سَعيدٍ وغيرِهم أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى المَغربَ في اليومَينِ جَميعًا حين غابَتِ الشَّمسُ.
وقالَ سَلمةُ بنُ الأكوَعِ ﵁: «كُنَّا نُصَلِّي مع النَّبيِّ ﷺ المَغربَ إذا تَوَارَت بِالحِجَابِ» (١).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمعَ أهلُ العِلمِ أنَّ صَلاةَ المَغربِ تَجِبُ إذا غرَبتِ الشَّمسُ (٢).
آخرُ وقتِ المَغربِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في آخرِ وقتِ المَغربِ، هل له وقتٌ واحدٌ؟ أو وَقتانِ كما في سائرِ الصَّلواتِ؟
فذَهب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ الجَديدِ إلى أنَّ المَغربَ ليس لها إلا وقتٌ واحدٌ، عندَ مَغيبِ الشَّمسِ.
ويَخرُجُ وقتُها عندَ الشافِعيَّةِ بمِقدارِ طَهارةِ وسَترِ عَورةٍ وأذانٍ وإقامةٍ، وخَمسِ رَكعاتٍ، والاعتِبارُ في ذلك بالوَسَطِ المُعتَدِلِ.
стр. 770
وعندَ المالِكيَّةِ يُقدَّرُ بقَدرِ ثَلاثِ رَكعاتٍ بعدَ تَحصيلِ شُرُوطِها من مَكارِهِ حَدثٍ وخَبثٍ وسَترِ عَورةٍ.
واستدَلُّوا على ذلك بحَديثِ جِبريلَ ﵇؛ فإنَّه صلَّى بالنَّبيِّ ﷺ المَغربَ في اليومَينِ في وَقتٍ واحدٍ، وقد حَكى أبو عَبد اللهِ خُوَيز مِندادُ البَصرِيُّ في كتابِه «الخِلافُ»: أنَّ الأمصارَ كلَّها بأسرِها لم يَزَلِ المُسلِمُونَ فيها على تَعجيلِ المَغربِ والمُبادَرَةِ إليها مِنْ حينِ غُروبِ الشَّمسِ، ولا نَعلمُ أحَدًا مِنْ المُسلِمِينَ تَأَخرَ بإقامةِ المَغربِ في مَسجدٍ جَماعةً عن وقتِ غُروبِ الشَّمسِ، وفي هذا ما يَكفي مِنْ العملِ بالمَدينةِ في تَعجيلِها.
قالَ أبُو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ ﵀: لو كانَ وقتُها واسِعًا لَعَمِلَ المُسلِمُونَ فِيها كعَملِهم في العِشاءِ الآخِرةِ وسائرِ الصَّلواتِ، مِنْ أَذانِ وَاحدٍ مِنْ المُؤذِّنينِ بعدَ واحدٍ، وغيرِ ذلك مِنْ الاتِّساعِ في ذلك، وفِي هذا كلِه دَلِيلٌ واضِحٌ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَزَل يُصلِّيها وَقتًا واحدًا إلى أن ماتَ ﷺ ، ولَو وَسَّعَ عليهِم لَتَوَسَّعُوا؛ لأنَّ شأنَ العُلماءِ الأخذُ بالتَّوسِعةِ، إلَّا أنَّ ضِيقَ وقتِ المَغربِ ليس كالشَّيءِ الذي لا يَتجزَّأُ، بل ذلك على قَدرِ عُرفِ النَّاسِ مِنْ إسباغِ الوُضوءِ، ولُبسِ الثَّوبِ، والأَذانِ، والإقامَةِ، والمَشيِ إلى ما لا يَبعُدُ مِنْ المَساجِدِ، ونحوِ ذلك. اه (١).
стр. 771
وذَهب الحَنفيَّةُ والإمامُ مالِكُ في رِوايةٍ والشافِعيُّ في القَدِيمِ -حَكاهُ أبُو ثَورٍ عنه، وهُو اختِيارُ جَماعةٍ مِنْ مُحقِّقِي الشافِعيَّةِ- والحَنابلَةُ إلى أنَّ آخر وقتِ المَغربِ غُروبُ الشَّفقِ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وصحَّح جَماعةٌ القدِيمَ، أي قَديمَ قولِ الشافِعيِّ، وهُو أنَّ لَها وقتَينِ، ممَّن صحَّحهُ مِنْ أصحابِنا أبو بَكرِ بنُ خُزيمةَ، وأبو سُليمانَ الخطَّابيُّ، وأبو بَكرٍ البَيهقِيُّ والغَزاليُّ في إحياءِ عُلومِ الدِّينِ، وفِي دَرسِهِ، والبغَويُّ في التَّهذِيبِ، ونقلَه الرُّويَانِيُّ في الحِليةِ عن أبِي ثَورٍ، والمُزنيُّ وابنُ المُنذرِ وأبو عَبد اللهِ الزُّبَيرِيُّ قالَ: وهُو المُختارُ، وصحَّحهُ أيضًا العِجلِيُّ، والشَّيخُ أبو عَمرِو بنُ الصَّلاحِ.
قُلتُ -أي: النَّوويُّ-: هذا القولُ هو الصَّحِيحُ؛ لِأحادِيثَ صَحِيحةٍ، منها حَديثُ عَبد اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «وقتُ صَلاةِ المَغربِ مَا لم يَغِبِ الشَّفقُ»، وفي رِوايةٍ: «وقتُ المَغربِ ما لم يسقُط ثَورُ الشَّفقِ» (١)، رَواهُ مُسلِمٌ بهذه الألفاظِ كلِّها. وقولُه: ثَورُ الشَّفقِ، أي: ثَوَرَانُه، وعَن أبِي مُوسَى الأشعَرِيِّ في بَيانِ النَّبيِّ ﷺ لِلسَّائِلِ عَنْ مَواقيتِ الصَّلاةِ قالَ: «ثم أَخرَ المَغربَ حتى كانَ عندَ سُقُوطِ الشَّفقِ» رَوَاهُ مُسلِمٌ (٢).
وعن بُرَيدَةَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى المَغربَ في اليَومِ الثاني قبلَ أن يَغيبَ الشَّفقُ» رَواه مُسلِمٌ (٣). وعن أبي قَتادةَ في حَديثِه السابقِ: «ليس في
стр. 772
النَّومِ تَفرِيطٌ، إنَّما التَّفرِيطُ على مَنْ لم يُصلِّ الصَّلاةَ حتى يَجِيءَ وقتُ الصَّلاةِ الأُخرَى» رَواهُ مُسلِمٌ. فإذا عَرَفتَ الأحاديثَ الصَحِيحةَ تَعيَّن القولُ به جَزمًا؛ لأنَّ الشافِعيَّ نصَّ عليه في القَديمِ كما نقلَه أبو ثَورٍ، وعلَّق الشافِعيُّ القولَ به في الإملاءِ على ثُبوتِ الحَديثِ، وقد ثَبت الحَديثُ، بل أحاديثُ، والإملاءُ مِنْ كُتُبِ الشافِعيِّ الجَديدةِ، فيَكونُ مَنصوصًا عليه في القَديمِ والجَديدِ، وهذا كلُّه مع القاعِدةِ العامَّةِ التي أوصى بها الشافِعيُّ ﵀ إذا صحَّ الحَديثُ خِلافَ قولِه يُترَكُ قولُه ويُعمَلُ بالحَديثِ، وإنَّ مَذَهبه ما صحَّ فيه الحَديثُ، وقد صحَّ الحَديثُ، ولا مُعارِضَ له، ولا يترُكُه الشافِعيُّ إلا لِعدمِ ثُبوتِه عندَه، ولهذا علَّق القولَ به في الإملاءِ على ثُبوتِ الحَديثِ، وباللهِ التَّوفيقُ (١).
وأمَّا حَديثُ صَلاةِ جِبريلَ ﵇ في اليومَينِ في وَقتٍ، فجَوابُه مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ، أحسَنُها وأصحُّها أنَّه إنَّما أرادَ بَيانَ وقتِ الاختِيارِ، لا بَيانَ وقتِ الجَوازِ، فهكذا هو في أكثرِ الصَّلواتِ، وهي العَصرُ والعِشاءُ والصُّبحُ، وكذا المَغربُ.
والثاني: أنَّ حَديثَ جِبريلَ مُقدَّمٌ في أوَّلِ الأمرِ بمَكةَ، وهذه الأحادِيثُ مُتأَخِّرةٌ بالمَدينةِ، فوجبَ تَقديمُها في العملِ.
الثَّالثُ: أنَّ هذه الأحاديثَ أقوَى مِنْ حَديثِ جِبريلَ؛ لوجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ رُواتَها أكثرُ، والآخَرُ: أنَّها أصحُّ إسنادًا؛ ولهذا خرَّجَها مُسلِمٌ في
стр. 773
صَحِيحِه، دونَ حَديثِ جِبريلَ، وهذا لا شَكَّ فيه؛ فحصَل أنَّ الصَحِيحَ المُختارَ أنَّ لِلمَغربِ وقتَينِ، يَمتَدُّ بينَهما إلى مَغيبِ الشَّفقِ، ويَجوزُ ابتِداؤُها في كلِّ وَقتٍ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذه نُصوصٌ صَحِيحةٌ، لا يَجوزُ مُخالفَتُها بشَيءٍ مُحتمَلٍ؛ ولأنَّها إحدى الصَّلواتِ، فكانَ لها وقتٌ مُتَّسِعٌ كسائرِ الصَّلواتِ، ولأنَّها إحدى صَلاتَي جَمعٍ، فكانَ وقتُها مُتَّصِلًا بوقتِ التي تُجمَعُ إليها، كالظُّهرِ والعَصرِ، ولأنَّ ما قبلَ مَغيبِ الشَّفقِ وقتٌ لاستِدامَتِها، فكانَ وَقتًا لابتِدائِها، كأوَّلِ وقتِها، وأحاديثُهم مَحمولةٌ على الاستِحبابِ والاختِيارِ وكَراهةِ التَّأخِيرِ؛ ولِذلك قالَ الخرقِيُّ: «لا يُستحبُّ تَأخيرُها». فإنَّ الأحاديثَ فيها تَأكيدٌ لِفِعلِها في أوَّلِ وقتِها، وأقَلُّ أحوالِها تَأكيدُ الاستِحبابِ، وإن قُدِّرَ أنَّ الأحاديثَ مُتعارِضةٌ وجبَ حَملُ أحادِيثِهم على أنَّها مَنسوخةٌ؛ لأنَّها في أوَّلِ فَرضِ الصَّلاةِ بمَكةَ، وأحاديثُنا بالمَدينةِ مُتأخِّرةٌ، فتَكونُ ناسِخةً لمَا قبلَها ممَّا يُخالِفُها، واللهُ أعلَمُ (٢).
стр. 774
مَبدأُ وقتِ العِشاءِ ونِهايَتُه:
أمَّا مَبدأُ وقتِها فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ أوَّلَ وقتِ العِشاءِ الآخِرةِ إذا غابَ الشَّفقُ.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمعَ أهلُ العِلمِ، إلَّا مَنْ شَذَّ عنهم، على أنَّ أوَّلَ وقتِ العِشاءِ الآخِرةِ إذا غابَ الشَّفقُ (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمعَتِ الأمَّةُ على أنَّ وقتَ العِشاءِ مَغيبُ الشَّفقِ (٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ قدِ اختَلَفوا في الشَّفقِ، ما هو:
فذَهب الإمامُ أبو حَنيفَةَ إلى أنَّ الشَّفقَ هو البَياضُ الذي يَظهرُ في جَوِّ السَّماءِ بعدَ ذَهابِ الحُمرةِ التي تَعقُبُ غُروبَ الشَّمسِ، واستَدلَّ على ذلك «بأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُصلِّي العِشاءَ حينَ يَسوَدُّ الأَفُقُ» (٣). وإنَّما يَسوَدُّ إذا خَفيَتِ الشَّمسُ في الظَّلامِ، وهو وقتُ مَغيبِ الشَّفقِ الأبيَضِ.
وذَهب جَماهيرُ أهلِ العِلمِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ الشَّفقَ هو الحُمرةُ، واستدَلُّوا على ذلك بحَديثِ عائِشَةَ ﵂ أنَّهم «كانُوا يُصَلُّون فِيمَا بينَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفقُ إلى ثُلُثِ اللَّيلِ الأَوَّلِ» (٤)،
стр. 775
وأنَّه ﷺ : «كانَ يُصلِّي العِشاءَ بعدَ مُضِيِّ ثُلُثِ اللَّيلِ»، فلو كانَ الشَّفقُ هو البَياضَ لَمَا كانَ مُؤخِّرًا لها، بل كانَ مُصلِّيا في أوَّلِ الوقتِ؛ لأنَّ البَياضَ يَبقَى إلى ثُلُثِ اللَّيلِ، خُصوصًا في الصَّيفِ.
وأمَّا نِهايةُ وقتِ العِشاءِ:
فقالَ أَبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ أنَّها لا تَفوتُ إلا بطُلوعِ الفَجرِ، وأنَّ مَنْ أدرَكَ أو أسلَمَ قبلَ طُلوعِ الفَجرِ أنَّه تَلزَمُه العِشاءُ الآخِرةُ، وكذلك المَرأةُ إذا طَهُرت مِنْ الحَيضِ (١).
وهذا هو وقتُ الجَوازِ أو الضَّرورةِ عندَ العُلماءِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «ليس في النَّومِ تَفرِيطٌ، إنَّما التَّفرِيطُ على مَنْ لم يُصلِّ الصَّلاةَ حتى يَجِيءَ وقتُ الصَّلاةِ الأُخرَى» (٢). والصَّلاةُ التي تَلِي العِشاءَ هي الفَجرُ، وهذا بخِلافِ صَلاةِ الفَجرِ بالإجماعِ؛ فإنَّ آخر وقتِها طُلوعُ الشَّمسِ.
أمَّا وقتُ الاختِيارِ فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في المَشهورِ عنهم: إنَّه ثُلُثُ اللَّيلِ؛ لِحَديثِ إمامَةِ جِبريلَ ﵇ بالنَّبيِّ ﷺ في اليَومِ الثاني في ثُلُثِ اللَّيلِ، وقالَ: «الوقتُ ما بينَ هَذَينِ» (٣).
واختَلفَ أصحابُ أبي حَنيفةَ، فمنهم مَنْ قالَ: إلى ما قبلَ ثُلُثِ اللَّيلِ، ومنهم مَنْ قالَ: إلى ثُلُثِ اللَّيلِ، ومنهم مَنْ قالَ: إلى نِصفِ اللَّيلِ، وهو القولُ الآخَرُ لِلشافِعيِّ وأحمدَ؛ لحَديثِ عَبد اللهِ بنِ عمرٍو، وفيه: «ووقعَت