إلا أنَّه لا يُحيِي في جَزيرةِ العَربِ -ولو أذِنَ له الإمامُ عندَ المالِكيةِ- لأنَّه ليسَ له السُّكنَى فيها، وكذا ما قرُبَ مِنْ العُمرانِ لا يَجوزُ له إِحياؤُه ولو أذِنَ فيه الإمامُ، أما ما بعُدَ عن العُمرانِ فيَجوزُ إِحياؤُه بغيرِ إذنِ الإمامِ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: لا يَجوزُ إِحياؤُه إلا بإذنِ الإمامِ اتِّفاقًا (٢).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: لا يُشتَرطُ إذنُ الإمامِ فيما يُحيِيه الذميُّ في ديارِ الإِسلامِ كالمُسلمِ.
وفي قولٍ: لا بدَّ مِنْ إذنِ الإمامِ (٣).
وذهَبَ الشافِعيةُ وابنُ القصَّارِ مِنْ المالكِيةِ وبعضُ الحَنابلةِ كابنِ حامدٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ للذِّميِّ أنْ يُحيِيَ في دارِ الإِسلامِ ولا يَملكُه بذلك، سَواءٌ أذِنَ له الإمامُ أم لَم يَأذنْ، وليسَ للإمامِ أنْ يَأذنَ له في ذلك، وذلك لما رُويَ مَوقوفًا على ابنِ عَباسٍ ﵄: «إنَّ عادِيَّ الأرضِ للهِ ولرَسولِه ولكم مِنْ بعدُ، فمَن أَحيا شيئًا مِنْ مَوتانِ الأرضِ فهو أحقُّ به» (٤).
стр. 7107
وقد رُويَ عن طاوسٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «عادِيُّ الأرضِ للهِ ولِرَسولِه، ثُم هو بعدُ لكم» (١).
فوجهُ الدليلِ مِنْ الخبَرِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أضافَ المَواتَ إلى اللهِ لا على سَبيلِ أنَّه يَملكُها لأنَّه مالكٌ لها ولغيرِها، وإنَّما أضافَها إلى اللهِ تَعالَى تَشريفًا لها؛ لأنَّها تُملَكُ بغيرِ عِوضٍ ولا عن مالكٍ، كما أضافَ خُمسَ الغَنيمةِ إليه لِشرفِه؛ لأنَّه يُملَكُ بغيرِ عِوضٍ ولا عن مُملّكٍ؛ لقولِه تَعالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فلمَّا لَم يَكنِ للكافرِ حقٌّ في خُمسِ الغَنيمةِ فكذلك في المَواتِ في بلادِ الإِسلامِ، وإنَّما لم يُضفِ الزكاةَ إليه؛ لأنَّها أَوساخُ الناسِ، ثُم قالَ: «ثُم هو بعدُ لكم» وهذا خَطابُ للمُسلِمينَ.
حتى لو أذِنَ له الإمامُ لَم يَملِكْها؛ لأنَّه استِعلاءٌ وليسَ له أنْ يَستعليَ في دارِ الإِسلامِ، وللمُسلمِ أنْ يَأخذَه منه ويَملكَه إنْ أَحياه وإنْ لم يَأذنْ له فيه الإمامُ، فإنْ كانَ فيه عينٌ له كزَرعٍ رَدَّه المُسلمُ إليه، فإنْ أعرَضَ عنه فهو لبَيتِ المالِ وليسَ لأحدٍ التصرُّفُ فيه، ولا أجرةَ عليه مدَّةَ إِحيائِه، لأنَّه ليسَ ملكًا لأحدٍ.
لكنْ يَجوزُ له وللمُستأمِنِ الاحتِطابُ والاحتِشاشُ والاصطِيادُ ونَقلُ التُّرابِ (٢).
стр. 7108
حُكمُ إِحياءِ المُستأمِنِ والحَربيِّ:
ذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ إلى أنَّ المُستأمِنَ والحَربيَّ لا يَجوزُ لهم الإِحياءُ في بِلادِ الإِسلامِ مُطلقًا، ولا يَملكُوه بذلك وإنْ أذِنَ له فيه الإمامُ؛ لأنَّه استِعلاءٌ وليسَ لهم أنْ يَستَعلوا في دارِ الإِسلامِ (١).
стр. 7109
وُجودُ المَعادنِ في أرضِ الإِحياءِ:
اختَلفَ الفَقهاءُ فيمَن أَحيا أرضًا مَواتًا فوجَدَ فيها شيئًا في باطنِ الأرضِ، هل يَمتلكُه بذلك أم لا؟
قالَ الشافِعيةُ: لو أَحيا مَواتًا ثُم ظهرَ فيه معدنٌ ظاهرٌ أو باطنٌ كذهبٍ أو فضةٍ أو غيرِ ذلك ولَم يَعلَمْ به مَلَكَه بلا خلافٍ؛ لأنَّه قد ملَكَ الأرضَ بالإِحياءِ، فملَكَها بجميعِ أجزائِها، والمَعدِنُ مِنْ أجزائِها فمَلَكَه، كما لو أَحيا أرضًا فنبَعَ فيها عينُ ماءٍ.
وقيلَ: إنَّ الظاهرَ لا يُملَكُ بالإِحياءِ إنْ علِمَه لظهورِه مِنْ حيثُ إنَّه لا يَحتاجُ إلى علاجٍ.
وإنْ علِمَ أنَّ فيها مَعدِنًا فأَحياها واتَّخذَ عليه دارًا فلا يَملكُه في أحدِ القَولينِ لِفسادِ القصدِ؛ لتَأديَتِه إلى حِرمانِ غيرِه مِنْ الانتِفاعِ.
وفي القولِ الآخرِ: القَطعُ بالملكِ، إلا أنَّه لا يَملِكُ بُقعةَ المَعدِنِ بالإِحياءِ مع عِلمِه به لِفسادِ قَصدِه؛ لأنَّ المَعدِنِ لا يُتَّخذُ دارًا ولا مَزرعةً ولا بُستانًا أو نحوَها (١).
وقالَ الحَنابلةُ: مَنْ أَحيا أرضًا فمَلكَها بذلك فظهَرَ فيها مَعدِنٌ؛ ملَكَه ظاهرًا كانَ أو باطنًا إذا كانَ مِنْ المَعادنِ الجامِدةِ كالذَّهبِ والفِضةِ والحَديدِ
стр. 7110
والكُحلِ؛ لأنَّه ملَكَ الأرضَ بجَميعِ أَجزائِها وطَبقاتِها وهذا منها، فيَتبعُها في الملكِ كما لو اشتَراها، بخِلافِ الرِّكازِ فإنَّه مُودَعٌ فيها للنَّقلِ وليسَ مِنْ أَجزائِها.
وهذا في المَعدِنِ الظاهرِ، إذا ظهَرَ بإِظهارِه وحَفرِه، وأما ما كانَ ظاهرًا فيها قبلَ إِحيائِها فلا يُملَكُ؛ لأنهَّ قَطعٌ لنفعٍ كانَ واصلًا للمُسلِمينَ، ومَنعُهم انتِفاعًا كانَ لهم، وهاهنا لَم يَقطَعْ عنهم شيئًا؛ لأنَّه ظهَرَ بإِظهارِه له.
ولو تَحجَّرَت الأرضُ أو أقطَعَها فظهَرَ فيها المَعدِنُ قبلَ إِحيائِها لكانَ له إِحياؤُها، ويَملكُها بما فيها لأنَّه صارَ أحقَّ به بتَحجُّرِه وإِقطاعِه، فلَم يَمنعْ مِنْ إِتمامِ حقِّه.
وأما المَعادنُ الجاريةُ كالقارِ والنّفطِ والماءِ، فهل يَملكُها مَنْ ظهرَتْ في ملكِه؟ فيه رِوايتانِ:
أَظهرهُما وهي المَذهبُ: لا يَملكُها؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «المُسلِمونَ شُركَاءُ في ثَلاثٍ: في الماءِ والكلأِ والنَّارِ وَثمنُه حَرامٌ» (١) وفي لفظٍ «الناسُ شُركاءُ»، ولأنَّها ليسَت مِنْ أَجزاءِ الأرضِ فلَم يَملكْها بملكِ الأرضِ كالكَنزِ، إلا أنَّه أحقُّ به مِنْ غيرِه؛ لحَديثِ: «مَنْ سبَقَ إلى ما لَم يَسبقْ إليه أحدٌ فهو له» رواه أَبو داودَ، وفي لفظٍ: «فهو أحقُّ به» (٢) فهنا أَولى.
стр. 7111
والرِّاويةُ الثانيةُ: يَملكُها؛ لأنَّها خارجةٌ مِنْ أرضِه المَملوكَةِ له فأشبَهَتْ الزَّرعَ والمَعادنَ الجامِدةَ (١).
أما المالِكيةُ فقالوا: المَعدِنُ كالذَّهبِ والفِضةِ إما أنْ يَظهرَ في المَواتِ أو الفَيافي في بِلادِ الإِسلامِ فإنَّ الحُكمَ فيه للإمامِ، يُقطعُه لمَن يَعملُ فيه بوَجهِ الاجتِهادِ، ومَعنى إِقطاعِه إيَّاها أنْ يَجعلَ لمَن يُقطعُه إيَّاها الانتِفاعَ بها مدَّةً مَحدودةً أو غيرَ مَحدودةٍ لا يُملِّكُه رقبتَها، كما لا يُقطِعُ أرضَ العَنوةِ تمليكًا، لكنْ قَطيعةُ إِمتاعٍ، والأصلُ للمُسلِمينَ.
وإما أنْ يَظهرَ المَعدِنُ في أرضٍ مَملوكةٍ مَحوزَةٍ لمالكٍ مُعيَّنٍ كزيدٍ مثلًا، ففيه ثَلاثةُ أَقوالٍ في المَذهبِ:
المُعتمَدُ منهما -وهو قولُ ابنِ القاسِمِ-: أنَّ النَّظرَ فيه للإمامِ أيضًا، يُقطِعُه مَنْ يَشاءُ، وذلك لأنَّ المَعادنَ ليسَت تبعًا للأرضِ التي هي فيها مَملوكةً كانَت أو غيرَ مَملوكةٍ؛ لأنَّ المَعادنَ التي في جوفِ الأرضِ أقدَمُ مِنْ ملكِ المالِكينَ لها، فلم يَحصلْ ذلك ملكًا لهم بملكِ الأرضِ فصارَ ما فيها بمنزلةِ ما لم يُوجَفْ عليه بخيلٍ ولا رِكابٍ، قالَ ابنُ القاسمِ: وكذلك مَعادنُ الزّرنيخِ والكُحلِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ هي كمَعادنِ الذَّهبِ والفضَّةِ، للسُّلطانِ أنْ يُقطِعَها لمَن يَعملُ فيها.
стр. 7112
وذلك لأنَّ المَعادنَ قد يَجدُها شِرارُ الناسِ، فلو لم يَكنْ حُكمُه للإمامِ لأدَّى إلى الفِتنِ والهَرجِ.
والقولُ الثانِي: أنَّها تَكونُ مِلكًا لصاحبِها، والنَّظرُ فيها له، وهو قولُ سُحنونٍ، ويَكونُ حُكمُها كالعنبَرِ وما يَخرجُ مِنْ البَحرِ، فهي لِمالكِها.
والثالثُ: إنْ كانَ عينًا -ذهبًا أو فِضةً- فللإمامِ، وإنْ كانَ غيرَ ذلك مِنْ الجَواهرِ فلمالكِ الأرضِ.
وإما أنْ يَظهرَ المَعدِنُ في أرضٍ غيرِ مَملوكةٍ انجَلى أهلُها عنها، فإنْ كانوا كُفارًا وانجَلَوا عنها بغيرِ قِتالٍ فحُكمُها للإمامِ قولًا واحدًا، وإنْ كانوا مُسلِمينَ وانجَلَوا عنها فقَولانِ: المُعتمَدُ منهما أنَّها للإمامِ له أنْ يُقطِعَها مَنْ يَشاءُ، والثانِي: لا يَسقطُ مُلكُهم عن أَراضِيهم بانجِلائِهم.
وإما أنْ تَظهرَ المَعادنُ في أرضِ قَومٍ صالَحوا عليها فهي للمَصالحِ، فإنْ أسلَموا رجَعَ أمرُها إلى الإمامِ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: المَواتُ يُملَكُ بالإِحياءِ، فإذا أَحيا إِنسانٌ مَواتًا ملَكَه ولا تَنزعُ منه، ويَجبُ عليها العُشرُ أو الخَراجُ حسبَ حالِها، فعلى هذا إذا وجَدَ فيها مَعدِنًا ملَكَه على هذا التَّفصيلِ:
стр. 7113
قالوا: إذا وجَدَ مُسلمٌ أو ذِميٌّ مَعدنًا ذَهبًا أو فِضةً أو حَديدًا أو صُفرًا أو رَصاصًا أو نُحاسًا ونحوَ ذلك في أرضِ خَراجٍ أو عُشرٍ أَخذَ منه الخُمسَ وباقِيه لواجِدِه، وكذا إذا وجَدَ في الصَّحراءِ التي ليسَت بعُشريَّةٍ ولا خَراجيَّةٍ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «وفي الرِّكازِ الخُمسُ»، والرِّكازُ يَتناولُ الكَنزَ والمَعدِنَ؛ لأنَّ الرِّكازَ عِبارةٌ عما يَغيبُ في الأرضِ وأُخفِيَ فيها وهو مَوجودٌ في الكَنزِ والمَعدِنِ، ولأنَّها كانَت في أيدِي الكُفارِ وقد غلَبْنا عليها فتَكونُ غَنيمةً وفيها الخُمسُ، والواجدُ كالغانمِ فله أربَعةُ الأَخماسِ لعدمِ المَزاحمِ.
وأما المائعُ كالنّفطِ والقارِ ونحوِ ذلك، وما ليسَ بمُنطبِعٍ ولا مائعٍ كالنّورةِ والجصِّ والجَواهرِ كالياقوتِ والبَلورِ ونحوِ ذلك فلا شيءَ فيها، وكلُّها لواجِدِها؛ لأنَّ الجصَّ والنُّورةَ ونحوَها مِنْ أَجزاءِ الأرضِ فكانَ كالتُّرابِ.
والياقوتُ والفُصوصُ مِنْ جِنسِ الحِجارةِ إلا أنَّها أَحجارٌ مُضيئةٌ ولا خُمسَ في الحَجرِ، وأما المائعُ كالقيرِ والنّفطِ فلأنَّه ماءٌ، وأنَّه مما لا يُقصَدُ بالاستِيلاءِ.
ولو وجَدَ في دارِه مَعدِنًا فليسَ فيه شيءٌ عندَ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّه ملَكَها بجَميعِ أَجزائِها، والمَعدِنُ مِنْ أَجزائِها؛ لأنَّ كلَّ جزءٍ مِنْ أَجزاءِ أرضِه لا خُمسَ فيه، فكذا هذا الجزءُ.
وقالَ الصاحِبانِ: فيه الخُمسُ، والباقِي لواجِدِه لإِطلاقِ الحَديثِ.
стр. 7114
وإنْ وجَدَه في أرضِه فعن أَبي حَنيفةَ فيه رِوايتانِ: رِوايةُ الأصلِ: لا يَجبُ؛ لأنَّ المَعدِنَ مِنْ أَجزاءِ الأرضِ وليسَ في سائرِ الأَجزاءِ منها خُمسٌ، فكذا في هذا الجزءِ.
وفي رِوايةِ «الجامعِ الصغيرِ»: يَجبُ؛ لأنَّ الأرضَ ما مُلكَت خالِيةً عن المُؤنِ، ألا تَرى أنَّ فيها العُشرَ والخَراجَ بخلافِ الدارِ؛ لأنَّها مُلكَت خاليةً عن المُؤنِ، حتى قالوا لو كانَ في الدارِ نَخلةٌ تَطرحُ في كلِّ سَنةٍ أَكرارًا مِنْ الثِّمارِ لا يَجبُ فيها شيءٌ لَما قُلنا بخِلافِ الأرضِ.
ولو وجَدَ مُسلمٌ مَعدِنًا في دارِ الحربِ في أرضٍ غيرِ مَملوكةٍ لأحدٍ فهو للواجدِ ولا خُمسَ فيه؛ لأنَّه ليسَ بغَنيمةٍ؛ لأنَّ الغَنيمةَ ما أُخِذَ عن طريقِ القهرِ والجبْرِ، وهذا أخذٌ عن طَريقِ التَّلصُّصِ.
ولو وجَدَه في ملكِ بعضِهم، فإنْ دخَلَ عليهم بأَمانٍ ردَّه عليهم، ولو لَم يَردَّ وأخرَجَه إلى دارِ الإِسلامِ يَكونُ مِلكًا له إلا أنَّه لا يَطيبُ له، وسَبيلُه التَّصدقُ به، وإنْ دخَلَ بغيرِ أمانٍ يَكونُ له مِنْ غيرِ خُمسٍ.
وإنْ وجَدَ حَربيٌّ مَعدِنًا في دارِ الإِسلامِ فهو فيءٌ؛ لأنَّه ليسَ مِنْ أهلِ الغَنائمِ.
ومَن وجَدَ كَنزًا فيه عَلامةُ المُسلِمينَ، بأنْ كانَ فيه مُصحَفٌ أو كانَ مَكتوبًا عليه كَلمةُ الشَّهادةِ أو اسمُ ملكٍ مِنْ مُلوكِ الإِسلامِ فهو لُقَطةٌ؛ لعِلمِنا أنَّه مِنْ وَضعِ المُسلِمينَ فلا يَكونُ غَنيمةً، وإنْ كانَ فيه عَلامةُ الشِّركِ كالصَّليبِ والصَّنمِ ونحوِهما فهو مِنْ مالِ المُشرِكينَ فيَكونُ غَنيمةً، ففيه الخُمسُ والباقِي للواجدِ.
стр. 7115
وإن وُجدَ في دارِ رَجلٌ مالٌ مَدفونٌ مِنْ أَموالِ الجاهليَّةِ فهو لمَن كانَت الدارُ له، وهو المُختَطُّ الذي خطَّها الإمامُ له عندَ الفَتحِ (أي المالكِ الأولِ)؛ لأنَّ المُختَطَّ له ملكُ الأرضِ بالحِيازةِ فيَملِكُ ظاهِرَها وباطنَها، والمُشتَري ملَكَها بالعقدِ فيَملِكُ الظاهرَ دونَ الباطنِ، فبَقيَ الكَنزُ على صاحبِ الخطّةِ، ولأنَّ الكَنزَ مُودَعٌ في الأرضِ، فلما ملَكَها الأولُ ملَكَ ما فيها ولا يَخرجُ ما فيها عن ملكِه ببَيعِها كالسَّمكةِ في جَوفِها دُرةٌ.
وإنْ لمَ يُوجدِ المُختَطُّ فلورثَتِه ووَرثةِ ورثَتِه هكذا، فإنْ لَم يُعرَفِ المُختَطُّ فلأقصَى مالكٍ يُعرَفُ لها، وهذا قولُ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ.
وقالَ أَبو يُوسفَ: هو لِلواجدِ، وفيه الخُمسُ قِياسًا على المَوجودِ في المَفازةِ؛ لأنَّه هو الذي أظهَرَه وحازَه ولَم يُملِّكْه الإمامُ؛ لأنَّه لو ملَّكَه الكَنزَ مع الأرضِ لم يَكنْ عَدلًا (١).
قالَ الإمامُ ابنُ حزمٍ ﵀: واتَّفقوا أنَّ مَنْ ملكَ أرضًا مُحياةً ليسَت مَعدِنًا فليسَ للإمامِ أنْ يَنتزعَها منه ولا أنْ يُقطِعَها غيرَه.
واختَلفوا في المَعدِنِ يَظهرُ، هو لربِّ الأرضِ أم للإمامِ أنْ يَفعلَ فيه ما رَأى؟ (٢).
стр. 7116
إِحياءُ المَعادنِ في أرضِ المَواتِ:
نصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ المَعادنَ نَوعانِ: ظاهِرةٌ وباطِنةٌ.
فالظاهِرةُ: ما لا تَحتاجُ إلى مَؤونةٍ في إِخراجِها، فهذا لا يَجوزُ إِحياؤُه، وقالَ ابنُ قُدامةَ: لا أَعلمُ فيه خِلافًا.
والباطِنةُ: ما يَحتاجُ إلى مَؤونةٍ وكُلفةٍ في إِخراجِه كالذَّهبِ والفِضةِ والحَديدِ، فالصَّحيحُ عندَهم أنَّه لا يَصحُّ إِحياؤُه، وفي قولِ للمَذهبَينِ أنَّه يُملَكُ بذلك، وبَيانُه في هذا التَّفصيلِ:
قالَ الشافِعيةُ: المَعادنُ: وهي البِقاعُ التي أودَعَها اللهُ تَعالَى شيئًا مِنْ الجَواهرِ المَطلوبةِ، وهي قِسمانِ: ظاهِرةٌ وباطِنةٌ.
أولًا: المَعادنُ الظاهِرةُ: وهي التي يَبدو جَوهرُها ولا يَحتاجُ إلى الانتِفاعِ بها إلى عملٍ، وإنَّما السَّعيُ والعَملُ لتَحصيلِه، ثُم تَحصيلُه قد يَسهُلُ وقد يَكونُ فيه تَعبٌ، وذلك كالنّفطِ والكِبريتِ والياقوتِ والمِلحِ والكُحلِ وشبهِها، فهذا لا يَملكُه أحدٌ بالإِحياءِ والعِمارةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً فهي له» (١) فعلَّقَ الملكَ بالإِحياءِ، وهذا لا يَحتاجُ إلى إِحياءٍ، ولا يَختصُّ بها أيضًا المُتحجِّرُ، وليسَ للسُّلطانِ إِقطاعُها، بل هي مُشتَركةٌ بينَ الناسِ كالمياهِ الجاريةِ والكلأِ والحَطبِ، ويَستوِي فيها المُسلِمُ والكافرُ.
стр. 7117
ولو حوَّطَ رجلٌ على هذه المَعادنِ وبَنى عليها دارًا أو بُستانًا لَم يَملكِ البُقعةُ لفَسادِ قَصدِه في أحدِ القَولينَ، لتَأديتِه إلى حِرمانِ غيرِه مِنْ الانتِفاعِ.
وفي القولِ الآخرِ: القَطعُ بالملكِ، إلا أنَّه لا يَملكُ بُقعةَ المَعدِنِ بالإِحياءِ معَ علمِه به لفَسادِ قَصدِه؛ لأنَّ المَعدِنَ لا يُتَّخذُ دارًا ولا مَزرعةً ولا بُستانًا أو نحوَها.
ثانيًا: المَعادنُ الباطِنةُ: وهي التي لا يُتوصَّلُ إلى شيءٍ منها إلا بعِلاجٍ وعَملٍ، كالذَّهبِ والفِضةِ والفَيروزجِ والياقوتِ والرَّصاصِ والنُّحاسِ والحَديدِ، وسائرِ الجَواهرِ المَبثوثةِ في طَبقاتِ الأرضِ.
اختَلفَ فيه المَذهبُ: هل يُملَكُ بالإِحياءِ أم لا؟
الأَظهرُ: أنَّه لا يُملَكُ بالإِحياءِ كالمَعدِنِ الظاهرِ، ولأنَّ المَعدِنَ يُشبِهُ المَواتَ، والمَواتُ لا يُملَكُ إلا بالعِمارةِ، وحَفرُ المَعدِنِ تَخريبٌ، ولأنَّ المُحيا ما يَتكرَّرُ الانتِفاعُ به بعدَ عِمارتِه مِنْ غيرِ إِحداثِ عِمارةٍ وعَملٍ آخرَ، فهذا لا يُمكنُ في المَعادنِ لأنَّه لا يُنتفَعُ بها إلا بعملٍ مُتجدِّدٍ في كلِّ شيءٍ يَأخذُه.
ولأنَّه لو ملَكَه لجازَ بَيعُه، وبَيعُه لا يَجوزُ لأنَّ المَقصودَ منه مَجهولٌ.
والثانِي: يُملَكُ إلى القَرارِ-وهو قولُ أَبي حَنيفةَ-؛ لأنَّه لا يُتوصَّلُ إلى نَيلِه إلا بتَعبٍ ومَؤنةٍ، فأشبَه المَواتَ إذا أُحيِيَ، ولأنَّه أرضٌ غيرُ مَملوكةٍ لا يُتوصَّلُ إلى مَنفعتِها إلا بنَفقةٍ ومَؤونةٍ، فيُملَكُ بالإِحياءِ كالمَواتِ.
стр. 7118
ومحلُّ القَولينِ إذا قصَدَ التَّملكَ ووصَلَ إلى النَّيلِ، فإذا لَم يَقصِدِ التَّملكَ بل قصَدَ الأَخذَ والانصِرافَ فلا يَملكُه قولًا واحدًا، وأما قبلَ الوُصولِ إلى النيلِ فهو كالمُتحجِّرِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: المَعادنُ الظاهِرةُ: وهي التي يُوصَلُ إلى ما فيها مِنْ غيرِ مَؤنةٍ يَنتابُها الناسُ ويَنتفِعونَ بها كالمِلحِ والماءِ والكِبريتِ والقيرِ والمُومياءِ والنّفطِ والكُحلِ والبرامِ والياقوتِ ومَقاطعِ الطينِ وأَشباهِ ذلك، فلا تُملَكُ بالإِحياءِ ولا يَجوزُ إِقطاعُها لأحدٍ مِنْ الناسِ ولا احتجازُها دونَ المُسلِمينَ؛ لأنَّ فيه ضَررًا بالمُسلِمينَ وتَضييقًا عليهم؛ لأنَّ هذا تتعلَّقُ به مصالحُ المُسلِمينَ العامَّةِ فلم يَجزْ إِحياؤُه ولا إِقطاعُه كمَشارعِ الماءِ وطُرقاتِ المُسلِمينَ.
وقالَ ابنُ عقيلٍ: هذا مِنْ موادِّ اللهِ الكريمِ وفيضِ جودِه الذي لا غناءَ عنه، فلو ملكَه أحدٌ بالاحتجازِ ملكَ منعَه، فضاقَ على الناسِ، فإنْ أخذَ العوضَ عنه أغلاه فخرجَ عن الموضعِ الذي وضعَه اللهُ مِنْ تعميمِ ذوي الحوائجِ مِنْ غيرِ كلفةٍ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا مذهبُ الشافِعيِّ ولا أعلمُ فيه مخالفًا (٢).
стр. 7119
وأما المَعادنُ الباطنةُ: وهي التي لا يُوصَلُ إليها إلا بالعملِ والمؤنةِ، كمعادنِ الذَّهبِ والفِضةِ والحَديدِ والنحاسِ والرصاصِ والبلورِ والفيروزجِ، فإذا كانَت ظاهرةً لم تُملَكْ أيضًا بالإِحياءِ لمَا ذكَرْنا في التي قبلَها.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ لَم تَكنْ ظاهرةً فحفرَها إنسانٌ وأظهرَها لم تُملَكْ بذلك في ظاهرِ المَذهبِ وظاهرِ مذهبِ الشافِعيِّ.
ويُحتمَلُ أنْ يَملكَها بذلك، وهو قولٌ للشافعيِّ؛ لأنَّه مَواتٌ لا يُنتفَعُ به إلا بالعملِ والمؤنةِ فمُلِكَ بالإِحياءِ كالأرضِ، ولأنَّه بإظهارِه تَهيَّأَ للانتفاعِ به مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى تكرارِ ذلك العملِ فأشبَه الأرضَ إذا جاءَها بماءٍ أو حاطَها.
ووجهُ الأولِ أنَّ الإحياءَ الذي يُملَكُ به هو العِمارةُ التي تهيَّأَ بها المُحيِي للانتفاعِ مِنْ غيرِ تكرارِ عملٍ وهذا حفرٌ، وتخريبُه يَحتاجُ إلى تكرارٍ عندَ كلِّ انتفاعٍ، فإنْ قيلَ: فلو احتَفرَ بِئرًا ملكَها وملكَ حَريمَها؟
قلْنَا: البِئرُ تهيَّأَتْ للانتِفاعِ بها مِنْ غيرِ تَجديدِ حُفرٍ ولا عِمارةٍ، وهذه المَعادنُ تَحتاجُ عندَ كلِّ انتِفاعٍ إلى عَملٍ وعِمارةٍ فافتَرقا (١).
وأما الحَنفيةُ فقد نصُّوا على أنَّه ليسَ للإمامِ أنْ يُقطِعَ ما لا غَنى للمُسلِمينَ عنه مِنْ المَعادنِ الظاهِرةِ، وهي ما كانَ جَوهرُها الذي أودَعَه اللهُ في جَواهرِ الأرضِ بارِزًا، كمَعادنِ المِلحِ والكُحلِ والقارِ والنّفطِ والآبارِ
стр. 7120
التي يَستقِي منها الناسُ، فلو أقطَعَ هذه المَعادنَ الظاهِرةَ لم يَكنْ لإِقطاعِها حُكمٌ، بل المُقطَعُ وغيرُه سَواءٌ، فلو منَعَهم المُقطَعَ كانَ بمَنعِه مُتعديًا، وكانَ لمَا أخَذَه مالِكًا؛ لأنَّه مُتعدٍّ بالمَنعِ لا بالأَخذِ، وكُفَّ عن المَنع وصُرفَ عن مُداومةِ العَملِ؛ لئلَّا يَشتبِه إِقطاعُه بالصِّحةِ أو يَصيرَ منه في حُكمِ الأَملاكِ المُستقرَّةِ (١).
لكنَّ هذا -واللهُ أَعلمُ- في الإِقطاعِ، أما الإِحياءُ أو إذا وُجدَه فإنَّه يَكونُ له حُكمُ الرِّكازِ، فإنَّهم قالوا: إذا وجَدَ مُسلمٌ أو ذِميٌّ مَعدِنًا (ذَهبًا أو فِضةً أو حَديدًا أو صُفرًا أو رَصاصًا أو نُحاسًا ونحوَ ذلك) في أرضِ خَراجٍ أو عُشرٍ أخَذَ منه الخُمسَ وباقِيه لواجِدِه، وكذا إذا وجَدَ في الصَّحراءِ التي ليسَت بعُشريَّةٍ ولا خَراجيَّةٍ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «وفي الرِّكازِ الخُمسُ»، والرِّكازُ يَتناولُ الكَنزَ والمَعدِنَ؛ لأنَّ الرِّكازَ عِبارةٌ عما يَغيبُ في الأرضِ وأُخفيَ فيها، وأنَّه مَوجودٌ في الكَنزِ والمَعدِنِ، ولأنَّها كانَت في أيدِي الكُفارِ وقد غلَبْنا عليها فتَكونُ غَنيمةً وفيها الخُمسُ، والواجِدُ كالغانِمِ فله أربَعةُ الأَخماسِ لعدمِ المَزاحمِ (٢).
فالظاهِرُ عندَهم أنَّه يَملِكُها بهذا واللهُ أَعلمُ.
стр. 7121
أما المالِكيةُ فقد سبَقَ قولُهم في المَسألةِ السابِقةِ أنَّ الإِنسانَ لا يَمتلِكُ هذا المَعدِنَ ولو وجَدَه في دارِه وكانَ ملكًا خاصًّا، بل هو مَوكولٌ للإمامِ يُقطِعُه لمَن يَعملُ فيه بوجهِ الاجتِهادِ، ومَعنى إِقطاعِه إيَّاها أنْ يَجعلَ لمَن يُقطِعُه إيَّاها الانتِفاعَ بها مدَّةً مَحدودةً أو غيرَ مَحدودةٍ لا يُملِّكُه رقبتَها، كما لا يُقطِعُ أرضَ العَنوةِ تَمليكًا، لكنْ قَطيعةُ إِمتاعٍ، والأصلُ للمُسلِمينَ (١).
стр. 7122
صِفةُ الإِحياءِ:
نصَّ فَقهاءُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ في قولٍ على أنَّ الإِحياءَ يَختلفُ بحسبِ الغَرضِ مِنْ الإِحياءِ، والمَرجعُ في جَميعِ ذلك إلى العَرفِ، فما تعارَفَه الناس إِحياءً فهو إِحياءٌ؛ لأنَّ الشَّرعَ ورَدَ بتَعليقِ الملكِ على الإِحياءِ ولم يُبيِّنْه ولا ذكَرَ كَيفيَّتَه، فيَجبُ الرُّجوعُ فيه إلى ما كانَ إِحياءً في العُرفِ، كما أنَّه لمَّا ورَدَ باعتِبارِ القَبضِ والحِرزِ ولم يُبيِّنْ كيفيَّتَه كانَ المَرجعُ فيه إلى العُرفِ، ولأنَّ الشارعَ لو علَّقَ الحُكمَ على مُسمّى باسمٍ لتعلَّقَ بمُسمَّاه عندَ أهلِ اللِّسانِ فكذلك يَتعلَّقُ الحُكمُ بالمُسمَّى إِحياءً عندَ أهلِ العُرفِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يُعلِّقُ حُكمًا على ما ليسَ إلى مَعرفتِه طَريقٌ، فلمَّا لم يُبيِّنْه تَعيَّنَ العُرفُ طَريقًا لمَعرفتِه؛ إذ ليسَ له طَريقٌ سِواه (١).
قالَ الشافِعيةُ: الإِحياءُ ما عرَفَه الناسُ إِحياءً لمثلِ المُحيا؛ لأنَّ الشَّرعَ ورَدَ بالإِحياءِ مُطلقًا، وما ورَدَ فيه مُطلقًا رُجِعَ فيه إلى العُرفِ والعادةِ في ذلك الشيءِ وفي ذلك البَلدِ، كالتَّفريقِ في البَيعِ، والحِرزِ في السَّرقةِ، وضابِطُه: أنْ يُهيَّأَ كلُّ شيءٍ لما يُقصَدُ منه غالِبًا.
فإنْ كانَ يُريدُ إِحياءَ المَواتِ دارًا للسُّكنَى أو مَسجدًا اُشتِرطَ تَحويطُ البُقعةِ بما جرَتِ العادةُ به في ذلك المَكانِ بآجُرٍ أو لَبِنٍ أو حَجرٍ أو خَشبٍ بحَسبِ عادةِ ذلك المَكانِ، مع البِناءِ على المُعتمَدِ مع سَقفِ بعضِها ليَتهيَّأَ
стр. 7123
للسُّكنَى، وفيه وَجهٌ أنَّه لا يُشتَرطُ، ونَصبُ بابٍ؛ لأنَّ العادةَ في المَنازلِ أنْ يَكونَ لها أَبوابٌ، وما لا (بابَ) له لا يُتَّخذُ مَسكنًا، وفي وَجهٍ: لا يُشتَرطُ؛ لأنَّ فَقدَه لا يَمنعُ السُّكنَى، وإنَّما يَنصَبُّ لحِفظِ المَتاعِ.
أو أرادَ إِحياءَ المَواتِ زَريبةَ دَوابَّ أو نحوِها، كحَظيرةٍ لجَمعِ ثِمارٍ وغَلاتٍ وغيرِها فتَحويطٌ بالبِناءِ بما جرَت به العَادةُ، ولا يُشتَرطُ أنْ يَكونُ تَحويطُها كتَحويطِ الدارِ، ولا يَكفي نصبُ سَعفٍ وأَحجارٍ مِنْ غيرِ بناءٍ؛ لأنَّ المُجتازَ بفِعلِ ذلك والمُتملِّكَ لا يَقتصرُ عليه عادةً، ولا يُشتَرطُ سَقفٌ في إِحياءِ الزَّريبةِ؛ لأنَّ العادةَ فيها عَدمُه، ولو حوَّطَ لها ببِناءٍ مِنْ طَرفٍ واقتَصرَ في الباقِي على نصبِ أَحجارٍ أو سَعفٍ كَفى، وفي نصبِ البابِ الخِلافُ السابِقُ في المَسكنِ.
ولو حفَرَ قبْرًا في مَواتٍ كانَ إِحياءً لتلك البُقعةِ وملكَه بخِلافِ ما لو حفَرَ قبْرًا في أرضِ مَقبَرةٍ مُسبَّلةٍ، فإنَّه لا يَختصُّ به؛ إذ السَّبقُ فيها بالدَّفنِ لا بالحفرِ.
أو أرادَ إِحياءَ المَواتِ مَزرعةً فجمَعَ التُّرابَ ونحوَه كحَجرٍ وشَوكٍ حولَها يُشتَرطُ في إِحيائِها ليَنفصلَ المُحيا عن غيرِه، ولا حاجةَ إلى التَّحويطِ لأنَّه العرفُ، ويُشتَرطُ تَسويةُ الأرضِ بطَمرِ المُنخفِضِ وكسحِ المُستعلِي، وحرثِها إنْ لَم تُزرَعْ إلا به، وتَلبينُ تُرابِها ولو بما يُساقُ إليها لِتتهيَّأَ للزِّراعةِ، وتَرتيبُ ماءٍ لها بشَقِّ ساقيةٍ مِنْ نهرٍ أو بحَفرِ بِئرٍ أو قَناةٍ أو نحوِ ذلك، هذا إنْ لَم يَكفِها المَطرُ المُعتادُ، فإنْ كَفاها لم يَحتَجْ لتَرتيبِ الماءِ.
стр. 7124
ويُستثنَى مِنْ تَرتيبِ الماءِ صُورتانِ:
إحداهُما: أَراضِي الجِبالِ التي لا يُمكنُ سَوقُ الماءِ إليها ولا يَكفيها المَطرُ المُعتادُ، فإنَّها تُملَكُ بالحِراثةِ وجَمعِ التُّرابِ.
الثانِيةُ: أَراضِي البَطائحِ -وهي بناحيةِ العِراقِ غلَبَ عليها الماءُ- فالشَّرطُ في إِحيائِها حَبسُ الماءِ عنها عَكسَ غيرِها.
ولا يُشتَرطُ في إِحيائِها الزِّراعةُ في الأصحِّ؛ لأنَّه استِيفاءُ مَنفعةِ الأرضِ وهو خارجٌ عن الإِحياءِ، كما لا يُعتبَرُ في إِحياءِ الدارِ سُكْناها.
والثانِي: يُشتَرطُ؛ إذ الدارُ لا تَصيرُ مُحياةً إلا إذا جُعلَ فيها عَينُ مالٍ المُحيي، فكذا المَزرعةُ وما يُبذَرُ فيها يُقالُ له زَريعةٌ، وأما الحَصادُ فلا يُشتَرطُ جَزمًا.
أو أَرادَ إِحياءَ المَواتِ بُستانًا فجَمعُ التُّرابِ يُشتَرطُ حولَ الأرضِ كالمَزرعةِ، وحُكمُ الكَرْمِ حُكمُ البُستانِ، والتَّحويطُ حيثُ جرَتِ العادةُ به؛ عَملًا بها، وإنْ جرَتْ بتَحويطٍ ببِناءٍ اُشتُرطَ، أو بقَصبٍ أو شَوكٍ كَفى، أو اكتَفَت بجَمعِ تُرابٍ كَفى، فعُلمَ بذلك أنَّه لا يُشتَرطُ الجَمعُ بينَ التَّحويطِ وجَمعِ التُّرابِ وتَهيئةِ ماءٍ على ما سبَقَ في المَزرعةِ.
ويُشتَرطُ في إِحياءِ المَواتِ بُستانًا غَرسُ بعضِ الأرضِ بما يُسمَّى به بُستانًا على المَذهبِ، وقيلَ لا يُشتَرطُ كالزَّرعِ في المَزرعةِ.
وفرَّقَ الأولُ بينَهما بأنَّ اسمَ المَزرعةِ يَقعُ على الأرضِ قبلَ الزَّرعِ
стр. 7125
بخِلافِ البُستانِ قبلَ الغرسِ، ولأنَّ الغرسَ للدَّوامِ فالتحَقَ ببِناءِ الدارِ بخِلافِ الزَّرعِ.
ولا يُشتَرطُ أنْ يُثمِرَ الغِراسُ.
ويُشتَرطُ في إِحياءِ البِئرِ خُروجُ الماءِ وطيُّ البِئرِ الرّخوةِ أرضُها بخِلافِ الصّلبةِ، وفي إِحياءِ بئرِ القَناةِ خُروجُ الماءِ وجَريانُه.
ولو حفَرَ نهرًا مُمتدًّا إلى النَّهرِ القَديمِ بقَصدِ التَّملكِ ليَجريَ فيه الماءُ ملَكَه ولو لَم يُجرِه، كما لا يُشتَرطُ السُّكنَى في إِحياءِ المَسكنِ.
ومَن شرَعَ في عملِ إِحياءٍ لنوعٍ فغيَّرَه لنوعٍ آخر ملَكَه بما يُحيِي به ذلك النوعَ، كَأَنْ شرَعَ في عَملِ بُستانٍ ثُّم قصَدَ أنْ يجعَلَه مَزرعةً ملَكَه بما تُملَكُ به المَزرعةُ (١).
وأما الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإِحياءُ الأرضِ أنْ يُحوِّطُ عليها حائِطًا.
ظاهرُ كَلامِ الخِرقيِّ أنَّ تَحويطَ الأرضِ إِحياءٌ لها، سَواءٌ أَرادَها للبِناءِ أو للزَّرعِ أو حَظيرةً للغَنمِ أو الخَشبِ أو غيرِ ذلك، ونصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ عليِّ بنِ سَعيدٍ فقالَ: الإِحياءُ أنْ يُحوِّطَ عليها حائطًا ويَحفرَ فيها بِئرًا أو نَهرًا،
стр. 7126
ولا يُعتبَرُ في ذلك تَسقيفٌ، وذلك لمَا رَوى الحَسنُ عن سَمرةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ أحاطَ حائِطًا على أرضٍ فهي له» (١) رواه أَبو داودَ والإمامُ أحمدُ في مُسندِه، ويُروَى عن جابرٍ عن النَّبيِّ ﷺ مثلُه، ولأنَّ الحائِطَ حاجِزٌ مَنيعٌ فكانَ إِحياءً أَشبَهَ ما لو جعَلَها حَظيرةً للغَنمِ، ويُبيِّنُ هذا أنَّ القَصدَ لا اعتِبارَ به، بدَليلِ ما لو أرادَها حَظيرةً للغَنمِ فبَناها بجصٍّ وآجُرٍّ وقسَمَها بُيوتًا فإنَّه يَملِكُها، وهذا لا يُصنَعُ للغَنمِ مثلُه، ولا بدَّ أنْ يَكونَ الحائطُ مَنيعًا يَمنعُ ما وراءَه، ويَكونُ مما جرَتِ العادةُ بمثلِه، ويَختلفُ باختلافِ البُلدانِ، فلو كانَ مما جرَتْ عادتُهم بالحِجارةِ وحدَها كأهلِ حَورانَ وفِلسطينَ، أو بالطينِ كالفَطائرِ لأهلِ غُوطةِ دِمشقَ، أو بالخَشبِ أو بالقَصبِ كأهلِ الغَورِ كانَ ذلك إِحياءً، وإنْ بَناه بأَرفعَ مما جرَتْ به عادتُه كانَ أَولى.
وقالَ القاضِي: في صِفةِ الإِحياءِ رِوايتانِ إحداهُما ما ذكَرْنا، والثانِي: الإِحياءُ ما تَعارفَه الناسُ إِحياءً؛ لأنَّ الشَّرعَ ورَدَ بتَعليقِ الملكِ على الإِحياءِ ولم يُبيِّنه ولا ذكَرَ كَيفيَّتَه، فيَجبُ الرُّجوعُ فيه إلى ما كانَ إِحياءً في العرفِ، كما أنَّه لمَّا ورَدَ باعتِبارِ القَبضِ والحرزِ ولم يُبيِّنْ كَيفيَّتَه كانَ المَرجعُ فيه إلى العرفِ، ولأنَّ الشارعَ لو علَّقَ الحكمَ على مُسمًّى باسمٍ لتعلَّقَ بمُسماه عندَ أهلِ اللِّسانِ، فكذلك يَتعلَّقُ الحُكمُ بالمُسمَّى إِحياءً عندَ أهلِ العُرفِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يُعلِّقُ حُكمًا على ما ليسَ إلى مَعرفتِه طَريقٌ، فلمَّا لَم يُبيِّنْه تَعيَّنَ العُرفُ طَريقًا لمَعرفتِه؛ إذ ليسَ له طَريقٌ سِواه.
стр. 7127
إذا ثبَتَ هذا فإنَّ الأرضَ تُحيى دارًا للسُّكنَى وحَظيرةً ومَزرعةً، فإِحياءُ كلِّ واحدةٍ مِنْ ذلك بتَهيئَتِها للانتِفاعِ الذي أُرِيدَت له.
فأما الدارُ فبأنْ يَبنيَ حِيطانَها بما جرَتْ به العادةُ ويُسقِّفَها؛ لأنَّها لا تَكونُ للسُّكنَى إلا بذلك.
وأما الحظيرةُ فإِحياؤُها بحائطٍ جرَتْ به عادةُ مثلِها، وليسَ مِنْ شَرطِها التَّسقيفُ؛ لأنَّ العادةَ ذلكَ مِنْ غيرٍ تَسقيفٍ، وسَواءٌ أرادَها حَظيرةً للماشِيةِ أو للخَشبِ أو للحَطبِ أو نحوِ ذلك، ولو خَندَقَ عليها خَندقًا لَم يَكنْ إِحياءً؛ لأنَّه ليسَ بحائطٍ ولا عِمارةٍ، إنَّما هو حَفرٌ وتَخريبٌ، وإنْ حاطَها بشَوكٍ وشبهِه لَم يَكنْ إِحياءً وكانَ تَحجُّرًا؛ لأنَّ المُسافرَ قد يَنزلُ مَنزلًا ويُحوِّطُ على رحلِه بنحوٍ مِنْ ذلك، ولو نزَلَ مَنزلًا فنصبَ له بيتَ شعرٍ أو خَيمةً لم يَكنْ إِحياءً.
وإنْ أرادَها للزِّراعةِ فبأنْ يُهيِّئها لإِمكانِ الزَّرعِ فيها، فإنْ كانَت لا تُزرَعُ إلا بالماءِ فبأنْ يَسوقَ إليها ماءً مِنْ نَهرٍ أو بِئرٍ، وإنْ كانَت مما لا يُمكِنُ زَرعُها لكَثرةِ أَحجارِها كأرضِ الحِجازِ فبأنْ يَقلعَ أَحجارَها ويُنقِّيَها حتى تَصلُحَ للزَّرعِ، وإنْ كانَت غِياضًا وأَشجارًا كأرضِ الشّعرَى فبأنْ يَقلعَ أَشجارَها ويُزيلَ عُروقَها التي تَمنعُ الزَّرعَ، وإنْ كانَت مما لا يُمكنُ زَرعُه إلا بحَبسِ الماءِ عنها كأرضِ البَطائحِ التي يُفسدُها غَرقُها بالماءِ لكَثرتِه، فإِحياؤُها بسدِّ الماءِ عنها وجَعلِها بحالٍ يُمكنُ زَرعُها؛ لأنَّ بذلك يُمكنُ الانتِفاعُ بها فيما أرادَها، مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى تَكرارِ ذلك في كلِّ عامٍ فكانَ إِحياءً كسَوقِ الماءِ إلى الأرضِ التي لا ماءَ لها.
стр. 7128
ولا يُعتبرُ في إِحياءِ الأرضِ حَرثُها ولا زَرعُها؛ لأنَّ ذلك مما يَتكرَّرُ كلَّما أرادَ الانتِفاعَ بها فلَم يُعتبَرْ في الإِحياءِ كسَقيِها وكالسُّكنَى في البُيوتِ، ولا يَحصلُ بذلك إذا فعَلَه لمُجرَّدِه؛ لمَا ذكَرْنا.
ولا يُعتبَرُ في إِحياءِ الأرضِ للسُّكنَى نَصبُ الأَبوابِ على البُيوتِ، وبهذا قالَ الشافعيُّ فيما ذكَرْنا في الرِّوايةِ الثانيةِ، إلا أنَّ له وَجهًا في أنَّ حَرثَها وزَرعَها إِحياءٌ لها، وأنَّ ذلك مُعتبَرٌ في إِحيائِها ولا يَتمُّ بدونِه، وكذلك نَصبُ الأَبوابِ على البُيوتِ؛ لأنَّه مما جرَتِ العادَةُ به فأشبَه التَّسقيفَ، ولا يَصحُّ هذا لمَا ذكَرْنا، ولأنَّ السُّكنَى مُمكنَةٌ بدونِ نَصبِ الأَبوابِ فأشبَه تَطيينَ سُطوحِها وتَبييضَها (١).
وقالَ المالِكيةُ: الإِحياءُ الذي هو مِنْ أَسبابِ الاختِصاصِ يَكونُ بأحدِ أُمورٍ سَبعةٍ:
الأولُ: بتَفجيرِ ماءٍ فيها بحَفرِ بئرٍ أو فَتقِ عَينٍ، فيَختَصُّ بها وبالأرضِ التي تُزرَعُ عليها.
والثانِي: بإِزالةِ الماءِ منها حيثُ كانَت الأرضُ غامِرةً بالماءِ لأجلِ زِراعةٍ أو غَرسٍ أو بِناءٍ.
والثالِثُ: ببِناءٍ بأرضٍ.
والرابِعُ: بغَرسٍ لشَجرٍ بها.
стр. 7129
والخامِسُ: بسَببِ تَحريكِ أرضٍ بحَرثِها ونحوِه، وأما زَرعُها بدونِ ذلك فلا يَحصلُ به الإِحياءُ، وإنِ اختَصَّ به زارِعُه.
والسادِسُ: يَكونُ بسَببِ قَطعِ شَجرٍ بها بنيَّةِ وَضعِ يدِه عليها.
والسابِعُ: بسَببِ كَسرِ حَجرِها مع تَسويتِها، أيِ الأرض.
لأنَّ هذه الأُمورَ كلٌّ منها مُضادٌّ للمَواتِ، والمَرجعُ فيها إلى العُرفِ، فما يُعَدُّ في العُرفِ عِمارةً مثلَها؛ لأنَّه ﷺ أَطلقَ الإِحياءَ فيَتقيَّدُ بالعادةِ.
ولا يَكونُ الإِحياءُ بتَحويطٍ للأرضِ بنحوِ خطٍّ عليها، ولا رَعيِ كَلأٍ بها، ولا حَفرِ بئرِ ماشِيةٍ فيها، إلا أنَّ يُبيِّنَ المِلكيَّةَ حينَ حفرِها؛ لأنَّ هذا لا يَعملُ لمَعنى إِحياءِ الأرضِ، وإنَّما يَعملُ لمَنافعِ الماشِيةِ كالرَّعيِ (١).
وأما الحَنفيةُ فقالوا: لو كرَبَ الأرضَ -قلبَ الأرضَ للحَرثِ- أو ضرَبَ عليها المُسنَّاة -ما يُبنَى للسَّيلِ ليَردَّ الماءَ- أو شَقَّ لها نَهرًا فهو إِحياءٌ.
ولو كرَبَها وسَقاها فعن مُحمدٍ ﵀ أنَّه إِحياءٌ، ولو فعَلَ أحدَهما يَكونُ تَحجيرًا، ولو سَقاها مع حَفرِ الأَنهارِ كانَ إِحياءً لوُجودِ الفِعلينِ، ولو حوَّطَها وسنَّمَها بحيثُ يَعصمُ الماءَ يَكونُ إِحياءً؛ لأنَّه مِنْ جُملةِ البِناءِ، وكذا إذا بذَرَها.
وإنْ حفَرَ للأرضِ بئرًا فهو تَحجيرٌ وليسَ بإِحياءٍ، وكذا إذا جعَلَ الشَّوكَ حولَها (٢).
стр. 7130
تَحجيرُ الأرضِ المَواتِ:
تَعريفُ التَّحجيرِ:
قالَ الحَنفيةُ: سُمِّيَّ تَحجيرًا لوَجهينِ: أحدُهما: مِنْ الحَجرِ وهو المَنعُ؛ لأنَّه يَمنعُ غيرَه عنها بوَضعِ عَلامةٍ مِنْ حَجرٍ أو غيرِه للإِعلامِ بأنَّه قصَدَ إِحياءَها ولَم يَعمرْها.
والثانِي: أنَّهم يَضعونَ الأَحجارَ حولَها تَعليمًا لحُدودِها لئلَّا يُشركَهم فيها أحدٌ، أو يَغرسَ حولَها أَغصانًا يابِسةً أو يَقلعَ الحَشيشَ أو يَحرقَ الشَّوكَ ونحوَه فإنَّه تَحجيرٌ (١).
وقالَ المالِكيةُ: التَّحجيرُ أنْ يَضربَ الرَّجلُ حُدودًا بنحوِ خطٍّ بإِزاءِ ما يُريدُه مِنْ المَواتِ يُريدُ مَنعَ الناسِ منه، وهو المُرادُ بالتَّحويطِ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: التَّحجيرُ أنْ يَضعَ عَلامةً على بُقعةٍ بنَصبِ أَحجارٍ أو غَرزِ خَشبٍ فيها أو نحوِ ذلك، كَأَنْ خطَّ خُطوطًا أو جمَعَ تُرابًا حولَها فمُتحجِّرٌ (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: تَحجيرُ المَواتِ: هو أنْ يَشرعَ في إِحياءِ المَواتِ بأنْ يُديرَ أَحجارًا أو تُرابًا أو شوكًا أو حائطًا غيرَ منيعٍ على الأرضِ أو يَحفرَ خندقًا
стр. 7131
يَجعلُه عليها أو يَسقي شجرًا مباحًا ويُصلحُه ولم يَركبْه (١).
ذهَبَ جُمهورُ أهلِ العلمِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ إلى أنَّ التَّحجيرَ ليسَ بإِحياءٍ، إلا أنَّه أحقُّ به مِنْ غيرِه اختِصاصًا لا ملكًا، ولهم تَفصيلٌ في هذا، بَيانُه على ما يَلي:
قالَ الحَنفيةُ: مَنْ حجَّرَ أرضًا مَواتًا بأنْ منَعَها مِنْ غيرِه -بوَضعِ عَلامةٍ مِنْ حَجرٍ أو غيرِه للإِعلامِ بأنَّه قصَدَ إِحياءَها- ولَم يَعمرْها ثَلاثَ سِنينَ دفَعَها الإمامُ إلى غيرِه؛ لأنَّ التَّحجيرَ ليسَ بإِحياءٍ لِيَملكَه به؛ لأنَّ الإِحياءَ إنَّما هو العِمارةُ، والتَّحجيرُ الإِعلامُ، سُمِّيَ به لأنَّهم كانوا يَعلمونَه بوضعِ الأَحجارِ حولَه أو يَعلمونَه لحجرِ غيرِهم عن إِحيائِه، فبقِيَ غيرَ مَملوكٍ كما كانَ.
وإنَّما شَرَطَ تَركَ ثَلاثِ سِنينَ لقولِ عُمرَ ﵁: «ليسَ لمُتحجِّرٍ بعدَ ثلاثِ سِنينَ حقٌّ» (٢)، ولأنَّ الغالبَ أنَّ الأَراضيَ تُزرَعُ في السُّنةِ مرةً، وأَكثرُ ما جُعلَ للارتِياءِ في جِنسِ ما يُستدَّلُ به على الرَّغبةِ والاختِيارِ الثَّلاثُ وهي الثَّلاثُ مِنْ ذلك النوعِ، فإذا ترَكَها هذا القَدرَ فالظاهرُ أنَّه قصَدَ إِتلافَها ومَوتَها فوجَبَ على الإمامِ إِزالةُ يدِه عنها.
стр. 7132
وهذا كلُّه دِيانةً، فأما إذا أَحياها غيرُه قبلَ مُضيِّ هذه المُدةِ ملَكَها لتَحقُّقِ الإِحياءِ منه دونَ الأولِ، وصارَ كالاستِيامِ على سومِ أَخيه فإنَّه يُكرَه، ولو فعَلَ وعقَدَ جازَ العَقدُ.
ثُم التَّحجيرُ قد يَكونُ بغيرِ الحَجرِ، بأنْ غرَزَ حولَها أَغصانًا يابِسةً أو نقَّى الأرضَ وأحرَقَ ما فيها مِنْ الشَّوكِ، أو خضَدَ ما فيها مِنْ الحَشيشِ أو الشَّوكِ وجعَلَها حولَها وجعَلَ التُّرابَ عليها مِنْ غيرِ أنْ يتمَّ المُسْنَّاةَ ليَمنعَ الناسَ مِنْ الدُّخولِ، أو حفَرَ مِنْ بئرٍ ذِراعًا أو ذِراعينِ، وفي الأَخيرِ وردَ الخبَرُ.
ولو كرَبَها وسَقاها فعن مُحمدٍ أنَّه إِحياءٌ، ولو فعَلَ أحدَهما يَكونُ تَحجيرًا، ولو حفَرَ أَنهارَها ولَم يَسقِها يَكونُ تَحجيرًا، وإنْ سَقاها مع حَفرِ الأَنهارِ كانَ إِحياءً لوُجودِ الفِعلينِ، ولو حوَّطَها أو سنَّمَها بحيثُ يَعصمُ الماءَ يَكونُ إِحياءً؛ لأنَّه مِنْ جُملةِ البِناءِ، وكذا إذا بذَرَها (١).
وقالَ المالِكيةُ: لا يَكونُ الإِحياءُ بتَحويطٍ، بأنْ يَضربَ الرجلُ حدودًا بنحوِ خطٍّ بإِزاءِ ما يُريدُه مِنْ المَواتِ يُريدُ منَعَ الناسِ منه، وهو المُرادُ بالتَّحويطِ؛ لأنَّ التَّحجيرَ ليسَ فيه إِحياءٌ للأرضِ ولا مَنفعةٌ، وإنَّما هو مَنعٌ لغيرِه مِنْ التَّصرُّفِ فيها، وإلا فهي باقِيةٌ على صِفتِها قبلَ التَّحجيرِ، ولأنَّ الأَشياءَ المُباحةَ لا تُملكُ إلا بأَسبابِ الملكِ لها، وما دونَ ذلك مِنْ
стр. 7133
العَلاماتِ الدالَّةِ على إِرادةِ تَحصيلِ السَّببِ لا يَمنعُ الغيرَ مِنْ تَحصيلِه، ولا يَكونُ أَولى بها حتى يَعلمَ أنَّه حجَّرَها ليَعملَ فيها، ومَن حجَّرَ ما لا يَقوى عليه فله منه ما عمَّرَ.
إلا أنْ تَجريَ العادةُ بأنَّ التَّحجيرَ والتَّحويطَ على المَواتِ إِحياءٌ أو يُقطعَه الإمامُ فيحوِّطَه ويَكونُ إحياءً (١).
وقالَ الشافِعيةُ: مَنْ شرعَ في عملِ إِحياءٍ ولم يُتمَّه كَأَنْ حفرَ أَساسًا أو جمَعَ تُرابًا، أو جعَلَ له عَلامةَ العِمارةِ على بُقعةٍ بنَصبِ أَحجارٍ أو غرَزَ خَشبًا فيها أو نحوِ ذلك، كَأَنْ خطَّ خطًّا أو جمَعَ تُرابًا حولَها فمُتَحجِّرُ لذلك المحلِّ في الصورِ المَذكورةِ؛ لأنَّه بذلك منَعَ غيرَه منه، وهو أَحقُّ به مِنْ غيرِه، يَعني أنَّه مُستحِقٌّ له دونَ غيرِه اختِصاصًا لا مُلكًا، والمُرادُ ثُبوتُ أصلِ الأَحقِّيَّة له؛ إذ لا حقَّ لغيرِه فيه؛ لحَديثِ أَبي داودَ: «مَنْ سبَقَ إلى ما لَم يَسبقْ إليه مُسلمٌ فهو له» (٢)، ولأنَّ الإِحياءَ يُفيدُ الملكَ فيُفيدُ الشُّروعُ فيه الامتِناعَ كالاستِيامِ معَ الشِّراءِ.
وهذه الأحقِّيةُ أَحقِّيةُ اختِصاصٍ لا ملكٍ؛ لأنَّ سَببَه الإِحياءُ ولَم يُوجَدْ.
ولها شَرطانِ: أحدُهما: ألَّا يَزيدَ على قَدرِ كِفايتِه، فإنْ خالَفَ كانَ لغيرِه أنْ يُحييَ ما زادَ على كِفايتِه، وقيلَ: لا يَصحُّ تَحجرُه أصلًا.
стр. 7134
الثانِي: القَدرةُ على تَهيئةِ الإِكمالِ، فلو تَحجَّرَ ما يَعجِزُ عن إِحيائِه كانَ لغيرِه إِحياءُ الزائدِ.
ولا يَصحُّ بَيعُه على الأصحِّ المَنصوصِ ولا هبتُه؛ لأنَّ حقَّ التَّملكِ لا يُباعُ ولا يُوهَبُ كحقِّ الشُّفعةِ، ولكن له نَقلُه إلى غيرِه وإِيثارُه به كإِيثارٍ بجِلدِ المَيتةِ قبلَ الدِّباغِ، ويَصيرُ الثانِي أَحقَّ به ويُورَثُ عنه.
والثانِي يَصحُّ بيعُه، وبه قالَ أَبو إِسحاقَ مع مَوافقتِه على عدمِ الملكِ، وكأنَّه بيعُ اختِصاصٍ كبيعِ عُلوِّ البَيتِ للبِناءِ والسُّكنَى دونَ أَسفلِه.
والأصحُّ أنَّه لو أَحياه شَخصٌ آخرُ ملَكَه وإنْ عَصى بذلك، كما لو دخَلَ في سومِ أَخيه واشتَرى.
والثانِي: لا يَملكُه؛ لئلَّا يُبطِلَ حقَّ غيرِه.
ومحلُّ الخِلافِ إذا لَم يُعرِضْ عن العِمارةِ، فإنْ أعرَضَ عنها ملَكَه المُحيِي قَطعًا، ولو طالَتْ مُدَّةُ التَّحجُّرِ عُرفًا ولم يُحيِ قالَ له السُّلطانُ أو نائبُه وُجوبًا: «أَحيِ أو اترُكْ ما تَحجَّرْتَه برفعِ يدِك عنه»؛ لأنَّه ضيَّقَ على الناسِ في حقٍّ مُشتَركٍ فمنَعَ منه كما لو وقَفَ في شارعٍ، بل للآحادِ أمرُه بذلك أمرًا بالمَعروفِ؛ وهو لا يَتقيَّدُ بإمامٍ، فإنِ استَمهلَ المُتحجِّرُ وأَبدى عُذرًا أُمهِلَ مُدةً قَريبةً في رَأيِ الإمامِ يَستعِدُّ فيها للعِمارةِ رِفقًا به، فإذا مضَتِ المُدةُ ولَم يَعمُرْ بطَلَ حقُّه مِنْ غيرِ رَفعٍ إلى سُلطانٍ.
وأما إذا لَم يُبدِ عُذرًا وعُلمَ منه الإِعراضُ فله نَزعُه حالًا ولم يُمهِلْ، ولو
стр. 7135
ماتَ المُتحجِّرُ قامَ وَرثتُه مَقامَه، وكذا إذا جُنَّ قامَ وَليُّه مَقامَه في إِحيائِها له إنْ رَآه، فإنْ أَحياها لنَفسِه فحُكمُه حُكمُ المُتغلِّبِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ تَحجَّرَ مَواتًا -وهو أنْ يَشرَعَ في إِحيائِه- مثلُ: أنْ أدارَ حولَ الأرضِ تُرابًا وأَحجارًا أو شَوكًا، أو حاطَها بحائطٍ غيرِ مَنيعٍ، أو حفَرَ بئرًا لم يَصِلْ ماؤُها، أو سَقى شَجرًا مُباحًا كزَيتونٍ ونحوِه، أو أصلَحَه بأنْ قطَعَ الأَغصانَ الرَّديئةَ؛ لم يَملِكْها بذلك؛ لأنَّ الملكَ بالإِحياءِ وليسَ هذا إِحياءً؛ لأنَّ المُسافِرَ قد يَنزلُ مَنزلًا ويَحوطُ على رَحلِه بنحوِ ذلك.
لكنْ يَصيرُ أحقَّ الناسِ به؛ لأنَّه رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «مَنْ سبَقَ إلى ما لَم يَسبقْ إليه مُسلمٌ فهو له» (٢).
فإنْ نقَلَه إلى غيرِه صارَ الثانِي بمَنزلتِه؛ لأنَّ صاحبَه أقامَه مَقامَه، وإنْ ماتَ فوارِثُه أَحقُّ به؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ ترَكَ حقًّا أو مالًا فهو لوَرثتِه» (٣)، ولأنَّه حقٌّ للمَوروثِ فقامَ وارِثُه مَقامَه فيه كسائرِ حُقوقِه.
فإنْ باعَه أو وارِثُه أو المَنقولُ إليه لم يَصحَّ بيعُه على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّه لَم يَملكْه فلم يَملكْ بيعَه كحقِّ الشُّفعةِ قبلَ الأَخذِ به، وكمَن سبَقَ إلى مَعدِنٍ أو مُباحٍ قبلَ أَخذِه.
стр. 7136
وقالَ أَبو الخَطابِ: ويُحتمَلُ جَوازُ بَيعِه لأنَّه له.
فإنْ سبَقَ غيرَه فأَحياهُ ففيه وَجهانِ:
أحدُهما: أنَّه يَملكُه؛ لأنَّ الإِحياءَ يُملَكُ به والحَجرُ لا يُملَكُ به، فثبَتَ الملكُ بما يُملَكُ به دونَ ما لَم يُملَكْ به، كمَن سبَقَ إلى مَعدِنٍ أو مَشْرعةٍ ماءٍ فجاءَ غيرُه فأَزالَه وأخَذَه.
والثانِي: لا يَملكُه؛ لأنَّ مَفهومَ قولِه ﵇: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً ليسَت لأحدٍ» وقولِه: «في حقِّ غيرِ مُسلمٍ فهي له» أنَّها لا تَكونُ له إذا كانَ لمُسلمٍ فيها حقٌّ، وكذلك قولُه: «مَنْ سبَقَ إلى ما لَم يَسبقْ إليه مُسلمٌ فهو أَحقُّ به».
ورَوى سَعيدٌ في سُننِه أنَّ عُمرَ ﵁ قالَ: «مَنْ كانَت له أرضٌ -يَعني مَنْ تَحجَّرَ أرضًا- فعطَّلَها ثَلاثَ سِنينَ فجاءَ قَومٌ فعمَروها فهم أَحقُّ بها» وهذا يَدلُّ على أنَّ مَنْ عمَرَها قبلَ ثَلاثِ سِنينَ لا يَملِكُها؛ لأنَّ الثانِي أَحيا في حقِّ غيرِه فلم يَملِكْه كما لو أَحيا ما يَتعلَّقُ به مَصالحُ ملكِ غيرِه، ولأنَّ حقَّ المُتحجِّرُ أَسبقُ فكانَ أَولى، كحقِّ الشَّفيعِ يُقدَّمُ على شِراءِ المُشتَري.
فإنْ طالَتِ المُدةُ عليه عُرفًا كنحوِ ثَلاثِ سِنينَ فينبَغي أنْ يَقولَ له السُّلطانُ: «إمَّا أنْ تُحييَه فتَملِكَه أو تَتركَه لِيحييَه غيرُك إنْ حصَلَ مُتشوِّفٌ للإِحياءِ»؛ لأنَّه ضيَّقَ على الناسِ في حقٍّ مُشتَركٍ بينَهم فلَم يُمكَّنْ مِنْ ذلك، كما لو وقَفَ في طَريقٍ ضَيقٍ أو مَشرعَةِ ماءٍ أو مَعدِنٍ لا يَنتفِعُ ولا يَدعُ غيرَه يَنتفعُ، فإنْ سأَلَ الإِمهالَ لعُذرٍ له أُمهِلَ الشَّهرَ والشَّهرينِ ونحوَ ذلك، فإنْ أَحياه غيرُه في مدةِ المُهلةِ ففيه الوَجهانِ اللَّذانِ ذكَرْناهما.
стр. 7137
وإنِ انقضَتِ المُدةُ ولم يَعمرْ فلغيرِه أنْ يَعمرَه ويَملكَه؛ لأنَّ المدةَ ضُرِبَتْ له لِينقطِعَ حقُّه بمُضيِّها، وسَواءٌ أذنَ له السُّلطانُ في عِمارتِها أم لَم يَأذنْ له.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ لَم يَكُنِ للمُتحجِّرِ عُذرٌ في تَركِ العِمارةِ قيلَ له: إما أنْ تَعمرَ وإما أنْ تَرفعَ يدَك. فإنْ لم يَعمرْها كانَ لغيرِه عِمارتُها، فإنْ لَم يَقُلْ له شيئًا واستَمرَّ تَعطيلُها فقد ذكَرْنا عن عُمرَ ﵁: «أنَّ مَنْ تَحجَّرَ أرضًا فعطَّلَها ثَلاثَ سِنينَ فجاءَ قَومٌ فعمَروها فهم أَحقُّ بها»، ومَذهبُ الشافِعيِّ في هذا كلِّه نحوُ ما ذكَرْنا (١).
стр. 7138
فصل في الإِقطاعِ
تَعريفُ الإِقطاعِ:
الإِقطاعُ: مَصدرُ قولِك «أَقطعَه» إذا ملَكَه وأذِنَ له في التَّصرُّفِ في الشيءِ.
قالَ أهلُ اللُّغةِ: يُقالُ أَقطعَه إذا أَعطاه قَطيعةً وهي قِطعةُ أرضٍ، سُمِّيتْ قَطيعةً لأنَّه اقتَطعَها مِنْ جُملةِ الأرضِ (١).
وشَرعًا: تَمليكُ الإمامِ جُزءًا مِنْ أرضٍ (٢).
وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: هي ما يُقطِعُه الإمامُ -أي يُعطيه- مِنْ الأَراضِي رَقبةً أو مَنفعةً لمَن له حقٌّ في بَيتِ المالِ (٣).
стр. 7139
حُكمُ الإِقطاعِ:
اتفقَ فَقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على جَوازِ إِقطاعِ الإمامِ في الجُملةِ بشُروطِه، سَواءٌ كانَ هذا الإِقطاعُ إِقطاعَ ملكٍ أم إِقطاعَ إِرفاقٍ، واستَدلُّوا على ذلك بما يَلي:
ما رَواه البُخاريُّ ومُسلمٌ -واللفظُ للبُخاريُّ- عن هِشامٍ قالَ أَخبَرني أَبي عن أَسماءَ بنتِ أَبي بَكرٍ ﵄ قالَت: «كنتُ أَنقُلُ النَّوى مِنْ أرضِ الزُّبيرِ التي أقطَعَه رَسولُ اللهِ ﷺ على رأسِي، وهي مِني على ثُلثيْ فَرسخٍ».
قالَ البُخاريُّ: وقالَ أَبو ضَمرَةَ عن هِشامٍ عن أَبيه «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطَعَ الزُّبَيرَ أرضًا مِنْ أَموالِ بنِي النّضِيرِ» (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وفي هذا دَليلٌ لجَوازِ إِقطاعِ الإمامِ (٢).
وقالَ بدرُ الدينِ العَينيُّ ﵀: فيه جَوازُ إِقطاعِ الإمامِ مِنْ الأَراضِي التي تحتَ يدِه لمَن شاءَ مِنْ الناسِ مِمَّنْ يَراه أهلًا لذلك (٣).
وعن ابنِ عُمرَ ﵄ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطَعَ الزُّبيرَ حُضرَ فرَسِه فأجرَى فرَسَه حتى قامَ، ثمَّ رَمى بسَوطِه، فقالَ: أَعطُوه من حيثُ بلَغَ السَّوطُ» (٤).
وغيرُ ذلك مِنْ الأَحاديثِ الآتي ذِكرُها، ورُويَ أنَّ أَبا بَكرٍ ﵁ أقطَعَ عُيينةَ بنَ حِصنٍ وأنَّ عُمرَ ﵁ أقطَعَ العَقيقَ ولَم يُنكِرْ عليهما أحدٌ، فدلَّ إِجماعُهم على صِحةِ الإِقطاعِ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما الإِقطاعُ فهو جائزٌ للإمامِ فيما لا ملكَ عليه لأحدٍ مِنْ مَواتِ الأرضِ، يُقطِعُه مَنْ رآه مِنْ أَهلِ الغِنى والنَّفعِ للمُسلِمينَ بنَفسِه أو عَملِه، وهو كالفيءِ يَضعُه حيثُ رَآه فيما هو للمُسلِمينَ أعمُّ نَفعًا …
ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّ الإمامَ لا يَجوزُ له إِقطاعُ ما قد مُلكَ بإِحياءٍ أو غيرِه مما يَصحُّ به الملكُ، ومَسارحُ القَومِ التي لا غِنى لهم عنها لإِبلِهم ومَواشِيهم لا يَجوزُ للإمامِ أنْ يُقطِعَها أحدًا؛ لأنَّها تَجري مَجرى الملكِ المُعيَّنِ، ألا تَرى أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا أقطَعَ الدَّهناءَ رَجلًا قالَتْ له قَيلَةُ: يا رَسولَ اللهِ ﷺ إنِّه مُقيَّدُ إبلِ بَني تَميمٍ، وهذه نِساءُ بَني تَميمٍ مِنْ وراءِ ذلك. فارتَجعَه رَسولُ اللهِ ﷺ (٢)(٣).
стр. 7142
أَنواعُ الإِقطاعِ:
الإِقطاعُ نَوعانِ: إِقطاعُ تَمليكٍ وإِقطاعُ إِرفاقٍ.
النوعُ الأولُ: إِقطاعُ التَّمليكِ:
إِقطاعُ التَّمليكِ هو أنْ يُقطِعَ الإمامُ أحدَ الرعيَّةِ أرضًا يُحييها (١).
وقالَ المالِكيةُ: الإِقطاعُ تَمليكٌ مُجردٌ عن شائبةِ العِوَضيَّةِ بإِحياءٍ أو غيرِه، ولا يَحتاجُ معه إلى عِمارةٍ (٢).
اتَّفقَ العُلماءُ في الجُملةِ كما تَقدَّمَ على جَوازِ الإِقطاعِ مِنْ الإمامِ.
إلا أنَّ الفَقهاءَ اختَلفوا في مَسألةٍ وهي:
هلِ الإِقطاعُ تَمليكٌ أم لا؟
اختَلفَ الفَقهاءُ في المَواتِ الذي يُقطِعُه الإمامُ لأحدِ الرَّعيةِ، هل يُملَّكُ ما أقطَعَه الإمامُ بمُجردِ الإِقطاعِ ويَجوزُ له بيعُه والتَّصرفُ فيه؟ أم لا بدَّ مِنْ الإِحياءِ ولا يَملِكُه إلا إذا أَحياه؟ للعُلماءِ في ذلك تَفصيلٌ.
فذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ أقطَعَه الإمامُ شيئًا مِنْ المَواتِ لم يَملِكْه بذلك قبلَ إحيائِه؛ لأنَّ المَواتَ إنَّما يُملَكُ بالإِحياءِ ولم يُوجدْ، لكنْ يَصيرُ أحقَّ به كالمُتحجِّرِ الشارعِ في الإِحياءِ؛ بدَليلِ حَديثِ بِلالِ بنِ الحارثِ حيثُ استَرجعَ عُمرُ منه ما عجَزَ عن إِحيائِه مِنْ العَقيقِ الذي أقطَعَه إيَّاه رَسولُ اللهِ
стр. 7143
ﷺ ، ولو ملَكَه لم يَجزِ استِرجاعُه، وردَّ عُمرُ أيضًا قَطيعةَ أَبي بَكرٍ لعُيينةَ بنِ حِصنٍ، فسألَ عُيينةُ أَبا بَكرٍ أنْ يُجدِّدَ له كِتابًا فقالَ: واللهِ لا أُجدِّدُ شيئًا ردَّه عُمرُ. رَواه أَبو عُبيدٍ.
لكنَّ المُقطَعَ يَصيرُ أَحقَّ به مِنْ سائرِ الناسِ وأَولى بإِحيائِه، فإنْ أَحياه وإلا قالَ له السُّلطانُ: «إنْ أَحيَيتَه وإلا فارفَعْ يدَك عنه»، كما قالَ عُمرُ لبِلالِ بنِ الحارثِ المُزنِيِّ: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لَم يُقْطِعْك لتَحجِبَه دونَ الناسِ، وإنَّما أقطَعَك لتُعمِّرَ، فخُذْ منها ما قدِرتَ على عِمارتِه ورُدَّ الباقيَ، وإنْ طلَبَ المُهلةَ لعُذرٍ أُمهِلَ بقَدرِ ذلك، وإنْ طلَبَها لغيرِ عُذرٍ لم يُمهَلْ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ سبَقَ غيرُه فأَحياه قبلَ أنْ يُقالَ له شيءٌ أو في مدةِ المُهلةِ فهل يَملِكُه؟ على وَجهينِ:
وقد رُويَ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطَعَ ناسًا مِنْ جُهينةَ أو مُزينةَ أرضًا فعَطَّلوها، فجاءَ قَومٌ فأحيَوْها فخاصَمَهم الذين أَقطَعَهم رَسولُ اللهِ ﷺ إلى عُمرَ ﵁، فقالَ عُمرُ: لو كانَت قَطيعةً مِنّي أو مِنْ أَبي بَكرٍ لم أرُدَّها، ولكنَّها قَطيعةٌ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ فأنا أَردُّها. فدلَّ هذا على أنَّها إذا كانَت قَطيعةً مِنْ غيرِ رَسولِ الله ﷺ فهي لمَن أَحياها.
والثانِي: لا يَملكُه؛ لأنَّه تعلَّقَ به حقُّ المُقطِعِ، ومَفهومُ قولِه ﵇: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً في غيرِ حقِّ مُسلمٍ فهي له» أنَّه إذا تَعلَّقَ بها حقُّ مُسلمٍ لم
стр. 7144
يَجزْ إِحياؤُها، وقد ذكَرْنا الوَجهينِ في المُتحَجِّرِ وهذا مثلُه، ومَذهبُ الشافِعيِّ في هذا الفَصلِ كنحوِ ما ذكَرْنا (١).
وقالَ الشافِعيةُ: الإمامُ إذا أقطَعَ إِنسانًا مَواتًا فإما أنْ يُقطعَه إِقطاعَ تَمليكٍ فيَمتلِكَه بمُجردِ الإِقطاعِ، وإمَّا أنْ يُقطعَه مَواتًا لا لتَمليكِ رقبتِه فيَصيرُ بمُجردِ الإِقطاعِ أَحقَّ بإِحيائِه مِنْ غيرِه، وصارَ كالمُتحجِّرِ على التَّفصيلِ السابِقِ فيه، وعليهِ لا يَصحُّ بيعُه على الأصحِّ المَنصوصِ ولا هِبتُه، والثانِي: يَصحُّ بَيعُه.
والأصحُّ أنَّه لو أَحياه شَخصٌ آخرُ ملَكَه وإنْ عَصى بذلك، كما لو دخَلَ في سَومِ أَخيه واشتَرى.
والثانِي: لا يَملكُه؛ لئلَّا يُبطِلَ حقَّ غيرِه.
ومحلُّ الخلِافِ إذا لم يُعرِضْ عن العِمارةِ، فإنْ أَعرضَ عنها ملَكَه المُحيِي قَطعًا (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الإمامَ إذا أقطَعَ أرضًا لأحدٍ -غيرَ مَعمورِ العَنوةِ- ملَكَها وإنْ لَم يُعمِّرْها بشيءٍ، فله بيعُها وهبتُها وتُورَثُ عنه، وليسَ
стр. 7145
هو مِنْ الإِحياءِ بل هو تملُّكٌ مجردٌ، يَفعلُ فيه ما يَشاءُ مِنْ بَيعٍ أو غيرِه، إلا أنَّ للإمامِ أنْ يَأخذَه بإِحيائِه، فإنْ لم يَفعلْ أو عجَزَ عن ذلك أقطَعَه سِواه؛ إذ ليسَ له أنْ يَتحجَّرَ ما أقطَعَ عن الناسِ فلا يَنتفعُ به هو ولا سِواه، والأَصلُ في ذلك ما رُويَ «مِنْ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أقطَعَ لبِلالِ بنِ الحارثِ مِنْ العَقيقِ ما يَصلحُ للعَملِ فلم يَعملْه، فقالَ عُمرُ بنُ الخَطابِ: إنْ قَويتَ على عَملِه فاعمَلْه وإلا فأقطِعْه للناسِ. فقالَ له: قد أقطَعَنيه رَسولُ اللهِ ﷺ . فقالَ عُمرُ: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ اشتَرطَ عليك فيه شَرطًا، فأقطَعَه عُمرُ للناسِ ولم يَكنْ بِلالٌ اعتَملَ شيئًا».
فإنْ باعَها أو وَهبَها أو تَصدَّقَ بها بعدَ عَجزِه عن عِمارتِها قبلَ أنْ يَنظرَ الإمامُ في ذلك نفَذَ ذلك ومَضى؛ لأنَّ الغرضَ ألَّا تَبقى الأرضُ مُحجَّرةً عن الانتِفاعِ بها، والمُبتاعُ والمَوهوبُ له والمُتصدَّقُ عليه يَحلُّ محلَّ البائعِ والواهِبِ.
قالَ ابنُ رشدٍ ﵀: وأما إنْ قالَ لا أعمُرُها أو عجَزَ عن عِمارتِها فللإمامِ أنْ يُقطِعَها سِواه، ولو أَحياها سِواه بعدَ أنْ عجَزَ هو عن عِمارتِها بغيرِ قَطيعةٍ مِنْ الإمامِ لجَرى ذلك على الاختِلافِ فيمن أَحيا ما قرُبَ مِنْ العُمرانِ بغيرِ إذنِ الإمامِ، هل يَمضي ذلك؟ مُراعاةً للاختِلافِ في استِئذانِ الإمامِ في إِحياءِ ما قرُبَ مِنْ العُمرانِ أو لا يَمضي ويَخرُجُ عنها ويَكونُ له قِيمةُ بُنيانِه مَنقوضًا.