وغيرُ ذلك مِنْ الأَحاديثِ الآتي ذِكرُها، ورُويَ أنَّ أَبا بَكرٍ ﵁ أقطَعَ عُيينةَ بنَ حِصنٍ وأنَّ عُمرَ ﵁ أقطَعَ العَقيقَ ولَم يُنكِرْ عليهما أحدٌ، فدلَّ إِجماعُهم على صِحةِ الإِقطاعِ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما الإِقطاعُ فهو جائزٌ للإمامِ فيما لا ملكَ عليه لأحدٍ مِنْ مَواتِ الأرضِ، يُقطِعُه مَنْ رآه مِنْ أَهلِ الغِنى والنَّفعِ للمُسلِمينَ بنَفسِه أو عَملِه، وهو كالفيءِ يَضعُه حيثُ رَآه فيما هو للمُسلِمينَ أعمُّ نَفعًا …
ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّ الإمامَ لا يَجوزُ له إِقطاعُ ما قد مُلكَ بإِحياءٍ أو غيرِه مما يَصحُّ به الملكُ، ومَسارحُ القَومِ التي لا غِنى لهم عنها لإِبلِهم ومَواشِيهم لا يَجوزُ للإمامِ أنْ يُقطِعَها أحدًا؛ لأنَّها تَجري مَجرى الملكِ المُعيَّنِ، ألا تَرى أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا أقطَعَ الدَّهناءَ رَجلًا قالَتْ له قَيلَةُ: يا رَسولَ اللهِ ﷺ إنِّه مُقيَّدُ إبلِ بَني تَميمٍ، وهذه نِساءُ بَني تَميمٍ مِنْ وراءِ ذلك. فارتَجعَه رَسولُ اللهِ ﷺ (٢)(٣).
стр. 7142
أَنواعُ الإِقطاعِ:
الإِقطاعُ نَوعانِ: إِقطاعُ تَمليكٍ وإِقطاعُ إِرفاقٍ.
النوعُ الأولُ: إِقطاعُ التَّمليكِ:
إِقطاعُ التَّمليكِ هو أنْ يُقطِعَ الإمامُ أحدَ الرعيَّةِ أرضًا يُحييها (١).
وقالَ المالِكيةُ: الإِقطاعُ تَمليكٌ مُجردٌ عن شائبةِ العِوَضيَّةِ بإِحياءٍ أو غيرِه، ولا يَحتاجُ معه إلى عِمارةٍ (٢).
اتَّفقَ العُلماءُ في الجُملةِ كما تَقدَّمَ على جَوازِ الإِقطاعِ مِنْ الإمامِ.
إلا أنَّ الفَقهاءَ اختَلفوا في مَسألةٍ وهي:
هلِ الإِقطاعُ تَمليكٌ أم لا؟
اختَلفَ الفَقهاءُ في المَواتِ الذي يُقطِعُه الإمامُ لأحدِ الرَّعيةِ، هل يُملَّكُ ما أقطَعَه الإمامُ بمُجردِ الإِقطاعِ ويَجوزُ له بيعُه والتَّصرفُ فيه؟ أم لا بدَّ مِنْ الإِحياءِ ولا يَملِكُه إلا إذا أَحياه؟ للعُلماءِ في ذلك تَفصيلٌ.
فذهَبَ الحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ أقطَعَه الإمامُ شيئًا مِنْ المَواتِ لم يَملِكْه بذلك قبلَ إحيائِه؛ لأنَّ المَواتَ إنَّما يُملَكُ بالإِحياءِ ولم يُوجدْ، لكنْ يَصيرُ أحقَّ به كالمُتحجِّرِ الشارعِ في الإِحياءِ؛ بدَليلِ حَديثِ بِلالِ بنِ الحارثِ حيثُ استَرجعَ عُمرُ منه ما عجَزَ عن إِحيائِه مِنْ العَقيقِ الذي أقطَعَه إيَّاه رَسولُ اللهِ
стр. 7143
ﷺ ، ولو ملَكَه لم يَجزِ استِرجاعُه، وردَّ عُمرُ أيضًا قَطيعةَ أَبي بَكرٍ لعُيينةَ بنِ حِصنٍ، فسألَ عُيينةُ أَبا بَكرٍ أنْ يُجدِّدَ له كِتابًا فقالَ: واللهِ لا أُجدِّدُ شيئًا ردَّه عُمرُ. رَواه أَبو عُبيدٍ.
لكنَّ المُقطَعَ يَصيرُ أَحقَّ به مِنْ سائرِ الناسِ وأَولى بإِحيائِه، فإنْ أَحياه وإلا قالَ له السُّلطانُ: «إنْ أَحيَيتَه وإلا فارفَعْ يدَك عنه»، كما قالَ عُمرُ لبِلالِ بنِ الحارثِ المُزنِيِّ: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لَم يُقْطِعْك لتَحجِبَه دونَ الناسِ، وإنَّما أقطَعَك لتُعمِّرَ، فخُذْ منها ما قدِرتَ على عِمارتِه ورُدَّ الباقيَ، وإنْ طلَبَ المُهلةَ لعُذرٍ أُمهِلَ بقَدرِ ذلك، وإنْ طلَبَها لغيرِ عُذرٍ لم يُمهَلْ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ سبَقَ غيرُه فأَحياه قبلَ أنْ يُقالَ له شيءٌ أو في مدةِ المُهلةِ فهل يَملِكُه؟ على وَجهينِ:
وقد رُويَ عن عَمرِو بنِ شُعيبٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطَعَ ناسًا مِنْ جُهينةَ أو مُزينةَ أرضًا فعَطَّلوها، فجاءَ قَومٌ فأحيَوْها فخاصَمَهم الذين أَقطَعَهم رَسولُ اللهِ ﷺ إلى عُمرَ ﵁، فقالَ عُمرُ: لو كانَت قَطيعةً مِنّي أو مِنْ أَبي بَكرٍ لم أرُدَّها، ولكنَّها قَطيعةٌ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ فأنا أَردُّها. فدلَّ هذا على أنَّها إذا كانَت قَطيعةً مِنْ غيرِ رَسولِ الله ﷺ فهي لمَن أَحياها.
والثانِي: لا يَملكُه؛ لأنَّه تعلَّقَ به حقُّ المُقطِعِ، ومَفهومُ قولِه ﵇: «مَنْ أَحيا أرضًا مَيتةً في غيرِ حقِّ مُسلمٍ فهي له» أنَّه إذا تَعلَّقَ بها حقُّ مُسلمٍ لم
стр. 7144
يَجزْ إِحياؤُها، وقد ذكَرْنا الوَجهينِ في المُتحَجِّرِ وهذا مثلُه، ومَذهبُ الشافِعيِّ في هذا الفَصلِ كنحوِ ما ذكَرْنا (١).
وقالَ الشافِعيةُ: الإمامُ إذا أقطَعَ إِنسانًا مَواتًا فإما أنْ يُقطعَه إِقطاعَ تَمليكٍ فيَمتلِكَه بمُجردِ الإِقطاعِ، وإمَّا أنْ يُقطعَه مَواتًا لا لتَمليكِ رقبتِه فيَصيرُ بمُجردِ الإِقطاعِ أَحقَّ بإِحيائِه مِنْ غيرِه، وصارَ كالمُتحجِّرِ على التَّفصيلِ السابِقِ فيه، وعليهِ لا يَصحُّ بيعُه على الأصحِّ المَنصوصِ ولا هِبتُه، والثانِي: يَصحُّ بَيعُه.
والأصحُّ أنَّه لو أَحياه شَخصٌ آخرُ ملَكَه وإنْ عَصى بذلك، كما لو دخَلَ في سَومِ أَخيه واشتَرى.
والثانِي: لا يَملكُه؛ لئلَّا يُبطِلَ حقَّ غيرِه.
ومحلُّ الخلِافِ إذا لم يُعرِضْ عن العِمارةِ، فإنْ أَعرضَ عنها ملَكَه المُحيِي قَطعًا (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الإمامَ إذا أقطَعَ أرضًا لأحدٍ -غيرَ مَعمورِ العَنوةِ- ملَكَها وإنْ لَم يُعمِّرْها بشيءٍ، فله بيعُها وهبتُها وتُورَثُ عنه، وليسَ
стр. 7145
هو مِنْ الإِحياءِ بل هو تملُّكٌ مجردٌ، يَفعلُ فيه ما يَشاءُ مِنْ بَيعٍ أو غيرِه، إلا أنَّ للإمامِ أنْ يَأخذَه بإِحيائِه، فإنْ لم يَفعلْ أو عجَزَ عن ذلك أقطَعَه سِواه؛ إذ ليسَ له أنْ يَتحجَّرَ ما أقطَعَ عن الناسِ فلا يَنتفعُ به هو ولا سِواه، والأَصلُ في ذلك ما رُويَ «مِنْ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أقطَعَ لبِلالِ بنِ الحارثِ مِنْ العَقيقِ ما يَصلحُ للعَملِ فلم يَعملْه، فقالَ عُمرُ بنُ الخَطابِ: إنْ قَويتَ على عَملِه فاعمَلْه وإلا فأقطِعْه للناسِ. فقالَ له: قد أقطَعَنيه رَسولُ اللهِ ﷺ . فقالَ عُمرُ: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ اشتَرطَ عليك فيه شَرطًا، فأقطَعَه عُمرُ للناسِ ولم يَكنْ بِلالٌ اعتَملَ شيئًا».
فإنْ باعَها أو وَهبَها أو تَصدَّقَ بها بعدَ عَجزِه عن عِمارتِها قبلَ أنْ يَنظرَ الإمامُ في ذلك نفَذَ ذلك ومَضى؛ لأنَّ الغرضَ ألَّا تَبقى الأرضُ مُحجَّرةً عن الانتِفاعِ بها، والمُبتاعُ والمَوهوبُ له والمُتصدَّقُ عليه يَحلُّ محلَّ البائعِ والواهِبِ.
قالَ ابنُ رشدٍ ﵀: وأما إنْ قالَ لا أعمُرُها أو عجَزَ عن عِمارتِها فللإمامِ أنْ يُقطِعَها سِواه، ولو أَحياها سِواه بعدَ أنْ عجَزَ هو عن عِمارتِها بغيرِ قَطيعةٍ مِنْ الإمامِ لجَرى ذلك على الاختِلافِ فيمن أَحيا ما قرُبَ مِنْ العُمرانِ بغيرِ إذنِ الإمامِ، هل يَمضي ذلك؟ مُراعاةً للاختِلافِ في استِئذانِ الإمامِ في إِحياءِ ما قرُبَ مِنْ العُمرانِ أو لا يَمضي ويَخرُجُ عنها ويَكونُ له قِيمةُ بُنيانِه مَنقوضًا.
стр. 7146
وأما لو أَحياها سِواه قبلَ أنْ يَعجزَ هو عن عِمارتِها وهو عالمٌ بذلك لكانَ مُتعدِّيًا عليه فيها؛ لأنَّه قد استَوجَبَها بنفسِ الإِقطاعِ وإنْ لَم يَحُزْها بالعِمارةِ ولا بالبِناءِ (١).
والفَرقُ عندَ المالِكيةِ بينَ الإِقطاعِ والإِحياءِ أنَّ إِقطاعَ الإمامِ يَحتاجُ لحوزٍ كسائرِ العَطايا على المَشهورِ، فإنْ ماتَ الإمامُ قبلَ أنْ يَحوزَه مَنْ أقطَعَه له كانَ الإِقطاعُ باطِلًا.
ويَشتَركانِ في أنَّ كلًّا منهما يَحصلُ به البَيعُ والهِبةُ والإِرثُ إذا ماتَ المُحيِي أو المُقطِعُ.
ولو أقطَعَه الإمامُ على أنَّ عليه كلَّ كذا أو كلَّ عامٍ كذا عُملَ به، ومحلُّ المَأخوذِ بَيتُ المالِ، لا يَختصُّ الإمامُ به؛ لعَدمِ ملْكِه لما اقتَطعَه وإنْ ملَكَه المَقطوعُ له بإِقطاعِه (٢).
وأما الحَنفيةُ فلَم أَقفْ لهم على قَولٍ في هذا، إلا أنَّهم نصُّوا على أنَّ الإمامَ إذا أذِنَ له في إِحيائِها وأَحياها ملَكَها بالاتِّفاقِ.
ومَفهومُ كَلامِهم أنَّه لا يَملكُها إلا بالإِحياءِ، وقد نصُّوا على أنَّ مَنْ حجَّرَ مَواتًا ولَم يَعمرْها ثَلاثَ سِنينَ أخَذَها الإمامَ منه ودفَعَها إلى غيرِه،
стр. 7147
قالوا: وهذا دِيانةً، أما إذا أَحياها غيرُه قبلَ مُضيِّ هذه المُدةِ ملَكَها، وهو كالاستِيامِ على سَومِ أَخيه؛ يُكرَه ولو فعَلَه جازَ العَقدُ (١).
فكَلامُهم هنا واضِحٌ في أنَّه لا يَملكُها بمُجردِ الإِقطاعِ بل بالإِحياءِ.
لا يُقطِعُ الإمامُ أكثرَ مما يقدِرُ أنْ يُحيِيه المُقطَعُ:
نصَّ جُمهورُ الفَقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ على أنَّه لا يَجوزُ للإمامِ أنْ يُقطِعَ أحدًا مَواتًا إلا إذا كانَ قادرًا على الإِحياءِ، فإنْ أقطَعَه أكثرَ مما يَقدرُ على إحيائِه استرجَعَه.
قالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ للإمامِ أنْ يُقطِعَ أحدًا مِنْ المَواتِ إلا ما يَقدرُ المُقطَعُ له على إِحيائِه؛ لأنَّه إذا أقطَعَه ما لا يَقدرُ على إِحيائِه استَضرَّ الناسُ بذلك مِنْ غيرِ فائِدةٍ، ولغيرِه إِحياءُ الزائدِ.
والمُرادُ بالقُدرةِ ما يَعمُّ الحِسيَّةَ والشَّرعيَّةَ، فلا يُقطعُ الذِّميُّ في دارِ الإِسلامِ مُطلقًا (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: لا ينبَغي أنْ يُقطِعَ الإمامُ أحدًا مِنْ المَواتِ إلا ما يُمكنُه
стр. 7148
إِحياؤُه؛ لأنَّ في إِقطاعِه أكثرَ مِنْ ذلك تَضييقًا على الناسِ في حقٍّ مُشتَركٍ بينَهم بما لا فائِدةَ فيه، فإنْ فعَلَ ثُّم تَبيَّنَ عَجزَه عن إحيائِه استِرجعَه منه، كما استَرجعَ عُمرُ مِنْ بِلالِ بنِ الحارِثِ ما عجَزَ عن عِمارتِه مِنْ العَقيقِ الذي أقطَعَه إيَّاه رَسولُ اللهِ ﷺ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما الإِقطاعُ فهو جائزٌ للإمامِ فيما لا ملكَ عليه لأحدٍ مِنْ مَواتِ الأرضِ، يُقطِعُه مِنْ رآه مِنْ أَهلِ الغِنى والنَّفعِ للمُسلِمينَ بنَفسِه أو عَملِه، وهو كالفيءِ يَضعُه حيثُ رآه فيما هو للمُسلِمينَ أعمُّ نَفعًا.
وينبَغي أنْ يَكونَ ذلك على قَدرِ ما يَقومُ به المَرءُ وعمَّالُه، وقد رُويَ عن أَبي بَكرٍ الصِّديقِ ﵁: «أنَّه قالَ لبِلالِ بنِ الحارثِ: أقطَعَك رَسولُ اللهِ ﷺ ما لا تُطيقُه، فانظُرْ ما تُطيقُ منه فأمسِكْه، وأذِنَ لي في إِقطاعِ الباقِي مَنْ يَحتاجُ إليه. فأذِنَ له فأقطَعَ ما أخَذَ منه غيرُه» وليسَ هذا مِنْ فِعلِ أَبي بَكرٍ ردًّا لفِعلِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولو رَأى أنَّ له ردَّه ما استَأذنَ بِلالَ بنَ الحارِثِ، ولكنَّه رَأى أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لَم يَقفْ في حينِ الإِقطاعِ على قَدرِ ما أقطَعَ، ولو علِمَ مِنْ ذلك ما علِمَه أَبو بَكرٍ ما أقطَعَه ذلك كلَّه، ومع ذلك فإنَّه استَأذنَ بِلالًا، ولو لَم يَأذنْ له ما أخبَره وإنَّما أخَذَه بطِيبِ نَفسِه (٢).
стр. 7149
إِقطاعُ ما لا غِنى للمُسلِمينَ عنه مِنْ المَعادنِ:
المَعادنُ ظاهِرةٌ وباطِنةٌ:
أولًا: إِقطاعُ المَعادنِ الظاهِرةِ التي لا غِنى للمُسلِمينَ عنها:
اختَلفَ الفَقهاءُ في حُكمِ إِقطاعِ المَعادنِ الظاهِرةِ التي لا غِنى للمُسلِمينَ عنها، هل يَجوزُ للإمامِ إِقطاعُها أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ للإمامِ أنْ يُقطِعَ ما لا غِنى للمُسلِمينَ عنه مِنْ المَعادنِ الظاهرةِ، وهي التي يُوصَلُ إلى ما فيها من غيرِ مُؤنةٍ، يَنتابُها الناسُ ويَنتفِعونَ بها، كالمِلحِ والماءِ والكِبريتِ والقيرِ والمُومياءِ والنّفطِ والكُحلِ والبرامِ والياقوتِ ومَقاطعِ الطِّينِ وأَشباهِ ذلك، وذلك لِما رُويَ عن أَبيضَ بنِ حَمالٍ المازنِيُّ: «أنَّه وفَدَ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ فاستَقطَعَه المِلحَ الذي بمَأرِبَ فقطَعَه له، فلمَّا أنْ ولَّى قالَ رَجلٌ مِنْ المَجلسِ: أتَدرِي ما قطَعْت له؟ إنَّما قطَعْتَ له الماءَ العِدَّ-أيِ الماءَ الدائمَ الذي لا انقِطاعَ لمادتِه -، قالَ: فانتَزعَ منه» (١).
قالَ الحَنفيةُ: ليسَ للإمامِ أنْ يُقطِعَ ما لا غِنى للمُسلِمينَ عنه مِنْ المَعادنِ الظاهرةِ، وهي ما كانَ جَوهرُها الذي أَودعَه اللهُ في جَواهرِ الأَرضِ بارِزًا كمَعادنِ المِلحِ والكُحلِ والقارِ والنّفطِ والآبارِ التي يَستَقي منها الناسُ، فلو أقطَعَ هذه المَعادنَ الظاهرةَ لَم يَكنْ لإِقطاعِها حُكمٌ، بل المُقطَعُ وغيرُه
стр. 7150
سَواءٌ، فلو منَعَهم المُقطَعَ كانَ بمَنعِه مُتعدِّيًا، وكانَ لِمَا أخَذَه مالكًا؛ لأنَّه مُتعَدٍّ بالمَنعِ لا بالأَخذِ، وكُفَّ عن المَنعِ وصُرفَ عن مُداومةِ العَملِ لئلَّا يَشتَبِه إِقطاعُه بالصِّحةِ أو يَصيرَ منه في حُكمِ الأَملاكِ المُستقِرَّةِ (١).
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وأصلُ المَعادنِ صِنفانِ: ما كانَ ظاهِرًا كالمِلحِ في الجِبالِ تَنتابُه الناسُ، فهذا لا يَصلُحُ لأحدٍ أنْ يَقطعَه بحالٍ والناسُ فيه شُرَّعٌ، وهكذا النَّهرُ والماءُ الظاهِرُ والنَّباتُ فيما لا يُملَكُ لأحدٍ، «وقد سألَ الأَبيضُ بنُ حَمالٍ النَّبيَّ ﷺ أنْ يُقطِعَه مِلحَ مَأرَبَ، فأقطَعَه إيَّاه أو أرادَه فقيلَ له: إنَّه كالماءِ العِدِّ، فقالَ: فلا إذَن» قالَ: ومثلُ هذا كلُّ عينٍ ظاهِرةٍ كنفطٍ أو قيرٍ أو كِبريتٍ أو مُوميا أو حِجارةٍ ظاهِرةٍ في غيرِ ملكِ أحدٍ، فهو كالماءِ والكَلأِ، والناسُ فيه سَواءٌ.
قالَ الماوَرديُّ ﵀: وهذا صَحيحٌ، والمَعادنُ ضَربانِ: ظاهرةٌ وباطنةٌ، فأما الباطِنةُ: فيَأتي حُكمُها فيما بعدُ، وأما الظاهِرةُ: فهو كلُّ ما كانَ ظاهِرًا في مَعدِنِه يُؤخَذُ عفوًا على أَكملِ أَحوالِه كالمِلحِ والنّفطِ والقارِ والكِبريتِ والمُوميا والحِجارةِ، فهذه المَعادنُ الظاهرةُ كلُّها لا يَجوزُ للإمامِ أنْ يُقطِعَها، ولا لأحدٍ مِنْ المُسلِمينَ أن يَحجرَ عليها، والناسُ كلُّهم فيها شَرعٌ يَتساوونَ فيها، لا فَرقَ بينَ صَغيرِهم وكَبيرِهم، ذَكرِهم وأُنثاهم، مُسلمِهم وكافرِهم، رَوى ثابِتُ بنُ سَعدٍ عن أَبيه عن جَدِّه: أنَّ أَبيضَ بنَ حَمالٍ
стр. 7151
استقَطعَ رَسولَ ﷺ مِلحَ مَأرِبٍ فأقطَعَه، ثُم إنَّ الأقرَعَ بنَ حابِسٍ التَميمِيَّ قالَ: يَا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي قد ورَدتُ المِلحَ فِي الجاهليَّةِ وهوَ بأرضٍ ليسَ فيها مِلحٌ، ومَن ورَدَه أخَذَه، وهو مِثلُ الماءِ العِدِّ بأرضٍ، فاستَقالَ الأَبيضَ مِنْ قَطيعتِه المِلحَ، فقالَ الأَبيضُ: قد أقَلتُك منه على أن تَجعلَه منِّي صَدقةً، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «هو منك صَدقةٌ، وهو مثلُ الماءِ العِدِّ مَنْ ورَدَه أخَذَه» (١).
وروَت بُهيسةُ عن أَبيها أنَّه قالَ: «يا نَبيَّ اللَّهِ، ما الشيءُ الذي لا يَحلُّ مَنعُه؟ قالَ: الماءُ، قالَ: يا نَبيَّ اللَّهِ، ما الشيءُ الذي لَا يَحلُّ مَنعُه؟ قالَ: المِلحُ، قالَ: يا نَبيَّ اللَّهِ، ما الشيءُ الذي لَا يَحلُّ مَنعُه؟ قالَ: أنْ تَفعلَ الخيرَ خيرٌ لك»، وأنَّه ليسَ المانعُ بأحقَّ مِنْ المَمنوعِ، فاقتَضى أنْ يَكونا فيه سَواءً، وإذا استَوى الناسُ في المَعادنِ الظاهِرةِ فإنْ أمكَنَ اشتِراكُ الناسِ فيه عندَ الإِجماعِ عليه وإلا تَقدَّمَ الأَسبقُ فالأَسبقُ.
فإنْ تَساوَى مَجيئُهم فعلى وَجهينِ:
أحدُهما: يُقرَعُ بينهم، فمَن قُرعَ منهم تَقدَّمَ.
والوَجهُ الثانِي: يُقدِّمُ السُّلطانُ باجتِهادِه مَنْ رَأى، فلو أقامَ رَجلٌ على المَعدِنِ زَمانًا يَتفرَّدُ به وبما فيه؛ نظَرَ فإنْ كانَ مع تَفرُّدِه به يَمنعُ منه فمنه تعَدَّى، وعلى السُّلطانِ أنْ يَرفعَ يدَه عنه وقد ملَكَ ما أخَذَه منه، وإنْ لَم يَمنعْ غيرَه منه ففيه وَجهانِ: أحدُهما: أنْ يُقرَّ ما لَم يَكنْ في إِقرارهِ إِدخالُ ضَررٍ على
стр. 7152
غيرِه، والوجهُ الثانِي: يُمنعُ لئلَّا يَطولَ مُكثُه ويَدومَ تَصرفُه فيَنتقِلَ عن حُكمِ المُباحِ إلى أَحكامِ الأَملاكِ، وهذانِ الوَجهانِ في هذينِ الفَرعينِ مِنْ اختِلافِ أَصحابِنا، هل للسُّلطانِ استِحقاقُ نَظرٍ فيها أم لا؟ فلهم فيها وَجهانِ.
مَسألةٌ:
قالَ الشافِعيُّ ﵀: «ولو كانَت بُقعةً مِنْ الساحلِ يَرى أنَّه إنْ حفَرَ تُرابًا مِنْ أَعلاها ثُّم دخَلَ عليها ماءٌ ظهَرَ لها مِلحٌ كانَ للسُّلطانِ أنْ يُقطِعَها وللرَّجلِ أنْ يَعمُرَها بهذه الصِّفةِ فيَملِكَها».
قالَ الماوَرديُّ: وهذا صَحيحٌ؛ لأنَّها ليسَت في الحالِ مَعدِنًا، وإنَّما هي مَواتٌ تَصيرُ بالإِحياءِ مَعدِنًا، فجازَ إِقطاعُها كما يَجوزُ إِقطاعُ المَواتِ، واللهُ أعلمُ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ (إلا أنْ تَكونَ أرضَ مِلحٍ أو ماءً للمُسلِمينَ فيه المَنفعةُ، فلا يَجوزُ أنْ يَنفردَ بها الإِنسانُ).
وجُملةُ ذلك أنَّ المَعادنَ الظاهِرةَ -وهي التي يُوصَلُ إلى ما فيها مِنْ غيرِ مُؤنةٍ يَنتابُها الناسُ ويَنتفِعونَ بها كالمِلحِ والماءِ والكِبريتِ والقيرِ والمُومياء والنّفطِ والكُحلِ والبرامِ والياقوتِ ومَقاطعِ الطِّينِ وأَشباهِ ذلك- لا تُملَكُ بالإِحياءِ ولا يَجوزُ إِقطاعُها لأحدٍ مِنْ الناسِ ولا احتِجازُها دونَ المُسلِمينَ؛ لأنَّ فيه ضَررًا بالمُسلِمينَ وتَضييقًا عليهم، «ولأنَّ النَّبيَّ
стр. 7153
ﷺ أَقطعَ أَبيضَ بنَ حَمالٍ مَعدِنَ المِلحِ فلمَّا قِيلَ له إنَّه بمَنزلةِ الماءِ العِدِّ؛ ردَّه» كذا قالَ أحمدُ.
وروى أَبو عُبيدٍ وأَبو داودَ والتِّرمذيُّ بإِسنادِهم عن أَبيضَ بنِ حَمالٍ: «أنَّه استَقطعَ رَسولَ اللهِ ﷺ المِلحَ بمَأرَبَ، فلمَّا ولَّى قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ ﷺ أتَدرِي ما أقطَعْت له؟ إنَّما أقطَعْت له الماءَ العِدَّ. فرجَعَه منه، قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما يَحمي مِنْ الأَراكِ؟ قالَ: ما لَم تَنلْه أَخفافُ الإبلِ» وهو حَديثٌ غَريبٌ ورُوِيَ في لَفظٍ عنه أنَّه قالَ: «لا حِمى في الأَراكِ»، ورَواه سَعيدٌ فقالَ حدَّثَني إِسماعيلُ بنُ عَياشٍ عن عَمرِو بنِ قَيسٍ المَأربِيِّ عن أَبيه عن أَبيضَ بنِ حَمالٍ المِأربِي قالَ: «استَقطَعتَ رَسولَ اللهِ ﷺ مَعدِنَ المِلحِ بمَأربَ فأقَطعَنِيه، فقيلَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّه بمَنزلةِ الماءِ العِدِّ -يَعني أنَّه لا يَنقطِعُ-، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : فلا إذَن»، ولأنَّ هذا تتعلَّقُ به مَصالحُ المُسلِمينَ العامَّةِ فلَم يَجزْ إِحياؤُه ولا إِقطاعُه، كمَشارعِ الماءِ وطُرقاتِ المُسلِمينَ، وقالَ ابنُ عُقيلٍ: هذا مِنْ مَوادِّ اللهِ الكَريمِ وفَيضِ جُودِه الذي لا غِناءَ عنه، فلو ملَكَه أحدٌ بالاحتِجازِ ملَكَ مَنعَه فضاقَ على الناسِ، فإنْ أخَذَ العِوضَ عنه أَغلاه فخرَجَ عن المَوضعِ الذي وضَعَه اللهُ مِنْ تَعميمِ ذَوي الحَوائجِ مِنْ غيرِ كُلفةٍ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ ولا أَعلمُ فيه مُخالفًا (١).
стр. 7154
وقالَ أيضًا: فَصلٌ: وليسَ للإمامِ إِقطاعُ ما لا يَجوزُ إِحياؤُه مِنْ المَعادنِ الظاهِرةِ؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا استَقطَعَه أَبيضُ بنُ حَمالٍ المِلحَ الذي بمَأربَ فقيلَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّما أقطَعتَه الماءَ العِدَّ. فأرجَعَه منه»، ولأنَّ في ذلك تَضييقًا على المُسلِمينَ، وفي إِقطاعِ المَعادنِ الباطنةِ وَجهانِ، ذكَرْناهما فيما مَضى (١).
وقالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: وإذا كانَ بقُربِ الساحِلِ مَوضعٌ إذا حصَلَ فيه الماءُ صارَ مِلحًا مُلكَ بالإِحياءِ، وللإمام إِقطاعُه (٢).
أما المالِكيةُ فقالوا: يَجوزُ للإمامِ أنْ يُقطِعَ مَعادنَ الذَّهبِ والفِضةِ والكُحلِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ والزّرنيخِ لمَن يَعملُ فيها بوَجهِ الاجتِهادِ، ومَعنى إِقطاعِه إيَّاها أنْ يَجعلَ لمَن يُقطِعَه إيَّاها الانتِفاعَ بها مدةً مَحدودةً أو غيرَ مَحدودةٍ لا يُملِّكُه رَقبتَها، كما لا يُقطِعُ أرضَ العَنوةِ تَمليكًا لكنْ قَطيعةَ إِمتاعٍ والأصلُ للمُسلِمينَ. وكذلك إذا ظهَرَ المَعدِنُ في أرضٍ مَملوكةٍ مَحوزةٍ لمالكٍ مُعيَّنٍ كزيد مثلًا، ففيه ثَلاثةُ أَقوالٍ في المَذهبِ:
المُعتمَدُ منها -وهو قولُ ابنِ القاسِمِ-: أنَّ النَّظرَ فيه للإمامِ أيضًا يُقطِعَه مَنْ يَشاءُ، وذلك لأنَّ المَعادنَ ليسَت تَبعًا للأَرضِ التي هي فيها، مَملوكةً كانَت أو غيرَ مَملوكةٍ؛ لأنَّ المَعادنَ التي في جَوفِ الأرضِ أَقدمُ مِنْ ملكِ المالِكينَ لها، فلَم يَحصُلْ ذلك ملكًا لهم بملكِ الأرضِ، فصارَ ما فيها
стр. 7155
بمَنزلةِ ما لَم يُوجفْ عليه بخَيلٍ ولا رِكابٍ، قالَ ابنُ القاسِمِ: وكذلك مَعادنُ الزّرنيخِ والكُحلِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ، هي كمَعادنِ الذَّهبِ والفِضةِ، للسُّلطانِ أنْ يُقطِعَها لمَن يَعملُ فيها.
وذلك لأنَّ المَعادنَ قد يَجدُها شِرارُ الناسِ، فلو لَم يَكنْ حُكمُه للإمامِ لأدَّى إلى الفِتنِ والهَرجِ.
والقولُ الثانِي: أنَّها تَكونُ مِلكًا لصاحبِها والنَّظرُ فيها له، وهو قولُ سُحنونٍ، ويَكونُ حُكمُها كالعنبَرِ، وما يَخرجُ مِنْ البَحرِ فهي لمالكِها.
والثالِثُ: إما أنْ يَكونَ عينًا ذَهبًا أو فِضةً فللإمامِ، وإنْ كانَ غيرَ ذلك في الجَواهرِ فلمالكِ الأرضِ.
وإما أنْ يَظهرَ المَعدِنُ في أرضٍ غيرِ مَملوكةٍ انجَلى أَهلُها عنها، فإنْ كانوا كُفارًا وانجَلَوا عنها بغيرِ قِتالٍ فحُكمُها للإمامِ قَولًا واحدًا.
وإنْ كانوا مُسلِمينَ وانجَلَوا عنها فقَولانِ: المُعتمَدُ منهما أنَّها للإمامِ له أنْ يُقطِعَها مَنْ يَشاءُ.
والثانِي: لا يَسقُطُ مُلكُهم عن أَراضِيهم بانجِلائِهم.
وإما أنْ تَظهرَ المَعادنُ في أرضِ قَومٍ صالَحوا عليها فهي للمُصالحِ، فإنْ أسلَموا رجَعَ أمرُها إلى الإمامِ (١).
стр. 7156
ثانيًا: المَعادنُ الباطِنةُ:
اختَلفَ الفَقهاءُ في المَعادنِ الباطِنةِ، هل يَجوزُ للإمامِ أنْ يُقطِعَها أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ -وهم لا يُفرِّقُونَ بينَ المَعادنِ الظاهِرةِ والباطِنةِ- والشافِعيةُ في قولٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ إلى أنَّه يَجوزُ للإمامِ أنْ يُقطِعَ المَعادنَ الباطنةَ، وذلك لما رُويَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطَعَ بِلالَ بنَ الحارثِ المُزنِيَّ مَعادنَ القبليَّةِ (١) جَلسِيَّها وغَورِيَّها، وحيثُ يَصلُحُ الزَّرعُ مِنْ قُدسٍ ولَم يُعطِه حقَّ مُسلمٍ وكتَبَ له النَّبيُّ ﷺ «بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، هذا ما أعطَى مُحمدٌ رَسولُ اللَّهِ بِلالَ بنَ الحارِثِ المُزنِيَّ، أَعطاهُ مَعادنَ القبليَّةِ جَلسِيَّها وغَورِيَّها، وحيثُ يَصلُحُ الزَّرعُ مِنْ قُدسٍ، ولَم يُعطِه حقَّ مُسلمٍ» (٢). ولأنَّه يَجوزُ إِقطاعُ ما لا يُملَكُ بالإِحياءِ، كمَقاعدِ الأَسواقِ والطُّرقِ (٣).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والصَّحيحُ جَوازُ ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطَعَ لبِلالِ بنِ الحارِثِ مَعادنَ القبليَّةِ جَلسِيَّها وغَورِيَّها (٤).
وقد تَقدَّمَ قولُ المالِكيةِ في المَسألةِ السابِقةِ، وهم لا يُفرِّقونَ بينَ المَعدِنِ الظاهرِ والباطِنِ، فيَجوزُ للإمامِ إِقطاعُه.
стр. 7157
وكلامُ الحَنفيةِ يَدلُّ على جَوازِ إِقطاعِ المَعادنِ الباطنةِ، فجاءَ في الدرِّ المُختارِ: واعلَمْ أنَّه ليسَ للإمامِ أنْ يُقطِعَ ما لا غَنى للمُسلِمينَ عنه مِنْ المَعادنِ الظاهِرةِ -وهي ما كانَ جَوهرُها الذي أودَعَه اللهُ في جَواهرِ الأرضِ بارِزًا- كمَعادنِ المِلحِ والكُحلِ والقارِ والنّفطِ (١).
وظاهِرُ هذا أنَّه يَجوزُ إِقطاعُ المَعادنِ الباطِنةِ، واللهُ أعلمُ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةِ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ للإمامِ إِقطاعُ المَعادنِ الباطنةِ؛ لأنَّها لا تُملَكُ بالإِحياءِ فلَم يَجزْ إِقطاعُها كالمَعادنِ الظاهِرةِ.
قالَ الماوَرديُّ ﵀: قد ذكَرْنا أنَّ المَعادنَ ضَربانِ: ظاهِرةٌ وباطِنةٌ، وذكَرْنا أنَّ الظاهِرةَ منها لا يَجوزُ إِقطاعُها، فأما الباطِنةُ -وهي التي لا شيءَ في ظاهرِها حتى تُحفَرَ أو تُقطَعَ فيَظهرُ ما فيها بالحَفرِ والقَطعِ كمَعادنِ الفِضةِ والذَّهبِ والنُّحاسِ والحَديدِ، سَواءٌ احتاجَ ما فيها إلى سَبكٍ وتَخليصٍ كالفِضةِ والنُّحاسِ أو لَم يَحتَجْ إلى ذلك -كالتبْرِ مِنْ الذَّهبِ- ففي جَوازِ إِقطاعِها قَولانِ:
أحدُهما: أنَّ إِقطاعَها لا يَجوزُ، والناسُ كلُّهم فيها شَرعٌ يَتساوَى جَميعُهم في تَناولِ ما فيها كالمَعادنِ الظاهرةِ التي يَتساوى الناسُ فيها، ولا يَجوزُ إِقطاعُها؛ لأنَّ ما فيها جميعًا مَخلوقٌ يُوصَلُ إليه بالعَملِ ويُملَكُ
стр. 7158
بالأَخذِ، فعلى هذا يَستوي حالُ المُقطِعِ وغيرِه في تَناولِ ما فيها، كما لو أقطَعَ المَعادنَ الظاهرةَ ولم يَصرْ أَحقَّ بها مَنْ لَم يَستقطِعْها.
والقولُ الثانِي: أنَّ إِقطاعَها جائزٌ، والمُقطِعُ أحقُّ بها مِنْ غيرِه، روى كَثيرُ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ عَوفٍ المُزنِيُّ عن أَبيه عن جَدِّه: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أقطَعَ بِلالَ بنَ الحارِثِ المُزنِيَّ مَعادنَ القبليَّةِ جَلسِيَّها وغَورِيَّها، وحيثُ يَصلُحُ الزَّرعُ مِنْ مُدهِنٍ ولَم يُعطِه حقَّ مُسلمٍ» وفيه تَأويلانِ:
أحدُهما: وهو قولُ عبدِ اللهِ بنِ وَهبٍ أنَّ جَلسِيَّها وغَورِيَّها أَعلاها وأَسفلَها. والتَّأويلُ الثانِي: وهو قولُ أَبي عُبيدٍ وابنِ قُتيبةَ أنَّ الغَورَ ما كانَ مِنْ بلادِ تهامةَ والجَلْسَ ما كانَ مِنْ بلادِ نجدٍ، قالَ الشَّماخُ:
فأضحَتْ على ماءِ العُذَيبِ وعَينُها كوَقبِ الصَّفَا جِلسِيُّها قد تَغوَّرَا
ولأنَّ المَعادنَ الباطنةَ تُخالفُ الظاهِرةَ مِنْ وَجهينِ تَوافَقَ بينَهما المَواتُ:
أحدُهما: ما يَلزمُ مِنْ كثرةِ المَؤونةِ في الباطِنةِ حتى ربَّما ساوَت مؤونةَ إِحياءِ المَواتِ وزادَتْ ولا يَلزمُ ذلك في الظاهرِ.
والثانِي: أنَّ ما في الباطِنةِ مَظنونٌ مُتوهَّمٌ فشابَهَ ما يَظنُّ مِنْ مَنافعِ المَواتِ بعدَ الإِحياءِ، وما في الظاهِرةِ مَشاهِد مُتيقَّنٌ فصارَتِ الباطِنةُ مِنْ هذينِ الوَجهينِ مُفارِقةً للظاهِرةِ في المَنعِ من إِقطاعِها، ومُلحَقةً بالمَواتِ في جَوازِ إِقطاعِها.
стр. 7159
فعلى هذا إذا أقطَعَها الإمامُ رَجلًا فما لَم يَتصرَّفْ فيهما بالعملِ لَم يَملكْها كما لا يَملكُ المَواتَ بالإِقطاعِ ما لم يُحيِه، فإذا عمِلَ فيها صارَ مالكَها، وفي ملكِه قَولانِ:
أحدُهما: أنَّه قد ملَكَها ملكًا مُؤبَّدًا، سواءٌ أقامَ على العَملِ أو ترَكَ، كما يَملِكُ المَواتَ بالإِحياءِ سَواءٌ استَدامَ عِمارتَه أو عطَّلَه، فعلى هذا يَكونُ إذنُ الإمامِ شَرطًا في ثُبوتِ ملكِها، وإنْ لَم يَكنْ إذنُه في إِقطاعِها شَرطًا في تَناولِ ما فيها؛ لِكونِه على أَصلِ الإِباحةِ.
والقولُ الثانِي: أنَّ ملكَه لها مُقدَّرٌ بمدَّةِ عَملِه فيها، فما أقامَ على العَملِ فهو على ملكِه، وله مَنعُ الناسِ منه، فإذا فارقَ العَملَ زالَ ملكُه عنه وعادَ إلى أَصلِ الإِباحةِ، إلا أنْ يَكونَ ذلك لتَعذُّرِ آلةٍ أو هَربِ عبدٍ فلا يَزولُ ملكُه ما كانَ ناويًا للعَملِ حتى يَقطَعَ قَطعَ تَركٍ فيَزولُ ملكُه، وإنَّما كانَ كذلك لأنَّ عَملَه يَكونُ إِحياءً للطَّبقةِ التي عمِلَ فيها، فصارَ مالكًا لها بإِحيائِه وعملِه، فأما ما تحتَ تلك الطَّبقةِ فلَم يَقعْ عليها عَملٌ ولَم يَحصلْ فيها إِحياءٌ فلَم يَملِكْها.
فعلى هذا اختَلفَ أَصحابُنا هل يَكونُ إذنُ الإمامِ شَرطًا في ثُبوتِ ملكِه عليها مدةَ عَملِه فيها؟ على وَجهينِ:
أحدُهما: أنَّ إذنَه شَرطٌ فيه حتى يَجوزَ مَنعُ غيرِه كما لو قيلَ بتَأييدِ ملكِه.
والوجهُ الثانِي: أنَّ إذنَه ليسَ بشَرطٍ كما لَم يَكنْ إذنُه شَرطًا في إِحياءِ المَواتِ؛ لأنَّ ملكَه فيها يَختصُّ بما باشرَ عملَه، ويَجوزُ له عندَ شُروعِه في العملِ أنْ يَمنعَ غيرَه مِنْ المَوضعِ الذي عمِلَ فيه، ولا يَمنعُه مِنْ غيرِ ذلك
стр. 7160
المَوضعِ مِنْ العذرِ كما لا يَمنعُ بشُروعِه في إِحياءِ المَواتِ مِنْ غيرِ إِقطاعٍ، إلا مِنْ المَوضعِ الذي عمِلَ فيه، واللهُ أَعلمُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأما المَعادنُ الباطِنةُ وهي التي لا يُوصَلُ إليها إلا بالعَملِ والمُؤنةِ، كمَعادنِ الذَّهبِ والفِضةِ والحَديدِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ والبَلورِ والفَيروزجِ، قالَ أَصحابُنا: ليسَ للإمامِ إِقطاعُها لأنَّها لا تُملَكُ بالإِحياءِ.
والصَّحيحُ جَوازُ ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطَعَ لبِلالِ بنِ الحارِثِ مَعادنَ القبليَّةِ جَلسِيَّها وغَورِيَّها (٢).
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: وليسَ للإمامِ إِقطاعُ مَعادنَ ظاهِرةٍ أو باطِنةٍ؛ لما فيه مِنْ التَّضييقِ، وصحَّحَ في الشَّرحِ جَوازَه «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطَعَ بِلالَ بنَ الحارِثِ مَعادنَ القبليَّةِ جَلسِيَّها وغَورِيَّها» رواه أبو داودَ وغيرُه.
فإنْ كانَ بقُربِ الساحلِ مَوضعٌ إذا حصَلَ فيه الماءُ صارَ مِلحًا مُلكَ بالإِحياءِ، وللإمامِ إِقطاعُه لأنَّه لا تَضييقَ على المُسلِمينَ بذلك، بل يَحدُثُ نَفعُه بالعَملِ فيه، فلَم يَمنعْ منه كبَقيةِ المَواتِ.
وإِحياؤُه بتَهيئتِه لمَا يَصلُحْ له مِنْ حَفرِ تُرابِه وتَمهيدِه وفَتحِ قَناةٍ إليه يَتهيَّأُ بهذا للانتِفاعِ به (٣).
стр. 7161
إِقطاعُ العامرِ:
قالَ الشافِعيةُ: إِقطاعُ العامرِ على قِسمينِ: إِقطاعُ تَمليكٍ، وإِقطاعُ استِغلالٍ.
والأولُ: أنْ يُقطِعَ الإمامُ ملكًا أَحياه بالأُجَراءِ والوُكلاءِ، أو اشتَراه أو وَكيلُه في الذِّمةِ، فيَملِكُه المُقطَعُ بالقَبولِ والقَبضِ إنْ أبَّدَ أو أقَّتَ بعُمرِ المُقطَعِ وهو العُمرَى ويُسمَّى مَعاشًا.
والأَملاكُ المُتخلِّفةُ عن السَّلاطينِ الماضيةِ بالمَوتِ والقَتلِ ليسَت بملكٍ لِلإمامِ القائمِ، بل لوَرثتِهم إنْ تَبيَّنوا، وإلا فكالأَموالِ الضائِعةِ.
ولا يَجوزُ إِقطاعُ أَراضِي الفيءِ تَمليكًا ولا إِقطاعُ الأَراضي التي اصطَفاها الأئِمةُ لِبيتِ المالِ مِنْ فُتوحِ البِلادِ، إما بحقِّ الخُمسِ وإما باستِطابةِ نُفوسِ الغانِمينَ، ولا إِقطاعُ أَراضِي الخَراجِ صُلحًا.
وفي إِقطاعِ أَراضِي مَنْ ماتَ مِنْ المُسلِمينَ ولا وارِثَ له وَجهانِ، والظاهرُ منهما المَنعُ، ويَجوزُ إِقطاعُ الكلِّ مَعاشًا.
الثانِي: أنْ يُقطِعَ غلَّةَ أَراضِي الخَراجِ، قالَ الأَذرعيُّ: ولا أَحسبُ في جَوازِ الإِقطاعِ للاستِغلالِ خِلافًا إذا وقَعَ في مَحلِّه لمَن هو مِنْ أهلِ النَّجدةِ، قدرًا يَليقُ بالحالِ مِنْ غيرِ مُجازَفةٍ اه.
أيْ فيَملكُها المُقطَعُ له بالقَبضِ ويَختَّصُّ بها مِنْ قبلِه.
فإنْ أقطَعَها مِنْ أهلِ الصَّدقاتِ بطَلَ، وكذا مِنْ أهلِ المَصالحِ، وإنْ جازَ أنْ يُعطوا مِنْ مالِ الخَراجِ شيئًا لكن بشَرطينِ:
стр. 7162
أنْ يَكونَ بمالٍ مُقدَّرٍ قد وجَبَ بسببِ استِباحتِه كالتَّأذينِ والإِمامةِ وغيرِهما، وأنْ يَكونَ قد حلَّ المالُ ووجَبَ لتَصحَّ الحَوالةُ به.
ويَخرُجُ بهذينِ الشَّرطينِ عن حُكمِ الإِقطاعِ.
وإنْ أقطَعَها مِنْ القُضاةِ ومِن كُتابِ الدَّواوينِ جازَ سَنةً واحدةً، وهل تَجوزُ الزِّيادةُ عليها؟ وَجهانِ: أصحُّهما المنعُ إنْ كانَ جِزيةً، والجوازُ إن كانَ أُجرةً.
ويَجوزُ إِقطاعُ الجُنديِّ مِنْ أرضٍ عامرةٍ للاستِغلالِ، بحيثُ تَكونُ مَنافعُها له ما لَم يَنزعْها الإمامُ، قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وقَضيةُ قولِ المُصنَّفِ في فَتاويه إنَّه يَجوزُ له إِجارتُها أنَّه يَملِكُ مَنفعتَها.
قالَ بعضُ المُتأخِّرينِ: وما يَحصلُ للجُنديِّ مِنْ الفلَّاحِ مِنْ مُغَلٍّ وغيرِه فحَلالٌ بطَريقِه، وما يَعتادُ أخذُه مِنْ رُسومٍ ومَظالمَ فحَرامٌ (١).
وقالَ الإمامُ الدَّميريُّ ﵀: والإِقطاعاتُ المَعروفةُ في هذا الزَّمانِ للأُمراءِ والأَجنادِ مِنْ أرضٍ عامرةٍ لِتكونَ لهم مَنافعُها بالاستِعمالِ وغيرِه ليسَ له ذِكرٌ في كَلامِ الفَقهاءِ.
قالَ الشَّيخُ: وتَسميتُه إِقطاعًا مَخالفٌ لقولِهم: إنَّ الإِقطاعَ إنَّما يَكونُ في المَواتِ، وكذلك الرّزقُ التي يُعطيها الإمامُ للفَقهاءِ وغيرِهم كذلك.
ومِن فوائدِ النظرِ في ذلك: أنَّه لو تَعدَّى شَخصٌ على المُختصِّ بها وزَرعَها، هل تَلزمُه أُجرةُ المثلِ له لأنَّه ملَكَ مَنفعتَها بالإِقطاعِ أو لا لأنَّه
стр. 7163
كالمُتحجِّرِ وهي باقِيةٌ على اشتِراكِ المُسلِمينَ؟ فيه نَظرٌ، لكنَّ القاضِي عِياضًا نصَّ على اختِصاصِها بالمُقطَعِ، ويُؤيِّدُ ذلك ما تقَدمَ مِنْ فَتوى المُصنِّفِ بصِحةِ إِيجارِها (١).
إِجارةُ الإِقطاعِ:
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ما علِمتُ أحدًا مِنْ عُلماءِ المُسلِمينَ لا أهلَ المَذاهبِ الأربَعةِ ولا غيرَهم قالَ إنَّ إِجارةَ الإِقطاعِ لا تَجوزُ، وما زالُ المُسلِمونَ يُؤجِّرونَ الأرضَ المُقطعَةَ مِنْ زمنِ الصَّحابةِ إلى زمنِنا هذا.
لكنَّ بعضَ أهلِ زمانِنا ابتَدعوا هذا القولَ، قالوا لأنَّ المُقطَعَ لا يَملِكُ المَنفعةَ فيَصيرُ كالمُستعيرِ إذا أكرَى الأرضَ المُعارةَ، وهذا القِياسُ خطأٌ لوَجهينِ:
أحدُهما: أنَّ المُستعِيرَ لم تَكُنِ المَنفعةُ حقًّا له، وإنَّما تَبَرعَ له المُعيرُ بها، وأما أَراضِي المُسلِمينَ فمَنفعتُها حقٌّ للمُسلِمينَ، ووليُّ الأمرِ قاسِمٌ يَقسِمُ بينَهم حقوقَهم ليسَ مُتبرعًا لهم كالمُعيرِ، والمُقطَعُ يَستوفِي المَنفعةَ بحُكمِ الاستِحقاقِ كما يَستوفِي المَوقوفُ عليه مَنافعَ الوَقفِ وأَولى، وإذا جازَ للمَوقوفِ عليه أنْ يُؤجِّرَ الوَقفَ وإنْ أمكَنَ أنْ يَموتَ فتَنفسِخُ الإِجارةُ بموتِه على أصحِّ قولَيِ العُلماءِ فلأنْ يَجوزَ للمُقطَعِ أنْ يُؤجِّرَ الإِقطاعَ وإنِ انفَسخَت الإِجارةُ بمَوتِه أو غيرِ ذلك بطَريقِ الأَولى والأحرَى.
стр. 7164
الثانِي: أنَّ المُعيرَ لو أذِنَ في الإِجارةِ جازَتِ الإِجارةُ مثلَ الإِجارةِ في الإِقطاعِ، ووليُّ الأمرِ يَأذنُ للمُقطِعينَ في الإِجارةِ، وإنَّما أقطَعَهم ليَنتفِعوا بها إما بالمَزارعةِ وإما بالإِجارةِ، ومَن حرَّمَ الانتِفاعَ بها بالمُؤاجرةِ والمُزارعةِ فقد أفسَدَ على المُسلِمينَ دِينَهم ودُنياهم، فإنَّ المَساكنَ كالحَوانيتِ والدُّورِ ونحوِ ذلك لا يَنتفعُ بها المُقطَعُ إلا بالإِجارةِ، وأما المَزارعُ والبَساتينُ فيَنتفعُ بها بالإِجارةِ وبالمُزارعةِ والمُساقاةِ في الأمرِ العامِّ (١).
وقالَ في مَوضعٍ آخرَ: وليسَ مع مَنْ يَقولُ: لا تَصحُّ إِجارةُ الإِقطاعِ نَقلٌ عن أحدٍ مِنْ العُلماءِ الذين يُفتي الناسُ بأَقوالِهم، لا مِنْ أَتباعِ الأئِمةِ الأربَعةِ ولا غيرِهم، فكيفَ يَسوغُ لأحدٍ أنْ يَقولَ قولًا لم يُسبَقْ إليه؟ سواءٌ كانَ مُجتهدًا أو مُقلِّدًا (٢).
وقالَ السّيوطيُّ ﵀: واختَلفوا في إِجارةِ الإِقطاعِ، والمَشهورُ المَعروفُ المُقرَّرُ مِنْ الشافِعيِّ صِحتُها، والجُمهورُ على ذلك.
قالَ النَّوويُّ: لأنَّ الجُنديَّ يَستحقُّ المَنفعةَ.
تَنبيهٌ: قالَ شَيخُنا الإمامُ تَقيُّ الدينِ السُّبكيُّ ﵀: ما زِلْنا نَسمعُ عُلماءَ الإِسلامِ قاطِبةً بالدِّيارِ المِصريَّةِ والبِلادِ الشاميَّةِ يَقولونَ بصحَّةِ إِجارةِ
стр. 7165
الإِقطاعِ، حتى بزَغَ الشيخُ تاجُ الدينِ الفَزاريُّ وولدُه فقالا فيها ما قالا، وهو المَعروفُ مِنْ مَذهبِ أحمدَ، ولكنَّ مَذهبَ أَبي حَنيفةَ بُطلانُها (١).
وقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: وأما إِجارةُ المُقطَعِ ما أقطَعَه الإمامُ فأفتَى العَلامةُ قاسِمُ بنُ قُطُلوبُغا بصحَّتِها، قالَ: ولا أثرَ لجَوازِ إِخراجِ الإمامِ له في أَثناءِ المدةِ، كما لا أثرَ لجَوازِ مَوتِ المُؤجِّرِ في أَثنائِها، ولا لكَونِه ملَكَ مَنفعةً لا في مُقابلةِ مالٍ، فهو نَظيرُ المُستأجَرِ؛ لأنَّه ملَكَ مَنفعةَ الإِقطاعِ بمُقابلةِ استِعدادِه لِما أعَدَّ له لا نَظيرَ المُستعِيرِ لما قُلْنا، وإذا ماتَ المُؤجِّرُ أو أخرَجَ الإمامُ الأرضَ عن المُقطَعِ تَنفسخُ الإِجارةُ؛ لانتِقالِ الملكِ إلى غيرِ المُؤاجرِ.
كما لو انتَقلَ الملكُ في النَّظائرِ التي خرَجَ عليها إِجارةُ الإِقطاعِ (٢).
وسُئلَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ ﵀ سُؤالًا صُورتُه: قالَ الشَّيخُ مُحيِي الدينِ النَّوويُّ مِنْ البابِ السابعِ في الفَتاوى: إذا أقطَعَ السُّلطانُ جُنديًّا أرضًا، فهل يَجوزُ له إِجارتُها أم لا؟
الجَوابُ: نَعم يَجوزُ؛ لأنَّه مُستحِقٌّ لمَنفعتِها، ولا يَمنعُ مِنْ ذلك كَونُها مُعرضةً لأنْ يَستردَّها السُّلطانُ بمَوتٍ أو غيرِه، كما يَجوزُ للزَّوجةِ أنْ تُؤجِّرَ الأرضَ التي هي صَداقُها قبلَ الدُّخولِ وإنْ كانَت مُعرَّضةً لأنْ يَستَردَّها منها بفَسخٍ أو غيرِه اه.
стр. 7166
قالَ البُرهانُ الفَزاريُّ: وكانَ والدي يُفتي ببُطلانِ إِجارةِ الإِقطاعِ، ومُستنَدُه أنَّه لا تَصحُّ إِجارةُ الإِقطاعِ بمُجردِ الإِقطاعِ، وأنا مُوافقٌ في ذلك.
وقالَ الشيخُ تَقيُّ الدينِ الحِصنيُّ في «المرشدِ»: وللمُقطَعِ أنْ يُؤجِّرَ الأرضَ التي أقطَعَها الإمامُ ولو بلا إذنِه في المُختارِ، وكلُّ مَنْ ملَكَ التَّصرفَ بملكٍ أو غيرِه فله إِجارتُه وإِعارتُه والتَّصرفُ كيف شاءَ. اه.
وقالَ العُثمانِيُّ الصَّفديُّ: والمَشهورُ والمَعروفُ مِنْ مَذهبِ الشافِعيِّ والجُمهورِ صحَّتُها، قالَ النَّوويُّ ﵀: لأنَّ الجُنديَّ يَملِكُ المَنفعةَ، قالَ السُّبكيُّ: ما زِلْنا نَسمعُ عُلماءَ الإِسلامِ بالدِّيارِ المِصريَّةِ والبِلادِ الشاميَّةِ يَقولونَ بصحَّةِ إِجارةِ الإِقطاعِ.
فأجابَ: الكلامُ في هذه المَسألةِ يَحتاجُ إلى تَقديمِ مُقدِّمةٍ، وهي أنَّ التَّقيَّ السُّبكيَّ قالَ: الإِقطاعاتُ المَعروفةُ في هذا الزَّمانِ مِنْ السُّلطانِ للجُندِ في أرضٍ عامِرةٍ تَستغلُّها، وتَكونُ لهم فَوائدُها ومَنافُعها ما لم يَنزعْها منهم أو يَموتوا، لم أَجدْ له ذِكرًا في كَلامِ الفَقهاءِ، وتَسميتُه إِقطاعًا مُخالفٌ لقَولِهم: إنَّ الإِقطاعَ إنَّما يَكونُ في المَواتِ، وتَجويزُه يَحتاجُ إلى أصلٍ يَستنِدُ إليه، وإلى تَخريجِ طَريقٍ فِقهيٍّ؛ حتى يُقالَ إنَّ المُقطَعَ بمُجردِ الإِقطاعِ ملَكَ المَنفعةَ والفَوائدَ وأنَّه لَم يَملِكْها، وإنَّما يَقومُ مَقامَ الإمامِ في استِغلالِها وإِيجارِها ثُم يَستأثرُ بما تَحصَّلَ اقتَضى تَسليطَ الإمامِ على أَخذِه قبلَ استِئثارِه به وأنَّه ملكٌ لربِّ المالِ، وكلُّ ذلك مُشكِلٌ.
стр. 7167
وعلى الفَقيهِ الفِكرُ فيه، ولا يَختصُّ بالإِقطاعاتِ، بل الرِّزَقُ التي يُطلِقُها السُّلطانُ للفُقراءِ وغيرِهم يَجرِي فيها هذا الكَلامُ، ومِن فَوائدِ النَّظرِ في ذلك أنَّه لو تَعدَّى أحدٌ وزرَعَها هل نَقولُ: يَجبُ عليه أُجرتُها لصاحبِها؛ لأنَّه ملَكَ مَنفعتَها بالإِقطاعِ؟ أو الإِطلاقُ مُجردُ الاختِصاصِ المُتحجِّرِ وهي باقِيةٌ على اشتِراكِ الناسِ فيها والزُّارعُ أحدُهم؟
وقالَ القاضِي عِياضٌ: الإِقطاعُ: تَسويغُ الإمامِ مِنْ بيتِ المالِ شيئًا لمَن يَراه أهلًا لذلك، وأكثرُ ما يُستعمَلُ في إِقطاعِ الأرضِ وهو أنْ يُخرِجَ منها له ما يَجوزُه، وإما أنْ يُملِّكَه إيَّاه فيُعمِّرَه أو يَجعلَ له غلَّتَه مدةً هذا مَعنى الإِقطاعِ الذي في هذا الزَّمانِ، إلا أنَّ أَصحابَنا لَم يَذكُروه اه.
قالَ الأَذرعيُّ: ولا أظنُّ في جَوازِ الإِقطاعِ المَذكورِ إذا صدَرَ في مَحلِّه لمَن هو مِنْ أَهلِ النَّجدةِ قَدرًا يَليقُ بالحالِ مِنْ غيرِ مُجازفةٍ خِلافًا بينَ المُسلِمينَ، وممن ذكَرَ ذلك أَبو عليٍّ الفارقيُّ قالَ: ثُم بعدَ هذا وقَفتُ على مُصنَّفٍ قَديمٍ لبعضِ أَصحابِنا، سمَّاه «كتاب مَعرفةِ أَحكامِ أَراضِي الإِسلامِ وتَصرُّف الإمامِ» ذكَرَ فيه أنَّه يَجوزُ للإمامِ أنْ يُقطِعَ الجُنديَّ مِنْ أَراضِي بَيتِ المالِ ما يَحتاجُ إليه على قَدرِ حاجتِه مِنْ غيرِ زِيادةٍ، قالَ: وما يَأخذُه الجُنديُّ على الزِّراعةِ ليسَ بخَراجٍ، بل هو أُجرةُ الأرضِ، ويَحلُّ لهم تَناولُ الغلَّةِ وغيرِها إذا كانَ بالاتِّفاقِ والمُراضاةِ، وأما الزِّيادةُ على ذلك فحَرامٌ قَطعًا، وكذا ما يَأخذُه المُقطِعونَ مِنْ الفَلاحينَ والمُزارِعينَ مِنْ الغَنمِ والدَّوابِّ والعَسلِ والدَّجاجِ فهو جَورٌ وظُلمٌ اه.
стр. 7168
ويُعلَمُ مِنْ قولِ السُّبكيِّ (هذه الإِقطاعاتِ المَعروفةِ في هذا الزَّمانِ لم أَجدْ لها ذِكرًا في كَلامِ الفَقهاءِ) أنَّ ما ذكَرَه الماوَرديُّ في «الأَحكام السُّلطانِية» مِنْ إِقطاعِ الاستِغلالِ وجَعلِه على ضَربينِ -عُشرٍ وخَراجٍ- ليسَ هو هذا الإِقطاعَ المَعروفَ في هذا الزَّمانِ، فإنَّه إنَّما هو إِقطاعُ مَنفعةِ الأرضِ، أيْ أرضِ بَيتِ المالِ.
قالَ الماوَرديُّ: فأما إِقطاعُ العُشرِ فلا يَجوزُ؛ لأنَّه زَكاةٌ لأَصنافٍ يَصيرُ منه استِحقاقُهم عندَ دَفعِها إليهم، وقد يَجوزُ ألَّا يَكونوا مِنْ أَهلِها وَقتَ استِحقاقِها، ولأنَّها تَجبُ بشُروطٍ قد يَجوزُ ألَّا تُوجدَ فلا تَجبُ، قالَ: وأما الخَراجُ فيَختلفُ حُكمُ إِقطاعِه باختِلافِ حالِ مُقطِعِه، وله ثَلاثةُ أَحوالٍ:
أحدُها: أنْ يَكونُ مِنْ أهلِ الصَّدقاتِ، فلا يَجوزُ أنْ يُقطِعَ مالَ الخَراجِ لأنَّ الخَراجَ فيءٌ ولا يَستحِقُّه أهلُ الصَّدقاتِ، كما لا يَستحِقُّ الصَّدقةَ أهلُ الفيءِ، وجوَّزَ أَبو حَنيفةَ ذلك.
الثانِيةُ: أنْ يَكونوا مِنْ أَهلِ الفيءِ ممن ليسَ له رِزقٌ مَفروضٌ، فلا يَصحُّ أنْ يُقطِعُوه على الإِطلاقِ وإنْ جازَ أنْ يُقطِعوا مِنْ مالِ الخَراجِ؛ لأنَّهم مِنْ نَفلِ أَهلِ الفيءِ لا مِنْ فَريضتِه، كما يُعطونَ مِنْ غَلاتِ المَصالحِ.
والحالةُ الثالِثةُ: أنْ يَكونوا مِنْ مُرتزِقةِ أهلِ الفيءِ وفَريضةِ الدِّيوانِ -وهم الجَيشُ-، فهم أَخصُّ الناسِ بجَوازِ الإِقطاعِ؛ لأنَّ لهم أَرزاقًا مُقدَّرةً تُصرَفُ إليهم مَصرفَ الاستِحقاقِ؛ لأنَّها أَعواضٌ عما أَرصدوا نُفوسَهم له مِنْ حِمايةِ البَيضةِ والذَّبِّ عن الحَرمِ، وأَطالَ الكَلامَ فيه، وما ذكَرَه مِنْ
стр. 7169
الأَقسامِ والشُّروطِ يَجرِي في إِقطاعاتِ هذا الزَّمانِ، فأما الإمامُ فلا يَخلو إِقطاعُه مِنْ ثَلاثةِ أَقسامٍ:
أحدُها: أنْ يُقدِّرَ سِنينَ مَعلومةً فيَصحُّ إذا رُوعِيَ فيه كَونُ رِزقِ المُقطَعِ مَعلومَ القدرِ عندَ باذلِ الإِقطاعِ وإلا لَم يَصحَّ، وكونُ قدرِ الخراجِ معلومًا عندَ المُقطِع والباذلِ وإلا لَم يَصحَّ أيضًا.
القسمُ الثانِي: أنْ يُقطِعَه مدةَ حياتِه ثُم لورثتِه بعدَ موتِه، فهذا باطلٌ؛ لأنَّه خرَجَ بهذا الإِقطاعِ عن حقوقِ بيتِ المالِ إلى الأملاكِ الموروثةِ، وحينئذ فما اجتباه بإذنِ في عقدٍ فاسدٍ بينَ أهلِ الخراجِ يَقبضُه ويُحاسَبُ به مِنْ جملةِ رزقِه، فإنْ زادَ ردَّ الزيادةَ وإلا رجعَ بالباقي، وأظهرَ له السلطانُ فسادَ القبضِ حتى يَمتنعَ مِنْ القبضِ وهم مِنْ الدفعِ، فإنْ دفعوا بعدَ إظهارِ ذلك لهم لَم يَبرؤوا منه.
القسمُ الثالثُ: أنْ يُقطِعَه مدةَ حياتِه، ففي صحتِه قَولانِ، أحدُهما: يَصحُّ إذا قيلَ إنَّ حدوثَ زمانتِه لا يَقتضي سقوطَ رزقِه، وهو الأصحُّ اه حاصلُ كلامِ الماورديِّ، وإذا تَقررَ عُدْنا إلى مسألتِنَا فنقولُ:
كلامُ النوويِّ في فتاويه يَدلُّ على صحةِ الإِقطاعِ الواقعِ في هذا الزمانِ؛ لأنَّ صحةَ إجارتِه فرعُ صحتِه، وقد مرَّ كلامُ الأذرعيِّ، وما نقلَه فيه مِنْ الصحةِ الموافقةِ لِمَا أفتى به النَّوويُّ فهو الأصحُّ المعمولُ به، وقد كانَ التقيُّ ابنُ قاضي شهبةَ يُفتِي به، ولا فرقَ بينَ طولِ المدَّةِ وقصرِها، لكنْ إذا خرجَ الإِقطاعُ عنه انفسختِ الإجارةُ (١).
стр. 7170
إِقطاعُ ما مُلكَ بالإِحياءِ:
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأما الإِقطاعُ فهو جائزٌ للإمام فيما لا ملكَ عليه لأحدٍ مِنْ مَواتِ الأرضِ يُقطِعُه مَنْ رَآه مِنْ أهلِ الغنى والنفعِ للمُسلِمينَ بنفسِه أو عملِه، وهو كالفيءِ يَضعُه حيثُ رَآه فيما هو للمُسلِمينَ أعمُّ نفعًا، ويَنبغي أنْ يَكونَ ذلك على قدرِ ما يَقومُ به المَرءُ وعمَّالُه …
ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّ الإمامَ لا يَجوزُ له إِقطاعُ ما قد مُلكَ بإحياءٍ أو غيرِهِ مما يَصحُّ به الملكُ، ومَسارحُ القومِ التي لا غِنى لهم عنها لإِبلِهم ومَواشِيهم لا يَجوزُ للإمامِ أنْ يُقطِعَها أحدًا؛ لأنَّها تَجري مَجرى الملكِ المُعيَّنِ، ألا تَرى أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لمَّا أقطَعَ الدَّهناءَ رَجلًا قالَتْ له قَيلةُ: يا رَسولَ اللهِ ﷺ إنَّه مُقيَّدَ إِبلِ بَني تَميمٍ وهذه نِساءُ بَني تَميمٍ مِنْ وراءِ ذلك فارتجَعَه رَسولُ اللهِ ﷺ (١)(٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ حزمٍ ﵀: واتَّفَقوا أنَّ مَنْ ملَكَ أرضًا مُحياةً ليسَت مَعدِنًا فليسَ للإمامِ أنْ يَنتزعَها منه ولا أنْ يُقطِعَها غيرَه (٣).
وقالَ الماوَرديُّ وأَبو يَعلى -رحمهما الله-: لا يَصحُّ إِقطاعُ مَملوكٍ تعيَّنَ مالِكوه (٤).
стр. 7171
النوعُ الثانِي: إِقطاعُ الإرفاقِ:
إِقطاعُ الإِرفاقِ: هو أنْ يُقطِعَ الإمامُ أو نائبُه مِنْ إِنسانٍ مَوضعًا مِنْ مَقاعدِ الأَسواقِ والطَّريقِ الواسعةِ ليَجلسَ فيه للبَيعِ والشِّراءِ (١).
ويُسمَّى أيضًا: إِقطاعَ الإِمتاعِ أو الانتِفاعِ.
أجازَ جُمهورُ الفَقهاءِ الشافِعيةِ والحَنابلةِ وغيرُهم للإمامِ أنْ يُقطِعَ إِقطاعَ إِرفاقٍ، مثلُ أنْ يُقطِعَ مَقاعدَ السُّوقِ والطُّرقِ الواسِعةِ ورحبِ المَساجدِ، وإذا أقطَعَه الإمامُ شيئًا مِنْ ذلك صارَ أحقَّ به مِنْ غيرِه.
قالَ الشافِعيةُ: يَجوزُ إِقطاعُ مَقاعدِ الأَسواقِ والطُّرقِ الواسِعةِ وما بينَ العَمائرِ مِنْ الشَّوارعِ إذا لَم يَكنْ ملكَ أحدٍ ولا يَضُرُّ المارةَ، فإذا أقطعَه الإمامُ شيئًا مِنْ ذلك صارَ أحقَّ به مِنْ غيرِه، فإنْ قامَ عنه ونقلَ رحلَه عنه ثُم رجعَ إليه ووجدَ غيرَه فيه فالأولُ الذي أقطعَه الإمامُ أحقُّ به، وهذا هو الفرقُ في الارتفاقِ بهذه المواضعِ بغيرِ الإِقطاعِ وبالإِقطاعِ.
وليسَ لِلسلطانِ ولا لأحدٍ أنْ يَأخذَ على ذلك عوضًا، سواءٌ جلسَ بإذن السلطانِ أو بغيرِ إذنِه، فإنْ سبقَ أحدٌ إلى ما لَم يُقطِعْه السلطانُ مِنْ ذلك جازَ له الارتفاقُ، فإنْ قامَ عنه بمتاعِه كانَ لغيرِه أنْ يَرتفقَ به.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: المَقاعدُ بالأَسواقِ التي هي طُرقُ المُسلِمينَ كافَّةً، فمَن قعَدَ في مَوضعٍ منها لبيعٍ كانَ أحقَّ به بقَدرِ ما يَصلحُ له، ومتى قامَ
стр. 7172
عنه لَم يَكنْ له أنْ يَمنعَه مِنْ غيرِه، قالَ: وهكذا القومُ مِنْ العَربِ يَحلُّونَ المَوضعَ مِنْ الأرضِ في أَبنيتِهم مِنْ الشَّعرِ وغيرِه ثُم يَنتجِعونَ عنه لا تَكونُ هذه عِمارةً يَملِكونَ بها حيثُ نزَلوا، وكذلك لو بَنَوا خِيامًا؛ لأنَّ الخِيامَ تَجفُّ وتَحولُ تَحويلَ أَبنيةِ الشَّعرِ والفَساطيطِ، وهذا والمَقاعدُ بالسُّوقِ ليسَ بإِحياءِ مَواتٍ (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: الارتِفاقُ بمَقاعدِ الأَسواقِ وأَفنيةِ الشِّوارعِ وحَريمِ الأَمصارِ ومَنازلِ الأَسفارِ أنْ يَجلِسَ فيه الباعةُ وأنْ تُحَطُّ فيه الرِّحالُ، فهذا مُباحٌ قد أقَرَّ رَسولُ اللهِ ﷺ الناسَ عليه بمَكةَ والمَدينةِ، ومكَّنَ الخُلفاءُ الراشِدونَ بعدَه في الأَمصارِ كلِّها فُتوحَها ومُحياها، ولأنَّ حاجةَ الناسِ إلى ذلك ماسَّةٌ وضَرورتُهم إليه داعِيةٌ، فجَرى مَجرى الاستِطراقِ والارِتفاقِ …
فإذا تَقرَّرَ جوازُ الارتِفاقِ بما وصَفْنا فهو على ثَلاثةِ أَضربٍ:
ضَربٌ يَختَصُّ الارتِفاقُ فيه بالصَّحاري والفَلواتِ، وضَربٌ يَختَصُّ الارتِفاقُ فيه بأَقنيةِ المَنازلِ والأَملاكِ، وضَربٌ يَختَصُّ الارتِفاقُ فيه بأَقنيةِ الشَّوارعِ والطُّرقاتِ.
فأما الضربُ الأولُ: وهو ما يَختَصُّ الارتِفاقُ فيه بالصَّحاري والفَلواتِ كمَنازلِ المُسافِرينَ إذا حَلّوا في أَسفارِهم بمَنزلِ استِراحةٍ فلا نظَرَ للإمامِ
стр. 7173
عليهم فيه لبُعدِه عنهم، ويَجوزُ لهم النُّزولُ حيثُ لا يَضرونَ المُجتازَ ولا يَمنعونَ سائلًا، ثُم لهم الماءُ والمَرعى مِنْ غير مَنعٍ ولا حُمى، وهكذا البادِيةُ إذا انتَجعوا أرضًا طلبًا للماءِ والكَلأِ مكَثوا فيها ولم يُزالوا عنها، وليسَ لهم أنْ يَمنعوا غيرَهم مِنْ انتِجاعِها ورَعيِها إلا أنْ يَضيقَ بهم، فيَكونُ السابِقونَ إليها أَولى بها ممن جاءَ بعدَهم، رَوى يُوسفُ بنُ ماهكَ عن أَبيه عن عائِشةَ ﵂ قالَتْ: «قُلتُ: يَا رَسولَ اللَّهِ، ألَا نَبنِي لك بمنًى بِناءً يُظللُكَ مِنْ الشَّمسِ؟ فقالَ: لا، إنَّما هو مناخُ مَنْ سبَقَ إليه» (١)، فلو ضاقَ المَنزلُ عن جَميعِ ما ورَدَ إليه نزَلوا فيه بحَسبِ مَسيرِهم إليه يَترتَّبونَ النُّزولَ كما كانوا مُترتِّبينَ في المَسيرِ، فمَن قصَرَ عنهم عن لُحوقِ المَنزلِ نزَلَ حيثُ بلَغَ، ولو ضاقَ بهم الماءُ فإنْ كانوا لو تَواسَوا به عمَّهم لزِمَهم أنْ يَتواسَوا فيه، ومُنِعوا مِنْ أنْ يَحوزَ بعضُهم أكثرَ مِنْ حاجتِه، وإنْ ضاقَ عن مُواساتِهم فيه كانَ الأَسبقُ إليه أحقَّ بقَدرِ كِفايتِه عنهم، فإنْ غلَبَ عليه المَسبوقُ لَم يَسترجِعْ منه؛ لأنَّه قد ملَكَه بالإِجارةِ بعدَ أنْ كانَ مُباحًا، وإنْ جاءوا إليه على سَواءٍ لَم يَسبِقْ بعضُهم بعضًا وهو يَنقصُ عن كَفايتِهم اقتَرعوا عليه، فأيُّهم قُرعَ كانَ أحقَّ بما يُمسِكُ رَمقَه حتى يَرتويَ الآدَميونَ، وليسَ لمَن قُرعَ منهم أنْ يُقدِّمَ بهائمَه على ارتِواءِ الآدَميينَ، فإذا ارتَوى الآدَميونَ جَميعًا استُؤنفَتِ القُرعةُ
стр. 7174
بينَ البَهائمِ، ولَم يَحملُوا على القُرعةِ المُتقدِّمةِ؛ لأنَّهما جِنسانِ يَختلِفُ حُكمُهما، وهل تُستأنَفُ القُرعةُ على أَعيانِ البَهائمِ أو على أَعيانِ أَربابِها؟ على وَجهينِ …
وأما الضربُ الثانِي: وهو ما يَختَصُّ الارتِفاقُ فيه بأَقنيةِ المَنازلِ والأَملاكِ كمَقاعدِ الباعةِ والسّوقةِ في أَقنيةِ الدُّورِ فيُنظَرُ فيه، فإنْ أضَرَّ ذلك بأَربابِ الدُّورِ مُنعِوا مِنْ الجُلوسِ إلا بإذنِهم، وإنْ لم يَضُرَّ بهم نُظرَ، فإنْ كانَ الجُلوسُ على عَتبةِ الدارِ لَم يَجزْ إلا بإذنِ مالكِ الدارِ، وهو أحقُّ بالإذنِ مِنْ الإمامِ، وإنْ كانَ في فِناءِ الدارِ وحَريمِها الذي لا يَضرُّ بالدارِ ولا بمالِكِها ففيه قَولانِ:
أحدُهما: أنَّه يَجوزُ لهم الجُلوسُ فيه بغيرِ إذنِ مالِكها؛ لأنَّ حَريمَ الدارِ مُرفقٌ عامٌّ كالطريقِ، وليسَ لربِّ الدارِ أنْ يَمنعَ مَنْ جلَسَ ولا يُقدِّمَ عليه غيرَه.
والقولُ الثانِي: أنَّه لا يَجوزُ لهم الجُلوسُ فيه إلا بإذنِ مالكِها؛ لأنَّ مالكَ الدارِ أحقُّ بحَريمِها، ولا يَجوزُ للمالكِ وإنْ كانَ أحقَّ بالإذنِ أنْ يَأخذَ عليه أجرةً كما يَجوزُ أنْ يَأخذَ عليه بانفِرادِه ثمنًا؛ لأنَّه يَقعُ للملكِ وليسَ بملكٍ، فلو كانَ مالكُ الدارِ مَولى عليه لَم يَجزْ لوليِّه أنْ يَأذَنَ في الجُلوسِ فيه؛ لأنَّه غيرُ مُستحَقٌّ في الملكِ ولا مُعاوضٍ عليه ولا مُنتفَعٍ به، وسواءٌ كانَ مالكُ الدارِ مُسلمًا أو ذِميًّا، ولمالكِ الدارِ إذا أَجلسَ رَجلًا أنْ يُقيمَه منه إذا شاءَ ويُقدِّمَ عليه مَنْ يَشاءُ.
стр. 7175
فأما فناءُ المَسجدِ فإنْ كانَ في الجُلوسِ فيهِ إِضرارٌ بأهلِ المَسجدِ مُنعوا منه، وإنْ لَم يَكنْ فيه إِضرارٌ بأهلِ المَسجدِ فهل يَلزمُ استِئذانُ الإمامِ فيه أم لا؟ على وَجهينِ، إنْ قيلَ إنَّ فناءَ الملكِ لا يَلزمُ استِئذانُ ربِّه فيه لَم يَلزمِ استِئذانُ الإمامِ في فِناءِ المَسجدِ، وإذنُ الإمامِ إذنُ اجتِهادٍ في الأَصلحِ، وسَواءٌ في فِناءِ المَسجدِ جِيرانُه والأَباعدُ.
وأما الضَّربُ الثالثُ: وهو ما يَختَصُّ بالارتِفاقِ فيه بأَقنيةِ الشَّوارعِ والطُّرقاتِ أنْ يَجلسَ فيها السّوقةُ بأَمتعتِهم ليَبيعوا ويَشتروا فهذا مُباحٌ؛ لمَا قدَّمْنا مِنْ الدَّليلِ عليه، وللإمامِ أنْ يَنظُرَ فيه، واختَلفَ أَصحابُنا في حُكمِ نَظرِ الإمامِ فيه على وَجهينِ:
أحدُهما: أنَّ نظَرَه فيه مَقصورٌ على كفِّهِم عن التَّعدِّي ومَنعِهم مِنْ الإِضرارِ، وليسَ له أنْ يَمنعَ جالسًا ولا أنْ يُقدِّمَ أحدًا.
والوجهُ الثانِي: أنَّ نَظرَه نَظرُ مُجتهِدٍ فيما يَراه صَلاحًا، مِنْ إِجلاسِ مَنْ يُجلِسُه ومنعِ مَنْ يَمنعُه وتَقديمِ مَنْ يُقدِّمُه، كما يَجتهدُ في أَموالِ بَيتِ المالِ، فإذا أخَذَ الباعةُ مَقاعدَهم في أَقنيةِ الأَسواقِ والطُّرقاتِ رُوعِي في جُلوسِهم ألَّا يَضُرُّوا بمارٍّ ولا يُضيِّقوا على سائلٍ، وليسَ للإمامِ أنْ يَأخذَ منهم أُجرةَ مَقاعدِهم، فلو جلَسَ رَجلٌ بمَتاعِه في مَكانٍ فجاءَ غيرُه لِيُقيمَه منه ويَجلسَ مَكانَه لَم يَجزْ ما كانَ الأولُ جالسًا بمَتاعِه، فلو قامَ ومَتاعُه في المَكانِ فهو على حقِّه فيه ومَنعِ غيرِه منه، فإذا قاموا مِنْ مَقاعدِهم بأَمتعتِهم عندَ دُخولِ اللَّيلِ ثُم غدَوا إليها مِنْ الغدِ كانَ كلُّ مَنْ سبَقَ إلى مَكانٍ أَحقَّ به، ولا يَستحِقُّ العَودَ إلى المَكانِ الذي كانَ فيه وعُرفَ به.
стр. 7176
وقالَ مالكٌ: إذا عُرفَ أَحدُهم بمَكانِه طالَ جُلوسُه فيه فهو أَحقُّ به مِنْ غيرِه؛ لِمَا فيه مِنْ المَصلحةِ بقَطعِ التَّنازعِ ووُقوعِ الاختِلافِ، وهذا عنه صَحيحٌ؛ لقولِه ﷺ : «منًى مناخُ مَنْ سبَقَ»، ولأنَّه لو جُعلَ أَحقَّ به لصارَ في حُكمِ ملكِه، ولحَماه عن غيرِه، فلو تَنازعَ رَجلانِ في مَقعدٍ ولَم يُمكنْهما الجُلوسُ بِناءً على نَظرِ الإمامِ فيه: أحدُهما: يُقرَعُ بينهما، فأيُّهما قُرعَ كانَ به أَحقَّ، وهذا على الوجهِ الذي يَجعَلُ نظَرَ الإمامِ مَقصورًا على مَنعِ الضَّررِ وقَطعِ التَّنازعِ، والوجهُ الثانِي: أنَّ الإمامَ يَجتهدُ رأيَه في إِجلاسِ مَنْ يَرى منهما، وهذا على الوجهِ الذي يَجعلُ نظرَ الإمامِ نظرَ اجتِهادٍ ومَصلحةٍ.
فلو أقطَعَ الإمامُ رَجلًا مَوضعًا مِنْ مَقاعدِ الأَسواقِ لِيَبيعَ فيه متاعَه ففيه وَجهانِ:
أحدُهما: أنَّه أحقُّ بالمَكانِ ما لَم يُسبَقْ إليه، فإنْ سُبِقَ إليه كانَ السابقُ أحقَّ به، وهذا إذا قيلَ إنَّ نَظرَه مَقصورٌ على مَنعِ الضَّررِ.
والوجهُ الثانِي: أنَّه أحقُّ مِنْ السابقِ بذلك المَكانِ، وهذا إذا قيلَ إنَّ نَظرَه اجتِهادٌ في الأَصلحِ، فلو أنَّ رَجلًا ألِفَ مَقعدًا في فِناءِ طَريقٍ حتى تَقادمَ عهدُه فيه وعُرفَ به ففيهِ لأَصحابِنا وَجهانِ:
أحدُهما: يُقرُّ في مَكانِه ما لَم يَسبقْه إليه غيرُه.
والوجهُ الثانِي: أنَّه يُقامُ عنه ويُمنَعُ منه؛ لئلَّا يَصيرَ ذريعةً إلى تَملُّكِه وادِّعائِه، فلو أرادَ رَجلٌ أنْ يَبنيَ في مَقعدٍ مِنْ فِناءِ السُّوقِ بِناءً مُنعَ؛ لأنَّ
стр. 7177
إِحداثَ الأَبنيةِ يُستحقُّ في الأَملاكِ، وأما إذا حلَّقَ الفَقهاءُ في المَساجدِ والجَوامعِ حِلقًا مُنعَ الناسُ مِنْ استِطراقِها والاجتِيازِ فيها؛ لقولِه ﷺ : «لا حِمى إلا في ثَلاثٍ: ثُلةِ البئرِ، وطولِ الفرسِ، وحَلقةِ القومِ»، فلو عُرفَ فَقيهٌ بالجُلوسِ مع أَصحابِه في مَوضعٍ مِنْ الجامعِ لَم يَكنْ له مَنعُ مَنْ سبَقَ إليه، وكانَ السابقُ أحقَّ به، وقالَ مالكٌ: قد صارَ مَنْ عُرفَ بذلك المَوضعِ مِنْ الفَقهاءِ والقُرَّاءِ أحقَّ به، وله مَنعُ مَنْ سبَقَ إليه، وهذا غيرُ صَحيحٍ؛ لقولِه تَعالَى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] واللهُ أَعلمُ بالصَّوابِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فصلٌ في القَطائعِ وهي ضَربانِ:
أحدُهما: إِقطاعُ إِرفاقٍ، وذلك إِقطاعُ مَقاعدِ السُّوقِ والطُّرقِ الواسِعةِ ورِحابِ المَساجدِ التي ذكَرْنا أنَّ للسَّابقِ إليها الجُلوسَ، فللإمامِ إِقطاعُها لمَن يَجلِسُ فيها؛ لأنَّ له في ذلك اجتِهادًا مِنْ حيثُ إنَّه لا يَجوزُ الجُلوسُ إلا فيما لا يَضرُّ بالمارَّةِ، فكانَ للإمامِ أنْ يُجلِسَ فيها مَنْ لا يَرى أنَّه يُتضرَّرُ بجُلوسِه، ولا يَملكَها المُقطَعُ بذلك، بل يَكونُ أحقَّ بالجُلوسِ فيها مِنْ غيرِه بمَنزلةِ السابقِ إليها مِنْ غيرِ إِقطاعٍ سَواءً إلا في شيءٍ واحدٍ، وهو أنَّ السابقَ إذا نقَلَ مَتاعَه عنها فلغيرِه الجُلوسُ فيها؛ لأنَّ استِحقاقَه لها بسَبقِه إليها ومُقامِه فيها، فإذا انتَقلَ عنها زالَ استِحقاقُه؛ لزَوالِ المَعنى الذي استَحقَّ به، وهذا استَحقَّ بإِقطاعِ الإمامِ فلا يَزولُ حقُّه بنَقلِ مَتاعِه ولا يَضرُّه الجُلوسُ
стр. 7178
فيه، وحُكمُه في التَّظليلِ على نَفسِه بما ليسَ بناءً ومَنعِه مِنْ البناءِ ومنعِه إذا طالَ مُقامُه حُكمُ السابقِ على ما أسلَفْناه (١).
وقالَ أيضًا قبلَ ذلك: وما كانَ مِنْ الشَّوارعِ والطُّرقاتِ والرِّحابِ بينَ العُمرانِ فليسَ لأحدٍ إِحياؤُه، سَواءٌ كانَ واسعًا أو ضيِّقًا، وسَواءٌ ضيَّقَ على الناسِ أو لَم يُضيِّقْ؛ لأنَّ ذلك يَشتركُ فيه المُسلِمونَ وتَتعلَّقُ به مَصلحتُهم فأشبَه مَساجدَهم، ويَجوزُ الارتِفاقُ بالقُعودِ في الواسعِ مِنْ ذلك للبيعِ والشِّراءِ على وجهٍ لا يُضيِّقُ على أحدٍ ولا يَضُرُّ بالمارَّةِ؛ لاتِّفاقِ أهلِ الأَمصارِ في جميعِ الأَعصارِ على إِقرارِ الناسِ على ذلك مِنْ غيرِ إِنكارٍ، ولأنَّه ارتِفاقٌ مُباحٌ مِنْ غيرِ إِضرارٍ فلَم يَمنعْ منه كالاجتِيازِ، قالَ أحمدُ في السابقِ إلى دَكاكينِ السُّوقِ غَدوةً فهو له إلى اللَّيلِ، وكانَ هذا في سُوقِ المَدينةِ فيما مَضى، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «منًى مناخُ مَنْ سبَقَ» (٢)، وله أنْ يُظلِّلَ على نفسِه بما لا ضَررَ فيه مِنْ بارِيَّةِ وتابوتٍ وكِساءٍ ونحوِه؛ لأنَّ الحاجةَ تَدعو إليه مِنْ غير مضرَّةٍ فيه، وليسَ له البِناءُ لا دكةً ولا غيرَها؛ لأنَّه يُضيِّقُ على الناسِ ويَعثُرُ به المارةُ باللَّيلِ والضَّريرُ في الليلِ والنهارِ ويَبقى على الدوامِ، فرُبَّما ادَّعى ملكَه بسَببِ ذلك، والسابقُ أحقُّ به ما دامَ
стр. 7179
فيه، فإنْ قامَ وتركَ متاعَه فيه لَم يَجزْ لغيرِه إِزالتُه؛ لأنَّ يدَ الأولِ عليه، وإنْ نقَلَ مَتاعَه كانَ لغيرِه أنْ يَقعدَ فيه؛ لأنَّ يدَه قد زالَت، وإنْ قعَدَ وأطالَ مُنعَ مِنْ ذلك؛ لأنَّه يَصيرُ كالمُتملِّكِ، ويَختَصُّ بنَفعٍ يُساويه غيرُه في استِحقاقِه، ويَحتمَلُ ألَّا يُزالَ لأنَّه سبَقَ إلى ما لَم يَسبقْ إليه مُسلمٌ، وإنِ اسْتَبقَ اثنانِ إليه احتَملَ أنْ يُقرَعَ بينَهما، واحتَملَ أنْ يُقدِّمُ الإمامُ مَنْ يَرى منهما، وإنْ كانَ الجالسُ يُضيِّقُ على المارَّةِ لَم يَحلَّ له الجُلوسُ فيه ولا يَحلُّ للإمامِ تَمكينُه بعِوضٍ ولا غيرِه، قالَ أحمدُ: ما كانَ يَنبغي لنا أنْ نَشتريَ مِنْ هؤلاءِ الذين يَبيعونَ على الطَّريقِ، قالَ القاضِي: هذا مَحمولٌ على أنَّ الطَّريقَ ضَيقٌ أو يَكونَ يُؤذي المارَّةَ لِمَا تقدَّمَ ذِكرُنا له، وقالَ: لا يُعجبُني الطَّحنُ في العُروبِ إذا كانَت في طَريقِ الناسِ -وهي السُّفنُ التي يُطحَنُ فيها في الماءِ الجارِي- إنَّما كُرهَ ذلك؛ لتَضييقِها طَريقَ السُّفنِ المارَّةِ في الماءِ، قالَ أحمدُ: ربَّما غرِقَت السُّفنُ، فأَرى للرَّجلِ أنْ يَتوقَّى الشِّراءَ مما يُطحنُ بها (١).
стр. 7180
فصل في الحِمى
أصلُ الحِمى في اللُّغةِ: المَنعُ مِنْ إِحياءِ المَواتِ؛ لِيتوفَّرَ فيه الكَلأُ فتَرعاهُ المَواشِي.
والحِمى: هو أنْ يَحميَ الرَّجلُ مَوضعًا مِنْ المَواتِ الذي فيه الكَلأُ، يَمنعُ الناسَ مِنْ رَعيِ ما فيها مِنْ الكَلأِ؛ ليَرعَى فيه بَهائمَه، ويَختَصُّ به دونَهم.
أو ما يَحمي الإمامُ مِنْ المَواتِ لمَواشٍ يُعيِّنُها ويَمنعُ سائرَ الناسِ مِنْ الرَّعيِ فيها (١).
وقالَ الباجِيُّ ﵀: هو أنْ يَحميَ الإمامُ مَوضعًا لا يَقعُ فيه التَّضييقُ على الناسِ للحاجةِ العامَّةِ لذلك لماشِيةِ الصَّدقةِ والخَيلِ التي يُحمَلُ عليها (٢).
والحِمى على ثَلاثةِ أَضربٍ: