وقالَ مالكٌ: إذا عُرفَ أَحدُهم بمَكانِه طالَ جُلوسُه فيه فهو أَحقُّ به مِنْ غيرِه؛ لِمَا فيه مِنْ المَصلحةِ بقَطعِ التَّنازعِ ووُقوعِ الاختِلافِ، وهذا عنه صَحيحٌ؛ لقولِه ﷺ : «منًى مناخُ مَنْ سبَقَ»، ولأنَّه لو جُعلَ أَحقَّ به لصارَ في حُكمِ ملكِه، ولحَماه عن غيرِه، فلو تَنازعَ رَجلانِ في مَقعدٍ ولَم يُمكنْهما الجُلوسُ بِناءً على نَظرِ الإمامِ فيه: أحدُهما: يُقرَعُ بينهما، فأيُّهما قُرعَ كانَ به أَحقَّ، وهذا على الوجهِ الذي يَجعَلُ نظَرَ الإمامِ مَقصورًا على مَنعِ الضَّررِ وقَطعِ التَّنازعِ، والوجهُ الثانِي: أنَّ الإمامَ يَجتهدُ رأيَه في إِجلاسِ مَنْ يَرى منهما، وهذا على الوجهِ الذي يَجعلُ نظرَ الإمامِ نظرَ اجتِهادٍ ومَصلحةٍ.
فلو أقطَعَ الإمامُ رَجلًا مَوضعًا مِنْ مَقاعدِ الأَسواقِ لِيَبيعَ فيه متاعَه ففيه وَجهانِ:
أحدُهما: أنَّه أحقُّ بالمَكانِ ما لَم يُسبَقْ إليه، فإنْ سُبِقَ إليه كانَ السابقُ أحقَّ به، وهذا إذا قيلَ إنَّ نَظرَه مَقصورٌ على مَنعِ الضَّررِ.
والوجهُ الثانِي: أنَّه أحقُّ مِنْ السابقِ بذلك المَكانِ، وهذا إذا قيلَ إنَّ نَظرَه اجتِهادٌ في الأَصلحِ، فلو أنَّ رَجلًا ألِفَ مَقعدًا في فِناءِ طَريقٍ حتى تَقادمَ عهدُه فيه وعُرفَ به ففيهِ لأَصحابِنا وَجهانِ:
أحدُهما: يُقرُّ في مَكانِه ما لَم يَسبقْه إليه غيرُه.
والوجهُ الثانِي: أنَّه يُقامُ عنه ويُمنَعُ منه؛ لئلَّا يَصيرَ ذريعةً إلى تَملُّكِه وادِّعائِه، فلو أرادَ رَجلٌ أنْ يَبنيَ في مَقعدٍ مِنْ فِناءِ السُّوقِ بِناءً مُنعَ؛ لأنَّ
стр. 7177
إِحداثَ الأَبنيةِ يُستحقُّ في الأَملاكِ، وأما إذا حلَّقَ الفَقهاءُ في المَساجدِ والجَوامعِ حِلقًا مُنعَ الناسُ مِنْ استِطراقِها والاجتِيازِ فيها؛ لقولِه ﷺ : «لا حِمى إلا في ثَلاثٍ: ثُلةِ البئرِ، وطولِ الفرسِ، وحَلقةِ القومِ»، فلو عُرفَ فَقيهٌ بالجُلوسِ مع أَصحابِه في مَوضعٍ مِنْ الجامعِ لَم يَكنْ له مَنعُ مَنْ سبَقَ إليه، وكانَ السابقُ أحقَّ به، وقالَ مالكٌ: قد صارَ مَنْ عُرفَ بذلك المَوضعِ مِنْ الفَقهاءِ والقُرَّاءِ أحقَّ به، وله مَنعُ مَنْ سبَقَ إليه، وهذا غيرُ صَحيحٍ؛ لقولِه تَعالَى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] واللهُ أَعلمُ بالصَّوابِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فصلٌ في القَطائعِ وهي ضَربانِ:
أحدُهما: إِقطاعُ إِرفاقٍ، وذلك إِقطاعُ مَقاعدِ السُّوقِ والطُّرقِ الواسِعةِ ورِحابِ المَساجدِ التي ذكَرْنا أنَّ للسَّابقِ إليها الجُلوسَ، فللإمامِ إِقطاعُها لمَن يَجلِسُ فيها؛ لأنَّ له في ذلك اجتِهادًا مِنْ حيثُ إنَّه لا يَجوزُ الجُلوسُ إلا فيما لا يَضرُّ بالمارَّةِ، فكانَ للإمامِ أنْ يُجلِسَ فيها مَنْ لا يَرى أنَّه يُتضرَّرُ بجُلوسِه، ولا يَملكَها المُقطَعُ بذلك، بل يَكونُ أحقَّ بالجُلوسِ فيها مِنْ غيرِه بمَنزلةِ السابقِ إليها مِنْ غيرِ إِقطاعٍ سَواءً إلا في شيءٍ واحدٍ، وهو أنَّ السابقَ إذا نقَلَ مَتاعَه عنها فلغيرِه الجُلوسُ فيها؛ لأنَّ استِحقاقَه لها بسَبقِه إليها ومُقامِه فيها، فإذا انتَقلَ عنها زالَ استِحقاقُه؛ لزَوالِ المَعنى الذي استَحقَّ به، وهذا استَحقَّ بإِقطاعِ الإمامِ فلا يَزولُ حقُّه بنَقلِ مَتاعِه ولا يَضرُّه الجُلوسُ
стр. 7178
فيه، وحُكمُه في التَّظليلِ على نَفسِه بما ليسَ بناءً ومَنعِه مِنْ البناءِ ومنعِه إذا طالَ مُقامُه حُكمُ السابقِ على ما أسلَفْناه (١).
وقالَ أيضًا قبلَ ذلك: وما كانَ مِنْ الشَّوارعِ والطُّرقاتِ والرِّحابِ بينَ العُمرانِ فليسَ لأحدٍ إِحياؤُه، سَواءٌ كانَ واسعًا أو ضيِّقًا، وسَواءٌ ضيَّقَ على الناسِ أو لَم يُضيِّقْ؛ لأنَّ ذلك يَشتركُ فيه المُسلِمونَ وتَتعلَّقُ به مَصلحتُهم فأشبَه مَساجدَهم، ويَجوزُ الارتِفاقُ بالقُعودِ في الواسعِ مِنْ ذلك للبيعِ والشِّراءِ على وجهٍ لا يُضيِّقُ على أحدٍ ولا يَضُرُّ بالمارَّةِ؛ لاتِّفاقِ أهلِ الأَمصارِ في جميعِ الأَعصارِ على إِقرارِ الناسِ على ذلك مِنْ غيرِ إِنكارٍ، ولأنَّه ارتِفاقٌ مُباحٌ مِنْ غيرِ إِضرارٍ فلَم يَمنعْ منه كالاجتِيازِ، قالَ أحمدُ في السابقِ إلى دَكاكينِ السُّوقِ غَدوةً فهو له إلى اللَّيلِ، وكانَ هذا في سُوقِ المَدينةِ فيما مَضى، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «منًى مناخُ مَنْ سبَقَ» (٢)، وله أنْ يُظلِّلَ على نفسِه بما لا ضَررَ فيه مِنْ بارِيَّةِ وتابوتٍ وكِساءٍ ونحوِه؛ لأنَّ الحاجةَ تَدعو إليه مِنْ غير مضرَّةٍ فيه، وليسَ له البِناءُ لا دكةً ولا غيرَها؛ لأنَّه يُضيِّقُ على الناسِ ويَعثُرُ به المارةُ باللَّيلِ والضَّريرُ في الليلِ والنهارِ ويَبقى على الدوامِ، فرُبَّما ادَّعى ملكَه بسَببِ ذلك، والسابقُ أحقُّ به ما دامَ
стр. 7179
فيه، فإنْ قامَ وتركَ متاعَه فيه لَم يَجزْ لغيرِه إِزالتُه؛ لأنَّ يدَ الأولِ عليه، وإنْ نقَلَ مَتاعَه كانَ لغيرِه أنْ يَقعدَ فيه؛ لأنَّ يدَه قد زالَت، وإنْ قعَدَ وأطالَ مُنعَ مِنْ ذلك؛ لأنَّه يَصيرُ كالمُتملِّكِ، ويَختَصُّ بنَفعٍ يُساويه غيرُه في استِحقاقِه، ويَحتمَلُ ألَّا يُزالَ لأنَّه سبَقَ إلى ما لَم يَسبقْ إليه مُسلمٌ، وإنِ اسْتَبقَ اثنانِ إليه احتَملَ أنْ يُقرَعَ بينَهما، واحتَملَ أنْ يُقدِّمُ الإمامُ مَنْ يَرى منهما، وإنْ كانَ الجالسُ يُضيِّقُ على المارَّةِ لَم يَحلَّ له الجُلوسُ فيه ولا يَحلُّ للإمامِ تَمكينُه بعِوضٍ ولا غيرِه، قالَ أحمدُ: ما كانَ يَنبغي لنا أنْ نَشتريَ مِنْ هؤلاءِ الذين يَبيعونَ على الطَّريقِ، قالَ القاضِي: هذا مَحمولٌ على أنَّ الطَّريقَ ضَيقٌ أو يَكونَ يُؤذي المارَّةَ لِمَا تقدَّمَ ذِكرُنا له، وقالَ: لا يُعجبُني الطَّحنُ في العُروبِ إذا كانَت في طَريقِ الناسِ -وهي السُّفنُ التي يُطحَنُ فيها في الماءِ الجارِي- إنَّما كُرهَ ذلك؛ لتَضييقِها طَريقَ السُّفنِ المارَّةِ في الماءِ، قالَ أحمدُ: ربَّما غرِقَت السُّفنُ، فأَرى للرَّجلِ أنْ يَتوقَّى الشِّراءَ مما يُطحنُ بها (١).
стр. 7180
فصل في الحِمى
أصلُ الحِمى في اللُّغةِ: المَنعُ مِنْ إِحياءِ المَواتِ؛ لِيتوفَّرَ فيه الكَلأُ فتَرعاهُ المَواشِي.
والحِمى: هو أنْ يَحميَ الرَّجلُ مَوضعًا مِنْ المَواتِ الذي فيه الكَلأُ، يَمنعُ الناسَ مِنْ رَعيِ ما فيها مِنْ الكَلأِ؛ ليَرعَى فيه بَهائمَه، ويَختَصُّ به دونَهم.
أو ما يَحمي الإمامُ مِنْ المَواتِ لمَواشٍ يُعيِّنُها ويَمنعُ سائرَ الناسِ مِنْ الرَّعيِ فيها (١).
وقالَ الباجِيُّ ﵀: هو أنْ يَحميَ الإمامُ مَوضعًا لا يَقعُ فيه التَّضييقُ على الناسِ للحاجةِ العامَّةِ لذلك لماشِيةِ الصَّدقةِ والخَيلِ التي يُحمَلُ عليها (٢).
والحِمى على ثَلاثةِ أَضربٍ:
стр. 7181
الضربُ الأولُ: ما حَماه رَسولُ اللهِ ﷺ -:
اتَّفقَ فَقهاءُ المُسلِمينَ على أنَّ الحِمى كانَ جائزًا للنبيِّ ﷺ فيَحمي لنَفسِه وللمُسلِمينَ؛ لما رواه ابنُ عَباسٍ ﵄ أنَّ الصَّعبَ بنَ جثَّامةَ ﵁ قالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا حِمى إلا للهِ ولرَسولِه». وقالَ: بلَغَنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ حمَى النّقِيعَ، وأَنَّ عُمرَ حمَى الشرفَ والرَّبذةَ (١).
وقد رُوي أنَّه ﷺ وقَفَ على جَبلٍ بالبَقيعِ يُقالُ له «يَعْمُلُ» فصلَّى عليه ثُم قالَ: هذا حِماي. وأشارَ بيدِه إلى البِقاعِ، وهو قدرُ ميلٍ في ستَّةِ أَميالٍ ما بينَ «يَعْمُلَ» إلى ثُلثَينِ، فحَماه لخَيلِ المُسلِمينَ والمُهاجِرينَ، ولأنَّ اجتِهادَ رَسولِ اللهِ ﷺ في أمَّتِه أَمضى، وقَضاؤُه فيهم أَنفذُ، وكانَ ما حِماه لمَصالحِهم أَولى أنْ يَكونَ مَقرًّا مِنْ إِحيائِهم وعِمارتِهم، ولَم يَحمِ النَّبيُّ ﷺ لنَفسِه شيئًا، وإنَّما حَمى للمُسلِمينَ؛ وذلك لِما رُوِيَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَمى النَّقيعَ لخَيلِ المُجاهِدينَ» (٢). والنَّقيعُ: اسمٌ للمَكانِ الذي حَماهُ النَّبيُّ ﷺ (٣).
стр. 7182
الضربُ الثانِي: ما حَماه الخُلفاءُ بعدَه:
وهو إما أنْ يَحمِيَ لِنفسِه أو يَحمِيَ للمُسلِمينَ.
فأما ما حَماه لنَفسِه فلا خِلافَ بينَ المُسلِمينَ على أنَّه لا يَجوزُ، وهو يُفارِقُ حِمى النَّبيِّ ﷺ لنَفسِه؛ لأنَّ صَلاحَه يَعودُ إلى صَلاحِ المُسلِمينَ، ومالُه كانَ يَردُّه في المُسلِمينَ، ففارقَ الأئِمةَ في ذلك، ولأنَّ هذا مِنْ خَصائصِ النَّبيِّ ﷺ أنْ يَحميَ لنَفسِه دونَ الأئِمةِ.
وأما ما حَماه الأئِمةُ بعدَ النَّبيِّ ﷺ للمُسلِمينَ فقد اختَلفَ الفَقهاءُ فيه:
فذهَبَ الشافِعيةُ في مقابلِ الأظهرِ إلى أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَحميَ؛ لروايةِ مجاهدٍ عن ابنِ عَباسٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «المُسلِمونَ شُركاءُ في ثلاثٍ: في الماءِ والكَلأِ والنَّارِ، وثَمنُه حَرامٌ» (١)
ولِما رواه ابنُ عَباسٍ ﵄ أنَّ الصَّعبَ بنَ جثَّامةَ ﵁ قالَ: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا حِمى إلا للهِ ولرَسولِه» (٢) أيْ: ليسَ لأحدٍ أنْ يَحميَ للمُسلِمينَ إلا ما حَماهُ النَّبيُّ ﷺ (٣).
стр. 7183
وذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في الأَظهرِ والحَنابلةِ إلى أنَّه يَجوزُ للإمامِ أنْ يَحميَ للمُسلِمينَ مِنْ المَواتِ مَراعيَ تَرعى فيها خَيلُ المُجاهِدينَ ونَعمُ الجِزيةِ وإِبلُ الصَّدقةِ وضَوالُّ الناسِ التي يَقومُ الإمامُ بحِفظِها وماشِيةُ الضَّعيفِ مِنْ الناسِ على وجهٍ لا يَستضرُّ به مَنْ سِواه مِنْ الناسِ.
ولِما رُويَ أنَّ أَبا بَكرٍ ﵁ حَمى بالرَّبذةِ لإِبلِ الصَّدقةِ، واستَعملَ عليه مَولاه أَبا أُسامةَ وتَولاهُ عليه قُرطُ بنُ مالكٍ، وحَمى عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁ الشرفَ فحَمى منه نحوَ ما حَمى أَبو بَكرٍ ﵁ بالرَّبذةِ.
فرَوى عامرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ عن أَبيه قالَ: «أَتى أَعرابيٌّ مِنْ أهلِ نَجدٍ عُمرَ فقالَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، بلادُنا قاتَلْنا عليها في الجاهليَّةِ وأسلَمْنا عليها في الإِسلامِ، فعلامَ تَحمِيها؟ فأطرقَ عُمرُ ﵁ وجعَلَ يَنفخُ ويَفتلُ شاربَه -وكانَ إذا كرِهَ أمرًا فتَلَ شاربَه ونفَخَ-، فلما رَأى الأَعرابيُّ ما به جعَلَ يُردِّدُ ذلك، فقالَ عُمرُ: المالُ مالُ اللهِ والعِبادُ عِبادُ اللهِ، فلولا ما أَحملُ عليه في سَبيلِ اللهِ ما حمَيْت مِنْ الأرضِ شِبرًا في شبْرٍ» (١).
قالَ مالكٌ: نُبِّئتُ أنَّه كانَ يَحملُ في كلِّ عامٍ على أربَعينَ ألفًا مِنْ الظَّهرِ، وقالَ مَرةً: مِنْ الخَيلِ.
ورَوى زَيدُ بنُ أَسلمَ عن أَبيه أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ ﵁ «استَعملَ مولًى له يُدعَى هنَيًّا على الحِمى، فقالَ: يا هنَيُّ، اضْممْ جناحَكَ عن الناسِ،
стр. 7184
واتَّقِ دعوةَ المظلومِ؛ فإنَّ دعوةَ المَظلومِ مُستجابةٌ، وأدخِلْ ربَّ الصُّريمَةِ ورَبَّ الغُنيمةِ، وإيَّاي ونَعمَ ابنِ عَوفٍ ونَعمَ ابنِ عَفانَ؛ فإنَّهما إنْ تَهلكْ ماشِيتُهما يَرجعانِ إلى نَخلٍ وزَرعٍ، وإنَّ ربَّ الصُّريمَةِ ورَبَّ الغُنيمةِ إنْ تَهلكْ ماشِيتُه يَأتنِي ببَنِيه فيَقولُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ .. يا أميرَ المؤمِنينَ! أفتَاركُهم أنَا -لا أَبا لك-! فالماءُ والكَلأُ أَيسرُ عليَّ مِنْ الذَّهبِ والوَرِقِ، وايمُ اللهِ إنَّهم لَيَرونَ أنَّي قد ظلَمْتُهم، إنَّها لَبلادُهم ومِياهُهم قاتَلوا عليها في الجاهليَّةِ وأسلَموا عليها في الإِسلامِ، والذي نَفسِي بيدِه لَولا المالُ الذي أَحمِلُ عليه في سَبيلِ اللهِ ما حمَيتُ عليهم مِنْ بِلادِهم شبْرًا» (١).
ولأنَّ ما كانَ لمَصالحِ المُسلِمينَ قامَت الأئِمةُ فيه مَقامَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إِنَّ اللَّهَ إذا أطعَمَ نَبيًّا طُعمةً فهي للذي يَقومُ من بعدِه» (٢).
стр. 7185
وأَحيا عُثمانُ ﵁ واشتَهرَ ذلك بينَ أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ فلَم يُنكِرْ عليهم أحدٌ فكانَ إِجماعًا.
ولأنَّ مَنْ ملَكَ الوِلايةَ على بيتِ المالِ ملكَ أنْ يَحميَ المَواتَ، أَصلُه النَّبيُّ ﷺ ولأنَّ ما كانَ للنَّبيِّ ﷺ إِمساكُه لمُؤنةِ بَيتِ المالِ جازَ للإمامِ، كالحَشيشِ النابِتِ في أَراضِي بَيتِ المالِ، ولأنَّ مَنْ جازَ له أنْ يُقطِعَ جازَ له أنْ يَحميَ، أَصلُه النَّبيُّ ﷺ ، ولأنَّ كلَّ تَصرفٍ جازَ للنَّبيِّ ﷺ في مَصالحِ المُسلِمينَ جازَ للإمامِ، أَصلُه الإِقطاعُ.
وأما قولُ النَّبيِّ ﷺ : «المُسلِمونَ شُركاءُ في ثَلاثٍ» فهو عامٌّ خُصَّ منه الحِمى، على أنَّ الحِمى يُشرَكُ فيه المُسلِمونَ؛ لأنَّ نَفعَ الحِمى يَعودُ عليهم كافَّةً مِنْ الفُقراءِ والأَغنياءِ، أما الفُقراءُ فلأنَّه مَرعى صَدقاتِهم، وأما الأَغنياءُ فلخَيلِ المُجاهِدينَ عنهم، فإذا حَماه كانَ لهم، فقد وصَلَ نَفعُه إلى جَماعتِهم، وهذا لا يَمنعُ الشَّركةَ.
وأما قولُه ﷺ : «لا حِمى إلا اللهِ» فمَعناها: لا حِمى إلا على مثلِ ما حَماهُ اللهُ ورَسولُه، للفُقراءِ والمَساكينِ ولمَصالحِ المُسلِمينَ كافَّةً، لا على مِثلِ ما كانوا عليه في الجاهليَّةِ مِنْ تَفرُّدِ العَزيزِ منهم بالحِمى لنَفسِه، كالذي كانَ يَفعلُه كُليبُ بنُ وائلٍ، فإنَّه كانَ يُوافي بكَلبٍ عن نَشازٍ مِنْ الأرضِ ثُم يَستعدِيه ويَحمي ما انتَهى إليه عِواؤُه مِنْ كلِّ الجِهاتِ، ويُشاركُ الناسَ فيما عَداه حتى كانَ ذلك سَببَ قَتلِه.
стр. 7186
وإن كانَ الحِمى يَضرُّ بالمُسلِمينَ كافَّةً وأَغنيائِهم لضِيقِ الكَلأِ عليهم بحِمى أَكثرِ مَواتِهم لَم يَجزْ؛ لأنَّه إنَّما جازَ فيما فيه مِنْ المَصلحةِ لِمَا يَحمي، وليسَ مِنْ المَصلحةِ إِدخالُ الضَّررِ على أَكثرِ الناسِ (١).
حِمى نائبِ الإمامِ ووُلاتِه:
نصَّ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصحِّ أنَّه يَجوزُ لِنائبِ الإمامِ أنْ يَحميَ كالإمامِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: هل يَختَصُّ بالإمامِ الأَعظمِ أم يَجوزُ أيضًا لوُلاتِه في النَّواحِي؟ وَجهانِ: أصحُّهما الثانِي (٢).
وقالَ الحَطابُ ﵀: الذي رَأيتُه في كَلامِ كَثيرٍ مِنْ أَصحابِنا المالِكيةِ أنَّه يَجوزُ للإمامِ أنْ يَحميَ بالشُّروطِ التي تَقدَّمَ ذِكرُها، ولَم يَتكلَّموا على
стр. 7187
نُوّابِه، ولكن مُقتَضى كَلامِ أَهلِ المَذهبِ أنَّ ذلك بحَسبِ عُمومِ الوِلايةِ وخُصوصِها، فإذا عمَّ الإمامُ الوِلايةَ على بَلدٍ لأَميرٍ جازَ له أنْ يَحميَ وأحرَى إذا فوَّضَ إليه النظرَ في أمرِ الحِمى واللهُ أعلمُ (١).
وقالَ الدَّرديرُ ﵀: والاختِصاصُ يَكونُ بحِمى إِمامٍ أو نائبِه المُفوَّضِ له وإنْ لَم يَأذنْ له في خُصوصِ الحِمى، بخِلافِ الإِقطاعِ فإنَّه إنَّما يَفعلُه النائبُ إذا أذِنَ له الإمامُ في خُصوصِه (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ في قولٍ اختارَه الماوَرديُّ إلى عَدمِ الجَوازِ، وأنَّ هذا مُختَصٌّ بالإمامِ الأكبَرِ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فأما أَميرُ البَلدِ ووالِي الإِقليمِ إذا رَأى أنْ يَحميَ لمَصالحِ المُسلِمينَ كالإمامِ فليسَ له ذلك إلا بإذنِ الإمامِ؛ لأنَّ اجتِهادَ الإمامِ أعمُّ، ولكنْ لو أنَّ واليَ الصَّدقاتِ اجتمَعَت معه مَواشِي الصَّدقةِ وقلَّ المَرعى لها وخافَ عليها التَّلفَ إنْ لَم يَحمِ المَواتَ لها فإنْ منَعَ الإمامُ مِنْ الحِمى كانَ والِي الصَّدقاتِ أَولى، وإنْ جوَّزَ الإمامُ الحِمى ففي جَوازِه لوالي الصَّدقاتِ عندَما ذكَرْنا مِنْ حُدوثِ الضَّرورةِ به وَجهانِ:
أحدُهما: يَجوزُ كما يَجوزُ مِنْ غيرِ الضَّرورةِ، فعلى هذا يَتعزَّرُ الحِمى بزَمانِ الضَّرورةِ ولا يَستديمُ بخِلافِ حِمى الإمامِ.
стр. 7188
والوجهُ الثانِي: لا يَجوزُ أنْ يَحميَ؛ لأنَّه ليسَ له أنْ يَرفعَ الضَّررَ عن أَموالِ الفُقراءِ بإِدخالِ الضَّررِ على الأَغنياءِ، ويَكونُ الضَّررُ إنْ كانَ بالفَريقينِ معًا، وهذا أصحُّ الوَجهينِ، واللهُ أعلمُ (١).
الضربُ الثالِثُ: حِمى آحادِ الرَّعيةِ:
لا خِلافَ بينَ فَقهاءِ المُسلِمينَ على أنَّه لا يَجوزُ لأحدٍ مِنْ الرَّعيةِ أو لآحادِ الناسِ أنْ يَحميَ شيئًا مِنْ المَواتِ يَختصُّ به دونَ غيرِه مِنْ المُسلِمينَ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا حِمى إلا للهِ ولرَسولِه» (٢) أيْ أنَّه لا حِمى لأحدٍ يَخصُّ به نَفسَه تَرعى فيه ماشِيتُه دونَ سائرِ الناسِ، وإنَّما هو للهِ ولرَسولِه ولمَن ورِثَ ذلك عنه ﵇ مِنْ الخُلفاءِ بعدَه إذا احتاجَ إلى ذلك لمَصلحةٍ تشمَلُ المُسلِمينَ ومَنفعةٍ تعمُّهم، كما فعَلَ أَبو بَكرٍ وعُمرُ وعُثمانُ لمَّا احتاجوا إلى ذلك (٣).
وأما حِمى الواحدِ مِنْ عَوامِّ المُسلِمينَ فمَحظورٌ وحِماه مُباحٌ؛ لأنَّه إنْ حَمى لنَفسِه فقد تَحكَّمَ وتَعدَّى بمَنعِه، وإنْ حَماه للمُسلِمينَ فليسَ مِنْ أهلِ الوِلايةِ عليهم ولا فيمَن يُؤثرُ اجتِهادُه لهم، وقد رَوى أَبو هانئٍ عن أَبي سَعيدٍ عن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ:
стр. 7189
«لا تُمانِعوا فَضلَ الماءِ ولا فَضلَ الكَلأِ فيُعزَلُ الماءُ ويَجوعُ العيالُ» فلو أنَّ رَجلًا مِنْ عَوامِّ المُسلِمينَ حَمى مَواتًا ومنَعَ الناسَ منه زَمانًا رَعاه وحدَه ثُم ظهَرَ الإمامُ عليه ورفَعَ يدَه عنه ولَم يُغرِّمْ ما رَعاه؛ لأنَّه ليسَ لمالكٍ ولا يُعزِّرُه؛ لأنَّه أحدُ مُستحِقِّيه ونَهاه عن مثلِ تَعدِّيه (١).
أخذُ الإمامِ العِوضَ على الرَّعيِ:
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ويَحرمُ على الإمامِ وغيرِه مِنْ الوُلاةِ أنْ يَأخذَ مِنْ أَصحابِ المَواشِي عِوضًا عن الرَّعيِ في الحِمى أو المَواتِ بلا خِلافٍ (٢).
وقالَ الدَّميريُّ ﵀: وأما الماءُ العِدُّ -أيِ الذي لا يَنقطِعُ كالعَينِ والبئرِ- فيَحرمُ على الإمامِ أنْ يَحميَه لشُربِ خَيلِ الجِهادِ وإبلِ الصَّدقةِ وغيرِها بلا خِلافٍ (٣).
حكمُ الحَشيشِ إذا نبَتَ في أرضٍ مَملوكةٍ:
اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الماءَ والكَلأَ والنارَ شَركةٌ بينَ الناسِ لا يَجوزُ لِأحدٍ أنْ يَمنعَهم منه إذا كانَ في مُباحٍ؛ لقولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «المُسلِمونَ شُركاءُ في ثَلاثٍ: في الماءِ والكَلأِ والنارِ وثَمنُه حَرامٌ» (٤).
стр. 7190
إلا أنَّهم اختَلفوا فيما لو نبَتَ الحَشيشُ في أرضٍ مَملوكةٍ هل يَملكُه صاحبُه بملكِه للأرضِ؟ أم يَجوزُ للغيرِ أنْ يَأخذَه؟
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلفوا في الحَشيشِ إذا نبَتَ في أرضٍ مَملوكةٍ هل يَملكُه صاحبُها بملكِها؟
فقالَ أَبو حَنيفةَ: لا يَملكُه وكلُّ مَنْ أخَذَه فهو له.
وقالَ الشافِعيُّ: يَملكُه بملكِه الأرضَ.
وعن أحمدَ رِوايتانِ، أَظهرُهما كمَذهبِ أَبي حَنيفةَ.
وقالَ مالكٌ: إنْ كانَت الأرضُ مَحوطةً ملَكَها صاحبُها وإنْ كانَت غيرَ مَحوطةٍ لَم يَملكْه.
واختَلفوا فيما يَفضُلُ عن حاجةِ الإِنسانِ وبَهائمِه وزَرعِه مِنْ الماءِ في بئرٍ أو نَهرٍ.
فقالَ مالكٌ: إنْ كانَت البئرُ أو النَّهرُ في البَريةِ فمالكُها أَحقُّ بمِقدارِ حاجتِه منها، وبَذلُ ما فضَلَ مِنْ ذلك واجبٌ عليه، وإنْ كانَت في حائطِه فلا يَلزمُه الفَضلُ إلا أنْ يَكونَ جارُه زرَعَ على بئرٍ فانهَدمَت أو عَينٍ فغارَتْ، فإنَّه يَجبُ عليه بَذلُ الفَضلِ له إلى أنْ يُصلِحَ جارُه بئرَ نَفسِه أو عَينِه، فإنْ تهاوَنَ جارُه بإِصلاحِ ذلك لَم يَلزمْه أنْ يَبذلَ له، وبعدَ البَذلِ له هل يَستحقُّ عِوضَه؟ فيه رِوايتانِ.
стр. 7191
وقالَ أَبو حَنيفةَ وأَصحابُ الشافِعيِّ: يَلزمُه بذلُه للشُّربِ للناسِ والدَّوابِّ مِنْ غيرِ عِوضٍ، ولا يَلزمُ للمَزارعِ، وله أخذُ العِوضِ عنه فيها إلا أنَّه يُستحَبُّ له بَذلُه بغيرِ عِوضٍ.
وعن أحمدَ رِوايتانِ أَظهرُهما: أنَّه يَلزمُه بَذلُه مِنْ غيرِ عِوضٍ للماشِيةِ والسَّفرِ معًا ولا يَحلُّ له مَنعُه.
والرِّوايةُ الأُخرَى كمَذهبِ أَبي حَنيفةَ ومَن وافَقَه مِنْ الشافِعيةِ (١).
стр. 7192
كتاب العارية
стр. 7193
كتاب العارية
تَعريفُ العارِيةِ:
العارِيةُ لغةً: مَأخوذةٌ مِنْ عارَ الشيءُ يَعيرُ إذا ذهَبَ وجاءَ، ومنه قيلِ للبَطالِ: عَيَّارٌ؛ لتَردُّدِه في بَطالتِه (١).
تَعريفُ العارِيةِ اصطِلاحًا:
العارِيةُ في الشَّريعةِ: هي عَينُ مالِ الغيرِ في يدِ الإِنسانِ ليَنتفعَ بها بإذنٍ، ويرُّدها مِنْ غيرِ استِحقاقٍ (٢).
وقد تَعدَّدَت عِباراتُ الفَقهاءِ في تَعريفِ العارِيةِ، وهي تَعريفاتٌ مُتقارِبةٌ في المَعنى:
стр. 7194
فعرَّفَها جُمهورُ الحَنفيةِ بأنَّها: تَمليكُ المَنافعِ بغيرِ عِوضٍ (١).
وعرَّفَها الكَرخيُّ ﵀ بقولِه: هي إِباحةُ الانتِفاعِ بملكِ الغيرِ؛ لأنَّها تَنعقدُ بلفظِ الإِباحةِ، ولا يُشتَرطُ فيها ضَربُ المُدةِ، والنَّهيُ يَعملُ فيه لأنَّ المُعِيرَ يَملكُ النَّهيَ عن الاستِعمالِ ولا يَملكُ المُستَعيرُ إِجارةَ ما استَعارَ مِنْ غيرِه، ولو ملَكَ المَنافعَ لملَكَ إِجارتَها، وكلٌّ مِنْ ذلك يَدلُّ على أنَّها إِباحةٌ.
قالَ المَوصليُّ: والأولُ الصَّحيحُ؛ لأنَّ المُستعِيرَ له أنْ يُعيرَ، ولو كانَت إِباحةً لَمَا ملَكَ ذلك، كمَن أُبيحَ له الطَّعامُ ليسَ له أنْ يُبيحَه إلى غيرِه (٢).
وقالَ المالِكيةُ: العارِيةُ تَمليكُ مَنفعةٍ مُؤقَّتةٍ بلا عِوضٍ (٣).
وقالَ الشافِعيةُ: حَقيقةُ العارِيةِ الشَّرعيةِ: إِباحةُ الانتِفاعِ بما يَحلُّ الانتِفاعُ به معَ بَقاءِ عَينِه (٤).
وقيلَ: إنَّها هِبةُ المَنافعِ معَ استِيفاءِ ملكِ الرَّقبةِ (٥).
وقالَ الحَنابلةُ: العارِيةُ: العَينُ المَأخوذةُ مِنْ مالِكِها أو مالكِ مَنفعتِها أو مَأذونِهما للانتِفاعِ بها مُطلقًا أو زَمنًا مَعلومًا بلا عِوضٍ (٦).
стр. 7195
العارِيةُ: إِباحةُ الانتِفاعِ بعَينٍ مِنْ أَعيانِ المالِ (١).
وقيلَ: هي إِباحةُ مَنافعِ أَعيانٍ يَصحُّ الانتِفاعُ بها معَ بَقاءِ عَينِها.
وقيلَ: هي هِبةُ مَنفعةِ العينِ (٢).
سَببُ تَسميتِها عارِيةً:
اختَلفَ العُلماءُ في سَببِ تَسميةِ العارِيةِ بهذا الاسمِ:
قالَ السَّرخسيُّ ﵀: سُمِّيَت عارِيةً؛ لتَعرِّيها عن العِوضِ، فإنَّها معَ العَريةِ اُشتُقَّت مِنْ شَيءٍ واحدٍ، والعَريةُ العَطيةُ في الثِّمارِ بالتَّمليكِ مِنْ غيرِ عِوضٍ، والعارِيةُ في المَنفعةِ كذلك، ولهذا اختصَّت بما يُمكِنُ الانتِفاعُ بها معَ بَقاءِ عينِها، أو ما يَجوزُ تَمليكُ مَنافعِها بالعِوضِ بعَقدِ الإِجارةِ.
وقيلَ: هي مُشتقَّةٌ مِنْ التَعاورِ وهو التَّناوبُ فكأنَّه يَجعلُ للغيرِ نَوبةً في الانتِفاعِ بملكِه على أنْ تَعودَ النَّوبةُ إليه بالاستِردادِ متى شاءَ، ولهذا كانَت الإِعارةُ في المَكيلِ والمَوزونِ قَرضًا؛ لأنَّه لا يُنتفَعُ بها إلا باستِهلاكِ العَينِ، فلا تَعودُ النَّوبةُ إليه في تلك العَينِ لتَكونَ عارِيةً حِقيقةً، وإنَّما تَعودُ النَّوبةُ إليه في مثلِها، وما يَملكُ الإِنسانُ الانتِفاعَ به على أنْ يَكونَ مثلُه مَضمونًا عليه يَكونُ قَرضًا (٣).
стр. 7196
وقالَ المَوصليُّ ﵀: هي مُشتقَّةٌ مِنْ التَّعاورِ: وهو التَّداولُ والتَّناوبُ، يُقالُ: تَعاونَّا الكَلامَ بينَنا: أي تَداوَلْناه؛ وسُمِّيَ العَقدُ به لأنَّهم يَتداولونَ العَينَ ويَتدافَعونَها مِنْ يدٍ إلى يدٍ، أو مِنْ العَريةِ وهي العَطيةُ، إلا أنَّ العَريةَ اختصَّتْ بالأَعيانِ، والعارِيةُ بالمَنافعِ، وسُمِّيَت به لتَعرِّيه عن العِوضِ (١).
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: مَأخوذةٌ مِنْ التَّعاورِ وهو التَّناوبُ لجَعلِ المالكِ للمُستعِيرِ نَوبةً في الانتِفاعِ (٢).
وقالَ الجَوهريُّ ﵀: كأنَّها مَنسوبةٌ إلى العارِ؛ لأنَّ طَلبَها عارٌ وعَيبٌ، وقيلَ: مُشتقَّةٌ مِنْ التَّعاورِ، مِنْ قولِ العَربِ: اعتوَرا الشيءَ وتَعاوَرُوه وتَعوَّرُوه أي تَداولُوه، ويُقالُ: أَعارَه يُعيرُه واستَعارَه ثَوبًا فأعارَه (٣).
وأُنكِرَ هذا القولُ؛ لأنَّ فِعلَها أمرٌ مَندوبٌ، والمُستَعيرُ إنْ كانَ مُحتاجًا فليسَ عليه عارٌ، والعارُ في المُستقبَحِ شَرعًا وهذه ليسَت كذلك، ولأنَّها لو كانَت مِنْ العارِ لكانَت يائيَّةً، وقيلَ: القومُ يَتعيَّرونَ معَ أنَّهم قالوا يَتعاوَرونَ أيْ: يُعيرُ بعضُهم بعضًا، وأصلُها عليه عَيرَةٌ على وَزنِ فَعلَةٍ، تَحرَّكَتِ الواوُ وانَفتحَ ما قبلَها قُلبَت ألفًا (٤).
стр. 7197
وقالَ الحافظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وتُعقِّبَ بوُقوعِها مِنْ الشارعِ -أيِ النَّبيِّ ﷺ ولا عارَ في فِعلِه، وهذا التعقُّبُ وإنْ كانَ صَحيحًا في نَفسِه لكنَّه لا يَرِدُ على ناقلِ اللُّغةِ، وفِعلُ الشارعِ في مثلِ ذلك لبَيانِ الجَوازِ (١).
مَحاسنُ العارِيةِ:
وأما مَحاسنُ العارِيةِ فهي النِّيابةُ عن اللهِ تَعالَى، فإنَّ المُعيرَ نائبٌ عن اللهِ تَعالَى بإذنِه في إِجابةِ المُضطرِّ، وكذلك مَنْ تَحقَّقَت حاجتُه وقصُرَتْ قُدرتُه لصِغرِ يدِه عن تَملُّكِ العَينِ ببَدلٍ وهو الشِّرى، وعن تَملكِ المَنفعةِ بعِوضٍ بالاستِيجارِ وهو يَحتاجُ إلى الانتِفاعِ، وكلُّ مَنْ أجابَ مُضطرًا في إِزالةِ اضطِرارِه كانَ نائبًا عن اللهِ تَعالَى، وكَفى به شَرفًا أنْ يَكونُ العبدُ نائبًا عن اللهِ تَعالَى، فشرُفَ الخَليفةُ والقاضِي على سائرِ الناسِ لِهذا، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «السُّلطانُ ظلُّ اللهِ في الأرضِ … » الحَديثُ، مِنْ حيثُ إنَّ الناسَ يَنعمونَ في حِمايتِه ويَستَروحونَ برعايتِه، فكذلك المُستَعيرُ يَنتفعُ بالمُستعارِ، والعارِيةُ لا تَكونُ إلا عندَ مُحتاجٍ كالقرضِ، ولذلك زِيد ثَوابُ القَرضِ على ثَوابِ الصَّدقةِ، قالَ النَّبيُّ ﵇: «الصَّدقةُ بعَشرةٍ والقَرضُ بثَمانيةَ عشرَ»؛ لأنَّ القرضَ لا يَقعُ إلا عندَ مُحتاجٍ، والصَّدقةُ قد تُصادِفُ غيرَ مُحتاجٍ، وقد ذمَّ اللهُ تَعالَى أَقوامًا لا يَتصدَّقونَ ولا يُعيّرونَ بقولِه : ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ [الماعون: ٣] إلى أنْ قالَ: ﴿وَيَمْنَعُونَ
стр. 7198
الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧]، فالماعونُ ما هو عَونٌ لأَخيه في حَوائجِه كالفَأسِ والقَدرِ وغيرِ ذلك، فإذا منَعَ هذه الأَشياءَ كانَ هو غايةَ الشحِّ عصَمَنا اللهُ تَعالَى عن سَفسافِ الأُمورِ وشُحِّ الصُّدورِ، وأيضًا فإنَّ النَّبيَّ ﷺ باشرَ الاستِعارةَ، فلو كانَ العارُ في طَلبِ العارِيةِ لَما كانَ باشرَها؛ فإنَّ النَّبيَّ ﵇ مَوصوفٌ بالأَخلاقِ المُهذَّبةِ والمُكرَمةِ والنُّعوتِ المُعظَّمةِ (١).
مَشروعيةُ العارِيةِ:
العارِيةُ عقدٌ مُستحَبٌّ ومَندوبٌ إليه مِنْ الشَّرعِ؛ لِمَا فيه مِنْ قَضاءِ حاجةِ المُسلمِ، وقد ندَبَ الشَّرعُ إليها بقولِه تَعالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وهي مِنْ البِرِّ.
وفسَّرَ جُمهورُ الفَقهاءِ قولَه تَعالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧]. بما يَستعيرُه الجِيرانُ بعضُهم مِنْ بعضٍ كالدلوِ والفَأسِ ونحوِه.
وعن قَتادةَ قالَ: سمِعتُ أَنسًا يَقولُ: «كانَ فزَعٌ بالمَدينةِ، فاستَعارَ النَّبيُّ ﷺ فرسًا مِنْ أَبي طَلحةَ يُقالُ له المَنْدوبُ فركَبَ فلمَّا رجَعَ قالَ: ما رَأينا مِنْ شيءٍ وإنْ وجَدْناه لبَحرًا» (٢).
وعن عبدِ الواحدِ بنِ أَيمنَ قالَ حدَّثَني أَبي قالَ: «دخَلتُ على عائِشةَ ﵂ وعليها دِرعُ قطْرٍ ثمَنُ خَمسةِ دَراهمَ فقالَت: ارفَعْ بصَرَك إلى جاريَتِي انظُرْ إليها، فإنَّها تزْهَى أنْ تَلبَسَه في البَيتِ، وقد كانَ لي منهن
стр. 7199
دِرعٌ على عهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ فما كانَتِ امرَأةٌ تقَيَّنُ بالمَدينَةِ إلا أرسَلَت إليَّ تَستعِيرُه» (١).
وقولُ النَّبيِّ ﷺ : «العارِيةُ مُؤدَّاةٌ، والمِنحَةُ مَردودَةٌ، والدَّينُ مَقضيٌّ، والزَّعيمُ غارِمٌ» (٢).
وعن أميَّةَ بنِ صَفوانَ بنِ أميَّةَ عن أَبيه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ استَعارَ منه يومَ حُنينٍ أَدراعًا فقالَ: أَغصبًا يا مُحمدُ؟ قالَ: بل عاريَةٌ مَضمونَةٌ. قالَ: فضاعَ بعضُها فعرَضَ عليه رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُضمِّنَها له، قالَ: أنا اليومَ يا رَسولَ اللهِ في الإِسلامِ أرغَبُ» (٣).
وقيلَ: إنَّها كانَت واجبةً في أولِ الإِسلامِ ثُم نُسخَت إلى النَّدبِ، وهو الأصلُ فيها.
وقد تَجبُ العارِيةُ، كإِعارةِ نحوِ ثَوبٍ لدَفعِ حَرٍّ وبَردٍ مُبيحَينِ للتَّيممِ، وكذا وُجوبُ إِعارةِ ما فيه إِحياءُ مُهجةٍ مُحتَرَمةٍ، كمَن خشِيَ عَطشَ حَيوانٍ مُحتَرَمٍ ووجَدَ بِئرًا، ومع غيرِه دلوٌ ورِشاءٌ يُحصِّلُ به الماءُ، وكذا إِعارةُ الحَبلِ لإِنقاذِ الغريقِ ونحوِه.
وقد تَكونُ حَرامًا إذا أَعانَته على مَعصيةٍ، وكمَن أعارَ أَمةً مِنْ أَجنبيٍّ، أو مَكروهةً إذا أَعانَته على مَكروهٍ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ المُسلِمونَ على جَوازِ العارِيةِ واستِحبابِها؛ لأنَّه لَمَّا جازَتْ هِبةُ الأَعيانِ جازَتْ هِبةُ المَنافعِ، ولذلك صحَّتِ الوَصيةُ بالأَعيانِ والمَنافعِ جَميعًا.
إذا ثبَتَ هذا فإنَّ العارِيةَ مَندوبٌ إليها وليسَتْ واجبةً في قولِ أكثرِ أَهلِ العلمِ، وقيلَ: هي واجبةٌ؛ للآيةِ ولِما رَوى أَبو هُريرةَ عن النَّبيِّ ﷺ
стр. 7202
قالَ: «ما مِنْ صاحبِ إبلٍ لا يُؤدِّي حقَّها … » الحَديث، «قيلَ: يا رَسولَ اللهِ وما حقُّها؟ قالَ: إِعارةُ دلوِها، وإِطراقُ فَحلِها، ومِنحةُ لبنِها يومَ وردِها» (١) .. فذمَّ اللهُ تَعالَى مانعَ العارِيةِ وتوعَّدَه رَسولُ اللهِ ﷺ بما ذكَرَ في خبَرِه.
ولنا: قولُ النَّبيِّ ﷺ : «إذا أَدَّيْت زَكاةَ مالكِ فقد قضَيْت ما عليك» (٢). رَواه ابنُ المُنذرِ، ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «ليسَ في المالِ حقٌّ سِوى الزكاةِ» (٣). وفي حَديثِ الأَعرابيِّ الذي سأَلَ رَسولَ اللهِ ﷺ : «ماذا فرَضَ اللهُ عليَّ مِنْ الصَّدقةِ؟ قالَ: الزَّكاةَ. فقالَ: هل عليَّ غيرُها؟ قالَ: لا، إلا أنْ تَطوَّعَ شيئًا» (٤). أو كما قالَ، والآيةُ فسَّرَها ابنُ عُمرَ والحَسنُ البَصريُّ بالزَّكاةِ وكذلك زَيدُ بنُ أَسلمَ، وقالَ عِكرمةُ: إذا جمَعَ ثَلاثتَها فله الوَيلُ إذا سَها عن الصَّلاةِ ورَاءى ومنَعَ الماعونَ (٥).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفقوا على أنَّ العارِيةَ -وهي إِباحةُ المَنافعِ بغيرِ عِوضٍ- جائِزةٌ وقُربةٌ مَندوبٌ إليها، وقد تَكونُ مِنْ الماعونِ، وأنَّ للمُعيرِ ثَوابًا (٦).
وقالَ العُمرانِيُّ ﵀: وأجمَعَ المُسلِمونَ على جَوازِ العارِيةِ (٧).
أَركانُ العارِيةِ:
стр. 7203
أَركانُ العارِيةِ أربَعةٌ: مُعيرٌ ومُستَعيرٌ ومُعارٌ وصِيغةٌ.
الرُّكنُ الأولُ: المُعيرُ:
اشترَطَ الفَقهاءُ في المُعيرِ عِدةَ شُروطٍ، منها:
١ - أنْ يَكونَ مالكًا للتصرُّفِ يَصحُّ منه التَّبرعُ:
شَرطُ المُعيرِ عندَ جُمهورِ الفَقهاءِ أنْ يَكونَ جائزَ التَّصرُّفِ في المالِ شَرعًا يَصحُّ منه التَّبرعُ؛ لأنَّ الإِعارةَ نوعٌ مِنْ التَّبرعِ؛ لأنَّها إِباحةُ مَنفعةٍ، فكلُّ مَنْ يَصحُّ منه التَّبرعُ يَصحُ منه الإِعارةُ؛ لأنَّ الهِبةَ لا تَصحُّ إلا مِنْ جائزِ التَّصرفِ في المالِ فكذلك العارِيةُ، ومَن لا يَصحُّ منه التَّبرعُ فلا يَصحُّ منه الإِعارةُ، فعلى هذا لا تَصحُّ الإِعارةُ مِنْ:
المَجنونِ.
ولا مِنْ الصَّغيرِ غيرِ المُميِّزِ اتِّفاقًا.
ولا مِنْ المَحجورِ عليه لسَفهٍ أو فَلسٍ عندَ جُمهورِ الفَقهاءِ خِلافًا للحَنفيةِ.
ولا مِنْ الصَّغيرِ المَأذونِ له في التِّجارةِ عندَ الجُمهورِ خِلافًا للحَنفيةِ.
وكذا مَنْ حجَرَ عليه المالكُ صَريحًا أو ضِمنًا عندَ المالِكيةِ كما لو قامَتْ قَرينةٌ على ذلك، نحوُ قولِه: لولا أُخوَتُك أو دِيانتُك أو نحوُ ذلك ما أعرْتُك إيَّاه، وخرجَ الفُضوليُّ فإنَّه ليسَ بمالكٍ لشيءٍ (١).
стр. 7204
٢ - أنْ يَكونَ مالكًا للمُعارِ:
اختَلفَ الفَقهاءُ في المُعيرِ هل يُشتَرطُ أنْ يَكونَ مالكًا للمُعارِ ملَكَ ذاتٍ أم تَصحُّ إِعارةُ مَنْ ملَكَ المَنفعةَ ولم يَملِكِ الذاتَ؟ ويَندرِجُ ذلك في مَسائلَ:
المَسألةُ الأَولى: إِعارةُ العينِ المُستأجَرةِ:
اتفَقَ فَقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ على أنَّه لا يُشتَرطُ في المُعيرِ أنْ يَكونَ مالكًا للذاتِ، فتَصحُّ إِعارةُ المُستأجِرِ ما استأجَرَه، فمَن استأجَرَ عينًا جازَ له أنْ يُعيرَها؛ لأنَّ مَنْ ملَكَ شيئًا جازَ له أنْ يُملِّكَه على حَسبِ ما ملَكَ، ولا يَضمَنُ إنْ تَلفَت العَينُ بلا تَعدٍّ ولا تَفريطٍ؛ لأنَّه نائبٌ عن المُستأجِرِ وهو لا يَضمنُ فكذلك نائبُه عندَ الجُمهورِ وهو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيةِ.
وفي قولٍ: يَضمنُ كالمُستَعيرِ مِنْ المالكِ (١).
стр. 7205
المَسألةُ الثانيةُ: إِجارةُ العينِ المُستَعارةِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ إِجارةُ العينِ المُستعارةِ؛ لأنَّ العاريةَ غيرُ لازمةٍ في الأصلِ، والإِجارةُ لازمةٌ، فإنْ آجرَها فتلِفَت ضمِنَ؛ لأنَّه صارَ غاصبًا لتعدِّيه، ولأنَّ الإِعارةَ دونَ الإِجارةِ، والشيءُ لا يَتضمَّنُ ما فوقَه، ولأنَّ مُقتضَى العارِيةِ الرُّجوعُ، وتعلُّقُّ حقُّ المُستأجِرِ بها يَمنعُ ذلك، فلهذا لَم يَجزْ.
قالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّه لا يَجوزُ للمُستَعيرِ أنْ يُؤجِّرَ ما استَعاره (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وليسَ له- أيْ للمُستَعيرِ- أنْ يُؤجِّرَه؛ لأنَّه لَم يَملِكِ المَنافعَ فلا يَصحُّ أنْ يَملِّكَها، ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا (٢).
قالَ الحَنفيةُ: لا تَجوزُ إِجارةُ العارِيةِ ولا رَهنُها، فإنْ آجرَها المُستَعيرُ ضمِنَ حينَ سلَّمَها لأنَّه صارَ غاصبًا بتَعدِّيه، وإنْ شاءَ المُعيرُ ضمَّنَ المُستأجِرَ لأنَّه قبَضَها بغيرِ إذنِ المالكِ، ثُم إنْ ضمَّنَ المُستَعيرُ لا يَرجعُ على المُستأجِرِ؛ لأنَّه ظهَرَ أنَّه آجرَ ملكَه، وإنْ ضمَّنَ المُستأجِرَ رجَعَ على المُؤجرِ إذا لَم يَعلمْ أنَّه عاريةٌ في يدِه دفعًا لضَررِ الغُرورِ، بخِلافِ ما إذا علِمَ (٣).
стр. 7206
وقالَ الشافِعيةُ: وإنِ استَعارَ عَينًا مُدةً، فأجَّرَها المُستَعيرُ تلك المدةَ لَم تَصحَّ الإِجارةُ؛ لأنَّ الإِجارةَ مُعاوَضةٌ فلا تَصحُّ إلا فيما يَملكُه، والمُستَعيرُ لا يَملكُ المَنافعَ وإنَّما هي ملكٌ لمالكِ العَينِ، وقد أباحَ له إِتلافَها فلا يَملكُ أنْ يُملِّكَ ذلك غيرَه (١).
وقالَ الحَنابلةُ: فإنْ أجَّرَ المُستَعيرُ العَينَ المُستَعارةَ فتلِفَت ضمِنَها، ولو أجَّرَها لجاهلٍ بالحالِ فيَستقرُّ على المُستأجِرِ ضَمانُ المَنفعةِ وعلى المُستعيرِ ضَمانُ العينِ (٢).
وقد حَكى المِرداويُّ ﵀ قولًا أنَّه يَجوزُ إِجارةُ العينِ المُستَعارةِ إذا كانَتِ العارِيةُ مُؤقَّتةً، قالَ: وقيلَ له ذلك في الإِعارةِ المُؤقَّتةِ.
ومتى قُلنا بصِحَّتِها فإنَّ المُستأجِرَ لا يَضمنُ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ (٣).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ أعارَه شيئًا وأذِنَ له في إِجارتِه مدةً مَعلومةً أو في إِعارتِه مُطلقًا أو مدةً جازَ؛ لأنَّ الحقَّ لمالِكِه فجازَ ما أذِنَ فيه، وليسَ له الرُّجوعُ بعدَ عقدِ الإِجارةِ حتى يَنقضيَ؛ لأنَّ عقدَ الإِجارةِ لازمٌ، وتَكونُ العينُ مَضمونةً على المُستعيرِ غيرَ مَضمونةٍ على المُستأجرِ؛ لأنَّ عقدَ
стр. 7207
الإِجارةِ لا يُوجِبُ ضَمانًا، وإنْ أجَّرَه بغيرِ إذنٍ لَم تَصحَّ الإِجارةُ، ويَكونُ على المُستأجِرِ الضَّمانُ وللمالكِ تَضمينُ مَنْ شاءَ منهما (١).
المَسألةُ الثالثةُ: إِعارةُ العينِ المُستَعارةِ:
اختَلفَ الفَقهاءُ في المُستَعيرِ هل يَجوزُ له أنْ يُعيرَ ما استَعارَه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الصَّحيحِ إلى أنَّه يَجوزُ للمُستعيرِ أنْ يُعيرَ ما استَعارَه كما يَجوزُ للمُستأجِرِ أنْ يُعيرَ ما استَأجرَه إلا أنْ يَنهاه ربُّها عن الإِعارةِ (٢).
قالَ الحَنفيةُ: يَجوزُ للمُستعيرِ أنْ يُعيرَه إذا كانَ لا يَختلفُ باختِلافِ المُستعملِ؛ لأنَّ العارِيةَ تَمليكُ المَنافعِ، وإذا كانَت تَمليكًا فمَن ملَكَ شيئًا جازَ له أنْ يُملِّكَه على حَسبِ ما ملَكَ، وإنَّما شرَطَ ألَّا يَختلِفَ باختِلافِ المُستعمَلِ دَفعًا لمَزيدِ الضَّررِ عن المُعيرِ؛ لأنَّه رضِيَ باستِعمالِه لا باستِعمالِ غيرِه.
وإنَّما يَجوزُ له أنْ يُعيرَ إذا صدَرْت مُطلَقةً بأنِ استَعارَ دابَّةً ولَم يسمِّ له شيئًا، فإنَّ له أنْ يَحملَ ويُعيرَ غيرَه للحملِ، وله أنْ يَركبَ ويُركِبَ غيرَه؛ لأنَّه لمَّا أطلَقَ فله أنْ يُعيرَ حتى لو ركِبَ بنفسِه ليسَ له أنْ يُركبَ غيرَه؛
стр. 7208
لأنَّه تعيَّنَ رُكوبُه، ولو أركَبَ غيرَه ليسَ له أنْ يَركبَ بنفسِه حتى لو فعَلَه ضمِنَ؛ لأنَّه قد تَعيَّنَ الإِركابُ، فأما إذا استَعارَها ليَركبَها هو أو استَعارَ ثَوبًا ليَلبسَه هو فأَركبَها غيرَه أو أَلبسَه غيرَه فتلِفَ ضمِنَ؛ لأنَّها مُقيَّدَةٌ هنا برُكوبِه ولبسِه، وإنِ استَعارَ دارًا ليَسكنَها هو فأَعارَها غيرَه فسكَنَها لَم يَضمنْ؛ لأنَّ الدّورَ لا تَختلِفُ باختلافِ المُستَعملِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ للمُستعيرِ أنْ يُعيرَ؛ لأنَّه غيرُ مالكٍ للمَنفعةِ وإنَّما أُبيحَ له الانتِفاعُ، والمُستبيحُ لا يَملِكُ نقَلَ الإِباحةِ، كما أنَّ الضيفَ لا يُبيحُ لغيرِه ما قُدِّمَ له، ويُخالِفُ المُستأجِرَ فإنَّه يَملِكُ المَنافعَ فلذلك جازَ أنْ يُملِّكها غيرَه، كمَن اشتَرى شيئًا فله أنْ يَتصرَّفَ فيه بما شاءَ.
قالَ الحَنابلةُ: فإنْ أعارَ المُستَعيرُ بلا إذنٍ فتلِفَت العارِيةُ عندَ الثانِي فللمالكِ ربِّ العَينِ أنْ يُضمِّنَ أيَّهما شاءَ، القِيمةَ والمَنفعةَ، أما الأولُ فلأنَّه سلَّطَ غيرَه على أخذِ مالِ غيرِه بغيرِ إذنِه أشبهَ ما لو سلَّطَ على مالِ غيرِه دابةً فأكلَتْه، وأما الثانِي فلأنَّ العينَ والمَنفعةَ فاتا على مالكِهما في يدِه، والقَرارُ في ضَمانِهما على الثانِي؛ لأنَّه المُستوفِي للمَنفعةِ بدونِ إذنِ المالكِ، وتَلفُ العَينِ إنَّما حصَلَ تحتَ يدِه، ومحلُّ ذلك إذا كانَ الثانِي عالمًا بالحالِ، وكذا
стр. 7209
لو أجَّرَها بلا إذنِه، وإنْ لَم يَكنِ الثانِي عالمًا بالحالِ استَقرَّ عليه ضَمانُ العَينِ؛ لأنَّه قبَضَها على أنَّها عارِيةٌ والعارِيةُ مَضمونةٌ، ويَستقِرُّ ضَمانُ المَنفعةِ على المُستَعيرِ الأولِ؛ لأنَّه غرَّ الثانِي بدفعِها له على أنَّه يَستَوفي بغيرِ عِوضٍ، وعَكسُ ذلك لو أجَّرَها لجاهلٍ بالحالِ فيَستقِرُّ على المُستأجِرِ ضَمانُ المَنفعةِ وعلى المُستَعيرِ ضَمانُ العَينِ (١).
إلا إذا أذِنَ له مالكُها في الإِعارةِ فيَجوزُ اتِّفاقًا.
قالَ الشافِعيةُ: فإنْ سَمَّى صاحبُها المُستَعيرَ الثانِي برِئَ الأولُ منها ولا رُجوعَ له فيها، وإنْ ردَّها الثانِي عليه لَم يَبرَأْ، بل هو كالوَكيلِ في الإِعارةِ، فإنْ لم يُسمِّه فالأولُ على استِعارتِه والثانِي مُستَعيرٌ منه وله الرُّجوعُ متى شاءَ، فإذا ردَّها الثانِي عليه بَرِئَ.
ونصَّ الشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّه يَجوزُ للمُستَعيرِ أنْ يَستَنيبَ مَنْ يَستوفِي المَنفعةَ له، كأَنَ يَركبَ الدَّابةَ المُستعارةَ وَكيلُه -الذي هو مثلُه أو دونَه في حاجتِه- أو زَوجتُه أو خادمُه؛ لأنَّ الانتِفاعَ راجعٌ إليه بواسطةِ المُباشرةِ، ولأنَّ وَكيلَه نائبٌ عنه ويدُه كيدِه (٢).
стр. 7210
المَسألةُ الرابِعةُ: رَهنُ العَينِ المُستَعارةِ:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّه يَجوزُ للإِنسانِ أنْ يَستَعيرَ شيئًا ليَرهنَه؛ لأنَّ الرهنَ تَوثيقٌ، وهو يَحصلُ بما لا يَملكُه بدَليلِ الإِشهادِ والكَفالةِ، ولأنَّ المالكَ رضِيَ بتَعلُّقِ دَينِ المُستَعيرِ بمالِه، وهو يَملِكُ ذلك كما يَملِكُ تَعلُّقَه بذمَّتِه بالكَفالةِ، ولأنَّ الرَّهنَ للاستِيفاءِ، وللمالكِ أنْ يَأذنَ للمُستَعيرِ في إِيفاءِ دينِه، وهذا بإِجماع أهلِ العلمِ، كأَنْ يَستَعيرُ شَخصٌ مِنْ آخرَ عينًا ليَرهنَها في دَينٍ عليه؛ فإنْ وفَّى المُستَعيرُ دَينَه رجَعَت العَينُ المُستَعارةُ لصاحبِها؛ وإلا بِيعَت في الدِّينِ المَرهونةِ بسببِه، ورجَعَ صاحبُها -وهو المُعيرُ- بقِيمةِ العينِ على الذي استَعارَها أو مثلِها إنْ كانَت مِنْ ذَواتِ الأَمثالِ على ما يَأتي بَيانُه.
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ، على أنَّ الرجلَ إذا استَعارَ مِنْ الرَّجلِ شيئًا يَرهنُه على دَنانيرَ مَعلومةٍ عندَ رَجلٍ سمَّاه إلى وقتٍ مَعلومٍ ففعَلَ، أنَّ ذلك جائزٌ (١).
شُروطُ صُحةِ رهنِ المُستعارِ للرهنِ:
إذا أذِنَ المالكُ بالرهنِ فإذنُه بالرهنِ لا يَخلو إما أنْ يَكونَ مُقيَّدًا أو مُطلَقًا.
فإنْ كانَ مُقيَّدًا بأنْ سمَّى قدرًا أو جنسًا أو مكانًا أو إنسانًا يَتقيَّدُ به، فلو أذِنَ أنْ يَرهنَه بجنسٍ لَم يَجزْ له أنْ يَرهنَه بجنسٍ آخرَ؛ لأنَّ قضاءَ الدينِ مِنْ بعضِ الأجناسِ قد يَكونُ أيسرَ مِنْ بعضٍ، فكانَ التقييدُ بالجنسِ مُفيدًا، وكذا
стр. 7211
إذا أذِنَ له أنْ يَرهنَه بالكوفةِ لَم يَجزْ له أنْ يَرهنَه بالبصرةِ؛ لأنَّ التقييدَ بمكانٍ دونَ مكانٍ مُفيدٌ فيَتقيَّدُ بالمكانِ المذكورِ، وكذا إذا أذِنَ له أنْ يَرهنَه مِنْ إنسانٍ بعينِه لَم يَجزْ له أنْ يَرهنَه مِنْ غيرِه؛ لأنَّ الناسَ مُتفاوتونَ في المُعاملاتِ فكانَ التعيينُ مُفيدًا، فإنْ خَالفَ في شيءٍ مما ذكَرْنا فهو ضامنٌ له إذا هلَكَ؛ لأنَّه تصرُّفٌ في ملكِ الغيرِ بغيرِ إذنِه فصارَ غاصبًا، وهذا محلُّ اتفاقٍ بينَ الفَقهاءِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَنبغي أنْ يَذكرَ المُرتَهنَ، والقدرَ الذي يَرهنُه به، وجنسَه، ومدةَ الرهنِ؛ لأنَّ الضررَ يَختلفُ بذلك فاُحتِيجَ إلى ذكرِه كأصلِ الرهنِ، ومتى شرطَ شيئًا مِنْ ذلك فخالفَ ورهنَه بغيرِه لم يَصحَّ الرهنُ؛ لأنَّه لَم يُؤذَنْ له في هذا الرهنِ، فأشبَه مَنْ لَم يَأذنْ في أصلِ الرهنِ، قالَ ابنُ المنذرِ: أجمعَ أهلُ العلمِ على ذلك (١).
لكنَّهم اختلَفُوا فيما لو أذِنَ له أنْ يَرهنَه بعشرةٍ فرهَنَه بأقلَّ.
فقالَ الحَنفيةُ: لا يَصحُّ ولا يَجوزُ له أنْ يَرهنَه بأقلَّ ولا أكثرَ؛ لأنَّ المُتصرِّفَ بإذنِ يَتقيَّدُ تصرُّفُه بقدرِ الإذنِ، والإذنُ لَم يَتناولِ الزيادةَ فلَم يَكنْ له أنْ يَرهنَ بالأكثرِ ولا بالأقلِّ أيضًا؛ لأنَّ المَرهونَ مَضمونٌ والمالكُ إنَّما جعَلَه مضمونًا بالقدرِ، وقد يَكونُ له في ذلك غرضٌ صحيحٌ فكانَ التقييدُ به مفيدًا.
وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: يَصحُّ؛ لأنَّ مَنْ أجازَ له الرهنَ بالأكثرِ أجازَ له الرهنَ بالأقلِّ.
стр. 7212
فإنْ أطلقَ الرهنَ في الإذنِ مِنْ غيرِ تعيينِ شيءٍ مِنْ هذا فاختَلفَ الفَقهاءُ فيه هل يَجوزُ له أنْ يَرهنَه كما يَشاءُ أم لا؟
فقالَ الشافِعيةُ في الأصحِّ والحَنابلةُ في قولٍ: يُشتَرطُ ذكرُ قدرِ الدَّينِ وجنسِه وصفتِه وحلولِه وتأجيلِه والشخصِ المرهونِ عندَه ومدةِ الرهنِ؛ لأنَّ الغرَرَ يَختلفُ بذلك فاُحتيجَ إليه، ولأنَّ هذا بمنزلةِ الضَّمانِ في ذمَّتِه، وضمانُ المَجهولِ لا يَصحُّ.
وقالَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وهو مُقابلُ الأصحِّ عندَ الشافِعيةِ: إنْ كانَ الرهنُ مُطلقًا؛ فللمُستعِيرِ أنْ يَرهنَه بالقليلِ والكثيرِ، وبأيِّ جنسٍ وفي أيِّ مكانٍ ومِن أيِّ إنسانٍ أرادَ؛ لأنَّ العملَ بإطلاقِ اللفظِ أصلٌ، ولأنَّها عاريةٌ فلَم يُشترَطْ لصحَّتِها ذكرُ ذلك، كالعارِيةِ لغيرِ الرهنِ، والدليلُ على أنَّه عاريةٌ أنَّه قبَضَ ملكَ غيرِه لمنفعةِ نفسِه، مُنفرِدًا بها مِنْ غيرِ عوضٍ، فكانَ عاريةً كقبضِه للخدمةِ (١).
ضمانُ العينِ المُستعارةِ للرهنِ:
اختَلفَ الفَقهاءُ في ضمانِ العينِ المُستعارةِ للرهنِ فيما إذا هلَكَت في يدِ المُستعيرِ أو لَم يَقضِ الدينَ فباعَها المُرتهِنُ وأخذَ دينَه منها.
стр. 7213
فقالَ الحَنفيةُ: إنَّ يدَ المُستعيرِ يدُ أمانةٍ فيدُه كَيَدِ المالكِ، فإذا هلَكَت عندَه قبلَ رهنِه أو بعدَ فكِّ الرهنِ لَم يَضمنْ إذا لَم يَتعدَّ أو يُفرِّطْ، كما لو استعارَ عينًا لِيَرهنَها وقد سمَّى له المُعيرُ قدرًا أو جنسًا أو مكانًا أو مُرتهنًا فخالَفَ المُستَعيرُ وهلكَ الرهنُ عندَ المُرتهِنِ فالمُعيرُ بالخيارِ، إنْ شاءَ ضمِنَ المُستَعيرُ ويَتمُّ عقدُ الرهنِ بينَه وبينَ المُرتهِنِ، وإنْ شاءَ ضمِنَ المُرتهنُ ويَرجعُ المُرتهنُ بما ضمِنَ وبالدَيْنِ على الراهنِ.
أما المُرتهِنٍ فيدُه يدُ ضمان، فإذا هلَكَتِ العينُ المُستعارةُ للرهنِ في يدِه صارَ مُستوفِيًا حقِّه ووجبَ للمُعيرِ على المُستعيرِ الراهنِ مثلُ الدَّيْنِ؛ كما سيَأتي.
قالَ في «شرحِ الوقايةِ»: فإنْ خالَفَ المُستَعيرُ وهلَكَ الرهنُ ضمِنَ المُستَعيرُ قيمةَ الرهنِ؛ لأنَّه تصرَّفَ في ملكِ غيرِه على وجهٍ لَم يَأذنْ له فيه فصارَ غاصبًا، وإذا ضمِنَ المُستَعيرُ القيمةَ تمَّ عقدُ الرهنِ بينَه وبينَ المُرتهِنِ؛ لأنَّ المُستعيرَ ملَكَه بأداءِ الضَّمانِ، فتبيَّنَ أنَّه كانَ رهَنَ ملكَ نفسِه، وإنْ شاءَ المُعيرُ ضمِنَ المُرتهنُ، فلا يَتمُّ عقدُ الرهنِ بينَ الراهنِ والمُرتهِنِ، فيَرجعُ المُرتهِنُ على الراهنِ بما ضمِنَ وبالدَّيْنِ، أما بالدَّيْنِ فظاهرٌ، وأما بما ضمِنَ فلأنَّ الراهنَ ورَّطَه في ذلك، وصارَ كما لو ماتَ العبدُ المَرهونُ ثُم استحقَّ وضمِنَ المُستحقُّ المُرتهنُ.
وإنْ وافقَ المُستَعيرُ المُعيرَ، بأنْ رهنَ المُستعارَ فيما سمَّى المُعيرُ وهلَكَ الرهنُ عندَ المُرتهِنِ (فقدر دين)، أيْ: فعلى المُستعيرِ مقدارُ دينٍ
стр. 7214
(أوفاه منه) أيْ مِنْ المُستعارِ، فإنْ كانَت قيمةُ الرهنِ مثلَ الدينِ أو أكثرَ فقد استوفى المُرتهِنُ منه كلَّ الدينِ، فيَضمنُ المُستَعيرُ للمُعيرِ مثلَ الدينِ في الصورتينِ؛ لأنَّ المُستعيرَ قضى دينَه مِنْ مالِ المُعيرِ، ومَن قضى دينَه مِنْ مالِ غيرِه ضمِنَ له قدرَ دينِه، ولا يَضمنُ المُستَعيرُ القيمةَ؛ لأنَّه ليسَ بمتعدٍّ، وإنْ كانَت قيمةُ الرهنِ أقلَّ مِنْ الدَّيْنِ ذهَبَ مِنْ الدَّيْنِ بقدرِ قيمةِ الرهنِ، وعلى الراهنِ للمُرتهِنِ بقيةُ دينِه، وعليه للمُعيرِ قيمةُ الرهنِ؛ لأنَّه قضى قدرَها مِنْ الدَّيْنِ بمالِ المُعيرِ، وكذا إنْ أصابَ الرهنَ عيبٌ نقصَ قيمتَه، ذهَبَ مِنْ الدَّيْنِ بحسابِه، ووجَبَ على الراهنِ مثلُه للمُعيرِ.
ولو هلَكَ المُستعارُ عندَ الراهنِ قبلَ رهنِه أو بعدَ فكِّه لا يَضمنُ الراهنُ؛ لأنَّه لَم يَصرْ به قاضيًا لدَينِه ولا لشيءٍ منه بهذا الهَلاكِ، وقَضاءُ الدَّينِ أو شيءٍ منه بهَلاكِ الرَّهنِ المُستعارِ هو المُوجِبُ لضَمانِه (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في الجُملةِ إلى أنَّ يدَ المُستَعيرِ يدَ ضَمانٍ؛ فإذا هلَكَتْ أو بِيعتْ في فكَّ الرَّهنِ رجَعَ المُعيرُ على المُستَعيرِ وضمَّنَه إيَّاه، كما سيَأتي مُفصَّلًا في حُكمِ ضَمانِ العارِيةِ.
قالَ المالِكيةُ: إنْ وَفى المُستَعيرُ دَينَه رجَعَ الرَّهنُ لصاحبِه المُعيرِ، وإنْ لَم يُوفِّ وبِيعَ الرَّهنُ في الدَّينِ رجَعَ صاحبُه المُعيرُ على المُستَعيرِ بقيمتِه يومَ
стр. 7215
استَعارَه (١)، أو يَرجعُ المُعيرُ على المُستَعيرِ بما أدَّى المُستَعيرُ في دَينِه مِنْ ثَمنِه، أيْ: ثَمنِ الشيءِّ المُعارِ ف «أَوْ» للتَّنويعِ وليسَت للتَّخييرِ.
وضمِنَ المُستَعيرُ -أيْ تعلَّقَ به الضَّمانُ، أيْ إنَّ للمُعيرِ تَضمينَه قيمتَه ولو لَم يَتلفْ لتَعدِّيه وله أَخذُه مِنْ المُرتَهنِ وتَبطلُ العارِيةُ، ولو كانَ مما لا يُغابُ عليه كالعبدِ أو قامَتْ على ضَياعِه بلا تَفريطٍ بينةٌ- إنْ رهَنَه في غيرِ ما أذِنَ له فيه؛ كأَنْ استَعارَه ليَرهنَه في دَينِ عَينٍ فرهِنَه في عَرضٍ أو طَعامٍ، فلربِّه أَخذُه إنْ وجَدَه قائمًا لَم يَتغيَّرْ في ذاتِه عن المُرتَهنِ، وإلَّا يَجدْه قائمًا فقِيمتُه تَلزمُ المُستَعيرَ مُطلقًا ولو كانَ مما لا يُغابُ عليه أو هلَكَ ببَينةٍ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: وإذا استَعارَ شيئًا ليَرهنَه بدَينٍ فتلِفَ في يدِ المُرتَهِنِ بعدَ رهنِه فلا ضَمانَ على المُرتَهنِ بحالٍّ لأنَّه أَمينٌ، ولَم يَسقطِ الحقُّ عن ذمَّةِ الراهنِ، وإنْ تلِفَ في يدِ الراهنِ ضمِنَ لأنَّه الآنَ مُستَعيرٌ (٣).