إذا أذِنَ له أنْ يَرهنَه بالكوفةِ لَم يَجزْ له أنْ يَرهنَه بالبصرةِ؛ لأنَّ التقييدَ بمكانٍ دونَ مكانٍ مُفيدٌ فيَتقيَّدُ بالمكانِ المذكورِ، وكذا إذا أذِنَ له أنْ يَرهنَه مِنْ إنسانٍ بعينِه لَم يَجزْ له أنْ يَرهنَه مِنْ غيرِه؛ لأنَّ الناسَ مُتفاوتونَ في المُعاملاتِ فكانَ التعيينُ مُفيدًا، فإنْ خَالفَ في شيءٍ مما ذكَرْنا فهو ضامنٌ له إذا هلَكَ؛ لأنَّه تصرُّفٌ في ملكِ الغيرِ بغيرِ إذنِه فصارَ غاصبًا، وهذا محلُّ اتفاقٍ بينَ الفَقهاءِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَنبغي أنْ يَذكرَ المُرتَهنَ، والقدرَ الذي يَرهنُه به، وجنسَه، ومدةَ الرهنِ؛ لأنَّ الضررَ يَختلفُ بذلك فاُحتِيجَ إلى ذكرِه كأصلِ الرهنِ، ومتى شرطَ شيئًا مِنْ ذلك فخالفَ ورهنَه بغيرِه لم يَصحَّ الرهنُ؛ لأنَّه لَم يُؤذَنْ له في هذا الرهنِ، فأشبَه مَنْ لَم يَأذنْ في أصلِ الرهنِ، قالَ ابنُ المنذرِ: أجمعَ أهلُ العلمِ على ذلك (١).
لكنَّهم اختلَفُوا فيما لو أذِنَ له أنْ يَرهنَه بعشرةٍ فرهَنَه بأقلَّ.
فقالَ الحَنفيةُ: لا يَصحُّ ولا يَجوزُ له أنْ يَرهنَه بأقلَّ ولا أكثرَ؛ لأنَّ المُتصرِّفَ بإذنِ يَتقيَّدُ تصرُّفُه بقدرِ الإذنِ، والإذنُ لَم يَتناولِ الزيادةَ فلَم يَكنْ له أنْ يَرهنَ بالأكثرِ ولا بالأقلِّ أيضًا؛ لأنَّ المَرهونَ مَضمونٌ والمالكُ إنَّما جعَلَه مضمونًا بالقدرِ، وقد يَكونُ له في ذلك غرضٌ صحيحٌ فكانَ التقييدُ به مفيدًا.
وقالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: يَصحُّ؛ لأنَّ مَنْ أجازَ له الرهنَ بالأكثرِ أجازَ له الرهنَ بالأقلِّ.
стр. 7212
فإنْ أطلقَ الرهنَ في الإذنِ مِنْ غيرِ تعيينِ شيءٍ مِنْ هذا فاختَلفَ الفَقهاءُ فيه هل يَجوزُ له أنْ يَرهنَه كما يَشاءُ أم لا؟
فقالَ الشافِعيةُ في الأصحِّ والحَنابلةُ في قولٍ: يُشتَرطُ ذكرُ قدرِ الدَّينِ وجنسِه وصفتِه وحلولِه وتأجيلِه والشخصِ المرهونِ عندَه ومدةِ الرهنِ؛ لأنَّ الغرَرَ يَختلفُ بذلك فاُحتيجَ إليه، ولأنَّ هذا بمنزلةِ الضَّمانِ في ذمَّتِه، وضمانُ المَجهولِ لا يَصحُّ.
وقالَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وهو مُقابلُ الأصحِّ عندَ الشافِعيةِ: إنْ كانَ الرهنُ مُطلقًا؛ فللمُستعِيرِ أنْ يَرهنَه بالقليلِ والكثيرِ، وبأيِّ جنسٍ وفي أيِّ مكانٍ ومِن أيِّ إنسانٍ أرادَ؛ لأنَّ العملَ بإطلاقِ اللفظِ أصلٌ، ولأنَّها عاريةٌ فلَم يُشترَطْ لصحَّتِها ذكرُ ذلك، كالعارِيةِ لغيرِ الرهنِ، والدليلُ على أنَّه عاريةٌ أنَّه قبَضَ ملكَ غيرِه لمنفعةِ نفسِه، مُنفرِدًا بها مِنْ غيرِ عوضٍ، فكانَ عاريةً كقبضِه للخدمةِ (١).
ضمانُ العينِ المُستعارةِ للرهنِ:
اختَلفَ الفَقهاءُ في ضمانِ العينِ المُستعارةِ للرهنِ فيما إذا هلَكَت في يدِ المُستعيرِ أو لَم يَقضِ الدينَ فباعَها المُرتهِنُ وأخذَ دينَه منها.
стр. 7213
فقالَ الحَنفيةُ: إنَّ يدَ المُستعيرِ يدُ أمانةٍ فيدُه كَيَدِ المالكِ، فإذا هلَكَت عندَه قبلَ رهنِه أو بعدَ فكِّ الرهنِ لَم يَضمنْ إذا لَم يَتعدَّ أو يُفرِّطْ، كما لو استعارَ عينًا لِيَرهنَها وقد سمَّى له المُعيرُ قدرًا أو جنسًا أو مكانًا أو مُرتهنًا فخالَفَ المُستَعيرُ وهلكَ الرهنُ عندَ المُرتهِنِ فالمُعيرُ بالخيارِ، إنْ شاءَ ضمِنَ المُستَعيرُ ويَتمُّ عقدُ الرهنِ بينَه وبينَ المُرتهِنِ، وإنْ شاءَ ضمِنَ المُرتهنُ ويَرجعُ المُرتهنُ بما ضمِنَ وبالدَيْنِ على الراهنِ.
أما المُرتهِنٍ فيدُه يدُ ضمان، فإذا هلَكَتِ العينُ المُستعارةُ للرهنِ في يدِه صارَ مُستوفِيًا حقِّه ووجبَ للمُعيرِ على المُستعيرِ الراهنِ مثلُ الدَّيْنِ؛ كما سيَأتي.
قالَ في «شرحِ الوقايةِ»: فإنْ خالَفَ المُستَعيرُ وهلَكَ الرهنُ ضمِنَ المُستَعيرُ قيمةَ الرهنِ؛ لأنَّه تصرَّفَ في ملكِ غيرِه على وجهٍ لَم يَأذنْ له فيه فصارَ غاصبًا، وإذا ضمِنَ المُستَعيرُ القيمةَ تمَّ عقدُ الرهنِ بينَه وبينَ المُرتهِنِ؛ لأنَّ المُستعيرَ ملَكَه بأداءِ الضَّمانِ، فتبيَّنَ أنَّه كانَ رهَنَ ملكَ نفسِه، وإنْ شاءَ المُعيرُ ضمِنَ المُرتهنُ، فلا يَتمُّ عقدُ الرهنِ بينَ الراهنِ والمُرتهِنِ، فيَرجعُ المُرتهِنُ على الراهنِ بما ضمِنَ وبالدَّيْنِ، أما بالدَّيْنِ فظاهرٌ، وأما بما ضمِنَ فلأنَّ الراهنَ ورَّطَه في ذلك، وصارَ كما لو ماتَ العبدُ المَرهونُ ثُم استحقَّ وضمِنَ المُستحقُّ المُرتهنُ.
وإنْ وافقَ المُستَعيرُ المُعيرَ، بأنْ رهنَ المُستعارَ فيما سمَّى المُعيرُ وهلَكَ الرهنُ عندَ المُرتهِنِ (فقدر دين)، أيْ: فعلى المُستعيرِ مقدارُ دينٍ
стр. 7214
(أوفاه منه) أيْ مِنْ المُستعارِ، فإنْ كانَت قيمةُ الرهنِ مثلَ الدينِ أو أكثرَ فقد استوفى المُرتهِنُ منه كلَّ الدينِ، فيَضمنُ المُستَعيرُ للمُعيرِ مثلَ الدينِ في الصورتينِ؛ لأنَّ المُستعيرَ قضى دينَه مِنْ مالِ المُعيرِ، ومَن قضى دينَه مِنْ مالِ غيرِه ضمِنَ له قدرَ دينِه، ولا يَضمنُ المُستَعيرُ القيمةَ؛ لأنَّه ليسَ بمتعدٍّ، وإنْ كانَت قيمةُ الرهنِ أقلَّ مِنْ الدَّيْنِ ذهَبَ مِنْ الدَّيْنِ بقدرِ قيمةِ الرهنِ، وعلى الراهنِ للمُرتهِنِ بقيةُ دينِه، وعليه للمُعيرِ قيمةُ الرهنِ؛ لأنَّه قضى قدرَها مِنْ الدَّيْنِ بمالِ المُعيرِ، وكذا إنْ أصابَ الرهنَ عيبٌ نقصَ قيمتَه، ذهَبَ مِنْ الدَّيْنِ بحسابِه، ووجَبَ على الراهنِ مثلُه للمُعيرِ.
ولو هلَكَ المُستعارُ عندَ الراهنِ قبلَ رهنِه أو بعدَ فكِّه لا يَضمنُ الراهنُ؛ لأنَّه لَم يَصرْ به قاضيًا لدَينِه ولا لشيءٍ منه بهذا الهَلاكِ، وقَضاءُ الدَّينِ أو شيءٍ منه بهَلاكِ الرَّهنِ المُستعارِ هو المُوجِبُ لضَمانِه (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في الجُملةِ إلى أنَّ يدَ المُستَعيرِ يدَ ضَمانٍ؛ فإذا هلَكَتْ أو بِيعتْ في فكَّ الرَّهنِ رجَعَ المُعيرُ على المُستَعيرِ وضمَّنَه إيَّاه، كما سيَأتي مُفصَّلًا في حُكمِ ضَمانِ العارِيةِ.
قالَ المالِكيةُ: إنْ وَفى المُستَعيرُ دَينَه رجَعَ الرَّهنُ لصاحبِه المُعيرِ، وإنْ لَم يُوفِّ وبِيعَ الرَّهنُ في الدَّينِ رجَعَ صاحبُه المُعيرُ على المُستَعيرِ بقيمتِه يومَ
стр. 7215
استَعارَه (١)، أو يَرجعُ المُعيرُ على المُستَعيرِ بما أدَّى المُستَعيرُ في دَينِه مِنْ ثَمنِه، أيْ: ثَمنِ الشيءِّ المُعارِ ف «أَوْ» للتَّنويعِ وليسَت للتَّخييرِ.
وضمِنَ المُستَعيرُ -أيْ تعلَّقَ به الضَّمانُ، أيْ إنَّ للمُعيرِ تَضمينَه قيمتَه ولو لَم يَتلفْ لتَعدِّيه وله أَخذُه مِنْ المُرتَهنِ وتَبطلُ العارِيةُ، ولو كانَ مما لا يُغابُ عليه كالعبدِ أو قامَتْ على ضَياعِه بلا تَفريطٍ بينةٌ- إنْ رهَنَه في غيرِ ما أذِنَ له فيه؛ كأَنْ استَعارَه ليَرهنَه في دَينِ عَينٍ فرهِنَه في عَرضٍ أو طَعامٍ، فلربِّه أَخذُه إنْ وجَدَه قائمًا لَم يَتغيَّرْ في ذاتِه عن المُرتَهنِ، وإلَّا يَجدْه قائمًا فقِيمتُه تَلزمُ المُستَعيرَ مُطلقًا ولو كانَ مما لا يُغابُ عليه أو هلَكَ ببَينةٍ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: وإذا استَعارَ شيئًا ليَرهنَه بدَينٍ فتلِفَ في يدِ المُرتَهِنِ بعدَ رهنِه فلا ضَمانَ على المُرتَهنِ بحالٍّ لأنَّه أَمينٌ، ولَم يَسقطِ الحقُّ عن ذمَّةِ الراهنِ، وإنْ تلِفَ في يدِ الراهنِ ضمِنَ لأنَّه الآنَ مُستَعيرٌ (٣).
стр. 7216
وقالَ الحَنابلةُ: متى حلَّ الحقُّ فلَم يَقبضْه فللمُرتَهنِ بيعُ الرَّهنِ واستِيفاءُ الدَّينِ مِنْ ثَمنِه، ويَرجعُ المُعيرُ على الراهنِ بالضَّمانِ -وهو قِيمةُ العَينِ المُستَعارةِ أو مثلُها إنْ كانَت مِنْ ذَواتِ الأَمثالِ- ولا يَرجعُ بما بِيعَت به، سَواءٌ بِيعَت بأقلَّ مِنْ القِيمةِ أو أكثرَ في أحدِ الوَجهينِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والصَّحيحُ أنَّها إنْ بِيعَت بأقلَّ مِنْ قِيمتِها رجَعَ بالقِيمةِ؛ لأنَّ العارِيةَ مَضمونةٌ، فيَضمَنُ نقصَ ثمنِها، وإنْ بِيعَت بأكثرَ رجَعَ بما بِيعَت به؛ لأنَّ العبدَ ملكٌ للمُعيرِ فيَكونُ ثمنُه كلُّه له، وكذلك لو أسقَطَ المُرتَهِنُ حقَّه عن الراهنِ رجَعَ الثَّمنُ كلُّه إلى صاحبِه، فإذا قَضى به دَينَ الراهنِ رجَعَ به عليه، ولا يَلزمُ مِنْ وُجوبِ ضَمانِ النَّقصِ ألَّا تَكونَ الزِّيادةُ لصاحبِ العبدِ كما لو كانَ باقيًا بعَينِه.
وإنْ تلِفَ الرَّهنُ ضمِنَه الراهنُ بقيمتِه سَواءٌ تلِفَ بتَفريطٍ أو غيرِ تَفريطٍ، نصَّ على هذا أحمدُ؛ وذلك لأنَّ العارِيةَ مَضمونةٌ (١).
стр. 7217
هل يَحقُّ للمُعيرِ أنْ يَرجعَ فيما أعارَ بعدَ قَبضِ المالكِ للرهنِ؟
قالَ جُمهورُ الفَقهاءِ الشافِعيةِ والحَنابلةِ وغيرِهم: لا يَحقُّ للمالكِ المُعيرِ أنْ يَرجِعَ في الرَّهنِ بعدَ قَبضِ المُرتَهنِ له، ويَجوزُ قبلَ القَبضِ.
قالَ الشافِعيةُ: لا يَحقُّ للمالكِ المُعيرِ أنْ يَرجعَ على المُستَعيرِ فيما أعارَه للرَّهنِ بعدَ قَبضِ المُرتَهِنِ له؛ إذ لو رجَعَ لم يَكنْ لهذا الرَّهنِ معنًى؛ إذ لا وُثوقَ به ولا فائِدةَ منه.
ويَجوزُ الرُّجوعُ فيه قبلَ قبضِه.
وللمُرتَهِنِ حينَئذٍ فسخُ بَيعٍ شُرطَ فيه رَهنٌ، ذلك إنْ جهِلَ الحالَ.
وإذا كانَ الدَّينُ مُؤجَّلًا وقبَضَ المُرتَهِنُ المُعارَ فليسَ للمالكِ إِجبارُ الراهنِ على فكِّه، فإذا حلَّ الدَّينُ أو كانَ حالًّا وأمهَلَه المُرتَهِنُ فللمالكِ ذلك؛ فإنْ طالَبَه وامتَنعَ مِنْ أَداءِ الدَّينِ رُوجِعَ المالكُ للبَيعِ، فقد يُريدُ فِداءَه لأنَّ المالكَ لو رهَنَ عن دَينِ نَفسِه لَوجَبَت مُراجعتُه فهنا أَولى.
وبعدَ ذلك يُباعُ المُعارُ إنْ لَم يُقْضَ الدينُ مِنْ جهةِ المالكِ أو الراهنِ وإنْ لَم يَأذنِ المالكُ، وسَواءٌ أكانَ الراهنُ مُعسرًا أم مُوسرًا؛ كما يُطالبُ الضامنُ في الذِّمةِ مع يَسارِ الأَصيلِ وإِعسارِه.
ثُم يَرجعُ المالكُ على الراهنِ بما بِيعَ به المَرهونُ؛ لانتِفاعِ الراهنِ به في دَينِه، سَواءٌ بِيعَ بقِيمتِه أم بأكثرَ أم أقلَّ بقَدرٍ يَتغابنُ الناسُ بمثلِه، هذا على قولِ الضَّمانِ.
стр. 7218
وأما على قولِ العارِيةِ فيَرجعُ بقِيمتِه إنْ بِيعَ بها أو بأقلَّ وكذا بأكثرَ عندَ الأَكثرينَ؛ لأنَّ العاريةَ بها تُضمَنُ.
وقالَ القاضِي أَبو الطَّيبِ ﵀ وجَماعةٌ: يَرجِعُ بما بِيعَ به لأنَّه ثَمنُ ملكِه، قالَ الرافِعيُّ: وهذا أَحسنُ، زادَ في «الروضة» هذا هو الصَّوابُ.
وإنْ قَضى مِنْ جِهةِ الراهنِ انفَكَّ الرَّهنُ ورجَعَ المالكُ في عَينِ مالِه، فإنْ قَضاه المالكُ انفَكَّ الرَّهنُ ورجَعَ بما دفَعَه على الراهنِ إنْ قَضى بإذنِه، وإلا فلا رُجوعَ له كما لو أدَّى دَينَ غيرِه في غيرِ ذلك.
فإنْ أنكَرَ الراهنُ الإذنَ فشهِدَ به المُرتَهنُ للمُعيرِ قُبلَ لعدمِ التَّهمةِ، ويُصدَّقُ الراهنُ في عدمِ الإذنِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُه.
ولو رهَنَ شَخصٌ شيئًا مِنْ مالِه عن غيرِه بإذنِه صحَّ، ويَرجعُ عليه إنْ بِيعَ بما بِيعَ به، أو بغيرِ إذنِه صحَّ ولَم يَرجعْ عليه بشيءٍ، كنَظيرِه في الضَّمانِ فيهما (١).
وقالَ الحَنابلةُ: ولمُعيرٍ للرَّهنِ أنْ يُكلِّفَ راهنَه فكَّه في مَحلِّ الحقِّ وقبلَه؛ لأنَّ العارِيةَ لا تَلزمُ.
وللمُعيرِ للرَّهنِ الرُّجوعُ في الإذنِ في الرَّهنِ قبلَ إِقباضِه المُرتَهِنَ؛ لأنَّ الرَّهنَ إنَّما يَلزمُ بالقَبضِ.
стр. 7219
أما بعدَ القَبضِ، فلا يَجوزُ له الرُّجوعُ.
وكذا المُؤجِّرُ له الرُّجوعُ إذا أذِنَ للمُستأجِرِ في رهنِه قبلَ إِقباضِه لا المُؤجِّرُ عينًا لمَن يَرهنَها أو يَنتفعُ بها ثُم أَذِنَهُ أنْ يَرهنَها أو أقبَضَها فلا رُجوعَ له قبلَ مُضي مدةِ الإِجارةِ للزُومِها.
ويُباعُ الرهنُ المُستأجَرُ أو المُستَعارُ إنْ لَم يَقْضِ الراهنُ الدينَ، فيَبيعُه الحاكمُ إنْ لَم يَأذنْ ربُّه؛ لأنَّه مُقتَضى عقدِ الرهنِ، فإنْ بِيعَ الرهَّنُ رجَعَ المُؤجِّرُ أو المُعيرُ على الراهنِ بمثلِه في المِثليِّ وإلا بأنْ لَم يَكُنِ الرَّهنُ مِثليًّا رجَعَ به بأكثرِ الأَمرينِ مِنْ قِيمتِه أو ما بِيعَ به؛ لأنَّه إنْ بِيعَ بأقلَّ مِنْ قِيمتِه ضِمنَ الراهنُ النَّقصَ وإنْ بِيعَ بأكثرَ كانَ ثمنَه كلَّه، ويُؤيِّدُه أنْ المُرتَهِنَ لو أسقَطَ حقَّه مِنْ الرَّهنِ رجَعَ الثَّمنُ كلُّه إلى صاحبِه، فإذا قَضى به الراهنُ دينَه رجَعَ به عليه، ولا يَلزمُ مِنْ وُجوبِ ضَمانِ النَّقصِ ألَّا تَكونَ الزِّيادةُ للمالكِ كما لو كانَ باقيًا بعَينِه.
والمَنصوصُ يَرجعُ ربُّه بقِيمتِه لا بما بِيعَ به، سَواءٌ زادَ على القيمةِ أو نقصِ، صحَّحه في «الإنصافِ»، وقالَ: قدَّمه في «الفروع» و «الفائق» و «الرعاية الصغرى» و «الحاويين».
ولو تلِفَ الرهنُ المُؤجَّرُ أو المُستَعارُ بغيرِ تعدٍّ ولا تفريطٍ ضمنَ الراهنُ المُستَعيرُ فقط؛ لأنَّ العاريةَ مَضمونةٌ مُطلقًا دونَ المُؤجَّرِ.
فلا يَضمنُه بلا تَعدٍّ ولا تَفريطٍ.
стр. 7220
وإن فكَّ المُعيرُ أو المُؤجِّرُ الرهنَ وأدَّى الدينَ الذي عليه بإذنِ الراهنِ رجَعَ المُعيرُ أو المُؤجِّرُ بما أداه عنه على الراهنِ.
وإنْ قضاه -أيِ الدينَ، المُؤجِّرُ أو المُعيرُ- مُتبرعًا لَم يَرجعْ بشيءٍ؛ لتَبرعِه به، وكذا إنْ لَم ينوِ تَبرعًا ولا رُجوعًا.
وإنْ قَضاه بغيرِ إذنِه ناويًا الرُّجوعَ عليه رجَعَ لقِيامِه عنه بدَينٍ واجبٍ عليه، فإنْ لَم يَنوِ رُجوعًا لَم يَرجعْ (١)، وقد تقدَّمَت المَسألةُ في «كتابِ العارِيةِ» مِنْ مَوسوعتِنا هذه، وإنَّما ذكَرتُها هنا ثانِيةً لأَهميتِها.
الرُّكنُ الثانِي: المُستَعيرُ:
المُستَعيرُ: هو طالبُ الإِعارةِ، ويُشتَرطُ فيه أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ التَّبرعِ عليه بذلك الشيءِ المُستَعارِ بخُصوصِه، بأنْ يَصحَّ منه قَبولُها هبةً، فلا تَصحُّ لمَن لا عِبارةَ له كالصبيِّ والمَجنونِ والبَهيمةِ، وكذا لا يَجوزُ إِعارةُ المُسلمِ ولا المُصحَفِ للكافرِ، وكذلك لا يَجوزُ إِعارةُ السِّلاحِ لمَن يُقاتلُ بها المُسلِمينَ وما في معنى ذلك مما لازمُه أمرٌ مَمنوعٌ (٢).
стр. 7221
الرُّكنُ الثالثُ: المُعارُ:
هو الشيءُ الذي يُعطيه المُعيرُ للمُستعيرِ للانتِفاعِ به، ويُشتَرطُ في المُعارِ شَرطانِ:
الأولُ: أنْ يَكونَ مما يَنتفعُ به معَ بَقاءِ عينِه؛ لِيُرَدَّ لربِّه بعدَ الانتِفاعِ به، كالدُّورِ والأرضِ والسِّلاحِ والحَيوانِ وما أشبَه ذلك؛ لأنَّ الخبَرَ ورَدَ بإِعارةِ الدلوِ والفَحلِ والدُّروعِ، وهذه الأَشياءُ يُمكنُ الانتِفاعُ بها معَ بقاءِ أَعيانِها، ويُقاسُ عليها أَمثالُها.
وأما ما لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا باستِهلاكِ عينِه كالمَأكولاتِ والشَّمعةِ والسِّراجِ للوَقودِ فلا تَصحُّ إِعارتُه؛ لأنَّ حُكمَ العقدِ ثبَتَ في المَنفعةِ لا في العَينِ، وذلك خارجٌ عن مُقتَضى حكمِ العارِيةِ.
والثانِي: أنْ تَكونَ المَنفعةُ مَباحةً لا مُحرمةً فلا يَصحُّ إِعارةُ الجاريةِ لِلاستِمتاعِ وكذا آلات الطَّبلِ والزَمرِ، وتَجوزُ إِعارةُ كَلبِ صَيدٍ وحَرثٍ وماشِيةٍ وفَحلٍ للضِّرابِ (١).
стр. 7222
الرُّكنُ الرَّابعُ: الصِيغةُ:
الصِّيغةُ هي الرُّكنُ الرابِعُ مِنْ أَركانِ الإِعارةِ، وتَنعقدُ عندَ الجُمهورِ بكلِّ ما يَدلُّ على الإِعارةِ مِنْ لفظٍ أو فعلٍ أو إِشارةٍ، كما نصَّ على ذلك المالِكيةُ.
وقالَ الحَنفيةُ: ركنُ الإِعارةِ هو الإِيجابُ مِنْ المُعيرِ، وأما القَبولُ صَريحًا مِنْ المُستعيرِ فليسَ بركنٍ.
والإِيجابُ هو أنْ يَقولَ: أعرْتُك هذا الشيءَ أو مَنحتُك هذا الثَّوبَ أو هذه الدارَ، أو أَطعمْتُك هذه الأرضَ أو هذه الأرضُ لك طُعمةٌ أو أَخدَمْتُك هذا العبدَ أو هذا العبدُ لك خِدمةٌ، أو حَملتُك على هذه الدابةِ إذا لَم يَنوِ به الهِبةَ، أو دارِي لك سُكنَى أو دارِي لك عُمرِي سُكنَى (١).
وقالَ المالِكيةُ: العارِيةُ تَنعقدُ بما يَدلُّ عليها مِنْ قولٍ ك «أعرتُك» أو «نَعمْ» جَوابًا ل «أعِرْني»، أو فِعلٍ كالمُناولِة، أو إِشارةٍ، وتَكفي المُعاطاةُ فيها فلا يَشتَرطُ فيها صِيغةٌ مَخصوصةٌ كالبيعِ، بل كلُّ ما يَدلُّ على تَمليكِ المَنفعةِ بلا عِوضٍ كافٍ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: لا تَنعقدُ العارِيةُ إلا بالإِيجابِ والقَبولِ مِنْ الناطقِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ كما في هبةِ الأَعيانِ؛ لأنَّ الانتِفاعَ بمالِ الغيرِ
стр. 7223
يَعتَمِدُ إذْنَه كأعرْتُك هذا أو أعرْتُك مَنفعتَه وإنْ لَم يُضِفْه إلى العينِ، أو أعرْني أو خُذْه لِتَنتفعَ به؛ لأنَّ ذلك يَدلُ على الرضا القلبيِّ، فأُنِيطَ الحُكمُ به.
ويَكفي لَفظُ أحدِهما والفعلُ مِنْ الآخرِ: بأنْ يَقولَ: «أَعرْني»، فيُسلِّمها إليه المالكُ، أو يَقولُ المالكُ: «أعرْتُك»، فيَقبضُها الآخرُ، كما في إِباحةِ الطَّعامِ.
ولا يَكفي الفعلُ مِنْ الطَّرفينِ، وقيلَ: يَصحُّ.
وأما الأَخرسُ فتَصحُّ بإِشارتِه المَفهومةِ واستِعارتِه بها وبكِتابتِه، وكذا تَصحُّ بالكِتابةِ مِنْ الناطقِ كالبَيعِ، وأَولى بالمُراسلةِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: وتَنعقِدُ الإِعارةُ بكلِّ قَولٍ أو فِعلٍ يَدلُّ عليها كقولِه: أعرْتُك هذا الشيءَ أو أبحْتُ لك الانتِفاعَ به، أو يَقولُ المُستَعيرُ أعرْني هذا أو أعطِنِيه أركَبُه أو أحْمِلُ عليه، فيُسلِّمُه المُعيرُ إليه، ونحوُه كاسترِحْ على هذه الدابةِ، وكدَفعِه الدابَّةَ لرَفيقِه عندَ تَعبِه وتَغطيتِه بكِسائِه إذا رآه بَرَدَ؛ لأنَّها مِنْ البِرِّ فصحَّت بمُجرِّدِ الدَّفعِ كدَفعِ الصَّدقةِ، ومتى ركِبَ الدابَّةَ أو استَبقَى الكِساءَ عليه كانَ دَفعُ ذلك قَبولًا.
فيَكفي ما دلَّ على الرِّضى مِنْ قَولٍ أو فِعلٍ، كما لو سمِعَ مَنْ يَقولُ: أردْتُ مَنْ يُعيرُني كذا فأَعطاه كذا؛ لأنَّها إِباحةٌ لا عَقدٌ وأَشباه هذا؛ لأنَّه إِباحةٌ للتَّصرُّفِ فصحَّ بالقَولِ والفِعلِ الدالِّ عليه، كإِباحةِ الطَّعامِ بقولِه وتَقديمِه إلى الضَّيفِ (٢).
стр. 7224
حُكمُ ضَمانِ العارِيةِ:
اتَّفقَ الفَقهاءُ على أنَّ المُستَعيرَ إذا تَعدَّى في العارِيةِ بأيِّ نوعٍ مِنْ أَنواعِ التَّعدِّي فإنَّه ضامنٌ لها لتَعدِّيه.
إلا أنَّ الفَقهاءَ اختلَفُوا فيما لو تلِفَت العارِيةُ في يدِ المُستَعيرِ مِنْ غيرِ تَعدٍّ منه ولا تَفريطٍ، هل يَضمنُها أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ العارِيةَ في يدِ المُستَعيرِ مَضمونةٌ، سَواءٌ تَعدَّى فيها أم لَم يَتعدَّ، تلِفَت بتَفريطٍ منه أو لا، وسَواءٌ شرَطَ ضَمانَها أم لا؛ لِمَا رُويَ عن أُميَّةَ بنِ صَفوانَ بنِ أُميَّةَ عن أَبيه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ استَعارَ منه يومَ حُنينٍ أَدراعًا، فقالَ: أَغَصبًا يا مُحمدُ؟ قالَ: بلْ عارِيةٌ مَضمونةٌ. قالَ: فضاعَ بعضُها فعرَضَ عليه رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُضمِّنَها له، قالَ: «أنا اليومَ يا رَسولَ اللهِ في الإِسلامِ أَرغبُ» (١). ولأنَّه مالٌ
يَجبُ ردُّهُ إلى مالكِه فيَضمنُ عندَ تلَفِه كالمُستَأمِنِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «على اليدِ ما أخذَتْ حتى تُؤدِّيَه» (١) ولأنَّه أخَذَ مالَ غيرِه لنَفعِ نَفسِه مُنفردًا بنَفعِه مِنْ غيرِ استِحقاقٍ، ولا إذنٍ في الإِتلافِ، فكانَ مَضمونًا كالغاصبِ والمَأخوذِ على وَجهِ السَّومِ (٢).
стр. 7227
قالَ الشافِعيةُ: كلُّ عارِيةٍ مَضمونةٌ على المُستَعيرِ وإنْ تلِفَت مِنْ غيرِ تَفريطٍ وإنْ شرَطَ نَفيَ الضَّمانِ -للأَدلةِ السابقةِ-، إلا أنَّه إنِ استَعارَ عَينًا فاستَعمَلَها استِعمالًا مَأذونًا فيه فرَدَّها وقد نقَصَ شيءٌ مِنْ أَجزائِها بأنْ كانَ ثَوبًا فرَدَّه وقد رقَّ ونقَصَت قِيمتُه بذلك أو انمحَقَ بالاستِعمالِ بأن تلِفَ بالكليَّةِ لَم يَجبْ عليه ضَمانُ ما نقَصَ؛ لأنَّ الإِذنَ في استِعمالِه تَضمَّنَ الإذنَ في إِتلافِ ذلك منه، هذا على الصَّحيحِ مَنْ المَذهبِ.
وقيلَ يَضمنُ المُنمحِقَ الذي هلَكَ بالكُليةِ دونَ المُنسحِقِ الذي نقَصَ بعضُه بالاستِعمالِ؛ لأنَّ مُقتَضى الإِعارةِ الردُّ ولَم يُوجدْ في المُنمحِقِ فيَضمنُه، بخِلافِ المُنسحِقِ (١).
قالَ الماوَرديُّ ﵀: اتَّفقَ الفَقهاءُ على أنَّ ما تلِفَ مِنْ أَجزائِها بالاستِعمالِ غيرُ مَضمونٍ على المُستَعيرِ (٢).
стр. 7228
وقالَ الحَنابلةُ: العارِيةُ المَقبوضةُ مَضمونةٌ ويَضمنُها بقِيمتِها يومَ التَّلفِ؛ لأنَّه يَتحقَّقُ حينَئذٍ فَواتُ العارِيةِ فوجَبَ اعتِبارُ الضَّمانِ به إنْ كانَت مُتقوِّمةً، وإن كانَت مِثليَّة فضَمانُها بمثلِها؛ لأنَّه أَقربُ إليها مِنْ القِيمةِ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا انتَفعَ بها وردَّها على صِفتِها فلا شيءَ عليه؛ لأنَّ المَنافعِ مَأذونٌ في إِتلافِها فلا يَجبُ عِوضُها، وإنْ تلِفَ شيءٌ مِنْ أَجزائِها التي لا تَذهبُ بالاستِعمالِ فعليه ضَمانُها؛ لأنَّ ما ضُمنَ جُملتُه ضُمنَت أَجزاؤُه كالمَغصوبِ.
وأما أَجزاؤُها التي تَذهبُ بالاستِعمالِ كخَملِ المِنشَفةِ والقَطيفةِ وخفِ الثَّوبِ يَلبسُه ففيه وَجهانِ:
أحدُهما: يَجبُ ضَمانُه؛ لأنَّها أَجزاءُ عَينٍ مَضمونةٍ فكانَت مَضمونةً كما لو كانَت مَغصوبةً، ولأنَّها أَجزاءُ يَجبُ ضَمانُها لو تلِفَت العَينُ قبلَ استِعمالِها فتُضمَنُ إذا تلِفَت وحدَها كسائرِ الأَجزاءِ.
والثانِي: لا يَضمنُها، وهو قولُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ الإذنَ في الاستِعمالِ تَضمَّنَه فلا يَجبُ ضَمانُه كالمَنافعِ، وكما لو أذِنَ في إِتلافِها صَريحًا، وفارقَ إذا تلِفَت العَينُ قبلَ استِعمالِها لأنَّه لا يُمكنُ تَمييزُها مِنْ العَينِ، ولأنَّه إنَّما أذِنَ في إِتلافِها على وجهِ الانتِفاعِ، فإذا تلِفَت العَينُ قبلَ ذلك فقد فاتَت على غيرِ الوَجهِ الذي أُذِنَ فيه فضمِنَها، كما لو أَجَّرَ العَينَ المُستَعارةَ فإنَّه يَضمنُ
стр. 7229
مَنافعَها، فإذا قُلنا: لا يَضمنُ الأَجزاءَ فتلِفَت العينُ بعدَ ذَهابِها بالاستِعمالِ فإنَّها تُقوَّمُ حالَ التَّلفِ؛ لأنَّ الأَجزاءَ التالِفةَ تلِفَت غيرَ مَضمونةٍ؛ لكَونِها مَأذونًا في إِتلافِها فلا يَجوزُ تَقويمُها عليه.
وإنْ قُلنا: يَجبُ ضَمانُ الأَجزاءِ قُوِّمَتِ العينُ قبلَ تَلفِ أَجزائِها، وإنْ تلِفَت العينُ قبلَ ذَهابِ أَجزائِها ضمِنَها كلَّها بأَجزائِها، وكذلك لو تلِفَت الأَجزاءُ باستِعمالٍ غيرِ مَأذونٍ فيه مثلُ أنْ يُعيرَه ثَوبًا ليَلبسَه فحمَلَ فيه تُرابًا، فإنَّه يَضمنُ نَقصَه ومَنافعَه؛ لأنَّه تلِفَ بتَعدِّيه، وإنْ تلِفَ بغيرِ تَعدٍّ منه ولا استِعمالٍ كتَلفِها لطولِ الزَّمانِ عليها ووُقوعِ نارٍ عليها فيَنبغي أنْ يَضمَنَ ما تلِفَ منها بالنارِ ونحوِها؛ لأنَّه تَلفٌ لَم يَتضمَّنْه الاستِعمالُ المَأذونُ فيه فأشبَه تَلفَها بفِعلٍ غيرِ مَأذونٍ فيه، وما تلِفَ بمُرورِ الزَّمانِ عليه يَكونُ حُكمُه حُكمَ ما تلِفَ بالاستِعمالِ؛ لأنَّه تلِفَ بالإِمساكِ المَأذونِ فيه فأشَبَه تَلفَه بالفِعلِ المَأذونِ فيه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ العينَ المُستعارةَ في يدِ المُستعيرِ أمانةٌ لا تُضمَنُ إلا إذا تَعدَّى أو فرَّطَ فيها، واستَدلُّوا على ذلك بما رُويَ مَرفوعًا: «ليسَ على المُستعيرِ غيرُ المُغلِّ ضَمانٌ» (٢)، والمُغِلُّ هو الخائنُ، فقد نَفى الضَّمانَ
стр. 7230
عن المُستَعيرِ عندَ عدمِ الخِيانةِ، والمَعنى فيه أنَّه قبَضَ العَينَ للانتِفاعِ به بإذنٍ صَحيحٍ فلا يَكونُ مَضمونًا عليه كالمُستأجِرِ، وتَأثيرُه أنَّ وُجوبَ الضَّمانِ يَكونُ للجُبرانِ، وذلك لا يَتحقَّقُ إلا بعدَ تَفويتِ شيءٍ على المالكِ، وبالإذنِ الصَّحيحِ يَنعدمُ التَّفويتُ، ألَا تَرى أنَّ القبضَ في كونِه مُوجبًا للضَّمانِ لا يَكونُ فوقَ الإِتلافِ؟ ثُم الإِتلافُ بالإذنِ لا يَكونُ مُوجِبًا للضَّمانِ فالقبضُ أَولى، ولا يَجوزُ أنْ يَجبَ الضَّمانُ هناك باعتِبارِ العقدِ؛ لأنَّ العَقدَ عقدُ تَبرعٍ فلا يَكونُ عَقدَ ضَمانٍ كالهِبةِ.
والدَّليلُ عليه أنَّ ما تَناولَه العَقدُ وهو المَنفعةُ لا يَصيرُ مَضمونًا بهذا العَقدِ، فما لَم يَتناولْه العَقدُ أَولى، ولأنَّ العَقدَ على المَنفعةِ إذا كانَ بعِوضٍ -وهو الإِجارةُ- لا يُوجِبُ ضَمانَ العَينِ، وتَأثيرُ العِوضِ في تَقديرِ حُكمِ ضَمانِ العَقدِ، فإذا كانَ العَقدُ على المَنفعةِ مَقرونًا بالعِوضِ لا يُوجبُ الضَّمانَ فالمُتعرِّي عن العِوضِ كيفَ يُوجبُ الضَّمانَ؟
والدَّليلُ عليه أنَّه لو تلِفَ في الاستِعمالِ لَم يَضمَنْ، ولا يَجوزُ أنْ يُجعَلَ فعلُه كفعلِ المالكِ؛ لأنَّه استَعمَلَ لمَنفعةِ نَفسِه، ولكنْ إنَّما لا يَضمنُ لوُجودِ الإذنِ مِنْ المالكِ في الاستِعمالِ فكذلك للقَبضِ، وإنْ قالَ بحكمِ الإذنِ مِنْ المالكِ في الاستَعمالِ جعَلَ استِعمالُه كاستِعمالِ المالكِ، فبحُكمِ الإذنِ في القَبضِ والإِعطاءِ يَنبغي أنْ يُجعَلَ قَبضُه كقَبضِ المالكِ.
ولأنَّ الضَّمانَ إما أنْ يَجبَ بالعَقدِ أو بالقَبضِ أو بالإِذنِ، وليسَ هنا شيءٌ مِنْ ذلك، أما العَقدُ فلأنَّ اللَّفظَ الذي تَنعقدُ به العارِيةُ لا يُنبئُ عن
стр. 7231
التِزامِ الضَّمانِ؛ لأنَّه تَمليكُ المَنافعِ بغيرِ عِوضٍ أو لإِباحتِها على الاختِلافِ.
وما وُضعَ لتَمليكِ المَنافعِ لا يُتعرَّضُ فيه للعَينِ حتى يُوجَبَ الضَّمانَ عندَ هَلاكِه.
وأما القَبضُ فإنما يُوجِبُ الضَّمانَ إذا وقَعَ بطَريقِ التَّعدِّي، وما هنا ليسَ كذلك؛ لكَونِه مَأذونًا فيه.
وأما الإِذنُ فلأنَّ إِضافةَ الضَّمانِ إليه فَسادٌ في الوَضعِ؛ لأنَّ إذنَ المالكِ في قَبضِ الشيءِ يَنفي الضَّمانَ فكيفَ يُضافُ إليه؟
ولأنَّ الإِتلافَ يَكونُ حَقيقةً ويَكونُ معنًى، فالإِتلافُ حَقيقةً بإِتلافِ العينِ، كعَطبِ الدابَّةِ بتَحميلِها ما لا يَحملُه مثلُها، أو استِعمالُها فيما لا يُستعمَلُ مثلُها فيه، والإِتلافُ معنًى بالمَنعِ بعدَ الطَّلبِ، أو بعدَ انقِضاءِ المُدةِ، أو بجُحودِ الإِعارةِ، أو بتَركِ الحِفظِ، أو بمُخالفةِ الشُّروطِ في استِعمالِها، فلو حبَسَ العارِيةَ بعدَ انقِضاءِ المدةِ يَضمنُ؛ لأنَّها واجِبةُ الردِّ في هاتينِ الحالَتينِ؛ لقولِه ﵇: «العارِيةُ مُؤدَّاةٌ» وقولِه ﵇: «على اليدِ ما أخذَت حتى تردَّه»، ولأنَّ حُكمَ العقدِ انتَهى بانقِضاءِ المُدةِ أو الطَّلبِ، فصارَت العَينُ في يدِه كالمَغصوبِ.
والمَغصوبُ مَضمونُ الردِّ حالَ قِيامِه، ومَضمونُ القِيمةِ حالَ هَلاكِه (١).
стр. 7232
وذهَبَ المالِكيةُ إلى التَّفريقِ بينَ ما يُغيَّبُ عليه ويُمكنُ إِخفاؤُه كالحُليِّ والثِّيابِ فيَضمَنُ، وبينَ ما لا يُغيَّبُ عليه ولا يُمكنُ إِخفاؤُه كالحَيوانِ والعَقارِ فلا يَضمَنُ، وذلك لأنَّ العارِيةَ قد أخَذَت شَبهًا مِنْ الأَمانةِ؛ لأنَّ المالكَ بذَلَ للمُستَعيرِ مَنفعتَها من غيرِ عِوضٍ، فكانَ كالعبدِ المُوصى بخِدمتِه، وأخَذَت شَبهًا مِنْ المَضمونِ؛ لأنَّه قبَضَها لمَنفعةِ نَفسِه على التَّجريدِ، فجازَ أنْ يَتعلَّقَ بها الضَّمانُ فوجَبَ أنْ يَكونَ حُكمُها مُتردِّدًا بينَ الأَمرينِ، فإذا علِمَ تَلفَها بغيرِ تَفريطٍ منه سقَطَ الضَّمانُ.
وإنِ ادَّعى المُستَعيرُ أنَّ الهَلاكَ أو الضَّياعَ ليسَ بسَببِ تَعدِّيه أو تَفريطِه في الحِفظِ فهو مُصدَّقٌ في ذلك بيَمينِه، إلا أنْ تَقومَ بَينةٌ أو قَرينةٌ على كَذبِه، كأَنْ يَقولَ: «تلَفَ أو ضاعَ يومَ كذا»، فتقولُ البَينةُ: «رَأيناه معَه بعدَ ذلك اليومِ»، أو تُقولُ الرُّفقةُ التي معَه في السَّفرِ: «ما سمِعْنا ذلك ولا رَأيناه»، وسَواءٌ في ذلك ما يُغابُ عليه وما لا يُغابُ.
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقد اختَلفَ الفَقهاءُ في ضَمانِ العارِيةِ، فذهَبَ مالكٌ وأَصحابُه إلى أنَّ العارِيةَ أَمانةٌ غيرُ مَضمونةٍ إذا كانَت حَيوانًا أو ما لا يُغابُ عليه إذا لَم يَتعدَّ المُستَعيرُ فيه ولا ضيَّعَ، وكذلك ما يُغابُ عليه أَمانةٌ أيضًا إذا ظهَرَ هَلاكُه وصحَّ مِنْ غيرِ تَضييعٍ ولا تَعدٍّ، فإنْ خفِيَ هَلاكُه ضمِنَ، ولا يُقبَلُ قولُ المُستَعيرِ فيه إذا ادَّعى هَلاكَه وذَهابَه
стр. 7233
ولَم يُقمْ على ما قالَ بَينةً، وتَضمَّنَ أَبدًا إذا كانَ هكذا، ولا يَضمَنُ إذا كانَ هَلاكُه ظاهرًا مَعروفًا أو قامَت به بَينةٌ بلا تَضييعٍ ولا تَفريطٍ، هذا هو المَشهورُ مِنْ قولِ مالكٍ، وهو قولُ ابنِ القاسِمِ، وقالَ أَشهبُ: يَضمَنُ كلَّ ما يُغابُ عليه، قامَت بَينةٌ بهَلاكِه أو لَم تَقمْ، وسَواءٌ هلَكَ بسَببِه أو بغيرِ سَببِه يَضمَنُ أَبدًا؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ لصَفوانَ حينَ استَعارَ منه السِّلاحَ وهو مما يُغابُ عليه: «بل عارِيةٌ مَضمونةٌ مُؤدَّاةٌ»، قالَ: وأما الحَيوانُ وما لا يُغابُ عليه فلا ضَمانَ عليه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: هل العارِيةُ هي مَضمونةٌ أو أَمانةٌ؟ فمنهم مَنْ قالَ إنَّها مَضمونةٌ وإنْ قامَت البَينةُ على تَلفِها، وهو قولُ أَشهبَ والشافِعيِّ وأحدُ قولَيْ مالكٍ.
ومنهم مَنْ قالَ نَقيضَ هذا وهو أنَّها ليسَت مَضمونةً أصلًا، وهو قولُ أَبي حَنيفةَ.
ومنهم مَنْ قالَ: يُضمَّنُ فيما يُغابُ عليه إذا لَم يَكنْ على التَّلفِ بَينةٌ، ولا يَضمنُ فيما لا يُغابُ عليه ولا فيما قامَت البَينةُ على تَلفِه، وهو مَذهبُ مالكٍ المَشهورُ وابنِ القاسِمِ وأَكثرِ أَصحابِه.
стр. 7234
وسَببُ الخِلافِ: تَعارضُ الآثارِ في ذلك، وذلك أنَّه ورَدَ في الحَديثِ الثابتِ أنَّه قالَ ﵊ لصَفوانَ بنِ أُميةَ: «بل عارِيةٌ مَضمونةٌ مُؤدَّاةٌ»، وفي بعضِها: «بل عارِيةٌ مُؤدَّاةٌ»، ورُويَ عنه أنَّه قالَ: «ليسَ على المُستَعيرِ ضَمانٌ»، فمَن رجَّحَ وأخَذَ بهذا أسقَطَ الضَّمانَ عنه، ومَن أخَذَ بحَديثِ صَفوانَ بنِ أُميةَ ألزَمَه الضَّمانَ، ومَن ذهَبَ مَذهبَ الجَمعِ فرَّقَ بينَ ما يُغابُ عليه وبينَ ما لا يُغابُ عليه، فحمَلَ هذا الضَّمانَ على ما يُغابُ عليه والحَديثَ الآخرَ على ما لا يُغابُ عليه، إلا أنَّ الحَديثَ الذي فيه: «ليسَ على المُستَعيرِ ضَمانٌ» غيرُ مَشهورٍ، وحَديثُ صَفوانَ صَحيحٌ، ومَن لَم يرَ الضَّمانَ شبَّهَها بالوَديعةِ، ومَن فرَّقَ قالَ: الوَديعةُ مَقبوضةٌ لمَنفعةِ الدافعِ، والعارِيةُ لمَنفعةِ القابِضِ.
واتَّفقوا في الإِجارةِ على أنَّها غيرُ مَضمونةٍ -أَعني الشافعيَّ وأَبا حَنيفةَ ومالكًا-، ويُلزِمُ الشافعيُّ إذا سلَّمَ أنَّه لا ضَمانَ عليه في الإِجارةِ ألَّا يَكونَ ضَمانٌ في العارِيةِ إنْ سلَّمَ أنَّ سَببَ الضَّمانِ هو الانتِفاعُ؛ لأنَّه إذا لَم يَضمنْ حيثُ قبَضَ لمَنفعتِهما فأحرَى ألَّا يَضمنَ حيثُ قبَضَ لمِنفعتِه إذا كانَت مَنفعةُ الدافعِ مُؤثِّرةً في إِسقاطِ الضَّمانِ (١).
стр. 7235
حُكمُ شَرطِ نَفيِ الضَّمانِ:
اختَلفَ الفَقهاءُ فيما لو اشتَرطَ المُستَعيرُ نَفيَ الضَّمانِ في العارِيةِ عندَ مَنْ يَقولُ إنَّ العارِيةَ مَضمونةٌ، أو اشترَطَ المُعيرُ الضَّمانَ عليه عندَ مَنْ يَقولُ إنَّ العارِيةَ أَمانةٌ، هل يَصحُّ هذا الشَّرطُ أم لا؟
فذهَبَ عامةُ الفَقهاءِ إلى أنَّ العَقدَ كما هو، ولا أثرَ للشَّرطِ ولا عَدمِه في تَغييرِ صَفةِ العَقدِ، إلا خِلافًا يَسيرًا كما سيَأتي.
فكلُّ مَنْ قالَ إنَّ العارِيةَ مَضمونةٌ لَم يُصحِّحِ اشتِراطَ نفيِ الضَّمانِ، كما هو مَذهبُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ.
ومَن قالَ إنَّ العارِيةَ أَمانةٌ في يدِ المُستَعيرِ كالحَنفيةِ قالوا: لا يَصحُّ اشتَراطُ الضَّمانِ على المُستَعيرِ، وهي أَمانةٌ في يدِه.
ومَن فرَّقَ بينَ ما يَغيبُ عليه وما لا يَغيبُ عليه كالمالِكيةِ قالوا: لا يَصحُّ اشتِراطُ نَفيِ الضَّمانِ فيما يَغيبُ عليه على الصَّحيحِ عندَهم، ولا إِثباتُ الضَّمانِ فيما هو أَمانةٌ كالذي لا يَغيبُ عليه.
فعامَّتُهم لَم يُغيِّرْ عندَهم الشَّرطُ صِفةَ العقدِ، فمَن قالَ إنَّها أَمانةٌ لَم يَصحَّ عندَهم شَرطُ الضَّمانِ عليه، ومَن قالَ إنَّها مَضمونةٌ لم يُغيِّروا صِفةَ العقدِ إلى الأَمانةِ بنَفيِ الضَّمانِ، وأَوجبوا عليه الضَّمانَ.
وهذا تَفصيلُّ كلِّ مَذهبٍ:
للحَنفيةِ قَولانِ في حُكمِ شَرطِ الضَّمانِ على المُستَعيرِ:
стр. 7236
الأولُ: أنَّ المُعيرَ إذا شرَطَ على المُستَعيرِ الضَّمانَ صحَّ الشرطُ، وجزَمَ به الحَداديُّ في «الجوهرة» قالَ: فإنْ شرَطَ فيها الضَّمانَ كانَت مَضمونةً بالشَّرطِ؛ لقولِه ﵇ لصَفوانَ بنِ أُميةَ حينَ استَعارَ منه أَدرعًا، وقالَ له صَفوانُ: «أَغصبًا تَأخذُها يا مُحمدُ؟ فقالَ: بل عارِيةٌ مَضمونةٌ» فأخذَها بشرطِ الضَّمانِ (١).
والثانِي وهو الصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ: أنَّ المُعيرَ لو شرَطَ على المُستَعيرِ الضَّمانَ فالشَّرطُ لَغوٌ وباطِلٌ ولا يَضمَنُ، فلو قالَ: «أَعرْنِي دابَّتَك أو ثَوبَك فإنْ ضاعَ فأنا ضامنٌ له». أو قالَ: «أَعرْتُك بشَرطِ الضَّمانِ». فالشَّرطُ لَغوٌ ولا يَضمَنُ (٢).
قالَ البَغداديُّ ﵀: واشتِراطُ الضَّمانِ على المُستَعيرِ باطلٌ، هذه في الكَفالةِ مِنْ «الهداية»، وقيلَ إذا شرَطَ الضَّمانَ على المُستَعيرِ تَصيرُ مَضمونةً عندَنا في رِوايةٍ، ذكَرَه الزَّيلعيُّ وجزَمَ به في «الجوهرة» ولَم يَقلْ في رِوايةٍ، لكنْ نقَلَ بعدَه فرعَ «البزازية» عن «الينابيع»، ثُم قالَ: أما الوَديعةُ والعَينُ المُؤجَّرةُ فلا يُضمَّنانِ بحالٍ اه، ولكنْ في «البزازية» قالَ: «أعرْنِي هذا على أنَّه إنْ ضاعَ فأنا ضامنٌ له» فأعارَه وضاعَ، لم يَضمنْ مِنْ العادةِ المُطَّردةِ مِنْ الأَشباهِ، وفي «المنتقى» إذا قالَ لِغيرِه: «أعرْنِي ثوبَك فأنا ضامنٌ له» فلا ضَمانَ عليه، وهذا
стр. 7237
الشَّرطُ باطِلٌ، وكذا الحُكمُ في سائرِ الأَماناتِ نحوَ الوَدائعِ وغيرِها. اه (١).
وقالَ في «الدر المختار»: وشَرطُ الضَّمانِ باطِلٌ كشَرطِ عَدمِه في الرَّهنِ خِلافًا «للجوهرة».
قالَ ابنُ عابدِينَ: قولُه: (وشَرطُ الضَّمانِ باطِلٌ) هو ما عليه الأَكثرُ كما قدَّمْناه.
قولُه: (كشَرطِ عدمِه) أيْ: عَدمِ الضَّمانِ.
قولُه: (في الرَّهنِ) أيْ: إذا هلَكَ.
قولُه: (خِلافًا للجوهرةِ)؛ حيثُ جزَمَت بصَيرورَتِها مَضمونةً بشرطِ الضَّمانِ ولَم تَقلْ في رِوايةٍ، معَ أنَّ فيها رِوايتَينِ كما يُؤخَذُ مِنْ عِبارةِ الزَّيلعيِّ ومما قدَّمْناه عن «الهندية».
وفي «البزازية»: «أعرْنِي هذا على أنَّه إنْ ضاعَ فأنا ضامنٌ» وضاعَ لا يضمنُ. انتهى.
وفي «التحفة» إذا شرَطَ الضَّمانَ في العارِيةِ هل يَصحُّ؟ فالمَشايخُ مُختلِفونَ فيه. انتهى (٢).
وأما المالِكيةُ فقالوا في الصَّحيحِ عندَهم: الضَّمانُ ثابتٌ على المُستعِيرِ فيما يُغابُ عليه وإنْ شرَطَ على المُعيرِ نَفيَ الضَّمانِ في ذلك؛ لأنَّ الضَّمانَ عليه بطريقِ الأَصالةِ ولا يَنتفعُ المُعيرُ بشَرطِه.
стр. 7238
وفي قولٍ: يَنفعُه شَرطُه؛ لأنَّه مَعروفٌ وإِسقاطُ الضَّمانِ مَعروفٌ.
وعلى كلِّ حالٍ لا يُفسدُ العَقدُ على الصَّحيحِ، وقيلَ: يُفسدُه، ويَكونُ للمُعيرِ أُجرةُ ما أَعارَه.
وأما إذا كانَت العارِيةُ مما لا يُغابُ عليها كالدَّوابِّ ونحوِها أو معَ قيامِ البَينةِ فإنَّه لا ضَمانَ على المُستَعيرِ فيها ولو شرَطَ المُعيرُ الضَّمانَ على المُستعيرِ، والقولُ قولُه في تَلفِها بغيرِ بَينةٍ إلا أنْ يَظهرَ كَذبُه، ولا عِبرةَ بشَرطِه ولو لأمرٍ خافَه كطَريقٍ أو نَهرٍ وشِبهِه.
وتَنقلبُ العارِيةُ معَ شرطِ الضَّمانِ إِجارةً فاسدةً؛ لأنَّه كأنَّه آجرَها بقِيمتِها وهي مَجهولةٌ، وحينَئذٍ ففيها أُجرةُ المِثلِ معَ الفَواتِ باستِيفاءِ المَنفعةِ، وتَنفسِخُ قبلَ استِيفاءِ المَنفعةِ (١).
وأما الشافِعيةُ فقالَ الخَطيبُ الشربينِيُّ ﵀: فلو أَعارَها بشَرطِ أنْ تَكونَ أَمانةً لَغا الشَّرطُ كما ذكَرَه الشَّيخانِ، ولَم يَتعرَّضا لصحَّتِها ولا لفَسادِها.
ومُقتَضى كَلامِ الإِسنويِّ صِحتُها، وإليه يُومئُ تَعبيرُهما بأنَّ الشَّرطَ لَغوٌ (٢).
стр. 7239
وأما الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ شرَطَ نَفيَ الضَّمانِ لَم يَسقُطْ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ.
وقالَ أَبو حَفصٍ العُكبَريُّ: يَسقطُ، قالَ أَبو الخَطابِ: أومَأَ إليه أحمدُ، وهو قولُ قَتادةَ والعَنبَريِّ؛ لأنَّه لو أذِنَ في إِتلافِها لَم يَجبْ ضَمانُها، فكذلك إذا أسقَطَ عنه ضَمانَها.
وقيلَ: بل مَذهبُ قَتادةَ والعَنبَريِّ أنَّها لا تُضمَنُ إلا أنْ يُشترَطَ ضَمانُها فيَجبُ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ لصَفوانَ: «بل عارِيةٌ مَضمونةٌ».
ولنا: إنَّ كلَّ عَقدٍ اقتَضى الضَّمانَ لَم يُغيِّرْه الشرطُ -كالمَقبوضِ ببيعٍ صَحيحٍ أو فاسدٍ- ما اقتَضى الأَمانةَ، فكذلك كالوَديعةِ والشَّركةِ والمُضاربةِ، والذي كانَ مِنْ النَّبيِّ ﷺ إِخبارٌ بصِفةِ العارِيةِ وحُكمِها.
وفارقَ ما إذا أذِنَ في الإِتلافِ، فإنَّ الإِتلافَ فِعلٌ يَصحُّ الإِذنُ فيه ويَسقطُ حُكمُه؛ إذ لا يَنعقدُ مُوجِبًا للضَّمانِ معَ الإذنِ فيه، وإِسقاطُ الضَّمانِ ها هنا نَفيٌ للحُكمِ مع وُجودِ سَببِه، وليسَ ذلك للمالكِ ولا يَملِكُ الإِذنَ فيه (١).
стр. 7240
حُكمُ العارِيةِ مِنْ حيثُ اللُّزومُ وعَدمُه:
اختَلفَ الفَقهاءُ في العارِيةِ، هل هي لَازمةٌ أو غيرُ لَازمةٍ فيَجوزُ للمُعيرِ أنْ يَرجعَ فيها متى شاءَ؟
وذلك بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه يَجوزُ للمُستَعيرِ أنْ يَردَّ العارِيةَ متى شاءَ؛ لأنَّه إِباحةٌ، فكانَ لمَن أُبِيحَ له تَركُه كإِباحةِ الطَّعامِ (١).
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ العاريةَ إما أنْ تَكونَ مُقيَّدةً بعَملٍ كإِعارةِ أرضٍ لزَرعِها بَطنًا أو أكثرَ، أو طَحنِ إِردبٍّ أو حَملِه لكذا، أو رُكوبٍ له، أو أَجلٍ كسُكنَى دارٍ شَهرًا مثلًا، فهي لَازمةٌ في هذه الحالةِ، وليسَ للمُعيرِ أنْ يَرجعَ قبلَ المدةِ أو العملِ المُحدَّدِ، ولا يَجوزُ له أَخذُها قبلَه؛ لأنَّ المُدةَ قد صارَت حقًّا للمُستَعيرِ فلَم يَكنْ للمُعيرِ الرُّجوعُ فيها، كما ليسَ له الرُّجوعُ في الهِبةِ، وذلك لقولِه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقولِه ﷺ : «كلُّ مَعروفٍ صَدقةٌ» (٢)، ولأنَّ المُعيرَ قد ملَّكَه الانتِفاعَ مدةً مَعلومةً وصارَت العَينُ في يدِه بعَقدٍ مُباحٍ، فلَم يَكنْ له الرُّجوعُ فيها كالعبدِ المُوصى بخِدمتِه والعُمريِّ.
فإذا غرَسَ المُستَعيرُ وبَنى ثُم انقَضَت المُدةُ المُؤقَّتةُ أو مُدةٌ يَنتفِعُ في مثلِها فالمالكُ بالخِيارِ، إنْ شاءَ أخذَ المُستَعيرَ بقلعِ غَرسِه وبِنائِه، وإنْ شاءَ أَعطاه قِيمتَه مَقلوعًا إذا كانَ مما له قِيمةٌ بعدَ القلعِ، وسَواءٌ شرَطَ ذلك في العَقدِ أم لَم
стр. 7241
يَشتَرطْ، أنَّه ردَّ العارِيةِ مَشغولةً بملكِه، فوجَبَ أنْ يُؤخَذَ بإِزالتِه عنه، أصلُه إذا ردَّ الدارَ وفيها مَتاعٌ، ولأنَّ ما هو مِنْ مُوجبِ الشيءِ لا يَحتاجُ إلى شَرطٍ، ومِن مُوجبِ العارِيةِ أنْ يَردَّ العاريةَ فارغةً ليَتمكنَ المالكُ مِنْ الانتِفاعِ، ولأنَّ ذلك مِنْ مَعنى تَبقيةِ بعضِ العارِيةِ في يدِه؛ لأنَّ مَوضعَ الغِراسِ لا يُمكنُ للمالكِ أنْ يَستَنفعَ به، ولا أنْ يَغرسَ فيه شيئًا، ولا أنْ يَزرَعَ ولا أنْ يَبنيَ، فصارَ كمَن استَعارَ مَتاعًا ثُم ردَّ بعضَه وبقِيَ البعضُ في يدِه فيَلزمُه ردُّه.
وأما إذا كانَت العارِيةُ مُطلقةً بأنْ أَعارَه ثَوبًا ليَلبسَه أو أرضًا ليَزرعَها أو دارًا ليَسكنَها وأَطلقَ؛ فقَولانِ في المَذهبِ:
أحدُهما: أنَّه يَلزمُه تَركُه في يدِه مُدةً يَنتفِعُ في مثلِها، وهو ما جرَت به العادةُ أنَّه يُعارُ إليه، فليسَ لرَبِّها أَخذُها قبلَه؛ لأنَّ العُرفَ كالشَّرطِ.
ومَحلُ لُزومِ المُعتادِ فيما أُعيرَ لغيرِ البِناءِ والغَرسِ أو فيهما قبلَ حُصولِهما، أو بعدَ الحُصولِ حيثُ لَم يَدفعِ المُعيرِ للمُستَعيرِ ما أَنفقَ، وأما إنْ دفعَ ما أَنفقَ في البِناءِ أو الغَرسِ فله الإِخراجُ قبلَ المُعتادِ.
والثانِي وهو الصَّحيحُ: أنَّها إنْ كانَت مُطلَقةً أنَّها لا تَلزمُ، بل لرَبِّها أَخذُها متى شاءَ، ولا يَلزمُ قَدرُ ما تُرادُ لمثلِه عادةً على المُعتَمدِ.
وفي قولٍ: أنَّه إنْ أعارَه للبِناءِ أو الزِّراعةِ وحصَلا فإنَّه يَلزمُ المُعتادُ اتِّفاقًا.
إلا أنَّه لو أخرجَه في بناءٍ وغَرسٍ ولو بقُربِ الإِعارةِ فإنَّه يَدفعُ له ما أَنفقَ في ذلك (١).
стр. 7242
وذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ إلى أنَّ عقدَ العارِيةِ عقدٌ جائزٌ وليسَ بلَازمٍ، فيَجوزُ للمُعيرِ أنْ يَرجعَ في عارِيتِه متى شاءَ؛ لأنَّها عَقدُ ارتِفاقٍ ومَعونةٌ، وسَواءٌ قدَّرَها بمُدةٍ أم لا؛ لأنَّه ملكٌ لا يُقابلُه عِوضٌ فلا يَكونُ لَازمًا، ولأنَّ لُزومَها يُخرجُها عن حُكمِ العارِيةِ إلى حُكمِ الإِجارةِ، ولو جازَ أنْ يَختلفَ حُكمُها بتَقديرِ المُدةِ في حقِّ المُعيرِ لاختَلفَ في حقِّ المُستَعيرِ، وفائدةُ المُدةِ مَنعُ المُستَعيرِ مِنْ التَّصرُّفِ بعدَ مُضيِّ المُدةِ، ولأنَّ المَنافعَ المُستقبَلةَ لَم تَحصلْ في يدِه فلَم يَملكْها بالإِعارةِ كما لو لَم تَحصلِ العَينُ في يدِه، ولأنَّ العارِيةَ مَكرُمةٌ ومبَرَّةٌ مِنْ المُعيرِ، وارتِفاقٌ مِنْ المُستَعيرِ، فلو أَلزَمْناها لامتَنعَ الناسُ منها (١).
إلا أنَّ الفَقهاءَ اختلَفُوا فيما لو أعارَه أرضًا للزِّراعةِ أو البِناءِ، هل له الرُّجوعُ؟
فقالَ الحَنفيةُ: ولو استَعارَ أرضًا على أنْ يَبنيَ فيها بِناءً أو يَغرسُ فيها غَرسًا فإما إنْ كانَ مُطلقًا أو مُؤقَّتًا إلى عشرِ سِنينَ ونحوِه.
стр. 7243
فإنْ كانَ مُطلقًا فبَنى فيها أو غرَسَ فلصاحبِ الأرضِ أنْ يَستَردَّها في أيِّ وقتٍ شاءَ؛ لأنَّ العارِيةَ غيرُ لَازمةٍ، وعلى المُستَعيرِ أنْ يَأخذَ غَرسَه وبِناءَه؛ لأنَّه شغَلَ أرضَ غيرِه ولَم يَرضَ صاحبُه بذلك، وليسَ للمُستَعيرِ أنْ يُضمِّنَ المُعيرَ قِيمةَ غَرسِه وبِنائِه ويَتركَ ذلك عليه؛ لأنَّه لَم يُوجدْ منه الغُرورُ؛ لأنَّ العارِيةَ تُستَردُّ على كلِّ حالٍ.
وإنْ كانَ مُؤقَّتًا فله أنْ يَستَردَّ أيضًا، لكنَّ المُستَعيرَ بالخِيارِ، إنْ شاءَ ضمَّنَ المُعيرَ قِيمةَ غَرسِه وبِنائِه ويَتركُ ذلك عليه؛ لأنَّه غرَّه حيثُ وقَّتَ وَقتًا طَويلًا ثُم استَردَّ قبلَ مُضيِّه، وإنْ شاءَ أخَذَ غَرسَه وبِناءَه إنْ لَم يَضرَّ القَلعُ بأرضِ المُعيرِ، فأما إذا كانَ يَضرُّ به فالخِيارُ للمُعيرِ، إنْ شاءَ أخذَ الغَرسَ والبِناءَ بالضَّمانِ وإنْ شاءَ رضِيَ بالقَطعِ.
فأما إذا أَعارَ الأرضَ ليَزرعَ فزرَعَ ثُم أَرادَ أنْ يَستَردَّ والزَّرعُ غيرُ مُدركٍ فليسَ له ذلك، وتَبقى الأرضُ في يدِه بطَريقِ الإِجارةِ إلى أنْ يَأخذَ الغلَّةَّ؛ لأنَّ هذه مدةٌ يَسيرةٌ مَعلومةٌ فيه، وفيه نَظرٌ مِنْ الجانِبينِ بخِلافِ الغَرسِ والبِناءِ، فإنَّه لو انقَلبَت إِجارةً يَتضرَّرُ به المُعيرُ لطولِ المُدةِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا أعارَ أرضًا للبِناءِ أو الغِراسِ ولَم يَذكرْ مُدةً، ثُم رجَعَ بعدَ أنْ بَنى أو غرَسَ، فإنْ كانَ المُعيرُ شَرطَ القَطعَ كالهَدمِ مَجانًا -أيْ بلا بَدلٍ- لزِمَه عَملًا بالشَّرطِ؛ لأنَّه رضِيَ بالتِزامِ الضَّررِ الذي يَدخلُ
стр. 7244
عليه بالقَلعِ، فإنِ امتَنعَ فلِلمُعيرِ قَطعُه وعلى المُستَعيرِ تَسويةُ الأرضِ إنْ شرَطَها وإلا فلا.
وإنْ لَم يَشتَرطْ عليه القَلعَ فإنِ اختارَ المُستَعيرُ القَلعَ قلَعَ بلا أَرشٍ؛ لأنَّه ملَكَه وقد رضِيَ بنَقصِه، ولا يَلزمُه تَسويةُ الأرضِ في الأصحِّ؛ لأنَّ الإِعارةَ معَ عِلمِ المُعيرِ أنَّ للمُستَعيرِ أنْ يَقلعَ رضًا بما يَحدثُ عن القَلعِ.
والثانِي وصحَّحَه النَّوويُّ ﵀: يَلزمُه؛ لأنَّه قلَعَه باختِيارِه، ولو امتَنعَ منه لَم يُجبِرْ عليه فيَلزمُه إذا قلَعَ أنْ يَردَّها إلى ما كانَت عليه.
وإنْ لَم يَختَرِ القَلعَ لَم يَقلَعْ مَجانًا، بل للمُعيرِ الخِيارُ بينَ أنْ يُبقيَه بأُجرةِ مثلِه أو يَقلعَه، أو يَهدمَ البِناءَ ويَضمَنُ أَرشَ نَقصِه وهو قَدرُ ما بينَ قِيمتِه قائِمًا ومَقلوعًا.
فإنْ لَم يَختَرِ المُعيرُ شيئًا مما ذُكرَ لَم يَقلَعْ مَجانًا إنْ بذَلَ المُستَعيرُ الأُجرةَ؛ لانتِفاءِ الضَّررِ، وكذا إذا لَم يَبذُلْها في الأصحِّ (١).
أما الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ أَعارَه شَيئًا ليَنتفِعَ به انتِفاعًا يَلزمُ مِنْ الرُّجوعِ في العارِيةِ في أَثنائِه ضَررٌ بالمُستَعيرِ لَم يَجزْ له الرُّجوعُ؛ لأنَّ الرُّجوعَ يَضرُّ بالمُستَعيرِ فلَم يَجزْ له الإِضرارُ به، مثلُ أنْ يُعيرَه لَوحًا يُرقِّعُ به سَفينتَه فرقَّعَها به ولجَّجَ بها في البَحرِ لَم يَجزِ الرُّجوعُ ما دامَت في البَحرِ، وله
стр. 7245
الرُّجوعُ قبلَ دُخولِها في البَحرِ وبعدَ الخُروجِ منه لعَدمِ الضَّررِ فيه، وإنْ أَعارَه أَرضًا ليَدفنَ فيها فله الرُّجوعُ ما لَم يَدفنْ فيها، فإذا دفَنَ لَم يَكنْ له الرُّجوعُ ما لَم يَبلْ المَيتُ، وإنْ أعارَه حائِطًا ليَضعَ عليه أَطرافَ خَشبِه جازَ كما تَجوزُ إِعارةُ الأرضِ للبِناءِ والغِراسِ، وله الرُّجوعُ ما لَم يَضعْه وبعدَ وَضعِه ما لَم يَبنِ عليه؛ لأنَّه لا ضَررَ فيه، فإنْ بَنى عليه لَم يَجزِ الرُّجوعُ لِمَا في ذلك مِنْ هدمِ البِناءِ، وإنْ قالَ: «أنا أَدفعُ إليك أَرشَ ما نقَصَ بالقلعِ» لَم يَلزمِ المُستَعيرُ ذلك؛ لأنَّه إذا قلَعَه انقَلعَ ما في ملكِ المُستَعيرِ منه، ولا يَجبُ على المُستَعيرِ قَلعُ شيءٍ مِنْ ملكِه بضَمانِ القِيمةِ، وإنِ انهَدمَ الحائطُ وزالَ الخَشبُ عنه أو أَزالَه المُستَعيرُ باختِيارِه لَم يَملكْ إِعادتَه، سَواءٌ بَنى الحائِطَ بآلتِه أو بغيرِها؛ لأنَّ العارِيةَ لا تَلزمُ، وإنَّما امتَنعَ الرُّجوعُ قبلَ انهِدامِه؛ لِمَا فيه مِنْ الضَّررِ بالمُستَعيرِ بإِزالةِ المَأذونِ في وَضعِه، وقد زالَ ذلك، وكذلك إذا سقَطَ الخَشبُ والحائِطُ بحالِه.
وإنْ أعارَه أرضًا لزِراعةِ شيءٍ فله الرُّجوعُ ما لَم يَزرعْ، فإذا زرَعَ لَم يَملكِ الرُّجوعَ فيها إلى أنْ يَنتهيَ الزَّرعُ، فإنْ بذَلَ له قِيمةَ الزَّرعِ ليَملكَه لَم يَكنْ له ذلك، نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ له وقتًا يَنتَهي إليه، فإنْ كانَ مما يُحصَدُ قَصيلًا (١) فله الرُّجوعُ في وقتِ إِمكانِ حَصادِه لعَدمِ الضَّررِ فيه، وإنْ لَم يَكنْ كذلك لَم يَكنْ له الرُّجوعُ حتى يَنتَهيَ، وإنْ أذِنَ له في البِناءِ والغِراسِ فيها فله الرُّجوعُ قبلَ قَلعِه.
стр. 7246
فإذا غرَسَ وبَنى فلِلمالكِ الرُّجوعُ فيما بينَ الغِراسِ والبِناءِ؛ لأنَّه لَم يَتعلَّقْ به ملكُ المُستَعيرِ ولا ضَررَ عليه في الرُّجوعِ منه، فأشبَه ما لَم يَبنِ في الأرضِ شيئًا ولَم يَغرسْ فيها، ثُم إنِ اختارَ المُستَعيرُ أخذَ بنائِه وغِراسِه فله ذلك؛ لأنَّه ملكَه فملَكَ نقَلَه، ويَلزمُه تَسويةُ الحُفرِ، ذكَرَه القاضِي لأنَّ المُستَعيرَ رضِيَ بذلك حيثُ أعارَه معَ عِلمِه بأنَّ له قلعُ غَرسِه، ويُحتمَلُ أنَّ عليه تَسويةَ الحَفرِ لأنَّ القَلعَ باختِيارِه، فإنه لو امتَنعَ منه لَم يُجبَرْ عليه، فلزِمَه تَسويةُ الحفرِ كما لو خرَّبَ أرضَه التي لَم يَستَعرْها.
وإنْ أَبى القَلعَ فبذَلَ له المُعيرُ ما يَنقصُ بالقلعِ أو قِيمةَ غِراسِه وبنائِه قائِمًا ليَأخذَه المُعيرُ أُجبِرَ المُستَعيرُ عليه؛ لأنَّه رُجوعٌ في العارِيةِ مِنْ غيرِ إِضرارٍ، وإنْ قالَ المُستَعيرُ أنا أَدفعُ قِيمةَ الأرضِ لتَصيرَ لي لَم يَكنْ له؛ لأنَّ الغِراسَ تابعٌ والأرضُ أصلٌ، ولذلك يَتبعُها الغِراسُ والبِناءُ في البَيعِ ولا تَتبعُهما، وبهذا كلِّه قالَ الشافِعيُّ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ ومالكٌ: يُطالَبُ المُستَعيرُ بالقَلعِ مِنْ غيرِ ضَمانٍ، إلا أنْ يَكونَ أعارَه مدةً مَعلومةً فرجَعَ فيها قبلَ انقِضائِها؛ لأنَّ المُعيرَ لَم يُعرْهُ فكانَ عليه القَلعُ، كما لو شُرطَ عليه.
ولنا: إنَّه بَنى وغرَسَ بإذنِ المُعيرِ مِنْ غيرِ شَرطِ القَلعِ فلَم يَلزمْه القَلعُ مِنْ غيرِ ضَمانٍ، كما لو طالَبَه قبلَ انقِضاءِ الوقتِ، وقولُهم: «لمْ يَغُرَّه» مَمنوعٌ؛ فإنَّ الغِراسَ والبِناءَ يُرادُ للتَّبقيةِ، وتقَديرُ المُدةِ يَنصرِفُ إلى ابتِدائِه، كأنَّه قالَ له: «لا تَغرسْ بعدَ هذه المُدةِ».
стр. 7247
فإنِ امتَنعَ المُعيرُ مِنْ دَفعِ القِيمةِ وأَرشِ النَّقصِ وامتَنعَ المُستَعيرُ عن القَلعِ ودفَعَ الأُجرةَ لَم يُقلَعْ؛ لأنَّ الإِعارةَ تَقتَضي الانتِفاعَ مِنْ غيرِ ضَمانٍ، والإذنُ فيما يَبقى على الدَّوامِ وتَضرُّ إِزالتُه رضًا بالإِبقاءِ.
وقولُ النَّبيِّ ﷺ : «ليسَ لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ» يَدلُ بمَفهومِه على أنَّ العِرقَ الذي ليسَ بظالمٍ له حقٌّ، فعندَ ذلك إنِ اتَّفَقا على البَيعِ بِيعتِ الأرضُ بغِراسِها، ودُفعَ إلى كلِّ واحدٍ منهما قَدرُ حقِّه، فعندَ ذلك إنِ اتَّفَقا على البَيعِ بِيعَت الأرضُ بغِراسِها، ودفَعَ إلى كلِّ واحدٍ منهما قَدرَ حقِّه، فيُقالُ: كم قِيمةُ الأرضِ غيرَ مَغروسةٍ ولا مَبنيَّةٍ؟ فإذا قيلَ: عَشرةٌ، قلْنا: وكم تُساوي مَغروسةً ومَبيَّنةً؟ فإنْ قالوا: خمسةَ عشرَ، قلْنا: فلِلمُعيرِ ثُلثا الثَّمنِ وللمُستَعيرِ ثُلثُه (١).
стр. 7248
أَنواعُ العارِيةِ:
العارِيةُ لا تَخلو مِنْ أربَعةِ أَوجهٍ:
أحدُها: أنْ تَكونَ مُطلَقةً في الوقتِ والانتِفاعِ: كمَن استَعارَ دابَّةً أو ثَوبًا أو أرضًا لزِراعةٍ ولَم يُبيِّنْ وقتًا مَعلومًا ولا عيَّنَ مَنْ يَستَعملُه، فله أنْ يَستَعملَه في أيِّ وقتٍ شاءَ في أيِّ مَنفعةٍ شاءَ، ويُركبُ ويُلبسُ غيرَه عملًا بالإِطلاقِ؛ لأنَّ الأصلَ في المُطلَقِ أنْ يَجريَ على إِطلاقِه، وقد ملَّكَه مَنافعَ العارِيةِ مُطلقًا فكانَ له أنْ يَستَوفيَها على الوجهِ الذي ملَكَها، إلا أنَّه لا يَحملُ عليها ما يَعلمُ أنَّ مثلَها لا يُطيقُ مثلَ هذا الحملِ.
قالَ الحَنفيةُ: فلو ركِبَ هو أو لبِسَ ليسَ له أنْ يُركبَ غيرَه ولا يُلبسَه، وكذا لو ركِبَ غيرُه لا يَركَبُ، فأيًّا فعَلَ مِنْ الحملِ والإِركابِ تعيَّنَ في الصَّحيحِ، فليسَ له أنْ يَفعلَ غيرَه، وضمِنَ بغيرِه إنْ عطَبَت؛ لأنَّ ما وقَعَ أولًا تَعيَّنَ مُرادًا بالعَقدِ فصارَ كأنَّه مَنصوصٌ عليه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَجوزُ الإِعارةُ مُطلَقًا ومُقيَّدًا؛ لأنَّها إِباحةٌ فجازَ فيها ذلك كإِباحةِ الطَّعامِ، ولأنَّ الجَهالةَ إنَّما تُؤثِّرُ في العُقودِ اللَّازمةِ، فإذا أَعارَه شيئًا مُطلقًا أُبيحَ له الانتِفاعُ به في كلِّ ما هو مُستَعدٌّ له مِنْ الانتِفاعِ به.
стр. 7249
فإذا أعارَه أرضًا مُطلقًا فله أنْ يَزرعَ فيها ويَغرسَ ويَبنيَ ويَفعلَ فيها كلَّ ما هي مُعدَّةٌ له مِنْ الانتِفاعِ؛ لأنَّ الإذنَ مُطلَقٌ، وإنْ أعارَه للغِراسِ أو للبِناءِ فله أنْ يَزرعَ فيها ما شاءَ؛ لأنَّ ضَررَه دونَ ضَررِهما، فكأنَّه استَوفَى بعضَ ما أذنَ له فيه، وإنِ استَعارَها للزَّرعِ لَم يَغرسْ ولَم يَبنِ؛ لأنَّ ضَررَهما أكثرُ فلَم يَكنِ الإِذنُ في القَليلِ إذنًا في الكَثيرِ، وإنِ استَعارَها للغِراسِ أو للبِناءِ ملَكَ المَأذونُ فيه منهما دونَ الآخرِ؛ لأنَّ ضَررَهما مُختلِفٌ، فإنَّ ضرَرَ الغِراسِ في باطنِ الأرضِ لانتِشارِ العُروقِ فيها وضَررَ البِناءِ في ظاهرِها، فلَم يَكنِ الإِذنُ في أحدِهما إِذنًا في الآخرِ، وإنِ استَعارَها لزَرعِ الحِنطةِ فله زَرعُها وزَرعُ ما هو أقلُّ ضَررًا منها كالشَّعيرِ والباقِلاءِ والعدَسِ، وله زَرعُ ما ضَررُه كضَررِ الحِنطةِ؛ لأنَّ الرِّضا بزِراعةِ شيءٍ رضًا بضَررِه وما هو دونَه، وليسَ له زَرعُ ما هو أَكثرُ ضَررًا منه كالذُّرةِ والدُّخنِ والقُطنِ لأنَّ ضَررَه أَكثرُ، وحُكمُ إِباحةِ الانتِفاعِ في العارِيةِ كحُكمِ الانتِفاعِ في الإِجارةِ فيما له أنْ يَستوفيَه وما يُمنَعُ منه …
وإنْ أذِنَ له في زَرعِ مَرةٍ لَم يَكنْ له أنْ يَزرَعَ أكثرَ منها، وإنْ أذِنَ له في غَرسِ شَجرةٍ فانقلَعَت لَم يَكنْ له غَرسُ أُخرى، وكذلك إنْ أذِنَ له في وَضعِ خَشبةٍ على حائِطٍ فانكسَرَت لَم يَملكْ وَضعَ أُخرى؛ لأنَّ الإِذنَ إذا اختَصَّ بشيءٍ لَم يَتجاوزْه (١).
وقالَ أيضًا: وإذا أَطلقَ المُدةَ في العارِيةِ فله أنْ يَنتفِعَ بها ما لَم يَرجِعْ.
стр. 7250
وإنْ وقَّتَها فله أنْ يَنتفِعَ ما لَم يَرجِعْ أو يَنقَضي الوقتُ؛ لأنَّه استَباحَ ذلك بالإِذنِ ففيما عدا مَحلِّ الإِذنِ يَبقى على أَصلِ التَّحريمِ.
فإنْ كانَ المُعارُ أرضًا لَم يَكنْ له أنْ يَغرِسَ ولا يَبنيَ ولا يَزرَعَ بعدَ الوقتِ أو الرُّجوعِ، فإنْ فعَلَ شيئًا مِنْ ذلك لزِمَه قَلعُ غَرسِه وبِنائِه، وحُكمُه حُكمُ الغاصبِ في ذلك؛ لِقولِ النَّبيِّ ﷺ : «ليسَ لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ» (١)، وعليه أَجرُ ما استَوفاه مِنْ نَفعِ الأرضِ على وَجهِ العُدوانِ، ويَلزمُه القَلعُ وتَسويةُ الحُفرِ ونَقصُ الأرضِ وسائرُ أَحكامِ الغَصبِ لأنَّه عُدوانٌ (٢).
والثانِي: أنْ تَكونَ مُقيَّدةً فيهما -أيْ: في الوقتِ والانتِفاعِ- بأنِ استَعارَه يومًا أو جمُعةً ليَستعمِلَه بنَفسِه.
قالَ الحَنفيةُ: فليسَ له أنْ يُركِبَ غيرَه ولا يُلبِسَه غيرَه؛ لاختِلافِ ذلك باختِلافِ المُستعمِلينَ؛ لأنَّ الأصلَ في المُقيَّدِ اعتِبارُ القيدِ فيه، إلا إذا تَعذَّرَ اعتِبارُه، واعتِبارُ هذا القَيدِ مُمكِنٌ؛ لأنَّه مُقيَّدٌ لتَفاوتِ الناسِ في استِعمالِ الدَّوابِّ والثِّيابِ رُكوبًا ولُبسًا، فلزِمَ اعتِبارُ القَيدِ فيه، فإنْ خالَفَ إلى شرٍّ ضمِنَ.
وإنْ أعارَه دارًا ليَسكنَها بنَفسِه فله أنْ يُسكِنَها غيرَه؛ لأنَّ المَملوكَ بالعَقدِ السُّكنَى، والناسُ لا تَتفاوتُ فيه، فلَم يَكنِ التَّقييدُ بسُكناه مُفيدًا فيَلغو، إلا إذا كانَ الذي يَسكنُها حَدادًا أو قَصارًا أو نحوَهما ممن يُوهِنُ