فإذا غرَسَ وبَنى فلِلمالكِ الرُّجوعُ فيما بينَ الغِراسِ والبِناءِ؛ لأنَّه لَم يَتعلَّقْ به ملكُ المُستَعيرِ ولا ضَررَ عليه في الرُّجوعِ منه، فأشبَه ما لَم يَبنِ في الأرضِ شيئًا ولَم يَغرسْ فيها، ثُم إنِ اختارَ المُستَعيرُ أخذَ بنائِه وغِراسِه فله ذلك؛ لأنَّه ملكَه فملَكَ نقَلَه، ويَلزمُه تَسويةُ الحُفرِ، ذكَرَه القاضِي لأنَّ المُستَعيرَ رضِيَ بذلك حيثُ أعارَه معَ عِلمِه بأنَّ له قلعُ غَرسِه، ويُحتمَلُ أنَّ عليه تَسويةَ الحَفرِ لأنَّ القَلعَ باختِيارِه، فإنه لو امتَنعَ منه لَم يُجبَرْ عليه، فلزِمَه تَسويةُ الحفرِ كما لو خرَّبَ أرضَه التي لَم يَستَعرْها.
وإنْ أَبى القَلعَ فبذَلَ له المُعيرُ ما يَنقصُ بالقلعِ أو قِيمةَ غِراسِه وبنائِه قائِمًا ليَأخذَه المُعيرُ أُجبِرَ المُستَعيرُ عليه؛ لأنَّه رُجوعٌ في العارِيةِ مِنْ غيرِ إِضرارٍ، وإنْ قالَ المُستَعيرُ أنا أَدفعُ قِيمةَ الأرضِ لتَصيرَ لي لَم يَكنْ له؛ لأنَّ الغِراسَ تابعٌ والأرضُ أصلٌ، ولذلك يَتبعُها الغِراسُ والبِناءُ في البَيعِ ولا تَتبعُهما، وبهذا كلِّه قالَ الشافِعيُّ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ ومالكٌ: يُطالَبُ المُستَعيرُ بالقَلعِ مِنْ غيرِ ضَمانٍ، إلا أنْ يَكونَ أعارَه مدةً مَعلومةً فرجَعَ فيها قبلَ انقِضائِها؛ لأنَّ المُعيرَ لَم يُعرْهُ فكانَ عليه القَلعُ، كما لو شُرطَ عليه.
ولنا: إنَّه بَنى وغرَسَ بإذنِ المُعيرِ مِنْ غيرِ شَرطِ القَلعِ فلَم يَلزمْه القَلعُ مِنْ غيرِ ضَمانٍ، كما لو طالَبَه قبلَ انقِضاءِ الوقتِ، وقولُهم: «لمْ يَغُرَّه» مَمنوعٌ؛ فإنَّ الغِراسَ والبِناءَ يُرادُ للتَّبقيةِ، وتقَديرُ المُدةِ يَنصرِفُ إلى ابتِدائِه، كأنَّه قالَ له: «لا تَغرسْ بعدَ هذه المُدةِ».
стр. 7247
فإنِ امتَنعَ المُعيرُ مِنْ دَفعِ القِيمةِ وأَرشِ النَّقصِ وامتَنعَ المُستَعيرُ عن القَلعِ ودفَعَ الأُجرةَ لَم يُقلَعْ؛ لأنَّ الإِعارةَ تَقتَضي الانتِفاعَ مِنْ غيرِ ضَمانٍ، والإذنُ فيما يَبقى على الدَّوامِ وتَضرُّ إِزالتُه رضًا بالإِبقاءِ.
وقولُ النَّبيِّ ﷺ : «ليسَ لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ» يَدلُ بمَفهومِه على أنَّ العِرقَ الذي ليسَ بظالمٍ له حقٌّ، فعندَ ذلك إنِ اتَّفَقا على البَيعِ بِيعتِ الأرضُ بغِراسِها، ودُفعَ إلى كلِّ واحدٍ منهما قَدرُ حقِّه، فعندَ ذلك إنِ اتَّفَقا على البَيعِ بِيعَت الأرضُ بغِراسِها، ودفَعَ إلى كلِّ واحدٍ منهما قَدرَ حقِّه، فيُقالُ: كم قِيمةُ الأرضِ غيرَ مَغروسةٍ ولا مَبنيَّةٍ؟ فإذا قيلَ: عَشرةٌ، قلْنا: وكم تُساوي مَغروسةً ومَبيَّنةً؟ فإنْ قالوا: خمسةَ عشرَ، قلْنا: فلِلمُعيرِ ثُلثا الثَّمنِ وللمُستَعيرِ ثُلثُه (١).
стр. 7248
أَنواعُ العارِيةِ:
العارِيةُ لا تَخلو مِنْ أربَعةِ أَوجهٍ:
أحدُها: أنْ تَكونَ مُطلَقةً في الوقتِ والانتِفاعِ: كمَن استَعارَ دابَّةً أو ثَوبًا أو أرضًا لزِراعةٍ ولَم يُبيِّنْ وقتًا مَعلومًا ولا عيَّنَ مَنْ يَستَعملُه، فله أنْ يَستَعملَه في أيِّ وقتٍ شاءَ في أيِّ مَنفعةٍ شاءَ، ويُركبُ ويُلبسُ غيرَه عملًا بالإِطلاقِ؛ لأنَّ الأصلَ في المُطلَقِ أنْ يَجريَ على إِطلاقِه، وقد ملَّكَه مَنافعَ العارِيةِ مُطلقًا فكانَ له أنْ يَستَوفيَها على الوجهِ الذي ملَكَها، إلا أنَّه لا يَحملُ عليها ما يَعلمُ أنَّ مثلَها لا يُطيقُ مثلَ هذا الحملِ.
قالَ الحَنفيةُ: فلو ركِبَ هو أو لبِسَ ليسَ له أنْ يُركبَ غيرَه ولا يُلبسَه، وكذا لو ركِبَ غيرُه لا يَركَبُ، فأيًّا فعَلَ مِنْ الحملِ والإِركابِ تعيَّنَ في الصَّحيحِ، فليسَ له أنْ يَفعلَ غيرَه، وضمِنَ بغيرِه إنْ عطَبَت؛ لأنَّ ما وقَعَ أولًا تَعيَّنَ مُرادًا بالعَقدِ فصارَ كأنَّه مَنصوصٌ عليه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَجوزُ الإِعارةُ مُطلَقًا ومُقيَّدًا؛ لأنَّها إِباحةٌ فجازَ فيها ذلك كإِباحةِ الطَّعامِ، ولأنَّ الجَهالةَ إنَّما تُؤثِّرُ في العُقودِ اللَّازمةِ، فإذا أَعارَه شيئًا مُطلقًا أُبيحَ له الانتِفاعُ به في كلِّ ما هو مُستَعدٌّ له مِنْ الانتِفاعِ به.
стр. 7249
فإذا أعارَه أرضًا مُطلقًا فله أنْ يَزرعَ فيها ويَغرسَ ويَبنيَ ويَفعلَ فيها كلَّ ما هي مُعدَّةٌ له مِنْ الانتِفاعِ؛ لأنَّ الإذنَ مُطلَقٌ، وإنْ أعارَه للغِراسِ أو للبِناءِ فله أنْ يَزرعَ فيها ما شاءَ؛ لأنَّ ضَررَه دونَ ضَررِهما، فكأنَّه استَوفَى بعضَ ما أذنَ له فيه، وإنِ استَعارَها للزَّرعِ لَم يَغرسْ ولَم يَبنِ؛ لأنَّ ضَررَهما أكثرُ فلَم يَكنِ الإِذنُ في القَليلِ إذنًا في الكَثيرِ، وإنِ استَعارَها للغِراسِ أو للبِناءِ ملَكَ المَأذونُ فيه منهما دونَ الآخرِ؛ لأنَّ ضَررَهما مُختلِفٌ، فإنَّ ضرَرَ الغِراسِ في باطنِ الأرضِ لانتِشارِ العُروقِ فيها وضَررَ البِناءِ في ظاهرِها، فلَم يَكنِ الإِذنُ في أحدِهما إِذنًا في الآخرِ، وإنِ استَعارَها لزَرعِ الحِنطةِ فله زَرعُها وزَرعُ ما هو أقلُّ ضَررًا منها كالشَّعيرِ والباقِلاءِ والعدَسِ، وله زَرعُ ما ضَررُه كضَررِ الحِنطةِ؛ لأنَّ الرِّضا بزِراعةِ شيءٍ رضًا بضَررِه وما هو دونَه، وليسَ له زَرعُ ما هو أَكثرُ ضَررًا منه كالذُّرةِ والدُّخنِ والقُطنِ لأنَّ ضَررَه أَكثرُ، وحُكمُ إِباحةِ الانتِفاعِ في العارِيةِ كحُكمِ الانتِفاعِ في الإِجارةِ فيما له أنْ يَستوفيَه وما يُمنَعُ منه …
وإنْ أذِنَ له في زَرعِ مَرةٍ لَم يَكنْ له أنْ يَزرَعَ أكثرَ منها، وإنْ أذِنَ له في غَرسِ شَجرةٍ فانقلَعَت لَم يَكنْ له غَرسُ أُخرى، وكذلك إنْ أذِنَ له في وَضعِ خَشبةٍ على حائِطٍ فانكسَرَت لَم يَملكْ وَضعَ أُخرى؛ لأنَّ الإِذنَ إذا اختَصَّ بشيءٍ لَم يَتجاوزْه (١).
وقالَ أيضًا: وإذا أَطلقَ المُدةَ في العارِيةِ فله أنْ يَنتفِعَ بها ما لَم يَرجِعْ.
стр. 7250
وإنْ وقَّتَها فله أنْ يَنتفِعَ ما لَم يَرجِعْ أو يَنقَضي الوقتُ؛ لأنَّه استَباحَ ذلك بالإِذنِ ففيما عدا مَحلِّ الإِذنِ يَبقى على أَصلِ التَّحريمِ.
فإنْ كانَ المُعارُ أرضًا لَم يَكنْ له أنْ يَغرِسَ ولا يَبنيَ ولا يَزرَعَ بعدَ الوقتِ أو الرُّجوعِ، فإنْ فعَلَ شيئًا مِنْ ذلك لزِمَه قَلعُ غَرسِه وبِنائِه، وحُكمُه حُكمُ الغاصبِ في ذلك؛ لِقولِ النَّبيِّ ﷺ : «ليسَ لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ» (١)، وعليه أَجرُ ما استَوفاه مِنْ نَفعِ الأرضِ على وَجهِ العُدوانِ، ويَلزمُه القَلعُ وتَسويةُ الحُفرِ ونَقصُ الأرضِ وسائرُ أَحكامِ الغَصبِ لأنَّه عُدوانٌ (٢).
والثانِي: أنْ تَكونَ مُقيَّدةً فيهما -أيْ: في الوقتِ والانتِفاعِ- بأنِ استَعارَه يومًا أو جمُعةً ليَستعمِلَه بنَفسِه.
قالَ الحَنفيةُ: فليسَ له أنْ يُركِبَ غيرَه ولا يُلبِسَه غيرَه؛ لاختِلافِ ذلك باختِلافِ المُستعمِلينَ؛ لأنَّ الأصلَ في المُقيَّدِ اعتِبارُ القيدِ فيه، إلا إذا تَعذَّرَ اعتِبارُه، واعتِبارُ هذا القَيدِ مُمكِنٌ؛ لأنَّه مُقيَّدٌ لتَفاوتِ الناسِ في استِعمالِ الدَّوابِّ والثِّيابِ رُكوبًا ولُبسًا، فلزِمَ اعتِبارُ القَيدِ فيه، فإنْ خالَفَ إلى شرٍّ ضمِنَ.
وإنْ أعارَه دارًا ليَسكنَها بنَفسِه فله أنْ يُسكِنَها غيرَه؛ لأنَّ المَملوكَ بالعَقدِ السُّكنَى، والناسُ لا تَتفاوتُ فيه، فلَم يَكنِ التَّقييدُ بسُكناه مُفيدًا فيَلغو، إلا إذا كانَ الذي يَسكنُها حَدادًا أو قَصارًا أو نحوَهما ممن يُوهِنُ
стр. 7251
عليه البِناءُ، فليسَ له أنْ يُسكنَها إيَّاه ولا أنْ يَعملَ بنَفسِه ذلك؛ لأنَّ المُعيرَ لا يَرضى به عادةً، والمُطلَقُ يَتقيَّدُ بالعُرفِ والعادةِ (١).
ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّه لو أعارَه دابَّةً ليَركبَها إلى مَوضعٍ مُحدَّدٍ فجاوَزَه فهو مُتَعدٍّ مِنْ حينِ المُجاوَزةِ، وكذا لو أعارَه دابَّةً ليَحملَ عليها شيئًا مُعينًا فحملَ أكثرَ منها وزنًا فهو مُتَعدٍّ.
قالَ الحَنفيةُ: ولو أعارَه دابَّةً على أنْ يَحملَ عليها عشرةَ مَخاتيمَ شَعيرٍ فليسَ له أنْ يَحملَ عليها عَشرةَ مَخاتيمَ حِنطةٍ؛ لأنَّ الحِنطةَ أَثقلُ مِنْ الشَّعيرِ، فكانَ اعتِبارُ القَيدِ مُفيدًا، فإنْ فعَلَ وخالَفَ إلى شرٍّ ضمِنَ عَملًا بالتَّقييدِ فقط، ولا يَضمنُ بالخِلافِ إلى خَيرٍ ولا إلى مُساوٍ، فلو أَعارَه على أنْ يَحملَ عَشرةَ مَخاتيمَ حِنطةٍ جازَ له أنْ يَحملَ عليها عَشرةَ مَخاتيمَ شَعيرٍ أو مثلُ ذلك مما يَكونُ مثلَ الحِنطةِ أو أَخفَّ منها؛ لأنَّ الإذنَ بالشيءِ إِذنٌ بما يُساوِيه وبما هو خَيرٌ منه (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنِ استَعارَها إلى مَوضعٍ فجاوَزَه فقد تَعدَّى وعليه الأُجرةُ للزِّيادةِ خاصةً، فإذا استَعارَها إلى طَبريةَ فتجاوَزَ إلى القُدسِ فعليه أجرُ ما بينَ طبَريةَ والقُدسِ خاصةً.
стр. 7252
وإنِ اختلفا فقالَ المالكُ: «أَعرتُكَها إلى طبَريةَ» وقالَ المُستَعيرُ: «أَعرتَنِيها إلى القدسِ» فالقولُ قولُ المالكِ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأَصحابُ الرَّأيِ.
وقالَ مالكٌ: إنْ كانَ يُشبِه ما قالَ المُستَعيرُ فالقولُ قولُه وعليه الضَّمانُ.
ولنا: إنَّ المالكَ مُدَّعًى عليه فكانَ القولُ قولَه؛ لِقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لكنَّ اليَمينَ على المُدَّعى عليه» (١).
وجاءَ في «المدونة الكبرى»: فيمَن استَعارَ دابَّةً يَركَبُها إلى سَفرٍ بَعيدٍ:
(قلْتُ) لابنِ القاسِمِ: أرَأيتَ لو أنَّ رَجلًا استَعارَ مِنْ رَجلٍ دابَّةً ليَركبَها حيثُ شاءَ ويَحمِلَ عليها ما شاءَ وهو بالفُسطاطِ فركِبَها إلى الشامِ أو إلى إِفريقيةَ؟ (قالَ): يُنظَرُ في عارِيتِه، فإن كانَ وَجهُ عارِيتِه إنَّما هو إلى المَوضعِ الذي يَركبُ إليه وإلا فهو ضامنٌ، ومِن ذلك أنَّه يَأتِي إلى الرَّجلِ فيَقولُ: «أسرِجْ لي دابَّتَك لأَركبَها في حاجةٍ لي» فيَقولُ له: «اركَبْها حيثُ أحبَبْت»، فهذا يَعلمُ الناسُ أنَّه لَم يُسرِجْها له إلى الشامِ ولا إلى إِفريقيةَ.
(قلْتُ): تَحفَظُه عن مالكٍ؟
(قالَ): هذا رَأيي.
(قالَ): ووَجدتُ في مَسائلِ عبدِ الرَّحيمِ أنَّ مالكًا قالَ فيمَن استَعارَ دابَّةً إلى بَلدٍ فاختَلفا فقالَ المُستَعيرُ: «أَعرتَنِيها إلى بَلدِ كذا وكذا» وقالَ المُعيرُ:
стр. 7253
«إلى مَوضعِ كذا وكذا» (قالَ) إنْ كانَ يُشبُه ما قالَ المُستَعيرُ فعليه اليَمينُ، فهذا يَدلُّك على ما فسَّرتُ لك.
وجاءَ فيها: فيمَن استَعارَ دابَّةً ليَحملَ عليها حِنطةً فحمَلَ عليها غيرَ ذلك.
(قلْتُ) لابنِ القاسِمِ: أرَأيتَ لو أنَّ رَجلًا استَعارَ دابَّةً ليَحملَ عليها حِنطةً فحمَلَ عليها حِجارةً فعطبَتْ، أيَضمنُ أم لا في قولِ مالكٍ؟
(قالَ): قالَ مالكٌ في رَجلٍ اكتَرى دابَّةً مِنْ رَجلٍ ليَحملَ عليها أو ليَركبَها فأَكْراها مِنْ غيرِه فعطبَتْ (قالَ): إنْ كانَ أَكْراها في مِثلِ ما تَكاراها له وكانَ الذي اكْتَراها عَدلًا أَمينًا لا بَأسَ به فلا ضَمانَ عليه، وإنْ كانَ ما حمَلَ على الدابَّةِ مما يُشبِه أنْ يَكونَ مثلَ الذي استَعارَها له فعطَبَت فلا ضَمانَ عليه، وإنْ كانَ ذلك أَضرَّ بالدابَّةِ فعطَبَت فهو ضامنٌ.
(قالَ): ومما يُبيِّنُ لك ذلك أنَّه لو استَعارَها ليَحملَ عليها بزًّا فحمَلَ عليها كَتانًا أو قُطنًا أو استَعارَها ليَحملَ عليها حِنطةً فحمَلَ عليها عدَسًا أنَّه لا يَضمنُ في قولِ مالكٍ، وإنَّما يَضمنُ إذا كانَ أمرًا مُخالفًا فيه ضَررٌ على الدابَّةِ، فهذا الذي يَضمَنُ إنْ عطَبَت.
(قلْتُ): أرَأيتَ إنِ استعَرتُ دابَّةً لأَحملَ عليها حِنطةً فركِبتُها أنا ولَم أَحمِلْ عليها فعطبَتْ هل أَضمَنُها أم لا؟
(قالَ): يُنظَرُ في ذلك، فإنْ كانَ رُكوبُك أضَرَّ بالدابَّةِ مِنْ الحِنطةِ وأَثقلَ ضمِنتَها وإلا فلا ضَمانَ عليك.
стр. 7254
(قلْتُ): أرَأيتَ إنِ استعَرتُ مِنْ رَجلٍ دابَّةٍ لأَركبَها إلى مَوضعٍ مِنْ المَواضعِ فركِبتُها وحمَلتُ خَلفي رَديفًا فعطَبَتِ الدابَّةُ، ما عليَّ؟ (قالَ): ربُّها مُخيَّرٌ في أنْ يَأخذَ منك كِراءَ الرَّديفِ ولا شيءَ له غيرَ ذلك، وفي أنْ يُضمِّنَك قِيمتَها يومَ حمَلْت عليها الرَّديفَ.
(قلْتُ): أجَميعَ قِيمتِها أو نِصفَ قِيمتِها؟
(قالَ): جَميعَ قِيمتِها.
(قلْتُ): وهذا قولُ مالكٍ؟
(قالَ): سُئلَ مالكٌ عن رَجلٍ تَكارَى بَعيرًا ليَحملَ عليه وَزنًا مُسمًّى فتَعدَّى فحمَلَ عليه أكثرَ مما شرَطَ في الوَزنِ فعطَبَ البَعيرُ فهلَكَ أو أدبَرَه أو أعنَتَه، قالَ مالكٌ: يُنظَرُ في ذلك، فإن كانَ الذي زادَ عليه الرَّطلَينِ والثَّلاثةَ وما أشبَهَ ذلك مما لا يَعطبُ في مثلِ تلك الزِّيادةِ كانَ له كِراءُ تلك الزِّيادةِ إنْ أَحبَّ ولا ضَمانَ على المُتكارِي في البَعيرِ إنْ عطَبَ. (قالَ): فإنْ كانَ في مثلِ ما زادَ عليه ما يَعطبُ في مثلِه كانَ صاحبُ البَعيرِ مُخيَّرًا، فإنْ أَحبَّ فله قِيمةُ بَعيرِه يومَ تَعدَّى عليه، وإنْ أَحبَّ فله كِراءُ ما زادَ على بَعيرِه معَ الكِراءِ الأولِ ولا شيءَ له مِنْ القِيمةِ، فكذلك مَسألتُك في العارِيةِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: ولو استَعارَ دابَّةَ ليَركبَها إلى مَوضعٍ فجاوَزَه فهو مُتعدٍّ مِنْ حينِ المُجاوَزةِ، وعليه أُجرةُ المثلِ ذَهابًا مِنْ ذلك المَوضعِ ورُجوعًا
стр. 7255
إليه، وفي لُزومِ أُجرةِ المثلِ مِنْ ذلك المَوضعِ إلى أنْ يَرجعَ إلى البلدِ الذي استَعارَ منه وَجهانِ:
وهل له الرُّجوعُ بها إلى مَكانِها الذي استَعارَها منه أو لا؟ وَجهانِ:
أحدُهما: لا؛ لأنَّ الإِذنَ قد انقَطعَ بالمُجاوزةِ فيُسلِّمُها إلى حاكمِ تلك البَلدِ.
وثانِيهما: نَعم، وهو الأوجَه وصحَّحَه السُّبكيُّ وتبِعَه البُلقِينيُّ، كما لا يَنعزلُ الوَكيلُ عن وَكالتِه بتَعدِّيه، بجامعِ أنَّ كلًّا منهما عَقدٌ جائزٌ، ولا يَلزمُه على هذا أُجرةُ الرُّجوعِ (١).
والثالثُ: إذا كانَت مُطلَقةً في الوقتِ مُقيَّدةً في الانتِفاعِ بأنِ استَعارَها ليَحملَ عليها حِنطةً فله أنْ يَحمِلَ الحِنطةَ متى شاءَ كما يَقولُ الحَنفيةُ.
والرابعُ: إذا كَانَتْ مُقيَّدةً في الوقتِ مُطلَقةً في الانتِفاعِ بأنِ استَعارَ دابَّةً يومًا ولَم يُسمِّ ما يَحملُ عليها فله أنْ يَحملَ ما شاءَ في اليومِ، فإنْ أمسَكَها بعدَ الوقتِ ضمِنَ إنِ انتَفعَ بها في اليومِ الثانِي، وقيلِ: يَضمنُ بمُجردِ الإِمساكِ؛ لأنَّه أمسَكَ مالَ الغيرِ بغيرِ إِذنِه وهو الصَّحيحُ؛ وإنِ اختلَفا في الوقتِ والمَكانِ وما يَحملُ عليها فالقولُ قولُ المُعيرِ معَ يَمينِه؛ لأنَّ الإِذنَ منه يُستفادُ فيَثبتُ بقَدرِ ما أقَرَّ به، وما زادَ فالمُستَعيرُ مُستعمَلٌ فيما لَم يُؤذنْ له فيَضمنُ (٢).
стр. 7256
الانتِفاعُ بالعارِيةِ:
لا خِلافَ بينَ الفَقهاءِ على أنَّه يَجوزُ للمُستَعيرِ أنْ يَستعمِلَ ويَنتفِعَ بالعَينِ المُعارةِ فيما أُذنَ له فيه.
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ للمُستَعيرِ أنْ يَستعملَ الشيءَ المُستَعارَ فيما أُذنَ له أنْ يَستعمِلَه فيه (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ للمُستَعيرِ استِعمالَ المُعارِ فيما أُذنَ له فيه (٢).
وقد عدَّ بعضُ العُلماءِ كالهَيثميِّ في «الزواجر» استِعمالَ العارِيةَ في غيرِ ما أُذنَ له فيه مِنْ الكَبائرِ، حيثُ قالَ: استِعمالُ العارِيةِ في غيرِ المَنفعةِ التي استَعارَها لها أو إِعارتُها مِنْ غيرِ إذنِ مالكِها أو عندَ مَنْ قالَ بمَنعِها أو استِعمالُها بعدَ المدةِ المُؤقَّتةِ بها، وتَصريحِي بأنَّ هذه الثَّلاثةَ كبائرُ ظاهرٌ مِنْ كَلامِهم؛ لأنَّه يَرجعُ إلى الغَصبِ والظُّلمِ الآتِيينِ، وكلٌّ منهما كَبيرةٌ إِجماعًا؛ إذ فيه ظُلمٌ للمالكِ واستِيلاءٌ على حقِّهِ ومالِه بغيرِ حقٍّ، فكلُّ ما ورَدَ فيهما مِنْ الوَعيدِ الشَّديدِ في الأَحاديثِ الآتيةِ تَشملُ هذه الثَّلاثةَ ونحوَها (٣).
стр. 7257
حُكمُ ردِّ العارِيةِ:
لا خِلافَ بينَ الفَقهاءِ على أنَّه يَجبُ على المُستَعيرِ ردُّ العارِيةِ إنْ كانَت باقِيةً عندَه ولَم تَتلفْ.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجبُ ردُّ العارِيةِ إن كانَت باقِيةً بغيرِ خِلافٍ (١).
مُؤنةُ ردِّ العارِيةِ على المُستَعيرِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفَقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ إلى أنَّ مُؤنةَ ردِّ العينِ المُستَعارةِ إنْ كانَ لها مُؤنةٌ على المُستَعيرِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «العارِيةُ مُؤدَّاةٌ»، وقولِه ﷺ : «على اليدِ ما أخَذَت حتى تَردَّه» وذلك لأنَّ الأجرَ مُؤنةُ الردِّ، فمَن وجَبَ عليه الردُّ وجَبَ أَجرُه، والردُّ في العارِيةِ واجبٌ على المُستَعيرِ؛ لأنَّه قبَضَه لمَنفعةِ نَفسِه، والغُرمُ بإِزاءِ الغُنمِ.
ولأنَّ الإِعارةَ نَوعُ بِرٍّ ومَعروفٍ، فلو لَم تَجعلْ مُؤنةَ الردِّ على المُستَعيرِ لَامتَنعَ الناسُ مِنْ الإِعارةِ، ولأنَّ رَبَّها فعَلَ مَعروفًا فلا ينبَغي أنْ يُشدَّدَ عليه (٢).
стр. 7258
وذهَبَ الحَنابلةُ في قولٍ إلى أنَّ مُؤنةَ الردِّ على المُعيرِ، قالَ المِرداويُّ: وقيلَ مُؤنةُ ردِّها على المالكِ، ذكَرَه في القاعدةِ الثامنةِ والثَّلاثينَ (١).
إذا طلَبَ المُعيرُ العارِيةَ فلَم يَردَّها:
العارِيةُ -كما تَقدَّمَ- مَضمونةٌ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ مُطلَقًا، وعندَ الحَنفيةِ أَمانةٌ، والمالِكيةُ يُفرِّقونَ بينَ ما يَغيبُ عليه وما لا يَغيبُ عليه، فإذا طلَبَ المُعيرُ مِنْ المُستَعيرِ ردَّ العارِيةِ فمنَعَه فمَذهبُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ القَطعُ بالضَّمانِ؛ لأنَّها مَضمونةٌ في الأصلِ عندَهم.
وأما الحَنفيةُ الذينَ قالوا إنَّها أَمانةٌ فقالوا: إذا طلَبَ المُعيرُ العارِيةَ فمنَعَها المُستَعيرُ عنه فهو ضامنٌ وهذا ظاهرٌ، وإنْ لَم يَمنعْه منه ولكنْ قالَ لصاحبِه: دَعْه عندِي إلى غدٍ ثُم أَردُّ عليك فرضِيَ بذلك ثُم ضاعَ لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أعارَه مَرةً أُخرى؛ هكذا ذكَرَ المسألةَ في «الأصل»، وذكَرَ في «فتاوى أبي الليث» هذه المَسألةَ في صورةٍ أُخرى، فقالَ:
إذا قالَ المُستَعيرُ: نَعم أَدفعُ، وفرَّطَ في الدَّفعِ حتى مَضى شَهرٌ، ثم سُرقَ مِنْ المُستُعيرِ؛ جعَلَها على وَجهينِ:
الأولُ: أنْ يَكونَ المُستَعيرُ عاجزًا عن الردِّ وقتَ الطَّلبِ، وفي هذا الوَجهِ لا ضَمانَ.
стр. 7259
والوجهُ الثانِي: أنْ يَكونَ المُستَعيرُ قادرًا على الردِّ وقتَ الطَّلبِ، وإنَّه على وُجوهٍ ثَلاثةٍ؛ إما إنْ نصَّ المُعيرُ على السّخطِ، أو لَم يَنصَّ على السّخطِ والرِّضا، وفي هذينِ الوَجهينِ يَجبُ الضَّمانُ، وإما إنْ نصَّ على الرِّضا وقالَ: لا بأسَ به، وفي هذا الوَجهِ لا ضَمانَ، ويَكونُ هذا منه ابتِداءً إِعارةً.
وإنْ لَم يَطلبْ وهو لَم يردَّه حتى ضاعَ إنْ كانَت العارِيةُ مُطلَقةً لا يَضمنُ، وإن كانَت مُؤقَّتةً بوقتٍ فمَضى الوقتُ ولَم يَردَّ يَضمنُ، وكذا إذا كانَت مُؤقَّتةً بمَنفعةٍ بأنِ استَعارَ قُدومًا لكَسرِ الحَطبِ فكسَرَ ولَم يَردَّ حتى ضاعَ ضمِنَ (١).
стр. 7260
اختِلافُ المُعيرِ والمُستَعيرِ:
المُعيرُ والمُستَعيرُ قد يَختَلفانِ في العارِيةِ، هل هي عارِيةٌ أم إِجارةٌ أو غَصبٌ أو وَديعةٌ أو غيرُ ذلك؟ وبَيانُه فيما يلي:
١ - إذا اختلَفا هل هي عارِيةٌ أم إِجارةٌ:
إذا كانَتِ الدابَّةُ أو السَّيارةُ مثلًا في يدِ رَجلٍ فقالَ ربُّ الدابَّةِ مثلًا: «أَكريتُكَها إلى مَوضعِ كذا بكذا وعليك الأُجرةُ»، وقالَ الراكِبُ: «بل أَعرْتَنيها ولا أُجرةَ لك»، فهذا لا يَخلو مِنْ احتِمالَينِ:
الأولُ: أنْ تَكونَ الدابَّةُ باقِيةً:
فإنْ كانَتِ الدابَّةُ باقِيةً ولَم تَنقصْ لَم يَخلُ مِنْ أنْ يَكونَ الاختِلافُ عُقيبَ العَقدِ أو بعدَ مُضيِّ مُدةٍ لمِثلِها أَجرٌ.
فإنْ كانَ عقبَ العَقدِ فالقولُ قولُ الراكِبِ معَ يَمينِه عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنَّ الأَصلَ عَدمُ عَقدِ الإِجارةِ وبَراءةُ ذمَّةِ الراكِبِ منها، فيَحلفُ ويَردُّ الدَّابةَ إلى مالكِها؛ لأنَّها عارِيةٌ، وكذا إنِ ادَّعى المالكُ أنَّها عارِيةٌ وقالَ الراكِبُ: «بل اكتَريتُها»، فالقولُ قولُ المالكِ معَ يَمينِه؛ لأنَّ الأَصلَ عَدمُ العقدِ.
وإنْ كانَ اختِلافُهما بعدَ أنْ مَضى زَمانٌ لمثلِه أُجرةٌ وادَّعى المالكُ الإِجارةَ وادَّعى الراكِبُ أنَّها عارِيةٌ: فذهَبَ الشافِعيةُ في قولٍ -وحَكاه العُمرانِيُّ وابنُ قُدامةَ عن أَبي حَنيفةَ- إلى أنَّ القولَ قولُ الراكِبِ؛ لأنَّ
стр. 7261
المالكَ وافقَه على إِباحةِ المَنفعةِ له، والأصلُ بَراءةُ ذمَّتِه مِنْ الأُجرةِ التي يَدَّعيها، فكانَ القولُ قولَه.
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنَّ القولَ قولُ المالكِ معَ يمينِه؛ لأنَّهما اختَلفا في كَيفيةِ انتِقالِ المَنافعِ إلى ملكِ الراكِبِ، فكانَ القولُ قولَ المالكِ، كما لو اختَلفا في عَينٍ فقالَ المالكُ: «بِعتَكَها»، وقَالَ الآخرُ: «وهبتَنِيها»، ولأنَّ المَنافعَ تَجري مجرَى الأَعيانِ في الملكِ والعَقدِ عليها، ولو اختَلفا في الأَعيانِ كانَ القولُ قولَ المالكِ، كذا ههنا، ولأنَّ الجَميعَ مُتفِقٌ على أنَّ المَنافعَ لا تُنقلُ إلى الراكِبِ إلا بنَقلِ المالكِ لها، فيَكونُ القولُ قولَه في كَيفيةِ الانتِقالِ كالأَعيانِ، فيَحلفُ المالكُ ويَستَحقُّ الأُجرةَ.
جاءَ في «المدونة الكبرى»: (قلْتُ) أرَأيتَ لو أنَّ رَجلًا ركِبَ دابَّتي إلى فِلسطينَ، فقلْتُ: «أَكْريتُها منك». وقالَ: «بل أَعرْتَنِيها». (قالَ): القولُ قولُ صاحبِ الدابَّةِ، إلا أنْ يَكونَ ممَّن ليسَ مثلُه يَكرِي الدَّوابَّ، مثلُ الرَّجلِ الشَّريفِ المَنزلةِ والذي له القَدرُ والغِنى، وهذا رَأيي، واللهُ أَعلمُ (١).
إلا أنَّهم اختَلفوا في قَدرِ الأُجرةِ: (وإذا قُلنا: القولُ قولُ المالكِ فعندَ الشافِعيةِ إنْ حلَفَ استَحقَّ الأُجرةَ)، إلا أنَّهم اختَلفوا أيَّ أُجرةٍ يَستحقُّ هل له أُجرةُ المِثلِ أم المُسمَّى؟ وَجهانِ عندَ الشافعيةِ والحَنابلةِ.
стр. 7262
أحدُهما: أنَّ له أَجرَ المِثلِ؛ لأنَّهما لو اتَّفَقا على عَقدِ الإِجارةِ واختَلفا في قدرِ الأُجرةِ لَم يَستحقَّ المُسمَّى، فبألَّا يَستحقَّ المُسمَّى ولَم يَتفقا على قدرِ الإِجارةِ أَولى.
والوجهُ الثانِي عندَهما: أنَّ له الأُجرةَ المُسماةَ التي ادَّعاها؛ لأنَّه وجَبَ بقولِ المالكِ ويَمينِه، فوجَبَ ما حلَفَ عليه كالأَصلِ.
وفي احتِمالٍ عندَ الشافِعيةِ أنَّ المالكَ يَستحقُّ أقلَّ الأَمرينِ مِنْ المُسمَّى أو أُجرةِ المِثلِ؛ لأنَّه إنْ كانَ المُسمَّى أَكثرَ، لَم يَستحِقّ الزِّيادةَ عليه؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَستحِقَّ ذلك بدَعواه أو يَمينِه، وإنْ كانَ أُجرةُ المِثلِ أَكثرَ لَم يَستحِقّ الزِّيادةَ على المُسمَّى؛ لأنَّه يَدعِيها.
الثانِي: أنْ تَكونَ الدابَّةُ تالِفةً:
قالَ العُمرانِيُّ الشافعيُّ ﵀: وإنِ اختَلفا بعدَ تَلفِ الدابَّةِ نظَرتَ:
فإنْ تلِفَت عُقيبَ الدَّفعِ قبلَ أنْ تَمضيَ مُدةٌ لمِثلِها أُجرةٌ، فإنِ المالكُ ادَّعى عَقدَ الإِجارةِ -ولو صحَّ عَقدُها لانفسَخَت بمَوتِ الدابَّةِ عُقيبَ الدَّفعِ- فلا تَصحُّ دَعواه للأُجرةِ؛ لأنَّ الراكِبَ يُقرُّ له بقِيمةِ الدابَّةِ، وهو لا يَدعِيها.
قالَ الشَّيخُ أَبو حامدٍ: فيُقالُ لِمالكِ الدابَّةِ: قد أقرَّ لك بقِيمةِ الدابَّةِ، فإنْ شِئتَ فصدِّقْه أنَّك أَعرتَه الدابَّةَ وخذْ قِيمتَها منه، وإنْ لَم تُصدِّقْه فلا شيءَ لك.
стр. 7263
وإنْ تلِفَت الدابَّةُ بعدَ أنْ مضَت مُدةٌ لمِثلِها أُجرةٌ فإنَّ المالكَ يَدَّعي أُجرةَ ما مَضى ولا يَدَّعي القِيمةَ، والراكِبُ يُنْكِرُ الأُجرةَ ويُقرُّ له بالقِيمةِ، واختَلفَ أَصحابُنا فيها:
فمنهم مَنْ قالَ: يُنظَرُ فيه؛ فإنْ كانَت الأُجرةُ والقِيمةُ سَواءً فإنَّ الحاكمَ يَأخذُ ذلك مِنْ الراكِبِ، ويَدفعُه إلى المالكِ مِنْ غيرِ يَمينٍ؛ لأنَّهما قد اتَّفَقا على استِحقاقِ مالكِ الدابَّةِ لذلك، وإنِ اختَلفا في سَببِه، فإنْ كانَت القِيمةُ أَكثرَ مِنْ الأُجرةِ ألزَمَه الحاكمُ دَفعَ قَدرِ الأُجرةِ، وقيلَ للمالكِ: «أنت لا تدَّعي الزِّيادةَ على قَدرِ الأُجرةِ، فإن أرَدْت أنْ تَستِحقَّه فأقِرَّ أنَّك أعرْتَه ولَم تُؤاجِرْه»، وإنْ كانَت الأُجرةُ أَكثرَ مِنْ القِيمةِ ألزَمَه الحاكمُ أنْ يَدفعَ إليه قَدرَ القِيمةِ، وكانَ الحُكمُ في الزِّيادةِ على الطَّريقَينِ إذا كانَت الدابَّةُ باقِيةً.
ومنهم مَنْ قالَ: يَسقُطُ إِقرارُه بالقِيمةِ؛ لأنَّه أقرَّ بها لمَن لا يَدَّعيها، والمالكُ يَدَّعي الأُجرةُ والراكِبُ يُنكِرُ، ومَن القولُ قولُه؟ على الطَّريقَينِ إذا كانَت الدابَّةُ باقِيةً (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنِ اختَلفا في ذلك بعدَ تَلفِ البَهيمةِ قبلَ مُضي مدةٍ لِمثلِها أجرٌ فالقولُ قولُ المالكِ، سواءٌ ادَّعى الإِجارةَ أو الإِعارةَ؛ لأنَّه إنِ ادَّعى الإِجارةَ فهو مُعتَرفٌ للراكِبِ ببَراءةِ ذمَّتِه مِنْ ضَمانِها، فيُقبَلُ إِقرارُه على نَفسِه، وإنِ ادَّعى الإِعارةَ فهو يَدَّعي قِيمتَها فالقولُ قولُه؛ لأنَّهما
стр. 7264
اختَلفا في صِفةِ القَبضِ، والأَصلُ فيما يَقبضُه الإِنسانُ مِنْ مالِ غيرِه الضَّمانُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «على اليدِ ما أخذَت حتى تُؤديَه»، فإذا حلَفَ المالكُ استَحقَّ القِيمةَ، والقولُ في قَدرِها قولُ الراكِبِ معَ يَمينِه؛ لأنَّه يُنْكِرُ الزِّيادةَ المُختلَفَ فيها والأَصلُ عَدمُها.
وإنِ اختَلفا في ذلك بعدَ مُضيِّ مدةٍ لمِثلِها أَجرٌ وتلَفِت البَهيمةِ وكانَ الأَجرُ بقدرِ قِيمتِها أو كانَ ما يَدَّعيه المالكُ منهما أَقلَّ مما يَعتَرفُ به الراكِبُ فالقولُ قولُ المالكِ بغيرِ يَمينٍ، سَواءٌ ادَّعى الإِجارةَ أو الإِعارةَ؛ إذ لا فائِدةَ في اليَمينِ على شيءٍ يَعتَرفُ له به.
ويُحتمَلُ ألَّا يَأخذَه إلا بيَمينٍ؛ لأنَّه يَدَّعي شيئًا لا يُصدَّقُ فيه، ويَعتَرفُ له الراكِبُ بما يَدَّعيه فيَحلِفُ على ما يدَّعيه، وإنْ كانَ ما يَدَّعيه المالكُ أَكثرَ -مثلُ: إنْ كانَت قِيمةُ البَهيمةِ أكثرَ مِنْ أَجرِها- فادَّعى المالكُ أنَّها عارِيةٌ لتَجبَ له القِيمةُ وأنكَرَ استِحقاقَ الأُجرةِ وادَّعى الراكِبُ أنَّها مُكتَراةٌ أو كانَ الكِراءُ أَكثرَ مِنْ قِيمتِها فادَّعى المالكُ أنَّه أجَّرَها ليَجبَ له الكِراءُ وادَّعى الراكِبُ أنَّها عارِيةٌ فالقولُ قولُ المالكِ في الصُّورتَينِ؛ لِمَا قدَّمْنا، فإذا حلَفَ استَحقَّ ما حلَفَ عليه، ومَذهبُ الشافِعيِّ في هذا كلِّه نحوُ ما ذكَرْنا (١).
٢ - إذا اختَلفا فقالَ الراكِبُ: «أَكْريتَنِيها»، وقالَ المالكُ: «بل أَعرْتُكَها»:
إذا كانَ الاختِلافُ عَكسَ الحالةِ الأُولى بأنْ قالَ الراكِبُ: «أكْريتَنِيها»، وقالَ المالكُ: «بل أَعرْتُكَها» والدابَّةُ باقِيةٌ، فالقولُ قولُ المالكِ في نَفيِ
стр. 7265
الإِجارةِ، فإنْ حلَفَ أنَّه ما أجَّرَه استَرَدَّها، فإنْ نكَلَ حلَفَ الراكِبُ واستَحقَّ الإِمساكَ، وهذا مَذهبُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ.
وإذا مضَت مُدةٌ لها أُجرةٌ، والراكِبُ يُقرُّ بالأُجرةِ، والمالكُ يُنكرُها، فلا يَستحِقُّها إلا بالتَّصديقِ.
قالَ الشافِعيةُ: وإنْ كانَ هذا الاختِلافُ بعدَ هَلاكِ الدابَّةِ، فإنْ تلِفَت عُقيبَ الدَّفعِ قبلَ أنْ تَمضيَ مُدةٌ لمِثلِها أُجرةٌ فإنَّ المالكَ يَدَّعي أنَّها عارِيةٌ ليَستحقَّ قِيمتَها والراكِبُ يُنكرُ العارِيةَ فالقولُ قولُ المالكِ قولًا واحدًا؛ لأنَّ الاختِلافَ هاهنا في العَينِ لا في المَنفعةِ، والعَينُ قد قبَضَها الراكِبُ، والأَصلُ فيما يَقبضُه الإِنسانُ مِنْ مالِ غيرِه الضَّمانُ؛ لِقولِه ﷺ : «على اليدِ ما أخذَت حتى تُؤديَه».
وإنْ كانَ الاختِلافُ بعدَ مُضي المُدةِ فإنَّ الراكِبَ يُقرُّ له بالأُجرةِ، والمالكُ يَدَّعي القِيمةَ، فإن كانَت القِيمةُ بقَدرِ الأُجرةِ فقيلَ: يَدفعُ إليه مِنْ غيرِ يَمينٍ؛ لأنَّهما اتَّفَقا أنَّ المالكَ يَستحِقُّ ذلك.
وقيلَ: لا تَثبتُ الأُجرةُ؛ لأنَّه لا يَدَّعيها، ولكنْ يَحلِفُ المالكُ على القِيمةِ، وهكذا الوَجهانِ لو كانَت القِيمةُ أقلَّ، هل يَستحِقُّها المالكُ مِنْ غيرِ يَمينٍ؟
وإنْ كانَت القِيمةُ أكثرَ لَم يَستحقَّ المالكُ ما زادَ على الأُجرةِ حتى يَحلِفَ، وهل يَستحِقُّ قَدرَ الأُجرةِ مِنْ غيرِ أنْ يَحلِفَ؟ على الوَجهَينِ (١).
стр. 7266
٣ - إذا اختَلفا هل هي عارِيةٌ أم مَغصوبةٌ؟
قالَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ: إذا اختَلفَ المُتصرِّفُ والمالكُ، فقالَ المُتصرِّفُ: «أَعرْتَني الدابةَ» مثلًا، وقالَ المالكُ: «بل غصَبْتني».
فإنْ لَم يَمضِ مُدةٌ لها أُجرةٌ وكانَتِ الدابَّةُ على حالِها لَم تَتلفْ فلا مَعنى للمُنازعةِ، فيَردُّ المالَ إلى مالكِه، وكذا إنْ تلِفَتِ الدابَّةُ؛ لأنَّ القِيمةَ تَجبُ على المُستَعيرِ كوُجوبِها على الغاصبِ.
وإنْ كانَ الاختِلافُ بعدَ مُضيِّ مُدةٍ لمِثلِها أُجرةٌ فهل القولُ قولُ المالكِ أو قولُ مَنْ في يدِه الدابَّةُ؟
فذهبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنَّ القولَ قولُ المالكِ؛ لأنَّ المالكَ يُنْكِرُ انتِقالَ الملكِ فيها إلى الراكِبِ، والراكِبُ يَدَّعيه، والقولُ قولُ المُنكِرِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الانتِقالِ، فيَحلِفُ ويَستحِقُّ الأُجرةَ عندَ الشافعيةِ في المَذهبِ والحَنابلةِ.
وقالَ الشافِعيةُ في قولٍ وهو اختِيارُ المُزنِيِّ ونقَلَه عن الشافِعيِّ أنَّ القولَ قولُ المُستَعيرِ؛ لأنَّ المَنافعَ قد تلِفَت وليسَتْ ملكًا قائمًا، والمالكُ يَدَّعي عليه عِوضَها، والأَصلُ بَراءةُ ذمَّتِه، ولأنَّ الظاهرَ أنَّ تَصرُّفَه بحقٍّ، ومُدَّعي الغَصبِ يَدَّعي خِلافَ الظاهرِ، فكانَ القولُ قولَ صاحبِ اليدِ (١).
стр. 7267
٤ - الاختِلافُ في ردِّ العارِيةِ:
اختَلفَ الفَقهاءُ فيما لو قالَ المُستَعيرُ: «ردَدْتُ المُستَعارَ إليك»، وقالَ المُعيرُ: «لم تَردَّها».
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ القولَ قولُ المُعيرِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الردِ، وكالمَدينِ إذا ادَّعى أَداءَ الدَّينِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا اختَلفَ المُعيرُ والمُستَعيرُ في ردِّ العارِيةِ، فقالَ المُعيرُ: «لَم تَردَّها» وقالَ المُستَعيرُ: «ردَدْتها»، ففي ذلك تَفصيلٌ، وهو أنَّه يَنظرُ:
فإنْ كانَتِ العارِيةُ مما لا يُغابُ عليه ولَم يَكنْ قبَضَها بإِشهادٍ فالقولُ قولُ المُستَعيرِ أنَّه ردَّها معَ يمينِه.
وإنْ كانَت مما يُغابُ عليه فالقولُ قولُ المُعيرِ أنَّها لَم تَردَّ، سَواءٌ قبَضَها المُستَعيرُ بإِشهادٍ أو بغيرِه، وكذلك ما لا يُغابُ عليه إذا قبَضَه بإِشهادٍ فإنَّ القولَ قولُ المُعيرِ أنَّها لَم تَردَّ (٢).
الردُّ المُبرِئُ للمُستَعيرِ:
اتَّفقَ فَقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المُستعيرَ إذا ردَّ الدابَّةَ إلى المُعيرِ أو إلى وَكيلِه في قَبضِها أنَّه يَبرأُ مِنْ الضَّمانِ بهذا.
стр. 7268
إلا أنَّ الفَقهاءَ اختلَفُوا فيما لو ردَّ العينَ المُعارةَ إلى زَوجةِ المُعيرِ أو إلى أَولادِه أو إلى المَكانِ الذي أخذَها منه.
على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ.
قالَ الحَنفيةُ في الاستِحسانِ وهو أيضًا قولُ المالِكيةِ: إنْ ردَّ المُستَعيرُ الدابَّةَ معَ خادمِه أو بعضِ مَنْ هو في عِيالِه، أو ردَّها معَ عبدِ المُعيرِ أو خادِمه، أو ردَّها بنَفسِه إلى بيتِ المالكِ فلا ضَمانَ عليه إنْ عطَبَت؛ لأنَّ يدَ مَنْ هو في عِيالِه في الردِّ كيدِه، كما أنَّ يدَ مَنْ في عِيالِه في الحِفظِ كيدِه، والعُرفُ الظاهرُ أنَّ المُستَعيرَ يَردُّ المُستعارَ بيدِ مَنْ في عِيالِه ولهذا يَعولُهم، فكانَ مَأذونًا فيه من جِهةِ صاحبِها دِلالةً.
وجهُ الاستِحسانِ: أنَّ صاحبَها إنَّما يَحفَظُ الدابَّةَ بسائسِها، ولو دفَعَ المُستَعيرُ الدابَّةَ إلى مالكِها فهذا يَدفَعهُا إلى السائسِ، فكذلك إذا ردَّها على السائسِ، والعُرفُ الظاهرُ أنَّ صاحبَ الدابَّةِ يَأمرُ السائسَ بدَفعِها إلى المُستَعيرِ، وباستِردادِها منه إذا فرَغَت، فيَصيرُ مَأذونًا في دَفعِها إليه دِلالةً.
وهذا في غيرِ المُعارِ النَّفيسِ؛ إذ فيه لا بدَّ مِنْ التَّسليمِ لِلمالكِ، وإلا لَم يَبرأْ.
والقِياسُ في الجَميعِ ألَّا يَبرأَ ما لَم تَصلْ إلى صاحبِها، كالمُودَعُ إذا ردَّ الوديعةَ لا يَبرأُ عن الضَّمانِ ما لَم تَصلْ إلى يدِ صاحبِها، والفَرقُ على جوابِ الاستِحسانِ العُرفُ؛ فإنَّ الظاهرَ فيما بينَ الناسِ أنَّ سائسَ الدابَّةِ هو الذي يُسلِّمُ الدابَّةَ إلى المُستَعيرِ عندَ الإِعارةِ، وهو الذي يَستَردُّ منه عندَ
стр. 7269
الفَراغِ عن الحاجةِ، ومثلُ هذا العُرفِ لا يُوجدُ في الوَديعةِ؛ فإنَّ صاحبَ الوَديعةِ يَتولَّى أَخذَها، وإنَّما أودَعَها لأنَّه لَم يَرضَ بكَونِها في يدَي مَنْ في عِيالِه (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يَبرأُ بذلك، وهو القِياسُ عندَ الحَنفيةِ كما تَقدَّمَ.
قالَ الشافِعيةُ: الرَّدُّ الواجبُ والمُبْرِئُ هو أنْ يُسلِّمَ العَينَ إلى المالكِ أو وَكيلِه في ذلك، فلو ردَّ الدابَّةَ إلى الإِصطبلِ أو الثَّوبِ ونحوِه إلى البَيتِ الذي أخذَه منه لَم يَبرأْ مِنْ الضَّمانِ.
ولو ردَّ الدابَّةَ إلى دارِ المُعيرِ فلَم يَجدْه فسلَّمَها إلى زوجتِه أو ولدِه فإنْ سلَّمَها المُتسلِّمُ إلى المُدَّعي فضاعَت فالمعيرُ بالخيارِ، إنْ شاءَ ضمِنَ المُستَعيرُ وإنْ شاءَ غرَّمَ الزوجةَ أو الولدَ، فإنْ غرَّمَ المُستعِيرَ رجعَ عليهما، وإنْ غرَّمَهما لَم يَرجِعا على المُستعيرِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ ردَّ المُستَعيرُ الدابةَ إلى إِصطبلِ مالكِها أو إلى غُلامِه -وهو القائمُ بخِدمتِه وقَضاءِ أُمورِه عبدًا كانَ أو حرًّا- لَم يَبرأْ بذلك، أو
стр. 7270
ردَّها إلى المَكانِ الذي أخَذَها منه أو إلى ملكِ صاحبِها ولَم يُسلِّمْها لأحدٍ لَم يَبرأْ بذلك، أو ردَّ العارِيةَ إلى عِيالِه الذين لا عادةَ لهم بقَبضِ مالِه لَم يَبرأْ مِنْ الضَّمانِ؛ لأنَّه لَم يَردَّها إلى مالكِها ولا نائبِه فيها فلَم يَبرأْ كالأَجنبيِّ.
وإنْ ردَّ المُستَعيرُ الدابَّةَ أو ردَّ غيرَها مِنْ العَوارِي إلى مَنْ جرَت عادتُه بجَريانِ ذلك على يدِه كسائسٍ ردَّ إليه الدابَّةَ، وكزَوجةٍ مُتصرِّفَةٍ في مالِه وخازنٍ إذا ردَّ إليهما ما جرَت عادتُهما بقبضِه وكوَكيلٍ عامٍّ في قَبضِ حُقوقِه برئَ المُستَعيرُ مِنْ الضَّمانِ؛ لأنَّه مَأذونٌ في ذلك عُرفًا أشبَه ما لو أذِنَ له فيه نُطقًا (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ كانَتِ العَينُ باقِيةً فعلى المُستَعيرِ ردُّها إلى المُعيرِ أو وَكيلِه في قَبضِها، ويَبرأُ بذلك مِنْ ضَمانِها.
وإنْ ردَّها إلى المَكانِ الذي أخَذَها منه أو إلى ملكِ صاحبِها لَم يَبرأْ مِنْ ضَمانِها، وبهذا قالَ الشافِعيُّ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: يَبرأُ؛ لأنَّها صارَت كالمَقبوضةِ، فإنَّ ردَّ العَوارِي في العادةِ يَكونُ إلى أَملاكِ أَربابَّها، فيَكونُ مَأذونًا فيه مِنْ طَريقِ العادةِ.
ولنا: إنَّه لَم يَردَّها إلى مالكِها ولا نائبِه فيها، فلَم يَبرأْ منها، كما لو دَفعَها إلى أَجنبيٍّ، وما ذكَرَه يَبطلُ بالسارقِ إذا ردَّ المَسروقَ إلى الحِرزِ، ولا تُعرَفُ
стр. 7271
العادةَ التي ذكَرَها، وإنْ ردَّها إلى مَنْ جرَت عادتُه بجَريانِ ذلك على يدَيه كزَوجتِه المُتصرِّفةِ في مالِه وردِّ الدابَّةِ إلى سائسِها فقِياسُ المَذهبِ أنَّه يَبرأُ، قالَه القاضِي؛ لأنَّ أحمدَ قالَ في الوَديعةِ إذا سلَّمَها المُودَعُ إلى امرَأتِه لَم يَضمنْها، ولأنَّه مَأذونٌ في ذلك عُرفًا أشبَهَ ما لو أذِنَ فيه نُطقًا (١).
стр. 7272
كتاب الهبة
стр. 7273
كتاب الهبة
تَعريفُ الهِبةِ:
الهِبةُ لُغةً: العَطيةُ الخاليةُ عن الأَعواضِ والأَغراضِ، فإذا كثُرَت سُمِّي صاحبُها وَهَّابًا، وهو من أَبنيةِ المُبالغةِ، يُقالُ: وهَبتُ له شَيئًا وَهَبًا ووَهْبًا بإِسكانِ الهاءِ وفَتحِها وهِبةً، والاسمُ المُوهِبُ والمَوهِبةُ بالكَسرِ فيهما، والاتِّهابُ قَبولُ الهِبةِ، والاستيهابُ سُؤالُ الهِبةِ، وتواهَبَ القَومُ أي: وهَبَ بعضُهم بَعضًا، ورَجلٌ وَهَّابٌ ووَهَّابةٌ أي: كَثيرُ الهِبةِ لأَموالِه، وتواهَبَ القَومُ إذا وهَبَ بَعضُهم بَعضًا (١).
стр. 7274
وفي «الكُلِّياتِ»: الهِبةُ مَعناها: إِيصالُ الشَّيءِ إلى الغيرِ بما يَنفعُه، سَواءٌ كانَ مالًا أو غيرَ مالٍ، ويُقالُ: وهَبَ له مالًا وَهبًا وهِبةً، ووهَبَ اللهُ فُلانًا وَلدًا صالِحًا (١).
وهي من صِفاتِ الكَمالِ، فإنَّ اللهَ تَعالى وصَفَ بها نَفسَه بقَولِه : ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾ [ص: ٩]، والبَشرُ إذا باشرَها فقد اكتسَبَ من أشرَفِ الصِّفاتِ؛ لمَا فيها من استِعمالِ الكَرمِ وإِزالةِ شُحِّ النَّفسِ وإِدخالِ السُّرورِ في قَلبِ المَوهوبِ له وإِيراثِ المَحبةِ والمَودةِ بينَهما وإِزالةِ الضَّغينةِ والحَسدِ، ولهذا مَنْ باشَرَها كانَ من المُفلِحينَ، قالَ تَعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩] (٢).
تَعريفُ الهِبةِ اصطِلاحًا:
تَعدَّدت عِباراتُ الفُقهاءِ لتَعريفِ الهِبةِ، وهي -وإنِ اختَلفَت في أَلفاظِها تَبعًا لمَا يَشترطُه فُقهاءُ كلِّ مَذهبٍ في عقِد الهِبةِ من شُروطٍ- مُتقاربةُ المَعنى، وهي «تَمليكُ المالِ بلا عِوضٍ».
فعرَّفَها الحَنفيةُ بأنَّها: تَمليكُ المالِ بلا عِوضٍ (٣) أو تَمليكُ الأَعيانِ بغيرِ عِوضٍ (٤) أو تَمليكُ العَينِ مَجانًا، أي: بلا شَرطِ عِوضٍ (٥).
стр. 7275
فخرَجَ الإِعارةُ والإِجارةُ؛ لأنَّهما تَمليكُ مَنفعةٍ، وخرَجَ البَيعُ لأنَّه تَمليكُ عَينٍ بعِوضٍ (١).
وعرَّفَها المالِكيةُ -كما يَقولُ ابنُ عَرفةَ ﵀: الهِبةُ أحدُ أَنواعِ العَطيةِ، وهي: تَمليكُ مُتموَّلٌ بغيرِ عِوضٍ إنشاءً.
قَولُه: «مُتموَّلٌ» أخرَجَ به تَمليكَ غيرِه، كتَمليكِ الإِنكاحِ في المَرأةِ أو كتَمليكِ الطَّلاقِ.
وقَولُه: «بغَيرِ عِوضٍ» أخرَجَ البَيعَ وغيرَه من المُعاوَضاتِ.
وقَولُه: «إِنشاءً» أخرَجَ به الحُكمَ باستِحقاقِ وارِثٍ؛ لأنَّه تَمليكٌ مُتموَّلٌ بغيرِ عِوضٍ، إلا أنَّ التَّمليكَ في العَطيةِ إنشاءٌ بخِلافِ الحُكمِ في الاستِحقاقِ المَذكورِ، فإنَّه تَقريرٌ لمَا ثبَتَ (٢).
وقالَ خَليلٌ ﵀: الهِبةُ تَمليكٌ بلا عِوضٍ ولثَوابِ الآخِرةِ صَدقةٌ (٣).
وهو مُتعلِّقٌ بمَحذوفٍ، أي: والتَّمليكُ لثَوابِ الآخِرةِ صَدقةٌ سَواءٌ قصَدَ المُعطي أيضًا أو لا، لكنْ إذا قصَدَ المُعطي -بالكَسرِ- بالعَطيةِ ثَوابَ الآخِرةِ فقطْ فهي صَدقةٌ اتِّفاقًا، وإنْ قصَدَ ثَوابَ الآخِرةِ مع وَجهِ المُعطَى -بالفَتحِ- فصَدقةٌ عندَ الأكثَرِ، وعندَ الأقَلِّ ما أُعطيَ لهما معًا فهو هِبةٌ (٤).
стр. 7276
وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: الهِبةُ لا لثَوابٍ تَمليكُ ذي مَنفعةٍ لوَجهِ المُعطى بغيرِ عِوضٍ، والصَّدقةُ كذلك «لوَجهِ اللهِ» بَدلَ «لوَجهِ المُعطى».
قالَ الأكثرُ: والهِبةُ كذلك مع إِرادةِ الثَّوابِ من اللهِ صَدقةٌ (١).
وقالَ الدَّرديرُ ﵀: الهِبةُ تَمليكُ ذاتٍ بلا عِوضٍ لوَجهِ المُعطَى (٢).
وعرَّفَ الشافِعيةُ الهِبةَ بأنَّها: تَمليكٌ لعَينٍ بلا عِوضٍ في حالِ الحياةِ طَوعًا.
فخرَجَ «بالتَّمليكِ» العارِيةُ والضِّيافةُ والوَقفُ.
و «بالعَينِ» الدَّينُ والمَنفعةُ.
و «بنَفيِ العِوضِ» ما فيه عِوضٌ كالبَيعِ، ولو بلَفظِ الهِبةِ، كما لو وهَبَ بشَرطِ ثَوابٍ مَعلومٍ؛ فإنَّه بَيعٌ على الأصَحِّ.
و «بالحياةِ» الوَصيةُ؛ لأنَّ التَّمليكَ فيها إنَّما يَتمُّ بالقَبولِ، وهو بعدَ المَوتِ.
و «بالتَّطوعِ» الواجِبُ من زَكاةٍ وكَفارةٍ ونَحوِهما.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: تَنبيهٌ: قَضيةُ كَلامِه أنَّ الهِبةَ بثَوابٍ لا يُطلَقُ عليها اسمُ الهِبةِ لوُجودِ العِوضيةِ، وبه صرَّحَ الزُّبَيريُّ (٣).
стр. 7277
وأمَّا الحَنابِلةُ فعرَّفوا الهِبةَ بأنَّها: تَمليكٌ في حَياتِه بغيرِ عِوضٍ.
وإنْ شرَط فيها عِوضًا مَعلومًا صارَت بَيعًا، حُكمُها حُكمُ البَيعِ في ثُبوتِ الخيارِ والشُّفعةِ وغيرِهما، هذا المَذهبُ، وعنه يُغلَّبُ فيها حُكمُ الهِبةِ (١).
وقالَ الحَجَّاويُّ ﵀: الهِبةُ تَمليكُ جائزِ التَّصرفِ مالًا مَعلومًا أو مَجهولًا تَعذرَ عِلمُه مَوجودًا مَقدورًا على تَسليمِه غيرَ واجِبٍ في الحياةِ بلا عِوضٍ بما يُعدُّ هِبةً عُرفًا من لَفظِ هِبةٍ وتَمليكٍ ونَحوِهما.
فقَولُه: (تَمليكُ) خرَجَ به العارِيةُ.
(جائزِ التَّصرفِ) هو الحُرُّ المُكلفُ الرَّشيدُ.
(مالًا) خرَج به الكَلبُ ونَحوُه.
(مَعلومًا) يَصحُّ بَيعُه مَنقولًا أو عَقارًا.
(أو) مالًا (مَجهولًا تَعذَّر عِلمُه) كدَقيقٍ اختَلطَ بدَقيقٍ لآخرَ فوهَبَ أحدُهما للآخرِ مِلكَه منه، فيَصحُّ مع الجَهالةِ للحاجةِ.
(مَوجودًا مَقدورًا على تَسليمِه) فلا تَصحُّ هِبةُ المَعدومِ، كما تَحمِلُ أمَتُه أو شَجرتُه، ولا هِبةَ فيما لا يَقدِرُ على تَسليمِه كآبِقٍ وشارِدٍ كبَيعِه.
(غيرَ واجِبٍ) على مُملِّكِه، فلا تُسمَّى نَفقةُ الزَّوجةِ والقَريبِ ونَحوِهما هِبةً؛ لوُجوبِها.
стр. 7278
(في الحياةِ) خرَج الوَصيةُ، وهو مُتعلِّقٌ بتَمليكٍ.
(بلا عِوضٍ) مُتعلِّقٌ أيضًا به؛ فإنْ كانت بعِوضٍ فبَيعٌ.
(بما يُعدُّ هِبةً) من قَولٍ أو فِعلٍ كإِرسالِ هَديةٍ ودَفعِ دَراهمَ لفَقيرٍ.
(عُرفًا) كالمُعاطاةِ والهِبةِ والصَّدقةِ والهَديةِ والعَطيةِ، مَعانيها مُتقاربةٌ، وكلُّها تَمليكٌ في الحياةِ بلا عِوضٍ (١).
فجَميعُ هذه التَّعريفاتِ تَدورُ حَولَ: «تَمليكِ عَينٍ حالَ الحَياةِ بلا عِوضٍ».
الفَرقُ بينَ الهِبةِ والعَطيةِ والهَديةِ والصَّدقةِ:
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الهِبةُ والصَّدقةُ والهَديةُ والعَطيةُ مَعانيها مُتقاربةٌ، وكلُّها تَمليكٌ في الحياةِ بغيرِ عِوضٍ، واسمُ العَطيةِ شامِلٌ لجَميعِها وكذلك الهِبةُ، فأمَّا الصَّدقةُ والهَديةُ فهما مُتغايرتانِ وإنْ دخَلتا في مُسمَّى الهِبةِ والعَطيةِ؛ فإن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَأكلُ الهَديةَ ولا يَأكلُ الصَّدقةَ، وقالَ في اللَّحمِ الذي تُصدِّقَ به على بَريرةَ: «هو عليها صَدقةٌ ولنا هَديةٌ» فالظاهِرُ أنَّ مَنْ أَعطى شَيئًا يَتقرَّبُ به إلى اللهِ تَعالى للمُحتاجِ فهو صَدقةٌ، ومَن دفَعَ إلى إِنسانٍ شَيئًا للتَّقرُّبِ إليه والمَحبةِ له فهو هَديةٌ، وجَميعُ ذلك مَندوبٌ إليه ومَحثوثٌ إليه (٢).
стр. 7279
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: وأَنواعُ الهِبةِ صَدقةٌ وهَديةٌ ونِحلةٌ -وهي العَطيةُ- ومَعانيها مُتقاربةٌ، وكلُّها تَمليكٌ في الحياةِ بلا عِوضٍ تَجري فيها أَحكامُها -أي: الأَحكامُ لكلِّ واحِدةٍ من هذه المَذكوراتِ تَجري في البَقيةِ-؛ فإن قصَدَ بإِعطائِه ثَوابَ الآخِرةِ فقط فصَدقةٌ، وإنْ قصَدَ بإِعطائِه إِكرامًا أو تَودُّدًا أو مُكافأةً فهَديةٌ، وإنْ لم يَقصدْ بإِعطائِه شَيئًا مما ذُكرَ فهِبةٌ وعَطيةٌ ونِحلةٌ، وهي -أي المَذكوراتُ من صَدقةٍ وهَديةٍ وعَطيةٍ- مُستحبةٌ إذا قُصدَ بها وَجهُ اللهِ تَعالى، كالهِبةِ للعُلماءِ والفُقراءِ والصالِحينَ وما قُصدَ به صِلةُ الرَّحمِ، ولا تُستحبُّ إنْ قُصدَ بها مُباهاةٌ أو رِياءٌ أو سُمعةٌ فتُكرهُ؛ لقَولِه ﷺ : «مَنْ يُسمِّعْ يُسمِّعِ اللهُ بهِ، ومَنْ يُراءِ يُراءِ اللهُ بهِ» (١) مُتفقٌ عليه (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الهِبةُ والهَديةُ وصَدقةُ التَّطوعِ أنواعٌ من البِرِّ مُتقاربةٌ يَجمعُها تَمليكُ عَينٍ بلا عِوضٍ؛ فإن تَمحَّضَ فيها طَلبُ التَّقرُّبِ إلى اللهِ تَعالى بإِعطاءِ مُحتاجٍ فهي صَدقةٌ، وإنْ حُملَت إلى مَكانِ المُهدَى إليه إِعظامًا وإِكرامًا وتَودُّدًا فهي هَديةٌ، وإلا فهِبةٌ، فكلُّ هَديةٍ وصَدقةِ تَطوعٍ هِبةٌ، ولا يَنعكسُ، ولهذا لو حلَفَ لا يَهبُ فتَصدقَ حنَثَ، وبالعَكسِ لا يَحنثُ (٣).
стр. 7280
وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن الصَّدقةِ والهَديةِ أيُّهما أفضَلُ؟
فأجابَ: الحَمدُ للهِ، «الصَّدقةُ» ما يُعطى لوَجهِ اللهِ عِبادةً مَحضةً من غيرِ قَصدٍ في شَخصٍ مُعيَّنٍ ولا طَلبِ غَرضٍ مِنْ جِهتِه، لكنْ يُوضعُ في مَواضعِ الصَّدقةِ كأهلِ الحاجاتِ.
وأمَّا «الهَديةُ» فيُقصدُ بها إِكرامُ شَخصٍ مُعيَّنٍ إمَّا لمَحبةٍ وإمَّا لصَداقةٍ وإمَّا لطَلبِ حاجةٍ، ولهذا كانَ النَّبيُّ ﷺ يَقبلُ الهَديةَ ويُثيبُ عليها، فلا يَكونُ لأحدٍ عليه مِنةٌ ولا يَأكلُ أَوساخَ الناسِ التي يَتطهَّرونَ بها من ذُنوبِهم وهي الصَّدقاتُ، ولم يَكنْ يَأكلُ الصَّدقةَ لذلك وغيرِه.
وإذا تَبيَّنَ ذلك فالصَّدقةُ أفضلُ، إلا أنْ يَكونَ في الهَديةِ مَعنًى تَكونُ به أفضلَ من الصَّدقةِ، مِثلَ الإِهداءِ لرَسولِ اللهِ ﷺ في حَياتِه مَحبةً له، ومِثلَ الإهداءِ لقَريبٍ يَصِلُ به رَحمَه وأخٍ له في اللهِ، فهذا قد يَكونُ أَفضلَ من الصَّدقةِ (١).
وقالَ ابنُ عابدينَ ﵀: الفَرقُ بينَ الصَّدقةِ والهِبةِ أنَّ الصَّدقةَ يُرادُ بها وَجهُ اللهِ تَعالى، ويُرادُ بالهِبةِ وَجهُ الغَنيِّ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إنْ ملَّك بلا عِوضٍ مُحتاجًا شَيئًا لأجلِ ثَوابِ الآخِرةِ فصَدقةٌ، أي: فلا بدَّ من اجتِماعِ الأمرَينِ.
стр. 7281
والتَّحقيقُ -كما قالَ السُّبكيُّ أخذًا من كَلامِ «المَجموعِ» وغيرِه- أنَّ الحاجةَ غيرُ مُعتبرةٍ، قالَ السُّبكيُّ: فيَنبَغي أنْ يَقتصرَ على أحدِ الأمرَينِ، إمَّا على الحاجةِ أو قَصدِ ثَوابِ الآخِرةِ؛ فإنَّ الصَّدقةَ على الغَنيِّ جائِزةٌ، ويُثابُ عليها إذا قصَدَ القُربةَ، فخرَج بذلك ما لو ملَّك غَنيًّا من غيرِ قَصدِ ثَوابِ الآخِرةِ.
فإنْ نقَله بنَفسِه أو بغيرِه مع قَصدِ الثَّوابِ إلى مَكانِ المَوهوبِ له إِكرامًا له فهَديةٌ أيضًا، أو بدونِ قَصدِ الثَّوابِ فهَديةٌ فقط.
وإذا انضَمَّ إلى تَمليكِ المُحتاجِ بقَصدِ ثَوابِ الآخِرةِ النَّقلُ إلى مَكانِه تَكونُ هَديةً وصَدقةً، وقد تَجتمِعُ الأنواعُ الثلاثةُ فيما لو ملَّكَ مُحتاجًا لثَوابِ الآخِرةِ بلا عِوضٍ ونقَله إليه إكرامًا بإيجابٍ وقَبولٍ.
قالَ السُّبكيُّ ﵀: والظاهِرُ أنَّ الإِكرامَ ليسَ شَرطًا، فالشَّرطُ هو النَّقلُ (١).
وقالَ القَرافِيُّ ﵀: الهِبةُ والعَطيةُ مَعنًى واحِدٌ، وهو التَّمليكُ (٢).
وقالَ الدَّرديرُ ﵀: التَّمليكُ لثَوابِ الآخِرةِ صَدقةٌ سَواءٌ قصَدَ المُعطي أيضًا أو لا، لكنْ إذا قصَدَ المُعطِي -بالكَسرِ- بالعَطيةِ ثَوابَ الآخِرةِ فقط
стр. 7282
فهي صَدقةٌ اتِّفاقًا، وإنْ قصَدَ ثَوابَ الآخِرةِ مع وَجهِ المُعطَى -بالفَتحِ- فصَدقةٌ عندَ الأكثرِ، وعندَ الأقلِّ ما أُعطيَ لهما معًا هو هِبةٌ (١).
وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: الهِبةُ لا لثَوابٍ تَمليكُ ذي مَنفعةٍ لوَجهِ المُعطَى بغيرِ عِوضٍ، والصَّدقةُ كذلك لوَجهِ اللهِ بَدلَ «لوَجهِ المُعطَى».
قالَ الأكثرُ: والهِبةُ كذلك مع إرادةِ الثَّوابِ من اللهِ صَدقةٌ (٢).
وقالَ القَرافِيُّ ﵀: قالَ صاحِبُ «المُقدِّماتِ»: لا تَفترقُ الصَّدقةُ والهِبةُ إلا في حُكمَينِ، هما: الاعتِصارُ، وجَوازُ الرُّجوعِ بالبَيعِ والهِبةِ، فلا يَصحُّ ذلك في الصَّدقةِ إلا أنْ تَكونَ على ابنٍ صَغيرٍ، ثَلاثُ رِواياتٍ: المَنعُ إلا لضَرورةٍ، نحوَ كَونِها أمَةً فتَتبعُها نَفسُه، أو يَحتاجُ فيأخُذُها لحاجَتِه -وهو ظاهِرُ «المُدونة» -، وثانيها يَجوزُ الرُّجوعُ فيها بالبَيعِ والهِبةِ من غيرِ ضَرورةٍ دونَ الاعتِصارِ، وثالِثُها الرُّجوعُ بالبَيعِ والهِبةِ والاعتِصارِ قِياسًا على الهِبةِ.
والفَرقُ بينَ حَقيقتِهما أنَّ الهِبةَ للمُواصَلةِ والوِدادِ، وأنَّ الصَّدقةَ لابتِغاءِ الثَّوابِ عندَ اللهِ تَعالى، وإذا تَقررَ اشتِراكُ الصَّدقةِ والهِبةِ فيما عدا هذَينِ الحُكمَينِ فليَكُنِ الكَلامُ عليهما واحدًا (٣).
стр. 7283
الفَرقُ بينَ الهِبةِ والوصيةِ:
الوَصيةُ والهِبةُ عَقدا تَبرعٍ يَجتمِعانِ في كَونِهما من عُقودِ التَّبرعاتِ، إلا أنَّهما يَفتَرقانِ في أُمورٍ، منها:
١ - أنَّ الهِبةَ هي التَّبرعُ بالمالِ حالَ الصِّحةِ وأنْ يُقبضَ في حياةِ الإِنسانِ، وأمَّا الوَصيةُ فهي التَّبرعُ بالمالِ بعدَ المَوتِ.
وحُكمُ الهِبةِ في مَرضِ المَوتِ حُكمُ الوَصيةِ عندَ عامةِ الفُقهاءِ.
٢ - أنَّ الهِبةَ يُعتبَرُ القَبولُ لها عندَ مَنْ يَشترطُ القَبولَ حالَ الحياةِ؛ لأنَّها تَمليكٌ في الحالِ بخِلافِ الوَصيةِ؛ فإنَّ مَحلَّ قَبولِها بعدَ المَوتِ؛ لأنَّها تَمليكٌ بعدَه حتى لو قبِلَ حالَ الحَياةِ ثم ردَّ بعدَ المَوتِ لم تَصحَّ.
٣ - أنَّ الدَّينَ مُقدَّمٌ على الوَصيةِ، وكذلك الهِبةُ إذا كانَ مَحجورًا عليه، وإنْ لم يَكنْ مَحجورًا عليه؛ فإنَّها تَنفذُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ (١).
الفَرقُ بينَ الهَديةِ والرَّشوةِ وهَدايا العُمالِ والقُضاةِ والأُمراءِ:
الرِّشوةُ بكَسرِ الراءِ وضَمِّها، كذا في «البِنايةِ»، وفي القاموسِ أنَّها بالتَّثليثِ: الجُعلُ، وارتَشى أخَذَها، واستَرشى طلَبَها، وراشاه حاباه وصانَعَه، وترَشَّاه لايَنَه وأَعطاه الرِّشوةَ (٢).
وفي «المِصباحِ»: الرِّشوةُ -بكَسرِ الراءِ- ما يُعطيه الشَّخصُ للحاكِمِ وغيرِه ليَحكمَ له أو يَحملَه على ما يُريدُ، وجَمعُها رِشًا، مِثلَ سِدرةٍ
стр. 7284
وسِدَرٍ، والضَّمُّ لُغةٌ، وجَمعُها رُشًا بالضَّمِّ، ورشَوتُه رَشوًا من باب قتَلَ، أعطَيتُه رَشوةً فارتَشى، أي أخَذَ، وأصلُها رَشا الفَرخُ إذا مَدَّ رأسَه إلى أُمِّه لتَزُقَّه (١).
والفَرقُ بينَ الهَديةِ والرِّشوةِ أنَّ الرِّشوةَ كلُّ مالٍ دُفعَ ليُبتاعَ به من ذي جاهٍ عَونٌ على ما لا يَجوزُ، وأنَّ الهَديةَ كلُّ ما أُعطيَ على مَحبةٍ أو مَودةٍ يُثبتُها أو يَستديمُها (٢).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: الفَرقُ بينَ الهَديةِ والرِّشوةِ -وإنْ اشتَبَها في الصُّورةِ- القَصدُ؛ فإنَّ الراشيَ قَصدُه بالرِّشوةِ التَّوصُّلُ إلى إِبطالِ حَقٍّ أو تَحقيقِ باطِلٍ، فهذا الراشِي المَلعونُ على لِسانِ رَسولِ اللهِ؛ فإنْ رَشا لدَفعِ الظُّلمِ عن نَفسِه اختُصَّ المُرتَشي وَحدَه باللَّعنةِ، وأمَّا المُهدِي فقَصدُه استِجلابُ المَودةِ والمَعرفةِ والإِحسانِ؛ فإنْ قصَدَ المُكافأةَ فهو مُعاوِضٌ، وإنْ قصَدَ الرِّبحَ فهو مُستكثِرٌ (٣).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: الرِّشوةُ مُحرمةٌ على القاضِي وغيرِه من الوُلاةِ مُطلقًا؛ لأنَّها تُدفعُ إليه ليَحكمَ بحَقٍّ أو ليَمتنِعَ من ظُلمٍ، وكلاهما واجِبٌ عليه، فلا يَجوزُ أخْذُ العِوضِ عليه، وأمَّا دافِعُ الرِّشوةِ؛ فإنْ تَوصلَ بها إلى باطِلٍ فحَرامٌ عليه، وهو المُرادُ بالراشي المَلعونِ، وإنْ تَوصلَ بها إلى
стр. 7285
تَحصيلِ حَقٍّ ودَفعِ ظُلمٍ فليسَ بحَرامٍ، ويَختلفُ الحالُ في جَوازِه ووُجوبِه باختِلافِ المَواضعِ (١).
وقالَ النَّوويُّ أيضًا في «تَحرير ألفاظِ التَّنبيهِ»: قالَ القاضِي أَبو القاسمِ ابنُ كَجٍّ: الفَرقُ بينَهما أنَّ الرِّشوةَ عَطيةٌ بشَرطِ أنْ يَحكمَ له بغيرِ حَقٍّ أو يَمتنعَ عن الحُكمِ عليه بحَقٍّ، والهَديةُ عَطيةٌ مُطلقةٌ.
وقالَ الغَزاليُّ في «الإحياءِ»: المالُ إنْ بُذلَ بغَرضٍ آجِلٍ فهو قُربةٌ وصَدقةٌ، وإنْ بُذلَ لعاجِلٍ؛ فإنْ كانَ لغَرضِ مالٍ في مُقابَلتِه فهو هِبةٌ بثَوابٍ مَشروطٍ أو مُتوقعٍ، وإنْ كانَ لغَرضِ عَملٍ مُحرمٍ أو واجِبٍ مُتعيَّنٍ فهو رَشوةٌ، وإنْ كانَ مُباحًا فإجارةٌ أو جَعالةٌ، وإنْ كانَ للتَّقربِ والتَّوددِ للمَبذولِ له؛ فإنْ كانَ لمُجردِ نَفسِه فهَديةٌ، وإنْ كانَ ليُتوسَّلَ بجاهِه إلى أغراضٍ ومَقاصدَ؛ فإنْ كانَ جاهُه بعِلمٍ أو نَسبٍ أو صَلاحٍ فهَديةٌ، وإنْ كانَ بالقَضاءِ والعَملِ بوِلايةٍ فهو رِشوةٌ (٢).
وقالَ ابنُ نَجيمٍ ﵀: وذكَرَ الأقطَعُ أنَّ الفَرقَ بينَ الهَديةِ والرِّشوةِ أنَّ الرِّشوةَ ما يُعطيه بشَرطِ أنْ يُعينَه، وأنَّ الهَديةَ لا شَرطَ معها.
وفي «الخانيةِ» الرِّشوةُ على وُجوهٍ أربَعةٍ:
منها: ما هو حَرامٌ من الجانبَينِ وذلك في مَوضعَينِ:
أحدُهما: إذا تقلَّدَ القَضاءَ بالرِّشوةِ حَرُمَ على القاضِي والآخِذِ.
وفي «صُلحِ المِعراجِ» تَجوزُ المُصانعةُ للأَوصياءِ في أَموالِ اليَتامى وبه يُفتى.