والتَّحقيقُ -كما قالَ السُّبكيُّ أخذًا من كَلامِ «المَجموعِ» وغيرِه- أنَّ الحاجةَ غيرُ مُعتبرةٍ، قالَ السُّبكيُّ: فيَنبَغي أنْ يَقتصرَ على أحدِ الأمرَينِ، إمَّا على الحاجةِ أو قَصدِ ثَوابِ الآخِرةِ؛ فإنَّ الصَّدقةَ على الغَنيِّ جائِزةٌ، ويُثابُ عليها إذا قصَدَ القُربةَ، فخرَج بذلك ما لو ملَّك غَنيًّا من غيرِ قَصدِ ثَوابِ الآخِرةِ.
فإنْ نقَله بنَفسِه أو بغيرِه مع قَصدِ الثَّوابِ إلى مَكانِ المَوهوبِ له إِكرامًا له فهَديةٌ أيضًا، أو بدونِ قَصدِ الثَّوابِ فهَديةٌ فقط.
وإذا انضَمَّ إلى تَمليكِ المُحتاجِ بقَصدِ ثَوابِ الآخِرةِ النَّقلُ إلى مَكانِه تَكونُ هَديةً وصَدقةً، وقد تَجتمِعُ الأنواعُ الثلاثةُ فيما لو ملَّكَ مُحتاجًا لثَوابِ الآخِرةِ بلا عِوضٍ ونقَله إليه إكرامًا بإيجابٍ وقَبولٍ.
قالَ السُّبكيُّ ﵀: والظاهِرُ أنَّ الإِكرامَ ليسَ شَرطًا، فالشَّرطُ هو النَّقلُ (١).
وقالَ القَرافِيُّ ﵀: الهِبةُ والعَطيةُ مَعنًى واحِدٌ، وهو التَّمليكُ (٢).
وقالَ الدَّرديرُ ﵀: التَّمليكُ لثَوابِ الآخِرةِ صَدقةٌ سَواءٌ قصَدَ المُعطي أيضًا أو لا، لكنْ إذا قصَدَ المُعطِي -بالكَسرِ- بالعَطيةِ ثَوابَ الآخِرةِ فقط
стр. 7282
فهي صَدقةٌ اتِّفاقًا، وإنْ قصَدَ ثَوابَ الآخِرةِ مع وَجهِ المُعطَى -بالفَتحِ- فصَدقةٌ عندَ الأكثرِ، وعندَ الأقلِّ ما أُعطيَ لهما معًا هو هِبةٌ (١).
وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: الهِبةُ لا لثَوابٍ تَمليكُ ذي مَنفعةٍ لوَجهِ المُعطَى بغيرِ عِوضٍ، والصَّدقةُ كذلك لوَجهِ اللهِ بَدلَ «لوَجهِ المُعطَى».
قالَ الأكثرُ: والهِبةُ كذلك مع إرادةِ الثَّوابِ من اللهِ صَدقةٌ (٢).
وقالَ القَرافِيُّ ﵀: قالَ صاحِبُ «المُقدِّماتِ»: لا تَفترقُ الصَّدقةُ والهِبةُ إلا في حُكمَينِ، هما: الاعتِصارُ، وجَوازُ الرُّجوعِ بالبَيعِ والهِبةِ، فلا يَصحُّ ذلك في الصَّدقةِ إلا أنْ تَكونَ على ابنٍ صَغيرٍ، ثَلاثُ رِواياتٍ: المَنعُ إلا لضَرورةٍ، نحوَ كَونِها أمَةً فتَتبعُها نَفسُه، أو يَحتاجُ فيأخُذُها لحاجَتِه -وهو ظاهِرُ «المُدونة» -، وثانيها يَجوزُ الرُّجوعُ فيها بالبَيعِ والهِبةِ من غيرِ ضَرورةٍ دونَ الاعتِصارِ، وثالِثُها الرُّجوعُ بالبَيعِ والهِبةِ والاعتِصارِ قِياسًا على الهِبةِ.
والفَرقُ بينَ حَقيقتِهما أنَّ الهِبةَ للمُواصَلةِ والوِدادِ، وأنَّ الصَّدقةَ لابتِغاءِ الثَّوابِ عندَ اللهِ تَعالى، وإذا تَقررَ اشتِراكُ الصَّدقةِ والهِبةِ فيما عدا هذَينِ الحُكمَينِ فليَكُنِ الكَلامُ عليهما واحدًا (٣).
стр. 7283
الفَرقُ بينَ الهِبةِ والوصيةِ:
الوَصيةُ والهِبةُ عَقدا تَبرعٍ يَجتمِعانِ في كَونِهما من عُقودِ التَّبرعاتِ، إلا أنَّهما يَفتَرقانِ في أُمورٍ، منها:
١ - أنَّ الهِبةَ هي التَّبرعُ بالمالِ حالَ الصِّحةِ وأنْ يُقبضَ في حياةِ الإِنسانِ، وأمَّا الوَصيةُ فهي التَّبرعُ بالمالِ بعدَ المَوتِ.
وحُكمُ الهِبةِ في مَرضِ المَوتِ حُكمُ الوَصيةِ عندَ عامةِ الفُقهاءِ.
٢ - أنَّ الهِبةَ يُعتبَرُ القَبولُ لها عندَ مَنْ يَشترطُ القَبولَ حالَ الحياةِ؛ لأنَّها تَمليكٌ في الحالِ بخِلافِ الوَصيةِ؛ فإنَّ مَحلَّ قَبولِها بعدَ المَوتِ؛ لأنَّها تَمليكٌ بعدَه حتى لو قبِلَ حالَ الحَياةِ ثم ردَّ بعدَ المَوتِ لم تَصحَّ.
٣ - أنَّ الدَّينَ مُقدَّمٌ على الوَصيةِ، وكذلك الهِبةُ إذا كانَ مَحجورًا عليه، وإنْ لم يَكنْ مَحجورًا عليه؛ فإنَّها تَنفذُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ (١).
الفَرقُ بينَ الهَديةِ والرَّشوةِ وهَدايا العُمالِ والقُضاةِ والأُمراءِ:
الرِّشوةُ بكَسرِ الراءِ وضَمِّها، كذا في «البِنايةِ»، وفي القاموسِ أنَّها بالتَّثليثِ: الجُعلُ، وارتَشى أخَذَها، واستَرشى طلَبَها، وراشاه حاباه وصانَعَه، وترَشَّاه لايَنَه وأَعطاه الرِّشوةَ (٢).
وفي «المِصباحِ»: الرِّشوةُ -بكَسرِ الراءِ- ما يُعطيه الشَّخصُ للحاكِمِ وغيرِه ليَحكمَ له أو يَحملَه على ما يُريدُ، وجَمعُها رِشًا، مِثلَ سِدرةٍ
стр. 7284
وسِدَرٍ، والضَّمُّ لُغةٌ، وجَمعُها رُشًا بالضَّمِّ، ورشَوتُه رَشوًا من باب قتَلَ، أعطَيتُه رَشوةً فارتَشى، أي أخَذَ، وأصلُها رَشا الفَرخُ إذا مَدَّ رأسَه إلى أُمِّه لتَزُقَّه (١).
والفَرقُ بينَ الهَديةِ والرِّشوةِ أنَّ الرِّشوةَ كلُّ مالٍ دُفعَ ليُبتاعَ به من ذي جاهٍ عَونٌ على ما لا يَجوزُ، وأنَّ الهَديةَ كلُّ ما أُعطيَ على مَحبةٍ أو مَودةٍ يُثبتُها أو يَستديمُها (٢).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: الفَرقُ بينَ الهَديةِ والرِّشوةِ -وإنْ اشتَبَها في الصُّورةِ- القَصدُ؛ فإنَّ الراشيَ قَصدُه بالرِّشوةِ التَّوصُّلُ إلى إِبطالِ حَقٍّ أو تَحقيقِ باطِلٍ، فهذا الراشِي المَلعونُ على لِسانِ رَسولِ اللهِ؛ فإنْ رَشا لدَفعِ الظُّلمِ عن نَفسِه اختُصَّ المُرتَشي وَحدَه باللَّعنةِ، وأمَّا المُهدِي فقَصدُه استِجلابُ المَودةِ والمَعرفةِ والإِحسانِ؛ فإنْ قصَدَ المُكافأةَ فهو مُعاوِضٌ، وإنْ قصَدَ الرِّبحَ فهو مُستكثِرٌ (٣).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: الرِّشوةُ مُحرمةٌ على القاضِي وغيرِه من الوُلاةِ مُطلقًا؛ لأنَّها تُدفعُ إليه ليَحكمَ بحَقٍّ أو ليَمتنِعَ من ظُلمٍ، وكلاهما واجِبٌ عليه، فلا يَجوزُ أخْذُ العِوضِ عليه، وأمَّا دافِعُ الرِّشوةِ؛ فإنْ تَوصلَ بها إلى باطِلٍ فحَرامٌ عليه، وهو المُرادُ بالراشي المَلعونِ، وإنْ تَوصلَ بها إلى
стр. 7285
تَحصيلِ حَقٍّ ودَفعِ ظُلمٍ فليسَ بحَرامٍ، ويَختلفُ الحالُ في جَوازِه ووُجوبِه باختِلافِ المَواضعِ (١).
وقالَ النَّوويُّ أيضًا في «تَحرير ألفاظِ التَّنبيهِ»: قالَ القاضِي أَبو القاسمِ ابنُ كَجٍّ: الفَرقُ بينَهما أنَّ الرِّشوةَ عَطيةٌ بشَرطِ أنْ يَحكمَ له بغيرِ حَقٍّ أو يَمتنعَ عن الحُكمِ عليه بحَقٍّ، والهَديةُ عَطيةٌ مُطلقةٌ.
وقالَ الغَزاليُّ في «الإحياءِ»: المالُ إنْ بُذلَ بغَرضٍ آجِلٍ فهو قُربةٌ وصَدقةٌ، وإنْ بُذلَ لعاجِلٍ؛ فإنْ كانَ لغَرضِ مالٍ في مُقابَلتِه فهو هِبةٌ بثَوابٍ مَشروطٍ أو مُتوقعٍ، وإنْ كانَ لغَرضِ عَملٍ مُحرمٍ أو واجِبٍ مُتعيَّنٍ فهو رَشوةٌ، وإنْ كانَ مُباحًا فإجارةٌ أو جَعالةٌ، وإنْ كانَ للتَّقربِ والتَّوددِ للمَبذولِ له؛ فإنْ كانَ لمُجردِ نَفسِه فهَديةٌ، وإنْ كانَ ليُتوسَّلَ بجاهِه إلى أغراضٍ ومَقاصدَ؛ فإنْ كانَ جاهُه بعِلمٍ أو نَسبٍ أو صَلاحٍ فهَديةٌ، وإنْ كانَ بالقَضاءِ والعَملِ بوِلايةٍ فهو رِشوةٌ (٢).
وقالَ ابنُ نَجيمٍ ﵀: وذكَرَ الأقطَعُ أنَّ الفَرقَ بينَ الهَديةِ والرِّشوةِ أنَّ الرِّشوةَ ما يُعطيه بشَرطِ أنْ يُعينَه، وأنَّ الهَديةَ لا شَرطَ معها.
وفي «الخانيةِ» الرِّشوةُ على وُجوهٍ أربَعةٍ:
منها: ما هو حَرامٌ من الجانبَينِ وذلك في مَوضعَينِ:
أحدُهما: إذا تقلَّدَ القَضاءَ بالرِّشوةِ حَرُمَ على القاضِي والآخِذِ.
وفي «صُلحِ المِعراجِ» تَجوزُ المُصانعةُ للأَوصياءِ في أَموالِ اليَتامى وبه يُفتى.
стр. 7286
الثاني: إذا دفَعَ الرِّشوةَ خَوفًا على نَفسِه أو مالِه فهو حَرامٌ على الآخِذِ غيرُ حَرامٍ على الدافعِ، وكذا إذا طمِعَ في مالِه فرَشاه ببَعضِ المالِ.
ومنها: إذا دفَعَ الرِّشوةَ ليُسويَ أمرَه عندَ السُّلطانِ حلَّ له الدَّفعُ ولا يَحلُّ للآخِذِ أنْ يأخُذَ؛ فإنْ أرادَ أنْ يَحلَّ للآخِذِ يَستأجرُ الآخِذَ يَومًا إلى اللَّيلِ بما يُريدُ أنْ يَدفعَ إليه؛ فإنَّه تَصحُّ هذه الإجارةُ، ثم المُستأجرُ إنْ شاءَ استعمَلَه في هذا العَملِ وإنْ شاءَ استعمَلَه في غيرِه، هذا إذا أَعطاه الرِّشوةَ أولًا ليُسويَ أمرَه عندَ السُّلطانِ، وإنْ طلَبَ منه أنْ يُسويَ أمرَه ولم يَذكرْ له الرِّشوةَ وأعطاه بعدَما يُسوي اختلَفوا فيه، قالَ بَعضُهم: لا يَحلُّ له أنْ يَأخذَ. وقالَ بعضُهم: يَحلُّ. وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه يُريدُ مُجازاةَ الإِحسانِ فيَحلُّ.
ولم أرَ قِسمًا يَحلُّ الأَخذُ فيه دونَ الدَّفعِ.
وأمَّا الحَلالُ من الجانبَينِ فهو الإِهداءُ للتَّوددِ والمَحبةِ، كما صرَّحوا به، وليسَ هو من الرِّشوةِ لمَا علِمتَ.
وفي «القُنية» قُبيلَ التَّحرِّي: الظَّلمةُ تَمنعُ الناسَ من الاحتِطابِ من المُروجِ إلا بدَفعِ شَيءٍ إليهم، فالدَّفعُ والأخذُ حَرامٌ؛ لأنَّه رِشوةٌ.
وفيها ما يَدفعُه المُتعاشِقان رَشوةً يَجبُ رَدُّها ولا تُملَّكُ.
فهذا يُفيدُ أنَّ الآخِذَ لا يَملكُها، وقد صرَّحَ به في هِبةِ «القُنية» قالَ: وفي «السِّير الكَبير» الرِّشوةُ لا تُملَكُ … أَبرأه عن الدَّينِ ليُصلِحَ مُهِمَّه عندَ السُّلطانِ لا يُبرأُ وهو رِشوةٌ.
ولو أَبى الاضطِجاعَ عندَ امرأتِه فقالَ: أبرِئيني عن المَهرِ فأضطجِعَ
стр. 7287
معكِ فأبَرأتْه، قيلَ: يُبرأُ؛ لأنَّ الإِبراءَ للتَّوددِ الداعي للجِماعِ، وقالَ ﵊: «تَهادُوا تَحابُّوا» بخِلافِ الإِبراءِ في الأولِ؛ لأنَّه مَقصودٌ على إِصلاحِ المُهمِّ، وإِصلاحُ المُهمِّ مُستحقٌّ عليه ديانةً، وبَذلُ المالِ فيما هو مُستحقٌّ عليه حَدُّ الرِّشوةِ.
وفيها دفَعَ للقاضِي أو لغيرِه سُحتًا لإِصلاحِ المُهمِّ فأصلَح ثم ندِمَ يُردُّ ما دفَعَ إليه.
فظاهِرُه أنَّ التَّوبةَ من الرِّشوةِ برَدِّ المالِ إلى صاحِبِه وإنْ قَضى حاجَتَه.
وفي «صُلحِ المِعراجِ» تَجوزُ المُصانَعةُ للأَوصياءِ في أَموالِ اليَتامى، وبه يُفتى، ثم قالَ: من الرِّشوةِ المُحرمةِ على الآخِذِ دونَ الدافِعِ ما يَأخذُه الشاعِرُ.
وفي «وَصايا الخانيةِ» قالوا: بَذلُ المالِ لاستِخلاصِ حَقٍّ له على آخَرَ رِشوةٌ، وليسَ منه ما تَأخذُه المَرأةُ لأجلِ صُلحِها مع الزَّوجِ.
قالَ في «الخُلاصة» و «البَزازية» في آخِرِ كِتابِ الصُّلحِ: وقَعَ بينَ الزَّوجينِ مُشاقاتٌ، فقالَت: لا أُصالِحُه حتى يُعطيَني كذا؛ لأنَّ لها عليه حَقًّا كالمَهرِ والنَّفقةِ.
ومنها: ما في مَهرِ «البَزازيةِ»: الأخُ أَبى أنْ يُزوِّجَ الأُختَ إلا أنْ يدفَعَ له كذا فدفعَ له أنْ يَأخذَه منه قائِمًا أو هالِكًا؛ لأنَّه رَشوةٌ، وعلى قياسِ هذا يَرجعُ بالهَديةِ أيضًا في المَسألةِ المُتقدمةِ إذا عُلمَ من حالِه أنَّه لا يُزوِّجُه إلا بالهَديةِ، وإلا فلا.
ومنها: لو أنفَقَ على مُعتدَّةِ الغيرِ ليَتزوجَها فأبَتْ أنْ تَتزوجَه، إنْ شرَط
стр. 7288
الرُّجوعَ رجَعَ تَزوجَّها أو لا، وإلا لو كانَ أنفَقَ على طَمعِ أنْ يَتزوجَها اختلَفَ التَّصحيحُ في الرُّجوعِ وعَدمِه (١).
وقالَ الماوَرديُّ وأبو يَعلى -رحمهما الله-: والفَرقُ بينَ الرِّشوةِ والهَديةِ أنَّ الرِّشوةَ ما أُخذَت طَلبًا، وأنَّ الهَديةَ بُذلَت عَفوًا (٢).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: قالَ العُلماءُ: إنَّ مَنْ أَهدى هَديةً لوَليِّ أمرٍ ليَفعلَ معه ما لا يَجوزُ كانَ حَرامًا على المُهدِي والمُهدَى إليه، وهذه من الرِّشوةِ التي قالَ فيها النَّبيُّ ﷺ : «لعَنَ اللهُ الراشيَ والمُرتَشيَ» (٣). والرِّشوةُ تُسمَّى البِرطيلَ، (والبِرطيلُ) في اللُّغةِ هو الحَجرُ المُستطيلُ، فأمَّا إذا أهدى له هَديةً ليَكفَّ ظُلمَه عنه أو ليُعطيَه حَقَّه الواجِبَ كانت هذه الهَديةُ حَرامًا على الآخِذِ، وجازَ للدافِعِ أنْ يَدفعَها إليه، كما كانَ النَّبيُّ ﷺ يَقولُ: إنِّي لَأعطِي أحدَهم العَطيةَ فيَخرجُ بها يَتأبَّطُها -يَعني تَكونُ تحتَ إبطِه- نارًا. قيلَ: يا رَسولَ اللهِ فلِمَ تُعطيهم؟! قالَ: «يَأبَوْن إلا ذاك، ويَأبى اللَّهُ لي البُخلَ» (٤)(٥).
стр. 7289
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فَصلٌ: حُكمُ الهَديةِ بصُورةٍ عامةٍ: وإذا كانَ كذلك فالمُهاداةُ فيمَن عدا الوُلاةِ مُستحبةٌ في البَذلِ، ومُباحةٌ في القَبولِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «تَهادُوا تَحابُّوا» (١).
حُكمُ مُهاداةِ الوُلاةِ:
وأمَّا مُهاداةُ الوُلاةِ فهُم ثَلاثةُ أصنافٍ: وُلاةُ سَلطنةٍ، ووُلاةُ عَمالةٍ، ووُلاةُ أحكامٍ.
فأمَّا الصِّنفُ الأولُ -وهُم وُلاةُ السَّلطنةِ- فكالإمامِ الأَعظمِ ومَن قامَ مَقامَه، فكلُّ الناسِ تحتَ وِلايتِه ومِن جُملةِ رَعيتِه. ولا تَخلو مُهاداتُه من أنْ تَكونَ من أهلِ دارِ الإِسلامِ أو من أهلِ دارِ الحَربِ.
هدايا أهلِ دارِ الحَربِ إلى وُلاةِ السَّلطنةِ:
إنْ هاداهُ أهلُ الحَربِ، جازَ له قَبولُ هَداياهم، كما يَجوزُ له استِباحةُ أَموالِهم، ويُنظرُ في سَببِ الهَديةِ:؛ فإنْ كانت لأجْلِ سُلطانِه فسُلطانُه بالمُسلِمينَ، فصارَت الهَديةُ لهم دونَه، فكانَ بَيتُ مالِهم بها أحَقَّ، وإنْ هاداهُ أهلُ الحَربِ لمَا لا يَختصُّ بسُلطانِه من مَودةٍ سلَفَت جازَ أنْ يَتملَّكَها، وإنْ هادَوْه لحاجةٍ عرَضَت؛ فإنْ كانَ لا يَقدِرُ على قَضائِها إلا بالسَّلطنةِ كانَ بَيتُ المالِ أحَقَّ بها منه، وإنْ كانَ يَقدِرُ عليها بغيرِ السَّلطنةِ كانَ أحَقَّ بها مِنْ بَيتِ المالِ، فيَكونُ حُكمُ هَداياهم مُنقسمًا على هذه الأَقسامِ الثَّلاثةِ.
стр. 7290
هَدايا أهلِ دارِ الإِسلامِ إلى وُلاةِ السَّلطنةِ:
وأمَّا هَدايا دارِ الإِسلامِ فتُقسَّمُ على ثَلاثةِ أَقسامٍ:
أحدُها: أنْ يُهديَ إليه مَنْ يَستعينُ به إمَّا على حَقٍّ يَستوفيه، وإمَّا على ظُلمٍ يَدفعُه عنه، وإمَّا على باطِلٍ يُعينُه عليه، فهذه هي الرِّشوةُ المُحرَّمةُ؛ رَوى أَنسُ بنُ مالِكُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لُعنَ الراشِي والمُرتَشي والرائِشُ» فالراشِي باذِلُ الرِّشوةِ، والمُرتَشي قابِلُ الرِّشوةِ، والرائِشُ المُتوسِّطُ بينَهما، ولأنَّ الهَديةَ إنْ كانت على حَقٍّ يَقومُ به فهو مِنْ لَوازمِ نَظرِه، ولا يَجوزُ لمَن لزِمَه القيامُ بحَقٍّ أنْ يَستعجِلَ عليه، كما لا يَجوزُ أنْ يَستعجِلَ على صَلاتِه وصيامِه، وإنْ كانَ على باطِلٍ يُعينُ عليه كانَ الاستِعجالُ أعظَمَ تَحريمًا وأغلَظَ مأثَمًا، فأمَّا باذِلُ الرِّشوةِ؛ فإنْ كانت لاستِخلاصِ حَقٍّ أو لدَفعِ ظُلمٍ لم يَحرُمْ عليه بَذلُها، كما لا يَحرُمُ افتِداءُ الأسيرِ بها، وإنْ كانت لباطِلٍ يُعانُ عليه يَحرُمُ عليه بَذلُها كما حرُمَ على المَبذولِ له أخذُها، ووجَبَ رَدُّ الرِّشوةِ على باذِلِها ولم يَجزْ أنْ تُوضعَ في بَيتِ المالِ.
والقِسمُ الثاني: أنْ يُهديَ إليه مَنْ كانَ يُهاديه قبلَ الوِلايةِ من ذي نَسبٍ أو مَودةٍ، فهذه هَديةٌ وليست رَشوةً، وهي ثَلاثةُ ضُروبٍ:
أحدُها: أنْ تَكونَ بقَدرِ ما كانت قبلَ الوِلايةِ لغيرِ حاجةٍ عرَضَت، فيَجوزُ له قَبولُها لانتِفاءِ المَظِنةِ عنها، وللعُرفِ الجارِي في التَّواصلِ بها.
والضَّربُ الثاني: أنْ تَقترنَ بحاجةٍ عرَضَت له، فيَمتنعَ من قَبولِه عندَ الحاجةِ، ويَجوزُ أنْ يَقبلَها بعدَ الحاجةِ، فقد رُوي أنَّ زَيدَ بنَ ثابِتٍ كانَ
стр. 7291
يُهدي إلى عُمرَ بنِ الخَطَّابِ لَبنًا فيَقبلُه، حتى اقتَرضَ زَيدٌ مالًا من بَيتِ المالِ، وأهدَى اللَّبنَ فرَدَّه عُمرُ، فقالَ زَيدٌ: لِمَ ردَدتَه؟ فقالَ: لأنَّك اقتَرضتَ من بَيتِ المالِ مالًا. فقالَ زَيدٌ: لا حاجةَ لي في مالٍ يَقطعُ الوَصلةَ بيني وبينَك. فرَدَّ المالَ وأهدَى اللَّبنَ فقبِلَه منه.
والضَّربُ الثالِثُ: أنْ يَزيدَ في هَديتِه على قَدرِ العادةِ لغَيرِ حاجةٍ فيُنظرُ، فإنْ كانت الزِّيادةُ من جِنسِ الهَديةِ جازَ قَبولُها لدُخولِها في المَألوفِ، وإنْ كانت من غيرِ جِنسِ الهَديةِ مُنعَ من قَبولِها لخُروجِها عن المَألوفِ.
والقِسمُ الثالِثُ: أنْ يُهديَ إليه مَنْ لم يَكنْ يُهاديه قبلَ الوِلايةِ فهذا على ثَلاثةِ أَضربٍ:
أحدُها: أنْ يُهديَ إليه مَنْ يَخطبُ منه الوِلايةَ على عَملٍ يُقلَّدُه، فهذه رِشوةٌ تَخرجُ من حُكمِ الهَدايا يَحرُمُ عليه أخذُها، سَواءٌ كانَ خاطِبُ الوِلايةِ مُستحِقًّا لها أو غيرَ مُستحِقٍّ، وعليه رَدُّها ويَحرُمُ على باذِلِها إنْ كانَ غيرَ مُستحِقٍّ للوِلايةِ، وإنْ كانَ مُستحِقًّا لها؛ فإنْ كانَ مُستغنِيًا عن الوِلايةِ حرُمَ عليه بَذلُها، وإنْ كانَ مُحتاجًا إليها لم يَحرُمْ عليه بَذلُها.
والضَّربُ الثاني: أنْ يُهديَ إليه مَنْ يَشكرُه على جَميلٍ كانَ منه، فهذا خارِجٌ من الرِّشا ومُلحقٌ بالهَدايا؛ لأنَّ الرِّشوةَ ما تَقدَّمت والهَديةُ ما تأخَّرت، وعليه رَدُّها، ولا يَجوزُ له قَبولُها؛ لأنَّه يَصيرُ مُكتسِبًا بمُجامَلتِه ومُعتاضًا على جاهِه، وسَواءٌ كانَ ما فعَلَه من الجَميلِ واجِبًا أو تبَرُّعًا، ولا يَحرُمُ بَذلُها على المُهدِي.
стр. 7292
والضَّربُ الثالِثُ: أنْ يُهديَ إليه مَنْ يَبتدئُه بالهَديةِ لغيرِ مُجازاةٍ على فِعلٍ سالِفٍ ولا طَلبًا لفِعلٍ مُستأنَفٍ، فهذه هَديةٌ بعَثَ عليها جاهَ السَّلطنةِ؛ فإنْ كافَأَ عليها جازَ له قَبولُها، وإنْ لم يُكافِئْ عليها ففيه وَجهانِ:
أحدُهما: يَقبلُها لبَيتِ المالِ؛ لأنَّ جاهَ السَّلطنةِ لجَميعِ المُسلِمينَ.
والوَجهُ الثاني: يَردُّها ولا يَقبلُها؛ لأنَّه المَخصوصُ بها، فلم يَجزْ أنْ يَستأثرَ دونَ المُسلِمينَ بشَيءٍ وصَلَ إليه بجاهِ المُسلِمينَ.
فَصلٌ: مُهاداةُ وُلاةِ العَمالةِ:
وأمَّا الصِّنفُ الثانِي -وهُم وُلاةُ العَمالةِ، كعُمالِ الخَراجِ والصَّدقاتِ- فلا يَخلو حالُ المُهدِي من أنْ يَكونَ من أهلِ عَملِه أو من غيرِهم؛ فإنْ كانت من غيرِ أهلِ عَملِه كانت المُهاداةُ بينَهما كالمُهاداةِ بينَ غيرِ الوُلاةِ والرَّعايا، وإنْ كانَ من أَهلِ عَملِه فعلى ثَلاثةِ أَضربٍ:
أحدُها: أنْ تَكونَ الهَديةُ قبلَ استِيفاءِ الحَقِّ من المُهدِي، فهذه رِشوةٌ؛ لتَقدُّمِها، فيَحرُمُ عليه قَبولُها؛ لأنَّها تُهمةٌ تَعطِفُه عن الواجِبِ، وقد رُويَ عن عائِشةَ مَوقوفًا -ورَواه بَعضُهم مُسنَدًا- «اللَّطَفةُ عَطفةٌ»، وسَواءٌ كانَ العامِلُ مُرتزَقًا أو غيرَ مُرتزَقٍ؛ فإنْ أضافَ العامِلُ ولم يُهادِه نُظرَ؛ فإنْ كانَ العامِلُ مُستوطِنًا لم يَجزْ أنْ يَدخلَ في ضيافَتِه، وإنْ كانَ مُجتازًا جازَ أنْ يَدخلَ في ضيافَتِه بعدَ استِيفاءِ الحَقِّ منه، ولم يَجزْ أنْ يَدخلَ فيها قبلَ استِيفائِه.
والضَّربُ الثاني: أنْ يُهديَ إليه بعدَ استِيفاءِ الحَقِّ منه على جَميلٍ قدَّمَه إليه فيُنظرُ؛ فإنْ كانَ الجَميلُ ممَّا يَجبُ على العامِلِ أنْ يَفعلَه بحَقِّ عَملِه
стр. 7293
وجَبَ رَدُّ الهَديةِ وحرُمَ قَبولُها، وإنْ كانَ ممَّا لا يَجبُ عليه لم يَكنْ للعامِلِ أنْ يَتملكَها ما لم يَعجَلِ المُكافأةَ عليها، وفيها وَجهانِ:
أحدُهما: تُعادُ إلى مالِكِها لخُروجِها عن المَقصودِ بها.
والآخَرُ: تَكونُ لبَيتِ المالِ؛ لأنَّها مَبذولةٌ على فِعلٍ نائِبٍ عنهم، وفي مِثلِه قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «هَدايا الأُمراءِ غُلولٌ»، والغُلولُ ما عُدلَ به عن مُستحِقِّه.
والضَّربُ الثالِثُ: أنْ يُهديَ إليه بعدَ استِيفاءِ الحَقِّ منه على غيرِ سَببٍ أسلَفَه؛ فإنْ عجَّلَ المُكافأةَ عليها بمِثلِ قيمَتِها جازَ أنْ يَتملكَها؛ لأنَّها بالمُكافأةِ مُعاوَضةٌ فجَرى في إِباحةِ التَّملُّكِ مَجرى الابتِياعِ الذي لا يُمنعُ الوُلاةُ منه، وإنْ لم يُكافِئْ عليها فقد خرَجَت عن الرِّشوةِ والجَزاءِ، فلم يَجبْ رَدُّها، ويَعرِّضُها للتُّهمةِ وسُوءِ القالةِ، واختَلفَ أَصحابُنا فيها على ثَلاثةِ أوجُهٍ:
أحدُها: أنَّها تُقرُّ على العامِلِ ولا تُسترجَعُ منه؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أقرَّ ابنَ اللُّتبيَّةِ على الهَديةِ ولم يَسترجِعْها منه.
والوَجهُ الثاني: أنَّها تُسترجَعُ منه لبَيتِ المالِ؛ لأنَّه أخَذَها بجاهِ العَملِ، وانضَمَّ إلى المالِ الذي استُعملَ فيه لوُصولِها بسَببِه؛ فإنْ رَأى الإمامُ في اجتِهادِه أنْ يُعطيَه إيَّاها جازَ إذا كانَ مِثلَه يَجوزُ أنْ يَبدأَ بمِثلِها، وإنْ رأى الإمامُ أنْ يُشاطرَه عليها جازَ، كما فعَلَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ في ابنَيْه حينَ أخَذا مالَ الفَيءِ قَرضًا واتَّجَرا فرَبِحا فأخَذَ منهما نِصفَ رِبحِه كالقِراضِ.
стр. 7294
والوَجهُ الثالِثُ: أنَّه إنْ كانَ العامِلُ مُرتزِقًا قَدرَ كِفايَتِه أُخذَت منه الهَديةُ لبَيتِ المالِ، وإنْ كانَ غيرَ مُرتزِقٍ أُقرَّت عليه؛ لرِوايةِ عبدِ اللهِ بنِ بُريدةَ عن أبيه عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ استَعمَلناه على عَملٍ فرَزَقناه رِزقًا فما أخَذَ بعدَ ذلك فهو غُلولٌ» (١). ولو كانَ مُرتزِقًا ولم يَكتفِ برِزقِه عما تَدعوه الحاجةُ إليه فقد رَوى الأَوزاعيُّ عن الحارِثِ بنِ يَزيدَ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ جُبَيرٍ عن المُستورِدِ بنِ شَدادٍ قالَ: سمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «مَنْ كانَ لنا عامِلًا فليَكتسِبْ زَوجةً؛ فإنْ لم يَكنْ له خادِمٌ فليَكتسِبْ خادِمًا؛ فإنْ لم يَكنْ له مَسكنٌ فليَكتسِبْ مَسكَنًا» (٢). فدَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ الغُلولَ المُسترجَعَ منه ما تَجاوزَ قَدرَ حاجَتِه.
فَصلٌ: مُهاداةُ قُضاةِ الأَحكامِ:
وأمَّا الصِّنفُ الثالِثُ -وهُم قُضاةُ الأَحكامِ- فالهَدايا في حَقِّهم أغلَظُ مأثَمًا وأشَدُّ تَحريمًا؛ لأنَّهم مَندوبونَ لحِفظِ الحُقوقِ على أهلِها دونَ
стр. 7295
أخذِها، يَأمرونَ فيها بالمَعروفِ ويَنهَونَ فيها عن المُنكرِ، وقد رَوى أَبو هُريرةَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «لعَنَ اللهُ الراشيَ والمُرتشيَ في الحُكمِ» فخَصَّ الحُكمَ بالذِّكرِ لاختِصاصِه بالتَّغليظِ.
ويَنقسِمُ حالُ القاضِي في الهَديةِ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ:
أحدُها: أنْ تَكونَ الهَديةُ في عَملِه من أهلِ عَملِه، فللمُهدِي ثَلاثُ حالاتٍ:
إِحداها: أنْ يَكونَ ممَّن لم يُهادِه قبلَ الوِلايةِ، فلا يَجوزُ أنْ يَقبلَ هَديتَه، سَواءٌ كانَ له في حالِ الهَديةِ مُحاكَمةٌ أو لم يَكُنْ؛ لأنَّه مُعرَّضٌ لأنْ يُحاكِمَ أو يُحاكَمَ، وهي مِنْ المُتحاكِمينَ رِشوةٌ مُحرمةٌ، ومِن غيرِهم هَديةٌ مَحظورةٌ.
والحالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ ممَّن يُهاديه قبلَ الوِلايةِ لرَحمٍ أو مَودةٍ وله في الحالِ مُحاكمةٌ، فلا يَحلُّ له قَبولُ هَديتِه؛ لأنَّ قَبولَها مُمايَلةٌ.
والحالةُ الثالِثةُ: أنْ يَكونَ ممَّن يُهاديه قبلَ الوِلايةِ وليسَ له مُحاكَمةٌ، فيُنظرُ فإنْ كانَت من غيرِ جِنسِ هَداياه المُتقدمةِ؛ كأنْ كانَ يُهاديه بالطَّعامِ فصار يُهاديه بالثِّيابِ لم يَجزْ أنْ يَقبلَها؛ لأنَّ الزِّيادةَ هَديةٌ بالوِلايةِ، وإنْ كانَت من جِنسِ ما يُهاديه قبلَ الوِلايةِ ففي جَوازِ قَبولِها وَجهانِ:
أحدُهما: يَجوزُ أنْ يَقبلَها لخُروجِها عن سَببِ الوِلايةِ.
والوَجهُ الآخَرُ: لا يَجوزُ أنْ يَقبلَها لجَوازِ أنْ تَحدُثَ له مُحاكَمةٌ يُنسبُ بها إلى المُمايلةِ.
والقِسمُ الثاني: أنْ تَكونَ الهَديةُ في عَملِه من غيرِ أهلِ عَملِه، فلمُهديها ثَلاثُ حالاتٍ:
стр. 7296
إِحداها: أنْ يَكونَ قد دخَلَ بها إلى عَملِه، فقد صارَ بالدُّخولِ بها من أهلِ عَملِه فلا يَجوزُ أنْ يَقبلَها، سَواءٌ كانت له مُحاكَمةٌ أو لم تَكُنْ؛ لجَوازِ أنْ تَحدُثَ له مُحاكَمةٌ.
والحالةُ الثانيةُ: ألَّا يَدخلَ بها المُهدِي، وإنَّما يُرسلُها، وله مُحاكَمةٌ، وهو فيها طالِبٌ أو مَطلوبٌ، فهي رِشوةٌ مُحرمةٌ.
والحالةُ الثالِثةُ: أنْ يُرسلَها ولا يَدخُلَ بها، وليسَ له مُحاكمةٌ، ففي جَوازِ قَبولِها وَجهانِ:
أحدُهما: لا يَجوزُ؛ لِما يَلزمُه من النَّزاهةِ.
والآخَرُ: يَجوزُ؛ لوَضعِ الهَديةِ على الإِباحةِ.
والقِسمُ الثالِثُ: أنْ تَكونَ الهَديةُ في غيرِ عَملِه ومن غيرِ أهلِ عَملِه لسَفرِه عن عَملِه، فنَزاهتُه عنها أَولى به من قَبولِها ليَحفظَ صيانَتَه؛ فإنْ قبِلَها جازَ ولم يُمنعْ منها، فأمَّا نُزولُه ضيفًا على غيرِه؛ فإنْ كانَ في عَملِه لم يَجُزْ، وإنْ كانَ في غيرِ عَملِه جازَ، ولا يُكرهُ إنْ كانَ عابِرَ سَبيلٍ، ويُكرهُ إنْ كانَ مُقيمًا.
حُكمُ مُهاداةِ القُضاةِ:
إذا تقرَّرَ ما وصَفْنا من مُهاداةِ القاضِي فإنْ أُبيحَت له جازَ أنْ يَتملكَها ولم يَجبْ رَدُّها، وإنْ حُظرَت ومُنعَ منها -على ما ذكَرْنا من التَّفصيلِ- انقسَمَت ثَلاثةَ أقسامٍ:
стр. 7297
أحدُها: أنْ تَكونَ رِشوةً لتَقدُّمِها على المُحاكَمةِ، فيَجبُ رَدُّها على باذِلِها؛ فإنْ رَدَّها قبلَ الحُكمِ نفَذَ حُكمُه، وإنْ رَدَّها بعدَ الحُكمِ نُظرَ؛ فإنْ كانَ حُكمُه على الباذِلِ نفَذَ، وإنْ كانَ للباذِلِ ففي نُفوذِه وَجهانِ:
أحدُهما: يَنفذُ إذا وافَقَ الحَقَّ كما يَنفذُ للصَّديقِ.
والوَجهُ الآخَرُ: لا يَنفذُ، كما لا يَنفذُ لوالِدٍ ولا لوَلدٍ للتُّهمةِ بالمُمايَلةِ.
والقِسمُ الثاني: أنْ تَكونَ الهَديةُ جَزاءً لتأخُّرِها عن الحُكمِ، فيَجبُ رَدُّها على مُهديها، والحُكمُ معها نافِذٌ، سَواءٌ كانَ الحُكمُ للمُهدِي أو عليه.
والقِسمُ الثالِثُ: أنْ تَخرجَ الهَديةُ عن الرِّشوةِ والجَزاءِ لابتِداءِ المُهدِي بها تبَرُّعًا، فلا يَجوزُ أنْ يَتملكَها القاضِي لحَظرِها عليه، وفيها وَجهانِ:
أحدُها: تُردُّ على مُهديها لفَسادِ الهَديةِ.
والوَجهُ الثاني: تُوضعُ في بَيتِ المالِ، لبَذلِها طَوعًا لنائِبِ المُسلِمينَ.
فَصلٌ: الهَديةُ على الشَّفاعةِ:
رَوى عبدُ اللهِ بنُ أَبي جَعفرٍ عن خالِدِ بنِ أَبي عِمرانَ عن القاسِمِ بنِ أَبي أُمامةَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «مَنْ شفَعَ لأحَدٍ شَفاعةً فأَهدى له هَديةً فقبِلَها فقد أَتى بابًا عَظيمًا من الرِّبا» (١)، وهذا الحَديثُ -وإنْ كانَ مُرسلًا- سيَظهرُ في الاستِدلالِ به على ما يُوجبُه حُكمُ الأُصولِ، ومُهاداةُ الشافِعِ مُعتبَرةٌ بشَفاعتِه، وهي على ثَلاثةِ أقسامٍ:
стр. 7298
أحدُها: أنْ يَشفعَ في مَحظورٍ من إِسقاطِ حَقٍّ أو مَعونةٍ على ظُلمٍ، فهو في الشَّفاعةِ ظالِمٌ وبقَبولِ الهَديةِ عليها آثِمٌ.
والقِسمُ الثاني: أنْ يَشفعَ في حَقٍّ يَجبُ عليه القيامُ به، فالشَّفاعةُ مُستحَقةٌ عليه، والهَديةُ عليه مَحظورةٌ؛ لأنَّ لَوازمَ الحُقوقِ لا يُستعجَلُ عليها.
والقِسمُ الثالِثُ: أنْ يَشفعَ في مُباحٍ لا يَلزمُه، فهو بالشَّفاعةِ مُحسِنٌ لمَا فيها من التَّعاونِ، وقد رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «اشفَعوا إلَيَّ، ويَقضي اللهُ على لِسانِ رَسولِه ما يَشاءُ»، وللهَديةِ على هذه الشَّفاعةِ ثَلاثُ حالاتٍ:
إِحداها: أنْ يَشترطَها الشافِعُ، فقَبولُها مَحظورٌ عليه؛ لأنَّه يَستعجِلُ على حَسنٍ قد كانَ منه.
والحالةُ الثانيةُ: أنْ يَقولَ المُهدِي: «هذه الهَديةُ جَزاءٌ على شَفاعَتِك» فقَبولُها مَحظورٌ عليه كما لو شرَطها؛ لأنَّها لمَّا جُعِلت جَزاءً صارَت كالشَّرطِ.
والحالةُ الثالِثةُ: أنْ يُمسِكَ الشافِعُ عن اشتِراطِها ويُمسِكَ المُهدِي عن الجَزاءِ بها؛ فإنْ كانَ مُهاديًا قبلَ الشَّفاعةِ لم يُمنعِ الشافِعُ من قَبولِها ولم يُكرَهْ له القَبولُ، وإنْ كانَ غيرَ مُهادٍ قبلَ الشَّفاعةِ كُرهَ له القَبولُ وإنْ لم يَحرُمْ عليه؛ فإنْ كافَأ عليها لم يُكرهُ له القَبولُ (١).
стр. 7299
مَشروعيةُ الهِبةِ:
الهِبةُ مَشروعةٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ.
أمَّا الكِتابِ؛ فقَولُه تَعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] أي: طابَت نُفوسُهنَّ بشَيءٍ من ذلك فوهَبْنه منكم ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤].
وقَولُه تَعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وأمَّا السُّنةُ: فمنها ما رُويَ عن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «تَهادُوا تَحابُّوا» (١).
وعن أَبي هُريرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لو دُعيتُ إلى كُراعٍ لَأجبتُ، ولو أُهديَ إلَيَّ كُراعٌ لَقبِلتُ» (٢).
وعن عائِشةَ ﵂ قالَت: «كان رَسولُ اللهِ ﷺ يَقبلُ الهَديةَ ويُثيبُ عليها» (٣).
وعن أَبي هُريرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «يا نِساءَ المُسلِماتِ لا تَحقِرَنَّ جارةٌ لجارَتِها ولو فِرسِنَ شاةٍ» (٤).
стр. 7300
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وهذا النَّهيُ عن الاحتِقارِ نَهيٌ للمُعطيةِ المُهديةِ، ومَعناه: لا تَمتنعْ جارةٌ من الصَّدقةِ والهَديةِ لجارَتِها لاستِقلالِها واحتِقارِها المَوجودِ عندَها، بل تَجودُ بما تيسَّرَ وإنْ كانَ قَليلًا كفِرسِنِ شاةٍ، وهو خَيرٌ من العَدمِ (١).
وقالَ أيضًا: قالَ أَصحابُنا: وفِعلُها مع الأَقاربِ ومع الجِيرانِ أفضَلُ من غيرِهم.
يَنبَغي ألَّا يُحتقَرَ القَليلُ فيُمتنَعَ من إهدائِه، وألَّا يَستنكِفَ المُهدَى إليه عن قَبولِ القَليلِ.
ويُستحبُّ للمُهدَى إليه أنْ يَدعوَ للمُهدِي، ويُستحبُّ للمُهدِي إذا دَعا له المُهدَى إليه أنْ يَدعوَ أيضًا له (٢).
وقالَ إمامُ الحَرمَينِ ﵀: الأصلُ فيها سُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولا شَكَّ أنَّها كانَت تَجري في عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فطَريقُ ثُبوتِها التَّواتُرُ، وإنَّما يَنقُلُ الآحادُ في تَفاصيلِ أحكامِها أخبارًا، وهذا سَبيلُ كلِّ أصلٍ من أُصولِ الشَّريعةِ (٣).
وأمَّا الإِجماعُ:
فقد نقَلَ عَددٌ كَبيرٌ من العُلماءِ الإِجماعَ على مَشروعيةِ الهِبةِ.
стр. 7301
قالَ العَمرانِيُّ ﵀: الهِبةُ مَندوبٌ إليها، وأجمَعَ المُسلِمونَ على استِحبابِها (١).
وقالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا وهَبَ لوَلدِه الطِّفلِ دارًا بعَينِها أو عبدًا بعَينِه وقبَضَه له من نَفسِه وأشهَدَ عليه أنَّ الهِبةَ تامةٌ (٢).
وقالَ الدَّميريُّ ﵀: وأجمَعَت الأُمةُ على استِحبابِ الهِبةِ؛ لأنَّها سَببٌ للتَّوادِّ والتَّحابِّ (٣).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وانعقَدَ الإِجماعُ على استِحبابِ الهِبةِ بجَميعِ أَنواعِها، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، والهِبةُ بِرٌّ، ولأنَّها سَببُ التَّوادِّ والتَّحابِّ، قالَ ﷺ : «تَهادُوا تَحابُّوا» (٤).
وقبِلَ ﷺ هَديةَ المُقوقِسِ الكافِرِ وتَسرَّى من جُملتِها بماريةَ القِبطيةِ وأولَدَها، وقبِلَ هَديةَ النَّجاشيِّ المُسلمِ وتصرَّفَ فيها وهاداه أيضًا (٥).
стр. 7302
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: والأُمةُ مُجمِعةٌ على جَوازِ أكلِ الهَديةِ وإنْ كانت مِنْ فاسِقٍ أو كانت من صَبيٍّ، ومَن نازَعَ في ذلك لم يُمكِنْه العَملُ بخِلافِه وإنْ قالَه بلِسانِه (١).
مَحاسِنُها:
قالَ البابَرتيُّ ﵀: ومِن مَحاسنِها جَلبُ المَحبةِ (٢).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: الهَديةُ إذا شرُفَت وخرَجَت عن حَدِّ الحَقارةِ وقَعَت مَوقعًا حَسنًا عندَ المُهدَى إليه، ودلَّت على شَرفِ نَفسِ المُهدِي وكِبَرِ هِمَّتِه (٣).
وقالَ الزَّيلَعيُّ ﵀: وقد سَمَّى اللهُ نَفسَه بالوَهابِ؛ إذْ ورَدَ في الآيةِ الكَريمةِ: ﴿الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾ [ص: ٩] ويَكفي ذلك لإِثباتِ مَحاسنِ الهِبةِ.
والبَشرُ إذا باشَرَها فقد اكتسَبَ من أشرَفِ الصِّفاتِ؛ لمَا فيها من استِعمالِ الكَرمِ وإزالةِ شُحِّ النَّفسِ وإدخالِ السُّرورِ في قَلبِ المَوهوبِ له، وإيراثِ المَودةِ والمَحبةِ بينَهما، وإزالةِ الضَّغينةِ والحَسدِ، ولهذا مَنْ باشَرَها كانَ من المُفلِحين، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩] (٤).
стр. 7303
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: العِلةُ فيها استِجلابُ المَودةِ وسَلُّ سَخيمةِ الصَّدرِ ووَجدِه وحِقدِه وغِلِّه لتَصيرَ العَداوةُ مَحبةً والبُغضةُ مَودةً، وهذا ممَّا تَكادُ الفِطرةُ تَشهدُ به؛ لأنَّ النُّفوسَ جُبِلَت عليه (١).
الهِبةُ على الأَقاربِ أفضَلُ:
نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ الهِبةَ والهَديةَ على الأَقاربِ أفضَلُ من غيرِهم، واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه البُخاريُّ عن أَبي هُريرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ الرَّحمَ شِجنةٌ من الرَّحمنِ، فقالَ اللهُ: مَنْ وصَلَكِ وصَلتُه ومَن قطَعَكِ قطَعتُه» (٢).
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «قالَ اللهُ : أنا الرَّحمنُ، خلَقتُ الرَّحمَ وشقَقتُ لها مِنْ اسمِي، فمَن يَصِلْها أصِلْه، ومَن يَقطَعْها أقطَعْه فأبُتَّه، أو قالَ: مَنْ يَبُتَّها أبُتَّه» (٣).
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «الصَّدقةُ على المِسكينِ صَدقةٌ، وهي على ذي الرَّحمِ اثنَتان: صَدقةٌ وصِلةٌ» (٤).
وعن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ عن أُمِّه أُمِّ كُلثومٍ بِنتِ عُقبةَ ﵂ قالَت: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أفضَلُ الصَّدقةِ على ذي الرَّحمِ
ذهَبَ الفقهاء عامةً إلى أنَّ سُؤالَ الهِبةِ قد يَكونُ واجِبًا، وقد يَكونُ مُستحبًّا، وقد يَكونُ جائِزًا.
فيَجبُ عندَ الشافِعيةِ في الأصَحِّ سُؤالُ هِبةِ الماءِ إذا لم يَحتَجْ واهِبُ الماءِ إليه، وضاق الوَقتُ عن طَلبِ الماءِ؛ لأنَّه حينَئذٍ يُعدُّ واجِدًا للماءِ ولا تَعظُمُ فيه المِنةُ؛ فإنِ احتاجَ إليه الواهِبُ لعَطشٍ حالًا أو مآلًا أو لغيرِه حالًا، أو اتَّسعَ الوَقتُ لم يَجبْ اتِّهابُه (١).
وقالَ أَبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ ﵀ في (مَسألةِ سُؤالِ الماءِ للوُضوءِ):
سُئلَ ابنُ القاسِمِ عن الرَّجلِ يَكونُ في السَّفرِ يَعجِزُ ماؤُه، ومع أَصحابِه ماءٌ، أتَرى أنْ يَسألَهم لوُضوئِه أم يَتيمَّمُ؟ قالَ: أمَّا المَكانُ كَثيرُ الماءِ فلا أَرى بذلك بأْسًا، وأمَّا المَوضعُ الذي يَتعذَّرُ فيه فأَرجو أنْ يَكونَ واسِعًا.
قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: واجِبٌ على الرَّجلِ أنْ يَطلبَ الماءَ لوُضوئِه إذا عُدِمَه ولم يَجدْ مَنْ يَشتَريه منه، وهو واجِدٌ بما يُشبهُ من الثَّمنِ على ما في «المُدونةِ» ممَّن يَليه ويَظنُّ أنَّه لا يَمنعُه ويُعطيه؛ لمَا قالَ في سَماعِ أشهَبَ من هذا الكِتابِ وليسَ في قَولِه في هذه الرِّوايةِ: «فلا أرى بذلك بأْسًا» دَليلٌ على أنَّ له أنْ يَترُكَ الطَّلبَ في المَكانِ كَثيرِ الماءِ الذي يَقعُ في نَفسِه أنَّه لا يُبخَلُ فيه به عليه؛ لأنَّ المَعنى في سُؤالِ السائِلِ يُكرَهُ له سُؤالُ الماءِ من ناحيةِ أنَّ المَسألةَ مَكروهةٌ، فأخبَرَ أنَّه لا كَراهيةَ في السُّؤالِ في هذا الكِتابِ، وإذا انتَفَت
стр. 7306
عنه الكَراهةُ تعلَّقَ به الوُجوبُ لمَا يَلزمُه من الطَّهارةِ للصَّلاةِ، وقَولُه في آخِرِ المَسألةِ: «وأَرجو أنْ يَكونَ تَركُ السُّؤالِ واسِعًا في المَوضعِ الذي يَتعذَّرُ فيه الماءُ» يَدلُّ على أنَّه لا سَعةَ له عندَه في تَركِ السُّؤالِ في المَوضِعِ الذي يَكثُرُ فيه الماءُ بَيانُ ما قُلناه. وفي سَماعِ أشهَبَ من معنى هذه المَسألةِ ما فيه بَيانٌ لها، وباللهِ التَّوفيقُ (١).
واستدَلَّ العُلماءُ على جَوازِ سُؤالِ الهِبةِ بما رَواه البُخاريُّ عن أَبي سَعيدٍ ﵁ قالَ: انطلَقَ نَفرٌ من أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ في سَفرةٍ سافَروها حتى نزَلوا على حَيٍّ من أَحياءِ العَربِ فاستَضافوهم فأبَوْا أنْ يُضيِّفوهم، فلُدِغَ سَيِّدُ ذلك الحَيِّ فسعَوْا له بكلٍّ شَيءٍ لا يَنفعُه شَيءٌ، فقالَ بَعضُهم: لو أتَيتُم هؤلاء الرَّهطِ الذين نزَلوا، لعَلَّه أنْ يَكونَ عندَ بَعضِهم شَيءٌ. فأتَوْهم فقالوا: يا أيُّها الرَّهطُ، إنَّ سَيِّدَنا لُدغَ وسعَيْنا له بكلِّ شَيءٍ لا يَنفعُه، فهل عندَ أحدٍ منكم من شَيءٍ؟ فقالَ بَعضُهم: نَعَمْ، واللهِ إنِّي لَأرقي، ولكنْ واللهِ لقد استَضفْناكم فلم تُضيِّفونا، فما أنا بِراقٍ لكم حتى تَجعَلوا لنا جُعلًا. فصالَحوهم على قَطيعٍ من الغَنمِ، فانطلَقَ يَتفِلُ عليه ويَقرأُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فكأنَّما نشطَ من عِقالٍ، فانطلَقَ يَمشي وما به قَلَبةٌ، قالَ: فأوفَوْهم جُعلَهم الذي صالَحوهم عليه. فقالَ بَعضُهم: اقسِموا. فقالَ الذي رقَى: لا تَفعَلوا حتى نأتيَ النَّبيَّ ﷺ فنَذكرَ له الذي كانَ، فنَنظرَ ما يَأمرُنا. فقَدِموا على رَسولِ اللهِ ﷺ فذكَروا له، فقالَ: وما يُدريكَ
стр. 7307
أنَّها رُقيةٌ؟ ثم قالَ: قد أصَبتُم، اقسِموا واضرِبوا لي معكم سَهمًا. فضحِكَ رَسولُ اللهِ ﷺ » (١).
وقالَ البُخاريُّ في «صَحيحِه»: بابُ مَنْ استَوهَبَ من أَصحابِه شَيئًا، وقالَ أبو سَعيدٍ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «اضرِبوا لي معكم سَهمًا».
قالَ ابنُ بَطالٍ ﵀: استِيهابُ الصَّديقِ المُلاطِفِ حَسنٌ إذا عُلمَ أنَّ ما يَستوهِبُه تَطيبُ به نَفسُه، ويُسرُّ بهِبتِه (٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قَولُه: بابُ مَنْ استَوهَبَ من أَصحابِه شَيئًا. أي: سَواءٌ كانَ عَينًا أو مَنفعةً جازَ، أي: بغيرِ كَراهةٍ في ذلك إذا كانَ يَعلمُ طِيبَ أنفُسِهم (٣).
وعن جابِرٍ ﵁ قالَ: بعَثَنا رَسولُ اللهِ ﷺ وأمَّرَ علينا أَبا عُبيدةَ نتلَقَّى عِيرًا لقُريشٍ، وزوَّدَنا جِرابًا من تَمرٍ لم يَجدْ لنا غيرَه، فكانَ أَبو عُبيدةَ يُعطينا تَمرةً تَمرةً -قال- فقُلتُ: كيف كُنْتُمْ تَصنَعون بها؟ قالَ: نمُصُّها كما يَمصُّ الصَّبيُّ، ثم نَشربُ عليها من الماءِ فتَكفينا يَومَنا إلى اللَّيلِ، وكُنا نَضربُ بعِصِيِّنا الخَبطَ ثم نَبُلُّه بالماءِ فنأكُلُه. قالَ: وانطلَقْنا على ساحِلِ البَحرِ فرُفعَ لنا على ساحِلِ البَحرِ كهَيئةِ الكَثيبِ الضَّخمِ، فأتَيْناه فإذا هي دابَّةٌ تُدعى العَنبرُ. قالَ: قالَ أبو عُبيدةَ: مَيتةٌ، ثم قالَ: لا، بل نَحنُ رُسلُ رَسولِ اللهِ
стр. 7308
ﷺ وفي سَبيلِ اللهِ، وقد اضطُرِرتُم فكُلوا. قالَ: فأقَمْنا عليه شَهرًا ونحن ثَلاثُمئةٍ حتى سَمِنَّا. قالَ: ولقد رأيتُنا نَغترِفُ من وَقبِ عَينِه بالقِلالِ الدُّهنَ ونَقتطِعُ منه الفَدرَ كالثَّورِ -أو كقَدرِ الثَّورِ- فلقد أخَذَ منا أَبو عُبيدةَ ثَلاثةَ عَشرَ رَجلًا فأقعَدَهم في وَقبِ عَينِه، وأخَذَ ضِلعًا من أَضلاعِه فأقامَها ثم رحَّلَ أعظَمَ بَعيرٍ معنا، فمَرَّ من تحتِها، وتزَوَّدنا من لَحمِه وشائِقَ، فلمَّا قدِمْنا المَدينةَ أتَيْنا رَسولَ اللهِ ﷺ فذكَرْنا ذلك له، فقالَ: «هو رِزقٌ أخرَجَه اللهُ لكم، فهل معكم مِنْ لَحمِه شَيءٌ فتُطعِمونا» قالَ: فأرسَلنا إلى رَسولِ اللهِ ﷺ منه فأكلَه (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وفي هذا دَليلٌ على أنَّه لا بأسَ بسُؤالِ الإِنسانِ من مالِ صاحِبِه ومَتاعِه إدلالًا عليه، وليسَ هو من السُّؤالِ المَنهيِّ عنه، إنَّما ذلك في حَقِّ الأَجانبِ للتَّموُّلِ ونَحوِه، وأمَّا هذه فللمُؤانَسةِ والمُلاطَفةِ والإِدلالِ (٢).
قَبولُ الهِبةِ ورَدُّها من المُهدَى إليه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الهِبةِ والهَديةِ هل يَجبُ قَبولُها أو يُستحبُّ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجبُ قَبولُ الهِبةِ والهَديةِ؛ لأنَّ في ذلك ضَررًا؛ للحُوقِ المِنةِ، واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه سالِمُ بنُ عبدِ اللهِ عن أبيه «أنَّ رَسولَ اللهِ
стр. 7309
ﷺ كانَ يُعطي عُمرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ العَطاءَ، فيَقولُ له عُمرُ: أعطِه يا رَسولَ اللهِ أفقَرَ إليه مِنِّي. فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ «خُذْه فتَموَّلْه أو تَصدَّقْ به، وما جاءَك من هذا المالِ وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فخُذْه، وما لا فلا تُتبِعْه نَفسَكَ». قالَ سالِمٌ: فمِن أجلِ ذلك كانَ ابنُ عُمرَ لا يَسألُ أحدًا شَيئًا ولا يَردُّ شَيئًا أُعطيَه (١).
وقالوا: إنَّ أمرَ النَّبيِّ ﷺ بهذا أمرُ نَدبٍ، قالَ الطَّبريُّ: اختَلفَ العُلماءُ في مَعنى قَولِه ﷺ لعُمرَ: «ما جاءَك من هذا المالِ فخُذْه» بعدَ إِجماعِهم على أنَّه أمرُ نَدبٍ وإرشادٍ، والصَّوابُ عندي أنَّه نَدبٌ منه ﷺ لأُمَّتِه إلى قَبولِ عَطيةِ كلِّ مُعطٍ جائِزٍ عَطيَّتُه، سُلطانًا كانَ أو رَعيةً، وذلك أنَّ الرَّسولَ ﷺ قالَ لعُمرَ: «ما آتاك اللهُ من هذا المالِ وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فاقبَلْه»، فندَبَه ﷺ إلى قَبولِ كلِّ ما آتاه اللهُ من المالِ من جَميعِ وُجوهِه من غيرِ تَخصيصِ وَجهٍ من الوُجوهِ دونَ غيرِه، سِوى ما استَثناه ﷺ ، وذلك ما جاءَ من وَجهٍ حَرامٍ عليه، فلا يَحلُّ له قَبولُه، كالذي يَغصِبُ رَجلًا مُسلمًا مالَه ثم يُعطيه بعَينِه آخَرَ والذي يُعطاه يَعلمُ غَصبَه أو سَرقتَه أو خيانتَه؛ فإنْ قبِلَه كانَ واجِبًا عليه رَدُّه (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واختَلفَ العُلماءُ فيمَن جاءَه مالٌ، هل يَجبُ قَبولُه أو يُندبُ؟ على ثَلاثةِ مَذاهبَ حَكاها أبو جَعفرٍ مُحمدُ بنُ جَريرٍ
стр. 7310
الطَّبريُّ وآخَرون، والصَّحيحُ المَشهورُ الذي عليه الجُمهورُ أنَّه يُستحبُّ في غيرِ عَطيةِ السُّلطانِ، وأمَّا عَطيةُ السُّلطانِ فحرَّمَها قَومٌ وأباحَها قَومٌ وكرِهَها قَومٌ، والصَّحيحُ أنَّه إنْ غلَبَ الحَرامُ فيما في يَدِ السُّلطانِ حَرُمَت، وكذا إنْ أعطى مَنْ لا يَستحقُّ، وإنْ لم يَغلِبِ الحَرامُ فمُباحٌ إنْ لم يَكنْ في القابِضِ مانِعٌ يَمنعُه من استِحقاقِ الأخْذِ، وقالَت طائِفةٌ: الأخذُ واجِبٌ من السُّلطانِ وغيرِه، وقالَ آخَرون: هو مَندوبٌ في عَطيةِ السُّلطانِ دونَ غيرِه، واللهُ أعلَمُ (١).
وعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ وسَعيدِ بنِ المُسيِّبِ أنَّ حَكيمَ بنَ حِزامٍ ﵁ قالَ: سألتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فأعطاني ثم سألتُه فأعطاني، ثم سألتُه فأعطاني، ثم قالَ: يا حَكيمُ، إنَّ هذا المالَ خَضِرةٌ حُلوةٌ فمَن أخَذَه بسَخاوةِ نَفسٍ بُوركَ له فيه، ومَن أخَذه بإشرافِ نَفسٍ لم يُبارَكْ له فيه، وكانَ كالذي يأكُلُ ولا يَشبعُ، اليَدُ العُليا خَيرٌ من اليَدِ السُّفلى. قالَ حَكيمٌ: فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، والذي بعَثَك بالحَقِّ لا أرزَأُ أحَدًا بعدَك شَيئًا حتى أُفارقَ الدُّنيا. فكانَ أبو بَكرٍ ﵁ يَدعو حَكيمًا إلى العَطاءِ فيَأبى أنْ يَقبلَه منه، ثم إنَّ عُمرَ ﵁ دَعاه ليُعطيَه فأبى أنْ يَقبلَ منه شَيئًا، فقالَ عُمرُ: إنِّي أُشهِدُكم يا مَعشرَ المُسلِمينَ على حَكيمٍ أنِّي أعرِضُ عليه حَقَّه من هذا الفَيءِ فيَأبى أنْ يأخُذَه، فلم يَرزأْ حَكيمٌ أحَدًا من الناسِ بعدَ رَسولِ اللهِ ﷺ حتى تُوفِّيَ» (٢).
стр. 7311
ووَجهُ الدِّلالةِ من الحَديثِ -كما يَقولُ ابنُ تَيميةَ-: أنَّ حَكيمًا ﵁ ذكَرَ للنَّبيِّ ﷺ أنَّه لا يَقبلُ مِنْ أحدٍ شَيئًا، وأقَرَّه النَّبيُّ ﷺ على ذلك، وكذلك الخُلفاءُ بعدَه، وهذا حُجةٌ في جَوازِ الرَّدِّ وإنْ كانَ عن غيرِ مَسألةٍ ولا إشرافٍ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يُجبَرُ على قَبولِ هَديةٍ ولا صَدقةٍ ولا وَصيةٍ ولا قَرضٍ، ولا تُجبَرُ المَرأةُ على التَّزوُّجِ ليأخُذَ مَهرَها؛ لأنَّ في ذلك ضَررًا للحُوقِ المِنةِ في الهَديةِ والصَّدقةِ والوَصيةِ والعِوضِ في القَرضِ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: يُكرهُ رَدُّ هِبةٍ وإنْ قلَّتْ؛ لحَديثِ أَبي هُريرةَ مَرفوعًا: «لو أُهديَ إلَيَّ ذِراعٌ أو كُراعٌ لَقبِلتُ» (٣) خُصوصًا الطِّيبَ؛ لحَديثِ: «ثَلاثةٌ لا تُردُّ»، فعَدَّ منها الطِّيبَ، ولحَديثِ أحمدَ عن ابنِ مَسعودٍ مَرفوعًا: «لا تَرُدُّوا الهَديةَ» (٤).
وعُلمَ منه أنَّه لا يَجبُ قَبولُ هَديةٍ وهِبةٍ ولو جاءَت بلا مَسألةٍ ولا استِشرافِ نَفسٍ، وهذا هو المَذهبُ، وعن الإمامِ أحمدَ يَجبُ قَبولُها.
ويَجوزُ رَدُّها لأُمورٍ، وذلك مِثلَ أنْ يُريدَ أخذَها بعَقدِ مُعاوَضةٍ؛ لحَديثِ
стр. 7312
جابِرٍ في جَملِه: قالَ له النَّبيُّ ﷺ : «بِعني جَمَلَك هذا. قالَ: قُلتُ: لا، بل هو لك. قالَ: لا، بل بِعنِيه» رَواه مُسلمٌ.
أو أنْ يَكونَ المُعطي لا يَقنَعُ بالثَّوابِ المُعتادِ لِما في القَبولِ من المَشقةِ حينَئذٍ، أو تَكونُ الهَديةُ بعدَ السُّؤالِ واستِشرافِ النَّفسِ لها؛ لحَديثِ عُمرَ: «ما آتاك اللهُ من هذا المالِ وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فخُذْه، وما لا فلا تُتبِعْه نَفسَك» (١). وإِشرافُ النَّفسِ فسَّرَه إِبراهيمُ الحَربيُّ بأنَّه تَطلُّبٌ للشَّيءِ وارتِفاعٌ له وتَعرُّضٌ إليه، أو لقَطعِ المِنةِ إذا كانَ على الآخِذِ فيه مِنةٌ، وقد يَجبُ رَدُّ الهِبةِ إذا علِمَ المُهدَى له أنَّه -أي: المُهديَ- أَهدى حَياءً، فيَجبُ رَدُّ هَديتِه إليه، قالَ ابنُ الجَوزيِّ في الآدابِ: وهو قَولٌ حَسنٌ؛ لأنَّ المَقاصدَ في العُقودِ عندَنا مُعتبَرةٌ.
وكذا يَجبُ رَدُّ هَديةِ صَيدِ المُحرِمِ؛ لأنَّه ﵊ رَدَّ على الصَّعبِ ابنِ جَثَّامةَ هَديةَ الحِمارِ الوَحشيِّ، وقالَ: «إنَّا لم نَرُدَّه عليكَ إلا أنَّا حُرُمٌ» (٢).
ويُتَّجهُ أنَّه إذا علِمَ أنَّه أَهدى له حَياءً إمَّا يَجبُ عليه الرَّدُّ أو يَجبُ عليه العِوضُ، وأنْ يَكونَ العِوضُ مِثلَها أو خَيرًا منها، ويُتَّجهُ ما ذُكرَ أنَّه يُحمَلُ على مَنْ كانَ بَذيءَ لِسانٍ يُخافُ منه التَّسلُّطُ على مَنْ لم يُكافِئْه بالهَجوِ والذَّمِّ، فإذا علِمَ منه ذلك فعليه أنْ يُعوِّضَه عن هَديتِه خُروجًا من عُهدتِه واستِنقاذًا له من تَمزيقِ عِرضِه وارتِكابِه إثْمَ الغِيبةِ.
стр. 7313
ويَجبُ على مَنْ شفَعَ شَفاعةً لآخَرَ فأَهدى له هَديةً أنْ يَردَّها عليه؛ لمَا في حَديثِ أَبي داودَ: «مَنْ شفَعَ لأخيه شَفاعةً فأَهدى له هَديةً فقبِلَها فقد أَتى بابًا عَظيمًا من أَبوابِ الرِّبا» (١).
قالَ ابنُ رَجبٍ ﵀ في القاعِدةِ الخَمسينَ بعدَ المِئةِ: ومنها الهَديةُ لمَن يَشفعُ له عندَ السُّلطانِ ونَحوِه فلا يَجوزُ، ذكَرَه القاضِي وأومَأَ إليه أحمدُ؛ لأنَّها كالأُجرةِ، والشَّفاعةُ من المَصالحِ العامةِ، فلا يَجوزُ أخذُ الأُجرةِ عليها، ونَصَّ أحمدُ في رِوايةِ صالِحٍ فيمَن عندَه وَديعةٌ فأدَّاها فأُهدِيَت له هَديةٌ أنَّه لا يَقبلُها إلا بنِيةِ المُكافأةِ.
وقالَ أحمدُ: لا يَنبَغي للخاطِبِ إذا خطَبَ لقَومٍ امرأةً أنْ يَقبلَ لهم هَديةً؛ لأنَّ الخاطِبَ كالشَّفيعِ، وهو مَمنوعٌ من قَبولِ الهَديةِ (٢).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ومَتى بُذلَ للعُريانِ إِعارةُ سُترةٍ لزِمَه قَبولُها، كما يَلزمُه قَبولُ الماءِ إذا وُهبَ له والدَّلوِ والحَبلِ إذا أُعيرَه.
وقيلَ: لا يَجبُ عليه قَبولُها كما لا يَلزمُه قَبولُها إذا بُذلَت له هِبةٌ، وكما لا يَلزمُه قَبولُ المالِ في الحَجِّ والكَفاراتِ.
وقد خُرِّجَ وَجهٌ بأنَّه يَلزمُه قَبولُ الهِبةِ؛ لأنَّ العارَ في بَقاءِ عَورتِه مَكشوفةً أكثَرُ من الضَّررِ في المِنةِ التي تَلحقُه لأَشياءَ عندَ مَنْ قالَ من أَصحابِنا بأنَّه
стр. 7314
يَلزمُه قَبولُ المالِ في الحَجِّ؛ فإنَّ قَبولَ السُّترةِ أوكَدُ؛ لأنَّ فَرضَ السُّترةِ لا يَتوقَّفُ على وُجودِها، وإنَّما يَتوقَّفُ على القُدرةِ على تَحصيلِها كالماءِ في الوُضوءِ، بدَليلِ أنَّه لو أمكَنَه تَحصيلُ السُّترةِ من المُباحاتِ لزِمَه، ولا يَلزمُه تَحصيلُ ما يَحجُّ به من المُباحاتِ.
ووَجهُ الأولِ -وهو المَشهورُ-: أنَّ قَبولَ العارِيةِ لا مِنةَ فيه في الغالِبِ، بخِلافِ قَبولِ الهِبةِ، فصارَ قَبولُها كقَبولِ الماءِ والتُّرابِ في الطَّهارةِ، وكالاستِرشادِ إلى طَريقِ الجامِعِ، والسُّترةُ لا يُعتمَدُ وُجودُها وإنَّما يُعتمَدُ القُدرةُ عليها، وهي حاصِلةٌ بخِلافِ قَبولِ الهِبةِ؛ فإنَّ فيه ضَررًا عليه بالحَقِّ الذي يَجبُ للواهِبِ عليه، وبإمكانِ إلحاقِ المِنةِ به (١).
وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها جَماعةٌ من أَصحابِه (وابنُ حَزمٍ) إلى وُجوبِ قَبولِ الهِبةِ لمَا رَواه سالِمُ بنُ عبدِ اللهِ عن أبيه «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يُعطي عُمرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ العَطاءَ فيَقولُ له عُمرُ: أعطِه يا رَسولَ اللهِ أفقَرَ إليه مِنِّي. فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ «خُذْه فتَموَّلْه أو تَصدَّقْ به، وما جاءَك من هذا المالِ وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فخُذْه وما لا فلا تُتبِعْه نَفسَك». قالَ سالِمٌ: فمِن أجلِ ذلك كانَ ابنُ عُمرَ لا يَسألُ أحَدًا شَيئًا ولا يَردُّ شَيئًا أُعطيَه (٢)(٣).
стр. 7315
قَبولُ هَدايا الحُكامِ:
اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ هَدايا الحُكامِ، هل جائِزٌ للإِنسانِ أنْ يَقبلَها أو لا؟
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ ابنُ جَريرٍ الطَّبريُّ: وأمَّا عَطيةُ السُّلطانِ فحرَّمَها قَومٌ وأباحَها قَومٌ وكرِهَها قَومٌ، والصَّحيحُ أنَّه إنْ غلَبَ الحَرامُ فيما في يَدِ السُّلطانِ حرُمَت، وكذا إنْ أعطى مَنْ لا يَستحقُّ، وإنْ لم يَغلِبِ الحَرامُ فمُباحٌ إنْ لم يَكنْ في القابِضِ مانِعٌ يَمنعُه من استِحقاقِ الأخذِ، وقالَت طائِفةٌ: الأخذُ واجِبٌ من السُّلطانِ وغيرِه، وقالَ آخَرونَ: هو مَندوبٌ في عَطيةِ السُّلطانِ دونَ غيرِه، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ البُخاريُّ في «صَحيحِه»: بابُ مَنْ أَعطاه اللهُ شَيئًا من غيرِ مَسألةٍ ولا إِشرافِ نَفسٍ.
ثم رُويَ عن سالِمٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ﵄ قالَ: سمِعتُ عُمرَ يَقولُ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُعطيني العَطاءَ فأقولُ: أعطِه مَنْ هو أفقَرُ إليه مِنِّي. فقالَ: خُذْه، إذا جاءَك من هذا المالِ شَيءٌ وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فخُذْه، وما لا فلا تُتبِعْه نَفسَك» (٢).
قالَ ابنُ بَطالٍ ﵀: قالَ الطَّحاويُّ: ليسَ مَعنى هذا الحَديثِ في الصَّدقاتِ، وإنَّما هو في الأَموالِ التي يَقسِمُها الإمامُ على أَغنياءِ المُسلِمينَ
стр. 7316
وفُقرائِهم، فكانت تلك الأَموالُ يُعطاها الناسُ لا مِنْ جِهةِ الفَقرِ، ولكنْ بحُقوقِهم فيها، فكرِهَ رَسولُ اللهِ ﷺ لعُمرَ حين أَعطاه قَولَه: (أعطِهِ مَنْ هو أفقَرُ إليه مِنِّي)؛ لأنَّه إنَّما أَعطاه لمَعنًى غيرِ الفَقرِ، ثم قالَ له: (خُذْه فتَموَّلْه)، هكذا رَواه شُعيبٌ عن الزُّهريِّ، فدَلَّ على أنَّ ذلك ليسَ من أموالِ الصَّدقاتِ؛ لأنَّ الفَقيرَ لا يَنبَغي له أنْ يأخُذَ من الصَّدقاتِ ما يَنبَغي له أنْ يَتَّخذَه مالًا كانَ عن مَسألةٍ أو غيرِ مَسألةٍ، ثم قالَ: (إذا جاءَك من هذا المالِ) الذي هذا حُكمُه (فخُذْه).
قالَ الطَّبريُّ: اختَلفَ العُلماءُ في مَعنى قَولِه ﷺ لعُمرَ: (ما جاءَك من هذا المالِ فخُذْه)، بعدَ إِجماعِهم على أنَّه أمرُ نَدبٍ وإرشادٍ، فقالَ بَعضُهم: هو نَدبٌ من النَّبيِّ ﷺ لكلِّ مَنْ أعطى عَطيةً إلى قَبولِها كائِنًا مَنْ كانَ مُعطيها، سُلطانًا أو عامِّيًّا، صالِحًا أو فاسِقًا، بعدَ أنْ يَكونَ ممَّن تَجوزُ عَطيتُه.
ذِكرُ مَنْ قالَ ذلك: رُويَ عن أَبي هُريرةَ أنَّه قالَ: «ما أحدٌ يُهدي إلَيَّ هَديةً إلا قبِلتُها، فأمَّا أنْ أسألَ فلا». ورُويَ عن أبي الدَّرداءِ مِثلُه.
وقبِلَت عائِشةُ من مُعاويةَ، وقالَ حَبيبُ بنُ أبي ثابِتٍ: رأيتُ هدايا المُختارِ تأتي ابنَ عُمرَ وابنَ عباسٍ فيَقبَلانها، وقالَ عُثمانُ بنُ عَفَّانَ: جَوائِزُ السُّلطانِ لَحمُ ظَبيٍ زَكيٍّ، وبعَثَ سَعيدُ بنُ العاصِ إلى علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ هَدايا فقبِلَها، وقالَ: خُذْ ما أعطَوْك، وأجازَ مُعاويةُ الحُسَينَ بأربَعمِئةِ ألْفٍ، وسُئِل أبو جَعفرٍ مُحمدُ بنُ علِيِّ بنِ حُسَينٍ عن هَدايا السُّلطانِ فقالَ: إنْ
стр. 7317
علِمتَ أنَّه من غَصبٍ أو سُحتٍ فلا تَقبَلْه، وإنْ لم تَعرِفْ ذلك فاقبَلْه؛ فإنَّ بَريرةَ تُصدِّقَ عليها بلَحمٍ فأهدَتْه لآلِ النَّبيِّ ﷺ فقالَ: «هو عليها صَدقةٌ، ولنا هَديةٌ»، وقالَ: «ما كانَ من مأثَمٍ فهو عليهم، وما كانَ من مَهنَأٍ فهو لك». وقبِلَها عَلقَمةُ والأسوَدُ والنَّخعيُّ والحَسنُ البَصريُّ والشَّعبيُّ.
وقالَ آخَرون: بل ذلك نَدبٌ من النَّبيِّ ﷺ لأُمتِه إلى قَبولِ عَطيةِ غيرِ ذي سُلطانٍ، فأمَّا السُّلطانُ؛ فإنَّ بَعضَهم كانَ يَقولُ: حَرامٌ قَبولُ عَطيتِه، وبَعضُهم كرِهَها.
ذِكرُ مَنْ قالَ ذلك: رُويَ «أنَّ خالِدَ بنَ أُسَيدٍ أعطَى مَسروقًا ثَلاثينَ ألفًا، فأبى أنْ يَقبلَها، فقيل له: لو أخَذتَها فوصَلتَ بها رَحمَك. فقالَ: أرأيتَ لو أنَّ لِصًّا نقَبَ بَيتًا ما أُبالي أخَذتُها أم أخَذتُ ذلك». ولم يَقبلِ ابنُ سِيرينَ ولا أبو رُزَينٍ ولا ابنُ مُحَيريزٍ من السُّلطانِ، وقالَ هِشامُ بنُ عُروةَ: بعَثَ إلَيَّ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ وإلى أخي بخَمسِمِئةِ دِينارٍ، فقالَ أخي: رُدَّها، فما أكَلَها أحدٌ وهو غَنيٌّ عنها إلا أحوَجَه اللهُ إليها».
وقالَ ابنُ المُنذِرِ: كرِهَ جَوائزَ السُّلطانِ مُحمدُ بنُ واسِعٍ والثَّوريُّ وابنُ المُباركِ وأحمدُ بنُ حَنبَلٍ وجَماعةٌ.
وقالَ آخَرون: بل ذلك نَدبٌ إلى قَبولِ هَديةِ السُّلطانِ دونَ غيرِه. ورُويَ عن عِكرمةَ أنَّه قالَ: إنَّا لا نَقبلُ إلا من الأُمراءِ.
قالَ الطَّبريُّ: والصَّوابُ عندي أنَّه نَدبٌ منه ﷺ لأُمتِه إلى قَبولِ عَطيةِ كلِّ مُعطٍ جائزٍ عَطيتُه، سُلطانًا كانَ أو رَعيةً، وذلك أنَّ الرَّسولَ
стр. 7318
ﷺ قالَ لعُمرَ ﵁: «ما آتَاك اللهُ من هذا المالِ وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فاقبَلْه»، فندَبَه ﷺ إلى قَبولِ كلِّ ما آتَاه اللهُ من المالِ من جَميعِ وُجوهِه من غيرِ تَخصيصِ وَجهٍ من الوُجوهِ دونَ غيرِه، سِوى ما استَثناه ﷺ ، وذلك ما جاءَ من وَجهٍ حَرامٍ عليه، فلا يَحلُّ له قَبولُه، كالذي يَغصِبُ رَجلًا مُسلمًا مالَه ثم يُعطيه بعَينِه آخَرَ، والذي يُعطاه يَعلمُ غَصبَه أو سَرقتَه أو خيانَتَه؛ فإنْ قبِلَه كانَ واجِبًا عليه رَدُّه.
فإنْ قالَ قائِلٌ: فإنْ كانَ الأمرُ كما وصَفتَ من أنَّه لا يَحرُمُ على امرِئٍ قَبولُ عَطيةِ أحدٍ يَجوزُ حُكمُه في مالِه إلا عَطيةً حرَّمَ اللهُ قَبولَها، فما وَجهُ فِعلِ مَنْ رَدَّ عَطايا السَّلاطينِ وامتنَعَ من قَبولِ هَدايا الأُمراءِ، وقد ندَبَ ﷺ إلى قَبولِ عَطيةِ كلِّ أحدٍ؟
قيلَ له: إنَّ مَنْ رَدَّ من ذلك شَيئًا فإنَّما كانَ على مَنْ كانَ الأغلَبُ من أمرِه أنَّه لا يَأخذُ المالَ من وَجهِه، فرَأى أنَّ الأسلَمَ لدِينِه والأبرَأَ لعِرضِه تَركُ قَبولِه؛ إذْ كانَ الأمرُ بالقَبولِ غيرَ حَتمٍ واجِبٍ، وإنَّما هو نَدبٌ إلى قَبولِ ما لا شَكَّ في حِلِّه، فإذا كانَ فيه لَبسٌ فالحَقُّ تَركُ قَبولِه، وما لم يَكنْ حَلالًا يَقينًا فلم يَدخلْ في أمرِه ﷺ عُمرَ بقَبولِه، فأحَلَّه مَحلَّ الشُّبهاتِ التي مَنْ واقَعَها لم يُؤمَنْ منه مُواقَعةُ الحَرامِ.
فإنْ قيلَ: فما تَقولُ فيمَن قبِلَ ممَّن لم يَتبيَّنْ من أينَ أخَذَ المالَ ولا فيمَ وضَعَه؟
стр. 7319
قيلَ: ذلك يَنقسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ: فما علِمتَ يَقينًا أنَّه حَلالٌ فلا أَستحِبُّ رَدَّه، وما علِمتَ يَقينًا أنَّه حَرامٌ فلا أَستحِلُّ قَبولَه، وما لم أعلَمْ وَجهَ مَصيرِه ولا سَببَ وُصولِه إليه فذلك ما قد وضَعَ عني تَكلُّفَ البَحثِ عن أسبابِه، وألزَمَني في الظاهِرِ الحُكمَ بأنَّه أَولى به من غيرِه، ما لم يَستحقَّه عليه مُستحِقٌّ، كما أحكُمُ بما في يَدِ أعدَلِ العُدولِ أنَّه أَولى بما في يَدِه ما لم يَستحقَّه عليه مُستحِقٌّ، فسَوَّى بينَ حُكمِ أفضَلِ خَلقِه في ذلك وأفجَرِهم، فالواجِبُ علَيَّ التَّسويةُ في قَبولِ عَطيةِ كلِّ واحدٍ منهما ورَدُّها من جِهةِ ما يَحلُّ ويَحرُمُ، وإنِ اختَلَفا في أنَّ البَرَّ أحَقُّ بأنْ يُسرَّ بقَبولِ عَطيتِه من الفاجِرِ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ في جَوائزِ السُّلطانِ: كانَ الإمامُ أَبو عبدِ اللهِ ﵀ يَتورَّعُ عنها ويَمنعُ بَنيه وعَمَّه من أخذِها، وهجَرَهم حينَ قبِلوها، وسَدَّ الأبوابَ بينَه وبينَهم حين أخَذوها ولم يَكنْ يَأكلُ من بُيوتِهم شَيئًا ولا يَنتفعُ بشَيءٍ يُصنعُ عندَهم، وأمرَهم بالصَّدقةِ بما أخَذوه، وإنَّما فعَلَ ذلك؛ لأنَّ أموالَهم تَختلِطُ بما يأخُذونه من الحَرامِ من الظُّلمِ وغيرِه، فيَصيرُ شُبهةً، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «الحَلالُ بيِّنٌ والحَرامُ بيِّنٌ وبينَهما مُشتبِهاتٌ لا يَعلَمُها كَثيرٌ من الناسِ، فمَن اتَّقى الشُّبُهاتِ استَبرأَ لدِينِه وعِرضِه، ومَن وقَعَ في الشُّبهاتِ كراعٍ يَرعَى حَولَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقعَ فيه» (٢).
стр. 7320
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك» واحتَجَّ أحمدُ بأنَّ جَماعةً من الصَّحابةِ تَنزَّهوا عن مالِ السُّلطانِ، منهم حُذيفةُ وأَبو عُبيدةَ ومُعاذٌ وأَبو هُريرةَ وابنُ عُمرَ ولم يَرَ أَبو عبدِ اللهِ ذلك حَرامًا.
فإنَّه سُئل فقيلَ له: مالُ السُّلطانِ حَرامٌ؟ فقالَ: لا، وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يُتنزَّه عنه.
وفي رِوايةٍ قالَ: ليسَ أحدٌ من المُسلِمينَ إلا وله في هذه الدَّراهمِ حَقٌّ، فكيف أَقولُ إنَّها سُحتٌ وقد كانَ الحَسنُ والحُسينُ وعَبدُ اللهِ بنُ جَعفرٍ وكَثيرٌ من الصَّحابةِ يَقبَلونَ جَوائزَ مُعاويةَ.
ورُويَ عن علِيٍّ ﵁ أنَّه قالَ: «لا بأسَ بجَوائزِ السُّلطانِ، ما يُعطيكم من الحَلالِ أكثَرُ ما يُعطيكم من الحَرامِ» وقالَ: «لا تَسألِ السُّلطانَ شَيئًا؛ فإنْ أعطاك فخُذْ؛ فإنَّ ما في بَيتِ المالِ من الحَلالِ أكثَرُ مما فيه من الحَرامِ».
ورَوى عُمرُ بنُ شَيبةَ البُحتريُّ في كِتابِ القَضاءِ «أنَّ الحَسنَ وابنَ سِيرينَ والشَّعبيَّ دخَلوا على عُمرَ بنِ هُبيرةَ، فأمَرَ لكلِّ واحدٍ منهم بألفٍ دِرهمٍ، وأمَرَ للحَسنِ بألفَيْ دِرهمٍ، فقبَضَ الحَسنُ جائزَتَه وأبى ابنُ سِيرينَ أنْ يَقبِضَ، فقالَ لابنِ سِيرينَ: ما لك لا تَقبِضُ؟ قالَ: حتى يَعُمَّ الناسَ. فقالَ الحَسنُ: واللهِ لو عرَضَ لك ولي لِصٌّ فأخَذَ رِدائي ورِداءَك ثم بَدا له أنْ يَردَّ علَيَّ رِدائي كُنْتُ أقولُ لا أقبَلُ رِدائي حتى تَردَّ على ابنِ سِيرينَ رِداءَه، كُنْتُ أُحبُّ أنْ تَكونَ أفقَهَ مما أنتَ يا ابنَ سِيرينَ» ولأنَّ جَوائزَ السُّلطانِ لها وَجهٌ