← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

وفُقرائِهم، فكانت تلك الأَموالُ يُعطاها الناسُ لا مِنْ جِهةِ الفَقرِ، ولكنْ بحُقوقِهم فيها، فكرِهَ رَسولُ اللهِ ﷺ لعُمرَ حين أَعطاه قَولَه: (أعطِهِ مَنْ هو أفقَرُ إليه مِنِّي)؛ لأنَّه إنَّما أَعطاه لمَعنًى غيرِ الفَقرِ، ثم قالَ له: (خُذْه فتَموَّلْه)، هكذا رَواه شُعيبٌ عن الزُّهريِّ، فدَلَّ على أنَّ ذلك ليسَ من أموالِ الصَّدقاتِ؛ لأنَّ الفَقيرَ لا يَنبَغي له أنْ يأخُذَ من الصَّدقاتِ ما يَنبَغي له أنْ يَتَّخذَه مالًا كانَ عن مَسألةٍ أو غيرِ مَسألةٍ، ثم قالَ: (إذا جاءَك من هذا المالِ) الذي هذا حُكمُه (فخُذْه). قالَ الطَّبريُّ: اختَلفَ العُلماءُ في مَعنى قَولِه ﷺ لعُمرَ: (ما جاءَك من هذا المالِ فخُذْه)، بعدَ إِجماعِهم على أنَّه أمرُ نَدبٍ وإرشادٍ، فقالَ بَعضُهم: هو نَدبٌ من النَّبيِّ ﷺ لكلِّ مَنْ أعطى عَطيةً إلى قَبولِها كائِنًا مَنْ كانَ مُعطيها، سُلطانًا أو عامِّيًّا، صالِحًا أو فاسِقًا، بعدَ أنْ يَكونَ ممَّن تَجوزُ عَطيتُه. ذِكرُ مَنْ قالَ ذلك: رُويَ عن أَبي هُريرةَ أنَّه قالَ: «ما أحدٌ يُهدي إلَيَّ هَديةً إلا قبِلتُها، فأمَّا أنْ أسألَ فلا». ورُويَ عن أبي الدَّرداءِ مِثلُه. وقبِلَت عائِشةُ من مُعاويةَ، وقالَ حَبيبُ بنُ أبي ثابِتٍ: رأيتُ هدايا المُختارِ تأتي ابنَ عُمرَ وابنَ عباسٍ فيَقبَلانها، وقالَ عُثمانُ بنُ عَفَّانَ: جَوائِزُ السُّلطانِ لَحمُ ظَبيٍ زَكيٍّ، وبعَثَ سَعيدُ بنُ العاصِ إلى علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ هَدايا فقبِلَها، وقالَ: خُذْ ما أعطَوْك، وأجازَ مُعاويةُ الحُسَينَ بأربَعمِئةِ ألْفٍ، وسُئِل أبو جَعفرٍ مُحمدُ بنُ علِيِّ بنِ حُسَينٍ عن هَدايا السُّلطانِ فقالَ: إنْ

стр. 7317

علِمتَ أنَّه من غَصبٍ أو سُحتٍ فلا تَقبَلْه، وإنْ لم تَعرِفْ ذلك فاقبَلْه؛ فإنَّ بَريرةَ تُصدِّقَ عليها بلَحمٍ فأهدَتْه لآلِ النَّبيِّ ﷺ فقالَ: «هو عليها صَدقةٌ، ولنا هَديةٌ»، وقالَ: «ما كانَ من مأثَمٍ فهو عليهم، وما كانَ من مَهنَأٍ فهو لك». وقبِلَها عَلقَمةُ والأسوَدُ والنَّخعيُّ والحَسنُ البَصريُّ والشَّعبيُّ. وقالَ آخَرون: بل ذلك نَدبٌ من النَّبيِّ ﷺ لأُمتِه إلى قَبولِ عَطيةِ غيرِ ذي سُلطانٍ، فأمَّا السُّلطانُ؛ فإنَّ بَعضَهم كانَ يَقولُ: حَرامٌ قَبولُ عَطيتِه، وبَعضُهم كرِهَها. ذِكرُ مَنْ قالَ ذلك: رُويَ «أنَّ خالِدَ بنَ أُسَيدٍ أعطَى مَسروقًا ثَلاثينَ ألفًا، فأبى أنْ يَقبلَها، فقيل له: لو أخَذتَها فوصَلتَ بها رَحمَك. فقالَ: أرأيتَ لو أنَّ لِصًّا نقَبَ بَيتًا ما أُبالي أخَذتُها أم أخَذتُ ذلك». ولم يَقبلِ ابنُ سِيرينَ ولا أبو رُزَينٍ ولا ابنُ مُحَيريزٍ من السُّلطانِ، وقالَ هِشامُ بنُ عُروةَ: بعَثَ إلَيَّ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَيرِ وإلى أخي بخَمسِمِئةِ دِينارٍ، فقالَ أخي: رُدَّها، فما أكَلَها أحدٌ وهو غَنيٌّ عنها إلا أحوَجَه اللهُ إليها». وقالَ ابنُ المُنذِرِ: كرِهَ جَوائزَ السُّلطانِ مُحمدُ بنُ واسِعٍ والثَّوريُّ وابنُ المُباركِ وأحمدُ بنُ حَنبَلٍ وجَماعةٌ. وقالَ آخَرون: بل ذلك نَدبٌ إلى قَبولِ هَديةِ السُّلطانِ دونَ غيرِه. ورُويَ عن عِكرمةَ أنَّه قالَ: إنَّا لا نَقبلُ إلا من الأُمراءِ. قالَ الطَّبريُّ: والصَّوابُ عندي أنَّه نَدبٌ منه ﷺ لأُمتِه إلى قَبولِ عَطيةِ كلِّ مُعطٍ جائزٍ عَطيتُه، سُلطانًا كانَ أو رَعيةً، وذلك أنَّ الرَّسولَ

стр. 7318

ﷺ قالَ لعُمرَ ﵁: «ما آتَاك اللهُ من هذا المالِ وأنتَ غيرُ مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فاقبَلْه»، فندَبَه ﷺ إلى قَبولِ كلِّ ما آتَاه اللهُ من المالِ من جَميعِ وُجوهِه من غيرِ تَخصيصِ وَجهٍ من الوُجوهِ دونَ غيرِه، سِوى ما استَثناه ﷺ ، وذلك ما جاءَ من وَجهٍ حَرامٍ عليه، فلا يَحلُّ له قَبولُه، كالذي يَغصِبُ رَجلًا مُسلمًا مالَه ثم يُعطيه بعَينِه آخَرَ، والذي يُعطاه يَعلمُ غَصبَه أو سَرقتَه أو خيانَتَه؛ فإنْ قبِلَه كانَ واجِبًا عليه رَدُّه. فإنْ قالَ قائِلٌ: فإنْ كانَ الأمرُ كما وصَفتَ من أنَّه لا يَحرُمُ على امرِئٍ قَبولُ عَطيةِ أحدٍ يَجوزُ حُكمُه في مالِه إلا عَطيةً حرَّمَ اللهُ قَبولَها، فما وَجهُ فِعلِ مَنْ رَدَّ عَطايا السَّلاطينِ وامتنَعَ من قَبولِ هَدايا الأُمراءِ، وقد ندَبَ ﷺ إلى قَبولِ عَطيةِ كلِّ أحدٍ؟ قيلَ له: إنَّ مَنْ رَدَّ من ذلك شَيئًا فإنَّما كانَ على مَنْ كانَ الأغلَبُ من أمرِه أنَّه لا يَأخذُ المالَ من وَجهِه، فرَأى أنَّ الأسلَمَ لدِينِه والأبرَأَ لعِرضِه تَركُ قَبولِه؛ إذْ كانَ الأمرُ بالقَبولِ غيرَ حَتمٍ واجِبٍ، وإنَّما هو نَدبٌ إلى قَبولِ ما لا شَكَّ في حِلِّه، فإذا كانَ فيه لَبسٌ فالحَقُّ تَركُ قَبولِه، وما لم يَكنْ حَلالًا يَقينًا فلم يَدخلْ في أمرِه ﷺ عُمرَ بقَبولِه، فأحَلَّه مَحلَّ الشُّبهاتِ التي مَنْ واقَعَها لم يُؤمَنْ منه مُواقَعةُ الحَرامِ. فإنْ قيلَ: فما تَقولُ فيمَن قبِلَ ممَّن لم يَتبيَّنْ من أينَ أخَذَ المالَ ولا فيمَ وضَعَه؟

стр. 7319

قيلَ: ذلك يَنقسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ: فما علِمتَ يَقينًا أنَّه حَلالٌ فلا أَستحِبُّ رَدَّه، وما علِمتَ يَقينًا أنَّه حَرامٌ فلا أَستحِلُّ قَبولَه، وما لم أعلَمْ وَجهَ مَصيرِه ولا سَببَ وُصولِه إليه فذلك ما قد وضَعَ عني تَكلُّفَ البَحثِ عن أسبابِه، وألزَمَني في الظاهِرِ الحُكمَ بأنَّه أَولى به من غيرِه، ما لم يَستحقَّه عليه مُستحِقٌّ، كما أحكُمُ بما في يَدِ أعدَلِ العُدولِ أنَّه أَولى بما في يَدِه ما لم يَستحقَّه عليه مُستحِقٌّ، فسَوَّى بينَ حُكمِ أفضَلِ خَلقِه في ذلك وأفجَرِهم، فالواجِبُ علَيَّ التَّسويةُ في قَبولِ عَطيةِ كلِّ واحدٍ منهما ورَدُّها من جِهةِ ما يَحلُّ ويَحرُمُ، وإنِ اختَلَفا في أنَّ البَرَّ أحَقُّ بأنْ يُسرَّ بقَبولِ عَطيتِه من الفاجِرِ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ في جَوائزِ السُّلطانِ: كانَ الإمامُ أَبو عبدِ اللهِ ﵀ يَتورَّعُ عنها ويَمنعُ بَنيه وعَمَّه من أخذِها، وهجَرَهم حينَ قبِلوها، وسَدَّ الأبوابَ بينَه وبينَهم حين أخَذوها ولم يَكنْ يَأكلُ من بُيوتِهم شَيئًا ولا يَنتفعُ بشَيءٍ يُصنعُ عندَهم، وأمرَهم بالصَّدقةِ بما أخَذوه، وإنَّما فعَلَ ذلك؛ لأنَّ أموالَهم تَختلِطُ بما يأخُذونه من الحَرامِ من الظُّلمِ وغيرِه، فيَصيرُ شُبهةً، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «الحَلالُ بيِّنٌ والحَرامُ بيِّنٌ وبينَهما مُشتبِهاتٌ لا يَعلَمُها كَثيرٌ من الناسِ، فمَن اتَّقى الشُّبُهاتِ استَبرأَ لدِينِه وعِرضِه، ومَن وقَعَ في الشُّبهاتِ كراعٍ يَرعَى حَولَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقعَ فيه» (٢).

стр. 7320

وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك» واحتَجَّ أحمدُ بأنَّ جَماعةً من الصَّحابةِ تَنزَّهوا عن مالِ السُّلطانِ، منهم حُذيفةُ وأَبو عُبيدةَ ومُعاذٌ وأَبو هُريرةَ وابنُ عُمرَ ولم يَرَ أَبو عبدِ اللهِ ذلك حَرامًا. فإنَّه سُئل فقيلَ له: مالُ السُّلطانِ حَرامٌ؟ فقالَ: لا، وأحَبُّ إلَيَّ أنْ يُتنزَّه عنه. وفي رِوايةٍ قالَ: ليسَ أحدٌ من المُسلِمينَ إلا وله في هذه الدَّراهمِ حَقٌّ، فكيف أَقولُ إنَّها سُحتٌ وقد كانَ الحَسنُ والحُسينُ وعَبدُ اللهِ بنُ جَعفرٍ وكَثيرٌ من الصَّحابةِ يَقبَلونَ جَوائزَ مُعاويةَ. ورُويَ عن علِيٍّ ﵁ أنَّه قالَ: «لا بأسَ بجَوائزِ السُّلطانِ، ما يُعطيكم من الحَلالِ أكثَرُ ما يُعطيكم من الحَرامِ» وقالَ: «لا تَسألِ السُّلطانَ شَيئًا؛ فإنْ أعطاك فخُذْ؛ فإنَّ ما في بَيتِ المالِ من الحَلالِ أكثَرُ مما فيه من الحَرامِ». ورَوى عُمرُ بنُ شَيبةَ البُحتريُّ في كِتابِ القَضاءِ «أنَّ الحَسنَ وابنَ سِيرينَ والشَّعبيَّ دخَلوا على عُمرَ بنِ هُبيرةَ، فأمَرَ لكلِّ واحدٍ منهم بألفٍ دِرهمٍ، وأمَرَ للحَسنِ بألفَيْ دِرهمٍ، فقبَضَ الحَسنُ جائزَتَه وأبى ابنُ سِيرينَ أنْ يَقبِضَ، فقالَ لابنِ سِيرينَ: ما لك لا تَقبِضُ؟ قالَ: حتى يَعُمَّ الناسَ. فقالَ الحَسنُ: واللهِ لو عرَضَ لك ولي لِصٌّ فأخَذَ رِدائي ورِداءَك ثم بَدا له أنْ يَردَّ علَيَّ رِدائي كُنْتُ أقولُ لا أقبَلُ رِدائي حتى تَردَّ على ابنِ سِيرينَ رِداءَه، كُنْتُ أُحبُّ أنْ تَكونَ أفقَهَ مما أنتَ يا ابنَ سِيرينَ» ولأنَّ جَوائزَ السُّلطانِ لها وَجهٌ

стр. 7321

في الإِباحةِ والتَّحليلِ؛ فإنَّ له جِهاتٍ كَثيرةً من الفَيءِ والصَّدقةِ وغيرِهما (١). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: قد رأيتُ للشَّيخِ أَبي عُمرَ بنِ عبدِ البَرِّ رِسالةً أَملاها حينَ بلَغَه -وهو بشاطبةَ- أنَّ قَومًا عابُوه بأَكلِ طَعامِ السَّلاطينِ وقَبولِ جَوائزِهم: قُلْ لمَن يُنكرُ أَكلي لطَعامِ الأُمراء أنتَ من جَهلِك هذا في مَحلِّ السُّفهاء لأنَّ الاقتِداءَ بالصالِحينَ من الصَّحابةِ والتابِعينَ وأئِمةِ الدِّينِ من المُسلِمينَ والسَّلفِ الماضِينَ هو مِلاكُ الدِّينِ، فقد كانَ زَيدُ بنُ ثابِتٍ -وكانَ من الراسِخينَ في العِلمِ- يَقبلُ جَوائزَ مُعاويةَ وابنِه يَزيدَ، وكانَ ابنُ عُمرَ مع وَرَعِه وفَضلِه يَقبلُ هَدايا صِهرِه المُختارِ ابنِ أَبي عُبَيدٍ، ويَأكلُ طَعامَه ويَأخذُ جَوائزَه، وكانَ المُختارُ غيرَ مُختارٍ. وقالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ -وكان قد مُلِئَ عِلمًا من قَرنِه إلى مَشاعِبِه- لرَجلٍ سألَه فقالَ: إنَّ لي جارًا يَعملُ الرِّبا، ولا يَجتنِبُ في مَكسبِه الحَرامَ، يَدعوني إلى طَعامِه إذا جِئتُ، فقالَ: لك المَهنأُ وعليه المَأثمُ ما لم تَعلمِ الشَّيءَ بعَينِه حَرامًا. وسُئلَ عُثمانُ بنُ عَفَّانَ عن جَوائزِ السُّلطانِ فقالَ: لَحمُ ظَبيٍ زَكيٍّ. وكانَ الشَّعبيُّ -وهو مِنْ كِبارِ التابِعينَ وعُلمائِهم- يُؤدِّبُ بَني عبدِ المَلكِ بنِ مَرْوانَ، ويَقبلُ جَوائزَه، ويَأكلُ طَعامَه.

стр. 7322

وكانَ إِبراهيمُ النَّخَعيُّ وسائِرُ عُلماءِ الكُوفةِ والحَسنُ البَصريُّ -مع زُهدِه ووَرعِه- وسائِرُ عُلماءِ البَصرةِ وأَبو سَلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ وأبانُ بنُ عُثمانَ والفُقهاءُ السَّبعةُ -حاشا سَعيدَ بنَ المُسيِّبِ- يَقبَلونَ جَوائزَ السَّلاطينِ والأُمراءِ، وقبِلَ الحَسنُ والشَّعبيُّ جائِزةَ ابنِ هُبيرةَ لمَّا سألَهما عن حالِه مع عبدِ المَلِكِ، وكانَ سُفيانُ الثَّوريُّ مع فَضلِه ووَرعِه يَقولُ: جَوائزُ السُّلطانِ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ صِلاتِ الإِخوانِ؛ لأنَّ الإِخوانَ يَمُنُّون والسُّلطانَ لا يَمُنُّ. ومِثلُ هذا عن العُلماءِ والفُضلاءِ كَثيرٌ، وقد جمَعَ الناسُ فيه أَبوابًا، ولأحمدَ بنِ خالِدٍ فَقيهِ الأَندلُسِ وعالِمِها في ذلك كِتابٌ حمَلَه على جَمعِه ووَضعِه طَعنُ أهلِ بِلادِه عليه في قَبولِه جَوائزَ عبدِ الرَّحمنِ الناصِرِ؛ إذْ نقَلَه إلى المَدينةِ بقُرطُبةَ، وأسكَنَه دارًا من دُورِ الجامِعِ قُربَه، وأَجرى عليه الرِّزقَ من الطَّعامِ والشَّرابِ والإِدامِ والناضِّ، وله ولمِثلِه في بَيتِ المالِ حَظٌّ، والمَسؤولُ عن التَّخليطِ فيه هو السُّلطانُ، كما قالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ: لك المَهنأُ وعليه المَأثَمُ مَا لم تَعلمِ الشَّيءَ بعَينِه حَرامًا. ومَعنى قَولِ ابنِ مَسعودٍ هذا قد اجتمَعَ عليه العُلماءُ «ما لم تَعلمِ الشَّيءَ بعَينِه حَرامًا مأخوذًا من غيرِ حِلِّه»، كالخُبزةِ وشِبهِها من الطَّعامِ والثَّوبِ، وما كانَ مِثلَ ذلك، كلُّه من الأشياءِ المَبيعةِ غَصبًا أو سَرقةً، أو مَأخوذةً بظُلمٍ بيِّنٍ لا شُبهةَ فيه، فهذا الذي لم يَختلِفْ أحدٌ في تَحريمِه وسُقوطِ عَدالةِ مُستحِلِّ الحُلَّةِ وأخذِه وتَملُّكِه، وما أعلَمُ أحدًا من عُلماءِ التابِعين تورَّعَ عن جَوائزِ السُّلطانِ إلا سَعيدَ بنَ المُسيِّبِ بالمَدينةِ ومُحمدَ بنَ سِيرينَ بالبَصرةِ، وهما

стр. 7323

قد ذهَبا مَثلًا بالوَرعِ، وسلَكَ سَبيلَهما في ذلك أحمدُ بنُ حَنبلٍ وأهلُ الزُّهدِ والوَرعِ والتَّقشُّفِ رَحمةُ اللهِ عليهم أجمَعينَ. والزُّهدُ في الدُّنيا من أفضلِ الفَضائلِ، ولا يَحلُّ لمَن وفَّقَه اللهُ تَعالى وزهِدَ فيها أنْ يُحرِّمَ ما أباحَ اللهُ منها، والعَجبُ من أهلِ زَمانِنا يَعيبون الشَّهواتِ وهُم يَستحِلُّون المُحرماتِ والمُنكراتِ، ومِثالُهم عندي كالذين سأَلوا عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ عن المُحرِمِ يَقتلُ القُرادَ والقَملةَ، فقالَ للسائِلينَ: من أين أنتُم؟ فقالوا: من أهلِ الكُوفةِ، فقالَ: تَسألونَني عن هذا وأنتُم قتَلتُم الحُسينَ بنَ علِيٍّ؟! ورَوى عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «ما أَتاك من غيرِ مَسألةٍ فخُذْه، وتَموَّلْه». ورَوى أَبو سَعيدٍ الخُدريُّ وجابِرُ بنُ عبدِ اللهِ عن النَّبيِّ ﷺ مَعناه، وفي حَديثِ أحدِهما: «إنَّما هو رِزقٌ رزَقَه اللهُ»، وفي لَفظِ بعضِ الرُّواةِ: «فلا تَردَّ على اللهِ رِزقَه». وهذا كلُّه عندَ أهلِ العِلمِ مُركَّبٌ مَبنيٌّ على ما أجمَعوا عليه، وهو الحَقُّ فيمَن عرَفَ الشَّيءَ المُحرَّمَ بعَينِه أنَّه لا يَحلُّ له. واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: فَصلٌ: ومالُ بَيتِ المالِ إنْ علِمَه حَلالًا أو حَرامًا أو علِمَهما فيه أو شَكَّ في الحَرامِ فيه فالحُكمُ على ما سبَقَ.

стр. 7324

فلا يَتوجَّهُ إِطلاقُ الحُكمِ فيه، لكنْ خرَجَ الكَلامُ على الغالِبِ، والغالِبُ أنَّ فيه حَلالًا وحَرامًا، وفيه الخِلافُ المَشهورُ السابِقُ، فلهذا كثُرَ الاختِلافُ فيه، قالَ جَماعةٌ من أَصحابِنا: يَجوزُ العَملُ مع السُّلطانِ وقَبولُ جَوائزِه، وقيَّدَه في «التَّرغيبِ» بالعادِلِ، وقيَّدَه في «التَّبصِرةِ» بمَن غلَبَ عَدلُه، وأنَّها تُكرَهُ في رِوايةٍ، وقيلَ للإمامِ أحمدَ في جائزتِه ومُعامَلتِه فقالَ أكرَهُهما، وجائِزتُه أحَبُّ إلَيَّ من الصَّدقةِ، وقالَ: هي خَيرٌ من صِلةِ الإِخوانِ، وأُجرةُ التَّعليمِ خَيرٌ منهما، ذكَرَه شَيخُنا، وقالَ أيضًا: ليسَ بحَرامٍ، وقالَ أيضًا: يَموتُ بدِينِه ولا يَعملُ معهم، وقالَ بهِجرانِه ويُخرجُه إنْ لم يَنتَهِ، وهجَرَ أحمدُ أَولادَه وعَمَّه وابنَ عَمِّه لمَّا أخَذوها، قالَ القاضِي: وهو يَقتَضي جَوازَ الهَجرِ بأَخذِ الشُّبهةِ، وإنَّما أجازَه لأنَّ الصَّحابةَ ﵃ هجَرَت بما في مَعناه كهَجرِ ابنِ مَسعودٍ مَنْ ضحِكَ في جِنازةٍ، وحُذيفةَ بشَدِّ الخَيطِ للحِمَى، وأمَرَ عُمرُ بهَجرِ صَبيغٍ بسُؤالِه عن الذَّارياتِ والمُرسَلاتِ والنازِعاتِ. وقالَ ابنُ الزُّبيرِ: «لتَنتَهِ عائِشةُ أو لَأحجُرنَّ عليها»، فهجَرَته. وقالَ الخَلالُ: كأنَّ أَحمدَ توسَّعَ على مَنْ أخَذَها لحاجةٍ، فلمَّا أخَذوها مع الاستِغناءِ هجَرَهم ثم كلَّمَهم، وهو عندي على غيرِ قَطعِ المُصارَمةِ؛ لأنَّهم -وإنِ استَغنَوْا- لهم حُجةٌ قَويةٌ. وقيلَ لأحمدَ: تَرى أنْ يُعيدَ مَنْ حَجَّ من الدِّيوانِ؟ قالَ: نَعَمْ. وكذا كرِهَ مُعامَلةَ الجُنديِّ وإِجابةَ دَعوتِه، ومُرادُه من يَتناولُ الحَرامَ، الظالِمُ، ونقَلَ عبدُ اللهِ بنُ مُحمدٍ فورانَ عن أحمدَ في المالِ الحَلالِ والحَرامِ، فالزُّهريُّ

стр. 7325

ومَكحولٌ قالا: كُلْ، فهذا عِندي من مالِ السُّلطانِ، كما قالَ علِيٌّ ﵇: بَيتُ المالِ يَدخلُه الخَبيثُ والطَّيبُ، فيَصلُ إلى الرَّجلِ فيَأكلُ منه، فأمَّا حَلالٌ وحَرامٌ من مِيراثٍ، أو أفادَ ذلك رَجلٌ مالًا؛ فإنَّه يُردُّ على أَصحابِه؛ فإنْ لم يَعرفْهم ولم يَقدرْ عليهم تصدَّقَ به، قالَ بَعضُهم:؛ لأنَّ بَيتَ المالِ لا مُستحِقَّ له مُعيَّنًا حتى يُردَّ عليه، ولعُمومِ البَلوى به، وامتنَعَ جَماعةٌ من التابِعينَ فمَن بعدَهم من بَيتِ المالِ، وعلَّله بعضُ السَّلفِ بأنَّ بَقيةَ المُستحِقينَ لم يَأخُذوا، قالَه ابنُ الجَوزيِّ. قالَ: وليسَ بشَيءٍ؛ لأنَّه يَأخذُ حَقَّه ويَبقى حَقُّ أولئك مَقامًا مَعلومًا في مَقامٍ مَظلومٍ، وليسَ المالُ مُشتَرَكًا، وقبِلَ منه ابنُ عُمرَ وابنُ عباسٍ وعائِشةُ والحَسنُ والحُسينُ وعبدُ اللهِ بنُ جَعفرٍ ﵃ وجَماعةٌ من التابِعين وغيرِهم، ومالِكٌ والشافِعيُّ، وسُئلَ عُثمانُ عن جَوائزِ السُّلطانِ فقالَ: لَحمُ ظَبيٍ زَكيٌّ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: وكانَ الشَّعبيُّ والنَّخَعيُّ والحَسنُ وأَبو سَلمةَ ابنُ عبدِ الرَّحمنِ وأبانُ بنُ عُثمانَ والفُقهاءُ السَّبعةُ سِوى سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ يَقبَلون جَوائزَ السُّلطانِ، وكانَ الثَّوريُّ مع وَرعِه وفَضلِه يَقولُ: هي أحَبُّ إلَيَّ من صِلةِ الإِخوانِ. ومن دفَعَ جائزَتَه إلى آخَرَ فعندَ أحمدَ لا يُكرهُ للثاني؛ لأنَّه إنَّما كُرهَ للأَولِ للمُحاباةِ (١).

стр. 7326

وقالَ الغَزاليُّ ﵀: وأخَذَ الشافِعيُّ ومالِكٌ ﵄ جَوائزَ الخُلفاءِ والسَّلاطينِ، مع العِلمِ بأنَّه قد خالَطَ مالَهم الحَرامُ (١). وقالَ المَوَّاقُ المالِكيُّ ﵀: وأمَّا جَوائزُ الخُلفاءِ فجائِزةٌ لا شَكَّ فيها؛ لاجتِماعِ الخَلقِ على قَبولِ العَطيةِ من الخُلفاءِ ممَّن يَرضى منهم وممَّن لا يَرضى، وما يُظلَمُ فيه قَليلٌ في كَثيرٍ. ابنُ رُشدٍ: قَولُه: «قَبولُه من العُمالِ جَرحةٌ» ومَعناه عِندي عُمالُ الجِبايةِ الذين إنَّما جُعِل لهم قَبضُ الأَموالِ وتَحصيلُها دونَ وَضعِها في وُجوهِها بالاجتِهادِ. وأمَّا الأُمراءُ الذين فوَّضَ لهم الخَليفةُ أو خَليفتُه قَبضَ الأَموالِ وصَرفَها في وُجوهِها باجتِهادِهم كالحَجَّاجِ وشِبهِه من أُمراءِ البِلادِ المُفوَّضِ جَميعُ الأُمورِ فيها إليهم فجَوائزُهم كجَوائزِ الخُلفاءِ. وأمَّا القُضاةُ والأَجنادُ والحُكامُ فلهم أخذُ أَرزاقِهم من العُمالِ المَضروبِ على أيديهم، وإنْ كانَ المَجبيُّ حَلالًا، لكنْ لم يَعدِلْ في قَسمِه فالأكثَرُ على جَوازِ أخذِ الجائِزةِ منهم، وكرِهَه بَعضُهم وإنْ شابَ المَجبيَّ حَلالٌ وحَرامٌ فالأكثَرُ على كَراهةِ الأَخذِ منه، منهم مَنْ أَجازَه. وإنْ كانَ المَجبيُّ حَرامًا فمنهم من حرَّمَ أخْذَ الجائِزةِ والرِّزقِ على عَملٍ من الأَعمالِ منهم، ورُويَ هذا عن مالِكٍ، ومنهم من أَجازَه ومنهم من كرِهَه (٢).

стр. 7327

مُكافأةُ المُهدِي: نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّه يُستحَبُّ لمَن أُهدي له هَديةٌ أنْ يُثيبَ عليها؛ لمَا رَواه البُخاريُّ عن عائِشةَ ﵂ قالَت: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَقبلُ الهَديةَ ويُثيبُ عليها» (١). أي: يُعطي الذي يُهدي له بَدلَها، والمُرادُ بالثَّوابِ المُجازاةُ وأقَلُّه ما يُساوي قيمةَ الهَديةِ. فإنْ لم يَستطِعْ أنْ يُثيبَ عليها فليَدعُ له، فليَذكُرْها ويُثنِ على صاحبِها الذي أهداها نَدبًا فيها، أي: في حالِ المُكافأةِ وغيرِها، فليَقُلْ: «جَزاكَ اللهُ خَيرًا»؛ لحَديثِ جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أُعطيَ عَطاءً فوجَدَ فليَجزِ به، فإنْ لم يَجدْ فليُثنِ به، فمَن أثنى به فقد شكَرَه، ومَن كتَمَه فقد كفَرَه» (٢). وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صنَعَ إليكم مَعروفًا فكافِئوه، فإنْ لم تَجِدوا ما تُكافِئونَه فادعوا له حتى تَرَوْا أنَّكم قد كافأتُموه» (٣). وعن أُسامةَ بنِ زَيدٍ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صُنعَ إليه مَعروفٌ فقالَ لفاعِلِه: جَزاكَ اللهُ خَيرًا، فقد أبلَغَ في الثَّناءِ» (٤) (٥).

стр. 7328

أَركانُ الهِبةِ وشُروطُها: للهِبةِ رُكنٌ مُتَّفقٌ عليه وهو (الصِّيغةُ)، الإِيجابُ اتِّفاقًا، والقَبولُ على خِلافٍ، وهناك ثَلاثةُ أَركانٍ مُختلَفٍ فيها، هي أَركانٌ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ: العاقِدان (الواهِبُ والمَوهوبُ له) والمَوهوبُ. وقالَ الحَنفيةُ: الرُّكنُ هو الإِيجابُ والقَبولُ، والبَقيةُ تَدخلُ في الشُّروطِ. وعندَ الحَنابلةِ: جعَلوا هذا في الشُّروطِ. على ما يَأتي بَيانُه مُفصَّلًا. الرُّكنُ الأولُ: الصِّيغةُ (الإِيجابُ والقَبولُ): أولًا: الإِيجابُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الهِبةِ، هل يُشترطُ لها إِيجابٌ أو تَصحُّ بغيرِ إِيجابٍ؟ فذهَبَ جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في أحدِ القَولَينِ إلى أنَّ الإِيجابَ رُكنٌ من أَركانِ الهِبةِ لا تَصحُّ الهِبةُ بدونِه؛ لأنَّ الهِبةَ عَقدُ تَمليكٍ، وهو السَّببُ الناقِلُ للمِلكِ فلا بدَّ فيه من الإِيجابِ كسائِرِ العُقودِ (١).

стр. 7329

وذهَبَ الحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ وابنُ الصَّباغِ من الشافِعيةِ إلى أنَّ الهِبةَ والهَديةَ وصَدقةَ التَّطوُّعِ لا تَفتقِرُ إلى الإِيجابِ والقَبولِ، بل إذا وُجدَ منه ما يَدلُّ على التَّمليكِ صَحَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُهدى إليه فيَقبضُه ويَتصرفُ فيه، ولم يُنقلْ في شَيءٍ من ذلك أنَّ الرَّسولَ ﷺ أوجَبَ له، ولا أنَّه قبِلَ، وكذلك: (أهدَى إلى النَّجاشيِّ، وكانَ في أرضِ الحَبشةِ). وما نُقلَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ بالإِيجابِ والقَبولِ، وكذلك الناسُ يَدفَعون صَدقاتِ التَّطوُّعِ فيَقبضُها المَدفوعُ إليهم، ويَتصرَّفونَ فيها من غيرِ إيجابٍ وقَبولٍ، ولم يُنكِرْ هذا مُنكرٌ، فدَلَّ على أنَّه إِجماعٌ. فإنْ قيلَ: فهذه إِباحاتُ مالٍ. فالجَوابُ: أنَّ الناسَ أجمَعوا على تَسميةِ ذلك هِبةً وهَديةً وصَدقةً، ولأنَّ الإِباحةَ تَختصُّ بالمُباحِ له، وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا أُهديَ إليه شَيءٌ يُهديه إلى زَوجاتِه وغيرِهِنَّ، وقد أُهديَت له حُلةٌ فأَهداها لعلِيٍّ ﵁ (١).

стр. 7330

وقالَ الحَنابِلةُ: تَحصُلُ الهِبةُ بما يَتعارفُه الناسُ هِبةً من الإِيجابِ والقَبولِ والمُعاطاةِ المُقترنةِ بما يَدلُّ عليها، فالإِيجابُ أنْ يَقولَ: «وهَبتُك أو أهدَيتُ إليك أو مَلَّكتُك أو هذا لك»، ونَحوَه من الأَلفاظِ الدالةِ على هذا المَعنى، والقَبولُ أنْ يَقولَ: «قبِلتُ أو رَضيتُ» أو نحوَ هذا. وتَصحُّ بالمُعاطاةِ المُقترنةِ بما يَدلُّ عليهما، وإنْ لم يَحصُلْ إيجابٌ أو قَبولٌ. وذكَر القاضِي وأبو الخَطَّابِ أنَّ الهِبةَ والعَطيةَ لا بدَّ فيها من الإِيجابِ والقَبولِ، ولا تَصحُّ بدونِه سَواءٌ وُجدَ القَبضُ أو لم يُوجدْ. والصَّحيحُ أنَّ المُعاطاةَ والأفعالَ الدالَّةَ على الإِيجابِ والقَبولِ كافيةٌ ولا تَحتاجُ إلى لَفظٍ، اختارَه ابنُ عَقيلٍ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُهدي ويُهدَى إليه، ويُعطي ويُعطَى، ويُفرِّقُ الصَّدقاتِ ويأمُرُ سُعاتَه بأخذِها وتَفريقِها، وكانَ أَصحابُه يَفعَلون ذلك، ولم يُنقَلْ عنهم في ذلك إيجابٌ ولا قَبولٌ ولا أمْرٌ به ولا تَعليمُه لأحدٍ، ولو كانَ ذلك شَرطًا لنُقلَ عنهم نَقلًا مُشتهَرًا، وقد كانَ ابنُ عُمرَ على بَعيرٍ لعُمرَ فقالَ النَّبيُّ ﷺ لعُمرَ «بِعنيه»، فقالَ: هو لك يا رَسولَ اللهِ. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «هو لك يا عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ فاصنَعْ به ما شِئتَ»، ولم يُنقلْ قَبولُ النَّبيِّ ﷺ من عُمرَ ولا قَبولُ ابنِ عُمرَ من النَّبيِّ ﷺ ، ولو كانَ شَرطًا لفعَلَه النَّبيُّ ﷺ وعلَّمه ابنَ عُمرَ، ولم يَكنْ ليأمُرَه بأنْ يَصنعَ به ما شاءَ

стр. 7331

قبلَ أنْ يَقبلَه، ورَوى أبو هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا أُتيَ بطَعامٍ سألَ عنه، فإنْ قالوا: «صَدقةٌ»، قالَ لأَصحابِه «كُلوا»، ولم يأكُلْ، وإنْ قالوا: «هَديةٌ»، ضرَبَ بيَدِه فأكَلَ معهم». قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ فيما علِمْنا في أنَّ تَقديمَ الطَّعامِ بينَ يَدَيِ الضِّيفانِ، والإذنَ في أكلِه أنَّ ذلك لا يَحتاجُ إلى إيجابٍ ولا قَبولٍ ولأنَّه وُجدَ ما يَدلُّ على التَّراضي بنَقلِ المِلكِ فاكتُفيَ به كما لو وُجدَ الإِيجابُ والقَبولُ. قالَ ابنُ عَقيلٍ: إنَّما يُشترطُ الإِيجابُ مع الإطلاقِ وعَدمِ العُرفِ القائِمِ من المُعطي والمُعطَى؛ لأنَّه إذا لم يَكنْ عُرفٌ يَدلُّ على التَّراضي فلا بدَّ من قَولٍ دالٍّ عليه، أمَّا مع قَرائنِ الأحوالِ والدَّلائلِ فلا وَجهَ لتَوقُّفِه على اللَّفظِ، ألَا تَرى أنَّا اكتَفَينا بالمُعاطاةِ في البَيعِ واكتَفَينا بدِلالةِ الحالِ في دُخولِ الحَمَّامِ وهو إجارةٌ وبَيعُ أَعيانٍ؟! فإذا اكتَفَينا في المُعاوضاتِ مع تأكُّدِها بدِلالةِ الحالِ؛ فإنَّها تَنقُلُ المِلكَ من الجانبَينِ فلَأنْ نَكتفيَ بها في الهِبةِ أَولى. وأمَّا النِّكاحُ فإنَّه يُشترطُ فيه ما لا يُشترطُ في غيرِه من الإشهادِ، ولا يَقعُ إلا قَليلًا فلا يَشقُّ اشتِراطُ الإِيجابِ والقَبولِ فيه بخِلافِ الهِبةِ (١).

стр. 7332

بأيِّ شَيءٍ يَحصُلُ الإِيجابُ؟ يَحصلُ الإِيجابُ إمَّا باللَّفظِ (وهو إمَّا صَريحٌ أو كِنايةٌ) وإمَّا بالمُعاطاةِ وإمَّا بما يَدلُّ عليه عُرفًا، وفي هذا خِلافٌ وتَفصيلٌ بينَ المَذاهبِ، فالشافِعيةُ يَشتَرِطون اللَّفظَ من القادِرِ عليه في الإِيجابِ وكذا في القَبولِ، ولا تَصحُّ عندَهم الهِبةُ بالمُعاطاةِ، وتَصحُّ في الهَديةِ والصَّدقةِ على الصَّحيحِ في المَذهبِ. والحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ يُصحِّحون الهِبةَ باللَّفظِ والمُعاطاةِ وكذا ما يَدلُّ عليها، كما نَصَّ على ذلك الحَنابِلةُ. قالَ الحَنفيةُ: الإِيجابُ رُكنٌ من الواهِبِ، وهو أنْ يَقولَ: «وهَبتُ هذا الشَّيءَ لك، أو ملَكتُه منكَ، أو جعَلتُه لك، أو هو لك، أو أعطَيتُه أو نحَلتُه، أو أهدَيتُه إليكَ، أو أطعَمتُك هذا الطَّعامَ أو حَملتُك على هذه الدَّابةِ»، ونَوَى به الهِبةَ. أمَّا قَولُه: «وهَبتُ لك» فصَريحٌ في البابِ، وقَولُه: «ملَكتُك» يَجري مَجرى الصَّريحِ أيضًا؛ لأنَّ تَمليكَ العَينِ للحالِ من غيرِ عِوضٍ هو تَفسيرُ الهِبةِ، وكذا قَولُه: «جعَلتُ هذا الشَّيءَ لك»، وقَولُه: «هو لك»؛ لأن اللَّامَ المُضافةَ إلى مَنْ هو أهلٌ للمِلكِ للتَّمليكِ، فكانَ تَمليكُ العَينِ في الحالِ من غيرِ عِوضٍ، وهو مَعنى الهِبةِ، وكذا قَولُه: «أعطَيتُك»؛ لأنَّ العَطيةَ المُضافةَ إلى العَينِ في عُرفِ الناسِ هي تَمليكُها للحالِ من غيرِ عِوضٍ، وهذا مَعنى الهِبةِ، وكذا يُستعمَلُ الإِعطاءُ استِعمالَ الهِبةِ، يُقالُ: «أَعطاك اللهُ كذا

стр. 7333

ووهَبَك» بمَعنًى، والنِّحلةُ هي العَطيةُ، يُقالُ: «فُلانٌ نحَلَ وَلدَه نِحلةً»، أي: أَعطاه عَطيةً، والهِبةُ بمَعنى العَطيةِ. وقَولُه: «أطعَمتُك هذا الطَّعامَ» في مَعنى «أعطَيتُك»، وقَولُه: «حمَلتُك على هذه الدابةِ»؛ فإنَّه يَحتملُ الهِبةَ ويَحتملُ العارِيةَ؛ فإنَّه رُويَ أنَّ سيِّدَنا عُمرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ حمَلَ رَجلًا على دابةٍ ثم رَآها تُباعُ في السُّوقِ، فأرادَ أنْ يَشتريَها، فسألَ رَسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقالَ: لا تَرجعْ في صَدقتِك. فاحتمَلَ تَمليكَ العَينِ واحتمَلَ تَمليكَ المَنافعِ، فلا بدَّ من النِّيةِ للتَّعيينِ. ولو قالَ: «منَحتُك هذا الشَّيءَ»، أو قالَ: «هذا الشَّيءُ لك مِنحةً»، فهذا لا يَخلو: إمَّا أنْ يَكونَ ذلك الشَّيءُ ممَّا يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكٍ وإمَّا أنْ يَكونَ ممَّا لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا باستِهلاكِه. فإنْ كانَ ممَّا يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكٍ كالدارِ والثَّوبِ والدابةِ والأرضِ بأنْ قالَ: «هذه الدارُ لك مِنحةً، أو هذا الثَّوبُ أو هذه الدابةُ أو هذه الأرضُ»، فهو عارِيةٌ؛ لأنَّ المِنحةَ في الأصلِ عِبارةٌ عن هِبةِ المَنفعةِ أو ما له حُكمُ المَنفعةِ، وقد أُضيفَ إلى ما يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكِه من السُّكنَى واللُّبسِ والرُّكوبِ والزِّراعةِ؛ لأنَّ مَنفعةَ الأرضِ زِراعتُها، فكانَ هذا تَمليكَ المَنفعةِ من غيرِ عِوضٍ، وهو تَفسيرُ الإِعارةِ، وكذا إذا قالَ لأرضٍ بَيضاءَ: «هذه الأرضُ لك طُعمةً» كانَ عارِيةً؛ لأنَّ عَينَ الأرضِ ممَّا لا يُطعمُ،

стр. 7334

وإنَّما يُطعمُ ما يَخرجُ منها، فكانَت طُعمةُ الأرضِ زِراعتَها، فكانَ ذلك حينَئذٍ إِعارةً، ولصاحبِها أنْ يَأخذَها إذا لم يَكنْ فيها زَرعٌ، وإنْ كانَ فيها زَرعٌ فالقِياسُ أنْ يَكونَ له وِلايةُ القَلعِ كالبِناءِ والغَرسِ، وفي الاستِحسانِ يُتركُ إلى وَقتِ الحَصادِ بأجرِ المِثلِ. ولو منَحَه شاةً حَلوبًا أو ناقةً حَلوبًا أو بَقرةً حَلوبًا، وقالَ: «هذه الشاةُ لك مِنحةً، أو هذه الناقةُ، أو هذه البَقرةُ»، كانَ عارِيةً وجازَ له الانتِفاعُ بلَبنِها؛ لأنَّ اللَّبنَ -وإنْ كانَ عَينًا حَقيقةً- مَعدودٌ من المَنافعِ عُرفًا وعادةً، فأُعطيَ له حُكمُ المَنفعةِ، كأنَّه أباحَ له شُربَ اللَّبنِ فيَجوزُ له الانتِفاعُ بلَبنِها. وكذلك لو منَحَه جَديًا أو عَناقًا كانَ له عارِيةً؛ لأنَّ الجَديَ مُعرَّضٌ أنْ يَصيرَ فَحلًا، والعَناقُ حَلوبًا، وإنْ عنَى بالمِنحةِ الهِبةَ في هذه المَواضعِ فهو على ما عنَى؛ لأنَّه نَوَى ما يَحتملُه لَفظُه وفيه تَشديدٌ على نَفسِه. وإنْ كانَ ممَّا لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا بالاستِهلاكِ كالمَأكولِ والمَشروبِ والدَّراهمِ والدَّنانيرِ، بأنْ قالَ: «هذا الطَّعامُ لك مِنحةً، أو هذا اللَّبنُ أو هذه الدَّراهمُ والدَّنانيرُ» كانَ هِبةً؛ لأنَّ المِنحةَ المُضافةَ إلى ما لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا بالاستِهلاكِ لا يُمكنُ حَملُها على هِبةِ المَنفعةِ فيُحملُ على هِبةِ العَينِ وهي تَمليكُها، وتَمليكُ العَينِ للحالِ من غيرِ عِوضٍ هو تَغييرُ الهِبةِ، هذا إذا كانَ الإِيجابُ مُطلقًا عن القَرينةِ. فأمَّا إذا كانَ مَقرونًا بقَرينةٍ فالقَرينةُ لا تَخلو إمَّا أنْ يَكونَ وَقتًا وإمَّا أنْ يَكونَ شَرطًا وإمَّا أنْ يَكونَ مَنفعةً.

стр. 7335

فإنْ كانَ وَقتًا -بأنْ قالَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ»، أو صرَّح فقالَ: «جعَلتُ هذه الدارَ لك عُمري»، أو قالَ: «جعَلتُها لك عُمرَك»، أو قالَ: «هي لك عُمرَك أو حَياتَك، فإذا مِتَّ أنتَ فهي رَدٌّ علَيَّ»، أو قالَ: «جعَلتُها لكَ عُمري أو حَياتي، فإذا مِتُّ أنا فهي رَدٌّ على وَرثَتي» - فهذا كلُّه هِبةٌ، وهي للمُعمِرِ له في حَياتِه ولوَرثتِه بعدَ وَفاتِه والتَّوقيتُ باطِلٌ. وإنْ كانت القَرينةُ شَرطًا نُظرَ إلى الشَّرطِ المَقرونِ؛ فإنْ كانَ ممَّا يَمنعُ وُقوعَ التَّصرُّفِ تَمليكًا للحالِ يَمنعُ صِحةَ الهِبةِ، وإلا فيَبطُلُ الشَّرطُ وتَصحُّ الهِبةُ، وعلى هذا يَخرجُ ما إذا قالَ: «أرقَبتُك هذه الدارَ»، أو صرَّح فقالَ: «جعَلتُ هذه الدارَ لك رُقبَى»، أو قالَ: «هذه الدارُ لك رُقبَى»، ودفَعَها إليه فهي عارِيةٌ في يَدِه، له أنْ يَأخذَها منه متى شاءَ، وهذا قَولُ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، وقالَ أَبو يُوسفَ: هذا هِبةٌ، وقَولُه: «رُقبَى» باطِلٌ. ويَنبَغي أنْ يَنويَ؛ فإنْ عنَى به هِبةَ الرَّقبةِ يَجوزُ بلا خِلافٍ، وإنْ عنَى به مُراقبةَ المَوتِ لا يَجوزُ بلا خِلافٍ (١). وقالَ في الهِنديةِ: أمَّا الأَلفاظُ التي تَقعُ بها الهِبةُ فأَنواعٌ ثَلاثةٌ: نَوعٌ تَقعُ به الهِبةُ وَضعًا، ونَوعٌ تَقعُ به الهِبةُ كِنايةً وعُرفًا، ونَوعٌ يَحتملُ الهِبةَ والعارِيةَ مُستوِيًا. أمَّا الأولُ: فكقَولِه: «وهَبتُ هذا الشَّيءَ لك، أو مَلَّكتُه لك، أو جعَلتُه لك، أو هذا لك، أو أعطَيتُك، أو نَحلتُك هذا»، فهذا كلُّه هِبةٌ.

стр. 7336

وأمَّا الثانِي: فكقَولِه: «كَسوتُك هذا الثَّوبَ أو أعمَرتُك هذه الدارَ»، فهو هِبةٌ. كذا لو قالَ: «هذه الدارُ لكَ عُمري أو عُمرَك أو حَياتي أو حَياتَك، فإذا مِتَّ فهو رَدٌّ علَيَّ»، جازَت الهِبةُ وبطَلَ الشَّرطُ. وأمَّا الثالِثُ: فكقَولِه: «هذه الدارُ لك رُقبَى أو لك حَبسٌ»، ودفَعَها إليه فهي عارِيةٌ عندَهما، وعندَ أبي يُوسفَ -رحِمَه اللهُ تَعالى- هي هِبةٌ، كذا في «مُحيطِ» السَّرخَسيِّ، ولو قالَ: أطعَمتُك هذا الطَّعامَ؛ فإنْ قالَ: «فاقبِضْه» فهو هِبةٌ، وإنْ لم يَقُلْ: «فاقبِضْه» يَكنْ هِبةً أو عارِيةً، فقد اختلَفَ المَشايخُ ﵏ في شُروحِهم، كذا في «المُحيطِ»، ولو قالَ: «حمَلتُك على هذه الدابةِ» يَكونُ عارِيةً، إلا أنْ يَنويَ الهِبةَ، وقيلَ: هو من السُّلطانِ هِبةٌ، كذا في «الظَّهيريةِ». والأصلُ في هذه المَسائلِ أنَّه إذا أتى بلَفظٍ يُنبِئُ عن تَمليكِ الرَّقبةِ يَكونُ هِبةً، وإذا كانَ مُنبِئًا عن تَمليكِ المَنفعةِ يَكونُ عارِيةً، وإذا احتمَلَ هذا وذاك يُنوَى في ذلك (١). وقالَ المالِكيةُ: الهِبةُ تَصحُّ بصِيغةٍ تَدلُّ على التَّمليكِ صَريحًا كقَولِه: «وهَبتُ لك، أو هي هِبةٌ مِنِّي لك، أو أنا واهِبٌ لك هذا، أو مَلَّكتُك» ونَحوَه، أو كمُفهِمٍ مَعناها، وسَواءٌ كانَ مُفهمًا مَعنى الصِّيغةِ قَولًا، ك «خُذْ

стр. 7337

هذا، ولا حَقَّ لي فيه»، أو فِعلًا كدَفعِه له، وتَقومُ قَرينةٌ على إِخراجِه عنه وتَمليكِه للمُعطَى. والفِعلُ كتَحليةِ أبٍ أو أُمِ وَلدِه بحُليٍّ ثم ماتَ؛ فإنَّه يَكونُ له ولا يُورثُ عن الأبِ وإنْ لم يَشهدْ بالتَّملُّكِ؛ لأنَّ التَّحليةَ قَرينةٌ عليه ما لم يَشهدْ بمُجردِ الإمتاعِ؛ فإنْ أشهَدَ بذلك لا تَكونُ التَّحليةُ حينَئذٍ هِبةً ولا تَمليكًا، بخِلافِ تَحليةِ الزَّوجةِ فمَحمولةٌ على الإِمتاعِ فقط، ما لم يَشهدْ بالتَّمليكِ، وهذا خاصٌّ بتحَليتِها بشَيءٍ وهي عندَه، وأمَّا ما يُرسلُه لها قبلَ البِناءِ بها هَديةً من ثِيابٍ وحُليٍّ؛ فإنَّه يُحملُ على التَّمليكِ إلا إذا سَماه عارِيةً، وإنْ لم يُسمِّ شَيئًا فالأصلُ فيه التَّمليكُ، فالمَدارُ على القَرائنِ والعادةِ. وسَواءٌ كانَ الوَلدُ ذَكرًا أو أُنثى، صَغيرًا أو كَبيرًا، كانَت التَّحليةُ جائِزةً أو مُحرَّمةً (١). وقالَ الشافِعيةُ: الإِيجابُ لَفظًا من الناطِقِ مع التَّواصلِ المُعتادِ رُكنٌ من أَركانِ الهِبةِ، ومن صَريحِ الإِيجابِ: «وهَبتُك، ومنَحتُك، وملَّكتُك بلا ثَمنٍ». أمَّا الأخرسُ فيَكفيه الإشارةُ المُفهِمةُ. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وفي «الذَّخائرِ» أنَّ انعِقادَ الهِبةِ بالكِنايةِ مع النِّيةِ وبالاستيجابِ على الخِلافِ في البَيعِ، أي: فتَصحُّ، ومن الكِنايةِ الكِتابةُ، واختار في «المَجموعِ» صِحَّتَها بالمُعاطاةِ.

стр. 7338

وقَولُه لغيرِه: «كسَوتُك هذا الثَّوبَ»، كِنايةٌ في الهِبةِ؛ فإنْ قالَ الواهِبُ: «لم أُرِدْها»، صُدِّقَ؛ لأنَّه يَصلحُ للعارِيةِ فلا يَكونُ صَريحًا في الهِبةِ كالبَيعِ. ولا يُشترطُ الإِيجابُ والقَبولُ في الهَديةِ على الصَّحيحِ، ولو في غيرِ المَطعومِ، بل يَكفي البَعثُ من المُهدِي، ويَكونُ كالإِيجابِ والقَبضِ من المُهدَى إليه، ويَكونُ كالقَبولِ؛ لأنَّ الهَدايا كانت تُحملُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ من المُلوكِ وغيرِهم كالكِسوةِ والدَّوابِّ والجَواري فيَقبلُها، ولا لَفظَ هناك، وعلى هذا جَرى الناسُ في الأعصارِ، ولذلك كانوا يَبعَثونَ بها على أيدي الصِّبيانِ الذين لا عِبارةَ لهم. وفي الصَّحيحَينِ: «كانَ الناسُ يَتحرَّونَ بهَداياهم يَومَ عائِشةَ ﵂»، ولم يُنقَلْ إِيجابٌ ولا قَبولٌ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وهذا الصَّحيحُ الذي عليه قَرارُ المَذهبِ، ونقَلَه الأَثباتُ من مُتأخِّري الأَصحابِ … فإنْ قيلَ: هذا كانَ إباحةً، لا هَديةً وتَمليكًا، فجَوابُه أنَّه لو كانَ إباحةً لمَا تَصرَّفوا فيه تَصرُّفَ المُلَّاكِ، ومَعلومٌ أنَّ ما قبِلَه النَّبيُّ ﷺ كانَ يَتصرَّفُ فيه ويُملِّكُه غيرَه، ويُمكنُ أنْ يُحملَ كَلامُ مَنْ اعتبَرَ الإِيجابَ والقَبولَ على الأمرِ المُشعِرِ بالرِّضا دونَ اللَّفظِ، ويُقالُ: الإِشعارُ بالرِّضا قد يَكونُ لَفظًا وقد يَكونُ فِعلًا (١).

стр. 7339

وقالَ الحَنابلةُ: تَحصلُ الهِبةُ بما يَتعارَفُه الناسُ هِبةً من الإِيجابِ والقَبولِ والمُعاطاةِ المُقترنةِ بما يَدلُّ عليها، فالإِيجابُ أنْ يَقولَ: «وهَبتُك، أو أهدَيتُ إليك، أو ملَّكتُك، أو هذا لك»، ونَحوَه من الأَلفاظِ الدالةِ على هذا المَعنى، والقَبولُ أنْ يَقولَ: «قبِلتُ، أو رَضيتُ»، أو نحوَ هذا. وتَصحُّ بالمُعاطاةِ المُقترنةِ بما يَدلُّ عليهما، وإنْ لم يَحصُلْ إِيجابٌ أو قَبولٌ. ذكَر القاضِي وأَبو الخَطَّابِ أنَّ الهِبةَ والعَطيةَ لا بدَّ فيها من الإِيجابِ والقَبولِ، ولا تَصحُّ بدونِه سَواءٌ وُجدَ القَبضُ أو لم يُوجدْ. والصَّحيحُ أنَّ المُعاطاةَ والأَفعالَ الدالةَ على الإِيجابِ والقَبولِ كافيةٌ، ولا يحتاجُ إلى لَفظٍ، اختارَه ابنُ عَقيلٍ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُهدِي ويُهدَى إليه، ويُعطِي ويُعطَى، ويُفرِّقُ الصَّدقاتِ ويأمُرُ سُعاتِه بأَخذِها وتَفريقِها وكانَ أَصحابُه يَفعَلون ذلك، ولم يُنقلْ عنهم في ذلك إِيجابٌ ولا قَبولٌ، ولا أمْرٌ به ولا تَعليمُه لأحدٍ، ولو كانَ ذلك شَرطًا لنُقلَ عنهم نَقلًا مُشتهَرًا، وقد كانَ ابنُ عُمرَ على بَعيرٍ لعُمرَ فقالَ النَّبيُّ ﷺ لعُمرَ «بِعنِيه»، فقالَ: هو لك يا رَسولَ اللهِ. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «هو لك يا عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ فاصنَعْ به ما شِئتَ»، ولم يُنقَلْ قَبولُ النَّبيِّ ﷺ من عُمرَ ولا قَبولُ ابنِ عُمرَ من النَّبيِّ ﷺ ، ولو كانَ شَرطًا لفعَلَه

стр. 7340

النَّبيُّ ﷺ وعلِمَه ابنُ عُمرَ، ولم يَكنْ ليأمُرَه أنْ يَصنعَ به ما شاءَ قبلَ أنْ يَقبلَه، ورَوى أبو هُريرةَ ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا أُتِيَ بطَعامٍ سألَ عنه؛ فإنْ قالوا: صَدقةٌ، قالَ لأَصحابِه: «كُلوا»، ولم يَأكلْ، وإنْ قالوا: هَديةٌ، ضرَب بيَدِه فأكَلَ معهم». قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ فيما علِمْنا في أنَّ تَقديمَ الطَّعامِ بينَ يَدَيِ الضِّيفانِ والإذنَ في أكلِه لا يَحتاجان إلى إيجابٍ ولا قَبولٍ، ولأنَّه وُجدَ ما يَدلُّ على التَّراضي بنَقلِ المِلكِ فاكتُفيَ به كما لو وُجدَ الإِيجابُ والقَبولُ. قالَ ابنُ عَقيلٍ: إنَّما يُشترطُ الإِيجابُ مع الإِطلاقِ وعَدمِ العُرفِ القائِمِ من المُعطِي والمُعطَى؛ لأنَّه إذا لم يَكنْ عُرفٌ يَدلُّ على الرِّضا فلا بدَّ من قَولٍ دالٍّ عليه، أمَّا مع قَرائنِ الأَحوالِ والدَّلائلِ فلا وَجهَ لتَوقُّفِه على اللَّفظِ، ألَا تَرى أنَّا اكتَفيْنا بالمُعاطاةِ في البَيعِ واكتَفيْنا بدِلالةِ الحالِ في دُخولِ الحَمَّامِ وهو إجارةٌ وبَيعُ أعيانٍ، فإذا اكتَفيْنا في المُعاوَضاتِ مع تَأكدِها بدِلالةِ الحالِ؛ فإنَّها تَنقُلُ المِلكَ من الجانبَينِ فلَأنْ نَكتفيَ بها في الهِبةِ أَولى. وأمَّا النِّكاحُ فإنَّه يُشترطُ فيه ما لا يُشترطُ في غيرِه من الإشهادِ، ولا يَقعُ إلا قَليلًا، فلا يَشقُّ اشتِراطُ الإِيجابِ والقَبولِ فيه بخِلافِ الهِبةِ (١).

стр. 7341

وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وكلُّ ما عَدَّه الناسُ بَيعًا أو هِبةً من مُتعاقِبٍ أو مُتراخٍ من قَولٍ أو فِعلٍ انعقَدَ به البَيعُ والهِبةُ (١). وقالَ أيضًا: إنَّ هذه الأَسماءَ جاءَت في كِتابِ اللهِ وسُنةِ رَسولِه مُعلقًا بها أحكامٌ شَرعيةٌ، وكلُّ اسمٍ لا بدَّ له من حَدٍّ، فمنه ما يُعلمُ حَدُّه باللُّغةِ كالشَّمسِ والقَمرِ والبَرِّ والبَحرِ والسَّماءِ والأرضِ، ومنه ما يُعلمُ بالشَّرعِ كالمُؤمنِ والكافِرِ والمُنافِقِ وكالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحَجِّ، وما لم يَكنْ له حَدٌّ في اللُّغةِ ولا في الشَّرعِ فالمَرجعُ فيه إلى عُرفِ الناسِ، كالقَبضِ المَذكورِ في قَولِه ﷺ : «مَنْ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَقبِضَه»، ومَعلومٌ أنَّ البَيعَ والإجارةَ والهِبةَ ونَحوَها لم يَحُدَّ الشارِعُ لها حَدًّا لا في كِتابِ اللهِ ولا سُنةِ رَسولِه ﷺ ولا نُقلَ عن أحدٍ من الصَّحابةِ والتابِعينَ أنَّه عيَّنَ للعُقودِ صِفةً مُعيَّنةً من الأَلفاظِ أو غيرِها، أو قالَ ما يَدلُّ على ذلك من أنَّها لا تَنعقِدُ إلا بالصِّيغِ الخاصةِ، بل قد قيلَ: إنَّ هذا القَولَ مما يُخالفُ الإِجماعَ القَديمَ ومِن البِدعِ، وليسَ لذلك حَدٌّ في لُغةِ العَربِ، بحيث يُقالُ: إنَّ أهلَ اللُّغةِ يُسمُّون هذا بَيعًا، ولا يُسمُّون هذا بَيعًا حتى يَدخلَ أحدُهما في خِطابِ اللهِ ، ولا يَدخلُ الآخَرُ، بل تَسميةُ أهلِ العُرفِ من العَربِ هذه المُعاقداتِ بَيعًا دَليلٌ على أنَّها في لُغتِهم تُسمَّى بَيعًا، والأصلُ بَقاءُ اللُّغةِ وتَقريرُها، لا نَقلُها وتَغييرُها.

стр. 7342

فإذا لم يَكنْ له حَدٌّ في الشَّرعِ ولا في اللُّغةِ كانَ المَرجعُ فيه إلى عُرفِ الناسِ وعاداتِهم، فما سَمَّوْه بَيعًا فهو بَيعٌ، وما سَمَّوْه هِبةً فهو هِبةٌ (١). ثانيًا: القَبولُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الهِبةِ هل يُشترطُ لها القَبولُ أو يَكفي القَبضُ ويَقومُ مَقامَ القَبولِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ -وهو القياسُ- والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ، وهو قَولٌ للحَنابِلةِ إلى أنَّه يُشترطُ القَبولُ؛ لأنَّ الهِبةَ عَقدٌ، وقيامُ العَقدِ يَكونُ بالإِيجابِ والقَبولِ؛ لأنَّ مِلكَ الإِنسانِ لا يَنتقِلُ للغيرِ ما لم يَملِكْ من طَرفِه للغيرِ ويُوجبُ المالِكُ ذلك، كما أنَّ إِيجابَ الهِبةِ هو إِلزامُ المِلكِ للغيرِ ولا إِلزامَ بدونِ قَبولٍ. ولا يُقالُ: إنَّه لا يُشترطُ القَبولُ في ذلك؛ لأنَّ الأمرَ المُلزَمَ به فيه فائِدةُ المُلزِمِ؛ لأنَّه ليسَ لأحدٍ أنْ يُثبتَ مِلكًا لآخَرَ بدونِ رِضاءِ ذلك الآخَرِ (٢). قالَ الحَنفيةُ: ولأنَّ الهِبةَ تَصرُّفٌ شَرعيٌّ، والتَّصرُّفُ الشَّرعيُّ وُجودُه شَرعًا باعتِبارِه، وهو انعِقادُه في حَقِّ الحُكمِ (التَّمليكِ)، والحُكمُ لا يَثبتُ بالإِيجابِ نَفسِه فلا يَكونُ الإِيجابُ نَفسُه هِبةً شَرعًا بدونِ قَبولٍ، ولهذا لم يَكُنِ الإِيجابُ بدونِ القَبولِ في البَيعِ بَيعًا فكذا هذا (٣).

стр. 7343

ولأنَّ مِلكَ الإِنسانِ لا يَنتقِلُ للغيرِ ما لم يَملِكْ من طَرفِه للغيرِ ويُوجِبُ المالِكُ ذلك، كما أنَّ إِيجابَ الهِبةِ هو إِلزامُ المِلكِ للغيرِ ولا إِلزامَ بدونِ قَبولٍ، ولأنَّه ليسَ لأحدٍ أنْ يُثبتَ مِلكًا لآخَرَ بدونِ رِضاءِ ذلك الآخَرِ (١). وقالَ المالِكيةُ: القَبولُ والحِيازةُ مُعتبَرانِ، إلا أنَّ القَبولَ رُكنٌ والحِيازةَ شَرطٌ (٢). وقالَ الشافِعيةُ: القَبولُ لَفظًا من الناطِقِ مع التَّواصلِ المُعتادِ رُكنٌ من أَركانِ الهِبةِ، ومن صَريحِ القَبولِ: «قبِلتُ واتَّهبتُ ورَضيتُ». أمَّا الأخرَسُ فيَكفيه الإشارةُ المُفهِمةُ. ويُستَثنى من اعتبارِ الإِيجابِ والقَبولِ مَسائلُ: منها: ما لو وهَبَت المَرأةُ نَوبَتَها من ضَرَّتِها لم يُحتَجْ لقَبولِها على الصَّحيحِ. ومنها: ما يَخلعُه السُّلطانُ على الأُمراءِ والقُضاةِ وغيرِهم، لا يُشترطُ فيه القَبولُ لجَريانِ العادةِ بذلك. ومنها: ما لو اشتَرى حُليًّا لوَلدِه الصَّغيرِ وزيَّنَه به؛ فإنَّه يَكونُ تَمليكًا له

стр. 7344

بخِلافِ ما لو اشتَراه لزَوجتِه؛ فإنَّه لا يَصيرُ مِلكًا لها، والفَرقُ بينَهما أنَّ له وِلايةً على الصَّغيرِ بخِلافِ الزَّوجةِ. ويَردُّ هذا قَولُ الشَّيخَينِ وغيرِهما؛ فإنْ وهَبَ للصَّغيرِ ونَحوِه وَليٌّ غيرُ الأبِ والجَدِّ قبِلَ له الحاكِمُ، وإنْ كانَ أبًا أو جَدًّا توَلَّى الطَّرفَينِ فلا بدَّ من الإِيجابِ والقَبولِ. ويَقبلُ الهِبةَ للصَّغيرِ ونَحوِه ممَّن ليسَ أهلًا للقَبولِ الوَليُّ؛ فإنْ لم يَقبلِ انعزَلَ الوَصيُّ، ومِثلُه القَيِّمُ وأثِما لتَركِهما الأحَظَّ بخِلافِ الأبِ والجَدِّ لكَمالِ شَفقتِهما. ويَقبلُها السَّفيهُ نَفسُه، وكذا الرَّقيقُ لا سَيِّدُه، وإنْ وقَعَت له. ولا يُشترطُ الإِيجابُ والقَبولُ في الهَديةِ على الصَّحيحِ ولو في غيرِ المَطعومِ، بل يَكفي البَعثُ من المُهدِي، ويَكونُ كالإِيجابِ والقَبضِ من المُهدَى إليه، ويَكونُ كالقَبولِ؛ لأنَّ الهَدايا كانت تُحملُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ من المُلوكِ وغيرِهم كالكِسوةِ والدَّوابِّ والجَواري فيَقبلُها ولا لَفظَ هناك، وعلى هذا جَرى الناسُ في الأعصارِ، ولذلك كانوا يَبعَثونَ بها على أيدي الصِّبيانِ الذين لا عِبارةَ لهم. وفي الصَّحيحَينِ «كانَ الناسُ يَتحرَّونَ بهَداياهم يومَ عائِشةَ ﵂» ولم يُنقَلْ إِيجابٌ ولا قَبولٌ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وهذا الصَّحيحُ الذي عليه قَرارُ المَذهبِ ونقَلَه الأَثباتُ من مُتأخِّري الأَصحابِ.

стр. 7345

فإنْ قيلَ: هذا كانَ إِباحةً لا هَديةً وتَمليكًا، فجَوابُه أنَّه لو كانَ إِباحةً لمَا تصَرَّفوا فيه تَصرُّفَ المُلَّاكِ، ومَعلومٌ أنَّ ما قبِلَه النَّبيُّ ﷺ كانَ يَتصرَّفُ فيه ويَملِكُه غيرُه، ويُمكنُ أنْ يُحملَ كَلامُ من اعتبَرَ الإِيجابَ والقَبولَ على الأمرِ المُشعِرِ بالرِّضا دونَ اللَّفظِ، ويُقالُ: الإِشعارُ بالرِّضا قد يَكونُ لَفظًا وقد يَكونُ فِعلًا (١). وقالَ المِرداويُّ ﵀: وذكَر القاضِي في «المُجرَّدِ» وأبو الخَطَّابِ وأبو الفَرجِ الشِّيرازيُّ أنَّ الهِبةَ والعَطيةَ لا بدَّ فيهما من الإِيجابِ والقَبولِ، ولا تَصحُّ بدونِه سَواءٌ وُجدَ القَبضُ أو لم يُوجَدْ، قالَه المُصنِّفُ وغيرُه. قالَ في «الفائِقِ»: وهو ضَعيفٌ (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ في الاستِحسانِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وبعضُ الشافِعيةِ كابنِ الصَّباغِ وغيرِه إلى أنَّ القَبولَ ليسَ رُكنًا من أَركانِ الهِبةِ ولا الهَديةِ ولا الصَّدقةِ (وهو قَولُ الشافِعيةِ في الصَّحيحِ في الهَديةِ والصَّدقةِ) بل يَكفي الفِعلُ الدالُّ على القَبولِ. ووَجهُ الاستِحسانِ عندَ الحَنفيةِ أنَّ الهِبةَ في اللُّغةِ عِبارةٌ عن مُجردِ إِيجابِ المالِكِ من غيرِ شَريطةِ القَبولِ، وإنَّما القَبولُ والقَبضُ لثُبوتِ

стр. 7346

حُكمِها لا لوُجودِها في نَفسِها، فإذا أوجَبَ فقد أتَى بالهِبةِ فترتَّبَ عليها الأَحكامُ. والدَّليلُ على أنَّ وُقوعَ التَّصرُّفِ هِبةٌ لا يَقفُ على القَبولِ ما رُويَ أنَّ الصَّعبَ بنَ جَثَّامةَ أهدَى إلى النَّبيِّ ﵊ حِمارَ وَحشٍ وهو بالأَبواءِ. وفي رِوايةٍ بوَدَّانَ: فرَدَّه النَّبيُّ ﵊ وقالَ: «لَولا أنَّا حَرامٌ وإلا لقَبِلنا»، فقد أطلَقَ الراوِي اسمَ الإِهداءِ بدونِ القَبولِ، والإِهداءُ من أَلفاظِ الهِبةِ. ورُويَ: «أنَّ سَيِّدَنا أَبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ دَعا سَيِّدتَنا عائِشةَ ﵂ في مَرضِ مَوتِه فقالَ لها: إنِّي كُنْتُ نَحلتُك جِدادَ عِشرينَ وَسقًا من مالي بالعاليةِ، وإنَّكِ لم تَكوني قَبضتِيه ولا حرَزتِيه وإنَّما هو اليَومَ مالُ الوارِثِ» أطلَقَ الصِّدِّيقُ ﵁ اسمَ النِّحلةِ بدونِ القَبضِ، والنِّحلةُ من أَلفاظِ الهِبةِ، فثبَتَ أنَّ الهِبةَ في اللُّغةِ عِبارةٌ عن إِيجابِ المِلكِ نَفسِه. والأصلُ أنَّ مَعنى التَّصرُّفِ الشَّرعيِّ هو ما دَلَّ عليه اللَّفظُ لُغةً بخِلافِ البَيعِ؛ فإنَّه اسمُ الإِيجابِ مع القَبولِ، فلا يُطلقُ اسمُ البَيعِ لُغةً وشَريعةً على أحدِهما دونَ الآخَرِ، فما لم يُوجَدا لا يَتَّسمُ التَّصرُّفُ بسِمةِ البَيعِ، ولأنَّ المَقصودَ من الهِبةِ هو اكتِسابُ المَدحِ والثَّناءِ بإظهارِ الجُودِ والسَّخاءِ، وهذا يَحصلُ بدونِ القَبولِ بخِلافِ البَيعِ (١).

стр. 7347

وقالَ الحَنابِلةُ: وتَحصلُ الهِبةُ بما يَتعارفُه الناسُ هِبةً من الإِيجابِ والقَبولِ والمُعاطاةِ المُقترنةِ بما يَدلُّ عليها، وإنْ لم يَحصُلْ إِيجابٌ أو قَبولٌ فالمُعاطاةُ والأَفعالُ الدالةُ على الإِيجابِ والقَبولِ كافيةٌ في الهِبةِ ولا يُحتاجُ إلى لَفظٍ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُهدي ويُهدَى إليه ويُعطِي ويُعطَى ويُفرِّقُ الصَّدقاتِ ويَأمرُ سُعاتِه بأَخذِها وتَفريقِها، وكانَ أَصحابُه يَفعَلونَ ذلك ولم يُنقَلْ عنهم في ذلك إِيجابٌ ولا قَبولٌ ولا أمْرٌ به ولا تَعليمُه لأحدٍ، ولو كانَ ذلك شَرطًا لنُقلَ عنهم نَقلًا مُشتهَرًا، وقد كانَ ابنُ عُمرَ على بَعيرٍ لعُمرَ فقالَ النَّبيُّ ﷺ لعُمرَ: «بِعنِيه»، فقالَ: هو لك يا رَسولَ اللهِ. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «هو لك يا عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ فاصنَعْ به ما شِئتَ» ولم يُنقَلْ قَبولُ النَّبيِّ ﷺ من عُمرَ ولا قَبولُ ابنِ عُمرَ من النَّبيِّ ﷺ ، ولو كانَ شَرطًا لفعَلَه النَّبيُّ ﷺ وعلِمَه ابنُ عُمرَ، ولم يَكنْ ليَأمرَه أنْ يَصنعَ به ما شاءَ قبلَ أنْ يَقبلَه، ورَوى أَبو هُريرةَ ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا أُتِيَ بطَعامٍ سألَ عنه؛ فإنْ قالوا: صَدقةٌ، قالَ لأَصحابِه: «كُلوا»، ولَم يَأكلْ، وإنْ قالوا: هَديةٌ، ضرَبَ بيَدِه فأكَلَ معهم».

стр. 7348

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ فيما علِمْنا في أنَّ تَقديمَ الطَّعامِ بينَ يَدَيِ الضِّيفانِ والإِذنَ في أكلِه لا يَحتاجانِ إلى إِيجابٍ ولا قَبولٍ، ولأنَّه وُجِد ما يَدلُّ على التَّراضي بنَقلِ المِلكِ فاكتُفيَ به، كما لو وُجدَ الإِيجابُ والقَبولُ (١). وقالَ ابنُ حَزمٍ -ونقَله عنه ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ-: واتفَقوا على أنَّ المُتصدَّقَ عليه أو المَوهوبَ له أو المُهدَى إليه إذا لم يَقبلْ شَيئًا من ذلك راجِعٌ إلى واهِبِه وأنَّه حَلالٌ له تَملُّكُه (٢).

стр. 7349

شُروُط الصِّيغةِ: اشترَطَ الفُقهاءُ لصِحةِ الصِّيغةِ عِدةَ شُروطٍ: ١ - اتِّصالُ القَبولِ بالإِيجابِ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ اتِّصالُ القَبولِ بالإِيجابِ أو يَصحُّ التَّراخي عن الإِيجابِ؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشترطُ التَّواصلُ المُعتادُ في الصِّيغةِ كالبَيعِ ولا يَضرُّ الفَصلُ إلا بكَلامٍ أجنَبيٍّ. قالَ النَّوويُّ ﵀: وعن ابنِ سُرَيجٍ جَوازُ تَأخيرِ القَبولِ كما في الوَصيةِ، وهذا الخِلافُ حَكاه كَثيرونَ في الهِبةِ وخَصَّه المُتولِّي بالهَديةِ، وجزَمَ بمَنعِ التَّأخيرِ في الهِبةِ، والقياسُ التَّسويةُ بينَهما. ثم في الهَدايا التي يُبعثُ بها من مَوضعٍ إلى مَوضعٍ، وإنِ اعتبَرْنا اللَّفظَ والقَبولَ على الفَورِ فإمَّا أنْ يُوكِّلَ الرَّسولَ ليُوجِبَ ويَقبلَ المَبعوثُ إليه، وإمَّا أنْ يُوجبَ المُهدي ويَقبلَ المُهدَى إليه عندَ الوُصولِ إليه (١). وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى إنَّه لا يُشترطُ الفَوريةُ، فلو تَراخى القَبولُ عن الإِيجابِ صَحَّ ما داما في المَجلسِ ولم يَتشاغَلا بما يَقطعُه. قالَ شِهابُ الدِّينِ القَرافِيُّ ﵀: مَذهبُ الشافِعيِّ القَبولُ على الفَورِ، وظاهِرُ مَذهبِنا يَجوزُ على التَّراخي لمَا يَأتي بعدَ ذلك من إِرسالِ الهِبةِ

стр. 7350

للمَوهوبِ قبلَ القَبولِ، والشافِعيُّ يَقولُ: لا بدَّ من تَوكيلِ الرَّسولِ في أنْ يَهبَ عنه، ولم يَشترطْ ذلك مالِكٌ، وقد وقَعَ لأَصحابِنا أنَّ للمَوهوبِ التَّروِّي في القَبولِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: الهِبةُ كالبَيعِ في تَراخي قَبولٍ عن إِيجابٍ، فتَصحُّ ما داما في المَجلسِ ولم يَتشاغَلا بما يَقطعُها؛ فإنْ تَفرَّقا قبلَ القَبولِ أو تَشاغَلا بما يَقطعُها بطَلَ (٢). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وكلُّ ما عَدَّه الناسُ بَيعًا أو هِبةً من مُتعاقِبٍ أو مُتراخٍ من قَولٍ أو فِعلٍ انعقَدَ به البَيعُ والهِبةُ (٣). ٢ - تَقدُّمُ القَبولِ على الإِيجابِ: للحَنابِلةِ رِوايتانِ في تَقدُّمِ القَبولِ على الإِيجابِ، قالَ المِرداويُّ ﵀: قالَ الزَّركَشيُّ: لو تَقدمَ القَبولُ على الإِيجابِ ففي صِحةِ الهِبةِ رِوايتانِ. قُلتُ: هي مُشابِهةٌ للبَيعِ، فيَأتي هنا ما في البَيعِ على ما تَقدمَ، ثم وجَدتُ الحارثيَّ صرَّحَ بذلك ولم يَحكِ فيه خِلافًا، وكذلك صاحِبُ «التَّلخيصِ» (٤).

стр. 7351

وقالَ البُهوتيُّ ﵀: والهِبةُ كبَيعٍ في تَقدُّمِ القَبولِ على الإِيجابِ، فتَصحُّ في الحالِ التي يَصحُّ فيها البَيعُ وتَبطُلُ فيما يَبطُلُ فيه (١). ٣ - مُوافقةُ القَبولِ للإِيجابِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الهِبةِ هل يُشترطُ في صيغَتِها أنْ يُوافقَ القَبولُ الإِيجابَ أو لا؟ فذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّه يُشترطُ في الصِّيغةِ أنْ يُوافقَ القَبولُ الإِيجابَ، فلو وهَبَ له شَيئًا فقبِلَ نِصفَه أو وهَبَ له ثَوبَينِ فقبِلَ أحدَهما لم يَصحَّ كالبَيعِ؛ لأنَّها عَقدٌ ماليٌّ مِثلُه، فأُعطيَت حُكمَه (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الوَجهِ الثانِي -وكِلا الوَجهَينِ مُصحَّحانِ في المَذهبِ- إلى أنَّه لا يُشترطُ مُطابقةُ القَبولِ للإيجابِ، فلو وهَبَ له شَيئًا فقبِلَ نِصفَه أو وهَبَ له ثَوبَينِ فقبِلَ أحدَهما صَحَّ خِلافًا للبَيعِ؛ فإنَّه لا يَصحُّ؛ لأنَّه مُعاوضةٌ، وقد يَتضرَّرُ البائِعُ بالتَّبعيضِ لانتِقاصِ قيمةِ الباقي بخِلافِ الهِبةِ، فاغتُفِرَ فيها ما لم يُغتفَرْ فيه، ولمَا رَواه أحمدُ عن يَعلى بنِ مُرةَ ﵁ «أنَّ امرَأةً جاءَت إلى النَّبيِّ ﷺ معَها صَبيٌّ لها به لَممٌ، فقالَ النَّبيٌّ ﷺ : «اخرُجْ عَدوَّ اللهِ، أنا رَسولُ اللهِ». قالَ: فبَرَأ فأهدَتْ

стр. 7352

إليه كَبشَينِ وشَيئًا من أقِطٍ وشَيئًا من سَمنٍ، قالَ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «خُذِ الأقِطَ والسَّمنَ وأحدَ الكَبشَينِ ورُدَّ عليها الآخَرَ» (١). ففي هذا أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَقبَلِ الجَميعَ (٢). ويُفهمُ من كَلامِ المالِكيةِ عَدمُ اشتِراطِ مُطابقةِ القَبولِ للإِيجابِ. قالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: الفَرقُ الرابِعُ والعِشرونَ بينَ قاعِدةِ ما تُؤثَرُ فيه الجَهالاتُ والغَررُ وقاعِدةُ ما لا يُؤثَرُ فيه ذلك من التَّصرُّفاتِ: ورَدَت الأَحاديثُ الصَّحيحةُ في نَهيِه ﵇ عن بَيعِ الغَررِ وعن بَيعِ المَجهولِ، واختَلفَ العُلماءُ بعدَ ذلك، فمنهم مَنْ عمَّمَه في التَّصرُّفاتِ وهو الشافِعيُّ، فمنَعَ من الجَهالةِ في الهِبةِ والصَّدقةِ والإِبراءِ والخُلعِ والصُّلحِ وغيرِ ذلك. ومنهم مَنْ فصَّلَ -وهو مالِكٌ- بينَ قاعِدةِ ما يُجتنَبُ فيه الغَررُ والجَهالةُ وهو بابُ المُماكَساتِ والتَّصرُّفاتِ المُوجبةِ لتَنميةِ الأَموالِ وما يُقصَدُ به تَحصيلُها، وقاعِدةِ ما لا يُجتنَبُ فيه الغَررُ والجَهالةُ، وهو ما لا يُقصدُ لذلك، وانقسَمَت التَّصرُّفاتُ عندَه إلى ثَلاثةِ أَقسامٍ: طَرَفانِ وواسِطةٌ، فالطَّرفانِ أحدُهما: مُعاوَضةٌ صِرفةٌ فيُجتنَبُ فيها ذلك، إلا ما دعَت

стр. 7353

الضَّرورةُ إليه عادةً كما تقدَّمَ أنَّ الجَهالاتِ ثَلاثةُ أقسامٍ، فكذلك الغَررُ والمَشقةُ. وثانيهما: ما هو إِحسانٌ صِرفٌ لا يُقصدُ به تَنميةُ المالِ، كالصَّدقةِ والهِبةِ والإبراءِ؛ فإنَّ هذه التَّصرفاتِ لا يُقصدُ بها تَنميةُ المالِ، بل إنْ فاتَتْ على مَنْ أحسَنَ إليه بها فلا ضَررَ عليه؛ فإنَّه لم يَبذُلْ شَيئًا، بخِلافِ القِسمِ الأولِ إذا فاتَ بالغَررِ والجَهالاتِ ضاعَ المالُ المَبذولُ في مُقابَلتِه، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ مَنعَ الجَهالةِ فيه، أمَّا الإِحسانُ الصِّرفُ فلا ضَررَ فيه، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ وحَثُّه على الإِحسانِ التَّوسعةَ فيه بكلِّ طَريقٍ بالمَعلومِ والمَجهولِ؛ فإنَّ ذلك أيسَرُ لكَثرةِ وُقوعِه قَطعًا، وفي المَنعِ من ذلك وَسيلةٌ إلى تَقليلِه، فإذا وهَبَ له عَبدَه الآبِقَ جازَ أنْ يَجدَه فيَحصُلَ له ما يَنتفعُ به، ولا ضَررَ عليه إنْ لم يَجِدْه؛ لأنَّه لم يَبذُلْ شَيئًا، وهذا فِقهٌ جَميلٌ، ثم إنَّ الأَحاديثَ لم يَردْ فيها ما يَعُمُّ هذه الأَقسامَ حتى نَقولَ: يَلزمُ منه مُخالفةُ نُصوصِ صاحِبِ الشَّرعِ، بل إنَّما ورَدَت في البَيعِ ونَحوِه. وأمَّا الواسِطةُ بينَ الطَّرفَينِ فهي النِّكاحُ فهو من جِهةِ أنَّ المالَ فيه ليسَ مَقصودًا وإنَّما مَقصِدُه المَودَّةُ والأُلفةُ، والسُّكونُ يَقتَضي أنْ يَجوزَ فيه الجَهالةُ والغَررُ مُطلقًا، ومِن جِهةِ أنَّ صاحِبَ الشَّرعِ اشتَرطَ فيه المالَ بقَولِه تَعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَقتَضي امتِناعَ الجَهالةِ والغَررِ فيه، فلو وجدَ الشَّبهينِ توسَّطَ مالِكٌ فجوَّزَ فيه الغَررَ القَليلَ دونَ الكَثيرِ نحوَ عَبدٍ من غيرِ تَعيينٍ وشَورةِ بَيتٍ ولا يَجوزُ على العَبدِ الآبِقِ والبَعيرِ الشارِدِ؛ لأنَّ

стр. 7354

الأولَ يُرجعُ فيه إلى الوَسطِ المُتعارَفِ، والثانِي ليسَ له ضابِطٌ، فامتنَعَ، وأُلحِقَ الخُلعُ بأحدِ الطَّرفَينِ الأولَينِ الذي لا يَجوزُ فيه الَغررُ مُطلقًا؛ لأنَّ العِصمةَ وإِطلاقَها ليسَا من بابِ ما يُقصدُ للمُعاوضةِ، بل شأنُ الطَّلاقِ أنْ يَكونَ بغيرِ شَيءٍ، فهو كالهِبةِ، فهذا هو الفَرقُ بينَ القاعِدتَينِ والضابِطُ للبابَينِ والفِقهِ مع مالِكٍ ﵀ فيه (١). ٤ - عَدمُ تَعليقِ الهِبةِ على شَرطٍ ولا إِضافتُها إلى وَقتٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الهِبةِ هل يَجوزُ تَعليقُها على شَرطٍ مِثلِ شَرطِ «إنْ دخَلَ زَيدٌ فلك ألفٌ، أو إن نجَحتَ فلك ألفُ دِينارٍ، أو إنْ جاءَ خالِدٌ فلك مِئةٌ، أو إذا جاءَ رَأسُ الشَّهرِ فقد وهَبتُك»، أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشترطُ في الهِبةِ التَّنجيزُ، فلا يَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ ولا إِضافَتُها إلى وَقتٍ؛ لأنَّ مُقتَضى التَّمليكِ هو الجَزمُ والتَّنجيزُ لذلك، فلا تَصحُّ أنْ تَكونَ مُعلَّقةً على أمرٍ مُتردِّدٍ بينَ الوُجودِ والعَدمِ؛ لأنَّ العَقدَ المُعلَّقَ على شَرطٍ يَجبُ ثُبوتُه عندَ ثُبوتِ الشَّرطِ الذي عُلِّق عليه؛ لأنَّه لو ثبَتَ التَّصرُّفُ قبلَ وُجودِ الشَّرطِ لاستَوجبَ ذلك وُجودَ المَشروطِ بدونِ الشَّرطِ، وذلك مُحالٌ. لا يَصحُّ تَعليقُ الهِبةِ بما له خَطرُ الوُجودِ والعَدمِ من دُخولِ زَيدٍ وقُدومِ خالِدٍ؛ لأنَّ الهِبةَ تَمليكُ العَينِ للحالِ وأنَّه لا يَحتمِلُ التَّعليقَ بالخَطرِ والإِضافةِ إلى الوَقتِ كالبَيعِ.

стр. 7355

قالَ ابنُ عابدينَ ﵀ نَقلًا عن الخُلاصةِ: تَعليقُ الهِبةِ بالشَّرطِ باطِلٌ إنْ ذُكرَ بكَلمةِ «إنْ» وإنْ ذُكرَ بكَلمةِ «على» إنْ كانَ مُلائمًا بأنْ قالَ: «وهَبتُك هذا على أنْ تُعوِّضَني»، كذا صحَّتِ الهِبةُ والشَّرطُ، وإنْ كانَ الشَّرطُ مُخالفًا صحَّتِ الهِبةُ وبطَلَ الشَّرطُ … ولو وهَبَ غُلامًا أو شَيئًا على أنَّ المَوهوبَ له بالخيارِ ثَلاثةَ أيامٍ، إنْ أجازَ قبلَ الافتِراقِ جازَ، وإنْ لم يَجزْ حتى افتَرقا لم يَجزْ. ولو وهَبَ شَيئًا على أنَّ الواهِبَ بالخيارِ ثَلاثةَ أَيامٍ صحَّتِ الهِبةُ وبطَلَ الخيارُ؛ لأنَّ الهِبةَ عَقدٌ غيرُ لازِمٍ فلا يَصحُّ فيها شَرطُ الخيارِ، كذا في «فَتاوى قاضيخان». رَجلٌ له على آخَرَ ألفُ دِرهمٍ فقالَ: «إذا جاءَ غَدٌ فالألفُ لك»، أو قالَ: «أنتَ بَريءٌ منه»، أو قالَ: «إذا أدَّيتَ إلَيَّ نِصفَ المالِ فأنتَ بَريءٌ من النِّصفِ الباقي»، أو قالَ: «فلك النِّصفُ الباقِي»، فهو باطِلٌ، وكذا في «الجامِع الصَّغير» (١). وقالَ الشافِعيةُ: ولا يَصحُّ تَعليقُ الهِبةِ ك «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فقد وهَبتُك أو أبرَأتُك» (٢).
следующие страницы →