← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

وقالَ البُهوتيُّ ﵀: والهِبةُ كبَيعٍ في تَقدُّمِ القَبولِ على الإِيجابِ، فتَصحُّ في الحالِ التي يَصحُّ فيها البَيعُ وتَبطُلُ فيما يَبطُلُ فيه (١). ٣ - مُوافقةُ القَبولِ للإِيجابِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الهِبةِ هل يُشترطُ في صيغَتِها أنْ يُوافقَ القَبولُ الإِيجابَ أو لا؟ فذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّه يُشترطُ في الصِّيغةِ أنْ يُوافقَ القَبولُ الإِيجابَ، فلو وهَبَ له شَيئًا فقبِلَ نِصفَه أو وهَبَ له ثَوبَينِ فقبِلَ أحدَهما لم يَصحَّ كالبَيعِ؛ لأنَّها عَقدٌ ماليٌّ مِثلُه، فأُعطيَت حُكمَه (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الوَجهِ الثانِي -وكِلا الوَجهَينِ مُصحَّحانِ في المَذهبِ- إلى أنَّه لا يُشترطُ مُطابقةُ القَبولِ للإيجابِ، فلو وهَبَ له شَيئًا فقبِلَ نِصفَه أو وهَبَ له ثَوبَينِ فقبِلَ أحدَهما صَحَّ خِلافًا للبَيعِ؛ فإنَّه لا يَصحُّ؛ لأنَّه مُعاوضةٌ، وقد يَتضرَّرُ البائِعُ بالتَّبعيضِ لانتِقاصِ قيمةِ الباقي بخِلافِ الهِبةِ، فاغتُفِرَ فيها ما لم يُغتفَرْ فيه، ولمَا رَواه أحمدُ عن يَعلى بنِ مُرةَ ﵁ «أنَّ امرَأةً جاءَت إلى النَّبيِّ ﷺ معَها صَبيٌّ لها به لَممٌ، فقالَ النَّبيٌّ ﷺ : «اخرُجْ عَدوَّ اللهِ، أنا رَسولُ اللهِ». قالَ: فبَرَأ فأهدَتْ

стр. 7352

إليه كَبشَينِ وشَيئًا من أقِطٍ وشَيئًا من سَمنٍ، قالَ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «خُذِ الأقِطَ والسَّمنَ وأحدَ الكَبشَينِ ورُدَّ عليها الآخَرَ» (١). ففي هذا أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَقبَلِ الجَميعَ (٢). ويُفهمُ من كَلامِ المالِكيةِ عَدمُ اشتِراطِ مُطابقةِ القَبولِ للإِيجابِ. قالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: الفَرقُ الرابِعُ والعِشرونَ بينَ قاعِدةِ ما تُؤثَرُ فيه الجَهالاتُ والغَررُ وقاعِدةُ ما لا يُؤثَرُ فيه ذلك من التَّصرُّفاتِ: ورَدَت الأَحاديثُ الصَّحيحةُ في نَهيِه ﵇ عن بَيعِ الغَررِ وعن بَيعِ المَجهولِ، واختَلفَ العُلماءُ بعدَ ذلك، فمنهم مَنْ عمَّمَه في التَّصرُّفاتِ وهو الشافِعيُّ، فمنَعَ من الجَهالةِ في الهِبةِ والصَّدقةِ والإِبراءِ والخُلعِ والصُّلحِ وغيرِ ذلك. ومنهم مَنْ فصَّلَ -وهو مالِكٌ- بينَ قاعِدةِ ما يُجتنَبُ فيه الغَررُ والجَهالةُ وهو بابُ المُماكَساتِ والتَّصرُّفاتِ المُوجبةِ لتَنميةِ الأَموالِ وما يُقصَدُ به تَحصيلُها، وقاعِدةِ ما لا يُجتنَبُ فيه الغَررُ والجَهالةُ، وهو ما لا يُقصدُ لذلك، وانقسَمَت التَّصرُّفاتُ عندَه إلى ثَلاثةِ أَقسامٍ: طَرَفانِ وواسِطةٌ، فالطَّرفانِ أحدُهما: مُعاوَضةٌ صِرفةٌ فيُجتنَبُ فيها ذلك، إلا ما دعَت

стр. 7353

الضَّرورةُ إليه عادةً كما تقدَّمَ أنَّ الجَهالاتِ ثَلاثةُ أقسامٍ، فكذلك الغَررُ والمَشقةُ. وثانيهما: ما هو إِحسانٌ صِرفٌ لا يُقصدُ به تَنميةُ المالِ، كالصَّدقةِ والهِبةِ والإبراءِ؛ فإنَّ هذه التَّصرفاتِ لا يُقصدُ بها تَنميةُ المالِ، بل إنْ فاتَتْ على مَنْ أحسَنَ إليه بها فلا ضَررَ عليه؛ فإنَّه لم يَبذُلْ شَيئًا، بخِلافِ القِسمِ الأولِ إذا فاتَ بالغَررِ والجَهالاتِ ضاعَ المالُ المَبذولُ في مُقابَلتِه، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ مَنعَ الجَهالةِ فيه، أمَّا الإِحسانُ الصِّرفُ فلا ضَررَ فيه، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ وحَثُّه على الإِحسانِ التَّوسعةَ فيه بكلِّ طَريقٍ بالمَعلومِ والمَجهولِ؛ فإنَّ ذلك أيسَرُ لكَثرةِ وُقوعِه قَطعًا، وفي المَنعِ من ذلك وَسيلةٌ إلى تَقليلِه، فإذا وهَبَ له عَبدَه الآبِقَ جازَ أنْ يَجدَه فيَحصُلَ له ما يَنتفعُ به، ولا ضَررَ عليه إنْ لم يَجِدْه؛ لأنَّه لم يَبذُلْ شَيئًا، وهذا فِقهٌ جَميلٌ، ثم إنَّ الأَحاديثَ لم يَردْ فيها ما يَعُمُّ هذه الأَقسامَ حتى نَقولَ: يَلزمُ منه مُخالفةُ نُصوصِ صاحِبِ الشَّرعِ، بل إنَّما ورَدَت في البَيعِ ونَحوِه. وأمَّا الواسِطةُ بينَ الطَّرفَينِ فهي النِّكاحُ فهو من جِهةِ أنَّ المالَ فيه ليسَ مَقصودًا وإنَّما مَقصِدُه المَودَّةُ والأُلفةُ، والسُّكونُ يَقتَضي أنْ يَجوزَ فيه الجَهالةُ والغَررُ مُطلقًا، ومِن جِهةِ أنَّ صاحِبَ الشَّرعِ اشتَرطَ فيه المالَ بقَولِه تَعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَقتَضي امتِناعَ الجَهالةِ والغَررِ فيه، فلو وجدَ الشَّبهينِ توسَّطَ مالِكٌ فجوَّزَ فيه الغَررَ القَليلَ دونَ الكَثيرِ نحوَ عَبدٍ من غيرِ تَعيينٍ وشَورةِ بَيتٍ ولا يَجوزُ على العَبدِ الآبِقِ والبَعيرِ الشارِدِ؛ لأنَّ

стр. 7354

الأولَ يُرجعُ فيه إلى الوَسطِ المُتعارَفِ، والثانِي ليسَ له ضابِطٌ، فامتنَعَ، وأُلحِقَ الخُلعُ بأحدِ الطَّرفَينِ الأولَينِ الذي لا يَجوزُ فيه الَغررُ مُطلقًا؛ لأنَّ العِصمةَ وإِطلاقَها ليسَا من بابِ ما يُقصدُ للمُعاوضةِ، بل شأنُ الطَّلاقِ أنْ يَكونَ بغيرِ شَيءٍ، فهو كالهِبةِ، فهذا هو الفَرقُ بينَ القاعِدتَينِ والضابِطُ للبابَينِ والفِقهِ مع مالِكٍ ﵀ فيه (١). ٤ - عَدمُ تَعليقِ الهِبةِ على شَرطٍ ولا إِضافتُها إلى وَقتٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الهِبةِ هل يَجوزُ تَعليقُها على شَرطٍ مِثلِ شَرطِ «إنْ دخَلَ زَيدٌ فلك ألفٌ، أو إن نجَحتَ فلك ألفُ دِينارٍ، أو إنْ جاءَ خالِدٌ فلك مِئةٌ، أو إذا جاءَ رَأسُ الشَّهرِ فقد وهَبتُك»، أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشترطُ في الهِبةِ التَّنجيزُ، فلا يَصحُّ تَعليقُها على شَرطٍ ولا إِضافَتُها إلى وَقتٍ؛ لأنَّ مُقتَضى التَّمليكِ هو الجَزمُ والتَّنجيزُ لذلك، فلا تَصحُّ أنْ تَكونَ مُعلَّقةً على أمرٍ مُتردِّدٍ بينَ الوُجودِ والعَدمِ؛ لأنَّ العَقدَ المُعلَّقَ على شَرطٍ يَجبُ ثُبوتُه عندَ ثُبوتِ الشَّرطِ الذي عُلِّق عليه؛ لأنَّه لو ثبَتَ التَّصرُّفُ قبلَ وُجودِ الشَّرطِ لاستَوجبَ ذلك وُجودَ المَشروطِ بدونِ الشَّرطِ، وذلك مُحالٌ. لا يَصحُّ تَعليقُ الهِبةِ بما له خَطرُ الوُجودِ والعَدمِ من دُخولِ زَيدٍ وقُدومِ خالِدٍ؛ لأنَّ الهِبةَ تَمليكُ العَينِ للحالِ وأنَّه لا يَحتمِلُ التَّعليقَ بالخَطرِ والإِضافةِ إلى الوَقتِ كالبَيعِ.

стр. 7355

قالَ ابنُ عابدينَ ﵀ نَقلًا عن الخُلاصةِ: تَعليقُ الهِبةِ بالشَّرطِ باطِلٌ إنْ ذُكرَ بكَلمةِ «إنْ» وإنْ ذُكرَ بكَلمةِ «على» إنْ كانَ مُلائمًا بأنْ قالَ: «وهَبتُك هذا على أنْ تُعوِّضَني»، كذا صحَّتِ الهِبةُ والشَّرطُ، وإنْ كانَ الشَّرطُ مُخالفًا صحَّتِ الهِبةُ وبطَلَ الشَّرطُ … ولو وهَبَ غُلامًا أو شَيئًا على أنَّ المَوهوبَ له بالخيارِ ثَلاثةَ أيامٍ، إنْ أجازَ قبلَ الافتِراقِ جازَ، وإنْ لم يَجزْ حتى افتَرقا لم يَجزْ. ولو وهَبَ شَيئًا على أنَّ الواهِبَ بالخيارِ ثَلاثةَ أَيامٍ صحَّتِ الهِبةُ وبطَلَ الخيارُ؛ لأنَّ الهِبةَ عَقدٌ غيرُ لازِمٍ فلا يَصحُّ فيها شَرطُ الخيارِ، كذا في «فَتاوى قاضيخان». رَجلٌ له على آخَرَ ألفُ دِرهمٍ فقالَ: «إذا جاءَ غَدٌ فالألفُ لك»، أو قالَ: «أنتَ بَريءٌ منه»، أو قالَ: «إذا أدَّيتَ إلَيَّ نِصفَ المالِ فأنتَ بَريءٌ من النِّصفِ الباقي»، أو قالَ: «فلك النِّصفُ الباقِي»، فهو باطِلٌ، وكذا في «الجامِع الصَّغير» (١). وقالَ الشافِعيةُ: ولا يَصحُّ تَعليقُ الهِبةِ ك «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فقد وهَبتُك أو أبرَأتُك» (٢).

стр. 7356

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَصحُّ تَعليقُ الهِبةِ بشَرطٍ؛ لأنَّها تَمليكٌ لمُعيَّنٍ في الحَياةِ فلم يَجزْ تَعليقُها على شَرطٍ كالبَيعِ؛ فإنْ علَّقَها على شَرطٍ كقَولِ النَّبيِّ ﷺ لأُمِّ سَلمةَ: «إنْ رجَعَت هَديَّتُنا إلى النَّجاشيِّ فهي لكِ» (١) كانَ وَعدًا، لا هِبةً (٢). وذهَبَ المالِكيةُ وابنُ القَيمِ من الحَنابِلةِ إلى جَوازِ تَعليقِ الهِبةِ بالشَّرطِ؛ لأنَّه لا يُوجدُ خَبرٌ ثابِتٌ ولا إِجماعٌ على بُطلانِ الهِبةِ بالشَّرطِ. قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فما الدَّليلُ على بُطلانِ تَعليقِ الهِبةِ بالشَّرطِ وقد صَحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه علَّقَ الهِبةَ بالشَّرطِ في حَديثِ جابِرٍ لمَّا قالَ: لو قد جاءَني مالُ البَحرَينِ لقد أعطَيتُك هكذا وهكذا وهكذا. فلم يَجِئْ حتى قُبِض النَّبيُّ ﷺ ، فلمَّا جاءَ مالُ البَحرينِ، أمَرَ أَبو بَكرٍ مُناديًا فنادَى: مَنْ كانَ له عندَ رَسولِ اللهِ ﷺ دَينٌ أو عِدةٌ فليَأتِنا، فأتَيتُه فقُلتُ: «إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ لي كذا وكذا، فحَثى لي ثَلاثًا» (٣) فأنجَزَ ذلك له الصِّديقُ ﵁ لمَّا جاءَ مالُ البَحرينِ بعدَ وَفاةِ رَسولِ اللهِ ﷺ . فإنْ قيلَ: كانَ ذلك وَعدًا، قُلنا: نَعمْ، والهِبةُ المُعلقةُ بالشَّرطِ وَعدٌ، وكذلك فعَلَ النَّبيُّ ﷺ لمَّا بعَثَ إلى النَّجاشيِّ بهَديةٍ من مِسكٍ،

стр. 7357

وقالَ لأُمِّ سَلمةَ: «إنِّي قد أهدَيتُ إلى النَّجاشيِّ حُلةً وأَواقيَّ من مِسكٍ، ولا أَرى النَّجاشيَّ إلا قد مات، ولا أَرى هَديَّتي إلا مَردودةً علَيَّ؛ فإنْ رُدَّت علَيَّ فهي لكِ» (١)، وذكَرَ الحَديثَ، رَواه أحمدُ، فالصَّحيحُ: صِحةُ تَعليقِ الهِبةِ بالشَّرطِ عَملًا بهذَينِ الحَديثَينِ (٢). والمالِكيةُ يُجوِّزونَ تَعليقَ الهِبةِ كالوَقفِ، وكذا سائِرُ التَّبَرعاتِ (٣). ٥ - ألَّا تَكونَ مُؤقتةً بوَقتٍ: تَوقيتُ الهِبةِ إمَّا أنْ يَكونَ في غيرِ العُمرَى والرُّقبَى كأنْ يَقولَ: «وهَبتُك داري سَنةً» مَثلًا، وإمَّا أنْ يَكونَ في العُمرَى والرُّقبَى: أ- تَوقيتُ الهِبةِ في غيرِ العُمرَى والرُّقبَى: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ تأقيتُ الهِبةِ بوَقتٍ كقَولِه: «وهَبتُك هذا سَنةً أو شَهرًا ثم يَعودُ إلَيَّ»؛ لأنَّه تَعليقٌ لانتِهاءِ الهِبةِ؛ لأنَّه عَقدُ تَمليكٍ لعَينٍ فلم يَصحَّ مُؤقتًا كالبَيعِ إلا في العُمرَى والرُّقبى؛ فإنَّهما نَوعانِ من الهِبةِ، ويَصحُّ تَوقيتُهما كما سيَأتي (٤).

стр. 7358

وذهَبَ المالِكيةُ والحارثيُّ من الحَنابِلةِ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى جَوازِ تَوقيتِ الهِبةِ بوَقتٍ. قالَ المِرداويُّ ﵀: قَولُه: «ولا تَوقيتُها» كقَولِه: «وهَبتُك هذا سَنةً»، هذا المَذهبُ وعليه الأَصحابُ، إلا ما استَثناه المُصنِّفُ، وذكَرَ الحارِثيُّ الجَوازَ واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀ (١). وهو عندَ المالِكيةِ كالوَقفِ كما تقدَّمَ في كِتابِ الوَقفِ أنَّه يَصحُّ تَوقيتُ الوَقفِ فكذا الهِبةُ (٢).

стр. 7359

ب- العُمرَى والرُّقبى: أولاً: العُمرَى: تَعريفُ العُمرَى: العُمرَى: هي أنْ يَقولَ: «جعَلتُ داري هذه لك عُمرَى»، أو يَقولَ: «قد جعَلتُها لك عُمرَك أو مُدةَ حَياتِك»، فتَكونَ له مُدةَ حَياتِه وعُمرِه، فإذا ماتَ رجَعَت إلى المُعمِرِ إنْ كانَ حَيًّا أو إلى وارِثِه إنْ كانَ مَيِّتًا، وسُميتْ عُمرَى لتَملُّكِه إِياها مُدةَ عُمرِه وحَياتِه، وإذا ماتَ رجَعَت إلى المُعمِرِ، ومنه قَولُه تَعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١] يَعني أسكَنَكم فيها مُدةَ أَعمارِكم فصِرتُم عُمَّارَها، وكانَ الناسُ في الجاهِليةِ على ما وصَفنا في العُمرَى (١). حُكمُ العُمرَى: اختَلفَ الفُقهاءُ في العُمرَى، هل تَعودُ للمُعمِرِ إذا ماتَ مَنْ أُعمِرَ له أو هي للمُعمِرِ له حَياتَه وبعدَ مَوتِه تَكونُ لوَرثتِه ولا تَعودُ للمُعمِرِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ العُمرَى جائِزةٌ للمُعمِرِ في حالِ حَياتِه ولوَرثتِه من بعدِ مَوتِه، يَملكُها مِلكَ رَقبةٍ لا مِلكَ مَنفعةٍ، وأنَّ الشَّرطَ باطِلٌ، وذلك لقَولِه ﷺ : «لا تُعمِروا ولا تُرقِبوا، فمَن أُعمِرَ شَيئًا أو أُرقبَه فهو له حَياتَه ومَماتَه» (٢)؛ فالنَّبيُّ

стр. 7360

ﷺ أَجازَ العُمرَى وأَبطَلَ الشَّرطَ، وهو قَولُه: فإذا ماتَ تُردُّ عليه، وبُطلانُه لا يُؤثِّرُ في بُطلانِ العَقدِ لمَا بَيَّنَّا أنَّ الهِبةَ لا تَبطُلُ بالشُّروطِ الفاسِدةِ كما يَقولُ الحَنفيةُ. وفي حَديثِ أَبي هُريرةَ وجابِرٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «العُمرَى جائِزةٌ لأَهلِها … » (١). وعن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: «قَضى النَّبيُّ ﷺ بالعُمرَى أنَّها لمَن وُهبَت له» (٢). وفي صَحيحِ مُسلمٍ عن جابِرٍ ﵁ قالَ: «أعمَرت امرَأةٌ بالمَدينةِ حائِطًا لها ابنًا لها، ثم تُوفِّيَ وتُوفِّيَت بعدَه وترَكَت وَلدًا وله إِخوةٌ بَنونَ للمُعمِرةِ، فقالَ وَلدُ المُعمِرةِ: رجَعَ الحائِطُ إلينا، وقالَ بَنو المُعمَرِ: بل كانَ لأبينا حَياتَه ومَوتَه. فاختَصَموا إلى طارِقٍ مَولى عُثمانَ فدَعا جابِرًا فشهِدَ على رَسولِ اللهِ ﷺ بالعُمرَى لصاحِبِها، فقَضى بذلك طارِقٌ ثم كتَبَ إلى عبدِ المَلِكِ فأخبَرَه ذلك وأخبَرَه بشَهادةِ جابِرٍ، فقالَ عبدُ المَلِكِ: صدَقَ جابِرٌ. فأمضَى ذلك طارِقٌ، فإنَّ ذلك الحائِطَ لبَني المُعمَرِ حتى اليَومِ» (٣).

стр. 7361

وعن جابِرٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أمسِكوا عليكم أموالَكم ولا تُفسِدوها فإنَّه مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهي للذي أعمَرَها حَيًّا وميِّتًا ولعَقبِه» (١). وعن جابِرٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهي له ولعَقبِه يَرثُها مَنْ يَرثُه من عَقبِه» (٢). فهذه الأَحاديثُ تَدلُّ على أنَّ العُمرَى لا تَرجعُ للمُعمِرِ، وهي للمُعمَرِ له في حَياتِه ولوَرثتِه من بعدِه، وأنَّ الشَّرطَ بالرَّدِّ إليه بعدَ مَوتِ المُعمِرِ له باطِلٌ، لكن لا يُفسِدُ العُمرَى، وهي نَوعٌ من الهِبةِ يُعتبَرُ فيها ما يُعتبَرُ في الهِبةِ ويُبطلِهُا ما يُبطِلُ الهِبةَ، فيَملكُها المُعمَرُ مِلكًا تامًّا رَقبتَها ومَنافعَها، واشتَرَطوا فيها القَبضَ على أُصولِهم في الهِباتِ، قالوا: ومَن أعمَرَ رَجلًا شَيئًا في حَياتِه فهو له حَياتَه، وبعدَ وَفاتِه لوَرثتِه؛ لأنَّه قد ملَكَ رَقبتَها، وشَرطُ المُعطي وذِكرُه العُمرَى والحياةَ باطِلٌ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أبطَلَ شَرطَه وجعَلَها بَتلةً -أي عَطيةً ماضيةً غيرَ راجِعةٍ إلى الواهِبِ- للمُعطَى، وسَواءٌ قالَ: «هي مِلكُ حَياتِك وهي لك ولعَقِبِك بعدَك عُمرَى حَياتِهم، أو ما عِشتَ وعاشوا»، كلُّ ذلك باطِلٌ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أبطَلَ الشَّرطَ في ذلك، وإذا بطَلَ شَرطُه لنَفسِه في حَياةِ المُعمَرِ فكذلك حَياةُ عَقبِه الشَّرطُ أيضًا باطِلٌ، وكلُّ شَرطٍ أبطَلَه اللهُ أو رَسولُه ﷺ فهو مَردودٌ؛ لأنَّ في إِنفاذِه تَحليلَ الحَرامِ.

стр. 7362

قالَ الحَنفيةُ: العُمرَى جائِزةٌ للمُعمَرِ في حالِ حَياتِه ولوَرثتِه من بعدِ مَوتِه، ومَعناه أنْ يَجعلَ دارَه له عُمرَه بشَرطِ إذا ماتَ ذلك الآخَرُ يَردُّها عليه، فيَصحُّ التَّمليكُ ويَبطُلُ الشَّرطُ، والهِبةُ لا تَبطُلُ بالشُّروطِ الفاسِدةِ. وفي «اليَنابيعِ» صُورةُ العُمرَى أنْ يَقولَ: «جعَلتُ دارِي هذه لك عُمرِي، أو جعَلتُها لك عُمرَك، أو هي لك حَياتَك، فإذا مِتَّ فهي رَدٌ علَيَّ، فهذه الأَلفاظُ كلُّها هِبةٌ، وهي له ولوَرثتِه من بَعدِه، والشَّرطُ باطِلٌ وهو رَدُّ الدارِ إذا ماتَ المُعمَرُ، وإذا كانَت هِبةً اعتُبِرَ فيها ما يُعتبَرُ في الهِبةِ ويُبطِلُها ما يُبطلُ الهِبةَ (١). وقالَ الشافِعيةُ: لَفظُ العُمرَى والرُّقبَى من أَلفاظِ الهِبةِ، لكنَّها صِيغةٌ مَخصوصةٌ، فالعُمرَى من العُمرِ، لذِكرِ لَفظِ العُمرِ فيها والرُّقبَى من الرُّقوبِ؛ لأنَّ كلًّا منهما يَرقُبُ مَوتَ صاحِبِه، فإذا أقَّتَ الواهِبُ الهِبةَ بعُمرِ المُتَّهبِ بأنْ قالَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ» مَثلًا، أي: جعَلتُها لكَ عُمرَك أو حياتَكَ، أو ما عِشتَ أو حَييتَ أو نحوَ ذلك، فإذا مِتَّ فهي لوَرثتِك أو لعَقِبِك. فهي هِبةٌ حُكمًا، ولكنَّه طوَّلَ العِبارةَ، فيُعتبَرُ قَبولُها وتَلزمُ بالقَبضِ وتَكونُ لوَرثتِه عَملًا بالأَحاديثِ السابِقةِ، فإذا ماتَ فالدارُ لوَرثتِه؛ فإنْ لم يَكونوا فلبَيتِ المالِ، ولا تَعودُ للواهِبِ بحالٍ.

стр. 7363

قالوا: وليسَ لنا مَوضعٌ يَصحُّ فيه العَقدُ ويُلغَى فيه الشَّرطُ الفاسِدُ المُنافي لمُقتَضاه إلا هذا، وهي على ثَلاثِ حالاتٍ: قالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: العُمرَى ثَلاثُ حَالاتٍ: إِحداها: أنْ يَقولَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ فإذا مِتَّ فهي لوَرثتِك أو لعَقِبِك»، فتَصحُّ بلا خِلافٍ، ويَملِكُ بهذا اللَّفظِ رَقبةَ الدارِ، وهي هِبةٌ لكنَّها بعِبارةٍ طَويلةٍ، فإذا ماتَ فالدارُ لوَرثتِه؛ فإنْ لم يَكنْ له وارِثٌ فلبَيتِ المالِ، ولا تَعودُ إلى الواهِبِ بحالٍ، خِلافًا لمالِكٍ. الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَقتصِرَ على قَولِه: «جَعلتُها لك عُمرَكَ» ولا يَتعرَّضَ لمَا سِواه، ففي صِحةِ هذا العَقدِ قَولان للشافِعيِّ، أصَحُّهما -وهو الجَديدُ- صِحتُه، وله حُكمُ الحالة الأُولى، والثانِي -وهو القَديمُ- أنَّه باطِلٌ، وقالَ بعضُ أَصحابِنا: إنَّما القَولُ القَديمُ أنَّ الدارَ تَكونُ للمُعمَرِ حياتَه، فإذا ماتَ عادَت إلى الواهِبِ أو وَرثتِه؛ لأنَّه خصَّه بها حَياتَه فقط. وقالَ بَعضُهم: القَديمُ أنَّها عارِيةٌ يَستردُّها الواهِبُ متى شاءَ، فإذا ماتَ عادَت إلى وَرثتِه. الثالِثةُ: أنْ يَقولَ: «جعَلتُها لك عُمرَك فإذا مِتَّ عادَت إلَيَّ أو إلى وَرثتِي إنْ كُنْتُ مِتُّ». ففي صِحتِه خِلافٌ عندَ أَصحابِنا، منهم مَنْ أبطَلَه والأصَحُّ عندَهم صِحتُه، ويَكونُ له حُكمُ الحالةِ الأُولى، واعتمَدوا على الأَحاديثِ الصَّحيحةِ المُطلقةِ: «العُمرَى جائِزةٌ» وعدَلوا به عن قِياسِ الشُّروطِ الفاسِدةِ والأصَحُّ الصِّحةُ في جَميعِ الأَحوالِ، وأنَّ المَوهوبَ له يَملكُها مِلكًا تامًّا يَتصرَّفُ فيها بالبَيعِ وغيرِه من التَّصرُّفاتِ، هذا مَذهبُنا، وقالَ أَحمدُ: تَصحُّ العُمرَى المُطلَقةُ

стр. 7364

دونَ المُؤقتةِ. وقالَ مالِكٌ في أشهَرِ الرِّواياتِ عنه: العُمرَى في جَميعِ الأَحوالِ تَمليكٌ لمَنافعِ الدارِ مَثلًا، ولا يَملكُ فيها رَقبةَ الدارِ بحالٍ. وقالَ أَبو حَنيفةَ بالصِّحةِ كنَحوِ مَذهبِنا، وبه قالَ الثَّوريُّ والحَسنُ بنُ صالِحٍ وأبو عُبَيدةَ، وحُجةُ الشافِعيِّ ومُوافِقيه هذه الأَحاديثُ الصَّحيحةُ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: العُمرَى والرُّقبَى نَوعانِ من الهِبةِ يَفتَقرانِ إلى ما تَفتقرُ إليه سائِرُ الهِباتِ من الإِيجابِ والقَبولِ والقَبضِ، أو ما يَقومُ مَقامَ ذلك عندَ مَنْ اعتبَرَه. وصُورةُ العُمرَى أنْ يَقولَ الرَّجلُ: «أعمَرتُك دارِي هذه، أو هي لك عُمرِي، أو ما عِشتُ، أو مُدةَ حَياتِك أو ما حَييتَ»، أو نحوَ هذا، سُمِّيت عُمرى لتَقييدِها بالعُمرِ، وبذلك تَكونُ له ولوَرثتِه مِنْ بعدِه لحَديثِ جابِرٍ السابِقِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا ثبَتَ هذا؛ فإنَّ العُمرَى تَنقُلُ المِلكَ إلى المُعمَرِ، وبهذا قالَ جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ وابنُ عُمرَ وابنُ عباسٍ وشُرَيحٌ ومُجاهدٌ وطاوُسٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأَصحابُ الرَّأيِ، ورُويَ ذلك عن علِيٍّ.

стр. 7365

وقالَ مالِكٌ واللَّيثُ: العُمرَى تَمليكُ المَنافعِ، لا تُملكُ بها رَقبةُ المُعمَرِ بحالٍ، ويَكونُ للمُعمَرِ السُّكنى، فإذا ماتَ عادَت إلى المُعمِرِ، وإنْ قالَ: «له ولعَقِبِه»، كانَ سُكناها لهم، فإذا انقَرَضوا عادَت إلى المُعمِرِ، واحتَجَّا بما رَوى يَحيى بنُ سَعدٍ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ قالَ: سمِعتُ مَكحولًا يَسألُ القاسِمَ بنَ مُحمدٍ عن العُمرَى ما يَقولُ الناسُ فيها؟ فقالَ القاسِمُ: ما أدرَكتُ الناسَ إلا على شُروطِهم في أموالِهم وما أعطَوْا. وقالَ إِبراهيمُ بنُ إِسحاقَ الحَربيُّ عن ابنِ الأَعرابيِّ: لم يَختلِفِ العَربُ في العُمرَى والرُّقبَى والإِفقارِ والإِحبالِ والمِنحةِ والعَريةِ والعارِيةِ والسُّكنَى والإِطراقِ أنَّها على مِلكِ أَربابِها، ومَنافِعُها لمَن جُعِلت له. ولأنَّ التَّمليكَ لا يَتأقَّتُ، كما لو باعَه إلى مُدةٍ، فإذا كانَ لا يَتأقَّتُ حُملَ قَولُه على تَمليكِ المَنافعِ؛ لأنَّه يَصحُّ تَوقيتُه. ولنا: ما رَوى جابِرٌ قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «أمسِكوا عليكم أموالَكم ولا تُفسِدوها فإنَّه مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهي للذي أَعمَرَها حَيًّا ومَيِّتًا ولعَقِبِه» (١) رَواه مُسلمٌ. وفي لَفظٍ: «قَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بالعُمرَى لمَن وُهبَ له» مُتَّفقٌ عليه. ورَوى ابنُ ماجَه عن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا رُقبَى، فمَن أرقَبَ شَيئًا فهو له حَياتَه ومَوتَه».

стр. 7366

وعن زَيدِ بنِ ثابِتٍ ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ جعَلَ العُمرَى للوارِثِ». وقد رَوى مالِكٌ حَديثَ العُمرَى في مُوطَّئِه، وهو صَحيحٌ رَواه جابِرٌ وابنُ عُمرَ وابنُ عباسٍ ومُعاويةُ وزَيدُ بنُ ثابِتٍ وأَبو هُريرةَ، وقَولُ القاسِمِ لا يُقبَلُ في مُخالَفةِ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابةِ والتابِعينَ، فكيف يُقبَلُ في مُخالفةِ قَولِ سَيِّدِ المُرسَلين؟! ولا يَصحُّ أنْ يُدَّعى إِجماعُ أهلِ المَدينةِ لكَثرةِ مَنْ قالَ بها منهم، وقَضى بها طارِقٌ بالمَدينةِ بأمرِ عبدِ المَلِكِ بنِ مَروانَ، وقَولُ ابنِ الأَعرابيِّ: إنَّها عندَ العَربِ تَمليكُ المَنافعِ لا يَضرُّ إذا نقَلَها الشَّرعُ إلى تَمليكِ الرَّقبةِ كما نقَلَ الصَّلاةَ من الدُّعاءِ إلى الأَفعالِ المَنظومةِ، ونقَلَ الظِّهارَ والإِيلاءَ من الطَّلاقِ إلى أَحكامٍ مَخصوصةٍ، قَولُهم: إنَّ التَّمليكَ لا يَتأقَّتُ: قُلنا: فلذلك أبطَلَ الشَّرعُ تَأقيتَها وجعَلَها تَمليكًا مُطلَقًا. فَصلٌ: إذا شُرطَ في العُمرَى أنَّها للمُعمَرِ وعَقِبِه، فهذا تَأكيدٌ لحُكمِها، وتَكونُ للمُعمَرِ ووَرثتِه، وهذا قَولُ جَميعِ القائِلينَ بها، وإذا أطلَقَها فهي للمُعمَرِ ووَرثتِه أيضًا؛ لأنَّها تَمليكٌ للرَّقبةِ فأشبَهَت الهِبةَ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ العُمرَى إنَّما هي تَمليكُ مَنفعةِ شَيءٍ مَملوكٍ -عَقارًا كانَ أو غيرَه، كفَرسٍ وبَعيرٍ- مُدةَ حَياةِ المُعطِي بغيرِ عِوضٍ إِنشاءً، وليسَت تَمليكَ رَقبةٍ، كقَولِه: «أسكَنتُك هذه الدارَ عُمرَك أو وَهبتُك سُكناها عُمرَك». ولا يُشترطُ لَفظُ الإِعمارِ، بل ما دَلَّ على تَمليكِ المَنفعةِ.

стр. 7367

ورجَعَت العُمرَى -بمَعنى الشَّيءِ المُعمَرِ- إذا ماتَ المُعمَرُ للمُعمِرِ إنْ كانَ حَيًّا أو وَرثتِه يَومَ مَوتِه إذا مات. جاءَ في «المُدونة الكُبرى»: في الرَّجلِ يُعمِرُ الرَّجلَ دارَه حَياتَه أو عَبدَه أو دابَّتَه: (قُلتُ): أرأيتَ إنْ قالَ: «قد أعمَرتُك هذه الدارَ حَياتَك»، أو قالَ: «هذا العَبدَ أو هذه الدابةَ». (قالَ) هذا جائِزٌ عندَ مالِكٍ، وتَرجعُ بعدَ مَوتِه إلى الذي أعمَرَها أو إلى وَرثتِه. (قُلتُ)؛ فإنْ أعمَرَ ثَوبًا أو حُليًّا؟ (قال) لم أسمَعْ من مالِكٍ في الثِّيابِ شَيئًا، وقد أخبَرتُك بقَولِ مالِكٍ، وأمَّا الحُليُّ فأراه بمَنزِلةِ الدُّورِ. في الرَّجلِ يَقولُ: «دارِي صَدقةٌ سُكنَى»: (قُلتُ) أرَأيتَ إنْ قالَ: «دارِي هذه لكَ صَدقةً سُكنَى»؟ (قال)؛ فإنَّما له سُكناها صَدقةً، وليسَ له رَقبتُها. (قُلتُ) أتَحفَظُه عن مالِكٍ؟ (قال) هذا رَأيي. (قُلتُ): أرأيتَ إنْ قالَ: «قد حبَستُ عَبدي هذا عليكُما»، ثم يَقولُ: «هو للآخَرِ منكما»؟ (قال): هذا جائِزٌ عندَ مالِكٍ، وهو للآخَرِ منهما يَبيعُه ويَصنعُ به ما يَشاءُ؛ لأنَّه إنَّما حبَسَ عليهما ما داما حَيَّينِ، فإذا ماتَ أحَدُهما فهو هِبةٌ للآخَرِ يَبيعُه ويَصنعُ به ما يَشاءُ. في الرَّجلِ يَقولُ: «قد أسكَنتُك هذه الدارَ وعَقِبَك»، فماتَ وماتَ عَقِبُه: (قُلتُ): أرأيتَ إنْ قُلتُ لرَجلٍ: «قد أسكَنتُك هذه الدارَ عَقِبَك من بَعدِك»، فماتَ وماتَ عَقِبُه مِنْ بَعدِه أتَرجِعُ إلَيَّ أو لا؟ (قالَ): نَعمْ، تَرجعُ إليك إلا أنْ

стр. 7368

يَقولَ: «قد حَبستُها على فُلانٍ وعلى عَقِبِه حَبسًا صَدقةً»، فإذا قالَ ذلك ولم يَقُلْ: سُكنَى لك ولوَلدِك؛ فإنَّه إذا انقرَضَ الرَّجلُ وعَقِبُه رجَعَت إلى أقرَبِ الناسِ بالمُحبسِ حَبسًا عليه. (قُلتُ): فإنْ كانَ المُحبِسُ حَيًّا؟ (قالَ): لا تَرجعُ إليه على حالٍ من الحالاتِ، ولكنْ تَرجعُ إلى أقرَبِ الناسِ منه حَبسًا عليهم. (قُلتُ): رِجالًا كانوا أو نِساءً؟ (قالَ): نَعمْ، تَرجعُ إلى أَولى الناسِ بمِيراثِه من وَلدِه أو عَصبتِه، ذُكورِهم وإناثِهم، يَدخلونَ في ذلك. (قُلتُ): وهذا الذي سألتُكَ عنه من هذه المَسائلِ كلِّها قَولُ مالِكٍ؟ (قال): نَعمْ (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: لكنَّ مالِكًا ﵀ لم يَقُلْ بظاهِرِ هذا الحَديثِ -أي: حَديثِ جابِرٍ المَذكورِ في البابِ- لمَا رَواه عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ أنَّه سمِعَ مَكحولًا الدِّمشقيَّ يَسألُ القاسِمَ ابنَ مُحمدٍ عن العُمرَى وما يَقولُ الناسُ فيها، فقالَ القاسِمُ: «ما أدرَكتُ الناسَ إلا على شُروطِهم في أَموالِهم وفيما أعطَوْا» والقاسِمُ قد أدرَكَ جَماعةً من الصَّحابةِ وكِبارِ التابِعينَ. وقالَ مالِكٌ: الأمرُ عندَنا أنَّ العُمرَى تَرجعُ إلى الذي أعمَرَها إذا لم يَقلْ: «لك ولعَقِبِك» إذا ماتَ المُعمَرُ، وكذلك إذا قالَ: هي لك ولعَقبِك تَرجعُ إلى صاحِبِها أيضًا بعدَ انقِراضِ عَقبِ المُعمَرِ؛ لأنَّه على شَرطِه في عَقبِ المُعمَرِ كما هو على شَرطِه في المُعمَرِ، ورَقبتُها عندَ مالِكٍ وأَصحابِه على مِلكِ صاحِبِها أبدًا، تَرجعُ إليه إنْ كانَ حَيًّا، أو إلى وَرثتِه بعدَه،

стр. 7369

وضَمانُها منهم، ولا يَملِكُ بلَفظِ العُمرَى والإِعمارِ عندَ مالِكٍ رَقبةَ شَيءٍ من العَطايا، وإنَّما ذلك عندَه كلَفظِ السُّكنَى والإِسكانِ، سَواءٌ، لا يَملِكُ بذلك إلا المَنافعَ دونَ الرِّقابِ، وهي أَلفاظٌ عندَهم لا يَملِكُ بها الرِّقابَ، وإنَّما يَملِكُ بها المَنافعَ، منها العُمرَى والسُّكنَى والعارِيةُ والإِطراقُ والمِنحةُ والأَحبالُ والإِفقارُ وما كانَ مِثلَها. قالَ أَبو إِسحاقَ الحَربيُّ: سمِعتُ ابنَ الأَعرابيِّ يَقولُ: لم تَختلِفِ العَربُ في أنَّ هذه الأَسماءَ على مِلكِ أَربابِها، ومَنافعُها لمَن جُعِلت له العُمرَى والرُّقبَى والإِفقارُ والإِحبالُ والعَريةُ والسُّكنَى والإِطراقُ. وممَّا احتَجَّ به أَصحابُ مالِكٍ فيما ذهَبوا إليه من رَدِّ حَديثِ جابِرٍ هذا، بأنْ قالوا: هو حَديثٌ مَنسوخٌ ولم يَصحَبْه العَملُ. وقالَ بَعضُهم: لعَلَّ حامِلَه وُهِمَ، ومِثلُ هذا من القَولِ لا يُعترَضُ به الأَحاديثُ الثابِتةُ عندَ أحدٍ من العُلماءِ إلا بأنْ يَتبيَّنَ النَّسخُ بما لا مَدفعَ فيه. وممَّا احتَجُّوا به أيضًا ما رَواه ابنُ القاسِمِ وغَيرُه عن مالِكٍ قالَ: رَأيتُ مُحمدًا وعَبدَ اللهِ ابنَيْ أبي بَكرِ بنِ مُحمدِ بنِ عَمرِو بنِ حَزمٍ، فسمِعتُ عبدَ اللهِ يُعاتِبُ مُحمدًا -ومُحمدٌ يَومَئذٍ قاضٍ- فيَقولُ له: ما لك لا تَقضي بالحَديثِ الذي جاءَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ في العُمرَى، حَديثِ ابنِ شِهابٍ عن أَبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ عن جابِرٍ؟ فيَقولُ له مُحمدٌ: يا أَخي، لم أجِدِ الناسَ على هذا، وأَباه الناسُ. فهو يُكلِّمُه ومُحمدٌ يَأباه، قالَ مالِكٌ: ليسَ عليه العَملُ، ولوَدِدتُ أنَّه مُحِيَ.

стр. 7370

ومن أحسَنِ ما احتَجُّوا به أنْ قالوا: مِلكُ المُعمِرِ المُعطِي ثابِتٌ بإِجماعٍ قبلَ أنْ يُحدِثَ العُمرَى، فلَمَّا أحدَثَها اختَلفَ العُلماءُ، فقالَ بَعضُهم: قد أَزالَ لَفظُه ذلك مِلكَه عن رَقبةِ ما أَعمَرَه، وقالَ بَعضُهم: لم يَزُلْ مِلكُه عن رَقبةِ مالِه بهذا اللَّفظِ، والواجِبُ بحَقِّ النَّظرِ ألَّا يَزولَ مِلكُه إلا بيَقينٍ، وهو الإِجماعُ؛ لأنَّ الاختِلافَ لا يَثبُتُ به يَقينٌ، وقد ثبَتَ أنَّ الأَعمالَ بالنِّياتِ، وهذا الرَّجلُ لم يَنوِ بلَفظِه ذلك إِخراجَ شَيءٍ عن مِلكِه، وقد اشتَرطَ فيه شَرطًا فهو على شَرطِه؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «المُسلِمونَ على شُروطِهم» (١). قالَ مالِكٌ ﵀: فإذا أعمَرَه حَياتَه وأسكَنَه حَياتَه فهو شَيءٌ واحِدٌ؛ فإنْ أرادَ المُعمَرُ أنْ يَكريَها؛ فإنَّه يَكريها قَليلًا قَليلًا، ولا يُبعدُ الكِراءَ، قالَ: وللمُعمَرِ أنْ يَبيعَ مَنافعَ الدارِ وسُكنَاه فيها من الذي أعمَرَه ولا يَبيعَها من غيرِه (٢). وقالَ القَرافِيُّ ﵀: وقَضى بها طارِقٌ بالمَدينةِ، وقالَ إِبراهيمُ بنُ إِسحاقَ الحَربيُّ عن ابنِ الأَعرابيِّ: لم يَختلفِ العَربُ في العُمرَى والرُّقبَى والإِفقارِ والإِحمالِ والمِنحةِ والعَريةِ والعارِيةِ والسُّكنَى والإِطراقِ أنَّها على مِلكِ أَربابِها، ومَنافعُها لمَن جُعلَت له، والخَصمُ يَدَّعي أنَّ الشَّرعَ نقَلَها والأصلُ عَدمُ النَّقلِ؛ لأنَّ تَمليكَ الرِّقابِ متى اشتُرطَ فيه التَّأقيتُ فسَدَ

стр. 7371

كالبَيعِ، وههنا لم يَفسُدْ، فيُصرفُ إلى المَنافعِ؛ لأنَّها لا يُفسدُها التَّأقيتُ، بل شُرطَ في بعضِ صُورِها، والخَصمُ يَدَّعي أنَّ الشَّرعَ أبطَلَ التأقيتَ تَصحيحًا للمِلكِ، ونحن نَدَّعي أنَّ الشَّرعَ اعتبَرَه، والإبطالُ على خِلافِ الدَّليلِ فيَكونُ مَذهبُنا أرجَحَ لُغةً وشَرعًا، ولأنَّ التَّبرُّعَ على خِلافِ الأَصلِ خالَفناه في المَنافعِ فيَبقى في الرِّقابِ على مُقتَضى الأَصلِ تَعليلًا للمُخالفةِ (١). وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: العُمرَى عندَنا تَمليكُ المَنافعِ دونَ الرَّقبةِ، فإذا قالَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ حَياتَك»، وقالَ: «لعَقِبِك» أو لم يَقلْ؛ فإنَّها تَكونُ له مُدةَ حَياتِه، فإذا ماتَ أو انقرَضَ عَقِبُه -إنْ ذكَرَ العَقِبَ- عادَت مِلكًا للمُعمِرِ أو لوَرثتِه إنْ كانَ قد ماتَ. وقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: تَكونُ مِلكًا للمُعمَرِ؛ فإنْ ماتَ ولا وارِثَ له تَكونُ لبَيتِ المالِ. ودَليلُنا: أنَّ تَمليكَ الرِّقابِ من حَقِّه أنْ يَقعَ مُطلقًا متى بدا غيرَ مُؤقَّتٍ بوَقتٍ يَزولُ بمَجيئِه، ألَا تَرى أنَّه لو قالَ: «بِعتُك هذا العَبدَ إلى مَجيءِ زَيدٍ، أو إلى رأسِ الشَّهرِ لم يَصحَّ، فإذا ثبَتَ ذلك وكانَ المالِكُ قد علَّقَ التَّمليكَ بعُمرِ المُعطَى، عُلمَ أنَّه لم يُرِدْ تَمليكَ الرَّقبةِ، فوجَبَ حَملُه على ما يَصحُّ وهو تَمليكُ المَنافعِ؛ لأنَّ التَّوقيتَ يَدخلُ فيها دونَ تَمليكِ الأعيانِ، ولأنَّ تَمليكَ الرِّقابِ لا يَصحُّ أنْ يَتوقَّتَ، أصلُه إذا كانَ بعِوضٍ، وهو البَيعُ وغَيرُه، ولأنَّه أجَلٌ عُلقَ التَّمليكُ بالانتِهاءِ إليه فلم يَثبُتْ به مِلكُ الرَّقبةِ كقُدومِ زَيدٍ،

стр. 7372

ولأنَّه تَمليكٌ مُعلقٌ بعُمرِه كتَعلُّقِه بعُمرِ المُملِّكِ، فوجَبَ أنْ يَرجعَ إلى المَنافعِ دونَ الرَّقبةِ، أصلُه قَولُه: «أسكَنتُك» (١). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اختَلفوا في العُمرَى، فقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ: العُمرَى تَمليكُ الرَّقبةِ، فإذا أعمَرَ الرَّجلُ رَجلًا دارًا فقالَ: «أعمَرتُك داري هذه وجعَلتُها لك عُمرَك أو عُمري، أو ما عِشتُ»، فهي للمُعمَرِ ولوَرثتِه من بَعدِه إنْ كانَ له وَرثةٌ، سَواءٌ قالَ المُعمِرُ للمُعمَرِ: «هي لكَ ولعَقِبِك»، أو أطلَقَ؛ فإنْ لم يَكنْ له وارِثٌ كانَت لبَيتِ المالِ ولا تَعودُ إلى المُعمِرِ. وقالَ مالِكٌ: هي تَمليكُ المَنافعِ، فإذا ماتَ المُعمَرُ رجَعَت إلى المُعمِرِ، وإنْ أطلَقَ لم تَرجعْ إليهم، بل تَرجعُ إلى المُعمِرِ؛ فإنْ لم يَكُنِ المُعمِرُ مَوجودًا عادَت إلى وَرثتِه (٢). إذا قالَ: «داري لك عُمري»: اختَلفَ الفُقهاءُ في لَفظِ العُمرَى، هل يُشترطُ أنْ يَقولَ: «دارِي لك عُمرَك أو حَياتَك أو ما عِشتَ أو ما حَييتَ أو ما بَقيتَ» وما يُفيدُ هذا

стр. 7373

المَعنى، فيُجعلُ هذا مَقرونًا بحَياةِ المُعمَرِ له فقط، أو يَجوزُ أنْ يَقولَ: «دارِي لك عُمري أو حَياتِي فإذا مِتُّ فهي لوَرثتِي»؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا فَرقَ بينَ أنْ يَقولَ: «جعَلتُ لك داري عُمرَك أو عُمرِي، أو حَياتَك أو حَياتِي»؛ لشُمولِ اسمِ العُمرَى. قالَ أَبو عُبيدٍ: والعُمرَى أنْ يَقولَ الرَّجلُ للرَّجلِ: «داري هذه لك عُمرَك» أو يَقولَ: «دارِي هذه لك عُمرِي» (١). قالَ الحَنفيةُ: إنْ قالَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ»، أو صرَّحَ فقالَ: «جعَلتُ هذه الدارَ لك عُمرِي»، أو قالَ: «جعَلتُها لك عُمرَك»، أو قالَ: «هي لك عُمرَك أو حَياتَك فإذا مِتَّ أنتَ فهي رَدٌّ علَيَّ»، أو قالَ: «جعَلتُها لك عُمرِي أو حَياتِي فإذا مِتُّ أنا فهي رَدٌّ على وَرثَتي»، فهذا كلُّه هِبةٌ، وهي للمُعمَرِ له في حَياتِه ولوَرثتِه بعدَ وَفاتِه، والتَّوقيتُ باطِلٌ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: إذا قالَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ أو أرقَبتُكها أو جعَلتُها لك عُمرَك أو حَياتَك أو أعطَيتُكها أو جَعلتُها لك عُمرَى، أو جعَلتُها لك رُقبَى أو ما بَقيتَ»؛ فإنَّه يَصحُّ، وتَكونُ للمُعمَرِ ولوَرثتِه من بعدِه (٣).

стр. 7374

وقالَ المالِكيةُ: العُمرَى تَمليكُ المَنفعةِ حَياةَ المُعطَى -بفَتحِ الطاءِ-، وظاهِرُه أنَّ تَمليكَ المَنفعةِ مُدةَ حَياةِ المُعطِي -بكَسرِها- ليسَ بعُمرَى حَقيقةً -أي: اصطِلاحًا- بل عُمرى مَجازًا، وإنْ جازَت. قالَ اللَّخميُّ ﵀: العُمرَى ثَلاثٌ: مُقيَّدةٌ بأجَلٍ أو حَياةِ المُعمَرِ، ومُطلَقةٌ، ومُعقِبةٌ. فإنْ كانت مُقيَّدةً بأجلٍ فقالَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ سَنةً أو عَشرًا أو حَياتِي أو حَياتَك» كانَت على ما أَعطى، وإنْ أطلَقَ ولم يُقيِّدْ كانَ مَحمَلُه على عُمرِ المُعطَى، حتى يَقولَ: «عُمرِي أو حَياتِي»، وإنْ عقَّبَها فقالَ: «أعمَرتُكها أنتَ وعَقِبَك»، لم تَرجِعْ إليه إلا أنْ يَنقرضَ العَقِبُ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في أصَحِّ الوَجهَينِ إلى البُطلانِ لخُروجِه عن اللَّفظِ المُعتادِ، ولمَا فيه من تأقيتِ المِلكِ؛ فإنَّه قد يَموتُ الواهِبُ أولًا بخِلافِ العَكسِ، وإنَّما اغتُفرَ الأولُ مع أنَّ فيه تأقيتًا؛ لأنَّه تَصريحٌ بالواقعِ؛ لأنَّ الإِنسانَ لا يَملكُ إلا مُدةَ حَياتِه، فلا تَوقيتَ فيه، فإذا قالَ: «هذه الدارُ لك عُمري أو حَياتي» فهي عَطيةٌ باطِلةٌ؛ لأنَّه لا يُملِّكُه إياها عُمرَه فيُورَثُ عنه، ولا جعَلَها عُمرى فيَستعملُ فيها الخبَرَ، وإنَّما قدَّرَ ذلك بعُمرِ نَفسِه فاقتَضى -لمَا هي عليه من خِلافِ الأصلِ- خُروجَها من حُكمِ النَّفيِ أنْ تَبطُلَ (٢).

стр. 7375

التَّأقيتُ بعُمرِ الأَجنَبيِّ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أقَّتَ المُعمِرُ الشَّيءَ المُعمَرَ بعُمرِ أجنَبيٍّ بأنْ قالَ: «جعَلتُها لك عُمرَ فُلانٍ»، هل يَصحُّ أو لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّه لو قالَ: «أعمَرتُك عُمرَ زَيدٍ، أو جعَلتُها لك عُمرَ فُلانٍ الأجنَبيِّ» صحَّت؛ لشُمولِ اسمِ العُمرَى (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في أصَحِّ الوَجهَينِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إنْ أضافَ الهِبةَ إلى عُمرِ غيرِه بأنْ قالَ: «وهَبتُك الدارَ ونَحوَها عُمرَ زَيدٍ» لم تَصحَّ، وهي عَطيةٌ باطِلةٌ لمَا فيه من تأقيتِ المِلكِ، وليست من العُمرَى ولا الرُّقبى (٢). وأمَّا الحَنفيةُ فلم يَذكُروا في أَلفاظِ الهِبةِ إلا حَياةَ المُعمِرِ أو المُعمَرِ فقط، كما تقدَّمَ. إذا اقتصَرَ على قَولِ «أعمَرتُك»: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اقتصَرَ المُعمِرُ على قَولِ: «أعمَرتُك» للمُعمَرِ له بأنْ قالَ: «أعمَرتُك هذه الدارَ -مَثلًا-، أو جعَلتُها لك عُمرَك، أو ما عِشتَ أو ما حَييتَ»، وأطلَقَ ولم يَتعرَّضْ لمَا بعدَ مَوتِه، فهل تَكونُ له في

стр. 7376

حَياتِه ولوَرثتِه بعدَ مَوتِه أو تَكونُ له في حَياتِه فإذا ماتَ تَرجِعُ إلى المُعطي أو تَكونُ العَطيةُ فاسِدةً؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ وهو الصَّحيحُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّها هِبةٌ أيضًا، وهي للمُعمَرِ حَياتَه ولوَرثتِه بعدَ مَوتِه، ولا تَرجعُ إلى المُعطِي لقَولِه ﷺ : «لا تُعمِروا ولا تُرقِبوا، فمَن أُعمِرَ شَيئًا أو أُرقبَه فهو له حَياتَه ومَماتَه» (١). وفي صَحيحِ مُسلمٍ عن جابِرٍ ﵁ قالَ: «أعمَرتِ امرأةٌ بالمَدينةِ حائِطًا لها ابنًا لها، ثم تُوفِّي وتُوفِّيت بعدَه، وترَكت وَلدًا وله إخوةٌ بَنونَ للمُعمِرةِ، فقالَ وَلدُ المُعمِرةِ: رجَعَ الحائِطُ إلينا، وقالَ بَنو المُعمَرِ: بل كانَ لأبينا حَياتَه ومَوتَه. فاختَصَموا إلى طارِقٍ مَولى عُثمانَ، فدَعا جابِرًا فشهِدَ على رَسولِ اللهِ ﷺ بالعُمرَى لصاحِبِها فقَضى بذلك طارِقٌ، ثم كتَبَ إلى عبدِ المَلِكِ فأخبَرَه ذلك وأخبَرَه بشَهادةِ جابِرٍ، فقالَ عبدُ المَلِكِ: صدَقَ جابِرٌ، فأمضى ذلك طارِقٌ، فإنَّ ذلك الحائِطَ لبَني المُعمَرِ حتى اليَومِ» (٢). وعن جابِرٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أمسِكوا عليكم أَموالَكم ولا تُفسِدوها؛ فإنَّه مَنْ أعمَرَ عُمرى فهي للذي أُعمِرَها حَيًّا ومَيِّتًا ولعَقِبِه» (٣).

стр. 7377

وعن جابِرٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أعمَرَ عُمرى فهي له ولعَقِبِه يَرِثُها مَنْ يَرِثُه من عَقِبِه» (١)؛ لأنَّها تَمليكٌ للرَّقبةِ فأشبَهَت الهِبةَ، وليسَ في جَعلِها له مُدةَ حَياتِه ما يُنافي انتِقالَها إلى وَرثتِه؛ فإنَّ الأَملاكَ كلَّها مُقدَّرةٌ بحَياتِه؛ لأنَّ الأَملاكَ المُستقِرةَ إنَّما يُتقدَّرُ زَمانُها بحَياةِ المالِكِ، ثم تَنتقِلُ بعدَ مَوتِه إلى وَرثةِ المالِكِ. فلم يَكنْ ما جعَلَه له من المِلكِ مُدةَ حَياتِه مُنافيًا لحُكمِ الأَملاكِ، وإذا لم تُنافِه اقتَضى أنْ يَصحَّ، وإذا صَحَّ اقتَضى أنْ يَكونَ مَوروثًا. وأمَّا القَولُ القَديمُ للشافِعيةِ فاختَلفَ فيه الأَصحابُ: فقالَ أبو إِسحاقَ المَروزيُّ ﵀ (وهي الرِّوايةُ الثانيةُ للحَنابِلةِ): قَولُه القَديمُ: (إنَّها تَكونُ للمُعمَرِ في حَياتِه، فإذا ماتَ رجَعَت إلى المُعطِي)؛ لقَولِه ﷺ : «مَنْ أُعمِرَ شَيئًا له ولعَقِبِه فهو للذي يُعطاها، لا تَرجعُ إلى الذي أعطاها»، فدَليلُ خِطابِه أنَّه إذا لم يَشترطْ لعَقِبِه؛ فإنَّها تَرجعُ إلى الذي أعطاها، فإذا ماتَ عادت إلى الواهِبِ أو وَرثتِه؛ لأنَّه خَصَّه بها حَياتَه فقط. وقالَ أكثرُ الأَصحابِ -وعليه المَذهبُ-: قَولُه القَديمُ: (إنَّ العَطيةَ تَكونُ فاسِدةً)؛ لأنَّه تَمليكُ عَينٍ قُدِّرَ بمُدةٍ فوجَبَ أنْ يَكونَ باطِلًا، كما لو قالَ: بِعتُك داري هذه عُمرَك، ولأنَّها عُمرَى مُقدَّرةٌ وجَبَ أنْ تَكونَ باطِلةً كما لو قالَ: قد أعمَرتُكها سَنةً، ولأنَّه إذا جعَلَها له مُدةَ عُمرِه فقد يَحتمِلُ أنْ

стр. 7378

يُريدَ الرُّجوعَ إليه بعدَ مَوتِه فيَبطُلُ، ويَحتمِلُ أنْ يُريدَ أنْ يُورَثَ عنه فيَصحَّ، فلم يَجزْ أنْ يُحملَ على الصِّحةِ مع الاحتِمالِ الفاسِدِ. وقالَ بَعضُهم: القَديمُ أنَّها عارِيةٌ يَستردُّها الواهِبُ متى شاءَ، فإذا ماتَ عادَت إلى وَرثتِه (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا شرَطَ في العُمرَى أنَّها للمُعمَرِ وعَقِبِه فهذا تأكيدٌ لحُكمِها، وتَكونُ للمُعمَرِ ووَرثتِه، وهذا قَولُ جَميعِ القائِلين بها. وإذا أطلَقَها بأنْ يَقولَ أعمَرتُكها حَياتَك ولم يَزِدْ، ففيها رِوايتانِ: إحداهُما: هي كالأُولى للخَبَرِ، وجاءَ في لَفظٍ: «قَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بالعُمرَى لمَن وُهبَت له» مُتَّفقٌ عليه، ولأنَّ الأَملاكَ المُستقرةَ كلَّها مُقدَّرةٌ بحَياةِ المالِكِ وتَنتقلُ إلى الوَرثةِ فلم يَكنْ تَقديرُه بحَياتِه مُنافيًا لحُكمِ الإملاكِ. والثانيةُ: يَرجعُ بعدَ مَوتِه إلى المُعمِرِ؛ لمَا رَوى جابِرٌ قالَ: «إنَّما العُمرَى التي أجازَ رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يَقولَ: «هي لك ولعَقِبِك». فأمَّا إذا

стр. 7379

قالَ: «هي لك ما عِشتَ»، فإنَّها تَرجعُ إلى صاحِبِها» (١). مُتفقٌ عليه (٢). وقالَ المالِكيةُ: «لو قالَ أعمَرتُك أو أعمَرتُ زَيدًا داري»، وأطلَقَ -أي: بأنْ لم يُقيِّدْه بحَياتِه ولا حَياةِ غيرِه- فهي عُمرى، وكذلك أسكَنتُك، وحُملَ على عُمرِ المُعطَى له فيَنتفعُ بها حَياتَه، فإذا ماتَ رجَعَت إلى رَبِّها (٣). إذا شرَطَ أنَّك إذا مِتَّ عادَت إلَيَّ أو إلى وَرثَتي: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو شرَطَ المُعمِرُ على المُعمَرِ له أنَّه إذا ماتَ عادَت للمُعمِرِ، هل تَرجِعُ إليه لهذا الشَّرطِ أو هي للمُعمَرِ له حَياتَه ولوَرثتِه بعدَ مَوتِه ويُلغَى الشَّرطُ؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في القَديمِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ العَقدَ والشَّرطَ صَحيحانِ ومتى ماتَ المُعمَرُ رجَعَت إلى المُعمِرِ؛ لمَا رَواه مَعمَرٌ عن الزُّهريِّ عن أبي سَلمةَ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: إنَّما العُمرَى التي أجازَ رَسولُ ﷺ أنْ يَقولَ: «هي لكَ ولعَقِبِك»، فأمَّا إذا قالَ: «هي لكَ ما عِشتَ»، فإنَّها تَرجعُ إلى صاحِبِها» (٤)، قالَ مَعمَرٌ: وكانَ الزُّهريُّ يُفتي به.

стр. 7380

وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ أنَّه سمِعَ مَكحولًا الدِّمشقيَّ يَسألُ القاسِمَ ابنَ مُحمدٍ عن العُمرَى وما يَقولُ الناسُ فيها، فقالَ القاسِمُ بنُ مُحمدٍ: «ما أدرَكتُ الناسَ إلا وهُم على شُروطِهم في أَموالِهم، وفيما أعطَوْا» (١). قالَ يَحيى ﵀: سمِعتُ مالِكًا يَقولُ: وعلى ذلك الأمرِ عندَنا: أنَّ العُمرَى تَرجعُ إلى الذي أعمَرَها، إذا لم يَقُلْ: «هي لك ولعَقِبِك» (٢). وقالَ الزَّرقانِيُّ ﵀: إذا قالَ: «هي لك ما عِشتَ، فإذا مِتَّ رجَعَت إلَيَّ»، فهذه عارِيةٌ مُؤقَّتةٌ وهي صَحيحةٌ، فإذا ماتَ رجَعَت إلى المُعطي، وقد بيَّنَت هذه والتي قبلَها رِوايةُ الزُّهريِّ، وبه قالَ أكثَرُ العُلماءِ ورجَّحَه جَماعةٌ من الشافِعيةِ، والأصَحُّ عندَ أكثَرِهم: لا تَرجعُ، وقالوا: إنَّه شَرطٌ فاسِدٌ مُلغًى والحَديثُ يَردُّ عليهم (٣). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الجَديدِ والحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ إلى أنَّها تَكونُ للمُعمَرِ ولوَرثتِه، ويَسقُطُ الشَّرطُ للأَحاديثِ الصَّحيحةِ المُطلَقةِ التي ذكَرناها، كقَولِه ﷺ : «لا تُعمِروا ولا تُرقِبوا، فمَن أُعمرَ شَيئًا أو أُرقبَه فهو له حَياتَه ومَماتَه» (٤)؛ وفي حَديثِ جابِرٍ ﵄ قالَ: قالَ

стр. 7381

رَسولُ اللهِ ﷺ : «أَمسِكوا عليكم أَموالَكم ولا تُفسِدوها؛ فإنَّه مَنْ أعمَرَ عُمرى فهي للذي أُعمرَها حَيًّا ومَيِّتًا ولعَقِبِه» (١). وعن جابِرٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أُعمِرَ عُمرى فهي له ولعَقِبِه يَرِثُها مَنْ يَرِثُه من عَقِبِه» (٢). وعن ابنِ شِهابٍ الزُّهريِّ عن أبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أيُّما رَجلٍ أُعمِرَ عُمرى له ولعَقِبِه، فإنَّها للذي يُعطاها، لا تَرجعُ إلى الذي أَعطاها أبَدًا» قالَ أبو سَلمةَ: لأنَّه أَعطَى عَطاءً وقَعَت فيه المَواريثُ فقطَعَت المَواريثُ شَرطَه (٣). وعن ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا عُمرَى ولا رُقبَى، فمَن أُعمِرَ شَيئًا أو أُرقِبَه فهو له حَياتَه ومَماتَه» (٤). وهذا صَريحٌ في إِبطالِ الشَّرطِ؛ لأنَّ الرُّقبَى يُشترطُ فيها عَودُها إلى المُرقَبِ إنْ ماتَ الآخَرُ قبلَه. وعن جابِرٍ ﵁ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَضى بالعُمرَى أنْ يَهبَ الرَّجلُ للرَّجلِ ولعَقبِه الهِبةَ ويَستَثني إنْ حدَثَ بك حَدثٌ وبعَقِبِك فهو

стр. 7382

إلَيَّ وإلى عَقِبي، إنَّها لمَن أُعطيَها ولعَقِبِه» (١). وهذا أيضًا صَريحٌ في إِبطالِ الشَّرطِ؛ لأنَّ المُعمِرَ اشتَرطَ أنَّها تَرجعُ إليه، ومع ذلك لم يَجعلْ له النَّبيُّ ﷺ حَقَّ الرُّجوعِ. ولأنَّ تَمليكَ الأَعيانِ لا يَصحُّ أنْ يَتقدَّرَ بمُدةٍ، ولا يَجوزُ أنْ يُجعلَ على التأبيدِ لمَّا كانَ الشَّرطُ يَقتَضي أنْ يَكونَ فاسِدًا. قالَ العَمرانِيُّ ﵀: فإنْ قيلَ: هلَّا قُلتُم: تَبطُلُ الهِبةُ على القَولِ الجَديدِ؛ لأنَّ العُمرَى تَقتَضي التَّمليكَ على التَّأبيدِ، فإذا قدَّرَه بحَياةِ المُعمَرِ فقد شرَطَ شَرطًا يُنافي مُقتَضى العَقدِ فأبطَلَه، كما لو قالَ: وهَبتُك هذه الدارَ سَنةً؟ فالجَوابُ: أنَّ هذا الشَّرطَ لا يُبطِلُ العُمرَى؛ لأنَّه ليسَ بشَرطٍ على المُعمَرِ، وإنَّما هو شَرطٌ على وَرثتِه، فإذا لم يَكنِ الشَّرطُ على المَعقودِ له لم يُؤثِّرْ في العَقدِ بخِلافِ ما لو قالَ: وهَبتُ لك داري سَنةً؛ فإنَّه لا يَصحُّ؛ لأنَّ النُّقصانَ دخَلَ في مِلكِ المَعقودِ له، فلم يَصحَّ (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا حَديثُهم الذي احتَجُّوا به فمِن قَولِ جابِرٍ نَفسِه، وأمَّا نَقلُ لَفظِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «أمسِكوا عليكم أَموالَكم ولا تُفسِدوها؛ فإنَّه مَنْ أعمَرَ عُمرَى فهي للذي أُعمِرَها حَيًّا ومَيِّتًا ولعَقِبِه» (٣). ولأنَّا لو أجَزْنا هذا الشَّرطَ كانَت هِبةً مُؤقتةً، والهِبةُ لا يَجوزُ فيها التأقيتُ،

стр. 7383

ولم يُفسِدْها الشَّرطُ؛ لأنَّه ليسَ بشَرطٍ على المُعمِرِ وإنَّما شَرطُ ذلك على وَرثتِه، ومَتى لم يَكُنِ الشَّرطُ مع المَعقودِ معه لم يُؤثِّرْ فيه. وأمَّا قَولُه في الحَديثِ الآخَرِ: «إنَّه أَعطى عَطاءً وقَعَت فيه المَواريثُ» فهذه الزِّيادةُ من كَلامِ أَبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، كذلك رَواه ابنُ أَبي ذِئبٍ، وفصَّلَ هذه الزِّيادةَ فقالَ عن النَّبيِّ ﷺ : «إنَّه قَضى فيمَن أُعمِرَ عُمرى له ولعَقبِه فهي له بَتلةٌ لا يَجوزُ للمُعطي فيها شَرطٌ ولا مَثنويةٌ» قالَ أَبو سَلمةَ: لأنَّه أَعطَى عَطاءً وقَعَت فيه المَواريثُ (١) (٢). مَنْ قالَ: أسكَنتُك داري أو مَنحتُك داري: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ لآخَرَ: «أسكَنتُك داري هذه حَياتَك ولعَقِبِك مِنْ بَعدِك»، هل هي عُمرَى وتَدخُلُ في حُكمِ الهِبةِ أو هي عارِيةٌ؟ للعُلماءِ تَفصيلٌ فيها.

стр. 7384

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيُّ -كما حَكاه ابنُ قُدامةَ عنه- والحَنابِلةُ إلى أنَّ قَولَه: «أسكَنتُكَ داري عُمرَكَ أو دارِي لك سُكنَى، أو منَحتُك دارِي عُمرِي أو عُمرَك» فهذه عارِيةٌ، له الرُّجوعُ فيها متى شاءَ؛ لأنَّ المَنافعَ إنَّما تُستَوفَى شَيئًا فشَيئًا بمُضيِّ الزَّمانِ، فلا تَلزمُ إلا في قَدرِ ما قبَضَه منه. فقالَ الحَنفيةُ: إنْ كانت القَرينةُ مَنفعةً بأنْ قالَ: «دارِي لك سُكنَى أو عُمرَى سُكنَى، أو صَدقةَ سُكنَى، أو هِبةَ سُكنَى، أو سُكنَى هِبةٍ، أو هي لك عُمرى عارِيةٍ»، ودفَعَها إليه، فهذا كلُّه عارِيةٌ؛ لأنَّه لمَّا ذكَر السُّكنَى في قَولِه: «دارِي لك سُكنَى، أو عُمرِي سُكنَى أو صَدقةَ سُكنَى» دلَّ على أنَّه أرادَ تَمليكَ المَنافعِ؛ لأنَّ قَولَه «هذا لك» ظاهِرُه وإنْ كانَ لتَمليكِ العَينِ لكنَّه يَحتملُ تَمليكَ المَنفعةِ؛ لأنَّ الإضافةَ إلى المُستعيرِ والمُستأجرِ مَنفعةٌ عُرفًا وشَرعًا. وقَولُه «سُكنَى» " مَوضوعٌ للمَنفعةِ لا تُستعمَلُ إلا لها، فكانَ مُحكمًا فجُعلَ تَفسيرًا للمُحتمَلِ وبَيانًا أنَّه أرادَ به تَمليكَ المَنفعةِ، وتَمليكَ المَنفعةِ بغيرِ عِوضٍ هو تَفسيرُ العارِيةِ، وكذا قَولُه: «سُكنَى» بعدَ ذِكرِ الهِبةِ يَكونُ تَفسيرًا للهِبةِ؛ لأنَّ قَولَه: «هِبةٌ» يَحتمِلُ هِبةَ العَينِ ويَحتملُ هِبةَ المَنافعِ، فإذا قالَ: «سُكنى» فقد عيَّنَ هِبةَ المَنافعِ، فكانَ بَيانًا لمُرادِ المُتكلمِ أنَّه أرادَ هِبةَ المَنافعِ، وهِبةُ المَنفعةِ تَمليكُها من غيرِ عِوضٍ، وهو مَعنى العارِيةِ. وإذا قالَ: «سُكنَى هِبةٍ» فمَعناها أنَّ سُكنَى الدارِ هِبةٌ لك، فكانَ هِبةَ المَنفعةِ، وهو تَفسيرُ العارِيةِ.

стр. 7385

ولو قالَ: «هي لك عُمرِي تَسكنُها»، أو «هي هِبةٌ تَسكنُها» أو «صَدقةٌ تَسكنُها»، ودفَعَها إليه فهي هِبةٌ؛ لأنَّه ما فسَّرَ الهِبةَ بالسُّكنَى؛ لأنَّه لم يَجعلْه نَعتًا، فيَكونُ بَيانًا للمُحتمَلِ، بل وهَبَ الدارَ منه ثم شاوَرَه فيما يَعملُ بمِلكِه، والمَشورةُ في مِلكِ الغيرِ باطِلةٌ، فتَعلَّقَت الهِبةُ بالعَينِ. وقَولُه «تَسكنُها» بمَنزلةِ قَولِه «لتَسكنَها»، كما إذا قالَ: «وهَبتُها لك لتُؤاجِرَها» ولو قالَ: «هي لك تَسكنُها»، كانت هِبةً أيضًا؛ لأنَّ الإضافةَ بحَرفِ اللامِ إلى مَنْ هو أهلُ المِلكِ للتَّمليكِ، وقَولُه: «تَسكنُها» مَشورةٌ على ما بَيَّنَّا. وإنْ قالَ: «أسكَنتُك داري هذه حَياتَك ولعَقِبِك من بَعدِك»، فهذه عارِيةٌ؛ لأنَّه صرَّحَ بلَفظِ الإِسكانِ، وهو تَصرُّفٌ في المَنفعةِ دونَ العَينِ، وقَولُه: «لعَقِبِك بعدَك» عَطفٌ، والعَطفُ للاشتِراكِ، فمَعناه سُكناها لعَقِبِك من بعدِك فهي هِبةٌ له، وذِكرُ العَقِبِ لَغوٌ؛ لأنَّ قَولَه: «هي لك» تَمليكٌ لعَينِها منه وبعدَ ما هلَكَ عنها منه لا يَبقى له وِلايةُ إِيجابِها لغيرِه، فكانَ قَولُه: «ولعَقِبِك من بَعدِك» لَغوًا، بخِلافِ الأولِ؛ فإنَّ بعدَ إِيجابِ المَنفعةِ له بطَريقِ العارِيةِ يَبقى له وِلايةُ الإِيجابِ لغيرِه، فكانَ كَلامُه عارِيةً في حَقِّه وفي حَقِّ عَقبِه بعدَه، وله أنْ يَأخذَها متى شاءَ (١).

стр. 7386

وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَصحُّ إِعمارُ المَنفعةِ ولا إِرقابُها، فلو قالَ رَبُّ بَيتٍ لآخَرَ: «سُكنَى هذه الدارِ لك عُمرَك، أو مَنحتُكَ البَيتَ عُمرَك» فعارِيةٌ، قالَ في «القاموسِ»: منَحَه الناقةَ جعَلَ له وبَرَها ولبَنَها وولَدَها، وهي المِنحةُ والمَنيحةُ، أو قالَ: «منَحتُك غَلةَ البَيتِ لك عُمرَك»، أو قالَ رَبُّ بُستانٍ «مَنحتُكَ سُكنَى البُستانِ عُمرَك» فعارِيةٌ، أو قالَ رَبُّ عَبدٍ: «منَحتُك خِدمتَه لك عُمرَك»، فعارِيةٌ وإباحةٌ تَلزمُ في قَدرِ ما قبَضَه من غَلةٍ قبلَ رُجوعِ المانِحِ، وعُلمَ منه أنَّ للمانِحِ الرُّجوعَ في مِنحتِه متى شاء في حَياةِ المَمنوحِ وبعدَ مَوتِه؛ لأنَّه هِبةُ مَنفعةٍ، فله الرُّجوعُ فيها متى شاء؛ لأنَّ المَنافعَ إنَّما تُستوفَى شَيئًا فشَيئًا بمُضيِّ الزَّمانِ، فلا تَلزمُ إلا في قَدرِ ما قبَضَه منه، وتَبطُلُ بمَوتِ أحدِهما (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: وإنْ قالَ: «سُكناها لك عُمرَك»، كانَ له أخذُها، أي: وَقتَ أحَبَّ؛ لأنَّ السُّكنَى ليسَت كالعُمرَى والرُّقبَى. أمَّا إذا قالَ: «سُكنَى هذه الدارِ لك عُمرَك، أو اسكُنْها عُمرَك» أو نحوَ ذلك، فليسَ ذلك بعَقدٍ لازِمٍ؛ لأنَّه في التَّحقيقِ هِبةُ المَنافعِ، والمَنافعُ إنَّما تُستوفَى بمُضيِّ الزَّمانِ شَيئًا فشَيئًا، فلا تَلزمُ إلا في قَدرِ ما قبَضَه منها واستَوفاه بالسُّكنى، وللمُسكِنِ الرُّجوعُ متى شاءَ، وأيُّهما ماتَ بطَلَت

стр. 7387

الإِباحةُ، وبهذا قالَ أكثَرُ العُلماءِ وجَماعةُ أهلِ الفَتوى منهم الشَّعبيُّ والنَّخعيُّ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وإِسحاقُ وأَصحابُ الرَّأيِ ورُويَ معنى ذلك عن حَفصةَ. وقالَ الحَسنُ وعَطاءٌ وقَتادةُ: هي كالعُمرَى، تَكونُ له ولعَقِبِه؛ لأنَّها في مَعنى العُمرَى فيَثبتُ فيها مِثلُ حُكمِها، وحُكيَ عن الشَّعبيِّ أنَّه إذا قالَ: «هي لك، اسكُنْ حتى تَموتَ»، فهي له حَياتَه ومَوتَه، وإنْ قالَ: «دارِي هذه اسكُنْها حتى تَموتَ»؛ فإنَّها تَرجعُ إلى صاحِبِها؛ لأنَّه إذا قالَ: «هي لك»، فقد جعَلَ له رقَبَتها فتَكونُ عُمرَى، فإذا قالَ: «اسكُنْ دارِي هذه»؛ فإنَّما جعَلَ له نَفعَها دونَ رَقبتِها فتَكونُ عارِيةً. ولنا: أنَّ هذا إِباحةُ المَنافعِ، فلم يَقعْ لازِمًا كالعارِيةِ، وفارَقَ العُمرَى؛ فإنَّها هِبةٌ للرَّقبةِ، فأمَّا إذا قالَ: «هذه لك، اسكُنْها حتى تَموتَ»؛ فإنَّه يَحتملُ: «لك سُكناها حتى تَموتَ»، وتَفسيرُها بذلك دَليلٌ على أنَّه أرادَ السُّكنَى، فأشبَهَ ما لو قالَ: «هذه لك سُكناها»، وإذا احتَملَ أنْ يُريدَ به الرَّقبةَ واحتَملَ أنْ يُريدَ السُّكنَى فلا نُزيلُ مِلكَه بالاحتِمالِ (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا قالَ: «أعمَرتُك دارِي، أو أسكَنتُك دارِي»، أو ما دَلَّ على تَمليكِ المَنفعةِ ك «أسكَنتُك»، ونَحوِه من الأَلفاظِ الدالةِ على تَمليكِ المَنفعةِ ك «وهَبتُك سُكناها أو استِغلالَها عُمرَك»، فهي عُمرَى -أي: هِبةٌ- يَملكُ بها مَنافعَ الدارِ دونَ رَقبتِها؛ فإنْ كانَت مُقيدةً بأجَلٍ، بأنْ قالَ:

стр. 7388

«أعمَرتُك، أو أسكَنتُك هذه الدارَ سَنةً أو عَشرًا، أو حَياتي»، كانَت على ما أَعطَى، وإنْ أطلَقَ ولم يُقيِّدْ كانَ مَحمَلُه على عُمرِ المُعطِي، وإنْ عقَّبَها فقالَ: «أعمَرتُكها، أو أسكَنتُكها أنتَ وعَقِبَك» لم تَرجعْ إليه حتى يَنقرضَ العَقِبُ. ورَجعتِ العُمرَى -بمَعنى الشَّيءِ المُعمَرِ- إذا ماتَ المُعمَرُ مِلكًا للمُعمِرِ أو وارِثِه إنْ مات، والمُرادُ وارِثُه يَومَ مَوتِ المُعمَرِ، لا وارِثُه يَومَ المَرجوعِ. والعُمرَى كالهِبةِ في الحَوزِ، بمَعنى أنَّ حَوزَها قبلَ المانعِ شَرطٌ في تَمامِها فتَلزمُ بالقَولِ ويُجبَرُ المُعمِرُ على دَفعِها للمُعمَرِ ليَحوزَها؛ فإنْ حصَلَ المانِعُ للمُعمِرِ قبلَ أنْ يَحوزَها المُعمَرُ بطَلَت إنْ لم يَحصُلْ من المُعمَرِ جِدُّ في طَلبِها قبلَ المانعِ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولا يَملكُ بلَفظِ العُمرَى والإِعمارِ عندَ مالِكٍ رَقبةَ شَيءٍ من العَطايا، وإنَّما ذلك عندَه كلَفظِ السُّكنَى والإِسكانِ سَواءٌ لا يَملكُ بذلك إلا المَنافعَ دونَ الرِّقابِ، وهي أَلفاظٌ عندَهم لا يَملكُ بها الرِّقابَ وإنَّما يَملكُ بها المَنافعَ، منها العُمرَى والسُّكنَى والعارِيةُ والإِطراقُ والمِنحةُ والإِحبالُ والإِفقارُ وما كانَ مِثلَها. قالَ أَبو إِسحاقَ الحَربيُّ: سمِعتُ ابنَ الأعرابيِّ يَقولُ: لم تَختلِفِ العَربُ في أنَّ هذه الأَسماءَ على مِلكِ أربابِها، وأنَّ مَنافِعَها لمَن جُعلَت له العُمرَى والرُّقبَى والإِفقارُ والإِحبالُ والعَريةُ والسُّكنَى والإِطراقُ (١).

стр. 7389

قالَ مالِكٌ ﵀: فإذا أعمَرَه حَياتَه وأسكَنَه حَياتَه فهو شَيءٌ واحِدٌ؛ فإنْ أرادَ المُعمَرُ أنْ يَكريَها فإنَّه يَكريها قَليلًا قَليلًا، ولا يَبعُدُ الكِراءُ، قالَ: وللمُعمَرِ أنْ يَبيعَ مَنافعَ الدارِ وسُكناه فيها من الذي أعمَرَه ولا يَبيعَها من غيرِه (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: إذا أتى بلَفظِ الإِسكانِ فقالَ: «أسكَنتُك هذه الدارَ حَياتَك»، فالجُمهورُ على أنَّ الإِسكانَ عندَهم -أو الإِخدامَ- بخِلافِ العُمرَى، وإنْ لفَظَ بالعَقِبِ فسَوَّى مالِكٌ بينَ التَّعميرِ والإِسكانِ. وكان الحَسنُ وعَطاءٌ وقَتادةُ يُسوُّون بينَ السُّكنَى والتَّعميرِ في أنَّها لا تَنصرفُ إلى المَسكنِ أبدًا على قَولِ الجُمهورِ في العُمرَى. والحَقُّ أنَّ الإِسكانَ والتَّعميرَ مَعنًى واحِدٌ مَفهومٌ منهما، وأنَّه يَجبُ أنْ يَكونَ الحُكمُ -إذا لم يُصرحْ بذِكرِ العَقِبِ- على ما ذهَب إليه أهلُ الظاهِرِ (٢).

стр. 7390

ثانيًا: الرُّقبَى: تَعريفُ الرُّقبَى: عرَّفَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ الرُّقبَى بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ، وهي أنْ يَقولَ الذي أرقَبَها: «قد جعَلتُ دارِي هذه لك رُقبَى»، يَعني «وهَبتُها لك»، يَعني: «إنَّك تُرقِبُني وأُرقِبُك وإنْ مِتَّ قَبلي رجَعَت إلَيَّ، وإنْ مِتُّ قبلَك فالدارُ لك ولوَرثَتِك من بعدِك»، فسُمِّيت رُقبَى من مُراقبةِ كلِّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه، وكانَ الناسُ في الجاهِليةِ على هذا (١). وقالَ المالِكيةُ: الرُّقبَى كصاحبَيْ دارَينِ -أو عَبدينِ، أو دارٍ وعَبدٍ-، قالَ كلُّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه في عَقدٍ واحِدٍ: «إنْ مِتَّ قبلِي فالدَّارانِ معًا لي»، أي: «فدارُكَ لي مَضمومةٌ لدارِي، وإنْ مِتُّ قبلَك فالدَّارانِ معًا لك»، أي: «فدارِي لك مَضمومةٌ لدارِك» (٢).
следующие страницы →