← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَصحُّ إِعمارُ المَنفعةِ ولا إِرقابُها، فلو قالَ رَبُّ بَيتٍ لآخَرَ: «سُكنَى هذه الدارِ لك عُمرَك، أو مَنحتُكَ البَيتَ عُمرَك» فعارِيةٌ، قالَ في «القاموسِ»: منَحَه الناقةَ جعَلَ له وبَرَها ولبَنَها وولَدَها، وهي المِنحةُ والمَنيحةُ، أو قالَ: «منَحتُك غَلةَ البَيتِ لك عُمرَك»، أو قالَ رَبُّ بُستانٍ «مَنحتُكَ سُكنَى البُستانِ عُمرَك» فعارِيةٌ، أو قالَ رَبُّ عَبدٍ: «منَحتُك خِدمتَه لك عُمرَك»، فعارِيةٌ وإباحةٌ تَلزمُ في قَدرِ ما قبَضَه من غَلةٍ قبلَ رُجوعِ المانِحِ، وعُلمَ منه أنَّ للمانِحِ الرُّجوعَ في مِنحتِه متى شاء في حَياةِ المَمنوحِ وبعدَ مَوتِه؛ لأنَّه هِبةُ مَنفعةٍ، فله الرُّجوعُ فيها متى شاء؛ لأنَّ المَنافعَ إنَّما تُستوفَى شَيئًا فشَيئًا بمُضيِّ الزَّمانِ، فلا تَلزمُ إلا في قَدرِ ما قبَضَه منه، وتَبطُلُ بمَوتِ أحدِهما (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: وإنْ قالَ: «سُكناها لك عُمرَك»، كانَ له أخذُها، أي: وَقتَ أحَبَّ؛ لأنَّ السُّكنَى ليسَت كالعُمرَى والرُّقبَى. أمَّا إذا قالَ: «سُكنَى هذه الدارِ لك عُمرَك، أو اسكُنْها عُمرَك» أو نحوَ ذلك، فليسَ ذلك بعَقدٍ لازِمٍ؛ لأنَّه في التَّحقيقِ هِبةُ المَنافعِ، والمَنافعُ إنَّما تُستوفَى بمُضيِّ الزَّمانِ شَيئًا فشَيئًا، فلا تَلزمُ إلا في قَدرِ ما قبَضَه منها واستَوفاه بالسُّكنى، وللمُسكِنِ الرُّجوعُ متى شاءَ، وأيُّهما ماتَ بطَلَت

стр. 7387

الإِباحةُ، وبهذا قالَ أكثَرُ العُلماءِ وجَماعةُ أهلِ الفَتوى منهم الشَّعبيُّ والنَّخعيُّ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وإِسحاقُ وأَصحابُ الرَّأيِ ورُويَ معنى ذلك عن حَفصةَ. وقالَ الحَسنُ وعَطاءٌ وقَتادةُ: هي كالعُمرَى، تَكونُ له ولعَقِبِه؛ لأنَّها في مَعنى العُمرَى فيَثبتُ فيها مِثلُ حُكمِها، وحُكيَ عن الشَّعبيِّ أنَّه إذا قالَ: «هي لك، اسكُنْ حتى تَموتَ»، فهي له حَياتَه ومَوتَه، وإنْ قالَ: «دارِي هذه اسكُنْها حتى تَموتَ»؛ فإنَّها تَرجعُ إلى صاحِبِها؛ لأنَّه إذا قالَ: «هي لك»، فقد جعَلَ له رقَبَتها فتَكونُ عُمرَى، فإذا قالَ: «اسكُنْ دارِي هذه»؛ فإنَّما جعَلَ له نَفعَها دونَ رَقبتِها فتَكونُ عارِيةً. ولنا: أنَّ هذا إِباحةُ المَنافعِ، فلم يَقعْ لازِمًا كالعارِيةِ، وفارَقَ العُمرَى؛ فإنَّها هِبةٌ للرَّقبةِ، فأمَّا إذا قالَ: «هذه لك، اسكُنْها حتى تَموتَ»؛ فإنَّه يَحتملُ: «لك سُكناها حتى تَموتَ»، وتَفسيرُها بذلك دَليلٌ على أنَّه أرادَ السُّكنَى، فأشبَهَ ما لو قالَ: «هذه لك سُكناها»، وإذا احتَملَ أنْ يُريدَ به الرَّقبةَ واحتَملَ أنْ يُريدَ السُّكنَى فلا نُزيلُ مِلكَه بالاحتِمالِ (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا قالَ: «أعمَرتُك دارِي، أو أسكَنتُك دارِي»، أو ما دَلَّ على تَمليكِ المَنفعةِ ك «أسكَنتُك»، ونَحوِه من الأَلفاظِ الدالةِ على تَمليكِ المَنفعةِ ك «وهَبتُك سُكناها أو استِغلالَها عُمرَك»، فهي عُمرَى -أي: هِبةٌ- يَملكُ بها مَنافعَ الدارِ دونَ رَقبتِها؛ فإنْ كانَت مُقيدةً بأجَلٍ، بأنْ قالَ:

стр. 7388

«أعمَرتُك، أو أسكَنتُك هذه الدارَ سَنةً أو عَشرًا، أو حَياتي»، كانَت على ما أَعطَى، وإنْ أطلَقَ ولم يُقيِّدْ كانَ مَحمَلُه على عُمرِ المُعطِي، وإنْ عقَّبَها فقالَ: «أعمَرتُكها، أو أسكَنتُكها أنتَ وعَقِبَك» لم تَرجعْ إليه حتى يَنقرضَ العَقِبُ. ورَجعتِ العُمرَى -بمَعنى الشَّيءِ المُعمَرِ- إذا ماتَ المُعمَرُ مِلكًا للمُعمِرِ أو وارِثِه إنْ مات، والمُرادُ وارِثُه يَومَ مَوتِ المُعمَرِ، لا وارِثُه يَومَ المَرجوعِ. والعُمرَى كالهِبةِ في الحَوزِ، بمَعنى أنَّ حَوزَها قبلَ المانعِ شَرطٌ في تَمامِها فتَلزمُ بالقَولِ ويُجبَرُ المُعمِرُ على دَفعِها للمُعمَرِ ليَحوزَها؛ فإنْ حصَلَ المانِعُ للمُعمِرِ قبلَ أنْ يَحوزَها المُعمَرُ بطَلَت إنْ لم يَحصُلْ من المُعمَرِ جِدُّ في طَلبِها قبلَ المانعِ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولا يَملكُ بلَفظِ العُمرَى والإِعمارِ عندَ مالِكٍ رَقبةَ شَيءٍ من العَطايا، وإنَّما ذلك عندَه كلَفظِ السُّكنَى والإِسكانِ سَواءٌ لا يَملكُ بذلك إلا المَنافعَ دونَ الرِّقابِ، وهي أَلفاظٌ عندَهم لا يَملكُ بها الرِّقابَ وإنَّما يَملكُ بها المَنافعَ، منها العُمرَى والسُّكنَى والعارِيةُ والإِطراقُ والمِنحةُ والإِحبالُ والإِفقارُ وما كانَ مِثلَها. قالَ أَبو إِسحاقَ الحَربيُّ: سمِعتُ ابنَ الأعرابيِّ يَقولُ: لم تَختلِفِ العَربُ في أنَّ هذه الأَسماءَ على مِلكِ أربابِها، وأنَّ مَنافِعَها لمَن جُعلَت له العُمرَى والرُّقبَى والإِفقارُ والإِحبالُ والعَريةُ والسُّكنَى والإِطراقُ (١).

стр. 7389

قالَ مالِكٌ ﵀: فإذا أعمَرَه حَياتَه وأسكَنَه حَياتَه فهو شَيءٌ واحِدٌ؛ فإنْ أرادَ المُعمَرُ أنْ يَكريَها فإنَّه يَكريها قَليلًا قَليلًا، ولا يَبعُدُ الكِراءُ، قالَ: وللمُعمَرِ أنْ يَبيعَ مَنافعَ الدارِ وسُكناه فيها من الذي أعمَرَه ولا يَبيعَها من غيرِه (١). وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: إذا أتى بلَفظِ الإِسكانِ فقالَ: «أسكَنتُك هذه الدارَ حَياتَك»، فالجُمهورُ على أنَّ الإِسكانَ عندَهم -أو الإِخدامَ- بخِلافِ العُمرَى، وإنْ لفَظَ بالعَقِبِ فسَوَّى مالِكٌ بينَ التَّعميرِ والإِسكانِ. وكان الحَسنُ وعَطاءٌ وقَتادةُ يُسوُّون بينَ السُّكنَى والتَّعميرِ في أنَّها لا تَنصرفُ إلى المَسكنِ أبدًا على قَولِ الجُمهورِ في العُمرَى. والحَقُّ أنَّ الإِسكانَ والتَّعميرَ مَعنًى واحِدٌ مَفهومٌ منهما، وأنَّه يَجبُ أنْ يَكونَ الحُكمُ -إذا لم يُصرحْ بذِكرِ العَقِبِ- على ما ذهَب إليه أهلُ الظاهِرِ (٢).

стр. 7390

ثانيًا: الرُّقبَى: تَعريفُ الرُّقبَى: عرَّفَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ الرُّقبَى بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ، وهي أنْ يَقولَ الذي أرقَبَها: «قد جعَلتُ دارِي هذه لك رُقبَى»، يَعني «وهَبتُها لك»، يَعني: «إنَّك تُرقِبُني وأُرقِبُك وإنْ مِتَّ قَبلي رجَعَت إلَيَّ، وإنْ مِتُّ قبلَك فالدارُ لك ولوَرثَتِك من بعدِك»، فسُمِّيت رُقبَى من مُراقبةِ كلِّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه، وكانَ الناسُ في الجاهِليةِ على هذا (١). وقالَ المالِكيةُ: الرُّقبَى كصاحبَيْ دارَينِ -أو عَبدينِ، أو دارٍ وعَبدٍ-، قالَ كلُّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه في عَقدٍ واحِدٍ: «إنْ مِتَّ قبلِي فالدَّارانِ معًا لي»، أي: «فدارُكَ لي مَضمومةٌ لدارِي، وإنْ مِتُّ قبلَك فالدَّارانِ معًا لك»، أي: «فدارِي لك مَضمومةٌ لدارِك» (٢).

стр. 7391

حُكمُ الرُّقبىَ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الرُّقبَى -على التَّفسيرِ الأولِ لها الذي عليه الجُمهورُ- هل هي صَحيحةٌ، وتَكونُ هِبةً مُؤبَّدةً يَملكُها المُرقَبُ له، وإذا ماتَ تَكونُ لوَرثتِه كغيرِها من أَموالِه، ويُلغَى الشَّرطُ، أو هي فاسِدةٌ، وتَكونُ عارِيةً يَحقُّ للمُرقِبِ أنْ يَرجعَ فيها متى شاءَ، أو هي صَحيحةٌ والشَّرطُ صَحيحٌ، وتَرجعُ إليه بشَرطِه؟ فذهَبَ أبو يُوسفَ من الحَنفيةِ والشافِعيةِ في الجَديدِ والحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ إلى أنَّ الرُّقبَى صَحيحةٌ، فمَن قالَ لآخَرَ: «أرقَبتُك دارِي؛ فإنْ مِتَّ قَبلي فهي لي، وإنْ مِتُّ قبلَك فهي لك ولوَرثتِك فهي هِبةٌ صَحيحةٌ»، ويُلغَى الشَّرطُ، وهي له حَياتَه يَتصرفُ فيها كيف يَشاءُ ولوَرثتِه من بَعدِه؛ فإنْ لم يَكونوا فلبَيتِ المالِ، ولا تَعودُ للأَولِ بحالٍ كالعُمرَى؛ لعُمومِ الأَدلةِ الوارِدةِ عن النَّبيِّ ﷺ فيها، ومنها ما رَواه جابِرٌ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ ﷺ : «العُمرَى جائِزةٌ لأهلِها والرُّقبَى جائِزةٌ لأهلِها» (١). وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا تُعمِروا ولا تُرقِبوا، فمَن أعمَرَ شَيئًا أو أرقَبَه فهو له حَياتَه ومَماتَه» (٢). فالنَّبيُّ ﷺ أجازَ العُمرَى والرُّقبَى

стр. 7392

وأبطَلَ شَرطَ العَودِ إليه؛ لأنَّه إذا ملَكَ العَينَ لم تُنقَلْ عنه بالشَّرطِ، ولأنَّه شَرطٌ يُنافي مُقتَضى العَقدِ فصَحَّ وبطَلَ الشَّرطُ كشَرطِه في البَيعِ ألَّا يَبيعَ. قالَ الشَّروانِيُّ ﵀: والنَّهيُ الوارِدُ للإرشادِ والنَّصيحةِ حتى لا يَقعَ الآتي بهما في النَّدامةِ؛ فإنَّه يُتوهَّمُ العَودُ ولا عَودَ، لا أنَّهما في حَدِّ ذاتَيْهما مَذمومتان شَرعًا بوَجهٍ من الوُجوهِ، بل حيثُ صدَرا من عارِفٍ بهما وبما استقَرَّ عليه حُكمُهما شَرعًا، وأنَّهما من جُملةِ أفرادِ الهِبةِ التي حُكمُها النَّدبُ كما مَرَّ أولَ البابِ، وأُتِيَ بهما تَقربًا إلى اللهِ تَعالى امتِثالًا للأمرِ النَّدبيِّ كانَ مُثابًا عليهما، فتأمَّلْه حَقَّ التَّأملِ حتى يَظهرَ لك التَّفاوتُ بينَه وبينَ قَولِ الشارِحِ: إنَّ النَّهيَ للتَّنزيهِ، واللهُ أعلَمُ بحَقيقةِ الحالِ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا النَّهيُ فإنَّما ورَدَ على وَجهِ الإِعلامِ لهم أنَّكم إنْ أعمَرتُم أو أرقَبتُم يُعدُّ للمُعمَرِ والمُرقَبِ ولم يَعُدْ إليكم منه شَيءٌ، وسياق الحَديثِ يَدلُّ عليه؛ فإنَّه قالَ: «فمَن أُعمِرَ شَيئًا أو أُرقِبه فهو له حَياتَه ومَماتَه»، ولو أُريدَ به حَقيقةُ النَّهيِ لم يَمنعْ ذلك صِحتَها؛ فإنَّ النَّهيَ إنَّما يَمنعُ صِحةَ ما يُفيدُ المَنهيَّ عنه فائِدةً، أمَّا إذا كانَ صِحةُ المَنهيِّ ضَررًا على مُرتكبِه لم يَمنعْ صِحتَه كالطَّلاقِ في زَمنِ الحَيضِ، وصِحةُ العُمرَى ضَررٌ على المُعمِرِ؛ فإنَّ مِلكَه يَزولُ بغيرِ عِوضٍ (٢).

стр. 7393

قالَ السُّبكيُّ ﵀: وصِحةُ العُمرَى والرُّقبَى بَعيدةٌ عن القياسِ، لكنَّ الحَديثَ مُقدَّمٌ على كلِّ أصلٍ وكلِّ قياسٍ، وقد ورَدَ فيهما أمرٌ ونَهيٌ، فلو قيلَ بتَحريمِهما للنَّهيِ وصِحتِهما للحَديثِ كما قُلنا في طَلاقِ الحائِضِ لم يَبعُدْ (١). لكنْ قالَ ابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ ﵀: وفيما قالَه نَظرٌ: بل يُؤخذُ من أَحاديثِ الصِّحةِ؛ لأنَّ الأصلَ فيما صَحَّ جَوازُ فِعلِه أنَّ النَّهيَ للتَّنزيهِ (٢). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ إلى أنَّ الرُّقبَى باطِلةٌ، فإذا قالَ: «أرقَبتُك هذه الدارَ»، أو صرَّح فقالَ: «جعَلتُ هذه الدارَ لك رُقبَى»، أو قالَ: «هذه الدارُ لك رُقبَى»، ودفَعَها إليه فهي عارِيةٌ في يَدِه عندَهما، له أنْ يأخذَها منه متى شاءَ، واحتَجَّا بما رَوى الشَّعبيُّ عن شُريحٍ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أجازَ العُمرَى وأبطَلَ الرُّقبى» ومِثلُهما لا يَكذبُ، ولأنَّ قَولَه:

стр. 7394

«دارِي لك رُقبَى» تَعليقُ التَّمليكِ بالخَطرِ؛ لأنَّ مَعنى الرُّقبَى أنَّه يَقولُ: «إنْ مِتُّ أنا قبلَك فهي لكَ، وإنْ مِتَّ أنتَ قَبلي فهي لي»، سُمِّي الرُّقبَى من الرُّقوبِ والارتِقابِ والتَّرقُّبِ -وهو الانتِظارُ-؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَنتظرُ مَوتَ صاحِبِه قبلَ مَوتِه، وذلك غيرُ مَعلومٍ، فكانَت الرُّقبَى تَعليقَ التَّمليكِ بأمرٍ له خَطرُ الوُجودِ والعَدمِ، والتَّمليكاتُ مما لا يَحتملُ التَّعليقَ بالخَطرِ، فلم تَصحَّ هِبةً وصَحَّت عارِيةً؛ لأنَّه دفَعَ إليه وأطلَقَ له الانتِفاعَ به، وهذا مَعنى العارِيةِ، وهذا بخِلافِ العُمرَى؛ لأنَّ هناكَ وقَعَ التَّصرفُ تَمليكًا للحالِ، فهو بقَولِه: «عُمرَى» وَقتَ التَّمليكِ أنَّه لا يَحتملُ التَّوقيتَ فبطَلَ وبَقيَ العَقدُ على الصِّحةِ. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولا حُجةَ له -أي: لأبي يُوسفَ- في الحَديثِ؛ لأنَّ الرُّقبَى تَحتملُ أنْ تَكونَ من المُراقبةِ -وهي الانتِظارُ- ويَحتملُ أنْ تَكونَ من الإِرقابِ، وهو هِبةُ الرَّقبةِ؛ فإنْ أُريدَ بها الأولُ كانَ حُجةً له، وإنْ أُريدَ بها الثانِي لا يَكونُ حُجةً؛ لأنَّ ذلك جائِزٌ، فلا يَكونُ حُجةً مع الاحتِمالِ أو يُحملُ على الثانِي تَوفيقًا بينَ الحَديثَينِ صيانةً لكَلامِ مَنْ يَستحيلُ عليه التَّناقُضُ عنه. وبهذا تبيَّنَ أنَّه لا اختِلافَ بينَهم في الحَقيقةِ إن كانَ الرُّقبَى والإِرقابُ مُستعمَلَين في اللُّغةِ في هِبةِ الرَّقبةِ، ويَنبَغي أنْ يَنويَ؛ فإنْ عَنى به هِبةَ الرَّقبةِ يَجوزُ بلا خِلافٍ، وإنْ عَنى به مُراقبةَ المَوتِ لا يَجوزُ بلا خِلافٍ (١).

стр. 7395

وقالَ الزَّيلعيُّ ﵀: فحاصِلُه أنَّه متى وُجدَ التَّمليكُ في الحالِ واشتِراطُ الرَّدِّ في المآلِ يَجوزُ بالإِجماعِ؛ لمَا بَيَّنَّا أنَّ الهِبةَ لا تَبطلُ بالشَّرطِ، بل الشَّرطُ يَبطلُ، ومتى كانَ التَّمليكُ مُضافًا إلى زَمانٍ في المُستقبلِ لا يَجوزُ بالإِجماعِ، فكانَ الخِلافُ بينَهم مَبنيًّا على تَفسيرِ الرُقبى، فمَن قالَ: إنَّه تَمليكٌ في الحالِ، أَجازَه، ومَن قالَ: إنَّه مُضافٌ لم يُجِزْه، وليسَ باختِلافٍ حَقيقةً، ومِثلُ هذا تقدَّمَ في نِكاحِ الصَّائباتِ وفي فَسادِ الصَّومِ بالإِقطارِ في الإحليلِ وفي وُجوبِ الدَّمِ إذا غسَلَ المُحرِمُ رأسَه بالخَطميِّ وبلُبسِ الثَّوبِ المَصبوغِ بعُصفُرٍ، فإذا لم يَكنْ بينَهم خِلافٌ في الحَقيقةِ، واللَّفظُ صالِحٌ للمَعنَيَين أمكَنَ التَّوفيقُ بينَ الأَخبارِ، فما ورَدَ من النَّهيِ عن الرُّقبَى مَحمولٌ على أنَّ المُرادَ به إبطالُ شَرطِ الجاهِليةِ، وهو الاستِردادُ بعدَ مَوتِ المَوهوبِ له، وما جاءَ فيه من الإطلاقِ مَحمولٌ على أنَّه جائِزٌ، والشَّرطُ باطِلٌ، ومِثلُه جاءَ النَّهيُ عن العُمرَى أيضًا، وهو ما رُوي عن ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّه ﵊ قالَ: «لا تُعمِروا ولا تُرقِبوا، فمَن أُعمِرَ شَيئًا أو أُرقِبَه فهو له حَياتَه ومَماتَه»، رَواه أحمدُ والنَّسائيُّ، وقالَ ﵊: «العُمرَى جائِزةٌ لأهلِها، والرُّقبَى جائِزةٌ لأهلِها» رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، وفيهما أخبارٌ كَثيرةٌ، بَعضُها يَمنعُهما، وبَعضُها يُجيزُهما، وبالحَملِ على ما حمَلناه حصَلَ التَّوفيقُ، فلا مُعارضةَ (١).

стр. 7396

وذهَبَ الشافِعيةُ في القَديمِ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى صِحةِ الشَّرطِ: قالَ الشافِعيةُ في القَديمِ على ما حَكاه أَبو إِسحاقَ: تَكونُ للمُرقَبِ في حَياتِه؛ فإنْ ماتَ والمُعطي حَيٌّ رجَعَت إليه، وإنْ ماتَ المُعطي أولًا كانت للمُرقَبِ في حَياتِه ولوَرثتِه بعدَه (١). وقالَ الإمامُ أحمدُ في هذه الرِّوايةِ: إنْ شُرطَ رُجوعُها إلى المُعمِرِ عندَ مَوتِه إنْ ماتَ قبلَه، أو إلى غيرِه، وتُسمَّى الرُّقبى، أو رُجوعُها مُطلقًا إليه، أو إلى وَرثتِه، أو قالَ: «هي لآخِرِنا مَوتًا»، صَحَّ الشَّرطُ كالعَقدِ على الأصَحِّ؛ لقَولِه ﷺ : «المُسلِمونَ على شُروطِهم»، قالَ القاسِمُ: «ما أدرَكتُ الناسَ إلا على شُروطِهم» وحينَئذٍ يُعملُ بالشَّرطِ. وقالَ المِرداويُّ ﵀: قَولُه: وإنْ شُرطَ رُجوعُها إلى المُعمِرِ -بكَسرِ المِيمِ- عندَ مَوتِه، أو قالَ: «هي لآخِرِنا مَوتًا» صَحَّ الشَّرطُ. هذه إحدَى الرِّوايتَين اختارَها الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀. وقدَّمَه في «الهِداية» و «المُذَهَّب» و «مَسبوك الذَّهبِ» و «المُستوعِب» و «الخُلاصة» و «الرِّعاية الصُّغرى» و «الحاوي الصَّغير» (٢).

стр. 7397

وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ قَديمٍ، والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الرُّقبَى باطِلةٌ (١). وأمَّا المالِكيةُ فقد فسَّروا الرُّقبَى بخِلافِ تَفسيرِ الجُمهورِ، فقالوا: لا تَجوزُ الرُّقبى، وهي أنْ يَكونَ لاثنَين داران -أو عَبدانِ أو دارٌ وعَبدٌ- قالَ كلُّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه في عَقدٍ واحِدٍ: «إنْ مِتَّ قبلي فالداران مَعًا لي -أي: فدارُك لي مَضمومةٌ لدارِي- وإنْ مِتُّ قبلَك فالدَّارانِ مَعًا لك -أي: فدارِي لك مَضمومةٌ لدارِك- وإنَّما مُنعَ لمَا فيه من الخُروجِ عن وَجهِ المَعروفِ إلى المُخاطرةِ؛ فإنْ وقَعَ ذلك واطُّلِعَ عليه قبلَ المَوتِ فُسخَ، وإنْ لم يُطَّلعْ عليه إلا بعدَ المَوتِ رجَعَت لوارِثِه مِلكًا، ولا تَرجعُ مَراجعَ الأَحباسِ لفَسادِ العَقدِ. ومَحلُّ المَنعِ هذا إذا وقَعَ ما ذُكرَ من القَولَينِ في عَقدٍ واحِدٍ بأنْ وقَعَ أحدُهما في فَورِ الآخَرِ ودخَلا على ذلك، أمَّا لو قالَ أحدُهما لصاحِبِه ذلك ثم قالَ الآخَرُ مثلَ الأولِ فهو جائِزٌ؛ إذْ لا تُهمةَ فيه ويَكونُ هذا وَصيةً (٢).

стр. 7398

الرُّقبَى من الطَّرفَين: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو جعَلَ اثنانِ كلُّ واحِدٍ منهما دارَه للآخَرِ عُمرَه على أنَّه إذا ماتَ قبلَه عادَت إليه، هل تَصحُّ أو لا؟ فقالَ المالِكيةُ: إذا كانَ لاثنَينِ دارانِ -أو عَبدانِ أو دارٌ وعَبدٌ- وقالَ كلُّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه في عَقدٍ واحِدٍ: «إنْ مِتَّ قبلِي فالدَّارانِ مَعًا لي -أي: فدارُك لي مَضمومةٌ لداري- وإنْ مِتُّ قبلَك فالدَّارانِ مَعًا لك -أي: فدارِي لك مَضمومةٌ لدارِك-»، وإنَّما مُنعَ لمَا فيه من الخُروجِ عن وَجهِ المَعروفِ إلى المُخاطرةِ؛ فإنْ وقَعَ ذلك واطُّلِعَ عليه قبلَ المَوتِ فُسخَ، وإنْ لم يُطَّلعْ عليه إلا بعدَ المَوتِ رجَعَت لوارِثِه مِلكًا، ولا تَرجعُ مَراجعَ الأَحباسِ لفَسادِ العَقدِ. ومَحلُّ المَنعِ هذا إذا وقَعَ ما ذُكرَ من القَولَينِ في عَقدٍ واحِدٍ بأنْ وقَعَ أحدُهما في فَورِ الآخَرِ ودخَلا على ذلك، أمَّا لو قالَ أحدُهما لصاحِبِه ذلك ثم قالَ الآخَرُ مثلَ الأولِ فهو جائِزٌ؛ إذْ لا تُهمةَ فيه ويَكونُ هذا وَصيةً (١). وقالَ الشافِعيةُ: لو جعَلَ رَجلانِ كلُّ واحِدٍ دارَه للآخَرِ عُمرَه على أنَّه إذا ماتَ قبلَه عادَت إلى صاحِبِ الدارِ أو غيرِه صَحَّت -أي: الصِّيغةُ- لمَا مَرَّ، وهي رُقبَى من الجانبَينِ.

стр. 7399

وإذا قالَ الشَّريكانِ في الدارِ: هي لآخِرِنا مَوتًا صارَ نَصيبُ كلِّ واحِدٍ منهما رُقبَى لصاحِبِه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لو جعَلَ اثنانِ كلٌّ منهما دارَه للآخَرِ على أنَّه إنْ ماتَ قبلَه عادَت إليه، فرُقبَى من الجانبَينِ (٢). اشتِراطُ الرُّجوعِ في الرُّقبَى: اختَلفَ الفُقهاءُ الذين أَجازوا الرُّقبَى فيما لو شرَطَ المُرقِبُ الرُّجوعَ في الرُّقبى، كما لو قالَ: «أرقَبتُك هذه الدارَ ولي الرُّجوعُ فيها» على قَولَينِ كما تقدَّمَ تَفصيلُه في اشتِراطِ الرُّجوعِ في العُمرَى فليُراجَعْ. اقتِرانُ الشُّروطِ بصِيغةِ العَقدِ: الشُّروطُ المُقترنةُ بالهِبةِ منها ما هو صَحيحٌ ومنها ما هو غيرُ صَحيحٍ. فالشَّرطُ الصَّحيحُ مِثلُ الهِبةِ بشَرطِ الثَّوابِ كما سيَأتي مُفصَّلًا. وأمَّا الشَّرطُ غيرُ الصَّحيحِ فهو الشَّرطُ الذي يُنافي مُقتَضى الهِبةِ، نحوَ أنْ يَقولَ: وهَبتُك هذا بشَرطِ ألَّا تَهبَه أو لا تَبيعَه أو بشَرطِ أنْ تَهبَه أو تَبيعَه أو بشَرطِ أنْ تَهبَ فُلانًا شَيئًا.

стр. 7400

فاختَلفَ الفُقهاءُ في مِثلِ هذه الشُّروطِ التي تُنافي مُقتَضى العَقدِ، هل يَصحُّ معها عَقدُ الهِبةِ ويَبطلُ الشَّرطُ أو تَبطلُ الهِبةُ بالكُليةِ لاقتِرانِها بالشُّروطِ الفاسِدةِ أو أنَّ الشَّرطَ والعَقدَ نافِذانِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ العَقدَ صَحيحٌ، والشَّرطَ باطِلٌ. قالَ الكاسانِيُّ ﵀:؛ لأنَّ هذه الشُّروطَ مما لم تَمنَعْ وُقوعَ التَّصرفِ تَمليكًا للحالِ، وهي شُروطٌ تُخالِفُ مُقتَضى العَقدِ فتَبطلُ ويَبقى العَقدُ على الصِّحةِ بخِلافِ شُروطِ الرُّقبَى على ما بَيَّنَّا، وبخِلافِ البَيعِ؛ فإنَّه تُبطِلُه هذه الشُّروطُ؛ لأنَّ القِياسَ ألَّا يَكونَ قِرانُ الشَّرطِ الفاسِدِ لعَقدٍ ما مُفسِّرًا له؛ لأنَّ ذِكرَه في العَقدِ لم يَصحَّ فيُلحَقُ بالعَدمِ، ويَبقى العَقدُ صَحيحًا، إلا أنَّ الفَسادَ في البَيعِ للنَّهيِ الوارِدِ فيه ولا نَهيَ في الهِبةِ فيَبقى الحُكمُ فيه على الأصلِ، ولأنَّ دَلائلَ شَرعيةِ الهِبةِ عامةٌ مُطلقةٌ من نحوِ قَولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، وهذا يَجري مَجرَى التَّرغيبِ في أكلِ المَهرِ. وقَولُه ﵊: «تَهادُوا تَحابُّوا»، وهذا نَدبٌ إلى التَّهادي، والهَديةُ هِبةٌ. ورَوَينا عن الصِّدِّيقِ ﵁ أنَّه قالَ لسَيِّدتِنا عائِشةَ ﵂: «إنِّي كُنْتُ نَحلتُك كذا وكذا» (١)، وعن سَيِّدِنا عُمرَ ﵁ أنَّه قالَ: «مَنْ وهَبَ

стр. 7401

هِبةً لصِلةِ رَحمٍ أو على وَجهِ صَدقةٍ فإنَّه لا يَرجِعُ فيها، ومن وهَبَ هِبةً يَرى أنَّه إنَّما أراد بها الثَّوابَ فهو على هِبتِه يَرجِعُ فيها إنْ لم يَرضَ منها» (١)، ونَحوَه من الدَّلائلِ المُقتضيةِ لشَرعيةِ الهِبةِ من غيرِ فَصلٍ بينَ ما قُرنَ به شَرطٌ فاسِدٌ وبينَ ما لم يُقرَنْ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ -كما سيَأتي بَيانُه- والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ العَقدَ والشَّرطَ باطِلانِ (٣). وأمَّا بَيانُ مَذهبِ المالِكيةِ فهو كالآتي: قالوا: ومَن وهَبَ لرَجلٍ هِبةً على ألَّا يَبيعَ ولا يَهبَ لم يَجُزْ، إلا أنْ يَكونَ سَفيهًا أو صَغيرًا فيُشترطُ ذلك عليه ما دام في وِلايةٍ فيَجوزُ، وإنْ شرَطَ ذلك عليه بعدَ زَوالِ الوِلايةِ لم يَجزْ كانَ وَلدًا للواهِبِ أو أجنَبيًّا. وحصَّلَ ابنُ رُشدٍ فيمَن وهَبَ لرَجلٍ هِبةً على ألَّا يَبيعَ ولا يَهبَ في رَسمٍ إن خرَجَت من سَماعِ عِيسى خَمسةَ أَقوالٍ:

стр. 7402

الأولُ: أنَّ الصَّدقةَ والهِبةَ لا تَجوزُ إلا أنْ يَشاءَ الواهِبُ أنْ يُبطلَ الشَّرطَ؛ فإنْ ماتَ أحدُهما بطَلَت، وهو ظاهِرُ قَولِ مالِكٍ في هذه الرِّوايةِ، ومِثلُ قَولِ ابنِ القاسِمِ في رِواية سُحنونٍ. الثاني: أنَّ الواهِبَ مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَتركَ شَرطَه أو يَستردَّ هِبتَه ووَرثتُه بعدَه، ما لم يَنتقِضْ أمرُه بمَوتِ المَوهوبِ. الثالِثُ: أنَّ الشَّرطَ باطِلٌ والهِبةَ جائِزةٌ، وهذا يَأتي على ما في «المُدونة» في مَسألةِ تَحبيسِ الدارِ واشتِراطِ تَرميمِها على المُحبَسِ عليه. الرابِعُ: أنَّ الشَّرطَ عامِلٌ والهِبةَ ماضيةٌ لازِمةٌ، فتَكونُ الصَّدقةُ بينَ المُتصدَّقِ عليه كالحَبسِ لا يَبيعُ ولا يَهبُ حتى يَموتَ، فإذا ماتَ وُرثَ عنه على سَبيلِ المِيراثِ، وهو قَولُ عِيسى بنِ دِينارٍ في هذه الرِّوايةِ، وقَولُ مُطرِّفٍ في «الواضِحةِ»، قالَ ابنُ رُشدٍ: وهو أظهَرُ الأَقوالِ وأوْلاها بالصَّوابِ؛ لأنَّ الرَّجلَ له أنْ يَفعلَ في مِلكِه ما شاءَ، إنْ شاء بَتلَه للمَوهوبِ له والمُتصدَّقِ عليه من الآنَ، وإنْ شاء أَعطاه المَنافعَ خاصةً طُولَ حَياتِه، وجعَلَ المَرجعَ بعدَ مَوتِه ليَقضيَ من دَينِه ويَرثَه عنه بما له في ذلك من الغَرضِ أنْ يَستديمَ الانتِفاعَ بما وهَبَه، وبَدا أثَرُ هِبتِه عليه. والقَولُ الخامِسُ: قالَ سُحنونٌ: إنَّ ذلك يَكونُ حَبسًا على المَوهوبِ له أو المُتصدَّقِ عليه بما شرَطَ عليه من ألَّا يَبيعَ ولا يَهبَ، فإذا ماتَ المُتصدَّقُ عليه على هذا القَولِ، رجَعَ إلى المُتصدِّقِ أو إلى وَرثتِه إنْ كانَ قد ماتَ، أو

стр. 7403

إلى أقرَبِ الناسِ بالمَحبسِ، على اختِلافِ قَولِ مالِكٍ في «المُدونة» فيمَن حبَسَ على مُعيَّنٍ (١). هِبةُ الشَّيءِ واستِثناءُ مَنفعتِه: قالَ الحَنابِلةُ: ويَصحُّ أنْ يَهبَ شَيئًا من دارٍ أو عَبدٍ ونَحوِهما ويُستَثنى نَفعُه مُدةً مَعلومةً نحوَ شَهرٍ وسَنةٍ كالبَيعِ والعِتقِ (٢). هِبةُ الشَّيءِ واستِثناءُ بَعضِه: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وهَبَ إِنسانٌ أمَةً مَثلًا واستَثنى ما في بَطنِها، أو حَيوانًا، واستَثنى ما في بَطنِه، هل يَصحُّ الاستِثناءُ والهِبةُ أو تَصحُّ الهِبةُ ويَبطُلُ الاستِثناءُ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الهِبةَ صَحيحةٌ وأنَّ الاستِثناءَ باطِلٌ، وأنَّ الكلَّ للمَوهوبِ له؛ لأنَّه شَرطٌ فاسِدٌ، والهِبةُ لا تَبطُلُ بالشُّروطِ الفاسِدةِ، فيَصحُّ العَقدُ ويَبطلُ الاستِثناءُ ويَدخلُ الأُمُّ والوَلدُ جَميعًا في العَقدِ؛ لأنَّ الشَّرطَ الفاسِدَ وهو الاستِثناءُ فيها إذا لم يَصحَّ التَحقَ بالعَدمِ فصارَ كأنَّه لم يَستَثنِ، وكذا العِتقُ بأنْ أعتَقَ جاريةً واستَثنى ما في بَطنِها أنَّه يَصحُّ العِتقُ ولا يَصحُّ الاستِثناءُ حتى يُعتِقَ الأُمَّ والوَلدَ جَميعًا لمَا قُلنا.

стр. 7404

ولأنَّ مُطلقَ العَقدِ في الهِبةِ يَقتَضي دُخولَ الجَنينِ فيه لمَا بَيَّنَّا، فإذا استَثنى صارَ شَرطًا فاسِدًا أُلحقَ بعَقدِ الهِبةِ فلا يُبطلُها، والأصلُ فيه ما رُوي عن رَسولِ اللهِ ﷺ : «مَنْ أُعمِرَ عُمرى حَياتَه فهي له في حَياتِه ولوَرثتِه بعدَ مَوتِه» (١) فنَهى عن العُمرَى ثم حُكمَ بوُقوعِ المِلكِ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: يَصحُّ أنْ يَهبَ أمَةً ويَستثنيَ ما في بَطنِها؛ لأنَّه تَبرُّعٌ بالأُمِّ دونَ ما في بَطنِها فأشبَهَ العِتقَ، ولأنَّه لم يَهبِ الوَلدَ فلم يَملِكِ المَوهوبَ له كالمُنفصِلِ وكالمُوصى به. ويَتخرَّجُ ألَّا يَصحَّ كما لو باعَ أمَةً واستَثنى ما في بَطنِها (٣). تَوقيتُ الهِبةِ في غيرِ العُمرَى والرُّقبى: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ تأقيتُ الهِبةِ بوَقتٍ، كقَولِه: «وهَبتُك هذا سَنةً أو شَهرًا ثم يَعودُ إلَيَّ»؛ لأنَّه تَعليقٌ لانتِهاءِ الهِبةِ؛ لأنَّه عَقدُ تَمليكٍ لعَينٍ فلم يَصحَّ مُؤقتًا كالبَيعِ، إلا في العُمرَى والرُّقبى؛ فإنَّهما نَوعان من الهِبةِ ويَصحُّ تَوقيتُهما كما سيأتي (٤).

стр. 7405

وذهَبَ المالِكيةُ والحارثيُّ من الحَنابِلةِ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى جَوازِ تَوقيتِ الهِبةِ بوَقتٍ. قالَ المِرداويُّ ﵀: قَولُه: «ولا تَوقيتُها»، كقَولِه وهَبتُك هذا سَنةً، هذا المَذهبُ وعليه الأَصحابُ إلا ما استَثناه المُصنفُ، وذكَرَ الحارثيُّ الجَوازَ واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀ (١). وهو عندَ المالِكيةِ كالوَقفِ كما تقدَّمَ في كِتابِ الوَقفِ أنَّه يَصحُّ تَوقيتُ الوَقفِ فكذا الهِبةُ (٢). لُزومُ الهِبةِ بالقَبضِ: لا خِلافَ بينَ عُلماءِ الأُمةِ على أنَّ الواهِبَ إذا وهَبَ شَيئًا وقبِلَه المَوهوبُ له ثم قبَضَه وكانَ مما يَجوزُ هِبتُه -وليست على عِوضٍ ولا من الوالِدِ لوَلدِه- أنَّ الهِبةَ تامةٌ وأنَّ مِلكَ الواهِبِ قد زالَ عنها، ولا حَقَّ له في الرُّجوعِ فيها. إلا أنَّ الفُقهاءَ قد اختَلَفوا في الهِبةِ، هل تَلزمُ بمُجردِ الإِيجابِ والقَبولِ ويَكونُ القَبضُ شَرطَ تَمامٍ أو لا تَلزمُ إلا بالقَبضِ ويَكونُ القَبضُ شَرطَ صِحةٍ؟ فإذا لم يَقبِضْها المَوهوبُ له جازَ للواهِبِ الرُّجوعُ فيها؟

стр. 7406

فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيُّ في القَديمِ -والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ في غيرِ المَكيلِ والمَوزونِ والمَعدودِ وقيلَ مُطلقًا- إلى أنَّ الهِبةَ تَلزمُ بمُجردِ العَقدِ، وأنَّ القَبضَ شَرطُ تَمامٍ وليسَ شَرطَ صِحةٍ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقَولِه ﷺ : «العائِدُ في هِبتِه كالكَلبِ يَعودُ في قَيئِه» (١) ولم يُفرِّقْ، ولأنَّه عَقدٌ من العُقودِ لم يَفتقِرِ انعِقادُه إلى قَبضِ المَعقودِ عليه كسائِرِ العُقودِ، ولأنَّه تَمليكُ عَينٍ في حالِ الحَياةِ فوجَبَ أنْ يَلزمَ بمُجردِ الإِيجابِ والقَبولِ، أصلُه البَيعُ، ولأنَّه عَقدُ إِرفاقٍ وتبَرُّرٍ فيَجبُ أنْ يَلزمَ بمُجردِ القَولِ، أصلُه الوَقفُ، ولأنَّها عَطيةٌ فوجَبَ أنْ تَلزمَ بالقَولِ نَفسِه، وحُصولِ صِفةِ الإِيجابِ والقَبولِ كالوَصيةِ، ولأنَّها هِبةٌ وُجدَ فيها الإِيجابُ والقَبولُ كالمَقبوضةِ (٢). قالَ المالِكيةُ: الهِبةُ تُملكُ بالقَولِ على المَشهورِ ولو تَصدقَ بجَميعِ مالِه لقَصدِه القُربةَ، ويَتركُ له ما يُتركُ للمُفلسِ، فيَجوزُ للمَوهوبِ له أخذُها بلا

стр. 7407

إذنِ الواهِبِ، وله طَلبُها منه حيثُ امتنَعَ ولو عندَ حاكِمٍ ليُجبرَه على تَمكينِ المَوهوبِ له منها. قالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ ﵀: القَبولُ والحِيازةُ مُعتبَرانِ إلا أنَّ القَبولَ رُكنٌ -أي: شَرطٌ في صِحتِها- فتَبطلُ الهِبةُ بعَدمِه، والحِيازةُ شَرطٌ -أي: في تَمامِها-؛ فإنْ عُدمَ لم تَلزمْ، وإنْ كانَت صَحيحةً. قالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: وحَقيقةُ الحَوزِ في عَطيةِ غيرِ الابنِ رَفعُ تَصرفِ المُعطِي في العَطيةِ بصَرفِ التَّمكنِ منه للمُعطَى أو نائِبِه كالحَبسِ. ولا بدَّ من مُعاينةِ البَينةِ للحَوزِ في الحَبسِ والهِبةِ والصَّدقةِ والرَّهنِ. ثم إنَّ الهِبةَ تَبطُلُ إذا تأخَّرَ حَوزُها عن الواهِبِ في صِحتِه، حتى لحِقَه دَينٌ مُحيطٌ بمالِ الواهِبِ، سَواءٌ كانَ الدَّينُ قبلَ عَقدِ الهِبةِ أو طرَأَ بعدَ عَقدِها لفَقدِ الشَّرطِ وهو الحَوزُ، وليسَ للواهِبِ حينَئذٍ دَفعُها للمَوهوبِ له؛ لأنَّه مالُ الغيرِ. وأمَّا الدَّينُ غيرُ المُحيطِ؛ فإنَّ الهِبةَ إنْ فضَلَت عن الدَّينِ أخَذَها المَوهوبُ له، وإلا أخَذَ ما فضَلَ منها (١). قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: والهِبةُ عندَ مالِكٍ على ما أصِفُه لك تَصحُّ بالقَولِ من الواهِبِ والقَبولِ من المَوهوبِ له تَتمُّ بالقَبضِ والحِيازةِ، وما دامَ

стр. 7408

الواهِبُ حَيًّا فللمَوهوبِ له المُطالبةُ بها من الواهِبِ حتى يَقبِضَها؛ فإنْ قبَضَها تمَّت له وصارَت مِلكًا مِنْ مِلكِه، وإنْ لم يَقبِضْها حتى يَموتَ الواهِبُ بطَلَت الهِبةُ عندَه؛ لأنَّهم أنزَلوها حينَ وهَبَها ولم يُسلمْها إلى أنْ ماتَ مَنزِلةَ مَنْ أَرادَ إِخراجَ تلك العَطيةِ بعدَ مَوتِه من رأسِ مالِه لوارِثٍ أو غيرِ وارِثٍ وكانت في يَدِه طُولَ حَياتِه فلم يَرضَ بها بعدَ مَماتِه فلم يَجزْ له شَيءٌ من ذلك. هذا حُكمُه عندَ مالِكٍ وأَصحابِه إذا ماتَ الواهِبُ؛ فإنْ ماتَ المَوهوبُ له قبلَه كانَ لوَرثتِه عندَه أنْ يَقوموا مَقامَه بالمُطالبةِ لها حتى يُسلمَ إليهم الواهِبُ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في الجَديدِ -وهو المَذهبُ- والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الهِبةَ لا تَلزمُ إلا بالقَبضِ، فهي على مِلكِ الواهِبِ حتى إنَّه لو رجَعَ فيها قبلَ قَبضِها صَحَّ رُجوعُه؛ لأنَّ الهِبةَ عَقدُ تَبرعٍ، وفي إِثباتِ المِلكِ قبلَ القَبضِ إِلزامُ المُتبرعِ شَيئًا لم يَتبرعْ به وهو التَّسليمُ، فلا يَصحُّ؛ فإنْ ماتَ أحدُهما -إمَّا الواهِبُ وإمَّا المَوهوبُ له- قبلَ التَّسليمِ بطَلَت الهِبةُ خِلافًا للصَّحيحِ عندَ الشافِعيةِ -كما سيَأتي-؛ لأنَّ تَمامَ الهِبةِ بالقَبضِ، وكانَ القَبضُ في الهِبةِ كالقَبولِ في البَيعِ من حيثُ إنَّ المِلكَ يَثبتُ به، فكما أنَّ مَوتَ أحدِهما بعدَ الإِيجابِ قبلَ القَبولِ يُبطِلُ البَيعَ فكذلك الهِبةُ، ولأنَّ بمَوتِ الواهِبِ زالَ مِلكُه، وفاتَ تَسليطُه

стр. 7409

كالمُوكِّلِ، وأمَّا إذا ماتَ المَوهوبُ له فلأنَّه لمَّا ماتَ قبلَ قَبضِه لم يَكنْ مالِكًا له، فلم يَكنْ مَوروثًا عنه. واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه مالِكٌ عن ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائِشةَ ﵂ زَوجِ النَّبيِّ ﷺ أنَّها قالَت: «إنَّ أَبا بَكرٍ الصِّديقَ ﵁ نحَلَها جِدادَ عِشرينَ وَسقًا من مالٍ بالغابةِ فلمَّا حضَرَته الوَفاةُ قالَ: واللهِ يا بُنيةُ ما مِنْ الناسِ أحدٌ أحَبُّ إلَيَّ غِنًى بَعدي مِنكِ ولا أعَزُّ علَيَّ فَقرًا بَعدي مِنكِ، وإنِّي كُنْتُ نحَلتُك من مالي جِدادَ عِشرينَ وَسقًا، فلو كُنْتِ جَددتِيه واحتَزتِيه كانَ لك ذلك، وإنَّما هو مالُ الوارِثِ وإنَّما هو أَخواكِ وأُختاكِ، فاقتَسِموه على كِتابِ اللهِ، فقالَت: يا أبتِ، واللهِ لو كانَ كذا وكذا لتَركتُه، إنَّما هو أسماءُ، فمَن الأُخرى؟ قالَ: ذو بَطنِ بِنتِ خارِجةَ أُراها جاريةً» (١). قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: في حَديثِ عائِشةَ هذا أنَّ مَنْ شرَطَ صِحةَ الهِبةِ قبَضَ المَوهوبَ لها قبلَ مَوتِ الواهِبِ قبلَ المَرضِ الذي يَكونُ منه مَوتُه (٢). ورَوى مالِكُ بنُ أنَسٍ عن ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَبدٍ القاريِّ عن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ أنَّه قالَ: «ما بالُ رِجالٍ

стр. 7410

يَنحَلونَ أَبناءَهم نِحلًا ثم يُمسِكونَها، فإنْ ماتَ ابنُ أحدِهم قالَ: مالي بيَدي، لم أُعطِه أحدًا، وإنْ ماتَ هو قالَ: قد كُنْتُ أعطَيتُه إِياه، مَنْ نحَلَ نِحلةً لم يَحُزْها الذي نُحِلَها حتى تَكونَ إنْ ماتَ لوارِثِه فهي باطِلٌ» (١). قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: صَحَّ القَضاءُ من الخَليفتَينِ أَبي بَكرٍ وعُمرَ، ورُويَ ذلك عن عُثمانَ وعلِيٍّ أنَّ الهِبةَ لا تَصحُّ إلا بأنْ يَحوزَها المَوهوبُ له في حَياةِ الواهِبِ ويَنفرِدَ بها دونَه (٢). قالَ أَبو عبدِ اللهِ المَروزيُّ ﵀: اتَّفقَ أبو بَكرٍ وعُمرُ وعُثمانُ وعلِيٌّ ﵃ على أنَّ الهِبةَ لا تَصحُّ إلا مَقبوضةً (٣). قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: العُلماءُ اختَلَفوا هل القَبضُ شَرطُ صِحةٍ في صِحةِ العَقدِ أو لا؟ فاتفَقَ الثَّوريُّ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ أنَّ مِنْ شَرطِ صِحةِ الهِبةِ القَبضَ، وأنَّه إذا لم يُقبضْ لم يَلزمِ الواهِبَ. وقالَ مالِكٌ: يَنعقدُ بالقَبولِ ويُجبَرُ على القَبضِ كالبَيعِ سَواءً؛ فإنْ تأنَّى المَوهوبُ له عن طَلبِ القَبضِ حتى أفلَسَ الواهِبُ أو مرِضَ بطَلَت الهِبةُ، وله إذا باع تَفصيلٌ إنْ علِمَ فتَوانى لم يَكنْ له إلا الثَّمنُ، وإنْ قامَ في الفَورِ كانَ له المَوهوبُ.

стр. 7411

فالقَبضُ في الهِبةِ عندَ مالِكٍ من شُروطِ التَّمامِ، لا مِنْ شُروطِ الصِّحةِ، وهو عندَ الشافِعيِّ وأَبي حَنيفةَ من شُروطِ الصِّحةِ. وقالَ أَحمدُ وأبو ثَورٍ: تَصحُّ الهِبةُ بالعَقدِ وليسَ القَبضُ من شُروطِها أصلًا، لا مِنْ شَرطِ تَمامٍ ولا مِنْ شَرطِ صِحةٍ، وهو قَولُ أهلِ الظاهِرِ. وقد رُويَ عن أحمدَ بنِ حَنبلٍ أنَّ القَبضَ من شُروطِها في المَكيلِ والمَوزونِ. فعُمدةُ مَنْ لم يَشترطِ القَبضَ في الهِبةِ تَشبيهُها بالبَيعِ، وأنَّ الأصلَ في العُقودِ ألَّا قَبضَ مُشتَرطٌ في صِحتِها حتى يَقومَ الدَّليلُ على اشتِراطِ القَبضِ. وعُمدةُ مَنْ اشتَرطَ القَبضَ أنَّ ذلك مَرويٌّ عن أبي بَكرٍ ﵁ في حَديثِ هِبتِه لعائِشةَ المُتقدِّمِ، وهو نَصٌّ في اشتِراطِ القَبضِ في صِحةِ الهِبةِ. وما رَوى مالِكٌ عن عُمرَ أيضًا أنَّه قالَ: «ما بالُ رِجالٍ يَنحَلون أبناءَهم نِحَلًا ثم يُمسِكونَها، فإنْ ماتَ ابنُ أحدِهم قالَ: مالي بيَدي، لم أُعطِه أحدًا، وإنْ ماتَ هو قالَ: قد كُنْتُ أعطَيتُه إياه، مَنْ نحَلَ نِحلةً لم يَحُزْها الذي نُحِلَها حتى تَكونَ إنْ ماتَ لوارِثِه فهي باطِلٌ» (١). وهو قَولُ علِيٍّ ﵁، قالوا: وهو إِجماعٌ من الصَّحابةِ؛ لأنَّه لم يُنقَلْ عنهم في ذلك خِلافٌ. وأمَّا مالِكٌ فاعتمَدَ الأمرَينِ جَميعًا -أَعني القياسَ، وما رُويَ عن الصَّحابةِ- وجمَعَ بينَهما فمِن حيثُ هي عَقدٌ من العُقودِ لم يَكنْ عندَه شَرطًا

стр. 7412

من شُروطِ صِحتِها القَبضُ، ومِن حيثُ شرَطَ الصَّحابةُ فيه القَبضَ لسَدِّ الذَّريعةِ التي ذكَرَها عُمرُ جعَلَ القَبضَ فيها من شَرطِ التَّمامِ، ومن حَقِّ المَوهوبِ له، وأنَّه إنْ تَراخى حتى يَفوتَ القَبضُ بمَرضٍ أو إِفلاسٍ على الواهِبِ سقَطَ حَقُّه (١). شُروطُ صِحةِ قَبضِ الهِبةِ: اشترَطَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيةُ أنْ يَكونَ القَبضُ بإذنِ الواهِبِ؛ فإنْ قبَضَ بلا إذنٍ منه فلا يَصحُّ القَبضُ. قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ لصِحةِ القَبضِ أنْ يَكونَ القَبضُ بإذنِ المالِكِ؛ لأنَّ الإذنَ بالقَبضِ شَرطٌ لصِحةِ القَبضِ في بابِ البَيعِ، حتى لو قبَضَ المُشتَري

стр. 7413

من غيرِ إذنِ البائِعِ قبلَ نَقدِ الثَّمنِ كانَ للبائِعِ حَقُّ الاستِردادِ، فلَأنْ يَكونَ في الهِبةِ أَولى؛ لأنَّ البَيعَ يَصحُّ بدونِ القَبضِ والهِبةِ لا صِحةَ لها بدونِ القَبضِ، فلمَّا كانَ الإذنُ بالقَبضِ شَرطًا لصِحتِه فيما لا يَتوقَّفُ صِحتُه على القَبضِ فلَأنْ يَكونَ شَرطًا فيما يَتوقفُ صِحتُه على القَبضِ أَولى، ولأنَّ القَبضَ في بابِ الهِبةِ يُشبهُ الرُّكنَ، وإنْ لم يَكنْ رُكنًا على الحَقيقةِ، فيُشبهُ القَبولَ في بابِ البَيعِ، ولا يَجوزُ القَبولُ من غيرِ إذنِ البائِعِ ورِضاه، فلا يَجوزُ القَبضُ من غيرِ إذنِ الواهِبِ أيضًا، والإذنُ نَوعانِ: صَريحٌ ودِلالةٌ: أمَّا الصَّريحُ فنَحوَ أنْ يَقولَ: «اقبِضْ، أو أذِنتُ لك بالقَبضِ، أو رَضيتُ» وما يَجري هذا المَجرى، فيَجوزُ قَبضُه سَواءٌ قبَضَه بحَضرةِ الواهِبِ أو بغيرِ حَضرتِه استِحسانًا، والقياسُ ألَّا يَجوزَ قَبضُه بعدَ الافتِراقِ عن المَجلسِ. وَجهُ الاستِحسانِ أنَّ الإذنَ بقَبضِ الواهِبِ صَريحًا بمَنزلةِ إذنِ البائِعِ بقَبضِ المَبيعِ؛ لأنَّ تَمامَ الهِبةِ بالقَبضِ كما أنَّ تَمامَ البَيعِ بالقَبولِ، والقَبولُ لا يَحتاجُ إلى إذنِ المُوجِبِ بعدَ الإِيجابِ، فكذا الهِبةُ. وأمَّا الدِّلالةُ فهي أنْ يَقبضَ المَوهوبُ له العَينَ في المَجلسِ ولا يَنهاه الواهِبُ فيَجوزُ قَبضُه استِحسانًا، والقياسُ ألَّا يَجوزَ، كما لا يَجوزُ بعدَ الافتِراقِ. وَجهُ القياسِ أنَّ القَبضَ رُكنٌ في الهِبةِ كالقَبولِ فيها، وذلك يَختصُّ بالمَجلِسِ لا بعدَه، فإذا قبَضَ بعدَ ذلك لم يَجزْ، كما لو قبِلَ بعدَ المَجلسِ، ولأنَّ القَبضَ تَصرُّفٌ في مِلكِ الواهِبِ؛ إذْ مِلكُه قبلَ القَبضِ باقٍ، فلا يَصحُّ بدونِ إذنِه.

стр. 7414

وَجهُ الاستِحسانِ أنَّ الإذنَ بالقَبضِ وُجدَ من طَريقِ الدِّلالةِ؛ لأنَّ الإِقدامَ على إِيجابِ الهِبةِ إذنٌ بالقَبضِ؛ لأنَّه دَليلُ قَصدِ التَّمليكِ، ولا ثُبوتَ للمِلكِ إلا بالقَبضِ، فكانَ الإِقدامُ على الإِيجابِ إذنًا بالقَبضِ دِلالةً، والثابِتُ دِلالةً كالثابِت نَصًّا، بخِلافِ ما بعدَ الافتِراقِ؛ لأنَّ الإِقدامَ دِلالةُ الإذنِ بالقَبضِ في المَجلسِ لا بعدَ الافتِراقِ، ولأنَّ للقَبضِ في بابِ الهِبةِ شَبهًا بالرُّكنِ فيُشبهُ القَبولَ في بابِ البَيعِ، وإِيجابُ البَيعِ يَكونُ إذنًا بالقَبولِ في المَجلسِ لا بعدَ الافتِراقِ، فكذا إِيجابُ الهِبةِ يَكونُ إذنًا بالقَبضِ لا بعدَ الافتِراقِ. وإذا ماتَ الواهِبُ أو المَوهوبُ له قبلَ القَبضِ بطَلَت الهِبةُ، أمَّا الواهِبُ فلأنَّ بمَوتِه زالَ مِلكُه وفاتَ تَسليطُه كالمُوكِّلِ، وأمَّا إذا ماتَ المَوهوبُ له فلأنَّه لمَّا ماتَ قبلَ قَبضِه لم يَكنْ مالِكًا له فلم يَكنْ مَوروثًا عنه. ولو وهَبَ شَيئًا مُتصلًا بغيرِه مما لا تَقعُ عليه الهِبةُ كالثَّمرِ المُعلقِ على الشَّجرِ دونَ الشَّجرِ أو الشَّجرِ دونَ الأرضِ، أو حِليةِ السَّيفِ دونَ السَّيفِ، أو القَفيزِ من الصُّبرةِ أو الصُّوفِ على ظَهرِ الغَنمِ، وغيرِ ذلك مما لا جَوازَ للهِبةِ فيه إلا بالفَصلِ والقَبضِ، ففُصلَ وقُبضَ؛ فإنْ قُبضَ بغيرِ إذنِ الواهِبِ لم يَجُزِ القَبضُ، سَواءٌ كانَ الفَصلُ والقَبضُ بحَضرةِ الواهِبِ أو بغيرِ حَضرتِه، ولأنَّ الجَوازَ في المُنفصِلِ عندَ حَضرةِ الواهِبِ للإذنِ الثابِتِ دِلالةُ الإِيجابِ ولم يُوجدْ ههنا؛ لأنَّ الإِيجابَ لم يَقعْ صَحيحًا حين وُجودِه، فلا يَصحُّ الاستِدلالُ على الإذنِ بالقَبضِ، وإنْ قُبضَ بإذنِه يَجوزُ استِحسانًا، والقياسُ أنَّه لا يَجوزُ.

стр. 7415

وكذلك إذا وهَبَ دَينًا له على إِنسانٍ لآخَرَ، إنْ قبَضَ المَوهوبُ له بإذنِ الواهِبِ صَريحًا جازَ قَبضُه استِحسانًا، والقياسُ ألَّا يَجوزَ. وإنْ قبَضَه بحَضرتِه ولم يَنهَه عن ذلك لا يَجوزُ قِياسًا واستِحسانًا، وفَرقٌ بينَ العَينِ والدَّينِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: لا بدَّ أنْ يَكونَ القَبضُ بإذنِ الواهِبِ فيه إنْ لم يَقبِضْه الواهِبُ، سَواءٌ أكانَ في يَدِ المُتَّهبِ أو لا، فلو قبَضَ بلا إذنٍ ولا إِقباضٍ لم يَصحَّ القَبضُ ولم يَملِكْه ودخَلَ في ضَمانِه سَواءٌ أقبَضَه في مَجلسِ العَقدِ أو بعدَه، ولا بدَّ من إمكانِ السَّيرِ إليه إنْ كانَ غائِبًا، والزِّيادةُ الحادِثةُ من المَوهوبِ قبلَ قَبضِه للواهِبِ لبَقائِه عن مِلكِه. وإنْ أذِنَ له الواهِبُ ثم رجَعَ عنه قبلَ القَبضِ صَحَّ رُجوعُه، فلا يَصحُّ القَبضُ بعدَه، وكذا لو أذِن ثم ماتَ الآذِنُ أو المأذونُ قبلَ القَبضِ بطَلَ الإذنُ، وليسَ للرَسولِ إِيصالُ الهِبةِ أو الهَديةِ إلى المُتَّهَبِ أو وارِثِه إلا بإذنٍ جَديدٍ، وجُنونُ الواهِبِ وإغماؤُه والحَجرُ عليه كذلك (٢).

стр. 7416

وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَصحُّ قَبضُ الهِبةِ إلا بإذنِ الواهِبِ؛ فإنْ قبَضَها المَوهوبُ له بغيرِ إذنِه لم تَتمَّ الهِبةُ ولم يَصحَّ القَبضُ؛ لأنَّه قبَضَ الهِبةَ بغيرِ إذنِ الواهِبِ فلم يَصحَّ كما بعدَ المَجلسِ أو كما لو نَهاه عن قَبضِها، ولأنَّ التَّسليمَ غيرُ مُستحقٍّ على الواهِبِ فلا يَصحُّ التَّسليمُ إلا بإذنِه، كما لو أخَذَ المُشتَري المَبيعَ من البائِعِ قبلَ تَسليمِ ثَمنِه، ولا يَصحُّ جَعلُ الهِبةِ إذنًا في القَبضِ بدَليلِ ما بعدَ المَجلسِ. ولو أذِنَ الواهِبُ في القَبضِ ثم رجَعَ عن الإذنِ أو رجَعَ في الهِبةِ صَحَّ رُجوعُه؛ لأنَّ ذلك ليسَ بقَبضٍ، وإنْ رجَعَ بعدَ القَبضِ لم يَنفَعْ رُجوعُه؛ لأنَّ الهِبةَ تمَّتْ (١). قالَ المالِكيةُ: الهِبةُ تَملُّكٌ بالقَولِ على المَشهورِ، فيَجوزُ للمَوهوبِ له أخذُها بلا إذنِ الواهِبِ، وله طَلبُها منه حيثُ امتنَعَ، ولو عندَ حاكِمٍ ليُجبِرَه على تَمكينِ المَوهوبِ له منها (٢).

стр. 7417

إذا ماتَ الواهِبُ أو المَوهوبُ له بعدَ العَقدِ وقبلَ القَبضِ: اختَلفَ الفُقهاءُ -كما تقدَّمَ- فيما لو ماتَ الواهِبُ أو المَوهوبُ له بعدَ العَقدِ وقبلَ القَبضِ، هل تَبطُلُ الهِبةُ أو تَصحُّ ويَقومُ وارِثُه مَقامَه؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الهِبةَ تَبطُلُ بمَوتِ أحدِهما بعدَ العَقدِ وقبلَ التَّسليمِ؛ لأنَّه عَقدٌ جائِزٌ فبطَلَ بمَوتِ أحدِ المُتعاقدَين كالوَكالةِ والشَّركةِ؛ لأنَّ تَمامَ الهِبةِ بالقَبضِ، وكانَ القَبضُ في الهِبةِ كالقَبولِ في البَيعِ من حيثُ إنَّ المِلكَ يَثبُتُ به، فكما أنَّ مَوتَ أحدِهما بعدَ الإِيجابِ قبلَ القَبولِ يُبطِلُ البَيعَ، فكذلك الهِبةُ، ولأنَّ بمَوتِ الواهِبِ زالَ مِلكُه، وفاتَ تَسليطُه كالمُوكِّلِ، وأمَّا إذا ماتَ المَوهوبُ له فلأنَّه لمَّا ماتَ قبلَ قَبضِه: لم يَكنْ مالِكًا له، فلم يَكنْ مَوروثًا عنه (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّ الهِبةَ لا تَبطُلُ بمَوتِ الواهِبِ ولا المَوهوبِ له؛ لأنَّها تَؤولُ إلى اللُّزومِ كالبَيعِ المَشروطِ فيه الخِيارُ، وقامَ وارِثُه مَقامَه -أي: وارِثِ الواهِبِ- في الإقباضِ والإذنِ في القَبضِ، ووارِثُ المُتَّهبِ في القَبضِ؛ لأنَّه خَليفتُه، فعلى هذا إذا ماتَ الواهِبُ تخيَّرَ الوارِثُ في الإِقباضِ.

стр. 7418

أمَّا لو ماتَ أحدُهما بعدَ الإِيجابِ وقبلَ القَبولِ، أو ما يَقومُ مَقامَه بطَلَت وَجهًا واحدًا؛ لأنَّ المَيِّتَ إنْ كانَ هو الواهِبَ فقد انتقَلَ حَقُّه في الرُّجوعِ في الهِبةِ إلى وارِثِه فلم يَلزمْ بغيرِ إذنِه، وإنْ كانَ المَوهوبُ له لم يُوجدِ الإذنُ لوارِثِه فلم يَملِكِ القَبضَ بغيرِ إذنٍ (١). والصَّحيحُ في مَذهبِ الحَنابِلةِ أنَّ الهِبةَ لا تَبطُلُ بمَوتِ الواهِبِ، بل يَقومُ وارِثُه مَقامَه في الإذنِ والرُّجوعِ، وأمَّا إذا ماتَ المَوهوبُ له قبلَ قَبضِ الهِبةِ؛ فإنَّها تَبطُلُ، قالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي طالِبٍ وأَبي الحارِثِ في رَجلٍ أهدَى هَديةً فلم تَصِلْ إلى المُهدَى إليه حتى ماتَ؛ فإنَّها تَعودُ إلى صاحِبِها ما لم يَقبضْها. ورَوى بإِسنادِه عن أُمِّ كُلثومٍ بِنتِ سَلمةَ قالَت: لمَّا تَزوجَ رَسولُ اللهِ ﷺ أُمَّ سَلمةَ قالَ لها: «إنِّي قد أهدَيتُ إلى النَّجاشيِّ حُلةً وأواقيَّ من مِسكٍ، ولا أَرى النَّجاشيَّ إلا قد ماتَ، ولا أَرى هَديَّتي إلا مَردودةً علَيَّ؛

стр. 7419

فإنْ رُدَّت علَيَّ فهي لكِ» قالَت: فكانَ ما قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ ورُدَّت عليه هَديتُه، فأعطَى كلَّ امرأةٍ من نِسائِه أُوقيَّةً من مِسكٍ، وأعطى أُمَّ سَلمةَ بَقيةَ المِسكِ والحُلةَ (١). وإنْ ماتَ صاحِبُ الهَديةِ قبلَ أنْ تَصِلَ إلى المُهدَى إليه رجَعَت إلى وَرثةِ المُهدي، وليسَ للرَّسولِ حَملُها إلى المُهدَى إليه إلا أنْ يأذَنَ له الوارِثُ، ولو رجَعَ المُهدِي في هَديتِه قبلَ وُصولِها إلى المُهدَى إليه صَحَّ رُجوعُه فيها، والهِبةُ كالهَديةِ (٢). أمَّا المالِكيةُ فقالوا: إذا ماتَ الواهِبُ قبلَ أنْ يَقبضَ المَوهوبُ له الهِبةَ بطَلَت الهِبةُ؛ فإنْ ماتَ المَوهوبُ له قبلَه كانَ لوَرثتِه عندَه أنْ يَقوموا مَقامَه بالمُطالبةِ لها حتى يُسلِّمَ إليهم الواهِبُ. قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀ في «المُدونة»: مَنْ وهَبَ هِبةً لرَجلٍ فمات المَوهوبُ له قبلَ أنْ يَقبضَ فورَثتُه مَكانَه يَقبِضونَ هِبتَه، وليسَ للواهِبِ أنْ يَمتنِعَ من ذلك (٣).

стр. 7420

الهِبةُ تُرسَلُ مع الرَّسولِ فيَموتُ الواهِبُ أو المَوهوبُ له: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أرسَلَ الواهِبُ هِبةً إلى صَديقٍ له مَثلًا مع إِنسانٍ فماتَ الواهِبُ أو المَوهوبُ له قبلَ أنْ تَصِلَ الهِبةُ إلى المَوهوبِ له، هل تَلزمُ وتَكونُ للمَوهوبِ له أم تَرجعُ إلى الواهِبِ؟ وهل يَفترقُ الحُكمُ إذا أرسَلَها مع رَسولٍ أو وَكيلِ المَوهوبِ له أو لا؟ فقالَ المالِكيةُ: إذا استصحَبَ الواهِبُ هَديةً لشَخصٍ في سَفرِه لآخَرَ غائِبٍ عن بَلدِ المُهدي ثم ماتَ الواهِبُ، أو أرسَلَ الهَديةَ له مع شَخصٍ ثم ماتَ الواهِبُ -أي: المُستصحِبُ أو المُرسِلُ- قبلَ وُصولِه أو وُصولِ رَسولِه بطَلَت الهِبةُ، سَواءٌ كانت لمُعيَّنٍ أو غيرِه لعَدمِ الحَوزِ قبلَ المانِعِ. وكذا إنْ ماتَ المَوهوبُ له المُعيِّنُ لها، أي: الذي قصَدَ بها عَينَه دونَ وارِثِه بأنْ يَقولَ الواهِبُ: هي لفُلانٍ إنْ كانَ حَيًّا، سَواءٌ استَصحَبَها الواهِبُ معه أو أرسَلَها مع رَسولٍ، فتَبطُلُ الهِبةُ لعَدمِ القَبولِ من المَوهوبِ له، وتَرجعُ للواهِبِ إنْ كانَ حَيًّا أو لوارِثِه إنْ ماتَ. ومَحلُّ البُطلانِ ما لم يُشهِدِ الواهِبُ في الصُّورِ الأربَعِ، أمَّا إنْ أشهَدَ أنَّها هَديةٌ لفُلانٍ حينَ الإِرسالِ، أو حينَ الاستِصحابِ؛ فإنَّها لا تَبطُلُ بمَوتِ المُرسَلِ إليه، ويَقومُ وارِثُه مَقامَه، ولا بمَوتِ الواهِبِ، فهذه صُورٌ أربَعٌ أيضًا، ومَفهومُ المُعيَّنةِ له أنَّها إنْ لم تُعيَّنْ له بأنْ قالَ حينَ أرسلَهَا أو حين استَصحَبَها: «هذه الهِبةُ لفُلانٍ إنْ كانَ حَيًّا، أو لوَرثتِه إنْ كانَ مَيِّتًا»؛ فإنَّها لا تَبطُلُ بمَوتِ المَوهوبِ له سَواءٌ أشْهَدَ الواهِبُ أو لا.

стр. 7421

وكذا مَنْ دفَعَ مالًا لمَن يُفرِّقُه صَدقةً على الفُقراءِ والمَساكينِ ولم يُشهِدْ على ذلك، فلم يَتصدَّقْ به واستمَرَّ المالُ عندَه حتى ماتَ الواهِبُ؛ فإنَّ الصَّدقةَ تَبطلُ وتَرجعُ إلى وَرثةِ الواهِبِ أو المُتصدِّقِ، أمَّا إنْ أشْهَدَ على ذلك حين دفَعَ المالَ إلى مَنْ يَتصدَّقُ به؛ فإنَّ الهِبةَ لا تَبطُلُ بمَوتِ الواهِبِ أو المُتصدِّقِ وتَرجعُ للفُقراءِ والمَساكينِ وهي من رأسِ المالِ. وأمَّا بعدَ التَّفرقةِ فهي ماضيةٌ، فلو فرَّقَها أو بَعضَها بعدَ عِلمِه بالمانِعِ ضمِنَ الكُلَّ في الأولِ وما فُرِّقَ في الثاني (١). قالَ الحَطَّابُ ﵀: مَسألةٌ: مَنْ تَصدقَ على رَجلٍ بمِئةِ دِينارٍ وكتَبَ له كِتابًا لوَكيلِه ليَدفعَها إليه فقدِمَ على الوَكيلِ بالكِتابِ ودفَعَ إليه منها خَمسينَ وقالَ: «اذهَبْ، سأدفَعُ إليك الخَمسينَ الباقيةَ اليَومَ أو غَدًا»، فماتَ المُتصدِّقُ قبلَ أنْ يَقبِضَ المُتصدَّقُ عليه الخَمسينَ الباقيةَ من الوَكيلِ قالَ: لا شَيءَ له منها إذا لم يَقبِضْها حتى ماتَ المُتصدِّقُ، وليسَ له أكثَرُ من الخَمسينَ التي قبَضَها؛ لأنَّ التَّوكيلَ بمَنزِلتِه. ابنُ رُشدٍ: هذا بيِّنٌ؛ لأنَّ يَدَ الوَكيلِ كيَدِ مُوكِّلِه (٢).

стр. 7422

وقالَ الشافِعيةُ: لو بعَثَ شَخصٌ هَديةً إلى إِنسانٍ فماتَ المُهدَى إليه قبلَ وُصولِ الهَديةِ إليه بَقيَت الهَديةُ للمُهدِي؛ لأنَّها لا تُملَكُ إلا بالقَبضِ، بدَليلِ «أنَّه لمَّا ماتَ النَّجاشيُّ قبلَ وُصولِ ما أهداه رَسولُ اللهِ ﷺ رَدَّه له وقسَّمه بينَ زَوجاتِه». ولو ماتَ المُهدِي قبلَ وُصولِ ما أهداه للمُهدَى إليه لم يَكنْ للرَّسولِ حَملُها إلى المُهدَى إليه إلا بإذنِ الوارِثِ، وكذا المُسافِرُ إذا اشتَرى لأَصدقائِه هَدايا فماتَ قبلَ وُصولِها إليهم فهي له تَرِكةٌ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لو وهَبَ إِنسانٌ لغائِبٍ هِبةً وأنفَذَها مع رَسولِ المَوهوبِ له أو مع وَكيلِه ثم ماتَ الواهِبُ أو ماتَ المَوهوبُ له قبلَ وُصولِها إليه لزِمَ حُكمُها، وكانت للمَوهوبِ له؛ لأنَّ قَبضَ الرَّسولِ والوَكيلِ كقَبضِه فيَكونُ المَوتُ بعدَ لُزومِها فلا يُؤثِّرُ. وإنْ أنفَذَها الواهِبُ مع رَسولِ نَفسِه ثم ماتَ الواهِبُ قبلَ وُصولِها إلى المَوهوبِ له أو ماتَ المَوهوبُ له بطَلَت الهِبةُ، وكانت للواهِبِ ولوَرثتِه لعَدمِ القَبضِ، وكذلك الحُكمُ في الهَديةِ، نَصَّ على ذلك. قالَ أحمدُ في رِوايةِ أَبي طالِبٍ وأبي الحارِثِ في رَجلٍ أهدَى هَديةً فلم تَصِلْ إلى المُهدَى إليه حتى ماتَ؛ فإنَّها تَعودُ إلى صاحِبِها ما لم يَقبِضْها. ورَوى بإسنادِه عن أُمِّ كُلثومٍ بِنتِ سَلمةَ قالَت: لمَّا تَزوجَ رَسولُ اللهِ ﷺ أُمَّ سَلمةَ قالَ لها: «إنِّي قد أهدَيتُ إلى النَّجاشيِّ حُلةً وأواقيَّ

стр. 7423

من مِسكٍ، ولا أَرى النَّجاشيَّ إلا قد ماتَ، ولا أَرى هَديَتي إلا مَردودةً علَيَّ؛ فإنْ رُدَّت علَيَّ فهي لكِ» قالَت: فكانَ ما قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ ورُدَّت عليه هَديتُه، فأعطَى كلَّ امِرأةٍ من نِسائِه أُوقيةً من مِسكٍ، وأعطَى أُمَّ سَلمةَ بَقيةَ المِسكِ والحُلةَ (١). وبُطلانُ الهِبةِ إذا ماتَ الواهِبُ بعدَ بَعثِ رَسولِه بالهَديةِ لعَدمِ القَبولِ. وعلى هذا إذا ماتَ صاحِبُ الهِبةِ قبلَ أنْ تَصِلَ إلى المُهدَى إليه رجَعَت إلى وَرثةِ المُهدِي وليسَ للرَّسولِ حَملُها بعدَ مَوتِ الواهِبِ إلى المَوهوبِ له إلا أنْ يأذَنَ له الوارِثُ؛ لأنَّ الحَقَّ صارَ إليه، وكذا حُكمُ هَديةٍ وصَدقةٍ؛ لأنَّهما نَوعان من الهِبةِ، وإنْ ماتَ المُتَّهَبُ أو الواهِبُ قبلَ القَبولِ أو ما يَقومُ مَقامَه بطَلَ العَقدُ؛ لأنَّه لم يَتمَّ، وكذا لو جُنَّ أو أُغميَ عليه (٢). وقالَ الإمامُ البُخاريُّ في صَحيحِه: بابُ: إذا وهَبَ هِبةً أو وعَدَ ثم ماتَ قبلَ أنْ تَصِلَ إليه، وقالَ عُبيدةُ -أي: السَّلمانِيُّ-: إنْ ماتَ وكانَت فُصِلت الهَديةُ والمُهدَى له حَيٌّ فهي لوَرثتِه -أي: وَرثةِ المُهدَى له-، وإنْ لم تَكنْ فُصِلت فهي لوَرثةِ الذي أهدَى. وقالَ الحَسنُ: أيُّهما ماتَ قبلُ فهي لوَرثةِ المُهدَى له إذا قبَضَها الرَّسولُ.

стр. 7424

حدَّثَنا علِيُّ بنُ عبدِ اللهِ حدَّثَنا سُفيانُ حدَّثَنا ابنُ المُنكدِرِ سمِعتُ جابِرًا ﵁ قالَ: قالَ لي النَّبيُّ ﷺ : «لو جاءَ مالُ البَحرَين أعطَيتُك هكذا ثَلاثًا. فلم يَقدَمْ حتى تُوفِّيَ النَّبيُّ ﷺ فأمَرَ أَبو بَكرٍ مُناديًا فنادَى: مَنْ كانَ له عندَ النَّبيِّ ﷺ عِدةٌ أو دَينٌ فليَأتِنا، فأتَيتُه فقُلتُ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ وعَدَني، فحَثى لي ثلاثًا» (١). الرُّجوعُ بالهَديةِ إلى المَخطوبةِ أو النَّفقةِ عليها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو خطَبَ رَجلٌ امرأةً وأهدَى لها هَديةً أو أنفَقَ عليها نَفقةً، ثم لم يَتزوَّجْها لسَببٍ ما، هل له الرُّجوعُ فيما أَعطاها أو لا؟ فقالَ الحَنفيةُ: لو خطَبَ بِنتَ رَجلٍ وبعَثَ إليها شَيئًا ولم يُزوِّجْها أَبوها فما بعَثَ للمَهرِ يُسترَدُّ عَينُه قائِمًا فقط، وإنْ تغيَّرَ بالاستِعمالِ؛ لأنَّه مُسلطٌ عليه من قِبَلِ المالِكِ فلا يَلزمُ في مُقابلةِ ما انتقَصَ باستِعمالِه شَيءٌ أو قيمَتُه هالِكًا -أي: قيمَتُه وهو هالِكٌ-؛ لأنَّه مُعاوضةٌ ولم تَتمَّ فجازَ الاستِردادُ. وكذا كلُّ ما بُعثَ هَديةً وهو قائِمٌ دونَ الهالِكِ والمُستهلِكِ؛ لأنَّ فيه مَعنى الهِبةِ. والهَلاكُ والاستِهلاكُ مانِعٌ من الرُّجوعِ بها، وكذا يُشترطُ عَدمُ ما يَمنعُ من الرُّجوعِ، كما لو كانَ ثَوبًا فصَبَغتَه أو خالَطتَه. ولو أنفَقَ على مُعتدةِ الغيرِ على طَمعِ أنِ يَتزوَّجَها إذا انقَضَت عِدَّتُها فلمَّا انقَضَت أبَتْ ذلك إنْ شرَطَ في الإنفاقِ التَّزوُّجَ كأنْ يَقولَ «أُنفِقُ بشَرطِ

стр. 7425

أنْ تَتزوَّجيني» يَرجعُ، زوَّجَت نَفسَها أو لا، وكذا إذا لم يَشترطْ على الصَّحيحِ. وقيلَ: لا يَرجعُ إذا زوَّجَت نَفسَها وقد كانَ شرَطَه وصحَّحَ أيضًا، وإنْ أبَتْ ولم يَكنْ شرَطَه لا يَرجعُ على الصَّحيحِ. قالَ ابنُ نَجيمٍ ﵀: والحاصِلُ أنَّ المُعتمَدَ ما ذكَرَه العِماديُّ في «فُصولِه» أنَّها إنْ تَزوَّجَته لا رُجوعَ مُطلقًا، وإنْ أبَت فله الرُّجوعُ إنْ كانَ دفَعَ لها وإنْ أكلَتْ معه فلا مُطلَقًا (١). وجاءَ في «تَنقيحِ الفَتاوى الحامِديةِ» لابنِ عابِدين ﵀: (سُئِل) في رَجلٍ خطَبَ بِكرًا بالِغةً ثم بعَثَ إليها أَشياءَ هَديةً واستُهلِكت ولم يُزوِّجْها أبوها، ويُريدُ الرُّجوعَ بما بعَثَه، فهل ليسَ له ذلك؟ (الجَوابُ): ما بعثَ للمَهرِ يُسترَدُّ عَينُه قائِمًا أو قيمَتُه هالِكًا، وكذا ما بعَثَ هَديةً وهو قائِمٌ دونَ الهالِكِ والمُستهلَكِ، والمَسألةُ في «التَّنويرِ» من المَهرِ والحاوي الزاهِديِّ. أَقولُ: وفي «الفَتاوى الخَيرية»: سُئلَ في رَجلٍ خطَبَ من آخَرَ أُختَه، ودفَعَ لها شَيئًا يُسمَّى مِلاكًا ودَراهمَ أيضًا من عادةِ أهلِ الزَّوجةِ اتِّخاذُ طَعامٍ بها، ولم يَتمَّ أمرُ النِّكاحِ، هل للخاطِبِ أنْ يَرجعَ فيه أو لا؟ (أجابَ): نَعمْ، له أنْ يَرجعَ بذلك بشَرطِ عَدمِ الإذنِ منه؛ فإنْ أذِنَ لهم باتِّخاذِه وإِطعامِه للناسِ صارَ كأنَّه أطعَمَ الناسَ بنَفسِه طَعامًا له. وفيه: لا يَرجعُ.
следующие страницы →