وكذا مَنْ دفَعَ مالًا لمَن يُفرِّقُه صَدقةً على الفُقراءِ والمَساكينِ ولم يُشهِدْ على ذلك، فلم يَتصدَّقْ به واستمَرَّ المالُ عندَه حتى ماتَ الواهِبُ؛ فإنَّ الصَّدقةَ تَبطلُ وتَرجعُ إلى وَرثةِ الواهِبِ أو المُتصدِّقِ، أمَّا إنْ أشْهَدَ على ذلك حين دفَعَ المالَ إلى مَنْ يَتصدَّقُ به؛ فإنَّ الهِبةَ لا تَبطُلُ بمَوتِ الواهِبِ أو المُتصدِّقِ وتَرجعُ للفُقراءِ والمَساكينِ وهي من رأسِ المالِ.
وأمَّا بعدَ التَّفرقةِ فهي ماضيةٌ، فلو فرَّقَها أو بَعضَها بعدَ عِلمِه بالمانِعِ ضمِنَ الكُلَّ في الأولِ وما فُرِّقَ في الثاني (١).
قالَ الحَطَّابُ ﵀: مَسألةٌ: مَنْ تَصدقَ على رَجلٍ بمِئةِ دِينارٍ وكتَبَ له كِتابًا لوَكيلِه ليَدفعَها إليه فقدِمَ على الوَكيلِ بالكِتابِ ودفَعَ إليه منها خَمسينَ وقالَ: «اذهَبْ، سأدفَعُ إليك الخَمسينَ الباقيةَ اليَومَ أو غَدًا»، فماتَ المُتصدِّقُ قبلَ أنْ يَقبِضَ المُتصدَّقُ عليه الخَمسينَ الباقيةَ من الوَكيلِ قالَ: لا شَيءَ له منها إذا لم يَقبِضْها حتى ماتَ المُتصدِّقُ، وليسَ له أكثَرُ من الخَمسينَ التي قبَضَها؛ لأنَّ التَّوكيلَ بمَنزِلتِه.
ابنُ رُشدٍ: هذا بيِّنٌ؛ لأنَّ يَدَ الوَكيلِ كيَدِ مُوكِّلِه (٢).
стр. 7422
وقالَ الشافِعيةُ: لو بعَثَ شَخصٌ هَديةً إلى إِنسانٍ فماتَ المُهدَى إليه قبلَ وُصولِ الهَديةِ إليه بَقيَت الهَديةُ للمُهدِي؛ لأنَّها لا تُملَكُ إلا بالقَبضِ، بدَليلِ «أنَّه لمَّا ماتَ النَّجاشيُّ قبلَ وُصولِ ما أهداه رَسولُ اللهِ ﷺ رَدَّه له وقسَّمه بينَ زَوجاتِه».
ولو ماتَ المُهدِي قبلَ وُصولِ ما أهداه للمُهدَى إليه لم يَكنْ للرَّسولِ حَملُها إلى المُهدَى إليه إلا بإذنِ الوارِثِ، وكذا المُسافِرُ إذا اشتَرى لأَصدقائِه هَدايا فماتَ قبلَ وُصولِها إليهم فهي له تَرِكةٌ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لو وهَبَ إِنسانٌ لغائِبٍ هِبةً وأنفَذَها مع رَسولِ المَوهوبِ له أو مع وَكيلِه ثم ماتَ الواهِبُ أو ماتَ المَوهوبُ له قبلَ وُصولِها إليه لزِمَ حُكمُها، وكانت للمَوهوبِ له؛ لأنَّ قَبضَ الرَّسولِ والوَكيلِ كقَبضِه فيَكونُ المَوتُ بعدَ لُزومِها فلا يُؤثِّرُ.
وإنْ أنفَذَها الواهِبُ مع رَسولِ نَفسِه ثم ماتَ الواهِبُ قبلَ وُصولِها إلى المَوهوبِ له أو ماتَ المَوهوبُ له بطَلَت الهِبةُ، وكانت للواهِبِ ولوَرثتِه لعَدمِ القَبضِ، وكذلك الحُكمُ في الهَديةِ، نَصَّ على ذلك.
قالَ أحمدُ في رِوايةِ أَبي طالِبٍ وأبي الحارِثِ في رَجلٍ أهدَى هَديةً فلم تَصِلْ إلى المُهدَى إليه حتى ماتَ؛ فإنَّها تَعودُ إلى صاحِبِها ما لم يَقبِضْها.
ورَوى بإسنادِه عن أُمِّ كُلثومٍ بِنتِ سَلمةَ قالَت: لمَّا تَزوجَ رَسولُ اللهِ ﷺ أُمَّ سَلمةَ قالَ لها: «إنِّي قد أهدَيتُ إلى النَّجاشيِّ حُلةً وأواقيَّ
стр. 7423
من مِسكٍ، ولا أَرى النَّجاشيَّ إلا قد ماتَ، ولا أَرى هَديَتي إلا مَردودةً علَيَّ؛ فإنْ رُدَّت علَيَّ فهي لكِ» قالَت: فكانَ ما قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ ورُدَّت عليه هَديتُه، فأعطَى كلَّ امِرأةٍ من نِسائِه أُوقيةً من مِسكٍ، وأعطَى أُمَّ سَلمةَ بَقيةَ المِسكِ والحُلةَ (١). وبُطلانُ الهِبةِ إذا ماتَ الواهِبُ بعدَ بَعثِ رَسولِه بالهَديةِ لعَدمِ القَبولِ.
وعلى هذا إذا ماتَ صاحِبُ الهِبةِ قبلَ أنْ تَصِلَ إلى المُهدَى إليه رجَعَت إلى وَرثةِ المُهدِي وليسَ للرَّسولِ حَملُها بعدَ مَوتِ الواهِبِ إلى المَوهوبِ له إلا أنْ يأذَنَ له الوارِثُ؛ لأنَّ الحَقَّ صارَ إليه، وكذا حُكمُ هَديةٍ وصَدقةٍ؛ لأنَّهما نَوعان من الهِبةِ، وإنْ ماتَ المُتَّهَبُ أو الواهِبُ قبلَ القَبولِ أو ما يَقومُ مَقامَه بطَلَ العَقدُ؛ لأنَّه لم يَتمَّ، وكذا لو جُنَّ أو أُغميَ عليه (٢).
وقالَ الإمامُ البُخاريُّ في صَحيحِه: بابُ: إذا وهَبَ هِبةً أو وعَدَ ثم ماتَ قبلَ أنْ تَصِلَ إليه، وقالَ عُبيدةُ -أي: السَّلمانِيُّ-: إنْ ماتَ وكانَت فُصِلت الهَديةُ والمُهدَى له حَيٌّ فهي لوَرثتِه -أي: وَرثةِ المُهدَى له-، وإنْ لم تَكنْ فُصِلت فهي لوَرثةِ الذي أهدَى. وقالَ الحَسنُ: أيُّهما ماتَ قبلُ فهي لوَرثةِ المُهدَى له إذا قبَضَها الرَّسولُ.
стр. 7424
حدَّثَنا علِيُّ بنُ عبدِ اللهِ حدَّثَنا سُفيانُ حدَّثَنا ابنُ المُنكدِرِ سمِعتُ جابِرًا ﵁ قالَ: قالَ لي النَّبيُّ ﷺ : «لو جاءَ مالُ البَحرَين أعطَيتُك هكذا ثَلاثًا. فلم يَقدَمْ حتى تُوفِّيَ النَّبيُّ ﷺ فأمَرَ أَبو بَكرٍ مُناديًا فنادَى: مَنْ كانَ له عندَ النَّبيِّ ﷺ عِدةٌ أو دَينٌ فليَأتِنا، فأتَيتُه فقُلتُ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ وعَدَني، فحَثى لي ثلاثًا» (١).
الرُّجوعُ بالهَديةِ إلى المَخطوبةِ أو النَّفقةِ عليها:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو خطَبَ رَجلٌ امرأةً وأهدَى لها هَديةً أو أنفَقَ عليها نَفقةً، ثم لم يَتزوَّجْها لسَببٍ ما، هل له الرُّجوعُ فيما أَعطاها أو لا؟
فقالَ الحَنفيةُ: لو خطَبَ بِنتَ رَجلٍ وبعَثَ إليها شَيئًا ولم يُزوِّجْها أَبوها فما بعَثَ للمَهرِ يُسترَدُّ عَينُه قائِمًا فقط، وإنْ تغيَّرَ بالاستِعمالِ؛ لأنَّه مُسلطٌ عليه من قِبَلِ المالِكِ فلا يَلزمُ في مُقابلةِ ما انتقَصَ باستِعمالِه شَيءٌ أو قيمَتُه هالِكًا -أي: قيمَتُه وهو هالِكٌ-؛ لأنَّه مُعاوضةٌ ولم تَتمَّ فجازَ الاستِردادُ.
وكذا كلُّ ما بُعثَ هَديةً وهو قائِمٌ دونَ الهالِكِ والمُستهلِكِ؛ لأنَّ فيه مَعنى الهِبةِ.
والهَلاكُ والاستِهلاكُ مانِعٌ من الرُّجوعِ بها، وكذا يُشترطُ عَدمُ ما يَمنعُ من الرُّجوعِ، كما لو كانَ ثَوبًا فصَبَغتَه أو خالَطتَه.
ولو أنفَقَ على مُعتدةِ الغيرِ على طَمعِ أنِ يَتزوَّجَها إذا انقَضَت عِدَّتُها فلمَّا انقَضَت أبَتْ ذلك إنْ شرَطَ في الإنفاقِ التَّزوُّجَ كأنْ يَقولَ «أُنفِقُ بشَرطِ
стр. 7425
أنْ تَتزوَّجيني» يَرجعُ، زوَّجَت نَفسَها أو لا، وكذا إذا لم يَشترطْ على الصَّحيحِ. وقيلَ: لا يَرجعُ إذا زوَّجَت نَفسَها وقد كانَ شرَطَه وصحَّحَ أيضًا، وإنْ أبَتْ ولم يَكنْ شرَطَه لا يَرجعُ على الصَّحيحِ.
قالَ ابنُ نَجيمٍ ﵀: والحاصِلُ أنَّ المُعتمَدَ ما ذكَرَه العِماديُّ في «فُصولِه» أنَّها إنْ تَزوَّجَته لا رُجوعَ مُطلقًا، وإنْ أبَت فله الرُّجوعُ إنْ كانَ دفَعَ لها وإنْ أكلَتْ معه فلا مُطلَقًا (١).
وجاءَ في «تَنقيحِ الفَتاوى الحامِديةِ» لابنِ عابِدين ﵀: (سُئِل) في رَجلٍ خطَبَ بِكرًا بالِغةً ثم بعَثَ إليها أَشياءَ هَديةً واستُهلِكت ولم يُزوِّجْها أبوها، ويُريدُ الرُّجوعَ بما بعَثَه، فهل ليسَ له ذلك؟
(الجَوابُ): ما بعثَ للمَهرِ يُسترَدُّ عَينُه قائِمًا أو قيمَتُه هالِكًا، وكذا ما بعَثَ هَديةً وهو قائِمٌ دونَ الهالِكِ والمُستهلَكِ، والمَسألةُ في «التَّنويرِ» من المَهرِ والحاوي الزاهِديِّ.
أَقولُ: وفي «الفَتاوى الخَيرية»: سُئلَ في رَجلٍ خطَبَ من آخَرَ أُختَه، ودفَعَ لها شَيئًا يُسمَّى مِلاكًا ودَراهمَ أيضًا من عادةِ أهلِ الزَّوجةِ اتِّخاذُ طَعامٍ بها، ولم يَتمَّ أمرُ النِّكاحِ، هل للخاطِبِ أنْ يَرجعَ فيه أو لا؟ (أجابَ): نَعمْ، له أنْ يَرجعَ بذلك بشَرطِ عَدمِ الإذنِ منه؛ فإنْ أذِنَ لهم باتِّخاذِه وإِطعامِه للناسِ صارَ كأنَّه أطعَمَ الناسَ بنَفسِه طَعامًا له. وفيه: لا يَرجعُ.
стр. 7426
وفيها أيضًا مِنْ كِتابِ النَّفقةِ: (سُئِل): في رَجلٍ خطَبَ امرأةً وصارَ يُنْفِقُ عليها لتَتزوَّجَ به، وتَحقَّقَت أنَّه إنَّما يُنْفِقُ عليها ليَتزوَّجَها، ثم امتنَعَت عن التَّزوُّجِ به وتَزوَّجت بغيرِه، هل يَرجعُ بما أنفَقَ أو لا؟
(أجابَ): نَعمْ، يَرجعُ. قالَ في «الخانيةِ» بعدَ أنْ ذكَرَ القَولَينِ في المَسألةِ: قالَ المُصنفُ ﵀ تَعالى: ويَنبَغي أنْ يَرجعَ؛ لأنَّه إذا علِمَ أنَّه لو لم يَتزوَّجْها لا يُنْفِقُ عليها كانَ ذلك بمَنزلةِ الشَّرطِ وإنْ لم يَكنْ مَشروطًا لَفظًا.
قالَ في التَّتِمةِ: سُئلَ والدي عمَّن بعَثَ إلى أَبي الخَطيبةِ سُكَّرًا ولَوزًا وجَوزًا وتَمرًا، ثم ترَكَ الأبُ المُعاقَدةَ هل لهذا الخاطِبِ أنْ يَرجعَ باستِردادِ ما دفَعَ؟
فقالَ: إنْ فرَّقَ ذلك على الناسِ بإذنِ الدافِعِ فليسَ له حَقُّ الرُّجوعِ، وإنْ لم يأذَنْ له في ذلك فله ذلك.
وهو مُرجَّحٌ لمَا علَّله في «الخانيةِ» وهو ظاهِرُ الوَجهِ، فلا يَنبَغي أنْ يَعدِلَ عنه، واللهُ أعلَمُ. انتَهى ما في «الخَيرية» فليُتأمَّلْ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ الإهداءُ للمُعتدَّةِ من وَفاةٍ أو طَلاقِ غيرِه البائِنِ لا الإنفاقُ عليها، فيَحرُمُ كالمُواعَدةِ؛ فإنْ أهدَى أو أنفَقَ عليها ثم تَزوَّجت غيرَه لا يَرجعُ عليها بشَيءٍ، قالَ الشَّيخُ عُلَيشٌ: وفي «التَّوضيحِ» أنَّ غيرَ المُعتدَّةِ مِثلُها.
стр. 7427
وذكَرَ اللَّقانِيُّ ﵀ عن «البَيانِ» أنَّ ذلك إذا كانَ الإِعراضُ منه؛ فإنْ أعرَضَت عنه يَرجعُ عليها؛ لأنَّ الذي أعطَى لأجلِه لم يَتمَّ له.
وفي «المِعيار»: للرَّجلِ الرُّجوعُ بما أنفَقَ على المَرأةِ أو بما أعطَى في اختِلاعِها من الزَّوجِ الأولِ إذا جاءَ التَّعذُّرُ والامتِناعُ من قِبَلِها؛ لأنَّ الذي أعطَى من أجلِه لم يَثبُتْ له، وإنْ كانَ التَّعذُّرُ من قِبَلِه فلا رُجوعَ له عليها؛ لأنَّ التَّمكينَ كالاستِيفاءِ.
ولعَلَّ هذا كلَّه إنْ لم يَكنْ شَرطٌ ولا عُرفٌ بالرُّجوعِ وإلا عُملَ به اتِّفاقًا (١).
وجاءَ في «حاشية الصاوِي على الشَّرحِ الصَّغيرِ»: (و) جازَ (الإهداءُ فيها): أي: في العِدةِ كالخُضَرِ والفَواكهِ وغيرِها، لا النَّفقةِ.
فلو تزَوَّجت بغيرِه فلا رُجوعَ له عليها بشَيءٍ.
وكذا لو أهدَى أو أنفَقَ لمَخطوبةٍ غيرِ مُعتدةٍ ثم رجَعَت عنه، ولو كانَ الرُّجوعُ من جِهتِها إلا لعُرفٍ أو شَرطٍ.
وقيلَ: إنْ كانَ الرُّجوعُ من جِهتِها فله الرُّجوعُ عليها؛ لأنَّه في نَظيرِ شَيءٍ لم يَتمَّ، واستُظهِرَ.
قَولُه: (لا النَّفقةِ): أي: فلا يَجوزُ إِجراءُ النَّفقةِ عليها في العِدةِ بل يَحرمُ.
قَولُه: (واستُظهِرَ): أي استظهَرَ هذا التَّفصيلَ الشَّمسُ اللَّقانِيُّ (٢).
стр. 7428
وقالَ الخَرشيُّ ﵀: يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يُهديَ إلى المُعتدةِ هَديةً في عِدتِها؛ لأنَّ في الهَديةِ مَودةً، ولا يَكونُ كالتَّصريحِ بالخِطبةِ في العِدةِ بخِلافِ إجراءِ النَّفقةِ عليها؛ فإنْ أنفَقَ أو أهدَى ثم تزَوَّجت غيرَه لم يَرجعْ عليها بشَيءٍ، ومِثلُه لو أهدَى أو أنفَقَ لمَخطوبةٍ غيرِ مُعتدةٍ ثم تزَوَّجت غيرَه (١).
وقالَ الشافِعيةُ: مَنْ خطَبَ امرَأةً ثم أنفَقَ عليها نَفقةً ليَتزوَّجَها فله الرُّجوعُ بما أنفَقَه على مَنْ دفَعَه له، سَواءٌ كانَ مأكَلًا أو مَشربًا أو حَلوى أو حُليًّا، وسَواءٌ رجَعَ هو أو مُجيبُه، أو ماتَ أحدُهما؛ لأنَّه إنَّما أنفَقَه لأجلِ تَزوُّجِها فيَرجعُ به إنْ بقِيَ وببَدلِه إنْ تلِفَ.
ولو كانَ ذلك بقَصدِ الهَديةِ لا لأجلِ تَزوُّجِه بها لم يختَلفْ في عَدمِ الرُّجوعِ؛ لأنَّ قَرينةَ سَبقِ الخِطبةِ تُغلِّبُ على الظَّنِّ أنَّه إنَّما بعَثَ أو دفَعَ إليها لتَتمَّ تلك الخِطبةُ.
وقالوا: لو دفَعَ الخاطِبُ بنَفسِه أو وَكيلُه أو وَليُّه شَيئًا من مَأكولٍ أو مَشروبٍ أو مَلبوسٍ لمَخطوبَتِه أو وَليِّها ثم حصَلَ إِعراضٌ من الجانبَينِ أو من أحدِهما، أو مَوتٌ لهما أو لأحدِهما، رجَعَ الدافِعُ أو وارِثُه بجَميعِ ما دفَعَه إنْ كانَ قبلَ العَقدِ مُطلقًا، وكذا بعدَه إنْ طلَّقَ قبلَ الدُّخولِ أو ماتَ، لا إنْ ماتَت هي، ولا رُجوعَ بعدَ الدُّخولِ مُطلقًا (٢).
стр. 7429
وقالَ الحَنابِلةُ: وهَديةُ زَوجٍ ليسَت من المَهرِ نَصًّا، فما أَهداه الزَّوجُ من هَديةٍ قبلَ عَقدٍ إنْ وعَدوه بأنْ يُزوِّجوه ولم يَفوا بأنْ زوَّجوا غيرَه رجَعَ بها، قالَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ؛ لأنَّه بذَلَها في نَظيرِ النِّكاحِ ولم يُسلمْ له، وعُلمَ منه أنَّه إنِ امتنَعَ هو فلا رُجوعَ له كالمُجاعِلِ إذا لم يَفِ بالعَملِ.
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: فيما إنِ اتَّفقَ الخاطِبُ مع المَرأةِ ووَليِّها على النِّكاحِ من غيرِ عَقدٍ فأعطَى الخاطِبُ إياها لأجلِ ذلك شَيئًا من غيرِ الصَّداقِ فماتَت قبلَ العَقدِ فليسَ له استِرجاعُ ما أَعطاهم؛ لأنَّ عَدمَ التَّمامِ ليسَ من جِهتِهم، وعلى قِياسِ ذلك لو ماتَ الخاطِبُ فلا رُجوعَ لوَرثتِه.
وما قبَضَ بسَببِ النِّكاحِ كالذي يُسمونَه المأكَلةَ، فحُكمُه حُكمُ المَهرِ فيما يُسقطِهُ أو يُنصِّفُه أو يُقرِّرُه، ويَكونُ ذلك لها ولا يَملِكُ منه الوَليُّ شَيئًا، إلا أنْ تَهبَه له بشَرطِه، إلا الأبَ، فله أنْ يَأخذَ بالشَّرطِ وبلا شَرطٍ من مالِها ما شاءَ بشَرطِه، وما كُتبَ فيه المَهرُ لها ولو طُلِّقت، قالَه الشَّيخُ؛ لأنَّ العادةَ أخذُها له.
ولو فُسخَ النِّكاحُ في فُرقةٍ قَهريةٍ كالفَسخِ لفَقدِ كَفاءةٍ قبلَ الدُّخولِ رُدَّ إليه، أي: الزَّوجِ، كلُّ الصَّداقِ وما دفَعَه ولو هَديةً، نَصًّا، حَكاه الأثرَمُ لدِلالةِ الحالِ على أنَّه وهَبَ بشَرطِ بَقاءِ العَقدِ، فإذا زالَ مِلكُ الرُّجوعِ كالهِبةِ بشَرطِ الثَّوابِ.
قالَ البُهوتيُّ ﵀: قُلتُ: قِياسُ ذلك لو وهَبَته هي شَيئًا قبلَ الدُّخولِ ثم طلَّقَ ونَحوَه.
стр. 7430
وكذا يُردُّ إليه الكلُّ ولو هَديةً في فُرقةٍ اختياريةٍ مُسقِطةٍ للمَهرِ لمَا تقدَّمَ، وتَثبُتُ الهَديةُ للزَّوجةِ مع فَسخٍ للنِّكاحِ مُقرَّرٍ له -أي: الصَّداقِ- أو لنِصفِه، فلا رُجوعَ له في الهَديةِ إذَنْ؛ لأنَّ زَوالَ العَقدِ ليسَ من قِبَلِها.
وإنْ كانت العَطيةُ لغيرِ العاقِدَين بسَببِ العَقدِ كأُجرةِ الدَّلَّالِ ونَحوِها كأُجرةِ الكَيالِ والوَزانِ.
قالَ ابنُ عَقيلٍ في «النَّظرياتِ»: إنْ فُسخَ بَيعٌ بإقالةٍ ونَحوِها ممَّا يَقفُ على تَراضٍ من العاقدَينِ لم يَردَّ الدَّلَّالُ ما أخَذَه، وإنْ لم يَقِفِ الفَسخُ على تَراضيهما كالفَسخِ لعَيبٍ ونَحوِه رَدَّ الدَّلَّالُ ما أخَذَه؛ لأنَّ المَبيعَ وقَعَ مُتردِّدًا بينَ اللُّزومِ وعَدمِه، وقياسُ المَبيعِ نِكاحٌ فُسخَ لفَقدِ كَفاءةِ الزَّوجِ أو ظُهورِ عَيبٍ في أحدِهما فيَردُّه -أي: يَردُّ الخاطِبُ ما أخَذَه من الزَّوجَينِ أو مِنْ أحدِهما- بسَببِ تَوسُّطِه التَّزويجَ؛ لأنَّه أُخذَ على عَقدٍ لم يُسلَّمْ، ولا يُردُّ المأخوذُ إنِ انفسَخَ النِّكاحُ لرِدةٍ ورَضاعٍ ومُخالَعةٍ (١).
إذا وهَبَ شَيئًا (دَينًا أو وَديعةً أو مُستَعارًا أو مَرهونًا أو مَغصوبًا) لمَن هو في يَدِه أو لغيرِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وهَبَ الواهِبُ وَديعةً أو دَينًا أو مُستعارًا أو مَرهونًا أو مَغصوبًا لمَن هو في يَدِه أو لغيرِه، هل يَصحُّ أو لا؟ وهل يُشترطُ القَبولُ أو لا؟
стр. 7431
فعامةُ الفُقهاءِ على جَوازِ هِبةِ هذه الأعيانِ لمَن هي في يَدِه، وأمَّا لغيرِ مَنْ هي في يَدِه فلا يَصحُّ عندَ الشافِعيةِ في الأصَحِّ والحَنابِلةِ في المَذهبِ على تَفصيلٍ سيَأتي بَيانُه.
قالَ الحَنفيةُ: إذا كانَت العَينُ المَوهوبةُ في يَدِ المَوهوبِ له ملَكَها بالهِبةِ، ولا يُجدِّدُ فيها قَبضًا؛ لأنَّها في قَبضِه، والقَبضُ هو الشَّرطُ، فهِبةُ الوَديعةِ للمُودِعِ والعارِيةِ للمُستعيرِ والمَغصوبِ للغاصِبِ غيرُ مُحتاجةٍ إلى قَبضٍ جَديدٍ؛ لأنَّ المَوهوبَ حينَئذٍ في يَدِ المَوهوبِ له حَقيقةً، فلا يَحتاجُ إلى قَبضٍ آخَرَ، كما لو وهَبَ الأبُ لطِفلِه فهي هِبةٌ تامةٌ بالعَقدِ ولا تَحتاجُ إلى قَبضٍ جَديدٍ.
وكذا كلُّ أمانةٍ في يَدِ إِنسانٍ إذا وُهبَت له؛ فإنَّه يَجوزُ ويَثبتُ المِلكُ للمَوهوبِ له، ويَنوبُ قَبضُ الأمانةِ عن قَبضِ الهِبةِ وهذا استِحسانٌ، والقياسُ ألَّا يَكونَ قابِضًا حتى يَتمكَّنَ من قَبضِه بالتَّخليةِ، ووَجهُ الاستِحسانِ أنَّ الهِبةَ تَبرعٌ، وقَبضُ الأمانةِ يَنوبُ عنه بخِلافِ ما إذا باعَ من المُودِعِ؛ لأنَّ البَيعَ عَقدُ ضَمانٍ، وقَبضُ الأمانةِ لا يَنوبُ عن قَبضِ الضَّمانِ.
ولو كانت العَينُ مَضمونةً في يَدِ إِنسانٍ بالمِثلِ أو بالقيمةِ كما في الغَصبِ والمَقبوضِ على سَومِ الشِّراءِ فوهَبَها من صاحِبِ اليَدِ تَصحُّ الهِبةُ ويُبرأُ عن الضَّمانِ، فيَكونُ قَبضًا غيرَ مَضمونٍ.
ولو كانَت مَضمونةً بغيرِها كالرَّهنِ والمَبيعِ فوهَبَها المالِكُ لمَن هي في يَدِه؛ فإنَّه لا يَكونُ قابِضًا بذلك ما لم يَقبِضْها قَبضًا مُستأنَفًا بعدَ عَقدِ الهِبةِ؛
стр. 7432
لأنَّها إذا كانَت مَضمونةً بغيرِها لم تَصحَّ البَراءةُ عنها بالهِبةِ فلا يَصيرُ قَبضَ أمانةٍ، ولا بدَّ من تَجانُسِ القَبضَينِ حتى يَتساوَيا.
والأصلُ أنَّه متى تَجانَسَ القَبضانِ نابَ أحَدُهما عن الآخَرِ، وإذا اختَلَفا نابَ المَضمونُ عن غيرِ المَضمونِ، ولا يَنوبُ غيرُ المَضمونِ عن المَضمونِ، وبَيانُه إذا كانَ الشَّيءُ مَغصوبًا في يَدِه أو مَقبوضًا بالبَيعِ الفاسِدِ ثم باعَه منه بَيعًا صَحيحًا جازَ، ولا يَحتاجُ إلى قَبضٍ آخَرَ؛ لاتِّفاقِ القَبضَينِ، وكذا إذا كانَ عارِيةً أو وَديعةً فوهَبَه له لا يَحتاجُ إلى قَبضٍ آخَرَ؛ لاتِّفاقِهما؛ لأنَّ كلَيهِما أمانةٌ.
ولو كانَ مَغصوبًا في يَدِه أو مَقبوضًا بالعَقدِ الفاسِدِ فوهَبَه من صاحِبِ اليَدِ لا يَحتاجُ إلى قَبضٍ آخَرَ، وإنْ كانَ وَديعةً أو عارِيةً فباعَه منه؛ فإنَّه يَحتاجُ إلى قَبضٍ جَديدٍ؛ لأنَّ قَبضَ الأمانةِ لا يَنوبُ عن المَضمونِ.
أمَّا إذا كانت رَهنًا؛ فإنَّه يَحتاجُ إلى تَجديدِ القَبضِ، ورُوي أنَّه لا يَحتاجُ.
قالوا: وتَجوزُ هِبةُ الدَّينِ لمَن عليه الدَّينُ قِياسًا واستِحسانًا، وإذا وهَبَ دَينًا له عليه فقبِلَه لم يَكنْ له أنْ يَرجعَ فيه؛ لأنَّه سقَطَ عنه؛ فإنَّه قابِضٌ للدَّينِ بذِمَّتِه فيَملكُ بالقَبولِ، ومَن ملَكَ دَينًا عليه سقَطَ ذلك عنه، والساقِطُ يَكونُ مُتلاشيًا، فلا يَتحقَّقُ الرُّجوعُ فيه كما لو كانَ عَينًا فهلَك عندَه.
فإنْ قالَ المَوهوبُ له مُجيبًا له: لا أقبَلُها، فالدَّينُ عليه بحالِه؛ لأنَّه رَدٌّ للهِبةِ.
стр. 7433
وأمَّا هِبةُ الدَّينِ لغيرِ مَنْ عليه الدَّينُ فجائِزةٌ أيضًا إذا أذِنَ له بالقَبضِ وقبَضَه استِحسانًا، والقِياسُ ألَّا يَجوزَ وإنْ أذِن له بالقَبضِ.
وَجهُ القِياسِ أنَّ القَبضَ شَرطُ جَوازِ الهِبةِ، وما في الذِّمةِ لا يَحتملُ القَبضَ بخِلافِ ما إذا وُهبَ لمَن عليه؛ لأنَّ الدَّينَ في ذِمَّتِه، وذِمتُه في قَبضِه، فكانَ الدَّينُ في قَبضِه بواسِطةِ قَبضِ الذِّمةِ.
وَجهُ الاستِحسانِ أنَّ ما في الذِّمةِ مَقدورُ التَّسليمِ والقَبضِ، ألَا تَرى أنَّ المَدينَ يُجبَرُ على تَسليمِه إلا إنْ قبَضَه بقَبضِ العَينِ، فإذا قبَضَ العَينَ قامَ قَبضُها مَقامَ قَبضِ عَينِ ما في الذِّمةِ، إلا أنَّه لا بدَّ من الإذنِ بالقَبضِ صَريحًا، ولا يُكتَفى فيه بالقَبضِ بحَضرةِ الواهِبِ بخِلافِ هِبةِ العَينِ.
ولأنَّ الواهِبَ لمَّا أمَرَه بالقَبضِ جعَلَه نائِبًا عن نَفسِه في القَبضِ، فيَقعُ قَبضُ المَوهوبِ للواهِبِ أولًا ثم لنَفسِه، أو أنَّ عَملَ الهِبةِ ما بعدَ القَبضِ، وبعدَ القَبضِ هو مالٌ مَحلٌّ للتَّمليكِ بخِلافِ البَيعِ؛ لأنَّ أوانَ عَملِه للحالِ، فهو في الحالِ ليسَ بمَحلِّ التَّمليكِ.
وإنْ كانَ المَوهوبُ له غائِبًا فلم يَعلمْ بالهِبةِ حتى ماتَ جازَتِ الهِبةُ وبَرئَ عما كانَ عليه؛ لأنَّ الهِبةَ تَنفرِدُ بالواحِدِ فتَتمُّ بالإِيجابِ، وإنَّما تَبطُلُ بالرَّدِّ، وقد فاتَ الرَّدُّ فبَقيَت (١).
стр. 7434
وقالَ المالِكيةُ: مَنْ وهَبَ شيئًا لمَن هو في يَدِه عارِيةً أو وَديعةً أو دَينًا عليه؛ فإنْ علِمَ المَوهوبُ له وقبِلَ قبلَ مَوتِ الواهِبِ صحَّتِ الهِبةُ اتِّفاقًا، وإنْ لم يَقُلْ: «قبِلتُ»، حتى ماتَ الواهِبُ ثم قبِلَ بعدَ مَوتِ الواهِبِ أو لم يَقبَلْ بطَلَت عندَ ابنِ القاسِمِ، وهو المَذهبُ؛ لأنَّها لم تَنتقِلْ إلى مِلكِ المَوهوبِ له قبلَ مَوتِ الواهِبِ؛ إذِ القَبولُ شَرطٌ في النَّقلِ. وقالَ أشهَبُ: تَصحُّ وهي للمَوهوبِ له؛ لأنَّ كَونَها بيَدِه أحوَزُ للحيازةِ إلا أنْ يَقولَ: «لا أقبَلُ».
وإنْ لم يَعلمْ بالهِبةِ حتى ماتَ الواهِبُ بطَلَت اتِّفاقًا -إلا على رِوايةِ أنَّ الهِبةَ لا تَفتقِرُ لقَبولٍ- ولا يُعذرُ بعَدمِ العِلمِ.
فإنِ ادَّعى القَبولَ قبلَ مَوتِ الواهِبِ ونازَعَه الوارِثُ فعليه البَيانُ، فإنْ لم يأتِ ببَيِّنةٍ؛ فإنَّ الهِبةَ تَبطُلُ لعَدمِ الحَوزِ الذي هو شَرطٌ في صِحةِ مِلكِ الهِبةِ، وتَرجعُ الهِبةُ حينَئذٍ إلى وَرثةِ الواهِبِ، ولا يُقالُ: الحَوزُ حاصِلٌ له؛ لأنَّا نَقولُ: حَوزُه أولًا إنَّما كانَ لحَقِّ غيرِه وهو المُودِعُ الواهِبُ، فيَدُه كيَدِ الواهِبِ، فكأنَّها باقيةٌ بيَدِ الواهِبِ حتى ماتَ. ومِثلُ الوَديعةِ الدَّينُ والعارِيةُ من عَقارٍ أو حَيوانٍ أو غيرِ ذلك.
فإنْ وهبَها لغيرِ مَنْ هي في يَدِه ولم يَحُزْ حتى ماتَ بطَلَت في الأقسامِ الثَّلاثةِ، وهي: ما إذا علِمَ وقبِلَ قبلَ مَوتِه، أو علِمَ قبلَ مَوتِه وقبِلَ بعدَه، أو لم يَعلمْ ولم يَقبلْ إلا بعدَ مَوتِه (١).
стр. 7435
وقالَ الشافِعيةُ: تَصحُّ هِبةُ الوَديعةِ لمَن هي عندَه ولا تَحتاجُ إلى إذنٍ في قَبضِها على الصَّحيحِ، وكذا المُستعارُ لغَيرِ المُستعيرِ، والمَغصوبُ لغيرِ الغاصِبِ إذا قدَرَ على الانتِزاعِ، وإلا فلا.
وتَصحُّ هِبةُ الدَّينِ لمَن هو في ذِمَّتِه أو التَّصدُّقُ به عليه، وهو إِبراءٌ له منه، ولا يَحتاجُ إلى قَبولٍ على الأصَحِّ نَظرًا إلى المَعنى.
وقيلَ: يَفتقِرُ إلى القَبولِ ولا يَلزمُ حتى تَمضيَ مُدةٌ يَتأتَّى فيها القَبضُ نَظرًا إلى اللَّفظِ.
وإنْ وهَبَ مَنْ له الدَّينُ دَينَه لغيرِ مَنْ هو عليه، وكانَ الدَّينُ مُستقِرًّا أو على مَليءٍ باذِلٍ ففيه وَجهانِ:
أصَحُّهما: أنَّ الهِبةَ باطِلةٌ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ على تَسليمِه، وإنَّما يُقبضُ من الدُّيونِ عَينٌ لا دَينٌ، والقَبضُ في الهِبةِ إنَّما يَكونُ فيما ورَدَ العَقدُ عليه.
والثاني: أنَّ الهِبةَ صَحيحةٌ؛ لأنَّ الذِّممَ تَجري مَجرى الأَعيانِ، بدَليلِ أنَّ الرَّجلَ يَبتاعُ بعَينِ مالِه ويَبتاعُ بثَمنٍ في ذِمَّتِه، وكذلك يَبيعُ عَينَ مالِه ويَبيعُ ما في ذِمَّتِه، وما جاز بَيعُه وابتِياعُه جازَت هِبتُه.
فإذا قُلنا بهذا: فهل يَفتقِرُ لُزومُ الهِبةِ إلى الإذنِ بالقَبضِ، وإلى القَبضِ؟ فيه وَجهانِ:
стр. 7436
أحَدُهما: يَفتقِرُ إلى ذلك؛ لأنَّ هذا شَرطٌ في لُزومِ الهِبةِ في العَينِ، فكذلك في الدَّينِ.
والثاني: لا يَفتقِرُ إلى ذلك، وهو الأصَحُّ، كالحَوالةِ لا يُعتبَرُ فيها القَبضُ.
وأمَّا الدَّينُ غيرُ المُستقِرِّ فلا يَصحُّ هِبتُه لغيرِ مَنْ هو عليه قَطعًا.
ولو وهَبَ لفَقيرٍ دَينًا عليه أو على غيرِه بنِيَّةِ الزَّكاةِ لم يَقعْ عنها؛ لأنَّ ذلك فيما عليه إبدالٌ، وهو لا يَجوزُ، وفيما على غيرِه تَمليكٌ، وهو لا يَجوزُ أيضًا، ولو قالَ: «تصَدَّقتُ بمالي عليكَ»، برِئَ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ أبرَأَ الغَريمُ غَريمَه من دَينِه أو وهَبَه له أو أحَلَّه منه برِئَ وإنْ رَدَّ ذلك ولم يَقبلْ؛ لأنَّه إِسقاطٌ فلم يَفتقِرْ إلى القَبولِ كإِسقاطِ القِصاصِ والشُّفعةِ وحَدِّ القَذفِ، وكالعِتقِ والطَّلاقِ، وكذلك إنْ قالَ: «تصَدَّقتُ به عليكَ»؛ فإنَّ القُرآنَ ورَدَ في الإِبراءِ بلَفظِ الصَّدقةِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، وإنْ قالَ: «عفَوتُ لك عنه»، صَحَّ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يُريدُ به الإِبراءَ من الصَّداقِ؛ فإنْ قالَ:
стр. 7437
«أسقَطتُه عنكَ» صَحَّ؛ لأنَّه أَتى بحَقيقةِ اللَّفظِ، وكذلك إنْ قالَ: «ملَّكتُكَ»؛ لأنَّه بمَنزلةِ هِبتِه إياه.
فإنْ وهَبَ الدَّينَ لغَيرِ مَنْ هو في ذِمَّتِه لم يَصحَّ على الصَّحيحِ من المَذهبِ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ على تَسليمِه قِياسًا على البَيعِ، ولأنَّ الهِبةَ تَقتَضي وُجودَ مُعيَّنٍ وهو مُنتَفٍ هنا، إلا لضامِنِه؛ فإنَّها تَصحُّ لتَعلُّقِه في ذِمَّتِه.
ويَحتملُ أنْ يَصحَّ؛ لأنَّه لا غَررَ فيها على المُتَّهبِ ولا الواهِبِ، فصَحَّ كهِبةِ الأَعيانِ.
ولا تَصحُّ هِبةُ ما لا يُقدَرُ على تَسليمِه كمَغصوبٍ لغيرِ غاصِبِه، أو قادِرٍ على أخذِه منه كبَيعِه، وكذا آبِقٌ وشارِدٌ وطَيرٌ في الهَواءِ وسَمكٌ بماءٍ ومَرهونٌ؛ لأنَّ ذلك لا يَتأهَّلُ للقَبضِ، والقَبضُ من ماهيةِ العَقدِ فلا يَقعُ العَقدُ عليه، والمَرهونُ يَتعذَّرُ تَسليمُه شَرعًا (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ وهَبَه شَيئًا في يَدِ المُتَّهبِ كوَديعةٍ أو مَغصوبٍ فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّ الهِبةَ تَلزمُ من غيرِ قَبضٍ ولا مُضيِّ مُدةٍ يَتأتَّى القَبضُ فيها؛ فإنَّه قالَ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ: إذا وهَبَ لامرأتِه شَيئًا ولم تَقبِضْه فليسَ بينَه وبينَها خيارٌ، هي معه في البَيتِ. فظاهِرُ هذا أنَّه لم يُعتبَرْ قَبضًا ولا مُضيَّ مُدةٍ يَتأتَّى القَبضُ فيها لكَونِها معه في البَيتِ فيَدُها على ما فيه.
стр. 7438
وقالَ القاضِي: لا بدَّ من مُضيِّ مُدةٍ يَتأتَّى فيها القَبضُ، وقد رُويَ عن أحمدَ رِوايةٌ أُخرى أنَّه يَفتقِرُ إلى إذنٍ في القَبضِ، وقد مضَى تَعليلُ ذلك وتَفصيلُه في الرَّهنِ.
ومَذهبُ الشافِعيِّ كمَذهبِنا في الاختِلافِ في اعتِبارِ الإذنِ واعتِبارِ مُضيِّ مُدةٍ يَتأتَّى القَبضُ فيها (١).
وقالَ الإمامُ البُخاريُّ في «صَحيحِه»: بابُ إذا وهَبَ دَينًا على رَجلٍ: قالَ شُعبةُ عن الحَكمِ هو جائِزٌ، ووهَبَ الحَسنُ بنُ علِيٍّ ﵉ لرَجلٍ دَينَه، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ كانَ له عليه حَقٌّ فليُعطِه أو ليَتحلَّلْه منه». فقالَ جابِرٌ: قُتلَ أَبي وعليه دَينٌ، فسألَ النَّبيُّ ﷺ غُرماءَه أنْ يَقبَلوا ثَمرَ حائِطي ويُحلِّلوا أَبي.
حدَّثَنا عَبدانُ أخبَرَنا عبدُ اللهِ أخبَرَنا يُونُسُ وقالَ اللَّيثُ حدَّثَني يُونُسُ عن ابنِ شِهابٍ قالَ: «حدَّثَني ابنُ كَعبِ بنِ مالِكٍ أنَّ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ ﵄ أخبَرَه أنَّ أباه قُتلَ يَومَ أُحُدٍ شَهيدًا، فاشتَدَّ الغُرماءُ في حُقوقِهم، فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فكلَّمتُه، فسألَهم أنْ يَقبَلوا ثَمرَ حائِطي ويُحلِّلوا أبي، فأبَوْا، فلم يُعطِهم رَسولُ اللهِ ﷺ حائِطي ولم يَكسِرْه لهم، ولكنْ قالَ: سأغدو عليكَ إنْ شاءَ اللهُ. فغَدا علينا حين أصبَحَ فطافَ في النَّخلِ ودَعا في ثَمرِه بالبَركةِ، فجَدَدتُها فقضَيتُهم حُقوقَهم وبَقيَ لنا من ثَمرِها بَقيةٌ، ثم جِئتُ رَسولَ اللهِ ﷺ وهو جالِسٌ، فأخبَرتُه بذلك،
стр. 7439
فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لعُمرَ: اسمَعْ -وهو جالِسٌ- يا عُمرَ، فقالَ: ألَا يَكونُ؟ قد علِمْنا أنَّك رَسولُ اللهِ، واللهِ إنَّك لرَسولُ اللهِ» (١).
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قَولُه: بابُ إذا وهَبَ دَينًا على رَجلٍ، أي: صَحَّ، ولو لم يَقبِضْه منه، ويَقبِضْ له، قالَ ابنُ بَطالٍ ﵀ (٢): لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في صِحةِ الإِبراءِ من الدَّينِ إذا قبِلَ البَراءةَ. قالَ: وإنَّما اختَلَفوا إذا وهَبَ دَينًا له على رَجلٍ لرَجلٍ آخَرَ، فمَن اشتَرطَ في صِحةِ الهِبةِ القَبضَ لم يُصحِّحْ هذه، ومَن لم يَشترطْه صحَّحَها، لكنَّ شَرطَ مالِكٍ أنْ تُسلمَ إليه الوَثيقةُ بالدَّينِ ويُشهَدَ له بذلك على نَفسِه أو يُشهدَ بذلك ويُعلِنَه أنْ لم يَكنْ به وَثيقةٌ. وعندَ الشافِعيةِ في ذلك وَجهان: جزَمَ الماوَرديُّ بالبُطلانِ وصحَّحَه الغَزاليُّ ومَن تبِعَه، وصحَّحَ العَمرانِيُّ وغيرُه الصِّحةَ. قيلَ: والخِلافُ مُرتَّبٌ على البَيعِ إنْ صحَّحْنا بَيعَ الدَّينِ من غيرِ مَنْ عليه فالهِبةُ أَولى، وإنْ منَعناه ففي الهِبةِ وَجهان، واللهُ أعلَمُ.
قَولُه: وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ كانَ عليه حَقٌّ فليُعطِه أو ليَتحلَّلْه منه»، أي مِنْ صاحِبِه، ووَجهُ الدِّلالةِ منه لجَوازِ هِبةِ الدَّينِ أنَّه ﷺ سوَّى بينَ أنْ يُعطيَه إياه وأنْ يُحلِّلَه منه، ولم يَشترطْ في التَّحليلِ قَبضًا.
قَولُه: وقالَ جابِرٌ: قُتلَ أَبي … إلخ، وصَلَه في البابِ بأتَمَّ منه، وتُؤخذُ التَّرجمةُ من قَولِه: فسألَ النَّبيُّ ﷺ غُرماءَ والِدِ جابِرٍ أنْ يَقبَلوا ثَمرَ
стр. 7440
حائِطِه وأنْ يُحلِلوه، فلو قبِلوا كانَ في ذلك بَراءةُ ذمَّتِه من بَقيةِ الدَّينِ، ويَكونُ في مَعنى التَّرجمةِ، وهو هِبةُ الدَّينِ، ولو لم يَكنْ جائِزًا لمَا طلَبَه النَّبيُّ ﷺ (١).
وقالَ ابنُ القَطانِ الفاسيُّ ﵀: وإنْ وهَبَ الرَّجلُ مالَه على الرَّجلِ وأبرَأه وقبِلَ البَراءةَ فذلك جائِزٌ لا أعلَمُ فيه خِلافًا (٢).
البَراءةُ من المَجهولِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ البَراءةِ من المَجهولِ كمَن له دَينٌ عندَ إِنسانٍ لا يَعرفُ مِقدارَه، هل يَصحُّ إبراؤُه منه مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ يَقدِرُ على مَعرِفتِه أو لا يَقدِرُ، أو لا يَجوزُ إنْ كانَ يَقدِرُ على مَعرفتِه، ويَجوزُ إنْ كانَ لا يَقدِرُ، أو لا يَجوزُ مُطلقًا سَواءٌ كانَ يَقدِرُ أو لا يَقدِرُ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى صِحةِ البَراءةِ من المَجهولِ مُطلقًا، سَواءٌ كانَ يَقدِرُ على مَعرفتِه أو لا يَقدِرُ؛ لمَا رَواه أحمدُ وأَبو داودَ وغَيرُهما عن أُمِّ سَلمةَ ﵂ قالَت: جاءَ رَجلانِ يَختصِمانِ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ في مَواريثَ بينَهما قد درَسَت ليسَ بينَهما بَيِّنةٌ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّكم تَختصِمون إلَيَّ، وإنَّما أنا بَشَرٌ، ولعلَّ بَعضَكم ألحَنُ بحُجتِه من بَعضٍ، وإنَّما أَقضي بينَكم على نَحوٍ مما أسمَعُ، فمَن قضَيتُ له من حَقِّ أَخيه شَيئًا فلا يأخُذْه، فإنَّما
стр. 7441
أقطَعُ له قِطعةً من النارِ يَأتي بها أَسطامًا في عُنقِه يَومَ القيامةِ». فبَكى الرَّجلانِ وقالَ كلُّ واحِدٍ منهما: حَقِّي لأَخي، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أمَا إذا قُلتُما فاذهَبا فاقتَسِما ثم تَوخَّيا الحَقَّ ثم استَهِما، ثم ليُحلِلْ كلُّ واحِدٍ منكما صاحِبَه» (١). ولأنَّه إسقاطٌ صَحَّ في المَجهولِ، وكما لو قالَ: «من دِرهمٍ إلى ألفٍ»، ولأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى تَبرئةِ الذِّمةِ ولا سَبيلَ إلى العِلمِ بما فيها، فلو وقَفَت صِحةُ البَراءةِ على العِلمِ لكانَ سَدًّا لبابِ عَفوِ الإِنسانِ عن أَخيه المُسلمِ وتَبرئةً لذِمَّتِه، فلم يَجزْ ذلك كالمَنعِ من العِتقِ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: والدَّليلُ على جَوازِ الإِبراءِ من الحُقوقِ المَجهولةِ ما رُويَ أنَّ رَجلَين اختصَما -ثم ذكَرَ الحَديثَ السابِقَ- ثم قالَ: وعلى هذا إِجماعُ المُسلِمينَ من استِحلالِ مُعامَلاتِهم في آخِرِ أَعمارِهم في سائِرِ الأَعصارِ من غيرِ إِنكارٍ (٢).
стр. 7442
وقالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: الفَرقُ الرابِعُ والعِشرونَ بينَ قاعِدةِ ما تُؤثِّرُ فيه الجَهالاتُ والغَررُ وقاعِدةِ ما لا يُؤثِّرُ فيه ذلك من التَّصرُّفاتِ.
ورَدَت الأَحاديثُ الصَّحيحةُ في نَهيِه ﵇ عن بَيعِ الغَررِ وعن بَيعِ المَجهولِ، واختَلفَ العُلماءُ بعدَ ذلك فمنهم من عمَّمَه في التَّصرفاتِ وهو الشافِعيُّ، فمنَعَ من الجَهالةِ في الهِبةِ والصَّدقةِ والإِبراءِ والخُلعِ والصُّلحِ وغيرِ ذلك.
ومنهم مَنْ فصَّلَ -وهو مالِكٌ- بينَ قاعِدةِ ما يُجتنَبُ فيه الغَررُ والجَهالةُ وهو بابُ المُماكَساتِ والتَّصرُّفاتِ المُوجِبةِ لتَنميةِ الأَموالِ وما يُقصدُ به تَحصيلُها، وبينَ قاعِدةِ ما لا يُجتنَبُ فيه الغَررُ والجَهالةُ، وهو ما لا يُقصدُ لذلك، وانقسَمَت التَّصرُّفاتُ عندَه إلى ثَلاثةِ أَقسامٍ، إلى طرَفَينِ وواسِطةٍ.
فالطَّرفانِ: أحدُهما: مُعاوضةٌ صِرفةٌ فيُجتنَبُ فيها ذلك إلا ما دعَت الضَّرورةُ إليه عادةً، كما تَقدَّمَ أنَّ الجَهالاتِ ثَلاثةُ أقسامٍ، فكذلك الغَررُ والمَشقةُ.
وثانيهما: ما هو إِحسانٌ صِرفٌ لا يُقصدُ به تَنميةُ المالِ، كالصَّدقةِ والهِبةِ والإبراءِ؛ فإنَّ هذه التَّصرفاتِ لا يُقصدُ بها تَنميةُ المالِ، بل إنْ فاتَتْ على مَنْ أُحسِنَ إليه بها فلا ضَررَ عليه فإنَّه لم يَبذُلْ شَيئًا بخِلافِ القِسمِ الأولِ إذا فاتَ بالغَررِ والجَهالاتِ ضاعَ المالُ المَبذولُ في مُقابَلتِه، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ مَنعَ الجَهالةِ فيه، أمَّا الإِحسانُ الصِّرفُ فلا ضَررَ فيه، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ وحَثُّه على الإِحسانِ التَّوسعةَ فيه بكلِّ طَريقٍ بالمَعلومِ
стр. 7443
والمَجهولِ؛ فإنَّ ذلك أيسَرُ لكَثرةِ وُقوعِه قَطعًا، وفي المَنعِ من ذلك وَسيلةٌ إلى تَقليلِه، فإذا وهَبَ له عَبدَه الآبِقَ جازَ أنْ يَجدَه فيَحصُلَ له ما يَنتفعُ به ولا ضَررَ عليه إنْ لم يَجِدْه؛ لأنَّه لم يَبذُلْ شَيئًا، وهذا فِقهٌ جَميلٌ، ثم إنَّ الأَحاديثَ لم يَرِدْ فيها ما يَعمُّ هذه الأقسامَ حتى نَقولَ يَلزمُ منه مُخالفةُ نُصوصِ صاحِبِ الشَّرعِ، بل إنَّما ورَدَت في البَيعِ ونَحوِه.
وأمَّا الواسِطةُ بينَ الطَّرفَينِ فهي النِّكاحُ، فهو من جِهةِ أنَّ المالَ فيه ليسَ مَقصودًا، وإنَّما مَقصِدُه المَودةُ والأُلفةُ والسُّكونُ يَقتَضي أنْ يَجوزَ فيه الجَهالةُ والغَررُ مُطلقًا، ومِن جِهةِ أنَّ صاحِبَ الشَّرعِ اشتَرطَ فيه المالَ بقَولِه تَعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَقتَضي امتِناعَ الجَهالةِ والغَررِ فيه، فلوُجودِ الشَّبهَين توسَّطَ مالِكٌ فجوَّزَ فيه الغَررَ القَليلَ دونَ الكَثيرِ نحوَ عَبدٍ من غيرِ تَعيينٍ، وشُورةِ -أي: مَتاعِ- بَيتٍ، ولا يَجوزُ على العَبدِ الآبِقِ والبَعيرِ الشارِدِ؛ لأنَّ الأولَ يُرجعُ فيه إلى الوَسطِ المُتعارَفِ، والثانِي ليسَ له ضابِطٌ، فامتنَعَ وأُلحِقَ الخُلعُ بأحدِ الطَّرفَين الأوَّلَين، والذي لا يَجوزُ فيه الغَررُ مُطلقًا؛ لأنَّ العِصمةَ وإطلاقَها ليسَا من بابِ ما يُقصدُ للمُعاوضةِ، بل شأنُ الطَّلاقِ أنْ يَكونَ بغيرِ شَيءٍ فهو كالهِبةِ، فهذا هو الفَرقُ بينَ القاعِدتَينِ والضابِطُ للبابَينِ، وهو الفِقهُ مع مالِكٍ ﵀ فيه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: تَصحُّ البَراءةُ من المَجهولِ، سَواءٌ كانَ مَجهولًا لهما -أي: لصاحِبِ الدَّينِ والمَدينِ- أو كانَ مَجهولًا لأحدِهما، وسَواءٌ جهِلا
стр. 7444
قَدرَه أو جهِلا وَصفَه أو جهِلاهما معًا، وسَواءٌ كانَ ممَّا يَتعذَّرُ عِلمُه أو ممَّا لا يَتعذَّرُ عِلمُه؛ لأنَّه إسقاطُ حَقٍّ، فيَنفُذُ مع العِلمِ والجَهلِ كالعِتقِ والطَّلاقِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لرَجلَين اختَصَما في مَواريثَ درَسَت بينَهما: «استَهِما، وتوَخَّيا الحَقَّ، وليُحلِلْ أحدُكما صاحِبَه» (١)، ولأنَّه إِسقاطٌ فصَحَّ في المَجهولِ، وكما لو قالَ: «من دِرهمٍ إلى ألفٍ»، ولأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى تَبرئةِ الذِّمةِ ولا سَبيلَ إلى العِلمِ بما فيها، فلو وقَفَت صِحةُ البَراءةِ على العِلمِ لَكانَ سَدًّا لبابِ عَفوِ الإِنسانِ عن أخيه المُسلمِ وتَبرئةً لذِمَّتِه فلم يَجزْ ذلك كالمَنعِ من العِتقِ.
وأمَّا إنْ كانَ مَنْ عليه الحَقُّ يَعلمُه ويَكتُمُه المُستحَقَّ خَوفًا من أنَّه إذا علِمَه لم يَسمَحْ بإِبرائِه منه فلا تَصحُّ البَراءةُ فيه؛ لأنَّ فيه تَغريرًا بالمُشتَري، وقد أمكَنَ التَّحرُّزُ منه.
ولو أبرَأَه مِنْ مِئةٍ وهو يَعتقدُ أنَّه لا شَيءَ له عليه، وكانَ له عليه مِئةٌ ففي صِحةِ البَراءةِ وَجهانِ:
أحدُهما: صِحتُها؛ لأنَّها صادَفَت مِلكَه فأسقَطَته كما لو علِمَها.
والثاني: لا تَصحُّ؛ لأنَّه أبرأه ممَّا لا يَعتقدُ أنَّه عليه؛ فلم يَكنْ ذلك إبراءً في الحَقيقةِ.
وأصلُ الوَجهَينِ ما لو باعَ مالًا كانَ لمَوروثِه يَعتقدُ أنَّه باقٍ لمَوروثِه وكانَ مَوروثُه قد ماتَ وانتقَلَ مِلكُه إليه، فهل يَصحُّ؟ فيه وَجهان.
стр. 7445
ولو أبرَأَ رَبُّ الدَّينِ المَدينَ من دِرهمٍ إلى ألفٍ صَحَّ الإِبراءُ في الألفِ وفيما دونَه.
ولا يَصحُّ الإِبراءُ من الدَّينِ قبلَ وُجوبِه.
ومِن صُورِ الإِبراءِ من المَجهولِ لو كانَ له على إِنسانٍ دَينانِ وأبرَأَه من أحدِهما لا بعَينِه، أو كانَ له دَينانِ على شَخصَينِ وأبرَأَ أحدُهما لا بعَينِه صَحَّ ويَرجعُ إلى المُبرئِ في البَيانِ، قالَه الحَلوانِيُّ والحارثيُّ.
والمَذهبُ: لا يَصحُّ الإِبراءُ مع إبهامِ المَحلِّ، ك «أبرَأتُ أحدَ غَريمَيَّ أو من أحدِ دَينَيَّ»، كما لو قالَ: «وهَبتُ أحَدَ هذَين العَبدَينِ أو ضمِنتُ لك أحدَ الدَّينَينِ» (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا تَصحُّ البَراءةُ من المَجهولِ مُطلقًا، سَواءٌ كانَ يَقدِرُ على مَعرفتِه أو لا يَقدِرُ، كما لو كتَمَه المُبرأُ خَوفًا من أنَّه لو علِمَه المُبرئُ لم يُبرئْه، ولأنَّه إِزالةُ مِلكٍ لم يَصحَّ مع الجَهلِ به كالهِبةِ.
قالَ الشافِعيةُ: الإِبراءُ من العَينِ باطِلٌ جَزمًا، وكذا من الدَّينِ المَجهولِ جِنسًا أو قَدرًا أو صِفةً باطِلٌ في الجَديدِ؛ لأنَّ البَراءةَ مُتوقِّفةٌ على الرِّضا، ولا يُعقَلُ مع الجَهالةِ، ولأنَّه إزالةُ مِلكٍ لم يَصحَّ مع الجَهلِ به كالهِبةِ.
стр. 7446
ولا أثَرَ لجَهلٍ يُمكنُ مَعرفتُه، فيَكفي في النَّقدِ الرائِجِ عِلمُ العَددِ، وفي الإبراءِ من حِصَّتِه من مُورِّثِه عِلمُ قَدرِ التَّركةِ وإنْ جهِلَ قَدرَ حِصتِه.
ولا يُشترطُ قَبولُ المَدينِ، ولا يَرتدُّ برَدِّه نَظرًا لشائِبةِ الإسقاطِ.
وطَريقُ الإِبراءِ من المَجهولِ -أي: الحِيلةُ في صِحةِ الإبراءِ من المَجهولِ- أنْ يُبرئَ الدائِنُ مَدينَه من قَدرٍ يَعلمُ المُبرِئُ أنَّه لا يَنقُصُ عن الدَّينِ الذي له، كأنْ يُبرئَه من ألفٍ وهو يَعلمُ أنَّ دَينَه لا يَزيدُ عليها، بل شَكَّ هل يَبلغُها أو يَنقُصُ عنها.
وإنْ قالَ: «أبرَأتُك من دِينارٍ إلى مِئةِ دِينارٍ»، وكانَ يَعلمُ أنَّه يَستحقُّ ذلك عليه صحَّت البَراءةُ؛ لأنَّ الجَهالةَ إنَّما مُنعَت لأجلِ الغَررِ، فإذا رضِيَ بالجُملةِ فقد زالَ الغَررُ وصحَّت البَراءةُ.
ولو أبرَأَ شَخصٌ شَخصًا من دَينٍ مُعيَّنٍ كمِئةِ رِيالٍ حالَ كَونِ المُبْرِئِ -بكَسرِ الراءِ- مُعتقِدًا أنَّه لا يَستحقُّها فتبيَّنَ بعدَ ذلك أنَّه يَستحقُّها وَقتَ الإبراءِ بأنْ ماتَ مُورِّثُه وله مِئةُ رِيالٍ عندَ المُبرَأِ -بفَتحِ الراءِ- فهل تَصحُّ البَراءةُ؟ فيه وَجهان:
أحدُهما: تَصحُّ البَراءةُ؛ لأنَّها وافَقَت وُجوبَ الدَّينِ والعِبرةُ بالواقِعِ.
والثاني: لا تَصحُّ؛ لأنَّه عَقدُ البَراءةِ، وهو مُتلاعِبٌ.
وإنْ قالَ: «تصَدَّقتُ عليكَ بالدَّينِ الذي لي عليكَ» صَحَّ ذلك، وكانَ بَراءةً بلَفظِ الصَّدقةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢].
стр. 7447
وقَولِه تَعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وأرادَ بالصَّدقةِ في الآيتَينِ البَراءةَ.
وهذا يَدلُّ على صِحةِ البَراءةِ بلَفظِ الصَّدقةِ، وعلى أنَّ الصَّدقةَ تَصحُّ على الغَنيِّ والفَقيرِ، وعلى أنَّ صَدقةَ التَّطوُّعِ تَصحُّ على بَني هاشِمٍ، وبَني المُطَّلبِ؛ لأنَّه لم يُفرِّقْ في الآيتَينِ.
والخِلافُ بينَ القَديمِ والجَديدِ في صِحةِ البَراءةِ من المَجهولِ مَبنيٌّ على أنَّ البَراءةَ تَمليكٌ أو إِسقاطٌ؛ فإنْ قلُنا: «تَمليكٌ» وهو الصَّحيحُ، لا تَصحُّ البَراءةُ من المَجهولِ، وإنْ قُلنا: «إِسقاطٌ» صَحَّ الإبراءُ من المَجهولِ، وتَظهرُ ثَمرةُ الخِلافِ فيما لو اغتابَ شَخصٌ شَخصًا آخَرَ ثم قالَ له: «اغتَبتُك فاجعَلني في حِلٍّ»، ففعَلَ وهو لا يَدري بم اغتابَه به، فهل يُبرأُ؟ فيه وَجهانِ:
أحدُهما: يُبرأُ؛ لأنَّه إِسقاطٌ مَحضٌ كمَن قطَعَ عُضوًا من عَبدٍ ثم عَفا سَيدُه عن القِصاصِ وهو لا يَعلمُ عَينَ المَقطوعِ؛ فإنَّه يَصحُّ.
والثانِي -وهو أصَحُّهما-: لا يُبرأُ؛ لأنَّ المَقصودَ رِضاه، ولا يُمكنُ الرِّضا بالمَجهولِ، ويُخالِفُ القِصاصَ؛ فإنَّه مَبنيٌّ على التَّغليبِ والسِّرايةِ بخِلافِ إسقاطِ المَظالِمِ (١).
стр. 7448
وذهَبَ الحَنابِلةُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ وغيرُه إلى التَّفريقِ بينَ ما يُقدَرُ على مَعرفتِه فلا يَصحُّ البَراءةُ منه، وبينَ ما لا يُقدَرُ على مَعرفتِه فتَصحُّ البَراءةُ منه (١).
وعنه: لا يَصحُّ ولو جَهِلاه إلا إذا تعذَّرَ عِلمُه (٢).
الهِبةُ بشَرطِ الثَّوابِ (العِوضِ):
الأصلُ في الهِبةِ أنَّها من عُقودِ التَّبرعاتِ لا المُعاوَضاتِ، فالمَوهوبُ له لا يُعوِّضُ الواهِبَ شَيئًا عمَّا وهَبَه له.
إلا أنَّ العُلماءَ اختَلَفوا فيما لو صدَرَت الهِبةُ من الواهِبِ مُقترنةً بشَرطِ العِوضِ مُقابِلَ الشَّيءِ المَوهوبِ، كما لو قالَ الواهِبُ للمَوهوبِ: «وهَبتُك هذه الدارَ -مثلًا- على أنْ تُثيبَني أو تُعوِّضَني عنها سَيارةً -مثلًا-»، فهل يَصحُّ هذا الشَّرطُ أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى جَوازِ هذا الشَّرطِ وصِحتِه، واستدَلُّوا على ذلك بما رُويَ عن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «الواهِبُ أحَقُّ بهِبتِه ما لم يُثَبْ منها» (٣) أي: يُعوَّضْ، جعَلَ ﵊ الواهِبَ أحَقَّ بِهِبتِه ما لم يَصلْ إليه العِوضُ، وهذا نَصٌّ في البابِ.
стр. 7449
وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ وهَبَ هِبةً فلم يُثَبْ فهو أحَقُّ بهِبتِه إلا لذِي رَحمٍ» (١).
ولمَا رَواه مالِكٌ في المُوطأِ عن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ قالَ: «مَنْ وهَبَ هِبةً لصِلةِ رَحمٍ أو على وَجهِ صَدقةٍ فإنَّه لا يَرجعُ فيها، ومَن وهَبَ هِبةً يَرى أنَّه إنَّما أرادَ بها الثَّوابَ فهو على هِبتِه يَرجعُ فيها إنْ لم يَرضَ منها» (٢).
قالَ الحَنفيةُ: الهِبةُ بشَرطِ العِوضِ جائِزةٌ للأَحاديثِ السابِقةِ، وهي هِبةٌ ابتِداءً وبَيعٌ انتِهاءً (٣) كما سيَأتي مُوضَّحًا.
وقالَ المالِكيةُ: الهِبةُ بشَرطِ الثَّوابِ -أي: العِوضِ على هِبتِه- جائِزةٌ سَواءٌ عُيِّن الثَّوابُ أو لا، نَحوَ: «وهَبتُك هذا بمِئةٍ، أو على أنْ تُثيبَني»، فتَعيينُ الثَّوابِ غيرُ لازِمٍ قِياسًا على نِكاحِ التَّفويضِ؛ لأنَّه عَقدٌ بلا ذِكرِ مَهرٍ، ولَزمَ الثَّوابُ بتَعيُّنِه -أي: بتَعيينِ قَدرِه ونَوعِه- كانَ التَّعيينُ من المَوهوبِ له أو من الواهِبِ ورَضيَ الآخَرُ به، فإذا قالَ: «وهَبتُ لك هذا على أنْ تُثيبَني
стр. 7450
الشَّيءَ الفُلانيَّ لشَيءٍ مُعيَّنٍ حاضِرٍ أو مَعلومٍ غائِبٍ جازَ ذلك، وليسَ لأحدِهما رُجوعٌ بعدَ ذلك كالبَيعِ إذا انعقَدَ وإنْ لم يَقبِضِ الهِبةَ؛ لأنَّه التَزمَه بتَعيينِه؛ فإنْ لم يُثِبْه رجَعَ؛ لمَا رَواه مالِكٌ في المُوطَّأِ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ قالَ: «مَنْ وهَبَ هِبةً لصِلةِ رَحمٍ أو على وَجهِ صَدقةٍ فإنَّه لا يَرجعُ فيها، ومَن وهَبَ هِبةً يَرى أنَّه إنَّما أراد بها الثَّوابَ فهو على هِبتِه يَرجعُ فيها إنْ لم يَرضَ منها» (١).
وإنْ كانَ الثَّوابُ غيرَ مُعيَّنٍ جازَ أيضًا، ولا يَلزمُ العَقدُ الواهِبَ إلا بقَبضِها، ولا يَلزمُ المَوهوبَ له إلا بفَواتِها بزِيادةٍ أو نَقصٍ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ: لو وهَبَ شَخصًا شَيئًا بشَرطِ ثَوابٍ مَعلومٍ عليه ك «وهَبتُك هذا على أنْ تُثيبَني كذا»، صَحَّ العَقدُ في الأظهَرِ نَظرًا للمَعنى؛ فإنَّه مُعاوضةٌ بمالٍ مَعلومٍ فصَحَّ كما لو قالَ: «بِعتُك»، ويَلزمُ المَوهوبَ الثَّوابُ المَشروطُ؛ لأنَّ الهِبةَ تَمليكُ العَينِ، وقد ثبَتَ أنَّه لو قالَ: ملَّكتُك هذه العَينَ ولم يَذكُرِ العِوضَ كانَ هِبةً، ولو قالَ: ملَّكتُكها بدِينارٍ صَحَّ وكانَ بَيعًا، فكذا الهِبةُ بالعِوضِ (٣).
стр. 7451
وقالَ الحَنابِلةُ: وإنْ شرَطَ في الهِبةِ عِوضًا مَعلومًا صَحَّ، نَصَّ عليه (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهرِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ شَرطُ الثَّوابِ في الهِبةِ؛ لأنَّه شَرطٌ يُنافي مُقتَضى العَقدِ فلم تَصحَّ كما لو عقَدَ النِّكاحَ بلَفظِ الهِبةِ، فعلى هذا إذا قبَضَه كانَ حُكمُه حُكمَ البَيعِ الفاسِدِ (٢).
اشتِراطُ أنْ يَكونَ العِوضُ مَعلومًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشترطُ في العِوضِ أنْ يَكونَ مَعلومًا أو تَصحُّ هِبةُ الثَّوابِ ولو كانَ العِوضُ مَجهولًا أو لم يُذكَرْ؟
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في قَولٍ، والشافِعيةُ في المَذهبِ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشترطُ في العِوضِ أنْ يَكونَ مَعلومًا؛ فإنْ كانَ ثَوابًا مَجهولًا بطَلَت الهِبةُ؛ لأنَّه شَرطٌ يُنافي مُقتَضى الهِبةِ، ولأنَّه شرَطَ ثَوابًا
стр. 7452
مَجهولًا فلم يَصحَّ كالبَيعِ بثَمنٍ مَجهولٍ؛ فإنْ قبَضَها المَوهوبُ له كانَ حُكمُه حُكمَ البَيعِ الفاسِدِ، ويَردُّها المَوهوبُ له إلى الواهِبِ بزيادَتِها المُتِّصلةِ والمُنفصلةِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلكِ الواهِبِ، وإنْ كانت تالِفةً رَدَّ قيمَتَها.
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الهِبةَ تَصحُّ مع جَهالةِ الثَّوابِ؛ لأنَّها تَقتَضيه.
قالَ المِرداويُّ ﵀: وعنه -أي: الإمامِ أحمدَ- أنَّه قالَ: يُرضيه بشَيءٍ فيَصحُّ، وذكَرَها الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀ في ظاهِرِ المَذهبِ، قالَ الحارثيُّ: هذا المَذهبُ، نَصَّ عليه من رِوايةِ ابنِ الحَكمِ وإِسماعيلَ بنِ سَعيدٍ، وإليه مَيلُ أبي الخَطَّابِ، وصحَّحَ هذه الرِّوايةَ في «الرِّعاية الصُّغرى» فقالَ: فإنْ شرَطَه مَجهولًا صحَّت في الأصَحِّ، قالَ في «الرِّعاية الكُبرى»: وهو أَولى. فعلى هذه الرِّوايةِ يُرضيه؛ فإنْ لم يَرضَ فله الرُّجوعُ فيها فيَردُّها بزيادةٍ ونَقصٍ، نَصَّ عليه؛ فإنْ تلِفَت يَردُّ قيمَتَها يَومَ التَّلفِ، وهذا البِناءُ على هذه الرِّوايةِ هو الصَّحيحُ، صحَّحَه المُصنِّفُ وغيرُه، وقيلَ: يُرضيه بقيمةِ ما وهَبَه، وأطلَقَهما في المَذهبِ، قالَ الحارثيُّ: ويَحتمِلُ وَجهًا بالبِناءِ وهو ما يُعدُّ ثَوابًا لمِثلِه عادةً (١).
стр. 7453
وقالَ الحَنفيةُ: إذا كانَ العِوضُ مَجهولًا؛ فإنَّه يَبطُلُ اشتِراطُه، وتَكونُ هِبةً ابتِداءً وانتِهاءً (١).
وقالَ المالِكيةُ في المُعتمدِ من المَذهبِ: الهِبةُ بشَرطِ الثَّوابِ جائِزةٌ سَواءٌ عيَّنَ الثَّوابَ أو لا، نَحوَ: «وهَبتُك هذا بمِئةٍ أو على أنْ تُثيبَني»، فتَعيينُ الثَّوابِ غيرُ لازِمٍ قِياسًا على نِكاحِ التَّفويضِ؛ لأنَّه عَقدٌ بلا ذِكرِ مَهرٍ، ولا يَلزمُ العَقدُ الواهِبَ إلا بقَبضِها، ولا يَلزمُ المَوهوبَ له إلا بفَواتِها بزِيادةٍ أو نَقصٍ.
وقيلَ: إنِ اشتَرطَ العِوضَ في عَقدِها فلا بدَّ من تَعيينِه قِياسًا على البَيعِ (٢).
هل الهِبةُ بشَرطِ العِوضِ بَيعٌ أو هِبةٌ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في الهِبةِ بشَرطِ العِوضِ هل هي بَيعٌ؟ أو هِبةٌ؟ أو هِبةٌ ابتِداءً بَيعٌ انتِهاءً؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وزُفرُ من الحَنفيةِ إلى أنَّها تَكونُ بَيعًا ابتِداءً وانتِهاءً فتَثبُتُ فيها أحكامُ البَيعِ، فيَثبُتُ فيها الخيارُ والرَّدُّ بالعَيبِ والشُّفعةِ؛ لأنَّها
стр. 7454
تَمليكٌ بعِوضٍ مَعلومٍ أشبَهَ البَيعَ، ولأنَّهما أتَيا بمَعنى البَيعِ وهو التَّمليكُ بعِوضٍ، والعِبرةُ في العُقودِ بالمَعاني دونَ الأَلفاظِ، ألَا تَرى أنَّ الكَفالةَ بشَرطِ بَراءةِ الأَصيلِ حَوالةٌ، والحَوالةُ بشَرطِ عَدمِ البَراءةِ كَفالةٌ، وهِبةُ الدَّينِ لمَن عليه إِبراءٌ، وبَيعُ العَبدِ من نَفسِه إِعتاقٌ، وهِبةُ المَنفعةِ بالعِوضِ إِجارةٌ، والإِعارةُ بعِوضٍ إِجارةٌ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ حُكمَها حُكمُ الهِبةِ نَظرًا للَّفظِ فلا تَثبُتُ فيها أَحكامُ البَيعِ المُختصةُ به (١).
وقالَ الحَنفيةُ: الهِبةُ بشَرطِ العِوضِ هِبةٌ ابتِداءً، وبَيعٌ انتِهاءً؛ لأنَّ هذا تَمليكُ المالِ بلَفظٍ يُخالفُ ظاهِرُه مَعناه، فيَكونُ ابتِداؤُه مُعتبَرًا بلَفظِه فتَجري فيه أَحكامُ الهِبةِ قبلَ القَبضِ، فلا يَصحُّ في المَشاعِ، ويَكونُ انتِهاؤُه مُعتبَرًا بمَعناه فتَجري فيه أَحكامُ البَيعِ كالهِبةِ في المَرضِ؛ فإنَّ ظاهِرَه تَمليكٌ في الحالِ بطَريقِ التَّبرُّعِ ومَعناه مَعنى الوَصيةِ، فيُعتبَرُ ابتِداؤُه بلَفظِه حتى
стр. 7455
يَبطُلَ بعَدمِ القَبضِ ولا يَتمُّ مع الشُّيوعِ فيما يَحتملُ القِسمةَ، وانتِهاؤُه مُعتبَرٌ بمَعناه حتى يَكونَ من الثُّلثِ بعدَ الدَّينِ، وهذا لأنَّ الأَلفاظَ قَوالبُ المَعاني، فلا يَجوزُ إِلغاءُ اللَّفظِ وإنْ وجَبَ اعتِبارُ المَعنى إلا إذا تعذَّرَ الجَمعُ للمُنافاةِ ولا مُنافاةَ هنا، فشَرطُ العِوضِ لا يَكونُ أبلَغَ من حَقيقةِ التَّعويضِ، وبحَقيقةِ التَّعويضِ لا يَنتَفي مَعنى الهِبةِ فبشَرطِ العِوضِ أَولى.
وبِناءً عليه لكلِّ واحدٍ منهما الرُّجوعُ قبلَ القَبضِ، وكذا لو قبَضَ أحدُهما دونَ الآخَرِ؛ فإنَّ لكلٍّ منهما أنْ يَرجعَ، القابِضُ وغيرُ القابِضِ فيه سَواءٌ حتى يَتقابَضا جَميعًا، وإذا تَقابَضا صارَ بمَنزلةِ البَيعِ يَرُدانِ بالعَيبِ وتَجبُ الشُّفعةُ وخيارُ الرُّؤيةِ، وإنِ استحَقَّ ما في يَدِ أحدِهما رجَعَ بعِوضِه إنْ كانَ قائِمًا وبقيمَتِه إنْ كانَ هالِكًا، ولا يَصحُّ الرُّجوعُ إلا بتَراضيهما أو بحُكمِ الحاكِمِ؛ لأنَّه فَصلٌ مُجتهَدٌ فيه مُختلَفٌ فيه بينَ العُلماءِ فله الامتِناعُ، ووِلايةُ الإلزامِ للقاضي، وإنْ تَراضَيا فقد أبطَلَ حَقَّه فيَجوزُ، وإنْ هلكَتْ في يَدِه بعدَ الحُكمِ بالرَّدِ لم يَضمَنْ؛ لأنَّه أمانةٌ في يَدِه حيثُ قبَضَه لا على وَجهِ الضَّمانِ (١).
стр. 7456
لُزومُ العِوضِ بدونِ اشتِراطٍ:
الهِبةُ المُطلقةُ المُجردةُ عن ذِكرِ العِوضِ فيها إذا قبَضَها المَوهوبُ له، هل تَقتَضي الثَّوابَ فيَجوزَ للواهِبِ أنْ يَرجعَ في هِبتِه ما لم يُثَبْ منها أو لا تَقتَضي الثَّوابَ، ولا رُجوعَ له إنْ لم يَشترطِ الثَّوابَ، أو أنَّها تَقتَضي الثَّوابَ إذا كانت من الأَدنى للأَعلى، ولا تَقتَضي الثَّوابَ إذا كانَت من الأَعلى للأَدنى؟ على تَفصيلٍ في ذلك بينَ الفُقهاءِ، وهي على ثَلاثةِ أضرُبٍ:
الضَّربُ الأولُ: أنْ تَكونَ الهِبةُ من الأَعلى للأسفَلِ: مِثلَ أنْ يَهبَ السُّلطانُ لبَعضِ الرَّعيةِ، أو يَهبَ الغَنيُّ للفَقيرِ، أو يَهبَ الأُستاذُ لغُلامِه، فهذه لا تَقتَضي الثَّوابَ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ القَصدَ من هذه الهِبةِ القُربةُ إلى اللهِ تَعالى، دونَ المُجازاةِ.
قالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: فإنْ وهَبَ لمَن هو أَعلى منه من غيرِ شَرطِ الثَّوابِ، فوهَبَ المَوهوبُ له للواهِبِ هِبةً كانَ ذلك ابتِداءَ عَطيةٍ تَلزمُ بالقَبضِ، وإنْ خرَجَ أحدُهما مَعيبًا أو مُستحَقًّا لم يَرجعِ المَوهوبُ له ببَدلِها.
الضَّربُ الثاني: هِبةُ النَّظيرِ للنَّظيرِ، كهِبةِ السُّلطانِ لمِثلِه، أو الغَنيِّ لمِثلِه، أو الفَقيرِ لمِثلِه، فهذه لا تَقتَضي الثَّوابَ أيضًا، ولا رَجعةَ له فيها عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ القَصدَ بهذه الهِبةِ الصِّلةُ والمَحبةُ وتَأكيدُ الصَّداقةِ.
وفي قَولٍ للشافِعيةِ: إنْ كانَ قد نوَى الثَّوابَ استحَقَّه.
стр. 7457
قالَ المالِكيةُ: الهِبةُ إذا وقَعَت مُطلقةً -أي: غيرَ مُقيَّدةٍ بثَوابٍ- ثم اختَلَفا بعدَ ذلك فقالَ الواهِبُ: «إنَّما وهَبتُ للثَّوابِ»، وقالَ المَوهوبُ له: «بل وهَبتَ لي بغيرِ ثَوابٍ»؛ فإنَّ القَولَ قَولُ الواهِبِ إنْ شهِدَ له العُرفُ أو لم يَشهَدْ له أو عليه.
أمَّا إنْ شهِدَ العُرفُ للمَوهوبِ له بأنْ كانَ مِثلُ الواهِبِ لا يَطلبُ في هِبتِه ثَوابًا فالقَولُ حينَئذٍ قَولُ المَوهوبِ له.
وهذا إذا قبَضَ المَوهوبُ الهِبةَ، وأمَّا قبلَ القَبضِ فيُصدَّقُ الواهِبُ مُطلقًا وإنْ شهِدَ العُرفُ بضِدِّه.
ومَحلُّ تَصديقِ الواهِبِ في دَعوى الثَّوابِ في غيرِ هِبةِ النَّقدِ المَسكوكِ كالدَّنانيرِ والدَّراهمِ، وأمَّا هو فلا ثَوابَ فيه؛ لأنَّ العُرفَ أنَّ الناسَ إنَّما يَهبُون للثَّوابِ ما تَختلِفُ فيه الأغراضُ، والمَسكوكُ لا تَختلِفُ فيه الأغراضُ، فهِبتُه للثَّوابِ خِلافُ العُرفِ، فلذا لا يُصدَّقُ الواهِبُ في قَصدِ الثَّوابِ إلا بشَرطٍ من الواهِبِ حالَ الهِبةِ أو بعُرفٍ فيُعمَلُ بذلك، ويَكونُ العِوضُ عَرضًا أو طَعامًا، ومِثلُ الشَّرطِ العادةُ بخِلافِ الحُليِّ غيرِ المَكسورةِ، والفَرقُ بينَ المَسكوكِ والحُليِّ أنَّ السَّكةَ صَنعةٌ يَسيرةٌ فلا تُنقَلُ عن الأصلِ بخِلافِ الصِّياغةِ؛ فإنَّها صَنعةٌ مُعتبَرةٌ وصَيَّرته كالمُقوَّمِ (١).
стр. 7458
والضَّربُ الثالِثُ: هِبةُ الأَدنى للأَعلى، مِثلَ: أنْ يَهبَ بعضُ الرَّعيةِ للسُّلطانِ شَيئًا، أو يَهبَ الفَقيرُ للغَنيِّ، أو يَهبَ الغُلامُ لأُستاذِه فقد اختلَفَ الفُقهاءُ فيها هل تَقتَضي الثَّوابَ أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ -وهو قَولُ الحَنفيةِ كما سيأتي مُفصَّلًا- إلى أنَّها تَقتَضي الثَّوابَ ويَلزمُه أنْ يُثيبَه؛ لمَا رُويَ عن عُمرَ ﵁: «مَنْ وهَبَ هِبةً يَرى أنَّه إنَّما أرادَ بها الثَّوابَ فهو على هِبتِه يَرجعُ فيها إنْ لم يَرضَ منها» (١)، ورُويَ: أنَّ رَجلًا سألَ فَضالةَ بنَ عُبيدٍ فقالَ: «إنِّي أهدَيتُ إلى رَجلٍ بازيًا فلم يُثِبْني عليه، فقالَ: إنْ أثابَك وإلا فارجِعْ وخُذْ بازيَك» (٢) ولأنَّ العُرفَ والعادةَ: أنَّ مَنْ وهَبَ لمَن هو أعلى منه، إنَّما يَقصدُ به الثَّوابَ من المالِ، فصارَ هذا العُرفُ كالشَّرطِ؛ لأنَّ العُرفَ أصلٌ يُرجعُ إليه إذا لم يَكنْ غيرُه، وقد عُلمَ أنَّ العُرفَ جارٍ بأنَّ الضَّعيفَ يَهبُ لجارِه الغَنيِّ طَلبًا لمَعروفِه، وأنَّ الواحدَ من خَدمِ السُّلطانِ أو المَلكِ العَظيمِ يَهبُ له مُتعرِّضًا لمَعروفِه ونائِلِه وتَقرُّبًا إليه، فلا وَجهَ لجَحدِ المَعروفِ؛ فإنْ أثابَه وإلا رجَعَ في هِبتِه (٣).
стр. 7459
ثم اختَلَفوا ما الذي يَجبُ فيها؟
فقالَ المالِكيةُ: المَوهوبُ له مُخيَّرٌ في رَدِّها أو إِعطاءِ العوِض منها، هذا ما لم تَتغيَّرْ عندَه بزيادةٍ أو نُقصانٍ؛ فإنْ تَغيَّرت عندَه بزِيادةٍ أو نُقصانٍ كانَ للواهِبِ قيمَتُها يَومَ قَبضِها من المَوهوبِ له (١).
قالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: والواجِبُ على المَوهوبِ له من الثَّوابِ قيمةُ الهِبةِ، وللشافِعيِّ في ذلك أربَعةُ أقوالٍ:
أحدُها مِثلُ قَولِنا، والآخَرُ أنَّه يَلزمُه رِضا الواهِبِ، والثالِثُ مِقدارُ المُكافأةِ على مِثلِ تلك الهِبةِ في العادةِ، والرابِعُ أقَلُّ ما يَقعُ عليه الاسمُ.
ودَليلُنا على فَسادِ اعتِبارِ الرِّضا هو أنَّ الواهِبَ قد لا يَرضى بأَضعافِ قيمةِ الهِبةِ من المَوهوبِ له، وذلك لا يَلزمُ؛ لأنَّ فيه إِضرارًا بالمَوهوبِ له إلا أنْ يَردَّ الهِبةَ بعدَ أنْ قد ثبَتَ له منها حَقُّ التَّمليكِ، ولأنَّه عِوضٌ غيرُ مَقبوضٍ فلم يَقفْ على رِضا مَنْ يَأخذُ العِوضَ كسائِرِ المُعاوَضاتِ، ولأنَّ العِوضَ في عَقدِ المُعاوضاتِ على ضَربَين، هُما: مَذكورٌ فيَجبُ ما
стр. 7460
ذُكرَ كالثَّمنِ في المَبيعِ، ومَسكوتٌ عنه يَجبُ فيه قيمةُ المُعوَّضِ كالمَهرِ في التَّفويضِ.
ودَليلُنا على فَسادِ اعتِبارِ العُرفِ -لأنَّه لا عُرفَ في ذلك، وإنَّما هو على حَسبِ ما تَسمحُ به نَفسُ المُكافئِ وحَلاوةُ المَوهوبِ في نَفسِه- وعلى أنَّه لا يُعتبَرُ أقَلُّ ما يَقعُ عليه الاسمُ ما قدَّمناه أنَّ العُرفَ جارٍ بأنَّ الواهِبَ يَهبُ لطَلبِ التَّقرُّبِ إلى المَوهوبِ ونَيلِ رِفدِه لا ليَخسرَ ويَصيرَ كمَن وهَبَ لغيرِ عِوضٍ، وإذا بطَلَ كلُّ ذلك لم يَبقَ إلا اعتِبارُ القيمةِ واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: فعلى هذا إنْ وجَبَ الثَّوابُ فهو قيمةُ المَوهوبِ في الأصَحِّ؛ لأنَّ العَقدَ إذا اقتَضى العِوضَ ولم يُسمَّ فيه شَيءٌ تَجبُ فيه القيمةُ، ولا يَلزمُه الزِّيادةُ على القيمةِ ولا يُجزئُه النُّقصانُ منها.
وقيلَ: ما يَرضى به الواهِبُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَزلْ يُكافئُ الأَعرابيَّ حتى رَضيَ.
وقيلَ: ما يُعدُّ ثَوابًا لمِثلِ تلك الهِبةِ في العُرفِ والعادةِ؛ لأنَّ الرِّضا لا يَنحصِرُ، فكانَ العُرفُ أَولى أنْ يُعتبَرَ.
وقيلَ: يَكفي ما يَتموَّلُ فيه.
فعلى الأصَحِّ لو اختَلفَ قَدرُ القيمةِ فالاعتِبارُ بقيمةِ يَومِ القَبضِ على الأصَحِّ.