← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وذَهب الحَنفيَّةُ والإمامُ مالِكُ في رِوايةٍ والشافِعيُّ في القَدِيمِ -حَكاهُ أبُو ثَورٍ عنه، وهُو اختِيارُ جَماعةٍ مِنْ مُحقِّقِي الشافِعيَّةِ- والحَنابلَةُ إلى أنَّ آخر وقتِ المَغربِ غُروبُ الشَّفقِ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وصحَّح جَماعةٌ القدِيمَ، أي قَديمَ قولِ الشافِعيِّ، وهُو أنَّ لَها وقتَينِ، ممَّن صحَّحهُ مِنْ أصحابِنا أبو بَكرِ بنُ خُزيمةَ، وأبو سُليمانَ الخطَّابيُّ، وأبو بَكرٍ البَيهقِيُّ والغَزاليُّ في إحياءِ عُلومِ الدِّينِ، وفِي دَرسِهِ، والبغَويُّ في التَّهذِيبِ، ونقلَه الرُّويَانِيُّ في الحِليةِ عن أبِي ثَورٍ، والمُزنيُّ وابنُ المُنذرِ وأبو عَبد اللهِ الزُّبَيرِيُّ قالَ: وهُو المُختارُ، وصحَّحهُ أيضًا العِجلِيُّ، والشَّيخُ أبو عَمرِو بنُ الصَّلاحِ. قُلتُ -أي: النَّوويُّ-: هذا القولُ هو الصَّحِيحُ؛ لِأحادِيثَ صَحِيحةٍ، منها حَديثُ عَبد اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «وقتُ صَلاةِ المَغربِ مَا لم يَغِبِ الشَّفقُ»، وفي رِوايةٍ: «وقتُ المَغربِ ما لم يسقُط ثَورُ الشَّفقِ» (١)، رَواهُ مُسلِمٌ بهذه الألفاظِ كلِّها. وقولُه: ثَورُ الشَّفقِ، أي: ثَوَرَانُه، وعَن أبِي مُوسَى الأشعَرِيِّ في بَيانِ النَّبيِّ ﷺ لِلسَّائِلِ عَنْ مَواقيتِ الصَّلاةِ قالَ: «ثم أَخرَ المَغربَ حتى كانَ عندَ سُقُوطِ الشَّفقِ» رَوَاهُ مُسلِمٌ (٢). وعن بُرَيدَةَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى المَغربَ في اليَومِ الثاني قبلَ أن يَغيبَ الشَّفقُ» رَواه مُسلِمٌ (٣). وعن أبي قَتادةَ في حَديثِه السابقِ: «ليس في

стр. 772

النَّومِ تَفرِيطٌ، إنَّما التَّفرِيطُ على مَنْ لم يُصلِّ الصَّلاةَ حتى يَجِيءَ وقتُ الصَّلاةِ الأُخرَى» رَواهُ مُسلِمٌ. فإذا عَرَفتَ الأحاديثَ الصَحِيحةَ تَعيَّن القولُ به جَزمًا؛ لأنَّ الشافِعيَّ نصَّ عليه في القَديمِ كما نقلَه أبو ثَورٍ، وعلَّق الشافِعيُّ القولَ به في الإملاءِ على ثُبوتِ الحَديثِ، وقد ثَبت الحَديثُ، بل أحاديثُ، والإملاءُ مِنْ كُتُبِ الشافِعيِّ الجَديدةِ، فيَكونُ مَنصوصًا عليه في القَديمِ والجَديدِ، وهذا كلُّه مع القاعِدةِ العامَّةِ التي أوصى بها الشافِعيُّ ﵀ إذا صحَّ الحَديثُ خِلافَ قولِه يُترَكُ قولُه ويُعمَلُ بالحَديثِ، وإنَّ مَذَهبه ما صحَّ فيه الحَديثُ، وقد صحَّ الحَديثُ، ولا مُعارِضَ له، ولا يترُكُه الشافِعيُّ إلا لِعدمِ ثُبوتِه عندَه، ولهذا علَّق القولَ به في الإملاءِ على ثُبوتِ الحَديثِ، وباللهِ التَّوفيقُ (١). وأمَّا حَديثُ صَلاةِ جِبريلَ ﵇ في اليومَينِ في وَقتٍ، فجَوابُه مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ، أحسَنُها وأصحُّها أنَّه إنَّما أرادَ بَيانَ وقتِ الاختِيارِ، لا بَيانَ وقتِ الجَوازِ، فهكذا هو في أكثرِ الصَّلواتِ، وهي العَصرُ والعِشاءُ والصُّبحُ، وكذا المَغربُ. والثاني: أنَّ حَديثَ جِبريلَ مُقدَّمٌ في أوَّلِ الأمرِ بمَكةَ، وهذه الأحادِيثُ مُتأَخِّرةٌ بالمَدينةِ، فوجبَ تَقديمُها في العملِ. الثَّالثُ: أنَّ هذه الأحاديثَ أقوَى مِنْ حَديثِ جِبريلَ؛ لوجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ رُواتَها أكثرُ، والآخَرُ: أنَّها أصحُّ إسنادًا؛ ولهذا خرَّجَها مُسلِمٌ في

стр. 773

صَحِيحِه، دونَ حَديثِ جِبريلَ، وهذا لا شَكَّ فيه؛ فحصَل أنَّ الصَحِيحَ المُختارَ أنَّ لِلمَغربِ وقتَينِ، يَمتَدُّ بينَهما إلى مَغيبِ الشَّفقِ، ويَجوزُ ابتِداؤُها في كلِّ وَقتٍ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذه نُصوصٌ صَحِيحةٌ، لا يَجوزُ مُخالفَتُها بشَيءٍ مُحتمَلٍ؛ ولأنَّها إحدى الصَّلواتِ، فكانَ لها وقتٌ مُتَّسِعٌ كسائرِ الصَّلواتِ، ولأنَّها إحدى صَلاتَي جَمعٍ، فكانَ وقتُها مُتَّصِلًا بوقتِ التي تُجمَعُ إليها، كالظُّهرِ والعَصرِ، ولأنَّ ما قبلَ مَغيبِ الشَّفقِ وقتٌ لاستِدامَتِها، فكانَ وَقتًا لابتِدائِها، كأوَّلِ وقتِها، وأحاديثُهم مَحمولةٌ على الاستِحبابِ والاختِيارِ وكَراهةِ التَّأخِيرِ؛ ولِذلك قالَ الخرقِيُّ: «لا يُستحبُّ تَأخيرُها». فإنَّ الأحاديثَ فيها تَأكيدٌ لِفِعلِها في أوَّلِ وقتِها، وأقَلُّ أحوالِها تَأكيدُ الاستِحبابِ، وإن قُدِّرَ أنَّ الأحاديثَ مُتعارِضةٌ وجبَ حَملُ أحادِيثِهم على أنَّها مَنسوخةٌ؛ لأنَّها في أوَّلِ فَرضِ الصَّلاةِ بمَكةَ، وأحاديثُنا بالمَدينةِ مُتأخِّرةٌ، فتَكونُ ناسِخةً لمَا قبلَها ممَّا يُخالِفُها، واللهُ أعلَمُ (٢).

стр. 774

مَبدأُ وقتِ العِشاءِ ونِهايَتُه: أمَّا مَبدأُ وقتِها فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ أوَّلَ وقتِ العِشاءِ الآخِرةِ إذا غابَ الشَّفقُ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمعَ أهلُ العِلمِ، إلَّا مَنْ شَذَّ عنهم، على أنَّ أوَّلَ وقتِ العِشاءِ الآخِرةِ إذا غابَ الشَّفقُ (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمعَتِ الأمَّةُ على أنَّ وقتَ العِشاءِ مَغيبُ الشَّفقِ (٢). إلا أنَّ الفُقهاءَ قدِ اختَلَفوا في الشَّفقِ، ما هو: فذَهب الإمامُ أبو حَنيفَةَ إلى أنَّ الشَّفقَ هو البَياضُ الذي يَظهرُ في جَوِّ السَّماءِ بعدَ ذَهابِ الحُمرةِ التي تَعقُبُ غُروبَ الشَّمسِ، واستَدلَّ على ذلك «بأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُصلِّي العِشاءَ حينَ يَسوَدُّ الأَفُقُ» (٣). وإنَّما يَسوَدُّ إذا خَفيَتِ الشَّمسُ في الظَّلامِ، وهو وقتُ مَغيبِ الشَّفقِ الأبيَضِ. وذَهب جَماهيرُ أهلِ العِلمِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ الشَّفقَ هو الحُمرةُ، واستدَلُّوا على ذلك بحَديثِ عائِشَةَ ﵂ أنَّهم «كانُوا يُصَلُّون فِيمَا بينَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفقُ إلى ثُلُثِ اللَّيلِ الأَوَّلِ» (٤)،

стр. 775

وأنَّه ﷺ : «كانَ يُصلِّي العِشاءَ بعدَ مُضِيِّ ثُلُثِ اللَّيلِ»، فلو كانَ الشَّفقُ هو البَياضَ لَمَا كانَ مُؤخِّرًا لها، بل كانَ مُصلِّيا في أوَّلِ الوقتِ؛ لأنَّ البَياضَ يَبقَى إلى ثُلُثِ اللَّيلِ، خُصوصًا في الصَّيفِ. وأمَّا نِهايةُ وقتِ العِشاءِ: فقالَ أَبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ أنَّها لا تَفوتُ إلا بطُلوعِ الفَجرِ، وأنَّ مَنْ أدرَكَ أو أسلَمَ قبلَ طُلوعِ الفَجرِ أنَّه تَلزَمُه العِشاءُ الآخِرةُ، وكذلك المَرأةُ إذا طَهُرت مِنْ الحَيضِ (١). وهذا هو وقتُ الجَوازِ أو الضَّرورةِ عندَ العُلماءِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «ليس في النَّومِ تَفرِيطٌ، إنَّما التَّفرِيطُ على مَنْ لم يُصلِّ الصَّلاةَ حتى يَجِيءَ وقتُ الصَّلاةِ الأُخرَى» (٢). والصَّلاةُ التي تَلِي العِشاءَ هي الفَجرُ، وهذا بخِلافِ صَلاةِ الفَجرِ بالإجماعِ؛ فإنَّ آخر وقتِها طُلوعُ الشَّمسِ. أمَّا وقتُ الاختِيارِ فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في المَشهورِ عنهم: إنَّه ثُلُثُ اللَّيلِ؛ لِحَديثِ إمامَةِ جِبريلَ ﵇ بالنَّبيِّ ﷺ في اليَومِ الثاني في ثُلُثِ اللَّيلِ، وقالَ: «الوقتُ ما بينَ هَذَينِ» (٣). واختَلفَ أصحابُ أبي حَنيفةَ، فمنهم مَنْ قالَ: إلى ما قبلَ ثُلُثِ اللَّيلِ، ومنهم مَنْ قالَ: إلى ثُلُثِ اللَّيلِ، ومنهم مَنْ قالَ: إلى نِصفِ اللَّيلِ، وهو القولُ الآخَرُ لِلشافِعيِّ وأحمدَ؛ لحَديثِ عَبد اللهِ بنِ عمرٍو، وفيه: «ووقعَت

стр. 776

صَلاةُ العِشاءِ إلى نِصفِ اللَّيلِ الأَوسَطِ» (١). وحَديثِ أنَسٍ قالَ: «أَخرَ النَّبيُّ ﷺ صَلاةَ العِشاءِ إلى نِصفِ اللَّيلِ … » (٢). وكَتَبَ عمرُ بنُ الخطَّابِ إلى أبي مُوسى الأشعَرِيِّ: « … وَأَنْ صَلِّ العِشاءَ ما بينَكَ وَبينَ ثُلُثِ اللَّيلِ، فَإِنْ أَخَّرتَ فَإِلَى شَطرِ اللَّيلِ، وَلَا تكُن مِنْ الغَافِلِينَ» (٣) (٤). هل تَجِبُ الصَّلاةُ بأوَّلِ الوقتِ أو بآخرِه؟ اختَلفَ الفُقهاءُ: هل تَجِبُ الصَّلاةُ بأوَّلِ الوقتِ وُجوبًا مُوسَّعًا؟ أو تَجِبُ بآخرِ الوقتِ؟ فذَهب الحَنفيَّةُ في الصَحِيحِ عندَهم إلى أنَّ الصَّلاةَ تَجِبُ بآخرِ الوقتِ إذا بَقيَ مِنْ الوقتِ قَدرُ ما يتَّسعُ لِتلكَ الصَّلاةِ؛ لأنَّ ما قبلَه يَجوزُ تَركُها فيه، فلا يُوصَفُ فيه بالوُجوبِ. ومنهم مَنْ قالَ: لا تَجِبُ حتى يَبقَى مِنْ الوقتِ قَدرُ تَكبيرةٍ واحدةٍ. والدَّليلُ على هذا أنَّه مُخيَّرٌ في أوَّلِ الوقتِ بينَ الأداءِ والتَّأخيرِ،

стр. 777

والوُجوبُ يَنفِي التَّخيُّرَ، والتَّخيُّرُ يَنفِي الوُجوبَ، ولو ماتَ في الوقتِ لقِيَ اللهَ تَعالى ولا شَيءَ عليه؛ فدلَّ على أنَّ الوُجوبَ يتعلَّقُ بآخرِ الوقتِ، وعليه إذا حاضَتِ المَرأةُ بعدَ دُخولِ الوقتِ، وقبلَ خُروجِه بمِقدارِ الصَّلاةِ، ولم تكُن صلَّت هذه الصَّلاةَ، فلا يجبُ عليها قَضاءُ تلك الصَّلاةِ إذا طَهُرت (١). وذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ الصَّلاةَ تَجِبُ بأوَّلِ الوقتِ وُجوبًا مُوَسَّعًا؛ لأنَّ الأمرَ بها يتعلَّقُ بأوَّلِ وقتِها، والأمرُ يَقتَضي الوُجوبَ، ولأنَّه سَببُ الوُجوبِ؛ فتَثبُتُ عُقَيبَه كسائرِ الأسبابِ، ويَستَقِرُّ الوجوبُ بذلك، فلو جُنَّ بعدَ دُخولِ جُزءٍ مِنْ وقتِ الصَّلاةِ، وأمكَنَ فِعلُها، أو حاضَتِ المَرأةُ، لَزِمها القَضاءُ؛ لأنَّه إدراكُ جُزءٍ تَجِبُ به الصَّلاةُ، فاستَقَرَّت به كآخرِ الوقتِ، إلا أنَّه إذا ماتَ وَسَطَ الوقتِ ولم يكن صلَّاها فلا إثم عليه (٢). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: مَذهبُنا أنَّ الصَّلاةَ تَجِبُ بأوَّلِ الوقتِ وُجوبًا مُوَسَّعًا، ويَستَقِرُّ الوُجوبُ بإمكانِ فِعلِها، وبه قالَ مالِكٌ وأحمدُ وداودُ وأكثرُ العُلماءِ، نقلَه الماوَردِيُّ عن أكثرِ الفُقهاءِ.

стр. 778

وعن أبي حَنيفةَ رِواياتٌ: أحَدُها: كمَذهبِنا، وهي غَريبةٌ. والثانية: وهي رِوايةُ زُفَرَ عنه، يجبُ إذا بَقيَ مِنْ الوقتِ ما يَسَعُ صَلاةَ الوقتِ. والثَّالثةُ: وهي المَشهورةُ عنه، وحَكاها عنه جُمهورُ أصحابِنا أنَّها تَجِبُ بآخرِ الوقتِ، إذا بَقيَ منه قَدرُ تَكبيرةٍ، فلو صلَّى في أوَّلِ الوقتِ، قالَ أكثرُ أصحابِ أبي حَنيفَةَ: تَقَعُ صَلاتُه مَوقُوفَةً، فإن بَقيَ إلى آخرِ الوقتِ مُكلَفًا، تبيَّنَّا وُقوعَها فَرضًا، وإلا كانَت نَفلًا، وقالَ الكَرخِيُّ منهم: تَقَعُ نَفلًا، فإن بَقيَ إلى آخرِ الوقتِ مُكلَفًا منعَ ذلك النَّفلُ وُجوبَ الفَرضِ عليه. واحتُجَّ لِأبي حَنيفَةَ في كَونِها لا تَجِبُ بأوَّلِ الوقتَ بأنَّها لو وَجَبت لم يَجُز تَأخيرُها، كصَومِ رَمضانَ، ولأنَّ وقتَ الصَّلاةِ كحَولِ الزَّكاةِ؛ فإنَّه يَجوزُ فِعلُها في أوَّلِه وآخرِه، كالصَّلاةِ، ثم الزَّكاةُ تَجِبُ بآخرِه، فكَذا الصَّلاةُ، ولأنَّ مَنْ دخلَ وقتُ الصَّلاةِ وهو حاضِرٌ ومَضَى ما يُمكِنُ فيه الصَّلاةُ، ثم سافَر فله قَصرُ هذه الصَّلاةِ، فلو وَجَبت بأوَّلِ الوقتِ لم يَجُز قَصرُها، كما لو سافَر بعدَ الوقتِ، ولأنَّه مُخيَّرٌ بينَ فِعلِها في أوَّلِ الوقتِ وتَركِها، فإذا فعلَها كانَت نَفلًا. واحتَجَّ أصحابُنا بقولِه تَعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، والدُلوكُ: الزَّوالُ. وهذا أمرٌ، وهو يَقتَضي الوُجوبَ، وعن أبي ذَرٍّ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «كَيفَ أنتَ إذا بَقِيتَ في

стр. 779

قَومٍ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عن وقتِهَا؟» قالَ: قالَ: ما تَأمُرُ؟ قالَ: «صَلِّ الصَّلاةَ لِوقتِهَا، ثم اذهَب لِحَاجَتِكَ، فَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَأَنْتَ في المَسجدِ فَصَلِّ» رَواه مُسلِمٌ (١)، ومَعناه: يُؤَخِّرونَ الصَّلاةَ عن أوَّلِ وقتِها؛ فهذا هو المَنقُولُ عن أولئكَ الأُمراءِ، وهو التَّأخيرُ عن أوَّلِ الوقتِ، لا عن الوقتِ كلِّه، ومَعنى: «صَلِّ الصَّلاةَ لِوقتِهَا»: لِأوَّلِ وقتِها، ولأنَّها عِبادةٌ مَقصودةٌ، لا لغيرِها، تَجِبُ في البَدنِ، لا تَعلُّقَ لها بالمالِ، تَجوزُ في عُمومِ الأوقاتِ؛ فكانَ كلُّ وَقتٍ لِجَوازها وَقتًا لوُجوبِها، كالصَّومِ. والجَوابُ عن قولِهم: لو وَجَبت بأوَّلِ الوقتِ لم يَجُز تَأخيرُها، كصَومِ رَمضانَ، أنَّ الواجِبَ ضَربانِ: مُوَسَّعٌ ومُضَيَّقٌ، فالمُوَسَّعُ يَتَّبِعُ فيه التَوسُّعَ، وله أن يَفعلَه في كلِّ وَقتٍ مِنْ ذلك الزَمنِ المَحدودِ لِلتَوسُّعِ، ومِن هذا الضَّربِ الصَّلاةُ، وأمَّا المُضَيَّقُ فتَجِبُ المُبادَرُة به، ومِن هذا صَومُ رَمضانَ في حقِّ المُقيمِ. والجَوابُ عن قياسِهم على حَولِ الزَّكاةِ أنَّ تَعجيلَ الزَّكاةِ جوزَ رُخصةً لِلحاجةِ، وإلا فقياسُ العِباداتِ ألَّا تُقدَّم، وجَوابٌ آخَرُ، وهو أنَّ الزَّكاةَ لا تَجِبُ إلا بعدَ انقِضاءِ الحَولِ بالاتِّفاقِ، واتَّفَقنا على أنَّ الصَّلاةَ تَجِبُ في الوقتِ، لكِن قُلنا نَحنُ: تَجِبُ بأوَّلِه، وهم: بآخرِه؛ فلا يَصحُّ إلحاقُها بها. والجَوابُ عن مَسألةِ المُسافرِ أنَّ لنا فيها خِلافًا؛ ففي وَجهٍ قالَ المُزنيُّ وابنُ سُرَيجٍ: لا يَجوزُ القَصرُ، وعلى الصَّحِيحِ المَنصوصِ وقولِ جُمهورِ

стр. 780

أصحابِنا: يَجوزُ القَصرُ، فعَلى هذا إنَّما جازَ القَصرُ لأنَّه صِفةٌ لِلصَّلاةِ، والاعتِبارُ في صِفَتِها بحالِ فِعلِها، لا بحالِ وُجوبِها؛ ولهذا لو فاتَه صَلاةٌ في حالِ قُدرَتِه على القيامِ، ثم عجَز عنها، صلَّاها قاعِدًا بالتَّيَمُّمِ، وأجزَأَتهُ، ولو فاتَته وهو عاجِزٌ عنها فقَضاها وهو قادِرٌ، لزِمه القيامُ والوُضوءُ. والجَوابُ عن قياسِهم على النَّوافِلِ أنَّه يَجوُز تَركُها مُطلَقًا، والمَكتوبةُ لا يَجوزُ تَركُها بالإجماعِ، ولأنَّه يُنتَقَضُ بمَن نَذَرَ أن يُصلِّيَ رَكعتَينِ في يَومِ كذا، فله أن يُصلِّيَهما في أيِّ وَقتٍ منه شاءَ، فلو صلَّاهما في أوَّلِه وقعَتَا فَرضًا (١).

стр. 781

الأوقاتُ المَنهِيُّ عن الصَّلاةِ فيها: اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الصَّلاةَ مَنهِيٌّ عنها في بعضِ الأوقاتِ، وهذه الأوقاتُ منها ما هو مُتفقٌ عليه، ومنها ما هو مُختَلَفٌ فيه. الأوقاتُ المُتفقُ عليها: اتَّفق العُلماءُ على أنَّ ثَلاثةً مِنْ الأوقاتِ مَنهِيٌّ عن الصَّلاةِ فيها، وهي: ١ - وقتُ طُلوعِ الشَّمسِ، إلى أن ترتفِعَ قَيدَ رُمحٍ: والصَّلاةُ مُحَرمةٌ فيها باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ، وهي مَنهِيٌّ عنها نَهيَ تَحريمٍ. ٢ - ووقتُ غُروبِ الشَّمسِ: والصَّلاةُ مُحَرمةٌ فيه باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ، وهي مَنهِيٌّ عنها كَراهةً تَحريميَّةً وليست تَنزيهيَّةً. ٣ - ومِن لَدُن تُصلَّى صَلاةُ الصُّبحِ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ: وهذه مَنهِيٌّ عنها نَهيَ تَحريمٍ عندَ الجُمهورِ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابلَةِ، ونَهيَ كَراهةٍ عندَ المالِكيَّةِ. واستدَلُّوا على ذلك بقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا بَدا حَاجِبُ الشَّمسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حتى تَبرُزَ، وإذا غَابَ حَاجِبُ الشَّمسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاةَ حتى تَغِيبَ» (١). وبحَديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّه قالَ: «سَمِعتُ غيرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصحَابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، منهم عمرُ بنُ الخطَّابِ، وكانَ أَحبَّهُم إلَيَّ، أَنَّ

стр. 782

رَسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن الصَّلاةِ بعدَ الفَجرِ، حتى تَطلُعَ الشَّمسُ، وَبعدَ العَصرِ، حتى تَغرُبَ الشَّمسُ» (١). الأوقاتُ المُختَلَفُ فيها: اختَلفَ الفُقهاءُ في وقتَينِ، هُمَا: ١ - الصَّلاةُ وقتَ الزَّوالِ: اختَلفَ الفُقهاءُ: هل تَجوزُ الصَّلاةُ وقتَ الزَّوالِ أو لا تَجوزُ أو تَجوزُ في بعضِ الأيامِ دونَ بَعضٍ؟ فذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّ الصَّلاةَ عندَ الزَّوالِ جائِزةٌ، وحُجَّتُهم في ذلك عمَلُ أهلِ المَدينةِ؛ فإنَّهم كانوا يُصَلُّونَ في وقتِ الاستِواءِ، وعمَلُ أهلِ المَدينةِ حُجَّةٌ عندَهم؛ لأنَّ المَدينةَ مَوطِنُ الرَّسولِ ﷺ وأصحابِه، والوَحيُ كانَ يَنْزِلُ بينَ ظَهرانِيهم، والنَّهيُ الوارِدُ في حَديثِ عُقبةَ -الآتي ذِكرُه- مَنسوخٌ بالعملِ، أي بعمَلِ أهلِ المَدينةِ. وذَهب الإمامُ الشافِعيُّ إلى أنَّه تَحرمُ الصَّلاةُ في وقتِ الزَّوالِ، إلا وقتَ الزَّوالِ يومَ الجمُعةِ، وفي مَكةَ مُطلَقًا؛ فإنَّه أجازَ الصَّلاةَ في وقتِ الزَّوالِ يومَ الجمُعةِ، وفي مَكةَ في أيِّ وَقتٍ. واحتَجَّ لِلأوَّلِ بحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «نَهى عن الصَّلاةِ نِصفَ النَّهَارِ، حتى تَزُولَ الشَّمسُ، إلَّا يومَ الجمُعَةِ» (٢)، وعلَّل عدمَ

стр. 783

الكَراهةِ بأنَّ النُّعاسَ يَغلِبُ في هذه الأوقاتِ؛ فيَطرُدُه بالتَّنفُّلِ، خَوفًا مِنْ انتِقاضِ الوُضوءِ واحتياجِه إلى تَخَطِّي النَّاسِ، وقيلَ غيرُ ذلك، ولا تَلحَقُ بَقيَّةُ الأوقاتِ المَكروهةِ وقتَ الزَّوالِ يومَ الجمُعةِ على الصَحِيحِ؛ لانتِفاءِ هذا المَعنى، ويَعُمُّ عدمُ الكَراهيةِ وقتَ الزَّوالِ لِكلِّ أحَدٍ، وإن لم يَحضُرِ الجمُعةَ على الصَّحِيحِ. وأمَّا مَكةُ -زادَها اللهُ تَعالى شَرَفًا- فلا تُكرَهُ الصَّلاةُ فيها في شَيءٍ من هذه الأوقاتِ، سَواءٌ صَلاةُ الطَّوافِ وغيرُها، على الصَّحِيحِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَا تَمنَعُوا أَحدًا طَافَ بهذا البَيتِ وَصلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ من لَيلٍ أو نَهَارٍ» (١). وذَهب الحَنفيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّه تُكرَهُ الصَّلاةُ في نِصفِ النَّهارِ مُطلَقًا كَراهةً تَحريميَّةً؛ لحَديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنِيِّ ﵁ أنَّه قالَ: «ثَلاث سَاعاتٍ كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَنهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فيهنَّ، أو أَنْ نَقبُرَ فيهنَّ مَوتَانَا: حين تَطلُعُ الشَّمسُ بازِغَةً حتى ترتفِعَ، وَحِينَ يَقومُ قائِمُ الظَّهِيرَةِ، حتى تَمِيلَ الشَّمسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمسُ لِلغُروبِ، حتى تَغرُبَ» (٢)، ولأنَّه وقتُ نَهيٍ، فاستَوى فيه الجمُعةُ وغيرُها كسائرِ الأوقاتِ. ٢ - الصَّلاةُ بعدَ العَصرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الصَّلاةِ بعدَ العَصرِ وقبلَ غُروبِ الشَّمسِ، هل تَجوزُ أو لا؟

стр. 784

فذَهب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى كَراهةِ التَّنفُّلِ بعدَ صَلاةِ العَصرِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا صَلاةَ بعدَ صَلاةِ العَصرِ حتى تَغرُبَ الشَّمسُ» (١). ولحَديثِ أبي بَصرةَ قالَ: «صلَّى بِنَا رَسولُ اللهِ ﷺ العَصرَ بِالمُخَمَّصِ، فقالَ: إِنَّ هذه الصَّلاةَ عُرِضَت على مَنْ كانَ قبلَكُم، فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حافظَ عليها كانَ له أَجرُه مرَّتينِ، ولا صَلاةَ بعدَها حتى يَطلُعَ الشَّاهِدُ»، وَالشَّاهِدُ النَّجمُ (٢). والنَّهيُ عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ نَهيُ كَراهةٍ، وعندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ نَهيُ تَحريمٍ. وحُكيَ عن الإمامِ أحمدَ أنَّه قالَ: لا نَفعَلُه، ولا نَعيبُ فاعِلَه، وذلك لقولِ عائِشَةَ ﵂: «مَا تركَ رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ بعدَ العَصرِ عِنْدِي قَطُّ» (٣). وهذا عندَه في الصَّلاةِ غيرِ ذاتِ السَّببِ، أما قَضاءُ السُّننِ الرَّاتبةِ بعدَ العَصرِ فالصَّحِيحُ جَوازُه (٤).

стр. 785

الصَّلاةُ ذاتُ السَّببِ في أوقاتِ النَّهيِ: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في النَّهيِ عن التَّطوُّعِ المُطلَقِ في هذه الأوقاتِ، أمَّا ما كانَ له سَببٌ مثلَ رَكعَتيِ الطَّوَافِ وتَحيَّةِ المَسجدِ فقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ فيه: فذَهب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى مَنعِ الصَّلاةِ في هذه الأوقاتِ مُطلَقًا؛ لِحَديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «ثَلاث سَاعاتٍ كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَنهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فيهنَّ، أو أَنْ نَقبُرَ فيهنَّ مَوتَانَا: حينَ تَطلُعُ الشَّمسُ بازِغَةً، حتى ترتفِعَ، وَحِينَ يَقومُ قائِمُ الظَّهِيرَةِ، حتى تَمِيلَ الشَّمسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمسُ لِلغُروبِ، حتى تَغرُبَ» (١). وقولُه ﷺ : «لَا تَحَروا بِصَلاتِكُم طُلُوعَ الشَّمسِ، ولا غُروبَهَا؛ فَأنَّها تَطلُعُ بِقَرنَي شَيطَانٍ» (٢)؛ فالنَّبيُّ ﷺ نَهى في هذه الأوقاتِ مِنْ غيرِ فَصلٍ، فهو على العُمومِ والإطلاقِ، ونبَّه على مَعنى النَّهيِ وهو طُلوعُ الشَّمسِ بينَ قَرنَيِ الشَّيطانِ؛ وذلك لأنَّ عَبَدةَ الشَّمسِ يَعبُدونَ الشَّمسَ، ويَسجُدونَ لها عندَ الطُّلوعِ؛ تَحيَّةً لها، وعندَ الزَّوالِ؛ لاستِتمامِ عُلُوِّها، وعندَ الغُروبِ؛ وَداعًا لها؛ فيَجِيءُ الشَّيطانُ فيَجعلُ الشَّمسَ بينَ قَرنَيه؛ ليَقعَ سُجودُهم نحوَ الشَّمسِ له، فنَهى النَّبيُّ ﷺ عن الصَّلاةِ في هذه الأوقاتِ؛ لئلَّا يَقعَ التَّشبيهُ بعَبَدةِ الشَّمسِ، وهذا المَعنى يَعُمُّ المُصلِّينَ أجمَعينَ، فقد عَمَّ النَّهيُ بصيغَتِه ومَعناه، فلا معنَى لِلتَّخصِيصِ.

стр. 786

وذَهب الإمامُ مالِكٌ في رِوايةٍ عنه إلى إباحَةِ السُّننِ في هذه الأوقاتِ، إلا تَحيَّةَ المَسجدِ. وذَهب الشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى جَوازِ الصَّلاةِ ذاتِ السَّببِ كتَحيَّةِ المَسجدِ، وسُجودِ التِّلاوةِ، وسُجودِ الشُّكرِ، وصَلاةِ الكُسوفِ. وذلك لقولِه ﷺ : «إذا دخلَ أَحدُكُمُ المَسجدَ فلا يَجلِس حتى يُصلِّيَ رَكعتَينِ» (١)، وقالَ في الكُسوفِ: «إذا رَأَيتُمُوهَا فَصَلُّوا» (٢)، وهذا خاصٌّ في هذه الصَّلاةِ؛ فيُقدَّمُ على النَّهيِ العامِّ في الصَّلاةِ كلِّها، ولأنَّها صَلاةٌ ذاتُ سَببٍ؛ فأشبَهَت ما ثَبت جَوازُه (٣). قَضاءُ الفَرائِضِ الفائِتةِ في أوقاتِ النَّهيِ: ذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ قَضاءُ الفَوائتِ في الأوقاتِ الثَّلاثةِ التي في حَديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ السابقِ، إلا عَصرَ يَومِه يُصلِّيها قبلَ غُروبِ الشَّمسِ؛ لعُمومِ النَّهيِ، وهو مُتناوِلٌ الفَرائِضَ وغيرَها، «وَلِأَنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا نَامَ عَنْ صَلاةِ الفَجرِ حتى طلَعتِ الشَّمسُ، أَخرَهَا حتى ابيَضَّتِ الشَّمسُ» (٤)، ولأنَّها صَلاةٌ، فلم تَجُز في هذه الأوقاتِ كالنَّوافِلِ، ولمَا رُويَ عن أبي بَكرةَ ﵁: «أَنَّه نَامَ في دَالِيَةٍ، فَاستَيقظَ عندَ غُروبِ

стр. 787

الشَّمسِ، فَانتظَرَ حتى غَابَتِ الشَّمسُ ثم صلَّى» (١). وذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى جَوازِ قَضاءِ الفَرائِضِ الفائِتةِ في جَميعِ أوقاتِ النَّهيِ وغيرِها؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نَامَ عن صَلاةٍ أو نَسيَهَا، فَليُصلِّهَا إذَا ذكرَهَا» (٢)، وفي حَديثِ أبي قَتادةَ: «إنَّما التَّفرِيطُ في اليَقظَةِ على مَنْ لَم يُصلِّ الصَّلاةَ حتى يَجِيءَ وقتُ الأُخرَى، فَمَنْ فعلَ ذلك فَليُصلِّهَا حينَ يَنتَبِهُ لَهَا» (٣)، وخَبَرُ النَّهيِ مَخصوصٌ بالقَضاءِ في الوقتَينِ الآخرَينِ، وبعَصرِ يَومِه، فنَقيسُ محَل النِّزاعِ على المَخصوصِ، وحَديثُ أبي قَتادةَ يدلُّ على جَوازِ التَّأخيرِ، لا على تَحريمِ الفِعلِ (٤). إذا طلَعتِ الشَّمسُ وهو في صَلاةِ الصُّبحِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُصلِّي تَطلُعُ عليه الشَّمسُ وهو في صَلاةِ الصُّبحِ. فذَهب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ المُصلِّي لو طَلَعت عليه الشَّمسُ وهو في صَلاةِ الصُّبحِ بطَلت صَلاتُه؛ لأنَّها صارَت في وقتِ النَّهيِ، بخِلافِ العَصرِ إذا غَربتِ الشَّمسُ وهو يُصلِّي العَصرَ فلا تبطُلُ صَلاتُه. والفَرقُ بينَهما أنَّ السَّببَ في العَصرِ آخرُ الوقتِ، وهو وقتُ التَّغَيُّرِ، وهو ناقِصٌ، فإذا أدَّاها فيه أدَّاها كما وَجَبت، ووقتُ الفَجرِ كلُّه كامِلٌ، فوَجَبت

стр. 788

كامِلةً، فتبطُلُ بِطُروءِ الطُّلوعِ الذي هو وقتُ فَسادٍ؛ لِعدمِ المُلاءَمَةِ بينَهما. وذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ صَلاتَه صَحِيحةٌ، ويُتمُّها؛ لمَا رَوى أبو هُريرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إذا أَدرَكَ أحَدُكم سَجدَةً مِنْ صَلاةِ العَصرِ قبلَ أَنْ تَغرُبَ الشَّمسُ فَليُتمَّ صَلاتَه، وإذا أَدرَكَ سَجدَةً مِنْ صَلاةِ الصُّبحِ قبلَ أَنْ تَطلُعَ الشَّمسُ فَليُتمَّ صَلاتَه» (١). وهذا نَصٌّ في المَسألةِ يُقدَّمُ على عُمومِ غيرِه (٢). صِفةُ قَضاءِ الفَوائتِ في السَّفرِ والحَضرِ: قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعوا على أنَّ مَنْ نَسيَ صَلاةً في حَضرٍ فذكرَها في السَّفرِ أنَّ عليه صَلاةَ الحَضرِ (٣)؛ لأنَّ الصَّلاةَ تَعيَّن عليه فِعلُها أربَعًا فلم يَجُز له النُّقصانُ مِنْ عددِها، كما لو سافَر، ولأنَّه إنَّما يَقضِي ما فاتَه، وقد فاتَه أربَعٌ. ثم إنَّهم قد اختَلَفوا فيمَن نَسيَ صَلاةً سَفريَّةً وذكرَها في الحَضرِ: فذَهب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّه يُصلِّيها سَفريَّةً رَكعتَينِ. وقالَ الشافِعيَّةُ: إن شَكَّ هل فاتَت في السَّفرِ أوِ الحَضرِ، لم يَقصُر ويُتمُّها أربَعًا. وإن فَاتَت في السَّفرِ فقَضاها فيه -أي: في السَّفرِ- أو في الحَضرِ فأربَعةُ أقوالٍ، أظهَرُها: إن قَضى في السَّفرِ قصرَ، وإلا فلا.

стр. 789

والثاني: يُتمُّ فيهما. والثَّالثُ: يَقصُرُ فيها. والرَّابعُ: إن قَضى ذلك في السَّفرِ قصرَ، وإن قَضى في الحَضرِ أو سَفرٍ آخرَ أتَمَّ. وقالَ الحَنابلَةُ: إن نَسيَ صَلاةَ السَّفرِ فذكرَها في الحَضرِ قالَ الإمامُ أحمدُ: عليه الإتمامُ احتِياطًا. وإن نَسيَ صَلاةَ سَفرٍ وذكرَها فيه -أي: في السَّفرِ- قَضاها مَقصورةً؛ لأنَّها وجبَت في سَفرٍ وفُعِلَت فيه، أشبَه ما لو صلَّاها في وقتِها، وكذلك إن ذكرَها في سَفرٍ آخرَ فكذلك، وسَواءٌ ذكرَها في الحَضرِ أو لم يَذكُرها (١). صِفةُ القِراءةِ في قَضاءِ الفَوائتِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّه إذا قَضى فائِتةَ اللَّيلِ باللَّيلِ جهرَ بلا خِلافٍ، وإن قَضى فائِتةَ النَّهارِ بالنَّهارِ أسَرَّ بلا خِلافٍ. واختَلَفوا فيما لو قَضى فائِتةَ اللَّيلِ بالنَّهارِ، أو فائِتةَ النَّهارِ باللَّيلِ. فذَهب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ عندَهم إلى أنَّ الاعتِبارَ في صِفةِ القِراءةِ بوقتِ الفَوائتِ؛ ليَكونَ القَضاءُ على وَفقِ الأداءِ، ولا فَرقَ عندَهم بينَ المُنفرِدِ والإمامِ.

стр. 790

فعلى هذا إن قَضى فائِتةَ اللَّيلِ بالنَّهارِ جهرَ، وإن قَضى فائِتةَ النَّهارِ باللَّيلِ أسَرَّ. وذَهب الشافِعيَّةُ في الأصحِّ عندَهم والحَنابلَةُ إلى أنَّ الاعتِبارَ بوقتِ القَضاءِ في الإسرارِ والجَهرِ، فعَلى هذا لو قَضى فائِتةَ اللَّيلِ في النَّهارِ أسَرَّ، وإن قَضى فائِتةَ النَّهارِ في اللَّيلِ جهرَ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لكنَّ صَلاةَ الصُّبحِ -وإن كانَت نَهارِيَّةً- هي في القَضاءِ جَهريَّةٌ، ولِوقتِها حكمُ اللَّيلِ في الجَهرِ، وإطلاقُهم مَحمولٌ على هذا (١). التَّرتيبُ بينَ الفَوائتِ وفَرضِ الوقتِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ على الإنسانِ فَوائتُ، هل يجبُ عليه التَّرتيبُ بينَها وبينَ فَرضِ الوقتِ، فلا يَجوزَ له أن يُصلِّيَ مَثَلًا العَصرَ قبلَ الظُّهرِ؟ أو يَجوزُ أن يُصلِّيَ العَصرَ ثم يُصلِّيَ الظُّهرَ؟ ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ التَّرتيبَ بينَ الفَوائتِ وبينَ فَرضِ الوقتِ واجِبٌ، وذلك لمَا رَوى جابِرُ بنُ عَبد اللهِ ﵄ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ جاءَ يومَ الخَندَقِ بعدَما غرَبتِ الشَّمسُ، فجعلَ يَسُبُّ كُفارَ قُرَيشٍ، وقالَ: يا رَسولَ اللهِ، ما كِدتُ أُصَلِّي

стр. 791

العَصرَ حتى كادَتِ الشَّمسُ تَغرُبُ. فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «واللهِ ما صلَّيتُهَا»، فَقُمنَا إلى بُطحَانَ، فَتوضَّأَ لِلصَلاةِ، وَتوضَّأنَا لها، فَصلَّى العَصرَ بعدَما غرَبتِ الشَّمسُ، ثم صلَّى بعدَها المَغربَ (١). وعن أبي سَعيدٍ قالَ: حُبِسنَا يومَ الخَندقِ عن الصَّلاةِ حتى كانَ بعدَ المَغربِ بهَوِيٍّ مِنْ اللَّيلِ حتى كُفِينَا، وذلكَ قولُ اللهِ تَعالَى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [لقمان: ٢٥]، قالَ: فدَعا رَسولُ اللهِ ﷺ بِلالًا، فأقامَ الظُّهرَ فصلَّاها فأحسَنَ صَلاتَها، كما كانَ يُصلِّيها في وقتِها، ثم أمرَه فأقامَ العَصرَ فصلَّاها فأحسَنَ صَلاتَها، كما كانَ يُصلِّيها في وقتِها، ثم أمرَه فأقامَ المَغربَ فصلَّاها فأحسَنَ صَلاتَها كما كانَ يُصلِّيها في وقتِها، قالَ: وذلك قبلَ أن يُنزِلَ اللهُ في صَلاةِ الخَوفِ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] (٢). فقد قَضى النَّبيُّ ﷺ الصَّلواتِ مُرتبةً، وقالَ: «صَلُّوا كما رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي». ورَوى الإمامُ أحمدُ بإسنادِه عن أبي جمُعةَ حَبيبِ بنِ سِباعٍ، وكانَ قد أدرَكَ النَّبيَّ ﷺ قالَ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ عامَ الأَحزَابِ صلَّى المَغربَ، فلمَّا فرغَ قالَ: «هل علِم أَحدٌ مِنْكُمْ أنِّي صلَّيتُ العَصرَ؟»، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، ما صلَّيتَهَا، فَأَمرَ المُؤذِّنَ فَأَقامَ الصَّلاةَ، فَصلَّى العَصرَ، ثم أَعادَ المَغربَ (٣)؛ وهذا يدلُّ على وُجوبِ التَّرتِيبِ.

стр. 792

ورُويَ عن ابنِ عمرَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ نَسيَ صَلاةً فلَم يَذكُرهَا إلَّا وَهو معَ الإِمَامِ، فَليُصلِّ معَ الإِمَامِ، فَإِذَا فرغَ مِنْ صَلاتِه فَليُعِدِ الصَّلاةَ التي نَسيَ، ثم ليُعِدِ الصَّلاةَ التي صلَّاهَا معَ الإِمَامِ» (١). ورُويَ مَوقوفًا عن ابنِ عمرَ وصوَّبه الدَّارقُطنيُّ، ولأنَّهما صَلاتانِ مُؤقَّتَتانِ وجبَ التَّرتيبُ فيهما، كالمَجموعَتَينِ. وأيضًا فقد جعلَ وقتَ التَّذكُّرِ وقتَ الفائِتةِ، فكانَ أداءُ الوَقتيَّةِ قبلَ قَضاءِ الفائِتةِ أداءً قبلَ وقتِها؛ فلا يَجوزُ. إذا ثَبت هذا فإنَّه يجبُ التَّرتيبُ بينَ الفائِتةِ والوَقتيَّةِ، وإن كَثُرت، عندَ الحَنابلَةِ (٢). وعندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ إذا كانَتِ الفَوائتُ أقَلَّ مِنْ يَومٍ ولَيلَةٍ يجبُ تَقديمُ الفَوائتِ على الحاضِرةِ (٣).

стр. 793

وقالَ الإمامُ مالِكٌ: مَنْ نَسيَ صَلاةً أو صَلاتَينِ أو ثَلاثًا، ثم ذكرَهُنَّ قبلَ صَلاةِ الصُّبحِ، قالَ: إن كانَت يَسيرةً صلَّاهُنَّ قبلَ الصُّبحِ، وإن فاتَ وقتُ الصُّبحِ، لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسيَهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصلِّيَهَا إذَا ذكرَهَا» (١)، وإن كانَت صَلواتٍ كَثيرةً بَدأَ بالصُّبحِ، ثم صلَّى ما كانَ نَسيَ، وإن كانَ صلَّى الصُّبحَ ثم ذكرَ صَلواتٍ كَثيرةً صلَّى ما نَسيَ، فإن فرغَ مِنْ ذلك وعليه بَقيَّةٌ مِنْ الوقتِ صلَّى الصُّبحَ، وإن لم يَفرُغ ممَّا نَسيَ حتى فاتَ وقتُ الصَّلاةِ لا يُعيدُ الصُّبحَ، وقد مَضَى وقتُها (٢). وذَهب الشافِعيَّةُ إلى أنَّ التَّرتيبَ في قَضاءِ الصَّلواتِ بينَ فَريضةِ الوقتِ والمَقضيَّةِ مُستحَبٌّ، فإن دخلَ وقتُ فَريضةٍ وتذكَّر فائِتةً، فإنِ اتَّسعَ وقتُ الحاضِرةِ استُحِبَّ البُداءةُ بالفائِتةِ، وإن ضاقَ وجبَ تَقديمُ الحاضِرةِ. وسَببُ تَقديمِ الفائِتةِ ألَّا يَتساهَلَ في اللِّقاءِ بالتَّأخيرِ. ولو تذكَّر الفائِتةَ بعدَ شُروعِه في الحاضِرةِ أتَمَّها، ضاقَ الوقتُ أو اتَّسعَ، ثم يَقضِي الفائِتةَ، ويُستحبُّ أن يُعيدَ الحاضِرةَ بعدَها (٣).

стр. 794

مَنْ ذكرَ أنَّ عليه صَلاةً فائِتةً وهو في أُخرى: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في الرَّجلِ يَكونُ في الصَّلاةِ فيَذكُرُ أنَّ عليه صَلاةً قبلَها. فذَهب الشافِعيَّةُ إلى أنَّه يُصلِّي الصَّلاةَ التي دخلَ فيها، ثم يَقضي الفائِتةَ، وليس عليه أن يُعيدَ الصَّلاةَ التي صلَّاها وهو ذاكِرٌ الفائِتةَ. وذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّه إذا ذكرَها قبلَ أن يَتشهَّدَ أو يَجلِسَ مِقدارَ التشهُّدِ، تركَ هذه، وعادَ إلى تلك. وإن ذكرَها بعدَ ذلك اعتَدَّ بهذه وعادَ إلى تلك. وثَبت عن ابنِ عمرَ أنَّه قالَ: «مَنْ نَسيَ صَلاةً فلم يَذكُرهَا إِلَّا وهو مع الإِمَامِ، فإذا سلَّم الإِمَامُ فَليُصلِّ الصَّلاةَ التي نَسيَ، ثم ليُصلِّ بعدَها الأُخرَى» (١). وقالَ الإمامُ أحمدُ: إذا فاتَه الظُّهرُ وهو مع الإمامِ في العَصرِ فذكرَها قالَ: يُتمُّ ويُعيدُها، وقالَ: مَنْ نَسيَ صَلاةً فذكرَها وهو في صَلاةٍ أُخرى قالَ: يُتمُّ تلك الصَّلاةَ، ثم يُصلِّي التي نَسيَ، ثم يُعيدُ هذه التي ذكرَها وهو فيها. وقالَ الحَنفيَّةُ: إذا دخلَ في صَلاةٍ أو لم يَدخُل فذكرَ صَلاةً فائِتةً فإن كانَ فائِتُه صَلاةً واحدةً إلى خَمسِ صَلواتٍ، فعَلَيه أن يَبدَأَ بالفَوائتِ، فإن هو صلَّى صَلاةً في وقتِها وهو ذاكِرٌ لِلفَوائتِ، فصَلاتُه فاسِدةٌ، وسَواءٌ ذكرَ الفَوائتَ بعدَما دخلَ في الصَّلاةِ أو ذكرَها قبلَ الدُّخولِ فيها، ثم دخلَها وهو ذاكِرٌ لها، إلا أن يَذكُرَها في آخرِ وقتِ صَلاةٍ إن هو بَدأَ بالفائِتةِ فإنَّه وقتُ هذه، فإنَّه يَبدَأُ حينَئذٍ بهذه التي يَخافُ فَوَاتَها، ثم يُصلِّي الفَوائتَ، وإن كانَت

стр. 795

فَوائتُه سِتَّ صَلواتٍ فصاعِدًا فذكرَها في وقتِ صَلاةٍ، وقد دخلَ فيها أو لم يَدخُل، بَدأَ بالتي دخلَ وقتُها قبلَ الفَوائتِ، ثم يَقضي الفَوائتَ، جازَت صَلاتُه كلُّها، وإن نَسيَ صَلاةً واحدةً فذكرَها وقد دخلَ في صَلاةٍ أُخرى، فإن كانَ بينَ الصَّلاةِ التي نَسيَها وبينَ التي دخلَ فيها خَمسُ صَلواتٍ أو أقَلُّ، فَسَدَت هذه التي دخلَ فيها، وبَدأَ بالتي نَسيَها فَصلَّاها، ثم صلَّى هذه، إلا أن يَذكُرَها وهو في آخرِ وقتِ هذه يُتمُّها، ثم يَقضيَ الفائِتةَ، وإن كانَ بينَها وبينَ التي دخلَ فيها سِتُّ صَلواتٍ فصَاعِدًا لم تَفسُد هذه التي دخلَ فيها، فيُتمُّها ثم يُصلِّي التي نَسيَ. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: ليس بينَ أن يَكونَ الفوائِتُ خَمسًا أو سِتًّا فَرقٌ ولا معنَى لِتَفريقِهم بينَ ما لا يفتَرقُ بحُجَّةٍ. وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ: لا يَخلو مَنْ صلَّى صَلاةً وعليه غيرُها مِنْ إحدى مَنزِلَتَينِ: إما ألَّا يُجزِئَه إلا على الوَلاءِ، الأوَّلَ فالأوَّلَ، أو يُجزِئَه في أيِّ حالٍ صلَّى صَلاةً وعليه أُخرى، فلمَّا أجمَعوا على أنَّه إن صلَّى صَلاةً في آخرِ وقتِها وعليه أكثرُ مِنْ صَلاةِ يَومٍ ولَيلَةٍ، أجزَأَهُ وقَضى ذلك، على ألَّا تبطُلَ صَلاةٌ صُلِّيَت في وَقتٍ لفَواتِ أُخرى قبلَها. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: إذا ذكرَ رَجلٌ صَلاةً فائِتةً وهو في صَلاةٍ بعدَها لم تَفسُد عليه الصَّلاةُ التي هو فيها بذكرِه الفائِتةَ، ولو عمدَ فدخلَ في صَلاةٍ وهو ذاكِرٌ عندَ دُخولِه فيها أنَّ عليه صَلاةً قبلَها، لم تَفسُد عليه هذه، وأجزأَته هذه، وعليه أن يُصلِّيَ الصَّلاةَ التي ذكرَها، وقد رَكَعَ أصحابُ رَسولِ اللهِ

стр. 796

ﷺ رَكعتَيِ الفَجرِ (١) وعليهم فَرضٌ، وإذا جازَ أن يَتطوَّعَ مُتطوِّعٌ وعليه فَرضٌ جازَ أن يُصلِّيَ فَرضًا وعليه فَرضٌ، واللهُ أعلَمُ (٢). فَوريَّةُ قَضاءِ الفَوائِتِ: ذَهب المالِكيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ مَنْ فاتَته صَلاةٌ فإنَّه يجبُ عليه قَضاؤُها على الفَورِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسيَهَا، فَليُصلِّهَا إذَا ذكرَهَا». والأمرُ لِلوُجوبِ، والمُرادُ بالفَورِ الفَورُ العادِيُّ، بحيثُ لا يُعَدُّ مُفرِّطًا، وقيَّد الحَنابلَةُ الفَوريَّةَ بما لم يَتضَرَّر في بَدنِه، أو مالِه، أو مَعيشَةٍ يَحتاجُ إليها، فيسقطُ عنه الفَورُ ويَقضيها بحيثُ لا يَتضَرَّرُ؛ لِحَديثِ: «لَا ضَرَرَ ولا ضِرارَ». وقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ويَجوزُ تَأخيرُ الفائِتةِ عندَهم لِغَرضٍ صَحِيحٍ، كانتِظارِ رُفقةٍ أو جَماعةٍ لِلصَّلاةِ؛ «لِفِعلِه ﷺ بِأَصحَابِه لمَّا فَاتَتهُم صَلاةُ الصُّبحِ وَتَحَوَّلُوا مِنْ مَكانِهم، ثم صلَّى بِهمُ الصُّبحَ» مُتفقٌ عليه. والظاهرُ أنَّ منهم مَنْ فرغَ مِنْ الوُضوءِ قبلَ غيرِه (٣). وأمَّا الشافِعيَّةُ فقالَ النَّوويُّ ﵀: مَنْ لزِمه صَلاةٌ ففاتَته، لزِمه

стр. 797

قَضاؤُها، سواءٌ فاتَت بعُذرٍ أو بغيرِه، فإن كانَ فَواتُها بعُذرٍ كانَ قَضاؤُها على التَّراخي، ويُستحبُّ أن يَقضيَها على الفَورِ. قالَ صاحِبُ التَّهذيبِ: وقيلَ: يجبُ قَضاؤُها حينَ ذكرَ؛ للحَديثِ السابقِ، والذي قطعَ به الأصحابُ أنَّه يَجوزُ تَأخيرُها؛ لِحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ قالَ: «كُنَّا في سَفرٍ مع النَّبيِّ ﷺ ، وإنَّا أسرَينَا حتى كُنَّا في آخرِ اللَّيلِ وَقَعنا وَقعَةً ولا وَقعةَ أحلى عندَ المُسافرِ منها، فما أيقَظَنا إلا حَرُّ الشَّمسِ … فلمَّا استَيقظَ النَّبيُّ ﷺ شَكَوا إليه الذي أصابَهم، قالَ: «لَا ضَيرَ -أو: لا يَضِيرُ-، ارتَحِلُوا»، فَارتَحَلَ، فَسَارَ غيرَ بَعِيدٍ، ثم نزلَ، فَدَعا بِالوَضُوءِ، فَتوضَّأَ، وَنُودِيَ بِالصَّلاةِ، فَصلَّى بِالنَّاسِ (١). وهذا هو المَذهبُ. وإن فوَّتها بلا عُذرٍ فوَجهانِ: أصحُّهما عندَ العِراقِيِّينَ أنَّه يُستحبُّ القَضاءُ على الفَورِ، ويَجوزُ التَّأخيرُ، كما لو فاتَت بعُذرٍ. وأصحُّهما عندَ الخُراسَانِيِّينَ أنَّه يجبُ القَضاءُ على الفَورِ، وبه قطعَ جَماعاتٌ منهم، أو أكثرُهم، ونقلَ إمامُ الحَرمَينِ اتِّفاقَ الأصحابِ عليه، وهذا هو الصَّحيحُ؛ لأنَّه مُفرِّطٌ بتَركِها، ولأنَّه يُقتلُ بالصَّلاةِ التي فاتَت، وإن كانَ القَضاءُ على التَّراخي لم يُقتل (٢). وأمَّا الحَنفيَّةُ فاختَلَفوا، فقالَ مُحمدٌ: قَضاءُ الصَّلاةِ يجبُ على التَّراخِي. وقالَ أبو يُوسفَ: يجبُ القَضاءُ على الفَورِ.

стр. 798

وعنِ الإمامِ رِوايَتانِ: قال ابنُ نُجِيمٍ: وفي المُجتَبَى: الأصحُّ تَأخيرُ الفَوائتِ لِعُذرِ السَّعيِ على العِيالِ والحَوائِجِ يَجوزُ (١). سُقوطُ التَّرتيبِ: يسقطُ التَّرتيبُ لِلأسبابِ الآتِيةِ: أ- ضِيقُ الوقتِ: ذَهب الحَنفيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ ضاقَ عليه وقتُ الحاضِرةِ يسقطُ عنه التَّرتيبُ؛ لأنَّ فَرضَ الوقتِ آكَدُ مِنْ فَرضِ التَّرتيبِ؛ لأنَّه ليس مِنْ الحِكمةِ تَدارُكُ الفائِتةِ بتَفويتِ مِثلِها؛ لأنَّ الحِكمةَ لا تَقتَضي إضاعةَ المَوجودِ في طَلَبِ المَفقودِ، ولأنَّ وُجودَ الوَقتيَّةِ ثَبت بالكتابِ، أمَّا التَّرتيبُ فَثَبت بخَبرِ الواحدِ، فإنِ اتَّسعَ الوقتُ عَمِلَ بها، وإن ضاقَ فالعملُ بالكتابِ أَولَى. قالَ الحَنفيَّةُ: يسقطُ التَّرتيبُ بضِيقِ الوقتِ عن الأداءِ والقَضاءِ، بحيثُ لا يَسَعُ الوقتُ الوَقتيَّةَ والفائِتةَ جَميعًا، وإن كانَ الباقي مِنْ الوقتِ يَسَعُ فيه إحدَاهما فقط، تُقدَّمُ الوَقتيَّةُ؛ لأنَّ الباقيَ وقتٌ لِلوقتِيَّةِ بالكتابِ، ووقتٌ لِلفائِتةِ بأخبارِ الآحادِ، فلو قُلنا بوُجوبِ تَقديمِ الفائِتةِ يَلزمُ نَسخُ الكتابِ بخَبرِ الواحدِ، بخِلافِ ما إذا كان في الوقتِ سَعَةٌ، يُمكِنُ العملُ بالأدلَّةِ جَميعًا، ولا يَلزمُ النَّسخُ.

стр. 799

ولو شرعَ في الوَقتيَّةِ وفي الوقتِ سَعَةٌ، وأطالَ القِراءةَ حتى ضاقَ، لا تَجوزُ صَلاتُه؛ فيجبُ عليه أن يَقطعَها ويَشرَعَ فيها ثانيةً، في ضِيقِ الوقتِ. ولو ظَنَّ سَعَةَ الوقتِ ثم تَبيَّن خِلافُه لم تَجُزِ الوَقتيَّةُ، وقيلَ: جازَ، ولو شرعَ في الوَقتيَّةِ عندَ الضِّيقِ ثم خرَج الوقتُ في خِلالِها لم تَفسُد، وهو الأصحُّ، ولأنَّ العِبرَةَ لِأصلِ الوقتِ، وقيلَ: لِلوقتِ المُستحَبِّ الذي لا كَراهيةَ فيه، والأوَّلُ قياسُ قولِهما، والثاني قياسُ قولِ مُحمدٍ، حتى إنَّ مَنْ فاتَه الظُّهرُ وأمكَنَ أداؤُه قبلَ تَغيُّرِ الشَّمسِ، ولكِن يَقعُ كلُّ العَصرِ أو بَعضُه بعدَ التَّغييرِ، لا يَلزمُه التَّرتيبُ عندَه، ويَلزمُ عندَهما (١). وقالَ الحَنابلَةُ: يسقطُ التَّرتيبُ بضيقِ الوقتِ، ولو لِلاختِيارِ، فإن خَشيَ فَواتَ الحاضِرةِ قدَّمها؛ لئلَّا تَصيرَ فائِتةً، ولأنَّ فِعلَ الحاضِرةِ آكَدُ، بدَليلِ أنَّه يُقتلُ بتَركِها، بخِلافِ الفائِتةِ، وعنه: لا يسقطُ التَّرتيبُ (٢). وذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّه يجبُ تَرتيبُ يَسيرِ الفَوائتِ على الحاضِرةِ، كمَن عليه المَغربُ والعِشاءُ مع الصُّبحِ، فيجبُ تَقديمُهما على الصُّبحِ الحاضِرةِ، وإن خرَج وقتُها -أي: الحاضِرةِ- بتَقديمِ يَسيرِ الفَوائتِ والواجِبِ عليها، وهيَ -أي: يَسيرُ الفوائِتِ- خَمسٌ فأقَلُّ، وقيلَ: أربَعٌ

стр. 800

فأقَلُّ، فأربَعٌ يَسيرٌ اتِّفاقًا، والسِّتةُ كَثيرٌ اتِّفاقًا، والخِلافُ في الخَمسِ. فإن قدَّم الحاضِرةَ على يَسيرِ الفوائِتِ صحَّت، وأثِمَ إن تعمَّد، وأعادَ الحاضِرةَ نَدبًا إن خالَفَ، وقدَّم الحاضِرةَ على اليَسيرِ ولو عَمدًا (١). قالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: إن ذكرَها -أي: الفائِتةَ- في آخرِ وقتِ أُخرى، وخَشيَ إن صلَّاها فَواتَ التي في وقتِها، فليُصلِّ الفائِتةَ، وإن فاتَت هذه. هذا قولُ مالِكٍ وأكثَرِ أصحابِه، وجَماعةٍ مِنْ أهلِ المَدينةِ. ومِن أهلِ المَدينةِ جَماعةٌ، وهُمُ الأكثرُ، يَقولونَ: إنَّه إن خَشيَ فَوتَ صَلاةِ وقتِه بَدأَ بها، وبه يَقولُ مِنْ أصحابِ مالِكٍ عَبد اللهِ بنُ وَهبٍ، وإليه ذَهب مُحمدُ بنُ الحَكَمِ (٢). وقالَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ عنه: إنَّ التَّرتيبَ واجِبٌ مع سَعةِ الوقتِ وَضِيقِه، اختارَها الخلَّالُ. وفي رِوايةٍ ثانيةٍ عنه: إن كانَ وقتُ الحاضِرةِ يتَّسعُ لِقَضاءِ الفَوائتِ وجبَ التَّرتِيبُ، وإن كانَ لا يتَّسعُ سقطَ التَّرتيبُ في أوَّلِ وقتِها (٣). وأمَّا الشافِعيَّةُ: فلا يجبُ عندَهمُ التَّرتيبُ أصلًا. ب- النِّسيانُ: ذَهب الحَنفيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى سُقوطِ التَّرتيبِ بالنِّسيانِ؛

стр. 801

لعُمومِ قولِه ﷺ : «إنَّ اللَّهَ وضعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسيَانَ، وَمَا استُكرِهُوا عَلَيهِ» (١)، ولأنَّ المَنسيَّةَ ليست عليها أَمارَةٌ، فجازَ أن يُؤَثِّرَ فيها النِّسيانُ، كالصَّومِ. وذَهب المالِكيَّةُ إلى أنَّه إن قدَّم الثانيةَ نِسيانًا، وتذكَّر الأُولى بعدَ فَراغِه منها، أعادَ الثانيةَ ما دامَ الوقتُ باقيًا بعدَ أن يُصلِّيَ الأُولى، فإن تركَ إعادَتَها نِسيانًا حتى خرَج الوقتُ، لم يُعِدها، عندَ ابنِ القاسِمِ، ويُعيدُها عندَ غيرِه (٢). وحَكى ابنُ عَقيلٍ عن الإمامِ أحمدَ أنَّه قالَ: لا يسقطُ التَّرتيبُ بالنِّسيانِ. قالَ في «الإنصافِ»: هذه الرِّوايةُ تُخالِفُ ما نقلَه الجَماعةُ عنه، فإمَّا أن تَكونَ غَلطًا أو قَولًا قَديمًا (٣). ج- الجَهلُ: ذَهب الحَنفيَّةُ (٤) والحَنابلَةُ في قَولٍ إلى أنَّ مَنْ جَهِلَ وُجوبَ التَّرتيبِ يسقطُ عنه، كالنَّاسي. وذَهب الحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يُعذَرُ في تَركِ التَّرتِيبِ بالجَهلِ بوُجوبِه؛ لأنَّه تَرتيبٌ واجِبٌ في الصَّلاةِ؛ فلم يسقُط بالجَهلِ، كالتَّرتيبِ في

стр. 802

المَجموعتَينِ، ولأنَّ الجَهلَ بأحكامِ الشَّرعِ مع التَّمَكُّنِ مِنْ العِلمِ لا يُسقِطُ أحكامَها، كالجَهلِ بتَحريمِ الأكلِ في الصَّومِ (١). وهذا رَأيُ المالِكيَّةِ فيمَن جَهِلَ وُجوبَ تَرتيبِ الحاضِرتَينِ، وهُما الظُّهرانِ والعِشاءانِ، فبَدأَ بالأخيرةِ؛ جَهلًا بالحُكمِ؛ فإنَّه يُعيدُ الأخيرةَ بعدَ أن يُصلِّيَ الأُولى (٢). فَواتُ الجَماعةِ: يَرى الحَنفيَّةُ أنَّ مَنْ شرعَ في قَضاءِ فائِتةٍ، وأُقيمَتِ الحاضِرةُ في المَسجدِ فإنَّه لا يَقطعُها، إلا إذا أُقيمَتِ الجَماعةُ في ذلك الفَرضِ بعَينِه فإنَّه يَقطعُ ويَقتَدي (٣). وقالَ المالِكيَّةُ: إن أُقيمَت صَلاةٌ لِراتِبٍ بمَسجدٍ أو رحبَتِه والمُصلِّي في نَفلٍ أو فَريضةٍ غيرِ المُقامةِ أو عَينِها قطعَ صَلاتَه ودخلَ مع الإمامِ إن خَشيَ بإتمامِها فَواتَ رَكعةٍ مع الإمامِ مِنْ الصَّلاةِ المُقامةِ، وإن لم يَخشَ فَواتَ رَكعةٍ مع الإمامِ أتَمَّ صَلاتَه، سَواءٌ عَقَدَ رَكعةً أو لا (٤). وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا كانَ في صَلاةٍ فائِتةٍ لا يَقلِبُها نَفلًا لِيُصلِّيَها جَماعةً في حاضِرةٍ أو فائِتةٍ أُخرى، فإن كانَتِ الجَماعةُ في تلك الفائِتةِ بعَينِها، ولم يكن

стр. 803

قَضاؤُها فَوريًّا، جازَ له قَطعُها مِنْ غيرِ نَدبٍ، وإلا فلا يَجوزُ، كما قالَه الزَّركَشِيُّ، ويجبُ عليه قَلبُ الفائِتةِ نَفلًا إن خَشيَ فَوتَ الحاضِرةِ (١). أمَّا الحَنابلَةُ فقد قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إن كانَ عليه عَصرٌ وأُقيمَت صَلاةُ الظُّهرِ فقد ذكرَ بَعضُ أصحابِنا فيمَن عليه فائِتةٌ وخَشيَ فَواتَ الجَماعةِ رِوايتَينِ: إحداهما: يسقطُ التَّرتيبُ؛ لأنَّه اجتَمعَ واجِبانِ: التَّرتيبُ والجَماعةُ، ولا بدَّ مِنْ تَفويتِ إحداهما، فكانَ مُخيَّرًا فيهما. والأُخرى: لا يسقطُ التَّرتيبُ، بل يُصلِّي الفائِتةَ، ثم الحاضِرةَ، ولو وَحدَه؛ لأنَّه آكَدُ مِنْ الجَماعةِ، بدَليلِ اشتِراطِه لِصحَّةِ الصَّلاةِ، بخِلافِ الجَماعةِ، وهذا ظاهرُ المَذهبِ. فإن أرادَ أن يُصلِّيَ العَصرَ الفائِتةَ خلفَ مَنْ يؤدِّي الظُّهرَ ابتنَى ذلك على جَوازِ ائتِمامِ مَنْ يُصلِّي العَصرَ خلفَ مَنْ يُصلِّي الظُّهرَ، وفيه رِوايَتانِ سَنَذكرُهما إن شاءَ اللهُ تَعالى، قالَ أحمدُ فيمَن تركَ سِنينَ: يُعيدُها، فإذا جاءَ وقتُ صَلاةٍ مَكتوبةٍ صلَّاها، ويَجعلُها مِنْ الفَوائتِ التي يُعيدُها، ويُصلِّي الظُّهرَ في آخرِ الوقتِ، وقالَ: لا يُصلِّي مَكتوبةً إلا في آخرِ وقتِها، حتى يَقضِيَ التي عليه مِنْ الصَّلواتِ (٢).

стр. 804

اقتِداءُ المُفتَرِضِ بمَن يُصلِّي فَرضًا آخرَ، واقتِداءُ المُفتَرِضِ خلفَ المُتنَفِّلِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ اقتِداءِ مُفتَرِضٍ بمَن يُصلِّي فَرضًا آخرَ غيرَ فَرضِ المَأمُومِ، أو مَنْ يُصلِّي فَرضًا خلفَ مَنْ يُصلِّي نَفلًا، هل يَصحُّ أو لا؟ فذَهب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابلَةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ اقتِداءُ مُفتَرِضٍ بمَن يُصلِّي فَرضًا آخرَ غيرَ فَرضِ المَأمومِ، فلا يَصحُّ اقتِداءُ مَنْ يُصلِّي ظُهرًا خلفَ مَنْ يُصلِّي عَصرًا، أو غيرَهما كالعِشاءِ، ولا عَكسُه، ولا اقتِداءُ مَنْ يُصلِّي أداءً بمَن يُصلِّي قَضاءً، ولا عَكسُه، ولا مَنْ يُصلِّي فَرضًا خلفَ مَنْ يُصلِّي نَفلًا؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما جُعل الإمامُ لِيُؤتمَّ به؛ فَلا تَختلِفُوا عليه»؛ لأنَّ الاختِلافَ في الصِّفةِ كالاختِلافِ في الوَصفِ. وذَهب الشافِعيَّةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ (والظَّاهريَّةُ) إلى جَوازِ اقتِداءِ المُفتَرِضِ خلفَ مَنْ يُصلِّي فَرضًا آخرَ غيرَ فَرضِ المَأمومِ، وكذا مَنْ يُصلِّي نَفلًا خلفَ مَنْ يُصلِّي فَرضًا، فإنَّ كلَّ مُصَلٍّ يُصلِّي لنَفسِه، وله ما نَواهُ مِنْ صَلاتِه؛ فالأعمالُ بالنِّياتِ، قالوا: ولأنَّنا أُمِرنا بأن نَأتَمَّ بالإمامِ فيما يَظهرُ إلينا مِنْ أفعالِه، فأمَّا النِّيةُ فمُغيَّبةٌ عنَّا، ومُحالٌ أن نُؤمرَ باتِّباعِه فيما يَخفَى مِنْ أفعالِه علينا. واستدَلُّوا على ذلك بعِدَّةِ أدلَّةٍ، منها قولُ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما الأَعمَالُ بِالنِّياتِ، وَإنَّما لِكلِّ امرِئٍ مَا نوَى» (١)؛ فنَصَّ ﷺ نَصًّا

стр. 805

جَلِيًّا على أنَّ لِكلِّ أحَدٍ مَا نوَى، فصحَّ بهذا أنَّ لِلإمامِ نيَّتَه، ولِلمَأمُومِ نيَّتَه، لا تَعلُّقَ لِإحداهُما بالأُخرى. وعن جَابرِ بنِ عَبد اللَّهِ أَنَّ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ كانَ يُصلِّي معَ النَّبيِّ ﷺ ثم يَأتِي فَيَؤُمُّ قَومَه، فَصلَّى لَيلَةً معَ النَّبيِّ ﷺ العِشاءَ، ثم أَتَى قَومَه فَأَمَّهُم، فَافتَتحَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ، فَانحَرفَ رَجلٌ فَسلَّم، ثم صلَّى وَحدَهُ وَانصَرفَ، فَقالُوا لَه: أَنَافَقتَ يَا فُلَانُ؟ قالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَآتِيَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ . فقالَ: يَا رَسولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصحَابُ نَوَاضِحَ، نَعمَلُ بِالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعاذًا صلَّى معَكَ العِشاءَ، ثم أَتَى فَافتَتحَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ، فَأَقبَلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ على مُعاذٍ فقالَ: «يَا مُعاذُ، أَفَتَّانٌ أَنتَ؟ اقرَأ بِكَذَا، وَاقرَأ بِكَذَا» (١). فهذا رَسولُ اللهِ ﷺ قد علِم بأَمرِه، وأقَرَّه على حالِه ولم يُنكِرها. وعَن أَبِي بَكرةَ ﵁ قالَ: «صلَّى النَّبيُّ ﷺ في خَوفٍ الظُّهرَ، فصَفَّ بَعضَهُم خلفَه وَبَعضَهُم بإِزَاءِ العَدُوِّ، فصلَّى بهِم رَكعتَينِ ثم سلَّمَ، فَانطَلَقَ الَّذينَ صَلوا معه فَوقفوا مَوقِفَ أَصحَابِهم، ثم جاءَ أولَئِكَ فَصَلوا خلفَه، فصلَّى بهِم رَكعتَينِ، ثم سلَّمَ، فكانَت لِرَسولِ اللهِ ﷺ أَربَعًا، وَلأَصحَابِه رَكعتَينِ رَكعتَينِ» (٢). وعن جَابرٍ قالَ: «أَقبَلنَا معَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ حتى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقاعِ … »، وَذكرَ الحَديثَ، قالَ: «فَنُودِيَ بِالصَّلاةِ، فَصلَّى بِطَائِفَةٍ رَكعتَينِ،

стр. 806

ثم تَأَخَّرُوا، وَصلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخرَى رَكعتَينِ، قالَ جَابِرٌ: فَكانَت لِلنَّبِيِّ ﷺ أَربَعُ رَكَعاتٍ، وَلِلقَومِ رَكعتَانِ» (١). وهذا آخرُ فِعلِ رَسولِ اللهِ ﷺ ؛ لأنَّ أبا بَكرةَ شَهِدَه، وإنَّما كانَ إسلامُه يومَ الطَّائِفِ بعدَ فَتحِ مَكةَ، وبعدَ حُنَينٍ. وعن جَابرٍ «أَنَّه ﷺ سلَّم بينَهُمَا» (٢). وَإنَّما قُلنا: أَنْ تُؤدَّى الفَرِيضَةُ خلفَ المُتنَفِّلِ، كمَا فعلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصحَابُه ﵃، وَتُصلَّى النَّافِلَةُ خلفَ مُصلِّي الفَرضِ، كمَا أَمرَ ﵇. وَتُؤدَّى الفَريضةُ خلفَ مُؤدِّي فَريضةٍ أُخرى، كمَا أَخبَرَ ﷺ : «الأَعمَالُ بِالنِّياتِ، وَلِكلِّ امرِئٍ مَا نوَى»، ولم يَنهَ ﷺ عن ذلك قَطُّ، ولا أحَدٌ مِنْ أصحابِه. وعن حُمَيدِ بنِ هِلَالٍ: أَخبَرَنِي عَبد اللَّهِ بنُ الصَّامِتِ قالَ: «كُنَّا معَ الحَكَمِ بنِ عَمرٍو الغِفَارِيِّ -هو صَاحِبُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ في جَيشٍ، وَهو يُصلِّي بِنَا صَلاةَ الصُّبحِ، وَبينَ يَديهِ عَنَزَةٌ، فَمرَ حِمَارٌ بينَ يَديِ الصُّفُوفِ؛ فَأَعادَ بِهمُ الصَّلاةَ، وقالَ: قَدْ كانَ بينَ يَديَّ مَا يَستُرُنِي -يَعني العَنَزَةَ- وَلَكِنِّي أَعَدتُ لِمَنْ لَم يكن بينَ يَديهِ مَا يَستُرُه»، وَذكرَ الحَديثَ. فهذا صَاحِبُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ صلَّى نافِلةً بمَن يؤدِّي فَريضةً.

стр. 807

وعن عَطَاءٍ الخُراسَانِيِّ: «أَنَّ أَبا الدَّردَاءِ أَتَى مَسجدَ دِمَشقَ وهُم يُصَلُّونَ العِشاءَ، وَهو يُرِيدُ المَغربَ، فَصلَّى معَهم، فَلمَّا قَضى الصَّلاةَ قامَ فَصلَّى رَكعَةً، فَجعلَ ثَلاثا لِلمَغربِ، وَرَكعتَينِ تَطوُّعًا»، وَمِنْ طَريقِ قَتادةَ رَوى هذا الخَبرَ، وَزادَ فيه: «ثم صلَّى العِشاءَ». وعن أَنَس بنِ مَالكٍ: «فِيمَن أَتَى التَّرَاوِيحَ في شَهرِ رَمضَانَ ولَم يكن صلَّى العِشاءَ وقد بَقيَ لِلنَّاسِ رَكعتَانِ، قالَ: اجعَلهُمَا مِنْ العِشاءِ». قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: مَذهبُنا أنَّه تَصحُّ صَلاةُ النَّفلِ خلفَ الفَرضِ، والفَرضِ خلفَ النَّفلِ، وتَصحُّ صَلاةُ فَريضةٍ خلفَ فَريضةٍ أُخرَى تُوافِقُها في العددِ، كظُهرٍ خلفَ عَصرٍ، وتَصحُّ فَريضةٌ خلفَ فَريضةٍ أكثرَ منها، وكلُّ هذا جائِزٌ بلا خِلافٍ عندَنا، ثم إذا صلَّى الظُّهرَ خلفَ الصُّبحِ وسلَّم الإمامُ قامَ المَأمومُ لِإتمامِ صَلاتِه، وحكمُه كحُكمِ المَسبوقِ. ولو صلَّى الظُّهرَ خلفَ المَغربِ جازَ باتِّفاقٍ، ويَتخيَّرُ إذا جلسَ الإمامُ في التشهُّدِ الأخيرِ بينَ مُفارقَتِه لِإتمامِ ما عليه، وبينَ الاستِمرارِ معه حتى يسلِّمَ الإمامُ ثم يَقومَ المَأمومُ إلى رَكعَتِه، والاستِمرارُ أفضَلُ. وإن كانَ عددُ رَكعاتِ المَأمومِ أقَلَّ، كمَن صلَّى الصُّبحَ خلفَ رُباعيَّةٍ، أو خلفَ المَغربِ، أو صلَّى المَغربَ خلفَ رُباعِيَّةٍ، ففيه طَريقانِ، حَكاهما الخُراسَانِيُّونَ، أصحُّهما وبه قطعَ العِراقيُّونَ: جَوازُه، كعَكسِه، والآخَرُ: حَكاه الخُراسانِيُّونَ، فيه قَولانِ، أصحُّهُما هذا، والآخَرُ بُطلانُه؛ لأنَّه يَدخلُ في الصَّلاةِ بنيَّةِ مُفارَقةِ الإمامِ، فإذا قُلنا بالمَذهبِ، وهو صحَّةُ الاقتِداءِ، ففرغَت صَلاةُ المَأمومِ، وقامَ الإمامُ إلى ما بَقيَ عليه فالمَأمومُ بالخيارِ،

стр. 808

إن شاءَ فارقَه وسلَّم، وإن شاءَ انتظَرَه لِيسلِّمَ معه، والأفضَلُ انتِظارُه. وإن صلَّى المَغربَ خلفَ الظُّهرِ وقامَ الإمامُ إلى الرَّابعةِ لم يَجُز لِلمَأمومِ مُتابعَتُه، بل يفارِقُه ويتشهَّدُ، وهل له أن يُطيلَ التشهُّدَ ويَنتظِرَه؟ فيه وَجهانِ، حَكاهما إمامُ الحَرمَينِ وآخَرونَ، أحَدُهما: له ذلك، كما قُلنا فيمَن صلَّى الصُّبحَ خلفَ الظُّهرِ، والآخَرُ قالَ إمامُ الحَرمَينِ: وهو المَذهبُ: لا يَجوزُ؛ لأنَّه يُحدِثُ تَشهُّدًا وجُلوسًا لم يَفعله الإمامُ، ولو صلَّى العِشاءَ خلفَ التَّراويحِ جازَ، فإذا سلَّم الإمامُ قامَ إلى رَكعتَيهِ الباقيَتَينِ. والأَولَى: أن يُتمَّها مُنفرِدًا؛ فلو قامَ الإمامُ إلى أُخرَيَينِ مِنْ التَّراويحِ فنوَى الاقتِداءَ به ثانِيةً في رَكعتَيهِ، ففي جَوازِه القَولانِ فيمَن أحرَم مُنفرِدًا ثم نوَى الاقتِداءَ، الأصحُّ الصِّحَّةُ، وهذا كُلُّه إذا اتَّفقتِ الصَّلاتانِ في الأفعالِ الظَّاهرةِ، فلو اختلَفتا بأنِ اقتَدَى مَنْ يُصلِّي كُسوفًا أو جِنازةً بمَن يُصلِّي ظُهرًا أو غيرَها أو عَكسَه فطَريقانَ، أصحُّهما، وبه قطعَ العِراقيُّونَ: لا تَصحُّ؛ لتعذُّرِ المُتابَعةِ، والآخَرُ: على وجهَينِ: أحَدُهما: هذا، والآخَرُ: يَجوزُ، وهو قولُ القَفَّالِ؛ لِإمكانِ المُتابَعةِ في بَعضٍ، فعَلى هذا إذا صلَّى الظُّهرَ خلفَ الجِنازةِ لا يُتابِعُه في التَّكبِيراتِ والأذكارِ بينَها، بل إذا كبَّر الإمامُ الثانيةَ تخيَّر المَأمومُ إن شاءَ أخرَج نَفسَه مِنْ المُتابَعةِ، وإن شاءَ انتظَرَ سَلامَ الإمامِ، وإذا اقتَدَى بمُصلِّي الكُسوفِ تابعَه في الرُّكوعِ الأوَّلِ، ثم إن شاءَ رفعَ رَأسَه معه وفارقَه، وإن شاءَ انتظَرَه في الرُّكوعِ. قالَ إمامُ الحَرمَينِ وغيرُه: وإنَّما انتظَرَه في الرُّكوعِ لِيَعُودَ الإمامُ إليه ويَعتدِلَ معه عن رُكوعِه الثاني ولا يَنتظِرُه بعدَ الرَّفعِ؛ لمَا فيه من تَطويلِ الرُّكنِ القَصيرِ. قالَ البغَويُّ: ولو أدرَكَه في الرُّكوعِ الثاني مِنْ

стр. 809

الكُسوفِ، تابعَه فيه، وصلَّى معه تلك الرَّكعةَ، ويَركَعُ معه الرُّكوعَ الأوَّلَ مِنْ الثانية ثم يَخرُجُ عن مُتابعَتِه، قالَ: وإذا أدرَكَه في الرُّكوعِ الثاني مِنْ إحدى الرَّكعتَينِ كانَ مُدرِكًا لِلرَّكعةِ؛ لأنَّه رُكوعٌ مَحسُوبٌ لِلإمامِ. أمَّا إذا صلَّى الظُّهرَ خلفَ العِيدِ، والاستِسقاءِ، فطَريقانِ، أحَدُهما: أنَّه كصَلاتِه خلفَ الكُسوفِ؛ لمَا فيهما مِنْ زياداتِ التَّكبيراتِ، وأصحُّهما، وبه قطعَ المُتولِّي وغيرُه: تَصحُّ قَطعًا؛ لِاتِّفاقِهما في الأفعالِ الظَّاهرةِ، بخِلافِ الجِنازةِ؛ فإنَّ تَكبيراتِها أركانٌ، فهي كاختِلافِ الأفعالِ، فإذا قُلنا بالصِّحَّةِ لا يُكبِّرُ مع الإمامِ التَّكبيراتِ الزَّائِدةَ؛ لأنَّها ليست مِنْ صَلاةِ المَأمومِ، ولا يُخِلُّ تَركُها بالمُتابَعةِ، فإن كبَّرها لا تبطُلُ صَلاتُه؛ لأنَّ الأذكارَ لا تُبطِلُ الصَّلاةَ، ولو صلَّى العِيدَ خلفَ مُصلِّي الصُّبحِ المَقضيَّةِ جازَ ويُكبِّرُ التَّكبيراتِ الزَّائِدةَ (١).

стр. 810

بابُ الأذانِ والإقامةِ الأذانُ لُغةً: الإعلامُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، أي: إعلامٌ مِنْ اللهِ ورَسولِه. وقالَ تَعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، أي: أعلِمهُم به (١). وفي الحَديثِ: «ما أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ، ما أَذِنَ لِنَبيٍّ حَسَنِ الصَّوتِ، يَتَغَنَّى بالقُرآنِ يَجهَرُ به» (٢). قالَ أبو عُبَيدٍ: أي: ما استَمعَ اللهُ لِشَيءٍ كاستِماعِه لنَبيٍّ يَتغنَّى بالقُرآنِ (٣). وشَرعًا: الإعلامُ بوقتِ الصَّلاةِ المَفروضةِ بألفاظٍ مَعلومةٍ مَأثُورةٍ على صِفةٍ مَخصوصةٍ، أو الإعلامُ باقتِرابِه، بالنِّسبةِ لِلفَجرِ فَقط عندَ بعضِ الفُقهاءِ. والإقامةُ كذلك، هي إعلامٌ بالقيامِ إلى الصَّلاةِ بألفاظٍ مَعلومةٍ مَأثورةٍ على صِفةٍ مَخصوصةٍ. فالأذانُ والإقامةُ يَشتَرِكانِ في أنَّ كُلًّا منهما إعلامٌ، ويَفتَرِقانِ مِنْ حيثُ
следующие страницы →