لُزومُ العِوضِ بدونِ اشتِراطٍ:
الهِبةُ المُطلقةُ المُجردةُ عن ذِكرِ العِوضِ فيها إذا قبَضَها المَوهوبُ له، هل تَقتَضي الثَّوابَ فيَجوزَ للواهِبِ أنْ يَرجعَ في هِبتِه ما لم يُثَبْ منها أو لا تَقتَضي الثَّوابَ، ولا رُجوعَ له إنْ لم يَشترطِ الثَّوابَ، أو أنَّها تَقتَضي الثَّوابَ إذا كانت من الأَدنى للأَعلى، ولا تَقتَضي الثَّوابَ إذا كانَت من الأَعلى للأَدنى؟ على تَفصيلٍ في ذلك بينَ الفُقهاءِ، وهي على ثَلاثةِ أضرُبٍ:
الضَّربُ الأولُ: أنْ تَكونَ الهِبةُ من الأَعلى للأسفَلِ: مِثلَ أنْ يَهبَ السُّلطانُ لبَعضِ الرَّعيةِ، أو يَهبَ الغَنيُّ للفَقيرِ، أو يَهبَ الأُستاذُ لغُلامِه، فهذه لا تَقتَضي الثَّوابَ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ القَصدَ من هذه الهِبةِ القُربةُ إلى اللهِ تَعالى، دونَ المُجازاةِ.
قالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: فإنْ وهَبَ لمَن هو أَعلى منه من غيرِ شَرطِ الثَّوابِ، فوهَبَ المَوهوبُ له للواهِبِ هِبةً كانَ ذلك ابتِداءَ عَطيةٍ تَلزمُ بالقَبضِ، وإنْ خرَجَ أحدُهما مَعيبًا أو مُستحَقًّا لم يَرجعِ المَوهوبُ له ببَدلِها.
الضَّربُ الثاني: هِبةُ النَّظيرِ للنَّظيرِ، كهِبةِ السُّلطانِ لمِثلِه، أو الغَنيِّ لمِثلِه، أو الفَقيرِ لمِثلِه، فهذه لا تَقتَضي الثَّوابَ أيضًا، ولا رَجعةَ له فيها عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في المَذهبِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ القَصدَ بهذه الهِبةِ الصِّلةُ والمَحبةُ وتَأكيدُ الصَّداقةِ.
وفي قَولٍ للشافِعيةِ: إنْ كانَ قد نوَى الثَّوابَ استحَقَّه.
стр. 7457
قالَ المالِكيةُ: الهِبةُ إذا وقَعَت مُطلقةً -أي: غيرَ مُقيَّدةٍ بثَوابٍ- ثم اختَلَفا بعدَ ذلك فقالَ الواهِبُ: «إنَّما وهَبتُ للثَّوابِ»، وقالَ المَوهوبُ له: «بل وهَبتَ لي بغيرِ ثَوابٍ»؛ فإنَّ القَولَ قَولُ الواهِبِ إنْ شهِدَ له العُرفُ أو لم يَشهَدْ له أو عليه.
أمَّا إنْ شهِدَ العُرفُ للمَوهوبِ له بأنْ كانَ مِثلُ الواهِبِ لا يَطلبُ في هِبتِه ثَوابًا فالقَولُ حينَئذٍ قَولُ المَوهوبِ له.
وهذا إذا قبَضَ المَوهوبُ الهِبةَ، وأمَّا قبلَ القَبضِ فيُصدَّقُ الواهِبُ مُطلقًا وإنْ شهِدَ العُرفُ بضِدِّه.
ومَحلُّ تَصديقِ الواهِبِ في دَعوى الثَّوابِ في غيرِ هِبةِ النَّقدِ المَسكوكِ كالدَّنانيرِ والدَّراهمِ، وأمَّا هو فلا ثَوابَ فيه؛ لأنَّ العُرفَ أنَّ الناسَ إنَّما يَهبُون للثَّوابِ ما تَختلِفُ فيه الأغراضُ، والمَسكوكُ لا تَختلِفُ فيه الأغراضُ، فهِبتُه للثَّوابِ خِلافُ العُرفِ، فلذا لا يُصدَّقُ الواهِبُ في قَصدِ الثَّوابِ إلا بشَرطٍ من الواهِبِ حالَ الهِبةِ أو بعُرفٍ فيُعمَلُ بذلك، ويَكونُ العِوضُ عَرضًا أو طَعامًا، ومِثلُ الشَّرطِ العادةُ بخِلافِ الحُليِّ غيرِ المَكسورةِ، والفَرقُ بينَ المَسكوكِ والحُليِّ أنَّ السَّكةَ صَنعةٌ يَسيرةٌ فلا تُنقَلُ عن الأصلِ بخِلافِ الصِّياغةِ؛ فإنَّها صَنعةٌ مُعتبَرةٌ وصَيَّرته كالمُقوَّمِ (١).
стр. 7458
والضَّربُ الثالِثُ: هِبةُ الأَدنى للأَعلى، مِثلَ: أنْ يَهبَ بعضُ الرَّعيةِ للسُّلطانِ شَيئًا، أو يَهبَ الفَقيرُ للغَنيِّ، أو يَهبَ الغُلامُ لأُستاذِه فقد اختلَفَ الفُقهاءُ فيها هل تَقتَضي الثَّوابَ أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ -وهو قَولُ الحَنفيةِ كما سيأتي مُفصَّلًا- إلى أنَّها تَقتَضي الثَّوابَ ويَلزمُه أنْ يُثيبَه؛ لمَا رُويَ عن عُمرَ ﵁: «مَنْ وهَبَ هِبةً يَرى أنَّه إنَّما أرادَ بها الثَّوابَ فهو على هِبتِه يَرجعُ فيها إنْ لم يَرضَ منها» (١)، ورُويَ: أنَّ رَجلًا سألَ فَضالةَ بنَ عُبيدٍ فقالَ: «إنِّي أهدَيتُ إلى رَجلٍ بازيًا فلم يُثِبْني عليه، فقالَ: إنْ أثابَك وإلا فارجِعْ وخُذْ بازيَك» (٢) ولأنَّ العُرفَ والعادةَ: أنَّ مَنْ وهَبَ لمَن هو أعلى منه، إنَّما يَقصدُ به الثَّوابَ من المالِ، فصارَ هذا العُرفُ كالشَّرطِ؛ لأنَّ العُرفَ أصلٌ يُرجعُ إليه إذا لم يَكنْ غيرُه، وقد عُلمَ أنَّ العُرفَ جارٍ بأنَّ الضَّعيفَ يَهبُ لجارِه الغَنيِّ طَلبًا لمَعروفِه، وأنَّ الواحدَ من خَدمِ السُّلطانِ أو المَلكِ العَظيمِ يَهبُ له مُتعرِّضًا لمَعروفِه ونائِلِه وتَقرُّبًا إليه، فلا وَجهَ لجَحدِ المَعروفِ؛ فإنْ أثابَه وإلا رجَعَ في هِبتِه (٣).
стр. 7459
ثم اختَلَفوا ما الذي يَجبُ فيها؟
فقالَ المالِكيةُ: المَوهوبُ له مُخيَّرٌ في رَدِّها أو إِعطاءِ العوِض منها، هذا ما لم تَتغيَّرْ عندَه بزيادةٍ أو نُقصانٍ؛ فإنْ تَغيَّرت عندَه بزِيادةٍ أو نُقصانٍ كانَ للواهِبِ قيمَتُها يَومَ قَبضِها من المَوهوبِ له (١).
قالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: والواجِبُ على المَوهوبِ له من الثَّوابِ قيمةُ الهِبةِ، وللشافِعيِّ في ذلك أربَعةُ أقوالٍ:
أحدُها مِثلُ قَولِنا، والآخَرُ أنَّه يَلزمُه رِضا الواهِبِ، والثالِثُ مِقدارُ المُكافأةِ على مِثلِ تلك الهِبةِ في العادةِ، والرابِعُ أقَلُّ ما يَقعُ عليه الاسمُ.
ودَليلُنا على فَسادِ اعتِبارِ الرِّضا هو أنَّ الواهِبَ قد لا يَرضى بأَضعافِ قيمةِ الهِبةِ من المَوهوبِ له، وذلك لا يَلزمُ؛ لأنَّ فيه إِضرارًا بالمَوهوبِ له إلا أنْ يَردَّ الهِبةَ بعدَ أنْ قد ثبَتَ له منها حَقُّ التَّمليكِ، ولأنَّه عِوضٌ غيرُ مَقبوضٍ فلم يَقفْ على رِضا مَنْ يَأخذُ العِوضَ كسائِرِ المُعاوَضاتِ، ولأنَّ العِوضَ في عَقدِ المُعاوضاتِ على ضَربَين، هُما: مَذكورٌ فيَجبُ ما
стр. 7460
ذُكرَ كالثَّمنِ في المَبيعِ، ومَسكوتٌ عنه يَجبُ فيه قيمةُ المُعوَّضِ كالمَهرِ في التَّفويضِ.
ودَليلُنا على فَسادِ اعتِبارِ العُرفِ -لأنَّه لا عُرفَ في ذلك، وإنَّما هو على حَسبِ ما تَسمحُ به نَفسُ المُكافئِ وحَلاوةُ المَوهوبِ في نَفسِه- وعلى أنَّه لا يُعتبَرُ أقَلُّ ما يَقعُ عليه الاسمُ ما قدَّمناه أنَّ العُرفَ جارٍ بأنَّ الواهِبَ يَهبُ لطَلبِ التَّقرُّبِ إلى المَوهوبِ ونَيلِ رِفدِه لا ليَخسرَ ويَصيرَ كمَن وهَبَ لغيرِ عِوضٍ، وإذا بطَلَ كلُّ ذلك لم يَبقَ إلا اعتِبارُ القيمةِ واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: فعلى هذا إنْ وجَبَ الثَّوابُ فهو قيمةُ المَوهوبِ في الأصَحِّ؛ لأنَّ العَقدَ إذا اقتَضى العِوضَ ولم يُسمَّ فيه شَيءٌ تَجبُ فيه القيمةُ، ولا يَلزمُه الزِّيادةُ على القيمةِ ولا يُجزئُه النُّقصانُ منها.
وقيلَ: ما يَرضى به الواهِبُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَزلْ يُكافئُ الأَعرابيَّ حتى رَضيَ.
وقيلَ: ما يُعدُّ ثَوابًا لمِثلِ تلك الهِبةِ في العُرفِ والعادةِ؛ لأنَّ الرِّضا لا يَنحصِرُ، فكانَ العُرفُ أَولى أنْ يُعتبَرَ.
وقيلَ: يَكفي ما يَتموَّلُ فيه.
فعلى الأصَحِّ لو اختَلفَ قَدرُ القيمةِ فالاعتِبارُ بقيمةِ يَومِ القَبضِ على الأصَحِّ.
стр. 7461
وقيلَ: بيَومِ بَذلِ الثَّوابِ.
ثم إنْ لم يُثبْ ما يَصلحُ ثَوابًا فللواهِبِ الرُّجوعُ إنْ كانَ المَوهوبُ بحالِه، ولا يُجبَرُ المُتهَبُ على الثَّوابِ قَطعًا.
فإنْ زاد زيادةً مُنفصلةً رجَعَ فيه دونَها، وإنْ زاد مُتصلةً رجَعَ فيه معها على الصَّحيحِ، وقيلَ: للمُتهَبِ إمساكُه وبَذلُ قيمَتِه بلا زيادةٍ، وإنْ كانَ تالِفًا فوَجهان -وقيلَ: قَولان- مَنصوصان في القَديمِ أصَحُّهما يَرجعُ بقيمَتِه، والثاني: لا شَيءَ له كالأبِ في هِبةِ وَلدِه، وإنْ كانَ ناقِصًا رجَعَ فيه، وفي تَغريمِه المُتهَبَ أرشَ النُّقصانِ الوَجهانِ، وقيلَ: له تَركُ العَينِ والمُطالَبةُ بكَمالِ القِيمةِ.
ولو قالَ المُتهَبُ للواهِبِ: «وهَبتَني بلا ثَوابٍ»، وقالَ الواهِبُ: «بل بثَوابٍ»، صُدِّق المُتهَبُ؛ لأنَّهما اتَّفَقا على أنَّه مِلكُه، والأصلُ عَدمُ ذِكرِ البَدلِ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الهِبةَ إذا كانَت من الأَدنى للأَعلى لا تَقتَضي ثَوابًا أيضًا، ولا يَلزمُه أنْ يُثيبَه وإنْ نَواه، كأنْ يُعطيَ الأَدنى أَعلى منه ليُعاوِضَه أو يَقضيَ له حاجةً ولم يُصرحْ له بذلك؛ لأنَّ مَدلولَ اللَّفظِ انتِفاءُ العِوضِ والقَرينةُ لا تُساويه فلا يَصحُّ إِعمالُها، ولأنَّها عَطيةٌ على وَجهِ التَّبرُّعِ لم تَقتَضِ ثَوابًا كهِبةِ المِثلِ والوَصيةِ وما رُويَ عن عُمرَ وفَضالةَ بنِ عُبَيدٍ، فقد رُويَ عن ابنِ عباسٍ وابنِ عُمرَ خِلافُه.
стр. 7462
فإنْ عوَّضَه عن الهِبةِ كانت هِبةً مُبتدأةً لا عِوضًا، أيُّهما أَصابَ عَيبًا لم يَكنْ له الرَّدُّ، وإنْ خرَجَت مُستحقَّةً أخَذَها صاحِبُها ولم يَرجعِ المَوهوبُ له ببَدلِها.
قالَ الشافِعيةُ: ولو أهدَى شَخصٌ لآخَرَ على أنْ يَقضيَ له حاجةً أو يَخدُمَه فلم يَفعلْ وجَبَ عليه رَدُّها إنْ بقِيَت وبدَلِها إنْ تلِفَت (١).
أمَّا الحَنفيةُ فقالوا: إذا وهَبَ لأجنَبيٍّ شَيئًا وقبَضَها المَوهوبُ له فله أنْ يَرجعَ في الهِبةِ ما لم يُعوَّضْ منها في الحُكمِ، وإنْ كانَ لا يُستحَبُّ له ذلك بطَريقِ الدِّيانةِ؛ لمَا رُويَ عن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «الواهِبُ أحَقُّ بهِبتِه ما لم يُثبْ منها» (٢)، أي: يُعوَّضْ، جعَلَ النَّبيُّ ﷺ الواهِبَ أحَقَّ بهِبتِه ما لم يَصِلْ إليه العِوضُ، وهذا نَصٌّ في البابِ، والمُرادُ حَقُّ الرُّجوعِ بعدَ التَّسليمِ؛ لأنَّها لا تَكونُ هِبةً حَقيقةً قبلَ التَّسليمِ، وإضافَتُها إلى الواهِبِ على مَعنى أنَّها كانَت له كالرَّجلِ يَقولُ: «أكَلنا خُبزَ فُلانٍ الخَبازِ»، وإنْ كانَ قد اشتَراه منه، ولأنَّه مَدَّ هذا الحَقَّ إلى وُصولِ العِوضِ إليه، وذلك في حَقِّ الرُّجوعِ بعدَ التَّسليمِ.
стр. 7463
وقَولُه تَعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، فالتَّحيةُ تُستعمَلُ في مَعانٍ منها السَّلامُ والثَّناءُ والهَديةُ بالمالِ، قالَ القائِلُ:
تَحيَّتُهم بِيضُ الوَلائدِ بينَهم
يُريدُ عَطاياهُم، والتَّفسيرُ الثالِثُ مُرادٌ بقَرينةٍ من الآيةِ الكَريمةِ نَفسِها، وهي قَولُه تَعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾؛ لأنَّ الرَّدَّ إنَّما يَتحقَّقُ في الأَعيانِ لا في الأَعراضِ؛ لأنَّه عِبارةٌ عن إِعادةِ الشَّيءِ، وهذا لا يُتصورُ في الأَعراضِ، والمُشترَكُ يَتعيَّنُ أحدُ وُجوهِه بالدَّليلِ.
وقد رُويَ عن سيِّدِنا عُمرَ وسيِّدِنا عُثمانَ وسيِّدِنا علِيٍّ وعَبدِ اللهِ بنِ سيِّدِنا عُمرَ وأبي الدَّرداءِ وفَضالةَ بنِ عُبَيدٍ وغيرِهم ﵃ أنَّهم قالوا مِثلَ هذا، ولم يَرِدْ عن غيرِهم خِلافُه، فيَكونُ إِجماعًا.
وبَيانُ ذلك أنَّ المَقصودَ من الهِبةِ للأجانِبِ العِوضُ والمُكافأةُ، والمَرجعُ في ذلك إلى العُرفِ والعادةِ الظاهِرةِ أنَّ الإِنسانَ يُهدي إلى مَنْ فوقَه ليَصونَه بجاهِه وإلى مَنْ دونَه ليَخدُمَه، وإلى مَنْ يُساويه ليُعوِّضَه إِحسانًا إليه وإِنعامًا عليه، فالمَوهوبُ له مَندوبٌ إلى ذلك شَرعًا، قالَ اللهُ ﵎: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ صنَعَ إليكم مَعروفًا فكافِئوه، فإنْ لم تَجِدوا ما تُكافِئونه فادعوا له حتى تَرَوْا أنَّكم قد كافأتُموه» (١).
стр. 7464
وبهذا يَتبينُ أنَّ حَقَّ الرُّجوعِ ليسَ بمُقتَضى العَقدِ، بل لتَمكُّنِ الخَللِ في المَقصودِ بالعَقدِ، على مَعنى أنَّ المَعروفَ كالمَشروطِ، ولا يُقالُ: إنَّما يُقصدُ العِوضُ بالتِّجاراتِ، فأمَّا المَقصودُ بالهِبةِ فهو إِظهارُ الجُودِ والسَّخاءِ والتَّودُّدِ والتَّحبُّبِ، وقد حصَلَ ذلك، وهذا لأنَّ العِوضَ في التِّجاراتِ مَشروطٌ، وفي التَّبرُّعاتِ مَقصودٌ، ومَعنى إظهارِ الجُودِ أيضًا مَقصودٌ؛ فإنَّما يُمكِنُ الخَللُ في بعضِ المَقصودِ، وذلك يَكفي للفَسخِ، مع أنَّ إِظهارَ الجُودِ مَقصودٌ كَريمُ الخُلقِ، ولهذا يَقولُون: الراجِعُ في الهِبةِ لا يَكونُ كَريمَ الخُلقِ، فأمَّا مَقصودُ طِيبةِ النَّفسِ فهو العِوضُ، ومَعنى التَّودُّدِ إنَّما يَحصُلُ بالعِوضِ، كما قالَ ﵊: «تَهادُوا تَحابُّوا» والتَّهادي تَفاعُلٌ من الهَديةِ فيَقتَضي الفِعلَ من اثنَين، وقد لا يَحصُلُ هذا المَقصودُ من الأَجنَبيِّ، وفَواتُ المَقصودِ من عَقدٍ مُحتمِلٍ للفَسخِ يَمنعُ لُزومَه كالبَيعِ؛ لأنَّه يُعدَمُ الرِّضا، والرِّضا في هذا البابِ كما هو شَرطُ الصِّحةِ هو شَرطُ اللُّزومِ، كما في البَيعِ إذا وجَدَ المُشتَري بالمَبيعِ عَيبًا لم يَلزمْه العَقدُ لعَدمِ الرِّضا عندَ عَدمِ حُصولِ المَقصودِ، وهو السَّلامةُ، كذا هذا.
ولهذا يَحتاجُ إلى القَضاءِ أو الرِّضا في الرُّجوعِ؛ لأنَّه بمَنزلةِ الرَّدِّ بالعَيبِ بعدَ القَبضِ من حيثُ إنَّ السَّببَ تَمكُّنُ الخَللِ في المَقصودِ، فلا يَتمُّ إلا بقَضاءٍ أو رِضًا.
стр. 7465
إلا أنَّه يُكرهُ له الرُّجوعُ في الهِبةِ؛ لأنَّه من بابِ الخَساسةِ والدَّناءةِ؛ لمَا رُويَ عن ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «العائِدُ في هِبتِه كالكَلبِ يَعودُ في قَيئِه، ليسَ لنا مَثلُ السَّوءِ» (١). شبَّهَه به لخَساسةِ الفِعلِ ودَناءةِ الفاعِلِ (٢). وسيأتي بَقيةُ كَلامِ الحَنفيةِ في مَوانعِ الرُّجوعِ في الهِبةِ إنْ شاءَ اللهُ.
стр. 7466
هِبةُ أحدِ الزَّوجَين للآخَرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في هِبةِ أحدِ الزَّوجَين للآخَرِ إذا لم يُشترَطْ فيها ثَوابٌ ولا عَدمُه، هل تَقتَضي الثَّوابَ أو لا؟
أولًا: هِبةُ الزَّوجِ لزَوجتِه:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ -على تَفصيلٍ سيأتي بَيانُه- على أنَّ الزَّوجَ إذا وهَبَ لزَوجتِه شَيئًا وحازَتْه فلا رُجوعَ له فيه؛ لأنَّ المَقصودَ به صِلةُ الرَّحمِ.
ثانيًا: هِبةُ الزَّوجةِ لزَوجِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وهَبَت الزَّوجةُ لزَوجِها هل لها الرُّجوعُ فيما وهَبَته أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزَّوجةَ إذا وهَبَت لزَوجِها شَيئًا فلا رُجوعَ لها فيما وهَبَته، سَواءٌ كانَ مَهرًا أو غيرَه.
والرِّوايةُ الثانيةُ عن الإمامِ أَحمدَ: لها الرُّجوعُ مُطلقًا.
وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ فيها تَفصيلٌ: إذا وهَبَت له مَهرَها؛ فإنْ كانَ سألَها ذلك رَدَّه إليها، رضِيَت أو كرِهَت؛ لأنَّها لا تَهبُ إلا مَخافةَ غَضبِه أو إضرارٍ بها بأنْ يَتزوجَ عليها، وإنْ لم يَكنْ سألَها وتبَرَّعت به فهو جائِزٌ.
стр. 7467
وهذا تَفصيلُ كَلامِ الفُقهاءِ في هِبةِ الزَّوجَين للآخَرِ:
قالَ الحَنفيةُ: ما وهَبَه أحدُ الزَّوجَين للآخَرِ لا رُجوعَ له فيه؛ لأنَّ هِبةَ أحدِ الزَّوجَين للآخَرِ تُحقِّقُ ما بينَهما من الأُلفةِ والمَودةِ، فكانَ المَقصودُ منها الصِّلةَ وقد حصَلَت، وفي الرُّجوعِ قَطيعةُ الرَّحمِ والأُلفةِ؛ لأنَّها تُورثُ الوَحشةَ والنَّفرةَ، فلا يَجوزُ، صِيانةً للرَّحمِ عن القَطيعةِ وإبقاءً للزَّوجيةِ على الأُلفةِ والمَودةِ، ولأنَّ المَقصودَ بها صِلةُ الرَّحمِ؛ لأنَّ الزَّوجيةَ أُجرِيت مجرَى القَرابةِ، بدَليلِ أنَّه يَحصلُ بها الإِرثُ في جَميعِ الأَحوالِ، وسَواءٌ كانَ أحدُ الزَّوجَين مُسلمًا أو كافِرًا، لشُمولِ المَعنى.
وإنَّما يُنظرُ إلى هذا وَقتَ الهِبةِ حتى لو وهَبَ لأجنَبيةٍ ثم تزوَّجَها فله الرُّجوعُ؛ لأنَّ العَقدَ أوجَبَ له الرُّجوعَ قبلَ التَّزويجِ فكذا بعدَه، ولو وهَبَت له ثم تزَوَّجته كانَ لها الرُّجوعُ، وإنْ وهَبَ لزَوجتِه أو وهَبَت له ثم أبانَها فليسَ له ولا لها الرُّجوعُ؛ لأنَّ العَقدَ وقَعَ غيرَ مُوجِبٍ للرُّجوعِ؛ لأنَّ المُعتبَرَ المَقصودُ وَقتَ العَقدِ (١).
وقالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ ﵀: وأمَّا هِبةُ كلِّ واحدٍ من الزَّوجَين لصاحِبِه؛ فإنَّ أبا بَكرةَ قد حدَّثَنا قالَ ثَنا أبو عُمرَ قالَ: أخبَرَنا حَمادُ ابنُ سَلمةَ عن أيُّوبَ عن مُحمدٍ «أنَّ امرأةً وهَبَت لزَوجِها هِبةً ثم رجَعَت فيها
стр. 7468
فاختَصَما إلى شُريحٍ، فقالَ للزَّوجِ: شاهِداك أنَّهما رأياها وهَبَت لك من غيرِ كُرهٍ ولا هَوانٍ وإلا فيَمينُها، لقد وهَبَت لك عن كُرهٍ وهَوانٍ» فهذا شُريحٌ قد سألَ الزَّوجَ البَينةَ أنَّها وهَبَت له لا عن كُرهٍ بعدَ ارتِجاعِها في الهِبةِ، فدَلَّ ذلك على أنَّ السُّنةَ لو ثبَتَت عندَه على ذلك لرَدَّ الهِبةَ إليها ولم يُجِزْ لها الرُّجوعَ فيها، وقد كانَ مِنْ رأيِه أنَّ للواهِبِ الرُّجوعَ في هِبتِه إلا مِنْ ذي الرَّحمِ المَحرَمِ، فجعَلَ المَرأةَ في هذا كذي الرَّحمِ المَحرَمِ، فهكذا نَقولُ.
وأمَّا هِبةُ الزَّوجِ لامرَأتِه فإنَّ أَبا بَكرةَ حدَّثَنا قالَ: ثَنا أبو عُمرَ قالَ: أخبَرَنا أبو عَوانةَ عن أَبي مَنصورٍ قالَ: قالَ إِبراهيمُ: «إذا وهَبَت المَرأةُ لزَوجِها أو وهَبَ الرَّجلُ لامرأتِه فالهِبةُ جائِزةٌ، وليسَ لواحدٍ منهما أنْ يَرجعَ في هِبتِه».
حدَّثَنا سُليمانُ بنُ شُعيبٍ عن أَبيه عن مُحمدِ بنِ الحَسنِ عن أَبي حَنيفةَ عن حَمادٍ عن إِبراهيمَ أنَّه قالَ: الزَّوجُ والمَرأةُ بمَنزِلةِ ذي الرَّحمِ المَحرَمِ، إذا وهَبَ أحدُهما لصاحِبِه لم يَكنْ له أنْ يَرجعَ. فجعَلَ الزَّوجَين في هذه الأَحاديثِ كذي الرَّحمِ المَحرَمِ، فمنَعَ كلَّ واحدٍ منهما من الرُّجوعِ فيما وهَبَ لصاحِبِه، فهكذا نَقولُ، وقد وصَفْنا في هذا ما ذهَبتُ إليه في الهِباتِ وما ذكَرنا من هذه الآثارِ؛ إذْ لم نَعلمْ عن أحدٍ مِثلَ مَنْ رَويناها عنه خِلافًا لها، فتَرَكنا النَّظرَ من أجلِها وقَلَّدناها، وقد كانَ النَّظرُ لو خُلِّينا وإيَّاه خِلافَ ذلك، وهو ألَّا يَرجعَ الواهِبُ في الهِبةِ لغيرِ ذي الرَّحمِ المَحرَمِ؛ لأنَّ مِلكَه قد زالَ عنها بهِبتِه إِياها، وصارَ للمَوهوبِ له دونَه، فليسَ له نَقضُ ما قد ملَكَ عليه إلا برِضاءِ مالِكِه، ولكنَّ اتِّباعَ الآثارِ وتَقليدَ أئِمةِ أهلِ العِلمِ أَولى،
стр. 7469
فلذلك قَلَّدناها واقتَدَينا بها، وجَميعُ ما بَيَّنَّا في هذا البابِ قَولُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ رَحمةُ اللهِ عليهم أجمَعينَ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا وهَبَ أحدُ الزَّوجَينَ لصاحِبِه مَتاعًا من مَتاعِه؛ فإنَّ الهِبةَ نافِذةٌ صَحيحةٌ وإنْ لم يَرفعْ يدَه عن هِبتِه للضَّرورةِ، وإذا طلَبَ الواهِبُ منهما الثَّوابَ على هِبتِه فلا يُصدَّقُ في أنَّه وهَبَ للثَّوابِ لقَضاءِ العُرفِ على نَفيِ الثَّوابِ في ذلك؛ لأنَّ الشأنَ قَصدُ كلِّ واحدٍ منهما عندَ الهِبةِ للآخَرِ التَّعاطُفَ والتَّواصلَ، إلا أنْ يَشترطَ أحدُهما عندَ الهِبةِ للآخَرِ الإِثابةَ أو تَقومَ قَرينةٌ على قَصدِها أو يَجريَ العُرفُ بها؛ فإنَّه يُصدَّقُ ويَأخذُ ما ادَّعاه من الثَّوابِ.
وهذا في غيرِ المَسكوكِ من الذَّهبِ والفِضةِ، وأمَّا هو فلا يُصدَّقُ إلا لشَرطٍ أو عُرفٍ فيُعملُ به.
قالَ في «المُدوَّنة»: لا يُقضى بينَ الزَّوجَين بالثَّوابِ في الهِبةِ، ولا بينَ والِدٍ ووَلدِه إلا أنْ يَظهرَ ابتِغاءُ الثَّوابِ بينَهم، مِثلَ أنْ تَكونَ للمَرأةِ جاريةٌ فارِهةٌ فطلَبَها منها زَوجُها وهو مُوسِرٌ فأعطَته إِياها، تُريدُ بذلك استِغزارَ صِلتِه، والرَّجلُ كذلك يَهبُ لامرأتِه، والابنُ لأبيه مما يَرى أنَّه أرادَ بذلك استِغزارَ ما عندَ أبيه؛ فإنْ كانَ مِثلُ ذلك مما يَرى الناسُ أنَّه وَجهُ ما طُلبَ في هِبتِه ففي ذلك الثَّوابُ؛ فإنْ أثابَه وإلا رجَعَ كلُّ واحدٍ منهما في هِبتِه، وإنْ لم يَكنْ وَجهُ ما ذكَرنا فلا ثَوابَ بينَهما (٢).
стр. 7470
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ المَروزيُّ: قُلتُ (لأحمدَ): هِبةُ المَرأةِ لزَوجِها، وهِبةُ الرَّجلِ لامرأتِه؟ قالَ: كلُّ (هذا) واحِدٌ، لا يَرجعُ في شَيءٍ من هذا.
(قالَ إِسحاقُ: كلَّما وهَبَت المَرأةُ لزَوجِها تَكرِمةً فلها أنْ تَرجعَ، وليسَ للزَّوجِ أنْ يَرجعَ) (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما وهَبَ الزَّوجُ لامرَأتِه لا رُجوعَ له فيه، فأمَّا هِبةُ المَرأةِ لزَوجِها فعن أحمدَ فيه رِوايتانِ:
إحداهُما: لا رُجوعَ لها فيها، وهذا قَولُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والنَّخعيِّ ورَبيعةَ ومالِكٍ والثَّوريِّ والشافِعيِّ وأَبي ثَورٍ وأَصحابِ الرَّأيِ، وهو قَولُ عَطاءٍ وقَتادةَ.
والأُخرى: لها الرُّجوعُ، قالَ الأثرَمُ: سمِعتُ أحمدَ يُسألُ عن المَرأةِ تَهبُ ثم تَرجعُ، فرأيتُه يَجعلُ النِّساءَ غيرَ الرِّجالِ، ثم ذكَرَ الحَديثَ: «إنَّما يَرجعُ في المَواهِبِ النِّساءُ وأَشرارُ الأَقوامِ» (٢)، وذكَرَ حَديثَ عُمرَ: «إنَّ
стр. 7471
النِّساءَ يُعطينَ أَزواجَهنَّ رَغبةً ورَهبةً، فأيُّما امرَأةٍ أعطَت زَوجَها شَيئًا فأرادَت أنْ تَعتصِرَه فهي أحَقُّ به» (١)، رَواه الأثرَمُ بإسنادِه، وهذا قَولُ شُرَيحٍ والشَّعبيِّ وحَكاه الزُّهريُّ عن القُضاةِ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرى ثالِثةٌ نقَلَها أبو طالِبٍ: إذا وهَبَت له مَهرَها؛ فإنْ كانَ سألَها ذلك رَدَّه إليها، رضِيَت أو كرِهَت؛ لأنَّها لا تَهبُ إلا مَخافةَ غَضبِه أو إِضرارِه بها بأنْ يَتزوجَ عليها، وإنْ لم يَكنْ سألَها وتبَرَّعت به فهو جائِزٌ، فظاهِرُ هذه الرِّوايةِ أنَّه متى كانَت مع الهِبةِ قَرينةُ مَسألتِه لها أو غَضبِه عليها أو ما يَدلُّ على خَوفِها منه، فلها الرُّجوعُ؛ لأنَّ شاهِدَ الحالِ يَدلُّ على أنَّها لم تَطِبْ بها نَفسُها وإنَّما أباحَه اللهُ تَعالى عندَ طِيبِ نَفسِها بقَولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، وظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ الرِّوايةُ الأُولى، وهو اختيارُ أَبي بَكرٍ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقالَ تَعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، وعُمومُ الأَحاديثِ التي قدَّمناها.
فيَكونُ فيها ثَلاثُ رِواياتٍ:
(إِحداها): ليسَ لها الرُّجوعُ كالأجنَبيِّ، (والثانية): لها الرُّجوعُ مُطلقًا لحَديثِ عُمرَ، (والثالِثةُ): التَّفصيلُ الذي ذكَرناه (٢).
стр. 7472
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: وإنْ سألَ زَوجٌ امرأتَه هِبةَ مَهرِها فوهَبَته له ثم ضَرَّها فلها الرُّجوعُ، أو قالَ زَوجٌ لزَوجَتِه: «أنتِ طالِقٌ إنْ لم تُبرئيني»، فأبرَأتْه من مَهرِها ثم ضَرَّها بطَلاقٍ أو غيرِه فلها الرُّجوعُ فيما وهَبَته من المَهرِ أو أبرَأتْه منه؛ لأنَّ شاهِدَ الحالِ يَدلُّ على أنَّها لم تَطِبْ به نَفسًا، وإنَّما أباحَه اللهُ عن طِيبِ نَفسِها بقَولِه : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، وغيرُ الصَّداقِ كالصَّداقِ، قالَه في شَرحِ المُنتَهى، ويُؤيدُه قَولُ عُمرَ: «إنَّ النِّساءَ يُعطينَ أزواجَهنَّ رَغبةً ورَهبةً، فأيُّما امرَأةٍ أعطَت زَوجَها شَيئًا فأرادَت أنْ تَعتصِرَه فهي أحَقُّ به» (١)، رَواه الأثرَمُ وقالَ الحارِثيُّ: المَشهورُ عنه -أي: عن الإمامِ- ألَّا رُجوعَ لواحدٍ من الزَّوجَين فيما وهَبَ للآخَرِ، إلا أنْ تَهبَ المَرأةُ مَهرَها لسُؤالٍ منه ونَحوِ ذلك فلها أن تَرجعَ، إلا إنْ تَبرَّعت بمَهرِها من غيرِ مَسألةِ الزَّوجِ فلا رُجوعَ لها نَصًّا، واحتَجَّ في رِوايةِ أحمدَ بنِ إِبراهيمَ الكُوفيِّ بقَولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] (٢).
وقالَ البُخاريُّ في «صَحيحِه»: بابُ هِبةِ الرَّجلِ لامرَأتِه والمَرأةُ لزَوجِها: قالَ إِبراهيمُ: جائِزةٌ. وقالَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ: لا يَرجِعانِ. واستَأذنَ النَّبيُّ ﷺ نِساءَه في أنْ يُمرَّضَ في بَيتِ عائِشةَ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «العائِدُ في هِبتِه كالكَلبِ يَعودُ في قَيئِه»، وقالَ الزُّهريُّ فيمَن قالَ لامرأتِه:
стр. 7473
«هَبي لي بعضَ صَداقِك أو كلَّه»، ثم لم يَمكُثْ إلا يَسيرًا حتى طلَّقَها فرجَعَت فيه، قالَ: يُردُّ إليها إنْ كانَ خلَبَها، وإنْ كانت أعطَتْه عن طِيبِ نَفسٍ ليسَ في شَيءٍ من أمرِه خَديعةٌ جازَ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] (١).
قالَ ابنُ بَطالٍ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في الزَّوجَينِ يَهبُ كلُّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه، فقالَ جُمهورُ العُلماءِ: ليسَ لواحدٍ منهما أنْ يَرجعَ فيما يُعطيه للآخَرِ، هذا قَولُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والنَّخعيِّ وعَطاءٍ ورَبيعةَ، وبه قالَ مالِكٌ واللَّيثُ والثَّوريُّ والكُوفيونَ والشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ، وفيها قَولٌ آخَرُ، وهو أنَّ لها أنْ تَرجعَ فيما أعطَته، وليسَ له أنْ يَرجعَ فيما أعطاها، رُويَ هذا عن شُرَيحٍ والشَّعبيِّ والزُّهريِّ، قالَ الزُّهريُّ: ما رأيتُ القُضاةَ إلا يُقيلون المَرأةَ فيما وهَبَت لزَوجِها ولا يُقيلون الرَّجلَ فيما وهَبَ لامرَأتِه. ورَوى عبدُ الرَّزاقِ عن الثَّوريِّ عن سُليمانَ الشَّيبانِيِّ قالَ: كتَبَ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ أنَّ النِّساءَ يُعطينَ رَغبةً ورَهبةً، فأيُّما امرَأةٍ أعطَت زَوجَها فشاءَت أنْ تَرجعَ رجَعَت.
والقَولُ الأولُ أحسَنُ لقَولِه : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]، ورُويَ عن علِيِّ بنِ أَبي طالِبٍ أنَّه قالَ: «إذا اشتَكى أحدُكم فليَسألِ امرَأتَه ثَلاثةَ دَراهمَ، ويَشتَرِ بها عَسلًا، ويأخُذْ من ماءِ السَّماءِ فيَتداوَ به، فيَجمَعْ هَنيئًا مَريئًا وماءً مُباركًا»، فلو كانَ لهُنَّ فيه رُجوعٌ لم يَكنْ هَنيئًا
стр. 7474
مَريئًا، ألا تَرى أنَّ ما وهَبَه أزواجُ النَّبيِّ ﷺ له من أيامِهنَّ ولياليهِنَّ، وأنْ يُمرَّضَ في بَيتِ عائِشةَ لم يَكنْ لهُنَّ فيه رُجوعٌ؛ لأنَّه كانَ عن طِيبِ نَفسٍ منهُنَّ لا عن عِوضٍ.
واختَلَفوا فيما وهَبَ أحدُ الزَّوجَين لصاحِبِه، هل يَحتاجُ إلى حِيازةٍ وقَبضٍ؟ فقالَ ابنُ أَبي ليلَى والحَسنُ البَصريُّ: الصَّدقةُ جائِزةٌ وإنْ لم يَقبِضْها.
وقالَ النَّخعيُّ وقَتادةُ: ليسَ بينَ الزَّوجَين حِيازةٌ. وقالَ ابنُ سِيرينَ وشُرَيحٌ ومَسروقٌ والشَّعبيُّ: لا بدَّ في ذلك من القَبضِ، وهو قَولُ الثَّوريِّ والكُوفيِّين والشافِعيِّ وهي رِوايةُ أشهَبَ عن مالِكٍ، قالَ مالِكٌ: إنَّ ما وهَبَ الرَّجلُ لامرَأتِه والمَرأةُ لزَوجِها وهو في أيدِيهما كما كانَ، حَوزٌ ضَعيفٌ لا يَصحُّ.
وله قَولٌ آخَرُ، رَوى ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ في «العُتْبية» في الرَّجلِ يَهبُ لامرأتِه خادِمًا ولا يُخرجُها عن البَيتِ الذي هما فيه، ويَهبُها دارًا يَسكنانها أو تَهبُ له ذلك أنَّ ذلك جائِزٌ للمَرأةِ، ورَوى عِيسى عن ابنِ القاسِمِ في الرَّجلِ يَهبُ لامرأتِه دارًا يَسكنانها ثم يَسكنانِ بعدَ ذلك فيها، أو المَرأةُ تَفعلُ مِثلَ ذلك ففرَّقَ بينَهما، قالَ: إذا كانَ الزَّوجُ هو الواهِبَ فالصَّدقةُ غيرُ تامةٍ؛ لأنَّ عليه أنْ يُسكنَ زَوجتَه، فكأنَّه هو مُسكنُها، فإذا كانَت المَرأةُ هي الواهِبةَ فالصَّدقةُ جائِزةٌ؛ لأنَّه يَسكنُ ما حَوزُه لنَفسِه (١).
стр. 7475
هِبةُ المَرأةِ صَداقَها لزَوجِها:
قالَ أَبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في هِبةِ المَرأةِ مَهرَها لزَوجِها، فقالَ أَبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ وزُفرُ والحَسنُ بنُ زيادٍ والشافِعيُّ: إذا بلَغَت المَرأةُ واجتمَعَ لها عَقلُها جازَ لها التَّصرُّف في مالِها بالهِبةِ أو غيرِها بِكرًا كانَت أو ثَيبًا، وقالَ مالِكٌ: لا يَجوزُ أمرُ البِكرِ في مالِها ولا ما وضَعَت عن زَوجِها من الصَّداقِ، وإنَّما ذلك إلى أبيها في العَفوِ عن زَوجِها، ولا يَجوزُ لغَيرِ الأبِ من أَوليائِها ذلك، قالَ: وبَيعُ المَرأةِ ذاتِ الزَّوجِ دارَها وخادِمَها جائِزٌ وإنْ كرِهَ الزَّوجُ إذا أصابَت وَجهَ البَيعِ؛ فإنْ كانت مُحاباةً كانَ من ثُلثِ مالِها، وإنْ تصدَّقَت أو وهَبَت أكثَرَ من الثُّلثِ لم يَجزْ من ذلك قَليلٌ ولا كَثيرٌ. قالَ مالِكٌ: والمَرأةُ الأيِّمُ إذا لم يَكنْ لها زَوجٌ في مالِها كالرَّجلِ في مالِه سَواءٌ، وقالَ الأَوزاعيُّ: لا تَجوزُ عَطيةُ المَرأةِ حتى تَلدَ وتَكونَ في بَيتِ زَوجِها سَنةً، وقالَ اللَّيثُ: لا يَجوزُ عِتقُ المَرأةِ ذاتِ الزَّوجِ ولا صَدقتُها إلا في الشَّيءِ اليَسيرِ الذي لا بدَّ لها منه؛ لصِلةِ رَحمٍ أو غيرِها، ذلك مما يُتقرَّبُ به إلى اللهِ تَعالى.
قالَ أَبو بَكرٍ: الآيةُ قاضيةٌ بفَسادِ هذه الأَقوالِ، شاهِدةٌ بصِحةِ قَولِ أَصحابِنا الذي قدَّمنا؛ لقَولِه : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] ولم يُفرِّقْ فيه بينَ البِكرِ والثَّيبِ، ولا بينَ من أقامَت في بَيتِ زَوجِها سَنةً ومَن لم تُقِمْ، وغيرُ جائِزٍ الفَرقُ بينَ البِكرِ والثَّيبِ في ذلك إلا بدِلالةٍ تَدلُّ على خُصوصِ حُكمِ الآيةِ في الثَّيبِ دونَ البِكرِ، وأجازَ مالِكٌ
стр. 7476
هِبةَ الأبِ، واللهُ تَعالى أمَرَنا بإِعطائِها جَميعَ الصَّداقِ إلا أنْ تَهبَ هي شَيئًا منه له، فالآيةُ قاضيةٌ ببُطلانِ هِبةِ الأبِ؛ لأنَّه مَأمورٌ بإيتاءِ جَميعِ الصَّداقِ إلا أنْ تَطيبَ نَفسُها بتَركِه، ولم يَشترطِ اللهُ تَعالى طِيبَ نَفسِ الأبِ، فمنَعَ ما أباحَه اللهُ له بطِيبِ نَفسِها من مَهرِها وأجازَ ما حظَرَه اللهُ تَعالى من مَنعِ شَيءٍ من مَهرِها إلا بطيبِ نَفسِها بهِبةِ الأبِ، وهذا الاعتِراضُ على الآيةِ من وَجهَينِ بغيرِ دِلالةِ أحَدِهما منَعها الهِبةَ مع اقتِضاءِ ظاهِرِ الآيةِ لجَوازِها، والثاني: جَوازُ هِبةِ الأبِ مع أمرِ اللهِ الزَّوجَ بإِعطائِها الجَميعَ إلا أنْ تَطيبَ نَفسًا بتَركِه، ويَدلُّ على ذلك قَولُه تَعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فمنَعَ أنْ يأخُذَ منها شَيئًا مما أعطاها إلا برِضاها بالفِديةِ، فقد شرَطَ رِضا المَرأةِ ولم يُفرِّقْ مع ذلك بينَ البِكرِ والثَّيبِ، ويَدلُّ عليه حَديثُ زَينبَ امرأةِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ للنِّساءِ: «تَصدَّقنَ ولو مِنْ حُليِّكنَّ» وفي حَديثِ ابنِ عَباسٍ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرَجَ يَومَ الفِطرِ فصلَّى ثم خطَبَ، ثم أَتى النِّساءَ فأمَرَهن أنْ يَتصدَّقنَ» ولم يُفرِّقْ في شَيءٍ منه بينَ البِكرِ والثَّيبِ، ولأنَّ هذا حَجْرٌ ولا يَصحُّ الحَجرُ على مَنْ هذه صِفتُه، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ المَرأةَ المالِكةَ لأمرِ نَفسِها إذا وهَبَت صَداقَها لزَوجِها نفَذَ ذلك عليها ولا رُجوعَ لها فيه، إلا أنَّ
стр. 7477
شُريحًا رَأى الرُّجوعَ لها فيه، واحتَجَّ بقَولِه : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] وإذا كانَت طالِبةً له لم تَطِبْ به نَفسًا.
قالَ ابنُ العَربيِّ: وهذا باطِلٌ؛ لأنَّها قد طابَتْ وقد أكَلَ فلا كَلامَ لها؛ إذْ ليسَ المُرادُ صُورةَ الأكلِ وإنَّما هو كِنايةٌ عن الإِحلالِ والاستِحلالِ، وهذا بَيِّنٌ (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: بَيعُ المَهرِ قبلَ قَبضِه جائِزٌ، وقد نَصَّ أحمدُ على جَوازِ هِبةِ المَرأةِ صَداقَها من زَوجِها قبلَ قَبضِه (٢).
وقد تقدَّمَ كَلامُ ابنِ قُدامةَ ﵀ في تَفصيلِ مَذهبِ الحَنابلةِ في المَسألةِ السابِقةِ.
الهِبةُ لذي رَحمِه المَحرَمِ (غيرِ الوَلدِ):
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإِنسانَ إذا وهَبَ لذوي رَحمِه المَحرَمِ غيرِ وَلدِه فلا رُجوعَ له فيه إذا قبَضَها.
قالَ الإمامُ مُحمدُ بنُ نَصرٍ المَروزيُّ ﵀: وأجمَعوا على أنَّها إذا كانَت لذي رَحمٍ مَحرَمٍ فلا رُجوعَ فيها (٣).
стр. 7478
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: حصَلَ الاتِّفاقُ على أنَّ ما وهَبَه الإِنسانُ لذَوي رَحمِه المَحرَمِ غيرِ وَلدِه لا رُجوعَ فيه (١).
واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه سَمُرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا كانَت الهِبةُ لذي رَحمٍ مَحرَمٍ لم يَرجِعْ فيها» (٢). وما رَواه الإمامُ مالِكٌ في المُوطَّأِ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ قالَ: «مَنْ وهَبَ هِبةً لصِلةِ رَحمٍ أو على وَجهِ صَدقةٍ فإنَّه لا يَرجعُ فيها» (٣). ولأنَّ المَقصودَ منها مع القَريبِ المَحرَمِ صِلةُ الرَّحمِ وقد حصَلَ، وفي الرُّجوعِ قَطعُها، فلا يَرجعُ ولو كانَ ذِميًّا أو مُستأمَنًا؛ لأنَّه واجِبُ الصِّلةِ ومَحلٌّ للصَّدقةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨]، ولقَبولِ الذِّمةِ والأمانِ فقد ترَكَ المُقاتلةَ (٤).
стр. 7479
هِبةُ الأبِ لابنِه ورُجوعُه فيما وهَبَ له:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وهَبَ الأبُ لابنِه ثم قبَضَها الابنُ، هل للأبِ أنْ يَرجعَ فيما وهَبَه لابنِه أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ -على تَفصيلٍ سيأتي- والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ عندَهما إلى أنَّ الأبَ إذا وهَبَ لابنِه هِبةً ثم قبَضَها الابنُ فللأبِ أنْ يَرجعَ فيها؛ لمَا رَواه طاوُسٌ عن ابنِ عُمرَ وابنِ عَباسٍ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لا يَحلُّ لرَجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيةً أو يَهبَ هِبةً فيَرجعَ فيها إلا الوالِدَ فيما يُعطي وَلدَه، ومَثَلُ الذي يُعطي العَطيةَ ثم يَرجعُ فيها كمَثَلِ الكَلبِ يَأكلُ فإذا شبِعَ قاءَ ثم عادَ في قَيئِه» (١). وهذا يَخصُّ عُمومَ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «العائِدُ في هِبتِه كالكَلبِ يَعودُ في قَيئِه» (٢).
ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ لبَشيرٍ في هِبتِه للنُّعمانِ من بينِ وَلدِه: «فأرْجِعْه» وفي رِوايةٍ: «فاردُدْه»، فأمَرَه بالرُّجوعِ في هِبتِه، فلولا أنَّ رُجوعَه جائِزٌ لمَا أمَرَه به، ولَكانَ الأَولى لو فعَلَه أنْ يَمنعَه منه.
стр. 7480
واختُصَّ الأبُ بذلك لانتِفاءِ التُّهمةِ فيه؛ إذ ما طُبعَ عليه من إِيثارِه لوَلدِه على نَفسِه يَقضي بأنَّه إنَّما رجَعَ لحاجةٍ أو مَصلحةٍ.
قالَ الشافِعيةُ: ويُكرهُ الرُّجوعُ من غيرِ عُذرٍ؛ فإنْ وُجدَ ككَونِ الوَلدِ عاقًّا أو يَصرفُه في مَعصيةٍ أنذَرَه به؛ فإنْ أصَرَّ لم يُكرهْ.
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «أولادُكم من كَسبِكم، فكُلوا من طِيبِ كَسبِكم (١) فميَّز الوَلدَ من غيرِه وجعَلَه كَسبًا لوالِدِه، فكانَ ما كسَبَه الوَلدُ منه أَولى أنْ يَكونَ من كَسبِه.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وقد يَتحرَّرُ من هذا الاعتِلالِ قياسٌ فيُقالُ: لأنَّه وهَبَ كَسبَه لكَسبٍ غيرِ مُعتاضٍ عنه، فجازَ له الرُّجوعُ فيه، كما لو وهَبَ لعَبدِه، ولأنَّ ما للوَلدِ في يَدِ والِدِه لجَوازِ تَصرُّفِه فيه إذا كانَ صَغيرًا وأخَذَ النَّفقةَ منه إذا كانَ كَبيرًا فصارَت هِبةً له، وإنْ خرَجَت عن يَدِه في حُكمِ ما وهَبَه وهو باقٍ في يَدِه، فإذا جازَ أنْ يَرجعَ فيما وهَبَه لغيرِه إذا لم يَقبِضْه لبَقائِه في يَدِه جازَ أنْ يَرجعَ فيما وهَبَه لوَلدِه وإنْ أقبَضَه؛ لأنَّه في حُكمِ الباقِي في يَدِه، وتَحريرُ هذا الاستدِلالِ قِياسًا على أنَّها هِبةٌ يَجوزُ تَصرُّفُه فيها فجازَ له الرُّجوعُ فيها قِياسًا على ما لم يُقبَضْ، ولأنَّ الأبَ لفَضلِ حُنُوِّه تُبايِنُ أَحكامُه أَحكامَ غيرِه، فلا يُعاديه ولا تُقبلُ شَهادتُه له، ويَجوزُ أنْ يَتصرَّفَ في يَدَيه بالتَّزويجِ وفي مالِه بالعُقودِ لفَضلِ الحُنُوِّ وانتِفاءِ التُّهمِ، فجازَ أنْ يُخالِفَ غيرَه في جَوازِ الرُّجوعِ في الهِبةِ؛ لأنَّ انتِفاءَ التُّهمةِ يَدلُّ على أنَّ رُجوعَه فيها
стр. 7481
لشِدةِ الحاجةِ منه إليها، ولأنَّنا وأبا حَنيفةَ قد أجمَعنا على الفَرقِ في الهِبةِ بينَ الأجنَبيِّ وذي الرَّحمِ، فلَأنْ يَكونَ الرُّجوعُ فيها مع ذي الرَّحمِ المُباعِضِ دونَ الأجنَبيِّ أَولى منه أنْ يَكونَ مع الأجنَبيِّ دونَ ذي الرَّحمِ لثَلاثةِ أُمورٍ، أحدُها: النَّصُّ المُعاضِدُ، والثانِي: البَعضيةُ المُمازِجةُ، والثالِثُ: التَّمييزُ بالأَحكامِ المَخصوصةِ، وفي هذه المَعاني جَوابٌ، وجَوابُهم عن الاستِدلالِ بالثَّوابِ فهو أنَّه إذا أُثبتَ بالمالِ فقد وصَلَ إليه البَدلُ فلم يَجزْ أنْ يَصيرَ جامِعًا بينَه وبينَ المُبدلِ، فخالَفَ من لم يَصِلْ إليه البَدلُ على أنَّ ثَوابَ اللهِ تَعالى إنَّما يَستحقُّه في الهِبةِ غيرُ الراجِعِ فيها من الآباءِ (١).
قالَ الشافِعيةُ في المَشهورِ: للأبِ الرُّجوعُ في هِبةِ وَلدِه بالمَعنى الشامِلِ للهَديةِ والصَّدقةِ على الراجِحِ، ولا يَتعينُ الفَورُ بل له ذلك متى شاءَ ولو لم يَحكُمْ به حاكِمٌ، ولو كانَ الوَلدُ فَقيرًا صَغيرًا؛ لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَحلُّ لرَجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيةً أو يَهبَ هِبةً فيَرجعَ فيها إلا الوالِدَ فيما يُعطي وَلدَه، ومَثَلُ الذي يُعطي العَطيةَ ثم يَرجعُ فيها كمَثَلِ الكَلبِ يأكُلُ فإذا شبِعَ قاءَ ثم عادَ في قَيئِه» (٢) واختُصَّ بذلك لانتِفاءِ التُّهمةِ فيه؛ إذ ما طُبعَ عليه من إيثارِه لوَلدِه على نَفسِه يَقضي بأنَّه إنَّما رجَعَ لحاجةٍ أو مَصلحةٍ، ويُكرهُ الرُّجوعُ من غيرِ عُذرٍ؛ فإنْ وُجدَ ككَونِ الوَلدِ عاقًّا أو يَصرفُه في مَعصيةٍ أنذَرَه به؛ فإنْ أصَرَّ لم يُكرهْ.
стр. 7482
ولو وهَبَه وأقبَضَه وماتَ فادَّعى الوارِثُ صُدورَه في المَرضِ، وادَّعى المُتهَبُ كَونَه في الصِّحةِ صُدِّق المُتهَبُ بيَمينِه، ولو أَقاما بيِّنتَينِ قُدِّمت بيِّنةُ الوارِثِ؛ لأنَّ معها زيادةَ عِلمٍ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَجوزُ لواهِبٍ ولا يَصحُّ أنْ يَرجعَ في هِبتِه ولو صَدقةً وهَديةً ونِحلةً أو نُقوطًا وحُمولةً في عُرسٍ ونَحوَها بعدَ لُزومِها؛ لقَولِه ﷺ : «العائِدُ في هِبتِه كالكَلبِ يَقيءُ ثم يَعودُ في قَيئِه»، وسَواءٌ عوِّضَ عنها أو لم يُعوَّضْ؛ لأنَّ الهِبةَ المُطلقةَ لا تَقتَضي الثَّوابَ، إلا الأبَ الأقرَبَ فيما وهَبَ لوَلدِه فله الرُّجوعُ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَحلُّ لرَجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيةً أو يَهبَ هِبةً فيَرجعَ فيها، إلا الوالِدَ فيما يُعطي وَلدَه، ومَثَلُ الذي يُعطي العَطيةَ ثم يَرجعُ فيها كمَثَلِ الكَلبِ يأكُلُ فإذا شبِعَ قاءَ ثم عادَ في قَيئِه» (٢).
وفي بعضِ أَلفاظِ حَديثِ بَشيرٍ المُتقدِّمِ من قَولِه ﷺ لبَشيرٍ: «فاردُدْه» ورُويَ «فأرجِعْه»، رَواه مالِكٌ، ولا فَرقَ بينَ أبٍ يَقصِدُ برُجوعِه التَّسوية بينَ أولادِه وبينَ غيرِه، ولو وهَبَ كافِرٌ لوَلدِه الكافِرِ شَيئًا ثم أسلَمَ الوَلدُ فلأَبيه الرُّجوعُ في هِبتِه خِلافًا للشَّيخِ تَقيِّ الدِّينِ.
стр. 7483
حتى لو تعلَّقَ بالمَوهوبِ رَغبةُ الغيرِ بأنْ ناكَحَ إِنسانٌ الوَلدَ المَوهوبَ لوُجودِ ذلك الذي وهَبَه له والِدُه -بأنْ زوَّجَه إنْ كانَ ذَكرًا أو تَزوجَّه إنْ كانَ أُنثى- لذلك، أو دايَنَه -أي: باعَه أو أقرَضَه أو أجَّرَه ونَحوَه- لوُجودِ ذلك الذي وهَبَه أَبوه له؛ فإنَّ ذلك لا يَمنعُ رُجوعَ الأبِ فيما وهَبَه لوَلدِه (١).
أمَّا المالِكيةُ فقالوا: للأبِ فقط الرُّجوعُ فيما وهَبَه لوَلدِه مُطلقًا -أي: سَواءٌ كانَ الوَلدُ صَغيرًا أو كَبيرًا، ذَكرًا أو أُنثى، غَنيًّا أو فَقيرًا حِيزَت الهِبةُ أو لا- على المَشهورِ لقَولِه ﷺ : «لا يَحلُّ لرَجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيةً أو يَهبَ هِبةً فيَرجعَ فيها، إلا الوالِدَ فيما يُعطي وَلدَه، ومَثَلُ الذى يُعطي العَطيةَ ثم يَرجعُ فيها كمَثَلِ الكَلبِ يأكُلُ فإذا شبِعَ قاءَ ثم عادَ في قَيئِه» (٢) إلا إنْ ظهَرَ نَفعُها للوَلدِ، بأنْ أمِنَه الناسُ فبايَعوه أو زَوَّجوه لم يَكنْ أنْ يَرجعَ عليه، وإنْ لم يَظهَرْ نَفعُها له جازَ له الرُّجوعُ عليه، وقد فرَّقَ الإمامُ مالِكٌ بينَ صَدقةِ الوالِدِ على وَلدِه وبينَ هِبتِه له.
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قالَ مالِكٌ: الأمرُ عندَنا الذي لا اختِلافَ فيه أنَّ كلَّ مَنْ تصدَّقَ على ابنِه بصَدقةٍ قبَضَها الابنُ أو كانَ في حِجرِ
стр. 7484
أبيه فأشهَدَ له على صَدقتِه فليسَ له أنْ يَعتصِرَ شَيئًا من ذلك؛ لأنَّه لا يَرجعُ في شَيءٍ من الصَّدقةِ.
قالَ مالِكٌ: الأمرُ المُجمَعُ عليه عندَنا فيمَن نحَلَ وَلدَه نِحَلًا أو أَعطاه عَطاءً ليسَ بصَدقةٍ أنَّ له أنْ يَعتصرَ ذلك ما لم يَستحدِثِ الوَلدُ دَينًا يُداينُه الناسُ به ويأمَنونه عليه من أجلِ ذلك العَطاءِ الذي أَعطاه أَبوه، فليسَ لأَبيه أنْ يَعتصِرَ من ذلك شَيئًا بعدَ أنْ تَكونَ عليه الدُّيونُ، أو يُعطيَ الرَّجلُ ابنَه أو ابنَتَه فتَنكِحَ المَرأةُ الرَّجلَ، وإنَّما تَنكِحُه لغِناه وللمالِ الذي أَعطاه أَبوه، فيُريدَ أنْ يَعتصِرَ ذلك الأبَ، أو يَتزوجَ الرَّجلُ المَرأةَ قد نحَلَها أَبوها النِّحَلَ إنَّما يَتزوَّجُها ويَرفعُ في صَداقِها لغِناها ومالِها وما أَعطاها أَبوها، ثم الأبُ يَقولُ: أنا أعتَصرُ ذلك، فليسَ له أن يَعتصرَ من ابنِه ولا من ابنَتِه شَيئًا من ذلك إذا كانَ على ما وصَفتُ لك.
قالَ أَبو عُمرَ: قد قُلنا: إنَّ الاعتِصارَ عندَ أهلِ المَدينةِ هو الرُّجوعُ في الهِبةِ والعَطيةِ، ولا أعلَمُ خِلافًا بينَ العُلماءِ في أنَّ الصَّدقةَ لا رُجوعَ فيها للمُتصدِّقِ بها، وكلُّ ما أُريدَ به -من الهِباتِ- وَجهُ اللهِ تَعالى بأنَّها تَجري مَجرى الصَّدقةِ في تَحريمِ الرُّجوعِ فيها، وأمَّا الهِباتُ إذا لم يَقُلِ الواهِبُ فيها: «للهِ» ولا أراد بهِبتِه الصَّدقةَ المُخرَجةَ للهِ ؛ فإنَّ العُلماءَ اختَلفوا في ذلك اختِلافًا كَثيرًا.
فمَذهبُ مالِكٍ فيما ذكَرَه في كِتابِه (المُوطَّأِ) على ما أورَدْناه من
стр. 7485
تَخصيصِ تَركِ رُجوعِ الأبِ في هِبتِه لوَلدِه إذا نُكحَت الابنةُ أو استَدانَ الابنُ ونَحوُ ذلك على ما تقدَّمَ وَصفُه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الأبَ إذا وهَبَ لابنِه شَيئًا فلا رُجوعَ له فيها؛ لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «العائِدُ في هِبتِه كالكَلبِ يَعودُ في قَيئِه ليسَ لنا مَثَلُ السَّوءِ» (٢)، ولمَا رَواه سَمُرةُ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا كانتِ الهِبةُ لذي رَحمٍ مَحرَمٍ لم يَرجعْ فيها» (٣). ولمَا رَواه الإمامُ مالِكٌ في المُوطَّأِ عن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ قالَ: «مَنْ وهَبَ هِبةً لصِلةِ رَحمٍ أو على وَجهِ صَدقةٍ فإنَّه لا يَرجعُ فيها» (٤).
قالَ الحَنفيةُ: وهذا نَصٌّ في المَسألةِ، ولأنَّ الهِبةَ لذي الرَّحمِ صَدقةٌ؛ لأنَ المَقصودَ بها ثَوابُ اللهِ تَعالى دونَ المُكافأةِ، فلمَّا لم يَجزْ أنْ يَرجعَ في الصَّدقةِ لم يَجزْ أنْ يَرجعَ في الهِبةِ لذي الرَّحمِ، ولأنَّ في الرُّجوعِ في الهِبةِ
стр. 7486
عُقوقًا، وعُقوقُ ذي الرَّحمِ حَرامٌ، ولأنَّه لو وهَبَ بشَرطِ الثَّوابِ فأُثيبَ لم يَرجعْ، وهذا قد أُثيبَ من قِبَلِ اللهِ تَعالى في هِبةِ الرَّحمِ فلم يَجزْ أنْ يَرجعَ.
وقالَ السَّرخَسيُّ ﵀: وحُجتُنا ما رَوينا من حَديثِ عُمرَ ﵁ فهو الإمامُ لنا في المَسألتَينِ، ولأنَّ الهِبةَ قد تمَّت لذي الرَّحمِ المَحرَمِ مِلكًا وعَقدًا، فلا يَملِكُ الرُّجوعَ فيه كالابنِ إذا وهَبَ لأَبيه أو الأخِ لأَخيه، وهذا لأنَّ المَقصودَ قد حصَلَ وهو صِلةُ الرَّحمِ، ولأنَّ في الرُّجوعِ مَعنى قَطيعةِ الرَّحمِ، وهذا مَوجودٌ في حَقِّ الوالِدِ مع وَلدِه؛ لأنَّه بالرُّجوعِ يَحملُه على العُقوقِ، وإنَّما أمَرَ الوالِدُ أنْ يَحملَ وَلدَه على بِرِّه.
ولا يُقالُ: مَقصودُ الوالِدِ أنْ يَخدُمَه الوَلدُ، ولمَّا رجَعَ فالظاهِرُ أنَّه لم يَنلْ ذلك؛ لأنَّ شَفقةَ الأُبوَّةِ تَمنعُه من الرُّجوعِ بعدَ حُصولِ المَقصودِ، وهذا لأنَّ هذا المَعنى خَفيٌّ لا يَنبَني الحُكمُ عليه، وهو مَوجودٌ في الوَلدِ إذا وهَبَ لوالِدِه، فالظاهِرُ أنَّه قصَدَ أنْ يَخُصَّه بإِكرامٍ، وإنَّما يَرجعُ لأنَّه لم يَنلْ ذلك، ولا مُعتبَرَ بما ذُكرَ من الكَسبِ؛ فإنَّه لو وهَبَ لمُكاتَبِه أو لمُعتَقِه لا يَرجعُ فيه، وهو كَسبُه أيضًا، وهذا لأنَّ الوَلدَ كَسبُه، لا مِلكُه، بخِلافِ عَبدِه.
فأمَّا الحَديثُ فقد قيل فيه: مَعنى قَولِه ﵊: «إلا الوالِدَ»: «ولا الوالِدَ»؛ فإنَّ كَلمةَ «إلا» تُذكَرُ بمَعنى «ولا» قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، أي: ولا الذين ظلَموا منهم، وقَال تَعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] أي: ولا خَطأً.
стр. 7487
أو المُرادُ: إلا الوالِدَ؛ فإنَّه يَنفرِدُ بأخذِه عندَ حاجَتِه على ما قرَّرنا (١).
وقالَ ابنُ سُريجٍ من الشافِعيةِ: إنَّما يَرجعُ الأبُ في هِبتِه لوَلدِه إذا قالَ: «إنَّما قصَدتُ بالهِبةِ ليَزيدَ في بِرِّي أو يَترُكَ عُقوقي ولم يَفعلْ». فأمَّا إذا أطلَقَ الهِبةَ؛ فإنَّه لا يَرجعُ فيها (٢).
هل الأُمُّ كالأبِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ الذين قالوا بجَوازِ رُجوعِ الأبِ فيما وهَبَه لابنِه، هل الأُمُّ كالأبِ في هذا أو لا؟
فقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ للأُمِّ أنْ تَرجعَ فيما وهَبَته لوَلدِها الصَّغيرِ بشَرطِ أنْ يَكونَ له أبٌ حَيٌّ ولو مَجنونًا مُطبِقًا وَقتَ الهِبةِ، سَواءٌ كانَ الأبُ والابنُ مُوسِرَينِ أو مُعسِرَينِ أو أحَدُهما.
وإذا وهَبَت وَلدَها الصَّغيرَ وله أبٌ ثم طرَأَ عليه اليُتمُ بعدَ الهِبةِ؛ فإنَّها تَعتصِرُها منه ولو بعدَ بُلوغِه؛ لأنَّها لم تَكنْ بمَعنى الصَّدقةِ حيثُ كانَ له أبٌ حين الهِبةِ.
стр. 7488
فإنْ لم يَكنْ له أبٌ حَيٌّ وَقتَ الهِبةِ فليسَ لها أنْ تَعتصرَ -أي: تَرجعَ- فيما وهَبَته؛ لأنَّه يَتيمٌ ولا يُعتصَرُ من يَتيمٍ، ويُعدُّ ذلك كالصَّدقةِ عليه.
وأمَّا لو وهَبَت الكَبيرَ فلها الاعتِصارُ سَواءٌ كانَ له أبٌ أو لا.
إلا فيما أُريدَ به الآخِرةُ صارَ صَدقةً وهي لا تُعتصَرُ، وسَواءٌ كانَ الواهِبُ أبًا أو غيرَه، وكذلك لا اعتِصارَ لأبٍ ولا لأُمٍّ إذا أرادَ كلٌّ بالهِبةِ صِلةَ الرَّحمِ، كما إذا كانَ الوَلدُ صَغيرًا مُحتاجًا أو كَبيرًا بائِنًا عن أبيه، وكذلك لا اعتِصارَ لأحدِهما في الهِبةِ إذا شهِد عليها على المَشهورِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الأُمَّ كالأبِ في الرُّجوعِ؛ لأنَّها داخِلةٌ في قَولِه ﷺ : «لا يَحلُّ لرَجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيةً أو يَهبَ هِبةً فيَرجعَ فيها إلا الوالِدَ فيما يُعطي وَلدَه» (٢)، ولأنَّها لمَّا دخَلَت في قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «سَوُّوا بينَ أولادِكم» (٣) يَنبَغي أنْ يَتمكَّنَ من التَّسويةِ، والرُّجوعُ في الهِبةِ طَريقٌ في التَّسويةِ، ورُبَّما تعيَّنَ طَريقًا فيها إذا لم
стр. 7489
يُمكِنْ إعطاءُ الآخَرِ مِثلَ عَطيةِ الأولِ، ولأنَّها لمَّا دخَلَت في المَعنى في حَديثِ بَشيرِ بنِ سَعدٍ كانَ يَنبَغي أنْ تَدخلَ في جَميعِ مَدلولِه؛ لقَولِه: «فاردُدْه» وقَولُه: «فأرجِعْه»، ولأنَّها لمَّا ساوَتِ الأبَ في تَحريمِ تَفضيلِ بعضِ وَلدِها كانَ يَنبَغي أنْ تُساويَه في التَّمكُّنِ من الرُّجوعِ فيما فضَّلَه به تَخليصًا من الإثمِ وإزالةً للتَّفضيلِ المُحرَّمِ كالأبِ.
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَنصوصِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه ليسَ لها الرُّجوعُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والمَنصوصُ عن أحمدَ أنَّه ليسَ لها الرُّجوعُ، قالَ الأثرَمُ: قُلتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرُّجوعُ للمَرأةِ فيما أعطَتْه وَلدَها كالرَّجلِ؟ قالَ: ليسَ هي عِندي في هذا كالرَّجلِ؛ لأنَّ للأبِ أنْ يأخُذَ من مالِ وَلدِه، والأُمُّ لا تأخُذُ.
وذكَرَ حَديثَ عائِشةَ: «إنَّ أطيَبَ ما أكَلَ الرَّجلُ من كَسبِه، ووَلدُه من كَسبِه» (١)، أي: كأنَّه الرَّجلُ. قالَ أَصحابُنا: والحَديثُ حُجةٌ لنا؛ فإنَّه خَصَّ الوالِدَ وهو بإِطلاقِه إنَّما يَتناولُ الأبَ دونَ الأُمِّ، والفَرقُ بينَهما أنَّ للأبِ وِلايةً على وَلدِه، ويَحوزُ جَميعَ المالِ في المِيراثِ، والأُمُّ بخِلافِه، وقالَ مالِكٌ: للأُمِّ الرُّجوعُ في هِبةِ وَلدِها ما كانَ أبوه حَيًّا؛ فإنْ كانَ مَيِّتًا
стр. 7490
فلا رُجوعَ لها؛ لأنَّها هِبةٌ ليَتيمٍ، وهِبةُ اليَتيمِ لازِمةٌ كصَدقةِ التَّطوُّعِ، ومن مَذهبِه أنَّه لا يَرجعُ في صَدقةِ التَّطوُّعِ (١).
هل الجَدُّ كالأبِ أو لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وهَبَ الجَدُّ أو الجَدةُ هِبةً لابنِ ابنِه، هل له الرُّجوعُ فيها أو لا؟
فذهَبَ بعضُ المالِكيةِ كابنِ عبدِ الحَكمِ وغيرِه والشافِعيةُ في المَشهورِ من المَذهبِ إلى أنَّ الجَدَّ والجَدةَ -وكذا سائِرُ الأُصولِ من الجِهتَين ولو مع اختِلافِ الدِّينِ- كالأبِ في الرُّجوعِ في الهِبةِ كما في نَفقتِهم وعِتقِهم وسُقوطِ القَودِ عنهم، وخرَجَ بهم الفُروعُ والحَواشي.
وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في مُقابِلِ المَشهورِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَرجعُ إلا الأبُ -والأُمُّ على الخِلافِ السابِقِ- أمَّا الأجدادُ فلا رُجوعَ لهم قَصرًا للوالِدِ في الخَبرِ على الأبِ لاستِقلالِه، وهو قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَحلُّ لرَجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيةً أو يَهبَ هِبةً فيَرجعَ فيها، إلا الوالِدَ فيما يُعطي وَلدَه» (٢) فالنَّبيُّ ﷺ قصَرَ الرُّجوعَ في الوالِدِ دونَ غيرِه (٣).
стр. 7491
وأنا أَذكرُ هنا كَلامًا نَفيسًا لابنِ القَيمِ ﵁ حيثُ قالَ: المِثالُ الخامِسُ والعِشرونَ: رَدُّ السُّنةِ الصَّريحةِ المُحكمةِ في تَحريمِ الرُّجوعِ في الهِبةِ لكلِّ أحدٍ إلا للوالِدِ برَأيٍ مُتشابِهٍ فاسِدٍ اقتَضى عَكسَ السُّنةِ، وأنَّه يَجوزُ الرُّجوعُ في الهِبةِ لكلِّ أحَدٍ إلا لوالِدٍ أو لذي رَحمٍ مَحرَمٍ أو لزَوجٍ أو زَوجةٍ، أو يَكونُ الواهِبُ قد أُثيبَ منها، ففي هذه المَواضعِ الأربَعةِ يَمتنِعُ الرُّجوعُ، وفرَّقوا بينَ الأجنَبيِّ والرَّحمِ بأنَّ هِبةَ القَريبِ صِلةٌ ولا يَجوزُ قَطعُها، وأنَّ هِبةَ الأجنَبيِّ تَبرُّعٌ، وله أنْ يُمضيَه وألَّا يُمضيَه، وهذا مع كَونِه مُصادِمًا للسُّنةِ مُصادَمةً مَحضةً فهو فاسِدٌ؛ لأنَّ المَوهوبَ له حين قبَضَ العَينَ المَوهوبةَ دخَلَت في مِلكِه وجازَ له التَّصرفُ فيها، فرُجوعُ الواهِبِ فيها انتِزاعٌ لمِلكِه منه بغيرِ رِضاه، وهذا باطِلٌ شَرعًا وعَقلًا.
وأمَّا الوالِدُ فوَلدُه جُزءٌ منه، وهو ومالُه لأَبيه، وبينَهما من البَعضيةِ ما يُوجبُ شِدةَ الاتِّصالِ بخِلافِ الأجنَبيِّ.
فإنْ قيلَ: لم نُخالِفْه إلا بنَصٍّ مُحكمٍ صَريحٍ صَحيحٍ، وهو حَديثُ سالِمٍ عن أبيه عن النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ وهَبَ هِبةً فهو أحَقُّ بها ما لم
стр. 7492
يُثَبْ منها»، قالَ البَيهقيُّ: قالَ لنا أبو عبدِ اللهِ -يَعني الحاكِمَ-: هذا حَديثٌ صَحيحٌ، إلا أنْ يَكونَ الحَملُ فيه على شَيخِنا -يُريدُ أحمدَ بنَ إِسحاقَ بنِ مُحمدِ بنِ خالِدٍ الهاشِميِّ-، ورَواهُ الحاكِمُ من حَديثِ عَمرِو بنِ دِينارٍ عن أَبي هُريرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «الواهِبُ أحَقُّ بهِبتِه ما لم يُثَبْ»، وفي كِتابِ الدارَقُطنيِّ من حَديثِ حَمادِ بنِ سَلمةَ عن قَتادةَ عن الحَسنِ عن سَمُرةَ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا كانت الهِبةُ لذي رَحمٍ مَحرَمٍ لم يَرجعْ فيها»، وفي «الغيلانيات» ثَنا مُحمدُ بنُ إِبراهيمَ بنِ يَحيى عن مُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ عن عَطاءٍ عن ابنِ عَباسٍ عن النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ وهَبَ هِبةً فارتجَعَ بها فهو أحَقُّ بها ما لم يُثَبْ منها، ولكنَّه كالكَلبِ يَعودُ في قَيئِه».
فالجَوابُ أنَّ هذه الأَحاديثَ لا تَثبُتُ ولو ثبَتَت لم تَحِلَّ مُخالفتُها، ووجَبَ العَملُ بها وبحَديثِ: «لا يَحلُّ لواهِبٍ أنْ يَرجعَ في هِبتِه» ولا يَبطُلُ أحدُهما بالآخَرِ، ويَكونُ الواهِبُ الذي لا يَحلُّ له الرُّجوعُ مَنْ وهَبَ تَبرعًا مَحضًا لا لأجلِ العِوضِ، والواهِبُ الذي له الرُّجوعُ مَنْ وهَبَ ليَتعوَّضَ من هِبتِه ويُثابَ منها، فلم يَفعلِ المُتهَبُ، وتُستعمَلُ سُننُ رَسولِ اللهِ ﷺ كلُّها ولا يُضربُ بَعضُها ببَعضٍ، أمَّا حَديثُ ابنِ عُمرَ فقالَ الدارَقُطنيُّ: لا يَثبتُ مَرفوعًا، والصَّوابُ عن ابنِ عُمرَ عن عُمرَ، قَولُه: وقالَ البَيهقيُّ ورَواه علِيُّ بنُ سَهلِ بنِ المُغيرةِ عن عُبيدِ اللهِ بنِ موسى ثنا حَنظلةُ بنُ أَبي سُفيانَ قالَ: سمِعتُ سالِمَ بنَ عبدِ اللهِ … فذكَرَه، وهو غيرُ
стр. 7493
مَحفوظٍ بهذا الإِسنادِ، وإنَّما يُروى عن إِبراهيمَ بنِ إِسماعيلَ بنِ مُجمِّعٍ، وإِبراهيمُ ضَعيفٌ.
وقالَ الدارَقُطنيُّ: غلِطَ فيه علِيُّ بنُ سَهلٍ.
وإِبراهيمُ بنُ إِسماعيلَ هذا قالَ أَبو نُعَيمٍ: لا يُساوي حَديثُه فِلسَينِ. وقالَ أَبو حاتِمٍ الرازيُّ: لا يُحتجُّ به. وقالَ يَحيى بنُ مَعينٍ: إِبراهيمُ بنُ إِسماعيلَ المَكيُّ ليسَ بشَيءٍ. وقالَ البَيهقيُّ: والمَحفوظُ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عن سالِمٍ عن أَبيه عن عُمرَ «مَنْ وهَبَ هِبةً فلم يُثَبْ منها فهو أحَقُّ بها إلا لذي رَحمٍ مَحرَمٍ» قالَ البُخاريُّ: هذا أصَحُّ.
وأمَّا حَديثُ عُبَيدِ اللهِ بنِ موسى عن حَنظَلةَ فلا أراه إلا وَهمًا، وأمَّا حَديثُ حَمادِ بنِ سَلمةَ فمِن رِوايةِ عبدِ اللهِ بنِ جَعفرٍ الرَّقِّيِّ عن ابنِ المُبارَكِ، وعَبدُ اللهِ هذا ضَعيفٌ عندَهم، وأمَّا حَديثُ ابنِ عباسٍ فمُحمدُ بنُ عبدِ اللهِ فيه هو العَزرَميُّ، ولا تَقومُ به حُجةٌ، قالَ الفَلاسُ والنَّسائيُّ هو مَتروكُ الحَديثِ، وفيه إِبراهيمُ بنُ يَحيى، قالَ مالِكٌ ويَحيى بنُ سَعيدٍ وابنُ مَعينٍ: هو كَذابٌ. وقالَ الدارَقُطنيُّ: مَتروكُ الحَديثِ؛ فإنْ لم تَصحَّ هذه الأَحاديثُ لم يُلتفَتْ إليها، وإنْ صحَّت وجَبَ حَملُها على مَنْ وهَبَ للعِوضِ وباللهِ التَّوفيقُ (١).
стр. 7494
مَوانِعُ الرُّجوعِ في الهِبةِ:
ذكَرَ الفُقهاءُ الذين أَجازوا الرُّجوعَ في الهِبةِ سَواءٌ كانَت فيما وهَبَ الأبُ لابنِه أو الذين أجازوا الرَّجوعَ مُطلقًا إذا لم يُثَبْ منها مَوانعَ تَمنعُ من الرُّجوعِ فيها، وهي على التَّفصيلِ التالي:
أولًا: مَوانعُ الرُّجوعِ في الهِبةِ عندَ الحَنفيةِ:
١ - أنْ يُعوِّضَه عن الهِبةِ: فإذا عوَّضَه سقَطَ الرُّجوعُ؛ لقَولِه ﷺ : «الواهِبُ أحَقُّ بهِبتِه ما لم يُثبْ منها» (١)، أي: ما لم يُعوَّضْ عنها، ولأنَّه إذا قبَضَ العِوضَ فقد سلَّمَ له بدَلَها فلا يَرجعُ كالبَيعِ، ويُعتبَرُ في العِوضِ ما يُعتبَرُ في الهِبةِ من اشتِراطِ القَبضِ وعَدمِ الإِشاعةِ، وسَواءٌ كانَ العِوضُ قَليلًا أو كَثيرًا من جِنسِ الهِبةِ أو مِنْ غيرِ جِنسِها، وسَواءٌ دفَعَ العِوضَ في العَقدِ أو بعدَه، وصُورتُه أنْ يَذكُرَ لَفظًا يَعلمُ الواهِبُ أنَّه عِوضٌ عن هِبتِه، بأنْ يَقولَ: «خُذْ هذا عِوضًا عن هِبتِك أو مُكافأةً عنها أو بدَلَها أو في مُقابَلتِها أو مُجازاةً عليها أو ثوابَها» وما أشبَهَ ذلك؛ فإنَّه عِوضٌ في هذا كلِّه إذا سلَّمَه وقبَضَه الواهِبُ، أما لو وهَبَ له هِبةً ولم يَقُلْ له شَيئًا من هذه الأَلفاظِ ولم يَعلمْ أنَّها عِوضٌ عن هِبتِه كانَ لكلِّ واحِدٍ منهما أنْ يَرجعَ في هِبتِه إذا لم يَحدُثْ في المَوهوبِ ما يَمنعُ الرُّجوعَ وليسَ للمُعوَّضِ أنْ يَرجعَ في العِوضِ؛ لأنَّه سلَّمَ له ما في مُقابلتِه، وهو سُقوطُ الرُّجوعِ، وإنْ عوَّضَه عن نِصفِ الهِبةِ
стр. 7495
كانَ له أنْ يَرجعَ في النِّصفِ الآخَرِ وألَّا يَرجعَ في الذي عوَّضَه عنه، وإنْ عوَّضَه بعضَ ما وهَبَ له عن باقيها لم يَكنْ عِوضًا كما إذا وهَبَ له مِئةَ دِرهمٍ فعوَّضَه دِرهمًا منها لم يَكنْ عِوضًا، وكانَ للواهِبِ الرُّجوعُ في المِئةِ.
وكذا إذا وهَبَه دارًا وعوَّضَه شَيئًا منها؛ لأنَّ مَقصودَ الواهِبِ بهذا لم يَحصُلْ؛ لأنَّا نَعلمُ أنَّه لم يَهبْ مِئةً في تَحصيلِ دِرهمٍ منها، ألَا تَرى أنَّها كانت كلَّها في يَدِه، وسَواءٌ كانَ العِوضُ من المَوهوبِ له أو من أجنَبيٍّ؛ لأنَّه لإِسقاطِ حَقِّ الرُّجوعِ في الشَّرعِ يَصحُّ من الأجنَبيِّ كبَدلِ الخُلعِ (١).