وأنا أَذكرُ هنا كَلامًا نَفيسًا لابنِ القَيمِ ﵁ حيثُ قالَ: المِثالُ الخامِسُ والعِشرونَ: رَدُّ السُّنةِ الصَّريحةِ المُحكمةِ في تَحريمِ الرُّجوعِ في الهِبةِ لكلِّ أحدٍ إلا للوالِدِ برَأيٍ مُتشابِهٍ فاسِدٍ اقتَضى عَكسَ السُّنةِ، وأنَّه يَجوزُ الرُّجوعُ في الهِبةِ لكلِّ أحَدٍ إلا لوالِدٍ أو لذي رَحمٍ مَحرَمٍ أو لزَوجٍ أو زَوجةٍ، أو يَكونُ الواهِبُ قد أُثيبَ منها، ففي هذه المَواضعِ الأربَعةِ يَمتنِعُ الرُّجوعُ، وفرَّقوا بينَ الأجنَبيِّ والرَّحمِ بأنَّ هِبةَ القَريبِ صِلةٌ ولا يَجوزُ قَطعُها، وأنَّ هِبةَ الأجنَبيِّ تَبرُّعٌ، وله أنْ يُمضيَه وألَّا يُمضيَه، وهذا مع كَونِه مُصادِمًا للسُّنةِ مُصادَمةً مَحضةً فهو فاسِدٌ؛ لأنَّ المَوهوبَ له حين قبَضَ العَينَ المَوهوبةَ دخَلَت في مِلكِه وجازَ له التَّصرفُ فيها، فرُجوعُ الواهِبِ فيها انتِزاعٌ لمِلكِه منه بغيرِ رِضاه، وهذا باطِلٌ شَرعًا وعَقلًا.
وأمَّا الوالِدُ فوَلدُه جُزءٌ منه، وهو ومالُه لأَبيه، وبينَهما من البَعضيةِ ما يُوجبُ شِدةَ الاتِّصالِ بخِلافِ الأجنَبيِّ.
فإنْ قيلَ: لم نُخالِفْه إلا بنَصٍّ مُحكمٍ صَريحٍ صَحيحٍ، وهو حَديثُ سالِمٍ عن أبيه عن النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ وهَبَ هِبةً فهو أحَقُّ بها ما لم
стр. 7492
يُثَبْ منها»، قالَ البَيهقيُّ: قالَ لنا أبو عبدِ اللهِ -يَعني الحاكِمَ-: هذا حَديثٌ صَحيحٌ، إلا أنْ يَكونَ الحَملُ فيه على شَيخِنا -يُريدُ أحمدَ بنَ إِسحاقَ بنِ مُحمدِ بنِ خالِدٍ الهاشِميِّ-، ورَواهُ الحاكِمُ من حَديثِ عَمرِو بنِ دِينارٍ عن أَبي هُريرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «الواهِبُ أحَقُّ بهِبتِه ما لم يُثَبْ»، وفي كِتابِ الدارَقُطنيِّ من حَديثِ حَمادِ بنِ سَلمةَ عن قَتادةَ عن الحَسنِ عن سَمُرةَ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا كانت الهِبةُ لذي رَحمٍ مَحرَمٍ لم يَرجعْ فيها»، وفي «الغيلانيات» ثَنا مُحمدُ بنُ إِبراهيمَ بنِ يَحيى عن مُحمدِ بنِ عبدِ اللهِ عن عَطاءٍ عن ابنِ عَباسٍ عن النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ وهَبَ هِبةً فارتجَعَ بها فهو أحَقُّ بها ما لم يُثَبْ منها، ولكنَّه كالكَلبِ يَعودُ في قَيئِه».
فالجَوابُ أنَّ هذه الأَحاديثَ لا تَثبُتُ ولو ثبَتَت لم تَحِلَّ مُخالفتُها، ووجَبَ العَملُ بها وبحَديثِ: «لا يَحلُّ لواهِبٍ أنْ يَرجعَ في هِبتِه» ولا يَبطُلُ أحدُهما بالآخَرِ، ويَكونُ الواهِبُ الذي لا يَحلُّ له الرُّجوعُ مَنْ وهَبَ تَبرعًا مَحضًا لا لأجلِ العِوضِ، والواهِبُ الذي له الرُّجوعُ مَنْ وهَبَ ليَتعوَّضَ من هِبتِه ويُثابَ منها، فلم يَفعلِ المُتهَبُ، وتُستعمَلُ سُننُ رَسولِ اللهِ ﷺ كلُّها ولا يُضربُ بَعضُها ببَعضٍ، أمَّا حَديثُ ابنِ عُمرَ فقالَ الدارَقُطنيُّ: لا يَثبتُ مَرفوعًا، والصَّوابُ عن ابنِ عُمرَ عن عُمرَ، قَولُه: وقالَ البَيهقيُّ ورَواه علِيُّ بنُ سَهلِ بنِ المُغيرةِ عن عُبيدِ اللهِ بنِ موسى ثنا حَنظلةُ بنُ أَبي سُفيانَ قالَ: سمِعتُ سالِمَ بنَ عبدِ اللهِ … فذكَرَه، وهو غيرُ
стр. 7493
مَحفوظٍ بهذا الإِسنادِ، وإنَّما يُروى عن إِبراهيمَ بنِ إِسماعيلَ بنِ مُجمِّعٍ، وإِبراهيمُ ضَعيفٌ.
وقالَ الدارَقُطنيُّ: غلِطَ فيه علِيُّ بنُ سَهلٍ.
وإِبراهيمُ بنُ إِسماعيلَ هذا قالَ أَبو نُعَيمٍ: لا يُساوي حَديثُه فِلسَينِ. وقالَ أَبو حاتِمٍ الرازيُّ: لا يُحتجُّ به. وقالَ يَحيى بنُ مَعينٍ: إِبراهيمُ بنُ إِسماعيلَ المَكيُّ ليسَ بشَيءٍ. وقالَ البَيهقيُّ: والمَحفوظُ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ عن سالِمٍ عن أَبيه عن عُمرَ «مَنْ وهَبَ هِبةً فلم يُثَبْ منها فهو أحَقُّ بها إلا لذي رَحمٍ مَحرَمٍ» قالَ البُخاريُّ: هذا أصَحُّ.
وأمَّا حَديثُ عُبَيدِ اللهِ بنِ موسى عن حَنظَلةَ فلا أراه إلا وَهمًا، وأمَّا حَديثُ حَمادِ بنِ سَلمةَ فمِن رِوايةِ عبدِ اللهِ بنِ جَعفرٍ الرَّقِّيِّ عن ابنِ المُبارَكِ، وعَبدُ اللهِ هذا ضَعيفٌ عندَهم، وأمَّا حَديثُ ابنِ عباسٍ فمُحمدُ بنُ عبدِ اللهِ فيه هو العَزرَميُّ، ولا تَقومُ به حُجةٌ، قالَ الفَلاسُ والنَّسائيُّ هو مَتروكُ الحَديثِ، وفيه إِبراهيمُ بنُ يَحيى، قالَ مالِكٌ ويَحيى بنُ سَعيدٍ وابنُ مَعينٍ: هو كَذابٌ. وقالَ الدارَقُطنيُّ: مَتروكُ الحَديثِ؛ فإنْ لم تَصحَّ هذه الأَحاديثُ لم يُلتفَتْ إليها، وإنْ صحَّت وجَبَ حَملُها على مَنْ وهَبَ للعِوضِ وباللهِ التَّوفيقُ (١).
стр. 7494
مَوانِعُ الرُّجوعِ في الهِبةِ:
ذكَرَ الفُقهاءُ الذين أَجازوا الرُّجوعَ في الهِبةِ سَواءٌ كانَت فيما وهَبَ الأبُ لابنِه أو الذين أجازوا الرَّجوعَ مُطلقًا إذا لم يُثَبْ منها مَوانعَ تَمنعُ من الرُّجوعِ فيها، وهي على التَّفصيلِ التالي:
أولًا: مَوانعُ الرُّجوعِ في الهِبةِ عندَ الحَنفيةِ:
١ - أنْ يُعوِّضَه عن الهِبةِ: فإذا عوَّضَه سقَطَ الرُّجوعُ؛ لقَولِه ﷺ : «الواهِبُ أحَقُّ بهِبتِه ما لم يُثبْ منها» (١)، أي: ما لم يُعوَّضْ عنها، ولأنَّه إذا قبَضَ العِوضَ فقد سلَّمَ له بدَلَها فلا يَرجعُ كالبَيعِ، ويُعتبَرُ في العِوضِ ما يُعتبَرُ في الهِبةِ من اشتِراطِ القَبضِ وعَدمِ الإِشاعةِ، وسَواءٌ كانَ العِوضُ قَليلًا أو كَثيرًا من جِنسِ الهِبةِ أو مِنْ غيرِ جِنسِها، وسَواءٌ دفَعَ العِوضَ في العَقدِ أو بعدَه، وصُورتُه أنْ يَذكُرَ لَفظًا يَعلمُ الواهِبُ أنَّه عِوضٌ عن هِبتِه، بأنْ يَقولَ: «خُذْ هذا عِوضًا عن هِبتِك أو مُكافأةً عنها أو بدَلَها أو في مُقابَلتِها أو مُجازاةً عليها أو ثوابَها» وما أشبَهَ ذلك؛ فإنَّه عِوضٌ في هذا كلِّه إذا سلَّمَه وقبَضَه الواهِبُ، أما لو وهَبَ له هِبةً ولم يَقُلْ له شَيئًا من هذه الأَلفاظِ ولم يَعلمْ أنَّها عِوضٌ عن هِبتِه كانَ لكلِّ واحِدٍ منهما أنْ يَرجعَ في هِبتِه إذا لم يَحدُثْ في المَوهوبِ ما يَمنعُ الرُّجوعَ وليسَ للمُعوَّضِ أنْ يَرجعَ في العِوضِ؛ لأنَّه سلَّمَ له ما في مُقابلتِه، وهو سُقوطُ الرُّجوعِ، وإنْ عوَّضَه عن نِصفِ الهِبةِ
стр. 7495
كانَ له أنْ يَرجعَ في النِّصفِ الآخَرِ وألَّا يَرجعَ في الذي عوَّضَه عنه، وإنْ عوَّضَه بعضَ ما وهَبَ له عن باقيها لم يَكنْ عِوضًا كما إذا وهَبَ له مِئةَ دِرهمٍ فعوَّضَه دِرهمًا منها لم يَكنْ عِوضًا، وكانَ للواهِبِ الرُّجوعُ في المِئةِ.
وكذا إذا وهَبَه دارًا وعوَّضَه شَيئًا منها؛ لأنَّ مَقصودَ الواهِبِ بهذا لم يَحصُلْ؛ لأنَّا نَعلمُ أنَّه لم يَهبْ مِئةً في تَحصيلِ دِرهمٍ منها، ألَا تَرى أنَّها كانت كلَّها في يَدِه، وسَواءٌ كانَ العِوضُ من المَوهوبِ له أو من أجنَبيٍّ؛ لأنَّه لإِسقاطِ حَقِّ الرُّجوعِ في الشَّرعِ يَصحُّ من الأجنَبيِّ كبَدلِ الخُلعِ (١).
٢ - أو تَزيدُ زِيادةً مُتصلةً: فإذا حدَثَت في الشَّيءِ المَوهوبِ زيادةٌ مُتصلةٌ سَواءٌ كانت بفِعلِ المَوهوبِ له أو بفِعلِ غيرِه، وسَواءٌ كانت مُتولَّدةً من الشَّيءِ المَوهوبِ أو ليسَت مُتولَّدةً منه، بأنْ كانت جاريةً هَزيلةً فسمِنَت، أو دارًا فبَنى فيها أو حفَرَ فيها بِئرًا أو ثَوبًا فصبَغَه بعُصفُرٍ أو قطَعَه وخاطَه قَميصًا؛ فإنَّ في جَميعِ ذلك لا رُجوعَ له؛ لأنَّه لا وَجهَ له إلى الرُّجوعِ في الهِبةِ دونَ الزِّيادةِ لعَدمِ الإِمكانِ، ولا مع الزِّيادةِ لعَدمِ دُخولِها تحتَ العَقدِ، ولو وهَبَ له جاريةً فحبَلَت في يَدِ المَوهوبِ له لم يَكنْ له أنْ يَرجعَ فيها قبلَ انفِصالِ الوَلدِ؛ لأنَّها مُتصلةٌ بزيادةٍ لم تَكنْ مَوهوبةً، وإنْ وهَبَ له جاريةً حامِلًا أو بَهيمةً حامِلًا فرجَعَ فيها قبلَ الوَضعِ إنْ كانَ رُجوعُه قبلَ أنْ تَمضيَ مُدةٌ يَعلمُ فيها زيادةَ الحَملِ جازَ وإلا فلا.
أمَّا الزِّيادةُ المُنفصلةُ فإنَّها لا تَمنعُ الرُّجوعَ سَواءٌ كانت مُتولَّدةً من الشَّيءِ المَوهوبِ كاللَّبنِ والثَّمرةِ أو غيرَ مُتولَّدةٍ منه كالكَسبِ والغَلةِ؛ لأنَّ هذه الزَّوائدَ لم يَرِدْ عليها العَقدُ، وكذلك لا يَرِدُ عليها الفَسخُ، كما أنَّه يُمكنُ فَسخُ العَقدِ دونَ الزِّيادةِ بخِلافِ الزِّيادةِ المُتصلةِ كما تقدَّمَ.
وكذا نُقصانُ الشَّيءِ المَوهوبِ لا يَمنعُ الرُّجوعَ؛ لأنَّ الواهِبَ لمَّا كانَ له حَقُّ الرُّجوعِ في كلِّ المَوهوبِ كانَ له الرُّجوعُ في بَعضِه مع بَقائِه، فكَذا عندَ نُقصانِه.
стр. 7499
٣ - أنْ يَموتَ أحدُ المُتعاقِدينِ: لأنَّه بمَوتِ المَوهوبِ له يَنتقلُ المِلكُ إلى الوَرثةِ فصارَ كما إذا انتقَلَ في حَياتِه، وإنْ ماتَ الواهِبُ فوارِثُه أجنَبيٌّ عن العَقدِ؛ لأنَّه ما أوجَبَه.
٤ - أنْ تَخرجَ الهِبةُ من مِلكِ المَوهوبِ له؛ لأنَّ الخُروجَ حصَلَ بتَسليطِه، وسَواءٌ خرَجَت ببَيعٍ أو هِبةٍ أو غيرِ ذلك، ولو أخرَجَ بَعضَها عن مِلكِه فله الرُّجوعُ فيما بَقيَ دون الزائِلِ، ولو وهَبَها المَوهوبُ له لآخَرَ ثم رجَعَ فيها كانَ للأولِ أنْ يَرجعَ فيها.
٥ - هَلاكُ المَوهوبِ: لأنَّ الرُّجوعَ في شَيءٍ يَستدعي قيامَ المَرجوعِ فيه، وهَلاكُه يُنافيه، ولو ادَّعى المَوهوبُ له هَلاكَه صُدِّق بلا حَلِفٍ؛ لأنَّه مُنكِرٌ لوُجوبِ الرَّدِّ عليه فأشبَهَ المُودَعَ.
٦ - أنْ يَهبَ هِبةً لذي رَحمٍ مَحرَمٍ منه فلا رُجوعَ فيها، بحيث لو كانَ أحدُهما أُنثَى والآخَرُ ذَكرًا لم يَحلَّ له نِكاحُها، مِثلَ أنْ يَهبَ لأبيه أو لجَدِّه أو لعَمِّه أو لخالِه لم يَجزْ أنْ يَرجعَ عليه بعدَ الإِقباضِ؛ لمَا رَواه سَمُرةَ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «إذا كانَت الهِبةُ لذي رَحمٍ مَحرَمٍ لم يَرجعْ فيها» (١). والحُجةُ فيه بمَفهومِ الشَّرطِ؛ لأنَّ مَعناه: إذا كانَت لغيرِ مَحرَمٍ فله الرُّجوعُ، بل هو مُصرحٌ به في أثَرِ عُمرَ ﵁ الذي رَواه الإمامُ مالِكٌ في المُوطَّأِ عن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ قالَ: «مَنْ وهَبَ هِبةً لصِلةِ رَحمٍ أو
стр. 7500
على وَجهِ صَدقةٍ فإنَّه لا يَرجعُ فيها، ومَن وهَبَ هِبةً يَرى أنَّه إنَّما أرادَ بها الثَّوابَ فهو على هِبتِه يَرجعُ فيها إنْ لم يَرضَ منها» (١). وهذا نَصٌ في البابِ، ولأنَّ المَقصودَ منها مع القَريبِ المَحرَمِ صِلةُ الرَّحمِ وقد حصَلَ، وفي الرُّجوعِ قَطعُها، فلا يَرجعُ ولو كانَ ذِميًّا أو مُستأمَنًا؛ لأنَّه واجِبُ الصِّلةِ ومَحلٌّ للصَّدقةِ لقَولِه تَعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] ولقَبولِ الذِّمةِ والأَمانِ فقد ترَكَ المُقاتلةَ.
هذا إذا كانَ قد سلَّمَها لذي رَحِمِه المَحرَمِ، أمَّا قبلَ ذلك فله الرُّجوعُ.
وإنْ وهَبَ لذي رَحمٍ غيرِ مَحرَمٍ كابنِ العَمِّ، أو مَحرَمٍ غيرِ رَحمٍ كالأخِ من الرَّضاعةِ جازَ له الرُّجوعُ فيما وهَبَ له، والرَّحمُ المَحرَمُ الذي مَحرميَّتُه لا من الرَّحمِ كابنِ عَمٍّ هو أخٌ رَضاعًا.
قالَ السَّمرقَنديُّ: الرَّحمُ صاحِبُ القَرابةِ، والمَحرَمُ هو الذي تَحرُمُ مُناكَحتُه.
فلو كانَ الرَّحمُ مَحرَمًا من الرَّضاعِ أو المُصاهرةِ لا يَمتنعُ الرُّجوعُ؛ لعَدمِ وُجوبِ صِلتِه، ولذا لا يَجبُ إنفاقُه عليه عندَ عَجزِه وإنْ كانت صِلتُه مَندوبًا إليها.
٧ - وكذلك ما وهَبَه أحدُ الزَّوجَينِ للآخَرِ: لأنَّ هِبةَ أحدِ الزَّوجَينِ للآخَرِ تُحقِّقُ ما بينَهما من الأُلفةِ والمَودةِ، فكانَ المَقصودُ منها الصِّلةَ،
стр. 7501
وقد حصَلَ، وفي الرُّجوعِ قَطيعةُ الرَّحمِ والأُلفةِ؛ لأنَّها تُورِثُ الوَحشةَ والنَّفرةَ، فلا يَجوزُ صيانةً للرَّحمِ عن القَطيعةِ وإبقاءً للزَّوجيةِ على الأُلفةِ والمَودةِ، ولأنَّ المَقصودَ بها صِلةُ الرَّحمِ؛ لأنَّ الزَّوجيةَ أُجريَت مجرَى القَرابةِ، بدَليلِ أنَّه يَحصلُ بها الإِرثُ في جَميعِ الأَحوالِ، وسَواءٌ كانَ أحدُ الزَّوجَينِ مُسلمًا أو كافِرًا، لشُمولِ المَعنى.
وإنَّما يُنظرُ إلى هذا وَقتَ الهِبةِ، حتى لو وهَبَ لأجنَبيةٍ ثم تَزوَّجها فله الرُّجوعُ؛ لأنَّ العَقدَ أوجَبَ له الرُّجوعَ قبلَ التَّزويجِ، فكذا بعدَه، ولو وهَبَت له ثم تَزوَّجته كانَ لها الرُّجوعُ، وإنْ وهَبَ لزَوجتِه أو وهَبَت له ثم أبانَها فليسَ له ولا لها الرُّجوعُ؛ لأنَّ العَقدَ وقَعَ غيرَ مُوجِبٍ للرُّجوعِ؛ لأنَّ المُعتبَرَ المَقصودُ وَقتَ العَقدِ (١).
ثانيًا: مَوانعُ الرُّجوعِ في الهِبةِ عندَ المالِكيةِ:
المالِكيةُ أجازوا الرُّجوعَ -كما تقدَّمَ- فيما وهَبَه الوالِدُ لوَلدِه، إلا أنَّهم أسقَطوا حَقَّ الأبِ والأُمِّ في اعتِصارِ الهِبةِ -أي: الرُّجوعِ فيها- إذا وهَبَ لوَلدِه بوُجودِ أحدِ المَوانعِ الآتيةِ:
стр. 7502
١ - إذا وهَبَت الأُمُّ لابنِها الصَّغيرِ هِبةً بعدَ مَوتِ أبيه فليسَ لها أنْ تَعتصِرَ -أي: تَرجعَ- فيما وهَبَته؛ لأنَّه يَتيمٌ ولا يُعتصَرُ من يَتيمٍ، ويُعدُّ ذلك كالصَّدقةِ عليه.
وأمَّا لو وهَبَت الكَبيرَ فلها الاعتِصارُ، سَواءٌ كانَ له أبٌ أو لا.
٢ - لا اعتِصارَ -أي: لا رُجوعَ- لأبٍ ولا لأُمٍّ ولا لغيرِهما إذا أرادَ كلٌّ بالهِبةِ صِلةَ الرَّحمِ والحَنانَ على وَلدِهما، كما إذا كانَ الوَلدُ صَغيرًا مُحتاجًا أو كَبيرًا بائِنًا عن أَبيه، فإِرادةُ الصِّلةِ والحَنانِ تَمنعُ من اعتِصارِها.
٣ - لا رُجوعَ في الهِبةِ إذا أرادَ المُعطي بما أعطَى وَجهَ اللهِ تَعالى وثَوابَ الآخِرةِ صارَ صَدقةً وهي لا تُعتصَرُ، وسَواءٌ كانَ الواهِبُ أبًا أو غيرَه، هذا هو المَشهورُ.
وقالَ مُطرِّفٌ وابنُ وَهبٍ: مَنْ وهَبَ هِبةً لوَجهِ اللهِ فله الاعتِصارُ فيها.
٤ - لا اعتِصارَ لأحدِهما في الهِبةِ إذا شهِدَ عليها على المَشهورِ، كما قالَ الخَرشيُّ، لكنْ ضعَّفَ هذا القَولَ الدُّسوقيُّ في حاشيَتِه فقالَ: وأمَّا الإشهادُ على الهِبةِ فلا يَكونُ مانِعًا من اعتِصارِها خِلافًا لمَا في «خش» و «عبق» (١).
٥ - إذا تصدَّقَ بصَدقةٍ على وَلدِه الصَّغيرِ أو الكَبيرِ بلَفظِ الصَّدقةِ ولم يَشترطْ أنْ يَرجعَ فيها ويَعتصرَها؛ فإنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَعتصرَها حينَئذٍ.
стр. 7503
واختَلفَ إذا شرَطَ الرُّجوعَ فيها هل له ذلك أو لا؟
المَشهورُ أنَّ له ذلك، فلو شرَطَ المُتصدِّقُ أنَّه يَرجعُ في صَدقتِه كانَ له شَرطُه وله أنْ يَعتصرَها، كما إذا لو شرَطَ المُحبِسُ في الحَبسِ نَفسِه بَيعَه كانَ له شَرطُه.
٦ - ألَّا تَفوتَ الهِبةُ من عندِ المَوهوبِ له ببَيعٍ أو غَصبٍ أو عِتقٍ أو تَدبيرٍ، أو بزِيادةٍ أو نَقصٍ كما إذا كبِرَ الصَّغيرُ أو سمِنَ الهَزيلُ أو هزَلَ الكَبيرُ، أو بجَعلِ الدَّنانيرِ حُليًّا أو بوَجهٍ من وُجوهِ المَفوتاتِ؛ فإنْ حصَلَ شَيءٌ من ذلك فلا اعتِصارَ لواهِبِها حينَئذٍ، ولا فَرقَ في الزِّيادةِ بينَ المَعنَويةِ كتَعليمِ صَنعةٍ لها بالٌ، ويَنبَغي أنْ يَكونَ النَّقصُ كذلك كما إذا كانَ يَعملُ صَنعةً فنَسيَها، أو الحِسِّيةِ ككِبَرِ الصَّغيرِ وسِمَنِ الهَزيلِ.
وقالَ مُطرِّفٌ وابنُ الماجِشونِ: زيادَتُها في عَينِها ونَقصُها لا يَمنعُ الرُّجوعَ فيها.
واختارَ اللَّخميُّ عَدمَ الفَواتِ في النَّقصِ بخِلافِ الزِّيادةِ.
وأمَّا حَوالةُ الأَسواقِ بأنْ تَغيَّرتِ الهِبةُ في قيمَتِها بتَغيُّرِ الأَسواقِ بزِيادةٍ أو نُقصانٍ مع بَقاءِ الذاتِ فلا يَمنعُ هذا الاعتِصارَ فيها على المَشهورِ؛ لأنَّ الهِبةَ على حالِها، وزِيادةُ الهِبةِ أو نَقصُها لا تَعلُّقَ له بها، ولا تَأثيرَ له في صِفتِها فلم يَمنعْ الاعتِصارَ كنَقلِها من مَوضعٍ إلى آخَرَ.
٧ - خَلطُ المَوهوبِ له للهِبةِ بمِثلِها دَراهمَ أو غيرِها يَمنعُ الاعتِصارَ،
стр. 7504
ولا يَكونُ الأبُ شَريكًا للوَلدِ بقَدرِها، فلو زال النَّقصُ ورجَعَ الزِّيادةُ؛ فإنَّه يَعودُ الاعتِصارُ.
٨ - ألَّا يَكونَ الوَلدُ قد تزوَّجَ -أي: عقَدَ- لأجلِ الهِبةِ، وسَواءٌ كانَ الوَلدُ صَغيرًا أو كَبيرًا، ذَكرًا أو أُنثى؛ فإنَّ عَقدَ الوَلدِ النِّكاحَ مُفوِّتٌ للاعتِصارِ، فمَن عقَدَ زَواجَ الذَّكرِ أو الأُنثَى لأجلِ يُسرِهما بالهِبةِ؛ فإنَّه لا يَجوزُ للأبِ الرُّجوعُ في الهِبةِ.
وكذلك إذا تَداينَ لأجلِ الهِبةِ؛ فإنَّ ذلك مانِعٌ للاعتِصارِ، وسَواءٌ كانَ الوَلدُ ذَكرًا أو أُنثى، ولا بدَّ من قَصدِ صاحِبِ الدَّينِ في التَّدايُنِ لأجلِ الهِبةِ، ولا يَكفي في ذلك قَصدُ الوَلدِ وَحدَه، فلو تَداينَ لغيرِ الهِبةِ بأنْ كانَ غَنيًّا أو كانت الهِبةُ قَليلةً في نَفسِها لا يُزوَّجُ ولا يُعاملُ لأجلِها؛ فإنَّ التَّزوجَ والتَّداينَ حينَئذٍ لا يَمنعُ من اعتِصارِها، وللأبِ أو الأُمِّ الاعتِصارُ.
قالَ مالِكٌ: الأمرُ المُجمَعُ عليه عندَنا فيمَن نحَلَ وَلدَه نِحَلًا أو أَعطاه عَطاءً ليسَ بصَدقةٍ أنَّ له أنْ يَعتصرَ ذلك ما لم يَستحدِثِ الوَلدُ دَينًا يُدايِنُه الناسُ به ويأمَنونه عليه من أجلِ ذلك العَطاءِ الذي أَعطاه أبوه، فليسَ لأبيه أنْ يَعتصرَ من ذلك شَيئًا بعدَ أنْ تَكونَ عليه الدُّيونُ، أو يُعطيَ الرَّجلُ ابنَه أو ابنَتَه فتَنكِحَ المَرأةُ الرَّجلَ وإنَّما تَنكِحُه لغِناه وللمالِ الذي أَعطاه أبوه، فيُريدُ أنْ يَعتصرَ ذلك الأبُ أو يَتزوجَ الرَّجلُ المَرأةَ قد نحَلَها أَبوها النِّحَلَ إنَّما يَتزوجُها ويَرفعُ في صَداقِها لغِناها ومالِها وما أعطاها أبوها، ثم يَقولُ الأبُ: أنا أَعتصِرُ ذلك، فليسَ له أنْ يَعتصرَ من ابنِه ولا من ابنَتِه شَيئًا من ذلك إذا كانَ على ما وصَفتُ لك.
стр. 7505
قالَ أَبو عُمرَ: قد قُلنا: إنَّ الاعتِصارَ عندَ أهلِ المَدينةِ هو الرُّجوعُ في الهِبةِ والعَطيةِ، ولا أعلَمُ خِلافًا بينَ العُلماءِ في أنَّ الصَّدقةَ لا رُجوعَ فيها للمُتصدِّقِ بها، وكلُّ ما أُريدَ به -من الهِباتِ- وَجهُ اللهِ تَعالى بأنَّها تَجري مَجرى الصَّدقةِ في تَحريمِ الرُّجوعِ فيها، وأمَّا الهِباتُ إذا لم يَقُلِ الواهِبُ فيها: «لله»، ولا أرادَ بهِبتِه الصَّدقةَ المُخرَجةَ للهِ ؛ فإنَّ العُلماءَ اختَلفوا في ذلك اختِلافًا كَثيرًا.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: فمَذهبُ مالِكٍ فيما ذكَرَه في كِتابِه (المُوطَّأِ) على ما أورَدناه من تَخصيصِ تَركِ رُجوعِ الأبِ في هِبتِه لوَلدِه إذا نكَحَت الابنةُ أو استَدانَ الابنُ ونَحوُ ذلك على ما تقدَّمَ وَصفُه (١).
٩ - وكذلك يَفوتُ الاعتِصارُ بمَرضِ الوَلدِ المَوهوبِ له مَرضًا مَخوفًا فيَمتنعُ الرُّجوعُ لتَعلُّقِ حَقِّ وَرثتِه بالهِبةِ، وكذلك الحُكمُ إذا مرِضَ الواهِبُ وهو الأبُ أو الأُمُّ ذلك المَرضَ؛ فإنَّ مرَضَه هذا يَمنعُه من الرُّجوعِ فيما وهَبَ لوَلدِه؛ لأنَّ اعتِصارَه حينَئذٍ إنَّما هو للوَرثةِ لا لنَفسِه؛ لأنَّه إذا ماتَ من هذا المَرضِ تَكونُ الهِبةُ التي رجَعَ فيها لغيرِ الوَلدِ كزَوجةِ الأبِ مَثلًا، وهذا هو المَشهورُ في الفَرعَينِ، ورَوى أشهَبُ أنَّ مَرضَ الأبِ لا يَمنعُ بخِلافِ مَرضِ الوَلدِ.
إلا أنْ يَهبَ على هذه الأَحوالِ، يَعني أنَّ الأبَ أو الأُمَّ إذا وهَبَ أحدُهما وَلدَه هِبةً وهو مُتزوجٌ أو وهو مَدينٌ أو وهو مَريضٌ فله أنْ يَعتصرَها منه؛ لأنَّ وُجودَ هذه الأَحوالِ وَقتَ الهِبةِ لا يَكونُ مانِعًا من الاعتِصارِ.
стр. 7506
أو يَزولُ المَرضُ على المُختارِ، فإذا زالَ مَرضُ الأبِ والأُمِّ أو الوَلدِ؛ فإنَّه يَجوزُ الاعتِصارُ على ما اختارَه اللَّخميُّ، وأمَّا النِّكاحُ والمُدايَنةُ إذا زالا؛ فإنَّه يتَّفقُ على عَدمِ جَوازِ الاعتِصارِ، والفَرقُ بينَ المَرضِ وبينَ النِّكاحِ والمُداينةِ أنَّ المَرضَ أمرٌ لم يُعامِلْه الناسُ عليه، بل هو من عندِ اللهِ ، فإذا زالا عادَ الاعتِصارُ، بخِلافِ النِّكاحِ والمُداينةِ؛ فإنَّه أمرٌ عامَلَه الناسُ عليه، فإذا زالَ؛ فإنَّه لا يَعودُ الاعتِصارُ، ولم يَحكِ اللَّخميُّ فيه خِلافًا، ونُقلَ هذا الفَرقُ في «التَّوضيحِ» عن ابنِ القاسِمِ (١).
ثالِثًا: مَوانعُ الرُّجوعِ في الهِبةِ عندَ الشافِعيةِ:
ذكَرَ الشافِعيةُ عِدةَ مَوانعَ تَمنعُ من رُجوعِ الأبِ، وكذا سائِرُ الأُصولِ في الهِبةِ إذا وهَبَها لوَلدِه، وهي:
إذا خرَجَ الشَّيءُ المَوهوبُ من سَلطنةِ المُتهَبِ -وهو الوَلدُ- يَمتنعُ الرُّجوعُ في المَوهوبِ بزَوالِ السَّلطنةِ، سَواءٌ زالَت بزَوالِ مِلكِه عنه ببَيعِه كلِّه أو وَقفِه، ونَحوِ ذلك؛ لأنَّ الشارعَ إنَّما أثبَتَ الرُّجوعَ في العَينِ وقد تَعذَّرَ،
стр. 7507
ولا يَستحقُّ عنها بَدلًا؛ لأنَّها لم تَكنْ بعِوضٍ، أمَّا لو خرَجَ عن مِلكِه بَعضُه فله الرُّجوعُ في الباقي.
أمَّا لو رهَنَه أو وهَبَه قبلَ القَبضِ فيهما فللأبِ الرُّجوعُ؛ لبَقاءِ السَّلطنةِ، وكذا إذا باعَه بشَرطِ الخيارِ له أو لهما ثُبوتُ الرُّجوعِ؛ لبَقاءِ سَلطنتِه؛ لأنَّ المِلكَ له وهو ظاهِرٌ، وأمَّا بعدَ القَبضِ فلا رُجوعَ له لزَوالِ السَّلطنةِ.
وكذا لو زرَعَ الأرضَ لا يَمتنعُ الرُّجوعُ، وكذا لو أجَّرَ العَينَ المَوهوبةَ فلا رُجوعَ له على المَذهبِ؛ لأنَّ العَينَ باقيةٌ بحالِها ومَوردُ الإِجارةِ المَنفعةُ، وعلى هذا فالإِجارةُ بحالِها؛ يَستوفي المُستأجِرُ المَنفعةَ إلى انقِضاءِ المُدةِ.
ومُقابلُ المَذهبِ قَولُ الإمامِ: إنْ صحَّحنا بَيعَ المُؤجِّرِ رجَعَ وإلا فلا.
تَنبيهٌ: يُستَثنى من الرُّجوعِ مع بَقاءِ السَّلطنةِ ما إذا منَعَ مانِعٌ من الرُّجوعِ، وذلك في صُورٍ:
منها ما لو جُنَّ الأبُ؛ فإنَّه لا يَصحُّ رُجوعُه حالَ جُنونِه، ولا رُجوعَ لوَليِّه، بل إذا أفاقَ كانَ له الرُّجوعُ.
ومنها: لو أحرَمَ والمَوهوبُ صَيدٌ؛ فإنَّه لا يَرجعُ في الحالِ؛ لأنَّه لا يَجوزُ إِثباتُ يَدِه على الصَّيدِ في حالِ الإحرامِ.
ومنها: لو ارتَدَّ الوَلدُ وفرَّعْنا على وَقفِ مِلكِه؛ فإنَّه لا يَرجعُ؛ لأنَّ الرُّجوعَ لا يَقبلُ الوَقفَ كما لا يَقبلُ التَّعليقَ.
стр. 7508
فلو حَلَّ من إِحرامِه أو عادَ إلى الإِسلامِ والمَوهوبُ باقٍ على مِلكِ الوَلدِ رجَعَ، ولو وهَبَ لوَلدِه شَيئًا ووهَبَه الوَلدُ لوَلدِه لم يَرجعِ الأولُ في الأصَحِّ؛ لأنَّ المِلكَ غيرُ مُستفادٍ منه، ولو باعَه من ابنِه أو انتقَلَ بمَوتِه إليه لم يَرجعِ الأبُ قَطعًا؛ لأنَّه لا رُجوعَ له فالأبُ أَولى، ولو وهَبَه لوَلدِه فوهَبَه الوَلدُ لأخيه من أبيه لم يَثبُتْ للأبِ الرُّجوعُ؛ لأنَّ الواهِبَ لا يَملكُ الرُّجوعَ فالأبُ أَولى، ولو وهَبَه الوَلدُ لجَدِّه ثم الجَدُّ لوَلدِ وَلدِه فالرُّجوعُ للجَدِّ فقط.
ولو زال مِلكُ الوَلدِ عن المَوهوبِ ثم عادَ إليه بإرثٍ أو غيرِه أو بإقالةٍ أو الرَّدِ بالعَيبِ لم يَرجعْ في الأصَحِّ؛ لأنَّ المِلكَ غيرُ مُستفادٍ من الأصلِ حتى يَرجعَ فيه.
والثانِي -وهو مُقابِلُ الأصَحِّ-: يَرجعُ؛ نَظرًا إلى مِلكِه السابِقِ، ولأنَّه وجَدَ عَينَ مالِه عندَ مَنْ له الرُّجوعُ فيما وهَبَ منه.
ولو وهَبَ له عَصيرًا ثم تخمَّرَ ثم تخلَّلَ فله الرُّجوعُ على المَذهبِ؛ لأنَّ المِلكَ الكائِنَ في الخَلِّ سَببُه مِلكُ العَصيرِ.
ولو زرَعَ الوَلدُ الحَبَّ أو فرَّخَ البَيضُ لم يَرجعِ الأصلُ فيه كما جزَمَ به ابنُ المُقريِّ وإنْ جزَمَ البُلقينيُّ بخِلافِه؛ لأنَّ المَوهوبَ صارَ مُستهلَكًا.
ولو زاد المَوهوبُ رجَعَ الأصلُ فيه بزيادتِه المُتصلةِ كسِمَنٍ وحَرثِ أرضٍ لزِراعةٍ؛ لأنَّها تَتبعُ الأصلَ.
стр. 7509
ويُستَثنى من ذلك صُورتانِ:
الأُولى: ما لو وهَبَ أمَةً أو بَهيمةً حائِلًا ثم رجَعَ فيها وهي حامِلٌ لم يَرجعْ إلا في الأُمِّ دونَ الحَملِ بِناءً على أنَّ الحَملَ يُعلَمُ وهو الأصَحُّ، ويَرجعُ في الأُمِّ ولو قبلَ الوَضعِ في أحدِ وَجهَينِ.
الثانِية: ما وهَبَه نَخلًا فأطلَعَت تَمرًا غيرَ مُؤبَّرٍ، فلا يَرجعُ فيه على المَذهبِ؛ لأنَّه لا مُعاوضةَ ولا تَراضٍ كالصَّداقِ.
وأمَّا الزِّيادةُ المُنفصِلةُ كالوَلدِ الحادِثِ والكَسبِ فلا يَرجعُ الأصلُ فيها، بل تَبقى للمُتهَبِ لحُدوثِه على مِلكِه بخِلافِ الحَملِ المُقارِنِ للهِبةِ؛ فإنَّه يَرجعُ فيه وإنِ انفصَلَ؛ لأنَّه من جُملةِ المَوهوبِ، ولو كانَ الحَملُ مُقارِنًا للهِبةِ ثم رجَعَ في الأُمِّ فقط كانَ رُجوعًا في الحَملِ أيضًا.
ولو صبَغَ الوَلدُ الثَّوبَ أو قصَّرَه أو طحَنَ الحِنطةَ أو نسَجَ الغَزلَ شارَكَ والِدَه بعدَ الرُّجوعِ في الثَّوبِ بما زادَ على قيمَتِه؛ فإنْ لم تَزِدْ فلا شَركةَ.
ولو رجَعَ الأصلُ في الأرضِ التي وهَبَها للوَلدِ وقد غرَسَ الوَلدُ أو بَنى تخيَّرَ الأصلُ بعدَ رُجوعِه في الغَرسِ أو البِناءِ بينَ قَلعِه بأرشِ نَقصِه أو تَملُّكِه بقيمَتِه أو تَبقيتِه بأُجرةٍ كالعارِيةِ، ولو نقَصَ المَوهوبُ رجَعَ فيه من غيرِ أرشِ نَقصٍ.
ولو حُجرَ على المُتهبِ -أي: الوَلدِ- بالفَلسِ، فلا رُجوعَ على الأصَحِّ كالرَّهنِ؛ لأنَّه بالحَجرِ تَعلَّقت به حُقوقُ الغُرماءِ فهو كما لو رهَنَّا الوَلدَ.
стр. 7510
وقيلَ: يَرجعُ؛ لأنَّ حَقَّه سابِقٌ؛ فإنَّه يَثبتُ من حينِ الهِبةِ.
ولو حُجرَ عليه بالسَّفهِ، ثبَتَ الرُّجوعُ قَطعًا؛ لأنَّه لم يَتعلَّقْ به حَقُّ غيرِه.
ولو وهَبَ لوَلدِه عَينًا وأقبَضَه إِياها في الصِّحةِ فشهِدَت بيِّنةٌ لباقي الوَرثةِ أنَّ أَباه رجَعَ فيما وهَبَه له ولم نَذكُرْ ما رجَعَ فيه لم تُسمعْ شهادَتُها ولم تُنزعِ العَينُ منه لاحتِمالِ أنَّها ليسَت من المَرجوعِ فيه (١).
رابِعًا: مَوانعُ الرُّجوعِ في الهِبةِ عندَ الحَنابِلةِ:
ذكَرَ الحَنابِلةُ شُروطًا لرُجوعِ الوَالدِ في هِبةِ الوَلدِ:
أحدُها: أنْ تَكونَ باقيةً في مِلكِ الابنِ؛ فإنْ خرَجَت عن مِلكِه ببَيعٍ أو هِبةٍ أو وَقفٍ أو إرثٍ أو غيرِ ذلك لم يَكنْ له الرُّجوعُ فيها؛ لأنَّه إِبطالٌ لمِلكِ غيرِ الوالِدِ، وإنْ عادَت إليه بسَببٍ جَديدٍ كبَيعٍ أو هِبةٍ أو وَصيةٍ أو إرثٍ ونَحوِ ذلك لم يَملكِ الرُّجوعَ فيها؛ لأنَّها عادَت بمِلكٍ جَديدٍ لم يَستفِدْه من قِبَلِ أَبيه، فهو لا يَملكُ فَسخَه وإِزالَتَه كالذي لم يَكنْ مَوهوبًا له.
وإنْ عادَت إليه بفَسخِ البَيعِ لعَيبٍ أو إِقالةٍ، أو لفَلسِ المُشتَري ففيه وَجهان:
стр. 7511
أحدُهما: يَملكُ الرُّجوعَ؛ لأنَّ السَّببَ المُزيلَ ارتفَعَ وعادَ المِلكُ بالسَّببِ الأولِ، فأشبَهَ ما لو فسَخَ البَيعَ بخيارِ المَجلِسِ أو خيارِ الشَّرطِ.
والثاني: لا يَملكُ الرُّجوعَ؛ لأنَّ المِلكَ عاد إليه بعدَ استِقرارِ مِلكِ مَنْ انتقَلَ إليه عليه، فأشبَهَ ما لو عادَ إليه بهِبةٍ، فأمَّا إنْ عادَ إليه للفَسخِ بخيارِ الشَّرطِ أو خيارِ المَجلسِ فله الرُّجوعُ؛ لأنَّ المِلكَ لم يَستقرَّ عليه.
الشَّرطُ الثانِي: أنْ تَكونَ العَينُ باقيةً في تَصرُّفِ الوَلدِ بحيث يَملكُ التَّصرُّفَ في رَقبتِها؛ فإنِ استولَدَ الأمةَ لم يَملكِ الأبُ الرُّجوعَ فيها؛ لأنَّ المِلكَ فيها لا يَجوزُ نَقلُه إلى غيرِ سَيدِها.
وإنْ رهَنَ العَينَ أو أفلَسَ وحُجرَ عليه لم يَملكِ الأبُ الرُّجوعَ فيها؛ لأنَّ في ذلك إبطالًا لحَقِّ غيرِ الوَلدِ؛ فإنْ زال المانِعُ من التَّصرُّفِ فله الرُّجوعُ؛ لأنَّ مِلكَ الابنِ لم يَزُلْ، وإنَّما طرَأَ معنى قَطعِ التَّصرُّفِ مع بَقاءِ المِلكِ فمُنعَ الرُّجوعُ.
وكلُّ تَصرُّفٍ لا يَمنعُ الابنَ التَّصرُّفَ في الرَّقبةِ كالوَصيةِ والهِبةِ قبلَ القَبضِ -فيما يَفتقِرُ إليه- والوَطءِ والتَّزويجِ والإِجارةِ والكِتابةِ والتَّدبيرِ -إنْ قُلنا: لا يَمنعُ البَيعَ- والمُزارعةِ عليها وجَعلِها مُضاربةً أو في عَقدِ شَركةٍ فكل ذلك لا يَمنعُ الرُّجوعَ؛ لأنَّه لا يَمنعُ تَصرُّفَ الابنِ في رَقبتِها، وكذلك العِتقُ المُعلقُ على صِفةٍ، وإذا رجَعَ وكانَ التَّصرفُ لازِمًا كالإجارةِ والتَّزويجِ والكِتابةِ فهو باقٍ بحالِه؛ لأنَّ الابنَ لا يَملكُ إِبطالَه، فكذلك مَنْ انتقَلَ إليه، وإنْ كانَ جائِزًا كالوَصيةِ والهِبةِ قبلَ القَبضِ بطَلَ؛ لأنَّ الابنَ يَملكُ إبطالَه.
стр. 7512
فأمَّا البَيعُ الذي للابنِ فيه خيارٌ إمَّا لشَرطٍ أو عَيبٍ في الثَّمنِ أو غيرِ ذلك فيَمنعُ الرُّجوعَ؛ لأنَّ الرُّجوعَ يَتضمنُ فَسخَ مِلكِ الابنِ في عِوضِ المَبيعِ ولم يَثبُتْ له ذلك من جِهتِه.
وإنْ وهَبَه الابنُ لابنِه لم يَملكِ الرُّجوعَ فيه؛ لأنَّ رُجوعَه إِبطالٌ لمِلكِ غيرِ ابنِه؛ فإنْ رجَعَ الابنُ في هِبتِه احتمَلَ أنْ يَملكَ الأبُ الرُّجوعَ في هِبتِه حينَئذٍ؛ لأنَّه فسَخَ هِبتَه برُجوعِه فعادَ إليه المِلكُ بالسَّببِ الأولِ، ويَحتملُ ألَّا يَملكَ الأبُ الرُّجوعَ؛ لأنَّه رجَعَ إلى ابنِه بعدَ استِقرارِ مِلكِ غيرِه عليه، فأشبَهَ ما لو وهَبَه ابنُ الابنِ لأَبيه.
الشَّرطُ الثالِثُ: ألَّا يَتعلَّقَ بها رَغبةٌ لغيرِ الوَلدِ؛ فإنْ تعَلَّقت بها رَغبةٌ لغيرِه مِثلَ أنْ يَهبَ وَلدَه شَيئًا فيَرغبَ الناسُ في مُعامَلتِه وأَدانوه دُيونًا أو رغِبوا في مُناكحتِه فزوَّجوه إنْ كانَ ذَكرًا، أو تزوَّجَت الأُنثَى لذلك، فعن أحمدَ رِوايتانِ:
أُولاهما: ليسَ له الرُّجوعُ، قالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي الحارِثِ في الرَّجلِ يَهبُ لابنِه مالًا: فله الرُّجوعُ إلا أنْ يَكونَ غرَّ به قَومًا؛ فإنْ غرَّ به فليسَ له أنْ يَرجعَ فيها، وهذا مَذهبُ مالِكٍ؛ لأنَّه تعلَّقَ به حَقُّ غيرِ الابنِ، ففي الرُّجوعِ إبطالُ حَقِّه، وقد قالَ ﵇: «لا ضَررَ ولا ضِرارَ» وفي الرُّجوعِ ضَررٌ، ولأنَّ في هذا تَحيُّلًا على إلحاقِ الضَّررِ بالمُسلِمينَ، ولا يَجوزُ التَّحيُّلُ على ذلك.
стр. 7513
والأُخرى وهي الصَّحيحُ من المَذهبِ: له الرُّجوعُ لعُمومِ الخَبرِ، ولأنَّ حَقَّ المُتزوِّجِ والغَريمِ لم يَتعلَّقْ بعَينِ هذا المالِ فلم يَمنعِ الرُّجوعَ فيه.
الرابِعُ: ألَّا تَزيدَ زيادةً مُتصلةً كالسِّمَنِ والكِبَرِ وتَعلُّمِ صَنعةٍ؛ فإنْ زادَت فعن أحمدَ رِوايتانِ:
إحداهُما: لا تَمنعُ الرُّجوعَ؛ لأنَّها زِيادةٌ في المَوهوبِ فلم تَمنعِ الرُّجوعَ كالزِّيادةِ قبلَ القَبضِ والمُنفصلةِ.
والأُخرَى: تَمنعُ الرُّجوعَ؛ لأنَّ الزِّيادةَ للمَوهوبِ له لكَونِها نَماءَ مِلكِه، ولم تَنتقلْ إليه من جِهةِ أبيه فلم يَملكِ الرُّجوعَ فيها كالمُنفصلةِ، وإذا امتنَعَ الرُّجوعُ فيها امتنَعَ الرُّجوعُ في الأصلِ لئلَّا يَقتَضيَ إلى سُوءِ المُشاركةِ وضَررِ التَّشقيصِ، ولأنَّه استِرجاعٌ للمالِ بفَسخِ عَقدٍ لغيرِ عَيبٍ في عِوضِه، فمنَعَه الزِّيادةَ المُتصلةَ كاستِرجاعِ الصَّداقِ بفَسخِ النِّكاحِ أو نِصفِه بالطَّلاقِ أو رُجوعِ البائعِ في المَبيعِ لفَلسِ المُشتَري.
وعلى هذا لا فَرقَ بينَ الزِّيادةِ في العَينِ كالسِّمَنِ والطُّولِ ونَحوِهما، أو في المَعاني كتَعلُّمِ الصِّناعةِ أو الكِتابةِ أو القُرآنِ أو عِلمٍ أو إسلامٍ أو قَضاءِ دَينٍ عنه.
وإنْ كانَت زيادةُ العَينِ أو التَّعليمِ لا تَزيدُ في قيمَتِه شَيئًا أو يَنقُصُ منها لم يَمنعِ الرُّجوعَ؛ لأنَّ ذلك ليسَ بزيادةٍ في الماليةِ.
وأمَّا الزِّيادةُ المُنفصلةُ كوَلدِ البَهيمةِ وثَمرةِ الشَّجرةِ وكَسبِ العَبدِ فلا تَمنعُ الرُّجوعَ، قالَ ابنُ قُدامةَ: بغيرِ اختِلافٍ نَعلمُه، والزِّيادةُ للوَلدِ؛ لأنَّها
стр. 7514
حادِثةٌ في مِلكِه، ولا تُتَّبعُ في الفُسوخِ فلا تُتَّبعُ ههنا. وذكَرَ القاضِي وَجهًا آخَرَ أنَّها للأبِ، وهو بَعيدٌ.
وإنْ قصَرَ العَينَ أو فصَلَها فلم تَزِدْ قيمَتُها لم تَمنعِ الرُّجوعَ؛ لأنَّ العَينَ لم تَزِدْ ولا القيمةُ، وإنْ زادَت قيمَتُها فهي زيادةٌ مُتصلةٌ، هل تَمنعُ الرُّجوعَ أو لا؟ يُبنى على الرِّوايتَين في السِّمنةِ، ويَحتملُ أنْ تَمنعَ هذه الزِّيادةُ الرُّجوعَ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّها حاصِلةٌ بفِعلِ الابنِ، فجرَت مَجرى العَينِ الحاصِلةِ بفِعلِه بخِلافِ السِّمَنِ؛ فإنَّه يَحتملُ أنْ يَكونَ للأبِ فلا يَمنعُ الرُّجوعَ؛ لأنَّه نَماءُ العَينِ فيَكونُ تابِعًا لها.
وإنْ وهَبَه حامِلًا فوَلدَت في يَدِ الابنِ فهي زيادةٌ مُتصلةٌ في الوَلدِ، ويَحتملُ أنْ يَكونَ الوَلدُ زيادةً مُنفصلةً إذا قُلنا: الحَملُ لا حُكمَ له، وإنْ وهَبَه حامِلًا ثم رجَعَ فيها حامِلًا جازَ إذا لم تَزِدْ قيمَتُها، وإنْ زادَت قيمَتُها فهي زيادةٌ مُنفصلةٌ، وإنْ وهَبَته حائِلًا فحمَلَت فهي زيادةٌ مُنفصلةٌ وله الرُّجوعُ فيها دونَ حَملِها، وإنْ قُلنا: إنَّ الحَملَ لا حُكمَ له فزادت به قيمَتُها فهي زيادةٌ مُتصلةٌ، وإنْ لم تَزِدْ قيمَتُها جازَ الرُّجوعُ فيها.
وإنْ وهَبَه نَخلًا فحمَلَت فهي قبلَ التَّأبيرِ زيادةٌ مُتصلةٌ وبعدَه زيادةٌ مُنفصلةٌ.
وإنْ تلِفَ بعضُ العَينِ أو نقَصَت قيمَتُها لم يَمنعِ الرُّجوعَ فيها، ولا ضَمانَ على الابنِ فيما تلِفَ منها؛ لأنَّها تَتلفُ على مِلكِه، وسَواءٌ تلِفَ بفِعلِ الابنِ أو بغيرِ فِعلِه.
стр. 7515
الشَّرطُ الخامِسُ: إذا أسقَطَ الأبُ حَقَّه من الرُّجوعِ ففيه احتِمالان:
أحدُهما: لا يَسقطُ حَقُّه وله الرُّجوعُ؛ لأنَّه حَقٌّ ثبَتَ له بالشَّرعِ فلم يَسقطْ بإسقاطِه، كما لو أسقَطَ الوَليُّ حَقَّه من وِلايةِ النِّكاحِ.
والثاني: يَسقطُ حَقُّه في الرُّجوعِ؛ لأنَّه مُجردُ حَقِّه، وقد أسقَطَه.
والفَرقُ بينَه وبينَ وِلايةِ النِّكاحِ أنَّ وِلايةَ النِّكاحِ حَقٌّ عليه للهِ تَعالى وللمَرأةِ، بدَليلِ إثمِه بالعَضلِ بخِلافِ الرُّجوعِ؛ فإنَّه حَقٌّ للأبِ (١).
كَيفيةُ الرُّجوعِ في الهِبةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرُّجوعِ في الهِبةِ هل يُشترطُ له حُكمُ القاضِي أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يُشترطُ في الرُّجوعِ في الهِبةِ حُكمُ القاضِي أو التَّراضي بينَهما؛ لأنَّه مُختلَفٌ فيه بينَ العُلماءِ فلا بدَّ من الرِّضا أو القَضاءِ.
وإذا لم يَقبِضِ الواهِبُ الهِبةَ بعدَ الفَسخِ حتى هلَكَت في يَدِ المَوهوبِ له هلَكَت أمانةً؛ لأنَّ القَبضَ للهِبةِ لا يَتعلَّقُ به ضَمانٌ، فإذا انفسَخَ عَقدُها بَقيَ العَقدُ على ما اقتَضاه العَقدُ غيرَ مُوجِبٍ للضَّمانِ، ولا تُضمنُ إلا بما تُضمنُ به الأماناتُ من التَّعدِّي.
стр. 7516
وقَولُنا: إلا بتَراضيهما: حتى لو وهَبَ له ثَوبًا فقبَضَه المَوهوبُ له ثم اختلَسَه منه الواهِبُ واستهلَكَه ضمِنَ قيمَتَه للمَوهوبِ له؛ لأنَّ الرُّجوعَ لا يَصحُّ إلا بتَراضيهما أو بحُكمِ الحاكِمِ ولم يُوجدْ واحِدٌ منهما (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ حُكمُ الحاكِمِ للرُّجوعِ في الهِبةِ؛ لأنَّه خيارٌ في فَسخِ عَقدٍ فلا يَفتقِرُ إلى قَضاءِ قاضٍ كفَسخِ العَقدِ في خيارِ الشَّرطِ (٢).
ألفاظُ الرُّجوعِ:
قالَ الحَنفيةُ: وألفاظُ الرُّجوعِ: «رجَعتُ في هِبتي أو ردَدتُها إلى مِلكي أو أبطَلتُها أو نَقضتُها»؛ فإنْ لم يَتلفَّظْ بذلك لكنَّه باعَها أو رهَنَها أو أعتَقَ العَبدَ المَوهوبَ أو دبَّرَه لم يَكنْ ذلك رُجوعًا، وكذا لو صبَغَ الثَّوبَ أو خلَطَ الطَّعامَ بطَعامِ نَفسِه لم يَكنْ رُجوعًا.
ولو قالَ: «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فقد ارتَجعتُها» لم يَصحَّ؛ لأنَّ الفُسوخَ لا تَقبلُ التَّعليقَ إذا كانَ فيها مَعنى التَّمليكِ.
وإذا اتَّفَقا على الرُّجوعِ في مَوضعٍ لا يَصحُّ الرُّجوعُ فيه كالهِبةِ للأرحامِ
стр. 7517
وشِبهِه جازَ، ثم إذا انفسَخَت الهِبةُ بحُكمِ الحاكِمِ أو بالتَّراضي عادَت إلى مِلكِ الواهِبِ، والقَبضُ لا يُعتبَرُ في انتِقالِ المِلكِ كما لا يُعتبَرُ في البَيعِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَصحُّ الاعتِصارُ -أي: الرُّجوعُ- بكلِّ لَفظٍ يَدلُّ على استِرجاعِ الهِبةِ من وَلدٍ له، سَواءٌ كانَ بلَفظِ الاعتِصارِ أو غيرِه، ولا يُشترطُ لَفظُ الاعتِصارِ على الأظهَرِ لعَدمِ مَعرفةِ العامةِ له غالِبًا، وليسَ في الحَديثِ ما يَدلُّ على شَرطِ لَفظِ الاعتِصارِ، وهو قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَحلُّ لرَجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيةً أو يَهبَ هِبةً فيَرجعَ فيها إلا الوالِدَ فيما يُعطي وَلدَه» (٢)(٣).
وقالَ الشافِعيةُ: يَحصلُ الرُّجوعُ ب «رجَعتُ فيما وهَبتُ أو استَرجعتُه أو ردَدتُه إلى مِلكي أو نقَضتُ الهِبةَ» أو نَحوِ ذلك، ك «أبطَلتُها وفسَختُها» وكلُّ هذه صَرائِحُ.
ويَحصلُ بالكِنايةِ مع النِّيةِ ك «أخَذتُه وقبَضتُه» وكلُّ ما يَحصلُ به رُجوعُ البائعِ بعدَ فَلسِ المُشتَري يَحصلُ به الرُّجوعُ هنا.
والمَوهوبُ بعدَ الرُّجوعِ فيه من غيرِ استِردادٍ له أمانةٌ في يَدِ الوَلدِ.
стр. 7518
ولا يَصحُّ الرُّجوعُ إلا مُنجَزًا، فلو قالَ: «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فقد رجَعتُ» لم يَصحَّ؛ لأنَّ الفُسوخَ لا تَقبلُ التَّعليقَ كالعُقودِ.
ولا يَحصلُ الرُّجوعُ ببَيعِ ما وهَبَه الأصلُ لوَلدِه ولا وَقفِه ولا هِبتِه ولا إعتاقِه ولا وَطئِها في الأصَحِّ؛ لكَمالِ مِلكِ الوَلدِ ونُفوذِ تَصرُّفِه، فلا يُؤثِّرُ فيه ما ذُكرَ.
والثاني: يَحصلُ الرُّجوعُ بكلٍّ منها كما يَحصلُ به من البائِعِ في زَمنِ الخيارِ.
فُروعٌ: أحدُها: لو باعَ الوَلدُ العَينَ المَوهوبةَ من أبيه ثم ادَّعى الأبُ أنَّه رجَعَ فيها قبلَ البَيعِ لم يُقبلْ إلا ببيِّنةٍ.
ثانيها: لو جهَّزَ شَخصٌ ابنَتَه بأمتِعةٍ لم تَملِكْها إلا بإِيجابٍ وقَبولٍ إنْ كانت بالِغةً، ويُصدَّقُ بيَمينِه أنَّه لم يُملِّكْها، وكذا لو اشتَرى أمتِعةَ بَيتِها لم تَملِكْها بذلك بخِلافِ ما لو كانَت صَغيرةً واشتَرى بنيَّتِها فتَملِكُ بذلك، ثم إنْ أنقَدَ الثَّمنَ بنِيةِ الرُّجوعِ رجَعَ وإلا فلا.
ثالِثُها: لو كانَ في يَدِ الوالِدِ عَينٌ وأقَرَّ بأنَّها في يَدِه أمانةٌ وهي مِلكُ وَلدِه، ثم ادَّعى بعدَ ذلك أنَّ المُقرَّ به كانَ هِبةً منه، وأنَّه رجَعَ فيه وكذَّبَه الوَلدُ صُدِّق عندَ الأكثَرين ولا رُجوعَ للأبِ، والمُعتمَدُ أنَّ الأبَ هو المُصدَّقُ بيَمينِه.
رابِعُها: لو تصَدَّق على غيرِه بثَوبٍ فظَنَّ أنَّه أودَعَه أو أعارَه له ملَكَه اعتبارًا بنيةِ الدافِعِ، فلو ردَّه عليه المَدفوعُ له لم يَحلَّ له أخذُه لزَوالِ مِلكِه عنه (١).
стр. 7519
وقالَ الحَنابلةُ: وصِفةُ الرُّجوعِ من الأبِ فيما وهَبَ لوَلدِه أنْ يَقولَ: «قد رجَعتُ في هِبتي أو ارتجَعتُها أو ردَدتُها»، ونَحوَه، ك «عُدتُ فيها أو أعَدتُها إلى مِلكي»، ونَحوِ ذلك مما يَدلُّ على الرُّجوعِ، والأكمَلُ «رجَعتُ فيما وهَبتُ لك من كذا، وسَواءٌ علِمَ الوَلدُ برُجوعِ أبيه أو لم يَعلمْ.
ولا يَثبُتُ الرُّجوعُ بتَصرُّفِ الأبِ فيما وهَبَه لابنِه ببَيعٍ أو هِبةٍ بعدَ قَبضِ الابنِ ولو نَوى الأبُ بالتَّصرُّفِ الرُّجوعَ؛ لأنَّ مِلكَ المَوهوبِ له ثابِتٌ يَقينًا فلا يَزولُ إلا بيَقينٍ، وهو صَريحُ القَولِ.
فأمَّا إنْ أخَذَ ما وهَبَه لوَلدِه؛ فإنْ نَوى به الرُّجوعَ كانَ رُجوعًا، والقَولُ قَولُه في نيَّتِه، وإنْ لم يَعلَمْ هل نَوى الرُّجوعَ أو لا، وكانَ ذلك بعدَ مَوتِ الأبِ؛ فإنْ لم تُوجَدْ قَرينةٌ تَدلُّ على الرُّجوعِ لم يُحكَمْ بكَونِه رُجوعًا؛ لأنَّ الأخذَ يَحتملُ الرُّجوعَ وغيرَه، فلا نُزيلُ حُكمًا يَقينًا بأمرٍ مَشكوكٍ فيه.
وإنِ اقترَنَت به قَرائنُ دالَّةٌ على الرُّجوعِ ففيه وَجهان:
أحدُهما: يَكونُ رُجوعًا، اختارَه ابنُ عَقيلٍ؛ لأنَّنا اكتَفَينا في العَقدِ بدِلالةِ الحالِ، ففي الفَسخِ أَولى، ولأنَّ لَفظَ الرُّجوعِ إنَّما كانَ رُجوعًا لدِلالتِه عليه، فكذلك كلُّ ما دَلَّ عليه.
стр. 7520
والآخَرُ: لا يَكونُ رُجوعًا؛ لأنَّ المِلكَ ثابِتٌ للمَوهوبِ له يَقينًا، فلا يَزولُ إلا بالصَّريحِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُمكنُ أنْ يُبنى هذا على العَقدِ نَفسِه، فمَن أوجَبَ الإِيجابَ والقَبولَ فيه لم يَكتفِ ههنا إلا بلَفظٍ يَقتَضي زَوالَه، ومَن اكتَفى في العَقدِ بالمُعاطاةِ الدالةِ على الرِّضا به فههنا أَولى.
وإنْ نَوى الرُّجوعَ من غيرِ فِعلٍ ولا قَولٍ لم يَحصُلِ الرُّجوعُ وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّه إثباتُ المِلكِ على مالٍ مَملوكٍ لغيرِه فلم يَحصُلْ بمُجردِ النِّيةِ كسائِرِ العُقودِ، وإنْ علَّقَ الرُّجوعَ بشَرطٍ فقالَ: «إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ فقد رجَعتُ في الهِبةِ» لم يَصحَّ؛ لأنَّ الفَسخَ للعَقدِ لا يَقفُ على شَرطٍ كما لا يَقفُ العَقدُ عليه (١).
الرُّجوعُ في الصَّدقةِ:
ذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ -بل حَكى بَعضُهم الإِجماعَ- على أنَّ الصَّدقةَ التي أُريدَ بها وَجهُ اللهِ لغيرِ الوَلدِ لا رُجوعَ فيها؛ لأنَّه قد كمُلَ فيها الثَّوابُ من اللهِ تَعالى.
قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الهِبةَ التي يُرادُ بها الصَّدقةُ -أي: وَجهُ اللهِ- لا يَجوزُ لأحدٍ الرُّجوعُ فيها (٢).
стр. 7521
وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: فأمَّا الصَّدقةُ؛ فإنَّه لا رُجوعَ فيها للأبِ ولا لغيرِ أبٍ بحالٍ من الأَحوالِ؛ لأنَّ الصَّدقةَ إنَّما يُرادُ بها وَجهُ اللهِ تَعالى، وما أُريدَ به وَجهُ اللهِ لم يَجزْ الاعتِصارُ والرُّجوعُ فيه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَجوزُ للمُتصدِّقِ الرُّجوعُ في صَدقتِه في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّ عُمرَ قالَ في حَديثِه: «مَنْ وهَبَ هِبةً على وَجهِ صَدقةٍ؛ فإنَّه لا يَرجعُ فيها» مع عُمومِ أَحاديثِنا، فاتَّفَق دَليلُهم ودَليلُنا، فلذلك اتَّفَق قَولُهم وقَولُنا (٢).
واستدَلَّ العُلماءُ على عَدمِ جَوازِ الرُّجوعِ في الصَّدقةِ بما رَواه مُسلمٌ عن ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَثَلُ الذي يَرجعُ في صَدقتِه كمَثَلِ الكَلبِ يَقيءُ ثم يَعودُ في قَيئِه فيَأكلُه» (٣). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: هذا ظاهِرٌ في تَحريمِ الرُّجوعِ في الهِبةِ والصَّدقةِ بعدَ إقباضِهما (٤).
وقَولُ النَّبيِّ ﷺ لعُمرَ ﵁: «لا تَعُدْ في صَدقتِك» (٥).
стр. 7522
الصَّدقةُ على الوَلدِ هل له الرُّجوعُ فيها أو لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَصدَّقَ الوالِدُ على ابنِه هل له أنْ يَرجعَ فيما تصَدَّق به عليه أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا فَرقَ بينَ الأبِ والأجنَبيِّ، فلا يَصحُّ الرُّجوعُ في الصَّدقةِ؛ لأنَّ المَقصودَ بالصَّدقةِ القُربةُ إلى اللهِ تَعالى، فلم يَصحَّ له الرُّجوعُ فيها بعدَ لُزومِها، كالعِتقِ، وكَونِ القَصدِ بالهِبةِ صِلةَ الرَّحمِ، وإصلاحَ حالِ الوَلدِ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ المَنصوصِ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّ للأبِ أنْ يَرجعَ في الصَّدقةِ كما أنَّ له أنْ يَرجعَ في الهِبةِ؛ لأنَّ الصَّدقةَ تَفتقِرُ إلى ما تَفتقِرُ إليه الهِبةُ، من الإِيجابِ والقَبولِ والإذنِ بالقَبضِ، فكانَ حُكمُها حُكمَ الهِبةِ في الرُّجوعِ بخِلافِ العِتقِ. ولعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَحلُّ لرَجلٍ أنْ يُعطيَ عَطيةً أو يَهبَ هِبةً فيَرجعَ فيها إلا الوالِدَ فيما يُعطي وَلدَه … » (١).
قالَ ابنُ تَيميةَ ﵀: وعن الإمامِ أحمدَ فيما إذا تصَدَّق على وَلدِه له أنْ يَرجعَ، فيه رِوايتانِ بِناءً على أنَّ الصَّدقةَ نَوعٌ من الهِبةِ أو نَوعٌ مُستقلٌّ، وعلى ذلك يُبنى ما لو حلَفَ لا يَهبُ فتَصدَّقَ، هل يَجِبُ؟ على وَجهَين (٢).
стр. 7523
لو شرَطَ الرُّجوعَ في الصَّدقةِ هل له ذلك أو لا؟
فالمَشهورُ عندَ المالِكيةِ أنَّ له ذلك، فلو شرَطَ المُتصدِّقُ أنَّه يَرجعُ في صَدقتِه على وَلدِه أو فيما أَعطاه له على وَجهِ الصِّلةِ كانَ له الرُّجوعُ فيه عَملًا بشَرطِه وله أنْ يَعتصِرَها، كما إذا لو شرَطَ المُحبِسُ في نَفسِ الحَبسِ بَيعَه كانَ له شَرطُه.
وكذا إذا تصَدَّق شَخصٌ على أجنَبيٍّ أو وهَبَه وشرَطَ أنَّه يَرجعُ في هِبتِه أو صَدقتِه إنْ شاءَ.
وفي مُقابِلِ المَشهورِ لا يَعملُ بشَرطِه (١).
الرُّجوعُ في الصَّدقةِ إذا تصَدَّق على غَنيٍّ:
وقالَ الحَنفيةُ: لا يَصحُّ الرُّجوعُ في الصَّدقةِ بعدَ القَبضِ؛ لأنَّه قد كمُلَ فيها الثَّوابُ من اللهِ تَعالى.
ثم اختَلَفوا في الرُّجوعِ في الصَّدقةِ فيما إذا تصَدَّق الإِنسانُ على غَنيٍّ …
فمنهم مَنْ قالَ: لا رُجوعَ في الصَّدقةِ إذا كانَ المُتصدِّقُ عليه فَقيرًا، أمَّا
стр. 7524
إذا تصَدَّق الفَقيرُ على غَنيٍّ كانَ للمُتصدِّقِ حَقُّ الرُّجوعِ في القياسِ؛ لأنَّ الصَّدقةَ على الغَنيِّ هِبةٌ كما أنَّ الهِبةَ على الفَقيرِ صَدقةٌ.
ومنهم مَنْ سَوَّى بينَ الفَقيرِ وبينَ الغَنيِّ، وأنَّه لا رُجوعَ في الصَّدقةِ سَواءٌ كانت الصَّدقةُ على فَقيرٍ أو غَنيٍّ؛ لأنَّه عبَّرَ عنها بلَفظِ الصَّدقةِ، ولو أرادَ الهِبةَ لعبَّرَ بلَفظِها، ولأنَّ الثَّوابَ قد يُطلبُ بالصَّدقةِ على الأغنياءِ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ له نِصابٌ وله عِيالٌ لا يَكفيه ذلك، ففي الصَّدقةِ عليه ثَوابٌ، فلهذا لم يَرجعْ فيها، وهذا في الاستِحسانِ والأوَّلُ هو القِياسُ (١).
شِراءُ الإِنسانِ صَدقتَه بعدَما أخرَجَها:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يُكرهُ للإِنسانِ إذا تصَدَّق بصَدقةٍ ثم وجَدَها تُباعُ أنْ يَشتريَها؛ لمَا رَواه الشَّيخانِ عن سالِمٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ﵄ «كانَ يُحدِّثُ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ تصَدَّق بفَرسٍ في سَبيلِ اللهِ فوجَدَه يُباعُ فأرادَ أنْ يَشتريَه ثم أتى النَّبيَّ ﷺ فاستأمَرَه فقالَ: لا تَعُدْ في صَدقتِك. فبذلك كانَ ابنُ عُمرَ ﵄ لا يَتركُ أنْ يَبتاعَ شَيئًا تصدَّقَ به إلا جعَلَه صَدقةً» (٢).
وعن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ «أنَّ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ حمَلَ على فَرسٍ في سَبيلِ اللهِ فوجَدَه يُباعُ، فأرادَ أنْ يَبتاعَه، فسألَ رَسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك فقالَ: «لا تَبتَعْه ولا تَعُدْ في صَدقتِك» (٣).
стр. 7525
وفي رِوايةٍ لمُسلمٍ عن زَيدِ بنِ أسلَمَ عن أبيه عن عُمرَ «أنَّه حمَلَ على فَرسٍ في سَبيلِ اللهِ فوجَدَه عندَ صاحِبِه وقد أضاعَه، وكانَ قَليلَ المالِ، فأرادَ أنْ يَشتريَه فأتى رَسولَ اللهِ ﷺ فذكَرَ ذلك له فقالَ: «لا تَشتَرِه وإنْ أعطَيتَه بدِرهمٍ، فإنَّ مَثَلَ العائِدِ في صَدقتِه كمَثَلِ الكَلبِ يَعودُ في قَيئِه» (١).
وعن عبدِ اللهِ بنِ عامِرٍ عن الزُّبَيرِ بنِ العَوامِ ﵁ «أنَّه حمَلَ على فَرسٍ يُقالُ له: غَمرٌ، أو غَمرةُ، فرَأى مُهرًا أو مُهرةً من أَفلائِها يُباعُ يُنسَبُ إلى فَرسِه فنَهى عنها» (٢).
والسَّببُ في نَهيِ النَّبيِّ ﷺ عُمرَ أنْ يَرجعَ في صَدقتِه أنَّ المُتصدِّقَ إذا أرادَ الشِّراءَ يُسامِحُ في حَقِّه أو يَطلبُ هو المُسامحةَ فيَكونُ نَقضًا للصَّدقةِ في ذلك القَدرِ؛ لأنَّ رُوحَ الصَّدقةِ نَفضُ القَلبِ تَعلُّقَه بالمالِ، وإذ كانَ في قَلبِه مَيلٌ إلى الرُّجوعِ إليها بمُسامحةٍ لم يَتحقَّقْ كَمالُ النَّفضِ، وأيضًا فتَوفيرُ صُورةِ العَملِ مَطلوبٌ، وفي الاستِردادِ نَقضٌ لها، وهو سِرُّ كَراهيةِ المَوتِ في أرضٍ هاجَرَ منها، واللهُ أعلَمُ (٣).
إلا أنَّهم اختَلَفوا هل يَحرمُ ذلك أو يُكرهُ فقط، وهل يُفسخُ البَيعُ أو لا؟
فذهَبَ الجُمهورُ إلى أنَّ النَّهيَ في حَديثِ عُمرَ ﵁ نَهيُ تَنزيهٍ لا تَحريمٍ:
стр. 7526
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قَولُه ﷺ : «لا تَبتَعْه ولا تَعُدْ في صَدقتِك» هذا نَهيُ تَنزيهٍ لا تَحريمٍ، فيُكرهُ لمَن تَصدَّق بشَيءٍ أو أخرَجَه في زَكاةٍ أو كَفارةٍ أو نَذرٍ ونَحوِ ذلك من القُرباتِ أنْ يَشتريَه ممَّن دفَعَه هو إليه أو يَهبَه أو يَتملَّكَه باختيارِه منه، فأمَّا إذا ورِثَه منه فلا كَراهةَ فيه، وكذا لو انتقَلَ إلى ثالِثٍ ثم اشتَراه منه المُتصدِّقُ فلا كَراهةَ، هذا مَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ.
وقالَ جَماعةٌ من العُلماءِ: النَّهيُ عن شِراءِ صَدقتِه للتَّحريمِ واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ أَبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ ﵀: في ارتِجاعِ صَدقتِه بالبَيعِ:
قالَ أَصحابُنا: لا بأسَ لمَن أخرَجَ زَكاتَه أو كَفارةَ يَمينِه أنْ يَشتريَه ممَّن دفَعَه إليه، وهو قَولُ الأَوزاعيِّ.
وقالَ مالِكٌ والحَسنُ بنُ حَيٍّ: أكرَهُ ذلك. وكذلك اللَّيثُ، قالَ الحَسنُ: وإنْ ورِثَها وجَّهها في الوَجهِ الذي كانَ وجَّهَها فيه أوَّلَ مَرةٍ، ولا يَكرهُ الحَسنُ ذلك في الهِبةِ.
وقالَ الشافِعيُّ: أكرَهُ للرَّجلِ شِراءَ صَدقتِه ولا أفسَخُه. وقالَ في كَفارةِ اليَمينِ: إنْ تَنزَّه عن شِرائِها أحَبُّ إلَيَّ.
стр. 7527
وذكَرَ أَبو جَعفرٍ قِصةَ الفَرسِ التي باعَها عُمرُ فأرادَ شِراءَها فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لا تَعُدْ في صَدقتِك ولا تَشتَرِها» قالَ: وهذا أَولى مما قالَ مَنْ أباحَه، وأمَّا المِيراثُ فمَن ورِثَه فيَحلُّ له لحَديثِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ رَجلًا قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي أعطَيتُ أُمِّي حَديقةً حَياتَها، وإنَّها ماتَتْ فلم تَتركْ وارِثًا غَيري. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «وجَبَت صَدقتُك ورجَعَت إليك حَديقتُك» (١)، قالَ: وهذا يُوجبُ ألَّا يَجبَ عليه في المِيراثِ ألَّا يَتصدَّقَ به (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀ بعدَما ذكَرَ حَديثَ عُمرَ ﵁: وهو نَهيُ نَدبٍ؛ لأنَّ المَوهوبَ له يَستحْيِي فيُسامِحُه في ثَمنِه فيَصيرُ كالراجِعِ في بَعضِه، والرُّجوعُ مَكروهٌ (٣).
وقالَ السَّرخَسيُّ ﵀ بعدَ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَعُدْ في صَدقتِك»: والشِّراءُ لا يَكونُ رُجوعًا في الصَّدقةِ حُكمًا، والمُرادُ لا يَحلُّ الرُّجوعُ بطَريقِ الدِّيانةِ والمُروءةِ، وهو كقَولِهِ ﵊: «لا يَحلُّ لرَجلٍ يُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ يَبيتَ شَبعانَ وجارُه إلى جَنبِه طاوٍ» أي: لا يَليقُ ذلك بالدِّيانةِ والمُروءةِ وإنْ كانَ جائِزًا في الحُكمِ إذا لم يَكنْ عليه حَقٌّ واجِبٌ (٤).
стр. 7528
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفَ الفُقهاءُ في كَراهيةِ شِراءِ الرَّجلِ صَدقتَه الفَرضَ والتَّطوُّعَ إذا أخرَجَها عن يَدِه لوَجهِها ثم أرادَ شِراءَها من الذي صارَت إليه.
فقالَ مالِكٌ في «المُوطَّأِ» في رَجلٍ تَصدَّق بصَدقةٍ فوجَدَها مع غيرِ الذي تصَدَّق بها عليه تُباعُ أيَشتَريها؟ فقالَ: تَركُها أحَبُّ إلَيَّ. وقد رُويَ عنه أنَّه قالَ: لا يَشتريها.
وذكَرَ ابنُ عبدِ الحَكمِ عن مالِكٍ: من حمَلَ على فَرسٍ فباعَه الذي حمَلَ عليه فوجَدَه الحامِلُ في يَدِ المُشتَري لا يَشتَريه أبَدًا، وكذلك الدَّراهمُ والثَّوبُ.
وقالَ عنه في مَوضعٍ آخَرَ من كِتابِه: مَنْ حمَلَ على فَرسٍ فباعَه ثم وجَدَه الحامِلُ في يَدِ الذي اشتَراه فتَركُ شِرائِه أفضَلُ.
قالَ أبو عُمرَ: كرِهَ مالِكٌ واللَّيثُ والحَسنُ بنُ حَيٍّ والشافِعيُّ شِراءَ الصَّدقةِ لمَن تَصدَّق بها، ولم يرَوْا لأحَدٍ أنْ يَشتريَ صَدقتَه؛ فإنِ اشتَرى أحَدٌ صدَقَته لم يَفسَخوا العَقدَ ولم يَردُّوا البَيعَ، ورأوُا التَّنزُّهَ عنها، وكذلك قَولُهم في شِراءِ الإِنسانِ ما يُخرجُه من كَفارةِ اليَمينِ مِثلَ الصَّدقةِ سَواءٌ.
قالَ أبو عُمرَ: إنَّما كرِهوا بَيعَها لهذا الحَديثِ، ولم يَفسَخوها؛ لأنَّها راجِعةٌ اليه بغيرِ ذلك المَعنى، وقد بيَّنَّا هذا الحَديثَ في قِصةِ هَديةِ بَريرةَ بما تصَدَّق به عليها، ويَحتملُ هذا الحَديثُ أنْ يَكونَ على وَجهِ التَّنزُّهِ وقَطعِ الذَّريعةِ إلى بَيعِ الصَّدقةِ قبلَ إخراجِها، أو يَكونَ مَوقوفًا على التَّطوُّعِ في التَّنزُّهِ.
стр. 7529
وقالَ أَبو حَنيفةَ وأَصحابُه والأَوزاعيُّ: لا بأسَ لمَن أخرَجَ زَكاتَه وكَفارةَ يَمينِه أنْ يَشتريَه بثَمنٍ يَدفعُه إليه.
وقالَ قَتادةُ: البَيعُ في ذلك فاسِدٌ مَردودٌ؛ لأنَّي لا أعلَمُ الفَيءَ إلا حَرامًا.
وقالَ أهلُ الظاهِرِ: يُفسخُ البَيعُ في مِثلِ هذا؛ لأنَّه طابَقَ النَّهيَ ففُسِّرَ بظاهِرِ قَولِه ﷺ : «لا تَشترِه ولا تَعُدْ في صَدقتِك»، ولم يَختلِفوا أنَّه مَنْ تصَدَّق بصَدقةٍ ثم رُزقَها أنَّها حَلالٌ له، رَواه عبدُ اللهِ بنُ بُرَيدةَ عن أبيه ﵁ قالَ: «جاءتِ امرأةٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي تصَدَّقت على أُمِّي بجاريةٍ، وإنَّها ماتَت، فقالَ: «آجَرَكِ اللهُ ورَدَّ عليكَ المِيراثَ» (١). ويَحتملُ حَديثُ هذا البابِ أنْ يَكونَ على وَجهِ التَّنزُّهِ للرِّوايةِ أنَّ بَيعَ الصَّدقةِ قبلَ إِخراجِها، أو يَكونَ مَوقوفًا على التَّطوُّعِ في التَّنزُّهِ عن شِرائِها.
وقالَ أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ: المَصيرُ إلى حَديثِ عُمرَ في الفَرسِ أَولى من قَولِ مَنْ أباحَ شِراءَ صَدقتِه.
قالَ أبو عُمرَ: استدَلَّ مَنْ أجازَ للمُتصدِّقِ به بعدَ قَبضِ المُتصدَّقِ عليه له على أنَّ نَهيَه عن شِرائِه على التَّنزُّهِ لا على التَّحريمِ بقَولِه ﷺ في الخَمسةِ الذين تَحلُّ لهم الصَّدقةُ «أو لرَجلٍ اشتَراها بمالِه» فلم يَخصَّ المُعطي من غيرِ المُعطي وغيرِ ذلك على العُمومِ. وقالَ في هذا الحَديثِ
стр. 7530
أيضًا: «أو لرَجلٍ كانَ له جارٌ مِسكينٌ فتصَدَّق على المِسكينِ فأهداها المِسكينُ للغَنيِّ» (١)، وهذا في مَعنى قِصةِ بَريرةَ.
وأمَّا ما يُوجبُه تَهذيبُ الآثارِ في ذلك عندي فللقَولِ بأنَّه لا يَجوزُ شِراءُ ما تصَّدَق به؛ لأنَّ الخُصوصَ قاضٍ على العُمومِ؛ لأنَّه مُستبقٍ منه، ألَا تَرى أنَّه قد جاءَ في حَديثٍ واحدٍ، يَعني «إلا لمَن اشتَراها بمالِه» بما لم يَكنْ هذا المُتصدِّقُ لم يَكنْ كَلامًا مُتدافِعًا ولا مُعارِضًا مُجملَ الحَديثَينِ عِندي، على هذا استِعمالٌ لهما دونَ رَدِّ أحدِهما بالآخَرِ وباللهِ التَّوفيقُ (٢).
وقالَ الزَّرقانِيُّ ﵀ في شَرحِه على مُوطَّأِ الإمامِ مالِكٍ: قالَ يَحيى: سُئلَ مالِكٌ عن رَجلٍ تصَدَّق بصَدقةٍ فوجَدَها مع غيرِ الذي تصَدَّق بها عليه تُباعُ، أيَشتَريها؟ فقالَ: تَركُها أحَبُّ إلَيَّ؛ إذ لا فَرقَ بينَ اشتِرائِها من نَفسِ مَنْ تصَدَّق بها عليه أو مِنْ غيرِه في المَعنى، لرُجوعِه فيما ترَكَه للهِ تَعالى، كما حرَّمَ اللهُ على المُهاجِرين سُكنَى مَكةَ بعدَ هِجرتِهم منها للهِ ، ولا يُفسخُ البَيعُ إنْ وقَعَ، مع أنَّ النَّهيَ يَقتَضي الفَسادَ للإِجماعِ على ثُبوتِ البَيعِ كما قالَ ابنُ المُنذرِ: قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: لاحتِمالِ أنَّ حَديثَ البابِ على