قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قَولُه ﷺ : «لا تَبتَعْه ولا تَعُدْ في صَدقتِك» هذا نَهيُ تَنزيهٍ لا تَحريمٍ، فيُكرهُ لمَن تَصدَّق بشَيءٍ أو أخرَجَه في زَكاةٍ أو كَفارةٍ أو نَذرٍ ونَحوِ ذلك من القُرباتِ أنْ يَشتريَه ممَّن دفَعَه هو إليه أو يَهبَه أو يَتملَّكَه باختيارِه منه، فأمَّا إذا ورِثَه منه فلا كَراهةَ فيه، وكذا لو انتقَلَ إلى ثالِثٍ ثم اشتَراه منه المُتصدِّقُ فلا كَراهةَ، هذا مَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ.
وقالَ جَماعةٌ من العُلماءِ: النَّهيُ عن شِراءِ صَدقتِه للتَّحريمِ واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الإمامُ أَبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ ﵀: في ارتِجاعِ صَدقتِه بالبَيعِ:
قالَ أَصحابُنا: لا بأسَ لمَن أخرَجَ زَكاتَه أو كَفارةَ يَمينِه أنْ يَشتريَه ممَّن دفَعَه إليه، وهو قَولُ الأَوزاعيِّ.
وقالَ مالِكٌ والحَسنُ بنُ حَيٍّ: أكرَهُ ذلك. وكذلك اللَّيثُ، قالَ الحَسنُ: وإنْ ورِثَها وجَّهها في الوَجهِ الذي كانَ وجَّهَها فيه أوَّلَ مَرةٍ، ولا يَكرهُ الحَسنُ ذلك في الهِبةِ.
وقالَ الشافِعيُّ: أكرَهُ للرَّجلِ شِراءَ صَدقتِه ولا أفسَخُه. وقالَ في كَفارةِ اليَمينِ: إنْ تَنزَّه عن شِرائِها أحَبُّ إلَيَّ.
стр. 7527
وذكَرَ أَبو جَعفرٍ قِصةَ الفَرسِ التي باعَها عُمرُ فأرادَ شِراءَها فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لا تَعُدْ في صَدقتِك ولا تَشتَرِها» قالَ: وهذا أَولى مما قالَ مَنْ أباحَه، وأمَّا المِيراثُ فمَن ورِثَه فيَحلُّ له لحَديثِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ رَجلًا قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنِّي أعطَيتُ أُمِّي حَديقةً حَياتَها، وإنَّها ماتَتْ فلم تَتركْ وارِثًا غَيري. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «وجَبَت صَدقتُك ورجَعَت إليك حَديقتُك» (١)، قالَ: وهذا يُوجبُ ألَّا يَجبَ عليه في المِيراثِ ألَّا يَتصدَّقَ به (٢).
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀ بعدَما ذكَرَ حَديثَ عُمرَ ﵁: وهو نَهيُ نَدبٍ؛ لأنَّ المَوهوبَ له يَستحْيِي فيُسامِحُه في ثَمنِه فيَصيرُ كالراجِعِ في بَعضِه، والرُّجوعُ مَكروهٌ (٣).
وقالَ السَّرخَسيُّ ﵀ بعدَ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَعُدْ في صَدقتِك»: والشِّراءُ لا يَكونُ رُجوعًا في الصَّدقةِ حُكمًا، والمُرادُ لا يَحلُّ الرُّجوعُ بطَريقِ الدِّيانةِ والمُروءةِ، وهو كقَولِهِ ﵊: «لا يَحلُّ لرَجلٍ يُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أنْ يَبيتَ شَبعانَ وجارُه إلى جَنبِه طاوٍ» أي: لا يَليقُ ذلك بالدِّيانةِ والمُروءةِ وإنْ كانَ جائِزًا في الحُكمِ إذا لم يَكنْ عليه حَقٌّ واجِبٌ (٤).
стр. 7528
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفَ الفُقهاءُ في كَراهيةِ شِراءِ الرَّجلِ صَدقتَه الفَرضَ والتَّطوُّعَ إذا أخرَجَها عن يَدِه لوَجهِها ثم أرادَ شِراءَها من الذي صارَت إليه.
فقالَ مالِكٌ في «المُوطَّأِ» في رَجلٍ تَصدَّق بصَدقةٍ فوجَدَها مع غيرِ الذي تصَدَّق بها عليه تُباعُ أيَشتَريها؟ فقالَ: تَركُها أحَبُّ إلَيَّ. وقد رُويَ عنه أنَّه قالَ: لا يَشتريها.
وذكَرَ ابنُ عبدِ الحَكمِ عن مالِكٍ: من حمَلَ على فَرسٍ فباعَه الذي حمَلَ عليه فوجَدَه الحامِلُ في يَدِ المُشتَري لا يَشتَريه أبَدًا، وكذلك الدَّراهمُ والثَّوبُ.
وقالَ عنه في مَوضعٍ آخَرَ من كِتابِه: مَنْ حمَلَ على فَرسٍ فباعَه ثم وجَدَه الحامِلُ في يَدِ الذي اشتَراه فتَركُ شِرائِه أفضَلُ.
قالَ أبو عُمرَ: كرِهَ مالِكٌ واللَّيثُ والحَسنُ بنُ حَيٍّ والشافِعيُّ شِراءَ الصَّدقةِ لمَن تَصدَّق بها، ولم يرَوْا لأحَدٍ أنْ يَشتريَ صَدقتَه؛ فإنِ اشتَرى أحَدٌ صدَقَته لم يَفسَخوا العَقدَ ولم يَردُّوا البَيعَ، ورأوُا التَّنزُّهَ عنها، وكذلك قَولُهم في شِراءِ الإِنسانِ ما يُخرجُه من كَفارةِ اليَمينِ مِثلَ الصَّدقةِ سَواءٌ.
قالَ أبو عُمرَ: إنَّما كرِهوا بَيعَها لهذا الحَديثِ، ولم يَفسَخوها؛ لأنَّها راجِعةٌ اليه بغيرِ ذلك المَعنى، وقد بيَّنَّا هذا الحَديثَ في قِصةِ هَديةِ بَريرةَ بما تصَدَّق به عليها، ويَحتملُ هذا الحَديثُ أنْ يَكونَ على وَجهِ التَّنزُّهِ وقَطعِ الذَّريعةِ إلى بَيعِ الصَّدقةِ قبلَ إخراجِها، أو يَكونَ مَوقوفًا على التَّطوُّعِ في التَّنزُّهِ.
стр. 7529
وقالَ أَبو حَنيفةَ وأَصحابُه والأَوزاعيُّ: لا بأسَ لمَن أخرَجَ زَكاتَه وكَفارةَ يَمينِه أنْ يَشتريَه بثَمنٍ يَدفعُه إليه.
وقالَ قَتادةُ: البَيعُ في ذلك فاسِدٌ مَردودٌ؛ لأنَّي لا أعلَمُ الفَيءَ إلا حَرامًا.
وقالَ أهلُ الظاهِرِ: يُفسخُ البَيعُ في مِثلِ هذا؛ لأنَّه طابَقَ النَّهيَ ففُسِّرَ بظاهِرِ قَولِه ﷺ : «لا تَشترِه ولا تَعُدْ في صَدقتِك»، ولم يَختلِفوا أنَّه مَنْ تصَدَّق بصَدقةٍ ثم رُزقَها أنَّها حَلالٌ له، رَواه عبدُ اللهِ بنُ بُرَيدةَ عن أبيه ﵁ قالَ: «جاءتِ امرأةٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي تصَدَّقت على أُمِّي بجاريةٍ، وإنَّها ماتَت، فقالَ: «آجَرَكِ اللهُ ورَدَّ عليكَ المِيراثَ» (١). ويَحتملُ حَديثُ هذا البابِ أنْ يَكونَ على وَجهِ التَّنزُّهِ للرِّوايةِ أنَّ بَيعَ الصَّدقةِ قبلَ إِخراجِها، أو يَكونَ مَوقوفًا على التَّطوُّعِ في التَّنزُّهِ عن شِرائِها.
وقالَ أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ: المَصيرُ إلى حَديثِ عُمرَ في الفَرسِ أَولى من قَولِ مَنْ أباحَ شِراءَ صَدقتِه.
قالَ أبو عُمرَ: استدَلَّ مَنْ أجازَ للمُتصدِّقِ به بعدَ قَبضِ المُتصدَّقِ عليه له على أنَّ نَهيَه عن شِرائِه على التَّنزُّهِ لا على التَّحريمِ بقَولِه ﷺ في الخَمسةِ الذين تَحلُّ لهم الصَّدقةُ «أو لرَجلٍ اشتَراها بمالِه» فلم يَخصَّ المُعطي من غيرِ المُعطي وغيرِ ذلك على العُمومِ. وقالَ في هذا الحَديثِ
стр. 7530
أيضًا: «أو لرَجلٍ كانَ له جارٌ مِسكينٌ فتصَدَّق على المِسكينِ فأهداها المِسكينُ للغَنيِّ» (١)، وهذا في مَعنى قِصةِ بَريرةَ.
وأمَّا ما يُوجبُه تَهذيبُ الآثارِ في ذلك عندي فللقَولِ بأنَّه لا يَجوزُ شِراءُ ما تصَّدَق به؛ لأنَّ الخُصوصَ قاضٍ على العُمومِ؛ لأنَّه مُستبقٍ منه، ألَا تَرى أنَّه قد جاءَ في حَديثٍ واحدٍ، يَعني «إلا لمَن اشتَراها بمالِه» بما لم يَكنْ هذا المُتصدِّقُ لم يَكنْ كَلامًا مُتدافِعًا ولا مُعارِضًا مُجملَ الحَديثَينِ عِندي، على هذا استِعمالٌ لهما دونَ رَدِّ أحدِهما بالآخَرِ وباللهِ التَّوفيقُ (٢).
وقالَ الزَّرقانِيُّ ﵀ في شَرحِه على مُوطَّأِ الإمامِ مالِكٍ: قالَ يَحيى: سُئلَ مالِكٌ عن رَجلٍ تصَدَّق بصَدقةٍ فوجَدَها مع غيرِ الذي تصَدَّق بها عليه تُباعُ، أيَشتَريها؟ فقالَ: تَركُها أحَبُّ إلَيَّ؛ إذ لا فَرقَ بينَ اشتِرائِها من نَفسِ مَنْ تصَدَّق بها عليه أو مِنْ غيرِه في المَعنى، لرُجوعِه فيما ترَكَه للهِ تَعالى، كما حرَّمَ اللهُ على المُهاجِرين سُكنَى مَكةَ بعدَ هِجرتِهم منها للهِ ، ولا يُفسخُ البَيعُ إنْ وقَعَ، مع أنَّ النَّهيَ يَقتَضي الفَسادَ للإِجماعِ على ثُبوتِ البَيعِ كما قالَ ابنُ المُنذرِ: قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: لاحتِمالِ أنَّ حَديثَ البابِ على
стр. 7531
التَّنزيهِ وقَطعِ الذَّريعةِ، ويَدلُّ له قَولُه ﷺ في الخَمسةِ الذين تَحلُّ لهم الصَّدقةُ: «أو رَجلٍ اشتَراها بمالِه» فلم يَخصَّ المُتصدِّقَ من غيرِه، قالَ: وعِندي أنَّ الخُصوصَ قاضٍ على العُمومِ؛ لأنَّه مُستثنًى منه، فلو قيلَ: لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ إلا لمَن اشتَراها بمالِه ما لم يَكنْ هو المُتصدِّقَ لم يَكنْ مُعارَضًا، فيَستعملُ الحَديثَينِ دونَ رَدِّ أحدِهما، فيَمنعُ المُتصدِّقَ من شِراءِ صَدقتِه.
ولك أنْ تَقولَ: نَعَم، الخُصوصُ قاضٍ على العامِّ، لكنْ لا نُسلِّمُ إِفادتَه الحُرمةَ؛ لأنَّ غايةَ قَولِنا ما لم يَكنْ هو المُتصدِّقَ فلا تَحلُّ له، وعَدمُ الحِلِّ صادِقٌ بالكَراهةِ وإنِ احتَملَها واحتَملَ الحُرمةَ سقَطَ به الاستِدلالُ (١).
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵁: «وأكرَهُ للرَّجلِ شِراءَ صَدقتِه إذا وصَلَت إلى أهلِها ولا أفسَخُه».
قالَ الماوَرديُّ: ولذا كرِهتُ له شِراءَ ما تصَدَّقت به واجِبًا وتَطوُّعًا؛ لمَا رُويَ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ حمَلَ على فَرسٍ في سَبيلِ اللهِ يُقالُ له الوَردُ، فرآه يُباعُ في السُّوقِ، فأرادَ أنْ يَشتريَه فقالَ له رَسولُ ﷺ : «لا تَعُدْ في صَدقتِك ولو أعطَيتَها نِصفَين، ودَعْها حتى تَكونَ هي ونِتاجُها لك يَومَ القيامةِ» (٢). ولأنَّه لا يُسامِحُ في ثَمنِها فيَنقُصُ من ثَوابِه، ولأنَّه لا يُتبِعُها نَفسَه فيُسترابُ له؛ فإنِ ابتاعَها كانَ البَيعُ جائِزًا، وإنْ كانَ مَكروهًا.
стр. 7532
وقالَ مالِكٌ: البَيعُ باطِلٌ استِدلالًا بحَديثِ عُمرَ ﵁ ونَهيِ النَّبيِّ ﷺ له أنْ يَعودَ في صَدقتِه.
والدِّلالةُ على جَوازِه ما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ إلا لخَمسةٍ، وذكَرَ منهم رَجلًا اشتَراها بمالِه» فكانَ على عُمومِه، ولأنَّ عَودَها إليه بغيرِ المَعنى الذي تَملكُه عليه غيرُ مَمنوعٍ منه، ألَا تَرى أنَّها لو عادَت إليه مِيراثًا جازَ؛ لمَا رُويَ أنَّ رَجلًا تصَدَّق على أَبيه بحَديقةٍ فماتَ فرجَعَت إليه، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «قُبلَت صَدقتُك وبلَغَت مَحلَّها وصارَ ذلك مِيراثًا»، وإذا جازَ عَودُها إليه بالمِيراثِ جازَ عَودُها بالابتِياعِ، وتَحريرُ ذلك قِياسًا: أنَّ كلَّ ما جازَ أنْ يَملكَه إِرثًا جازَ أنْ يَملكَه ابتِياعًا كسائِرِ الأَموالِ.
فأمَّا حَديثُ عُمرَ ففيه جَوابانِ:
أحدُهما: أنَّ عُمرَ كانَ قد وقَفَ فَرسَه، وشِراءُ الوَقفِ باطِلٌ بوِفاقٍ.
والثاني: أنَّه مَحمولٌ على الكَراهةِ والاستِحبابِ؛ لأنَّ النَّهيَ يَقتَضي كَراهةَ العَقدِ دونَ فَسادِه كالنَّهيِ عن بَيعِ النَّجسِ وأنَّ يَبيعَ الرَّجلُ على بَيعِ أَخيه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وليسَ لمُخرِجِ الزَّكاةِ شِراؤُها ممَّن صارَت إليه، ورُويَ ذلك عن الحَسنِ، وهو قَولُ قَتادةَ ومالِكٍ، قالَ أَصحابُ مالِكٍ: فإنِ اشتَراها لم يَنقضِ البَيعَ.
стр. 7533
وقالَ الشافِعيُّ وغيرُه: يَجوزُ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ إلا لخَمسةٍ … رَجلٍ ابتاعَها بمالِه».
ورَوى سَعيدٌ في سُننِه «أنَّ رَجلًا تصَدَّق على أُمِّه بصَدقةٍ ثم ماتَت، فسألَ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: «قد قبِلَ اللهُ صَدقتَك ورَدَّها إليكَ المِيراثُ» وهذا في مَعنى شِرائِها، ولأنَّ ما صَحَّ أنُ يُملكَ إِرثًا صَحَّ أنْ يُملكَ ابتِياعًا كسائِرِ الأَموالِ.
ولنا: ما رَوى عُمرُ أنَّه قالَ: حمَلتُ على فَرسٍ في سَبيلِ اللهِ، فوجَدَه عندَ صاحِبِه وقد أضاعَه وكانَ قَليلَ المالِ، فأرادَ أنْ يَشتريَه، فأَتى رَسولَ اللهِ ﷺ فذكَرَ ذلك له، فقالَ: «لا تَشترِه وإنْ أُعطيتَه بدِرهمٍ، فإنَّ مَثَلَ العائِدِ في صَدقتِه كمَثَلِ الكَلبِ يَعودُ في قَيئِه» (١) مُتَّفقٌ عليه.
فإنْ قيلَ: يَحتملُ أنَّها كانَت حَبسًا في سَبيلِ اللهِ فمنَعَه لذلك، قُلنا: لو كانَت حَبسًا لمَا باعَها للذي في يَدِه ولا هَمَّ عُمرُ بشِرائِها، بل كانَ يُنْكِرُ على البائعِ ويَمنعُه؛ فإنَّه لم يَكنْ يُقرُّ على مُنكرٍ فكيف يَفعلُه ويُعينُ عليه؟! ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ ما أنكَرَ بَيعَها، إنَّما أنكَرَ على عُمرَ الشِّراءَ مُعلِّلًا بكَونِه عائِدًا في الصَّدقةِ.
الثاني: أنَّنا نَحتجُّ بعُمومِ اللَّفظِ من غيرِ نَظرٍ إلى خُصوصِ السَّببِ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَعُدْ في صَدقتِك» أي: بالشِّراءِ، «فإنَّ العائِدَ
стр. 7534
في صَدقتِه كالعائِدِ في قَيئِه»، والأخذُ بعُمومِ اللَّفظِ أَولى من التَّمسُّكِ بخُصوصِ السَّببِ.
فإنْ قيلَ: فإنَّ اللَّفظَ لا يَتناولُ الشِّراءَ؛ فإنَّ العَودَ في الصَّدقةِ استِرجاعُها بغيرِ عِوضٍ وفَسخٍ للعَقدِ كالعَودِ في الهِبةِ، والدَّليلُ على هذا قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «العائِدُ في هِبتِه كالعائِدِ في قَيئِه» ولو وهَبَ إِنسانًا شَيئًا ثم اشتَراه منه جازَ.
قُلنا: النَّبيُّ ﷺ ذكَرَ ذلك جَوابًا لعُمرَ حين سألَه عن شِراءِ الفَرسِ، فلو لم يَكُنِ اللَّفظُ مُتناوِلًا للشِّراءِ المَسؤولِ عنه لم يَكنْ مُجيبًا له، ولا يَجوزُ إِخراجُ خُصوصِ السَّببِ من عُمومِ اللَّفظِ لئلَّا يَخلوَ السُّؤالُ عن الجَوابِ، وقد رُويَ عن جابِرٍ أنَّه قالَ: «إذا جاءَ المُصدِقُ فادفَعْ إليه صَدقتَك، ولا تَشترِها، فإنَّهم كانوا يَقولونَ: ابتَعْها فأقولُ: إنَّما هي للهِ»، وعن ابنِ عُمرَ أنَّه قالَ: «لا تَشترِ طَهورَ مالِكَ»، ولأنَّ في شِرائِه لها وَسيلةً إلى استِرجاعِ شَيءٍ منها؛ لأنَّ الفَقيَر يَستحْيِي منه، فلا يُماكِسُه في ثَمنِها، ورُبَّما رخَّصَها له طَمعًا في أنْ يَدفعَ إليه صَدقةً أُخرى، ورُبَّما علِمَ أنَّه إنْ لم يَبعْه إياها استَرجَعها منه أو توهَّمَ ذلك، وما هذا سَبيلُه يَنبَغي أنْ يُجتنَبَ، كما لو شرَطَ عليه أنْ يَبيعَه إِياها.
وهو أيضًا ذَريعةٌ إلى إِخراجِ القيمةِ، وهو مَمنوعٌ من ذلك، أمَّا حَديثُهم فنَقولُ به، وأنَّها تَرجعُ إليه بالمِيراثِ، وليسَ هذا مَحلَّ النِّزاعِ.
стр. 7535
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: كلُّ العُلماءِ يَقولونَ: إذا رجَعَت إليه بالمِيراثِ طابَتْ له إلا ابنَ عُمرَ والحَسنَ بنَ حَيٍّ، وليسَ البَيعُ في مَعنى المِيراثِ؛ لأنَّ المِلكَ ثبَتَ بالميراثِ حُكمًا بغيرِ اختيارِه، وليسَ بوَسيلةٍ إلى شَيءٍ مما ذكَرنا، والحَديثُ الآخَرُ مُرسلٌ، وهو عامٌّ، وحَديثُنا خاصٌّ صَحيحٌ، فالعَملُ به أَولى من كلِّ وَجهٍ.
فَصلٌ: فإنْ دعَت الحاجةُ إلى شِراءِ صَدقتِه مِثلَ أنْ يَكونَ الفَرضُ جُزءًا من حَيوانٍ لا يُمكنُ للفَقيرِ الانتِفاعُ بعَينِه ولا يَجدُ مَنْ يَشتريه سِوى المالِكِ لباقيه، ولو اشتَراه غيرُه لتَضرَّرَ المالِكُ بسُوءِ المُشاركةِ، أو إذا كانَ الواجِبُ في ثَمرةِ النَّخلِ والكَرمِ عِنبًا ورُطبًا فاحتاجَ الساعِي إلى بَيعِها قبلَ الجِذاذِ، فقد ذكَرَ القاضِي أنَّه يَجوزُ بَيعُها من رَبِّ المالِ في هذا المَوضعِ، وكذلك يَجيءُ في الصُّورةِ الأُولى وفي كلِّ مَوضعٍ دعَت الحاجةُ إلى شِرائِه لها؛ لأنَّ المَنعَ من الشِّراءِ في مَحلِّ الوِفاقِ إنَّما كانَ لدَفعِ الضَّررِ عن الفَقيرِ، والضَّررُ عليه في مَنعِ البَيعِ ههنا أعظَمُ، فدَفعُه بجَوازِ البَيعِ أَولى (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: الوَجهُ الثانِي والتِّسعونَ أنَّه نَهى المُتصدِّقَ عن شِراءِ صَدقتِه، ولو وجَدَها تُباعُ في السُّوقِ سَدًّا لذَريعةِ العَودِ فيما خرَجَ عنه ولو بعِوضِه؛ فإنَّ المُتصدِّقَ إذا مُنعَ من تَملُّكِ صَدقتِه بعِوضِها فتَملُّكُه إياها بغيرِ عِوضٍ أشَدُّ مَنعًا وأفطَمُ للنُّفوسِ عن تَعلُّقِها بما خرَجَت عنه للهِ، والصَّوابُ ما حكَمَ به النَّبيُّ ﷺ من المَنعِ من شِرائِها مُطلقًا،
стр. 7536
ولا رَيبَ أنَّ في تَجويزِ ذلك ذَريعةً إلى التَّحيُّلِ على الفَقيرِ بأنْ يَدفعَ إليه صَدقةَ مالِه ثم يَشتريها منه بأقَلَّ من قيمَتِها، ويَرى المِسكينُ أنَّه قد حصَلَ له شَيءٌ مع حاجَتِه فتَسمحُ نَفسُه بالبَيعِ، واللهُ عالِمٌ بالأَسرارِ، فمِن مَحاسنِ هذه الشَّريعةِ الكامِلةِ سَدُّ الذَّريعةِ ومَنعُ المُتصدقِ من شِراءِ صَدقتِه وباللهِ التَّوفيقُ (١).
التَّسويةُ بينَ الأولادِ في الهِبةِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يُستحَبُّ التَّسويةُ بينَ الأولادِ في الهِبةِ في حالِ الصِّحةِ ويُكرهُ التَّفضيلُ بينَهم؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ للنُّعمانِ بنِ بَشيرٍ وقد خَصَّ ابنَه بالنِّحَلِ: «أتُحِبُّ أنْ يَكونوا في البِرِّ سَواءً»، كيف تَجِدُه مُتضمنًا لبَيانِ الوَصفِ الداعِي إلى شَرعِ التَّسويةِ بينَ الأَولادِ، وهو العَدلُ الذي قامَت به السَّمواتُ والأرضُ، فكما أنَّك تُحبُّ أنْ يَستَووا في بِرِّك وألَّا يَنفردَ أحدُهم ببِرِّك وتُحرَمَه من الآخَرِ، فكيف يَنبَغي أنْ تُفرِدَ أحدَهما بالعَطيةِ وتَحرمَها الآخَرَ؟! (٢).
ولأنَّ في التَّسويةِ تَأليفَ القُلوبِ، والتَّفضيلُ يُورثُ الوَحشةَ بينَهم فكانَت التَّسويةُ أَولى (٣)، ولئلَّا يُفضيَ بهم الأمرُ إلى العُقوقِ والتَّحاسدِ (٤).
стр. 7537
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا قَولُه ﷺ : «أكُلَّ وَلدِك نَحَلتَه مِثلَ هذا؟»؛ فإنَّ العُلماءَ مُجمِعون على استِحبابِ التَّسويةِ في العَطيةِ بينَ الأبناءِ إلا ما ذكَرنا عن أهلِ الظاهِرِ من إيجابِ ذلك (١).
وأمَّا التَّفضيلُ بينَهم في حالِ مَرضِ المَوتِ فهو وَصيةٌ، ولا تَجوزُ لوارِثٍ إلا برِضا الوَرثةِ اتِّفاقًا (٢).
ثم اختلَفَ الفُقهاءُ في تَفضيلِ الأبِ لبَعضِ أَبنائِه من غيرِ حاجةٍ من غيرِ رِضا البَقيةِ، بأنْ فضَّلَ بَعضَهم على بَعضٍ، أو أَعطى بَعضًا وحرَمَ بَعضَهم الآخَرَ، هل يَصحُّ تَصرُّفُه ويَجوزُ له التَّفضيلُ مع الكَراهةِ أو لا يَجوزُ ويَجبُ نَقضُ القِسمةِ، وتَجبُ التَّسويةُ بينَهم؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه يَجوزُ تَفضيلُ بعضِ الأبناءِ على بَعضٍ في الهِبةِ، أو في إِعطاءِ أحدِهم وحِرمانِ الآخَرينَ، وهذا في الجُملةِ، إلا أنَّ الإمامَ مالِكًا قالَ: بشَرطِ ألَّا يُعطيَه جَميعَ مالِه؛ فإنْ أعطَى بَعضَه وأبقَى لنَفسِه وترَكَ أولادَه الآخَرينَ جازَ (٣).
وقالَ أَبو يُوسفَ ﵀: يَجوزُ التَّفضيلُ إذا لم يُردِ الإِضرارَ.
стр. 7538
واستدَلَّ الجُمهورُ على جَوازِ التَّفضيلِ وعلى إِعطاءِ بعضِ الأَبناءِ دونَ بَعضٍ بقِصةِ أبي بَكرٍ ﵁ لمَّا نحَلَ عائِشةَ ﵂ دونَ سائِرِ وَلدِه، فرَوى الإمامُ مالِكٌ عن ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائِشةَ ﵂ زَوجِ النَّبيِّ ﷺ أنَّها قالَت: «إنَّ أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ نحَلَها جِدادَ عِشرين وَسقًا من مالٍ بالغابةِ، فلمَّا حضَرَته الوَفاةُ قالَ: واللهِ يا بُنيةُ ما من الناسِ أحدٌ أحَبُّ إلَيَّ غِنًى بَعدي منكَ، ولا أعَزُّ علَيَّ فَقرًا بَعدي منك، وإنِّي كُنْتُ نحَلتُك من مالي جِدادَ عِشرين وَسقًا، فلو كُنْتِ جَددتِيه واحتَزتيه كانَ لك ذلك، وإنَّما هو مالُ الوارِثِ، وإنَّما هو أخواك وأُختاك، فاقتَسِموه على كِتابِ اللهِ. فقالَت: يا أبتِ واللهِ لو كانَ كذا وكذا لتَركتُه، إنَّما هو أَسماءُ، فمَن الأُخرى، قالَ: ذو بَطنٍ بِنتُ خارِجةَ أراها جارِيةً» (١).
واحتَجُّوا على ذلك أيضًا بقَولِ النَّبيِّ ﷺ لبَشيرِ بنِ سَعدٍ: «أشهِدْ على هذا غيري»، فهذا يَدلُّ على أنَّه ليسَ بحَرامٍ؛ لأنَّه لو كانَ حَرامًا أو باطِلًا لمَا قالَ هذا الكَلامَ، وهو لا يأمُرُ بالإشهادِ على الباطِلِ، إلا أنْ يَتبيَّنَ أنَّه فِرارٌ من فَرائِضِ اللهِ تَعالى.
ولأنَّه تَصرُّفٌ في خالِصِ مِلكِه لا حَقَّ لأحَدٍ فيه، ولأنَّ الإِجماعَ مُنعقِدٌ على أنَّ للأبِ أنْ يَهبَ بعضَ مالِه لأجنَبيٍّ ولا يُعطيَ وَلدَه شَيئًا، فإذا اختارَ أنْ يُعطيَ أجنَبيًّا ويَحرِمَ وَلدَه كلَّهم كانَ له أنْ يُعطيَ بَعضَهم ويَحرِمَ بَعضَهم.
стр. 7539
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولو نحَلَ بَعضًا وحرَمَ بَعضًا جازَ من طَريقِ الحُكمِ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في خالِصِ مِلكِه لا حَقَّ لأحَدٍ فيه، إلا أنَّه لا يَكونُ عَدلًا، سَواءٌ كانَ المَحرومُ فَقيهًا تَقيًّا أو جاهِلًا فاسِقًا على قَولِ المُتقدِّمينَ من مَشايخِنا.
وأمَّا على قَولِ المُتأخِّرينَ منهم فلا بأسَ أنْ يُعطيَ المُتأدِّبينَ والمُتفقِّهينَ دونَ الفَسقةِ الفَجرةِ (١).
وقالَ الطَّحاويُّ ﵀: ذكَرَ المُعلَّى بنُ مَنصورٍ عن أَبي يُوسفَ: لا بأسَ بأنْ يُؤثِرَ الرَّجلُ بعضَ وَلدِه على بَعضٍ إذا لم يُردِ الإضرارَ (٢).
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفَ الفُقهاءُ في هذا المَعنى، هل هو على الإِيجابِ أو على النَّدبِ؟ فأمَّا مالِكٌ واللَّيثُ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأَبو حَنيفةَ وأَصحابُه فأَجازوا أنْ يَخصَّ بعضَ وَلدِه دونَ بَعضٍ بالنِّحلةِ والعَطيةِ على كَراهيةٍ من بَعضِهم على ما يَأتي من أقاويلِهم في هذا البابِ، والتَّسويةُ أحَبُّ إلى جَميعِهم.
وكانَ مالِكٌ يَقولُ: إنَّما مَعنى هذا الحَديثِ الذي جاءَ فيه فيمَن نحَلَ بعضَ وَلدِه مالَه كلَّه، قالَ: وقد نحَلَ أَبو بَكرٍ ﵁ عائِشةَ دونَ سائِرِ وَلدِه، حَكى ذلك عنه ابنُ القاسِمِ وأشهَبُ …
стр. 7540
ثم قالَ أَبو عُمرَ: أكثَرُ الفُقهاءِ على أنَّ مَعنى هذا الحَديثِ النَّدبُ إلى الخَيرِ والبِرِّ والفَضلِ، لا أنَّ ذلك واجِبٌ فَرضًا ألَّا يُعطيَ الرَّجلُ بعضَ وَلدِه دونَ بَعضٍ على ما ذهَبَ إليه أهلُ الظاهِرِ، والدَّليلُ على أنَّ ذلك كذلك على النَّدبِ لا على الإِيجابِ، مما احتَجَّ به الشافِعيُّ وغيرُه إِجماعُ العُلماءِ على جَوازِ عَطيةِ الرَّجلِ مالَه لغيرِ وَلدِه، فإذا جازَ أنْ يُخرجَ جَميعَ وَلدِه عن مالِه جازَ له أنْ يُخرجَ عن ذلك بَعضَهم.
وأمَّا قِصةُ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ هذه فقد رُويَ في حَديثِه أَلفاظٌ مُختلفةٌ أكثَرُها تَدلُّ على أنَّ ذلك على النَّدبِ لا على الإِيجابِ، منها قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «أعطَيتَ سائِرَ وَلدِك مِثلَ هذا؟» قالَ: لا. قالَ: «فاتَّقوا اللهَ واعدِلوا بينَ أولادِكم». قالَ: فرجَعَ فرَدَّ عَطيَّتَه (١)، فلم يَذكرْ في هذا الحَديثِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمرَه أنْ يَرجعَ في عَطيَّتِه، وإنَّما فيه رجَعَ فَردٌ عن عَطيَّتِه.
وفي رِوايةٍ قالَ: «هذا جَورٌ»، وقالَ بَعضُهم: «هذه تَلجئةٌ، فأشهِدْ على هذا غيري»، وقالَ المُغيرةُ في حَديثِه: «أليس يَسرُّك أنْ يَكونوا في البِرِّ واللُّطفِ سَواءً؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فأشهِدْ على هذا غيري»، وذكَرَ مُجالِدٌ في حَديثِه: «إنَّ لهم عليكَ من الحَقِّ أنْ تَعدلَ بينَهم كما أنَّ لكَ عليهم من الحَقِّ أنْ يبَرُّوك».
стр. 7541
وفي رِوايةٍ: «إنَّ لبَنيكَ عليك من الحَقِّ أنْ تَعدلَ بينَهم، فلا تُشهِدْني على جَورٍ» فهذه الأَلفاظُ كلُّها مع قَولِه: «أشهِدْ على هذا غَيري»، دَليلٌ واضِحٌ على جَوازِ العَطيةِ، وأمَّا رِوايةُ مَنْ رَوى عن الشَّعبيِّ عن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ في هذا الحَديثِ: «أكُلَّ وَلدِك أعطَيتَه؟» قالَ: لا. قالَ: «فإنِّي لا أشهَدُ إلا على حَقٍّ» وكذلك رِوايةُ جابِرٍ عن النَّبيِّ ﷺ في قِصةِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ هذه، فيَحتملُ ألَّا يَكونَ مُخالِفًا لما تقدَّمَ؛ لاحتِمالِه أنْ يَكونَ أرادَ الحَقَّ الذي لا تَقصيرَ فيه عن أَعلى مَراتبِ الحَقِّ، وإنْ كانَ ما دونَه حَقًّا، صَحَّ بهذا كلِّه مَذهبُ مالِكٍ والثَّوريِّ والشافِعيِّ ومَن قالَ بقَولِهم في استِحبابِ تَركِ التَّفضيلِ بينَ الأَبناءِ في العَطيةِ، وإِمضائِه إذا وقَعَ؛ لأنَّ غايةَ ما في ذلك تَركُ الأفضَلِ، كما لو أَعطى لغيرِ رَحمِه وترَكَ رَحمَه كانَ مُقصِّرًا عن الحَقِّ وتاركًا للأفضَلِ، ونفَذَ مع ذلك فِعلُه (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لو فضَّلَ بَعضَهم أو وهَبَ لبَعضِهم دونَ بَعضٍ فمَذهبُ الشافِعيِّ ومالِكٍ وأبي حَنيفةَ أنَّه مَكروهٌ وليسَ بحَرامٍ، والهِبةُ صَحيحةٌ.
وقالَ طاوُسٌ وعُروةُ ومُجاهدٌ والثَّوريُّ وأحمدُ وإِسحاقُ وداودُ: هو حَرامٌ، واحتَجُّوا برِوايةِ: «لا أشهَدُ على جَورٍ» وبغيرِها من ألفاظِ الحَديثِ.
واحتَجَّ الشافِعيُّ ومُوافِقوه بقَولِه ﷺ : «فأشهِدْ على هذا غيري»، قالوا: ولو كانَ حَرامًا أو باطِلًا لمَا قالَ هذا الكَلامَ.
стр. 7542
فإنْ قيلَ: قالَه تَهديدًا. قُلنا: الأصلُ في كَلامِ الشارِعِ غيرُ هذا، ويَحتملُ عندَ إطلاقِه صيغةَ «أفعِلْ» على الوُجوبِ أو النَّدبِ؛ فإنْ تعذَّرَ ذلك فعلى الإِباحةِ.
وأمَّا قَولُه ﷺ : «لا أشهَدُ على جَورٍ» فليسَ فيه أنَّه حَرامٌ؛ لأنَّ الجَورَ هو المَيلُ عن الاستِواءِ والاعتِدالِ، وكلُّ ما خرَجَ عن الاعتِدالِ فهو جَورٌ، سَواءٌ كانَ حَرامًا أو مَكروهًا، وقد وضَحَ بما قدَّمناه أنَّ قَولَه ﷺ : «أشهِدْ على هذا غيري» يَدلُّ على أنَّه ليسَ بحَرامٍ، فيَجبُ تَأويلُ الجَورِ على أنَّه مَكروهٌ كَراهةَ تَنزيهٍ، وفي هذا الحَديثِ أنَّ هِبةَ بعضِ الأَولادِ دونَ بَعضٍ صَحيحةٌ، وأنَّه إنْ لم يَهبِ الباقين مِثلَ هذا استُحِبَّ رَدُّ الأولِ، قالَ أَصحابُنا: يُستحبُّ أنْ يَهبَ الباقينَ مِثلَ الأولِ؛ فإنْ لم يَفعلِ استُحبَّ رَدُّ الأولِ ولا يَجبُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: يَنبَغي للوالِدِ وإنْ علا أنْ يَعدلَ بينَ أَولادِه في العَطيةِ؛ لحَديثِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ ولئلَّا يُفضيَ بهم الأمرُ إلى العُقوقِ والتَّحاسدِ؛ فإنْ لم يَعدلْ فعَلَ مَكروهًا، لكنْ تَصحُّ الهِبةُ؛ لقَولِه ﷺ في حَديثِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ: «فأرجِعْه» فلولا أنَّ الهِبةَ قد صحَّت لمَا أمَرَه بالرَّجعةِ.
وفي رِوايةٍ: «أنَّ النُّعمانَ بنَ بَشيرٍ قالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أُمَّه قالَت: لا أَرضى حتى يَشهدَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، فلمَّا قالَ له ما قالَ من أنَّه لم يُعطِ جَميعَ وَلدِه مِثلَه قالَ له النَّبيُّ ﷺ : «أشهِدْ على هذا غيري»،
стр. 7543
فلو لم تَصحَّ الهِبةُ لمَا أمَرَه بأنْ يُشهدَ عليه غيرَه، وإنَّما امتنَعَ من أنْ يَشهدَ على ذلك، لئلَّا يَصيرَ ذلك سُنةً.
ولأنَّ أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ فضَّلَ عائِشةَ ﵂ على غيرِها من أولادِه، فنحَلَها جِدادَ عِشرين وَسقًا من مالِه دونَ سائِرِ أولادِه.
ورُويَ: «أنَّ عُمرَ ﵁ وهَبَ ابنَه عاصِمًا دونَ عبدِ اللهِ وعُبيدِ اللهِ وزَيدٍ» (١)، وكذلك رُويَ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ (٢) ولا مُخالفَ لهم.
ولأنَّه لمَّا جازَ أنْ يَجمعَ جَميعَهم جازَ أنْ يُعطيَ جَميعَهم، وجازَ أنْ يَفعلَ ذلك بجَميعِهم كالأجانِبِ، ولأنَّه لمَّا جازَت هِبةُ بعضِ الأَولادِ للأبِ جازَت هِبةُ الأبِ لبَعضِ الأَولادِ.
والأَولى في هذه الحالِ أنْ يُعطيَ الآخَرينَ ما يَحصُلُ به العَدلُ ولو رجَعَ جازَ، وإذا أعطَى وعدَلَ كُرهَ له الرُّجوعُ.
وكذا لو كانَ وَلدًا واحِدًا فوهَبَ له كُرهَ الرُّجوعُ إنْ كانَ الوَلدُ عَفيفًا بارًّا؛ فإنْ كانَ عاقًّا أو يَستعينُ بما أَعطاه في مَعصيةٍ فليُنذِرْه بالرُّجوعِ؛ فإنْ أصَرَّ لم يُكرهِ الرُّجوعُ (٣).
стр. 7544
وقالَ أبو الوَليدِ بنُ رُشدٍ القُرطُبيُّ ﵀: ولم يَرَ ابنُ القاسِمِ إذا تصَدَّق بجَميعِ مالِه على بعضِ وَلدِه أنْ يَردَّ ذلك بقَضاءٍ، والأصلُ في هذه المَسألةِ حَديثُ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ أنَّ أَباه بَشيرًا أَتى به إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: إنني نحَلتُ ابني هذا غُلامًا كانَ لي، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أكُلَّ وَلدٍ نحَلتَه مِثلَ هذا؟» فقالَ: لا. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «فارتَجِعْه» فحمَلَ مالِكٌ الأمرَ بالارتِجاعِ في الحَديثِ على الوُجوبِ، وتأوَّلَه على أنَّه لم يَكنْ له مالٌ غيرُه، وحمَلَه ابنُ القاسِمِ على العُمومِ فيمَن خَصَّ بعضَ بَنيه ببَعضِ مالِه أو بجَميعِه، وتأوَّلَه على الندَّبِ وهو أظهَرُ؛ لأنَّه لم يَقُلْ ﷺ : إنَّ ذلك لا يَجوزُ لك، وإنَّما أمَرَه بالارتِجاعِ لمَا كرِهَ له من تَفضيلِ بعضِ وَلدِه على بَعضٍ مَخافةَ أنْ يَكونَ ذلك سَببًا في أنْ يَعُقَّه مَنْ حرَمَه عَطيتَه، وأمَّا إذا أعطى بعضَ وَلدِه بعضَ مالِه -وإنْ كانَ جُلَّه- وأبقى لنَفسِه بَعضَه فلا اختِلافَ في المَذهبِ ولا بينَ فُقهاءِ الأَمصارِ، مالِكٍ والشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ في أنَّ ذلك جائِزٌ، إلا أنَّه مَكروهٌ لمَا جاءَ من الأمرِ بأنْ يَعدلَ الرَّجلُ بينَ وَلدِه في العَطيةِ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ للإِنسانِ أنْ يَهبَ جَميعَ مالِه للأجنَبيِّ، واختَلفوا في تَفضيلِ الرَّجلِ بعضَ وَلدِه على بَعضٍ في الهِبةِ أو في جَميعِ مالِه لبَعضِهم دونَ بَعضٍ.
стр. 7545
فقالَ جُمهورُ فُقهاءِ الأَمصارِ بكَراهيةِ ذلك له، ولكنْ إذا وقَعَ عندَهم جازَ.
وقالَ أهلُ الظاهِرِ: لا يَجوزُ التَّفضيلُ فَضلًا على أنْ يَهبَ جَميعَ مالِه.
وقالَ مالِكٌ: يَجوزُ التَّفضيلُ ولا يَجوزُ أنْ يَهبَ بَعضَهم جَميعَ المالِ دونَ بَعضٍ.
ودَليلُ أهلِ الظاهِرِ حَديثُ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ، وهو حَديثٌ مُتَّفقٌ على صِحتِه وإنْ كانَ قد اختُلفَ في ألفاظِه، والحَديثُ أنَّه قالَ: إنَّ أَباه بَشيرًا أتى به إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: إنِّي نحَلتُ ابني هذا غُلامًا كانَ لي. فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أكُلَّ وَلدِك نحَلتَه مِثلَ هذا؟» قالَ: لا. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «فارتَجِعْه» واتَّفقَ مالِكٌ والبُخاريُّ ومُسلمٌ على هذا اللَّفظِ، قالوا: والارتِجاعُ يَقتَضي بُطلانَ الهِبةِ.
وفي بعضِ أَلفاظِ رِواياتِ هذا الحَديثِ أنَّه قالَ ﵊: «هذا جَورٌ».
وعُمدةُ الجُمهورِ أنَّ الإِجماعَ مُنعقدٌ على أنَّ للرَّجلِ أنْ يَهبَ في صِحتِه جَميعَ مالِه للأجانِبِ دونَ أولادِه؛ فإنْ كانَ ذلك للأجنَبيِّ فهو للوَلدِ أحرَى.
واحتَجُّوا بحَديثِ أَبي بَكرٍ المَشهورِ «أنَّه كانَ نحَلَ عائِشةَ جِذاذَ عِشرينَ وَسقًا من مالِ الغابةِ، فلمَّا حضَرَته الوَفاةُ قالَ: واللهِ يا بُنيةُ ما من الناسِ أحدٌ أحَبُّ إلَيَّ غِنًى بعدي منك، ولا أعَزُّ علَيَّ فَقرًا بعدي منك، وإنِّي كُنْتُ
стр. 7546
نحَلتُك جِذاذَ عِشرين وَسقًا، فلو كُنْتِ جَذذتيه واحتَزتيه كانَ لك، وإنَّما هو اليَومَ مالُ وارِثٍ» (١).
قالوا: وذلك الحَديثُ المُرادُ به النَّدبُ، والدَّليلُ على ذلك أنَّ في بعضِ رِواياتِه «ألستَ تُريدُ أنْ يَكونوا لك في البِرِّ واللُّطفِ سَواءً؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فأشهِدْ على هذا غيري».
وأمَّا مالِكٌ فإنَّه رأى أنَّ النَّهيَ عن أنْ يَهبَ الرَّجلُ جَميعَ مالِه لواحدٍ من وَلدِه هو أحرى أنْ يُحملَ على الوُجوبِ، فأوجَبَ عندَه مَفهومُ هذا الحَديثِ النَّهيَ عن أنْ يَخصَّ الرَّجلُ بعضَ أولادِه بجَميعِ مالِه.
فسَببُ الخِلافِ في هذه المَسألةِ مُعارضةُ القياسِ للَفظِ النَّهيِ الوارِدِ، وذلك أنَّ النَّهيَ يَقتَضي عندَ الأكثَرِ بصيغَتِه التَّحريمَ، كما يَقتَضي الأمرُ الوُجوبَ، فمَن ذهَبَ إلى الجَمعِ بينَ السَّماعِ والقياسِ حمَلَ الحَديثَ على النَّدبِ أو خصَّصَه في بعضِ الصُّورِ كما فعَل مالِكٌ، ولا خِلافَ عندَ القائِلينَ بالقِياسِ أنَّه يَجوزُ تَخصيصُ عُمومِ السُّنةِ بالقياسِ، وكذلك العُدولُ بها عن ظاهِرِها، أعني أنْ يَعدلَ بلَفظِ النَّهيِ عن مَفهومِ الحَظرِ إلى مَفهومِ الكَراهيةِ.
وأمَّا أهلُ الظاهِرِ فلمَّا لم يَجزْ عندَهم القياسُ في الشَّرعِ اعتَمَدوا ظاهِرَ الحَديثِ، وقالوا بتَحريمِ التَّفضيلِ في الهِبةِ (٢).
стр. 7547
وذهَبَ الحَنابِلةُ وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ إلى أنَّه يَجبُ على الإِنسانِ أنْ يُسوِّيَ بينَ أولادِه في العَطيةِ إذا لم يَخصَّ أحدَهم بمَعنًى يُبيحُ التَّفضيلَ؛ فإنْ خَصَّ بَعضَهم بعَطيتِه أو فاضَلَ بينَهم فيها أثِمَ ووجَبَت عليه التَّسويةُ بأحدِ أمرَيْن:
إمَّا برَدِّ ما فضَّلَ به بَعضَهم، وإما بإتمامِ نَصيبِ الآخَرينَ ولو في مَرضِ المَوتِ حتى يَستَووا بمَن خصَّه أو فضَّلَه، ويَنبَغي أنْ يَكونَ على الفَورِ، كما لو زوَّجَ أحدَ بَنيه في صِحتِه وأدَّى عنه الصَّداقَ، ثم مرِضَ الأبُ مَرضَ المَوتِ المَخوفِ؛ فإنَّه يُعطي ابنَه الآخَرَ كما أعطَى الأولَ -على الصَّحيحِ كما سيأتي- ليَحصُلَ التَّعديلُ بينَهما، ولا يُمكنُ الرُّجوعُ هنا؛ لأنَّ الزَّوجةَ ملَكَت الصَّداقَ بالعَقدِ، ولا يُحسَبُ ما يُعطيه الأبُ من ابنِه الثانِي من الثُّلثِ مع أنَّه عَطيةٌ في مَرضِ المَوتِ؛ لأنَّه تَدارُكٌ للواجِبِ أشبَهَ قَضاءَ الدَّينِ، والرُّجوعُ المَذكورُ -أي: رُجوعُ المُخصِّصِ أو المُفضِّلِ بعدَ القَبضِ- يَختصُّ بالأبِ دونَ الأُمِّ وغيرِها، كالجَدِّ والابنِ والإِخوةِ والأَعمامِ.
والدَّليلُ على وُجوبِ التَّسويةِ بينَ الأولادِ ما رَواه البُخاريُّ عن حُصَينٍ عن عامِرٍ قالَ: سمِعتُ النُّعمانَ بنَ بَشيرٍ ﵄ وهو على المِنبَرِ يَقولُ: أَعطاني أَبي عَطيةً. فقالَت عَمرةُ بِنتُ رَواحةَ: لا أرضَى حتى تُشهدَ رَسولَ اللهِ ﷺ . فأتى رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: إنِّي أعطَيتُ ابني من عَمرةَ بِنتِ رَواحةَ عَطيةً فأمرَتْني أنْ أُشهِدَك يا رَسولَ اللهِ. قالَ:
стр. 7548
«أعطَيتَ سائِرَ وَلدِك مِثلَ هذا؟» قالَ: لا. قالَ: «فاتَّقوا اللهَ واعدِلوا بينَ أَولادِكم». قالَ: فرجَعَ فرَدَّ عَطيتَه (١).
وفي رِوايةٍ: أنَّ أَباه أَتى به إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: إنِّي نحَلتُ ابني هذا غُلامًا. فقالَ: «أكُلَّ وَلدِك نحَلتَ مِثلَه؟» قالَ: لا، قالَ: «فأرجِعْه» (٢). وفي رِوايةٍ: قالَ: «فاردُدْه» (٣).
وفي رِوايةٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «يا بَشيرُ ألك وَلدٌ سِوى هذا؟». قالَ: نَعمْ. فقالَ: «أكُلَّهم وهَبتَ له مِثلَ هذا؟» قالَ: لا. قالَ: «فلا تُشهِدْني إذًا، فإنِّي لا أشهَدُ على جَورٍ» (٤).
وفي رِوايةٍ: فقالَ ﷺ : «ألَه إخوةٌ». قالَ: نَعَمْ. قالَ: «أفكُلَّهم أعطَيتَ مِثلَ ما أعطَيتَه؟» قالَ: لا. قالَ: «فليسَ يَصلحُ هذا، وإنِّي لا أشهَدُ إلا على حَقٍّ» (٥).
وهذا الحَديثُ دَليلٌ على التَّحريمِ؛ لأنَّه سَمَّاه جَورًا وأمَرَ برَدِّه وامتنَعَ من الشَّهادةِ عليه، والجَورُ حَرامٌ، وإلا فمَن الذي يَطيبُ قَلبُه من المُسلِمينَ أنْ يَشهدَ على ما حكَمَ النَّبيُّ ﷺ بأنَّه جَورٌ وأنَّه لا يَصلحُ وأنَّه على
стр. 7549
خِلافِ تَقوى اللهِ ، وأنَّه خِلافُ العَدلِ، وهذا الحَديثُ من تَفاصيلِ العَدلِ الذي أمَرَ اللهُ به في كِتابِه وقامَت به السَّمواتُ والأرضُ وأُسِّست عليه الشَّريعةُ.
والأمرُ في هذا الحَديثِ يَقتَضي الوُجوبَ، ولأنَّ تَفضيلَ بَعضِهم يُورثُ بينَهم العَداوةَ والبَغضاءَ وقَطيعةَ الرَّحمِ، فمنعَ منه، كتَزويجِ المَرأةِ على عَمتِها أو خالتِها.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقَولُ أَبي بَكرٍ لا يُعارِضُ النَّبيَّ ﷺ ولا يُحتجُّ به معه.
ويَحتملُ أنَّ أَبا بَكرٍ ﵁ خصَّها بعَطيتِه لحاجَتِها وعَجزِها عن الكَسبِ والتَّسببِ فيه مع اختِصاصِها بفَضلِها وكَونِها أُمَّ المُؤمنينَ زَوجَ رَسولِ اللهِ ﷺ وغيرِ ذلك من فَضائلِها.
ويَحتملُ أنْ يَكونَ قد نحَلَها ونحَلَ غيرَها من وَلدِه أو نحَلَها وهو يُريدُ أنْ يَنحلَ غيرَها فأدرَكَه المَوتُ قبلَ ذلك، ويَتعينُ حَملُ حَديثِه على أحدِ هذه الوُجوهِ؛ لأنَّ حَملَه على مِثلِ مَحلِّ النِّزاعِ مَنهيٌّ عنه، وأقَلُّ أحوالِه الكَراهةُ، والظاهِرُ من حالِ أبي بَكرٍ اجتِنابُ المَكروهاتِ، وقَولُ النَّبيَّ ﷺ : «فأشهِدْ على هذا غِيري» ليسَ بأمرٍ؛ لأنَّ أدنَى أَحوالِ الأمرِ الاستِحبابُ والنَّدبُ، ولا خِلافَ في كَراهةِ هذا، وكيف يَجوزُ أنْ يَأمرَه بتَأكيدٍ مع أمرِه برَدِّه وتَسميتِه إِياهُ جَورًا؟ وحَملُ الحَديثِ على هذا حَملٌ لحَديثِ النَّبيِّ ﷺ على التَّناقُضِ والتَّضادِّ، ولو أمَرَ النَّبيُّ -
стр. 7550
ﷺ بإشهادِ غيرِه امتثَلَ بَشيرٌ أمرَه ولم يَردَّ، وإنَّما هذا تَهديدٌ له على هذا، فيُفيدُ ما أفاده النَّهيُ عن إِتمامِه واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وهذا الحَديثُ -أي: حَديثُ النُّعمانِ- أشَدُّ مُوافَقةً للقُرآنِ من كلِّ قياسٍ على وَجهِ الأرضِ، وهو مُحكمُ الدِّلالةِ غايةَ الإِحكامِ، فرُدَّ بالمُتشابهِ من قَولِه: كلُّ أحَدٍ أحَقُّ بمالِه من وَلدِه ووالِدِه والناسِ أَجمَعينَ، فكَونُه أحَقَّ به يَقتَضي جَوازَ تَصرُّفِه فيه كما يَشاءُ وبقياسِ مُتشابهٍ على إِعطاءِ الأجانِبِ، ومن المَعلومِ بالضَّرورةِ أنَّ هذا المُتشابهَ من العُمومِ، والقياسُ لا يُقاوِمُ هذا المُحكَمَ المُبيَّنَ غايةَ البَيانِ (٢).
وقالَ في شَرحِه لسُننِ أَبي داودَ بعدَ أنْ ذكَرَ الرِّواياتِ الصَّحيحةَ في هذا:
وهذا صَريحٌ في أنَّ قَولَه «أشهِدْ على هذا غيري» ليسَ إذنًا، بل هو تَهديدٌ لتَسميتِه إياه جَورًا.
وهذه كلُّها أَلفاظٌ صَحيحةٌ صَريحةٌ في التَّحريمِ والبُطلانِ من عَشرةِ أوجُهٍ تُؤخذُ من الحَديثِ.
ومنها قَولُه: «أشهِدْ على هذا غيري»؛ فإنَّ هذا ليسَ بإذنٍ قَطعًا؛ فإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لا يأذَنُ في الجَورِ وفيما لا يَصلحُ وفي الباطِلِ؛ فإنَّه
стр. 7551
قالَ: «إنِّي لا أشهَدُ إلا على حَقٍّ» فدَلَّ ذلك على أنَّ الذي فعَلَه أَبو النُّعمانِ لم يَكنْ حَقًّا، فهو باطِلٌ قَطعًا.
فقَولُه إذَنْ: «أشهِدْ على هذا غيري» حُجةٌ على التَّحريمِ، كقَولِه تَعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقَولِه ﷺ : «إذا لم تَستَحْيِ فاصنَعْ ما شِئتَ»، أي: الشَّهادةُ على هذا ليسَت من شَأني، ولا تَنبَغي لي، وإنَّما هي من شأنِ من يَشهدُ على الجَورِ والباطِلِ وما لا يَصلحُ، وهذا في غايةِ الوُضوحِ.
وقد كتَبتُ في هذه المَسألةِ مُصنَّفًا مُفرَدًا استَوفيتُ فيه أدِلتَها وبيَّنتُ مَنْ خالَفَ هذا الحَديثَ، ونَقضَها عليهم وباللهِ التَّوفيقُ (١).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ويَجبُ التَّعديلُ في عَطيةِ أولادِه على حَسبِ ميراثِهم، وهو مَذهبُ أحمدَ مُسلمًا كانَ الوَلدُ أو ذمِّيًّا، ولا يَجبُ على المُسلمِ التَّسويةُ بينَ أَولادِ أهلِ الذِّمةِ، ولا يَجبُ التَّسويةُ بينَ سائِرِ الأَقاربِ الذين لا يَرِثون، كالأَعمامِ والإخوةِ مع وُجودِ الأبِ، ويَتوجَّهُ في البَنينِ التَّسويةُ كآبائِهم؛ فإنْ فضَّلَ حيثُ منَعناه فعليه التَّسويةُ أو الرَّدُّ، ويَنبَغي أنْ يَكونَ على الفَورِ، وإذا سوَّى بينَ أَولادِه في العَطاءِ فليسَ له أنْ يَرجعَ في عَطيةِ بَعضِهم، والحَديثُ والآثارُ تَدلُّ على وُجوبِ التَّعديلِ بينَهم في غيرِ التَّمليكِ أيضًا، وهو في مالِه ومَنفعتِه التي ملَّكهم والذي أباحَهم، كالمَسكنِ والطَّعامِ، ثم هنا نَوعان: نَوعٌ يَحتاجون إليه من النَّفقةِ في الصِّحةِ
стр. 7552
والمَرضِ ونَحوِ ذلك، فتَعديلُه فيه أنْ يُعطيَ كلَّ واحِدٍ ما يَحتاجُ إليه، ولا فَرقَ بينَ مُحتاجِ قَليلٍ أو كَثيرٍ، ونَوعٌ تَشتركُ حاجَتُهم إليه من عَطيةٍ أو نَفقةٍ أو تَزويجٍ، فهذا لا رَيبَ في تَحريمِ التَّفاضُلِ فيه، ويَنشأُ من بينِهما نَوعٌ ثالِثٌ هو: أنْ يَنفردَ أحدُهما بحاجةٍ غيرِ مُعتادةٍ، مِثلَ أنْ يَقضيَ عن أحدِهما دَينًا وجَبَ عليه من أَرشِ جِنايةٍ أو يُعطيَ عنه المَهرَ أو يُعطيَه نَفقةَ الزَّوجةِ ونَحوَ ذلك، ففي وُجوبِ إِعطاءِ الآخَرِ مِثلَ ذلك نَظرٌ، وتَجهيزُ البَناتِ بالنِّحَلِ أشبَهُ، وقد يلحَقُ بهذا، والأشبَهُ أنْ يُقالَ في هذا: إنَّه يَكونُ بالمَعروفِ؛ فإنْ زادَ على المَعروفِ فهو من بابِ النِّحلِ، ولو كانَ أحدُهما مُحتاجًا دونَ الآخَرِ أنفَقَ عليه قَدرَ كِفايتِه، وأمَّا الزِّيادةُ فمِن النِّحلِ، فلو كانَ أحدُ الأَولادِ فاسِقًا فقالَ والِدُه: لا أُعطيك نَظيرَ إِخوتِك حتى تَتوبَ. فهذا حَسنٌ يَتعيَّنُ استِثناؤُه، وإذا امتنَعَ من التَّوبةِ فهو الظالِمُ؛ فإنْ تابَ وجَبَ عليه أنْ يُعطيَه، وأمَّا إنِ امتنَعَ من زيادةِ الدِّينِ لم يَجزْ مَنعُه (١).
تَفضيلُ بعضِ الأولادِ للحاجةِ أو تَخصيصُهم:
نَصَّ فُقهاءُ الحَنابِلةِ الذين قالوا بوُجوبِ التَّسويةِ بينَ الأَولادِ وحُرمةِ المُفاضلةِ على جَوازِ تَخصيصِ بعضِ الأولادِ لحاجةٍ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ خَصَّ بَعضَهم لمَعنًى يَقتَضي تَخصيصَه مِثلَ اختِصاصِه بحاجةٍ أو زَمانةٍ أو عَمًى أو كَثرةِ عائِلةٍ أو اشتِغالِه بالعِلمِ أو نَحوِه من الفَضائلِ، أو صرَفَ عَطيتَه عن بعضِ وَلدِه لفِسقِه أو بِدعتِه أو لكَونِه
стр. 7553
يَستعينُ بما يأخُذُه على مَعصيةِ اللهِ، أو يُنفقُه فيها، فقد رُويَ عن أحمدَ ما يَدلُّ على جَوازِ ذلك؛ لقَولِه في تخَصيصِ بَعضِهم بالوَقفِ: لا بأسَ به إذا كانَ لحاجةٍ، وأكرَهُه إذا كانَ على سَبيلِ الأثَرةِ. والعَطيةُ في مَعناه، ويَحتملُ ظاهِرُ لَفظِه المَنعَ من التَّفضيلِ والتَّخصيصَ على كلِّ حالٍ؛ لكَونِ النَّبيِّ ﷺ لم يَستفصِلْ بَشيرًا في عَطيتِه، والأولُ أَولى إنْ شاءَ اللهُ ؛ لحَديثِ أبي بَكرٍ، ولأنَّ بَعضَهم اختُصَّ بمَعنًى يَقتَضي العَطيةَ فجازَ أنْ يَختصَّ بها كما لو اختَصَّ القَرابةَ، وحَديثُ بَشيرٍ قَضيةٌ في عَينٍ لا عُمومَ لها، وتَركُ النَّبيِّ ﷺ الاستِفصالَ يَجوزُ أنْ يَكونَ لعِلمِه بالحالِ.
فإنْ قيلَ: لو علِمَ بالحالِ لَمَا قالَ: «ألك وَلدٌ غيرُه؟» قُلنا: يَحتملُ أنْ يَكونَ السُّؤالُ ههنا لبَيانِ العِلةِ، كما قالَ ﵇ للذي سأله عن بَيعِ الرُّطبِ بالتَّمرِ: «أيَنقصُ الرُّطبُ إذا يبِسَ؟» قالَ: نَعَمْ. فقالَ: «فلا إذًا» وقد علِمَ أنَّ الرُّطبَ يَنقُصُ، لكنْ نبَّهَ السائِلُ بهذا على عِلةِ المَنعِ من البَيعِ، كذا ههنا (١).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ويَجبُ التَّعديلُ في عَطيةِ أولادِه على حَسبِ ميراثِهم، وهو مَذهبُ أحمدَ مُسلمًا كانَ الوَلدُ أو ذمِّيًّا، ولا يَجبُ على المُسلمِ التَّسويةُ بينَ أَولادِ أهلِ الذِّمةِ، ولا يَجبُ التَّسويةُ بينَ سائِرِ الأَقاربِ الذين لا يَرِثونَ كالأَعمامِ والإِخوةِ مع وُجودِ الأبِ، ويَتوجَّهُ
стр. 7554
في البَنينَ التَّسويةُ كآبائِهم؛ فإنْ فضَّلَ حيثُ منَعناه فعليه التَّسويةُ أو الرَّدُّ، ويَنبَغي أنْ يَكونَ على الفَورِ، وإذا سوَّى بينَ أولادِه في العَطاءِ فليسَ له أنْ يَرجعَ في عَطيةِ بَعضِهم، والحَديثُ والآثارُ تَدلُّ على وُجوبِ التَّعديلِ بينَهم في غيرِ التَّمليكِ أيضًا، وهو في مالِه ومَنفعتِه التي ملَّكَهم والذي أباحَهم، كالمَسكنِ والطَّعامِ، ثم هنا نَوعانِ: نَوعٌ يَحتاجونَ إليه من النَّفقةِ في الصِّحةِ والمَرضِ ونَحوِ ذلك، فتَعديلُه فيه أنْ يُعطيَ كلَّ واحِدٍ ما يَحتاجُ إليه، ولا فَرقَ بينَ مُحتاجِ قَليلٍ أو مُحتاجِ كَثيرٍ، ونَوعٌ تَشتركُ حاجَتُهم إليه من عَطيةٍ أو نَفقةٍ أو تَزويجٍ، فهذا لا رَيبَ في تَحريمِ التَّفاضُلِ فيه، ويَنشأُ من بينِهما نَوعٌ ثالِثٌ هو: أنْ يَنفردَ أحدُهما بحاجةٍ غيرِ مُعتادةٍ، مِثلَ أنْ يَقضيَ عن أحدِهما دَينًا وجَبَ عليه من أرشِ جِنايةٍ أو يُعطيَ عنه المَهرَ أو يُعطيَه نَفقةَ الزَّوجةِ ونَحوَ ذلك، ففي وُجوبِ إعطاءِ الآخَرِ مِثلَ ذلك نَظرٌ، وتَجهيزُ البَناتِ بالنِّحَلِ أشبَهُ، وقد يلحَقُ بهذا، والأشبَهُ أنْ يُقالَ في هذا: إنَّه يَكونُ بالمَعروفِ؛ فإنْ زادَ على المَعروفِ فهو من بابِ النِّحلِ، ولو كانَ أحدُهما مُحتاجًا دونَ الآخَرِ أنفَقَ عليه قَدرَ كِفايتِه، وأمَّا الزِّيادةُ فمِن النِّحلِ، فلو كانَ أحدُ الأولادِ فاسِقًا فقالَ والِدُه: لا أُعطيك نَظيرَ إخوَتِك حتى تَتوبَ. فهذا حَسنٌ يَتعيَّنُ استِثناؤُه، وإذا امتنَعَ من التَّوبةِ فهو الظالِمُ؛ فإنْ تابَ وجَبَ عليه أنْ يُعطيَه، وأمَّا إنِ امتنَعَ من زيادةِ الدِّينِ لم يَجزْ مَنعُه (١).
стр. 7555
وهل يَجبُ عليه التَّسويةُ بينَ سائِرِ أقارِبِه وإعطاؤُهم على قَدرِ إرثِهم أو لا؟
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَجبُ عليه التَّسويةُ بينَ سائِرِ أَقاربِه ولا إِعطاؤُهم على قَدرِ مَواريثِهم، سَواءٌ كانوا من جِهةٍ واحِدةٍ كإِخوةٍ وأَخواتٍ وأَعمامٍ وبَني عَمٍّ، أو من جِهاتٍ كبَناتٍ وأخَواتٍ وغيرِهم.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لأنَّها عَطيةٌ لغيرِ الأَولادِ في صِحتِه فلم تَجبْ عليه التَّسويةُ، كما لو كانوا غيرَ وارِثينَ، ولأنَّ الأصلَ إِباحةُ تَصرُّفِ الإِنسانِ في مالِه كيف شاءَ، وإنَّما وجَبَت التَّسويةُ بينَ الأَولادِ بالخبَرِ وليسَ غيرُهم في مَعناهم؛ لأنَّهم استَوَوا في وُجوبِ بِرِّ والِدِهم فاستَوَوا في عَطيتِه، وبهذا علَّلَ النَّبيُّ ﷺ حين قالَ: «أيَسرُّك أن يَستَووا في بِرِّك؟» قالَ: نَعمْ. قالَ: «فسَوِّ بينَهم» ولم يُوجدْ هذا في غيرِهم، ولأنَّ للوالِدِ الرُّجوعَ فيما أعطَى وَلدَه فيُمكنُه أنْ يُسويَ بينَهم باستِرجاعِ ما أَعطاهُ لبَعضِهم ولا يُمكنُ ذلك في غيرِهم، ولأنَّ الأَولادَ لشِدةِ مَحبةِ الوالِدِ لهم وصَرفِ مالِه إليهم عادةً يَتنافَسونَ في ذلك، ويَشتدُّ عليهم تَفضيلُ بَعضِهم، ولا يُساوِيهم في ذلك غيرُهم، فلا يَصحُّ قِياسُه عليهم، ولا نَصَّ في غيرِهم، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد علِمَ لبَشيرٍ زَوجةً ولم يأمُرْه بإِعطائِها شَيئًا حين أمَرَه بالتَّسويةِ بينَ أَولادِه، ولم يَسألْه: هل لك وارِثٌ غيرُ وَلدِك؟ (١).
стр. 7556
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ويَجبُ التَّعديلُ في عَطيةِ أَولادِه على حَسبِ ميراثِهم، وهو مَذهبُ أحمدَ مُسلمًا كانَ الوَلدُ أو ذمِّيًا، ولا يَجبُ على المُسلمِ التَّسويةُ بينَ أَولادِ أهلِ الذِّمةِ، ولا يَجبُ التَّسويةُ بينَ سائِرِ الأَقاربِ الذين لا يَرِثونَ كالأَعمامِ والإِخوةِ مع وُجودِ الأبِ، ويَتوجَّهُ في البَنينَ التَّسويةُ كآبائِهم؛ فإنْ فضَلَ حيثُ منَعناه فعليه التَّسويةُ أو الرَّدُّ، ويَنبَغي أنْ يَكونَ على الفَورِ، وإذا سوَّى بينَ أَولادِه في العَطاءِ فليسَ له أنْ يَرجعَ في عَطيةِ بَعضِهم (١).
وقالَ الشافِعيةُ: ويُسنُّ أيضًا أنْ يُسويَ الوَلدُ إذا وهَبَ لوالِدَيه شَيئًا، ويُكرهُ له تَركُ التَّسويةِ -كما مَرَّ- في الأولادِ؛ فإنْ فضَّلَ أحدَهما فالأُمُّ أَولى؛ لخبَرِ: «إنَّ لها ثُلثَيِ البِرِّ». والإِخوةُ ونَحوُهم لا يَجري فيهم هذا الحُكمُ، ولا شَكَّ أنَّ التَّسويةَ بينَهم مَطلوبةٌ، لكنْ دونَ طَلبِها في الأُصولِ والفُروعِ (٢).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجبُ التَّسويةُ بينَ سائِرِ الأَقاربِ قِياسًا على التَّسويةِ بينَ الأَولادِ، بأنْ يُعطيَهم على قَدرِ مِيراثِهم؛ فإنْ خالَفَ وفعَلَ فعليه أنْ يَرجعَ ويَعمَّهم بالنِّحلةِ؛ لأنَّهم في مَعنى الأَولادِ، فثبَتَ فيهم مِثلُ حُكمِهم، بخِلافِ الزَّوجاتِ والمَوالي فلا يَجبُ التَّعديلُ بينَهم في الهِبةِ (٣).
стр. 7557
إذا وهَبَ الأبُ بعضَ بَنيه ثم ماتَ فهل لباقي الأولادِ أنْ يَرجِعوا على المَوهوبِ له؟
إذا وهَبَ الأبُ بعضَ بَنيه ثم ماتَ، فهذا لا يَخلو من أحدِ أمرَينِ: إمَّا أنْ يَهبَه في صِحتِه وإمَّا أنْ يَهبَه في مَرضِ مَوتِه …
الحالةُ الأُولى: أنْ يَهبَ الأبُ بعضَ بَنيه في حالِ صِحتِه ثم يَموتَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وهَبَ الأبُ في صِحتِه بعضَ بَنيه وحازَ الهِبةَ ثم ماتَ الأبُ ولم يُرجعْها من وَلدِه، فهل لبَقيةِ الوَرثةِ أنْ يَستردُّوها أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الأبَ إذا فاضَلَ بينَ وَلدِه في العَطايا أو خَصَّ بَعضَهم بَعطيةٍ ثم ماتَ قبلَ أنْ يَستردَّها ثبَتَ ذلك للمَوهوبِ له ولزِمَ، وليسَ لبَقيةِ الوَرثةِ الرُّجوعُ، واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه مالِكٌ عن ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائِشةَ ﵂ زَوجِ النَّبيِّ ﷺ أنَّها قالَت: «إنَّ أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ نحَلَها جِدادَ عِشرينَ وَسقًا من مالٍ بالغابةِ، فلمَّا حضَرَته الوَفاةُ قالَ: واللهِ يا بُنيةُ ما من الناسِ أحدٌ أحُّب إلَيَّ غنًى بَعدي منك، ولا أعزُّ علَيَّ فَقرًا بَعدي منك، وإنِّي كُنْتُ نحَلتُك من مالي جِدادَ عِشرينَ وَسقًا، فلو كُنْتِ جَددتيه واحتَزتيه كانَ لك ذلك، وإنَّما هو مالُ الوارِثِ، وإنَّما هو أَخواك وأُختاك، فاقتَسِموه على كِتابِ اللهِ. فقالَت: يا أبتِ واللهِ لو كانَ كذا وكذا لتَركتُه، إنَّما هو أَسماءُ، فمَن الأُخرى؟ قالَ: ذو بَطنٍ بِنتُ خارِجةَ
стр. 7558
أراها جاريةً» (١) فدَلَّ على أنَّها لو كانَت حازَته لم يَكنْ له الرُّجوعُ، وكذلك ما رَواه الإمامُ مالِكُ بنُ أنَسٍ عن ابنِ شِهابٍ عن عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَبدٍ القاريِّ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ أنَّه قالَ: «ما بالُ رِجالٍ يَنحُلون أبناءَهم نِحلًا ثم يُمسِكونَها، فإنْ ماتَ ابنُ أحدِهم قالَ: مالي بيَدي لم أُعطِه أحدًا، وإن ماتَ هو قالَ: قد كُنْتُ أعطَيتُه إِياهُ، مَنْ نحَلَ نِحلةً لم يَحُزْها الذي نحَلَها حتى تَكونَ إنْ ماتَ لوارِثِه فهي باطِلٌ» (٢).
وفي رِوايةِ سُفيانَ عن الزُّهريِّ عن عُروةَ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَبدٍ القاريِّ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ قالَ: «ما بالُ أَقوامٍ يَنحُلونَ أَولادَهم نِحلةً فإذا ماتَ أحدُهم قالَ: مالي في يَدي، وإذا ماتَ هو قالَ: قد كُنْتُ نحَلتُه وَلدي. لا نِحلةَ إلا نِحلةً يَحوزُها الوَلدُ دونَ الوالِدِ، فإنْ ماتَ ورِثَه» (٣). ولأنَّها عَطيةٌ لوَلدِه فلزِمَت بالمَوتِ كما لو انفرَدَ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: هذا المَنصوصُ عن أحمدَ في رِوايةِ مُحمدِ بنِ الحَكمِ والمَيمونيِّ، وهو اختيارُ الخَلَّالِ وصاحِبِه أَبي بَكرٍ، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ وأكثَرُ أهلِ العِلمِ.
стр. 7559
وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ -وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ- إلى أنَّ لسائِرِ الوَرثةِ أنْ يَرتجِعوا ما وهَبَه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وفيه رِوايةٌ أُخرى عن أحمدَ أنَّ لسائِرِ الوَرثةِ أنْ يَرتجِعوا ما وهَبَه، اختارَه ابنُ بَطةَ وأبو حَفصٍ العُكبَريانِ، وهو قَولُ عُروةَ ابنِ الزُّبَيرِ وإِسحاقَ، وقالَ أحمدُ: عُروةُ قد رَوى الأَحاديثَ الثَّلاثةَ؛ حَديثَ عائِشةَ وحَديثَ عُمرَ وحَديثَ عُثمانَ، وترَكَها وذهَبَ إلى حَديثِ النَّبيِّ ﷺ : «يُردُّ في حَياةِ الرَّجلِ وبعدَ مَوتِه» وهذا قَولُ إِسحاقَ، إلا أنَّه قالَ: إذا ماتَ الرَّجلُ فهو ميراثٌ بينَهم، لا يَسعُ أنْ يَنتفعَ أحدٌ بما أُعطيَ دونَ إخوَتِه وأخواتِه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ سَمَّى ذلك جَورًا بقَولِه: «لا تُشهِدْني على جَورٍ» (١). والجَورُ حَرامٌ لا يَحلُّ للفاعِلِ فِعلُه ولا للمُعطي تَناولُه، والمَوتُ لا يُغيرُه عن كَونِه جَورًا حَرامًا فيَجبُ رَدُّه، ولأنَّ أبا بَكرٍ وعُمرَ أمَرا قَيسَ بنَ سَعدٍ أنْ يَردَّ قِسمةَ أبيه حين وُلدَ له وَلدٌ ولم يَكنْ علِمَ به ولا أَعطاه شَيئًا، وكانَ ذلك بعدَ مَوتِ سَعدٍ، فرَوى سَعيدٌ بإِسنادِه من طَريقَينِ «أنَّ سَعدَ بنَ عُبادةَ قسَّمَ مالَه بينَ أَولادِه، وخرَجَ إلى الشامِ فماتَ بها، ثم وُلدَ بعدَ ذلك وَلدٌ، فمَشى أبو بَكرٍ وعُمرُ ﵄ إلى قَيسِ بنِ سَعدٍ فقالا: إنَّ سَعدًا قسَّمَ مالَه ولم يَدرِ ما يَكونُ، وإنَّا نَرى أنْ تَردَّ هذه القِسمةَ. فقالَ قَيسٌ: لم أكُنْ لأغيِّرَ شَيئًا صنَعَه سَعدٌ ولكنْ نَصيبِي له» (٢) وهذا مَعنى الخَبرِ.
стр. 7560
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَهبَ الأبُ بعضَ بَنيه في حالِ مَرضِه ثم يَموتَ:
إذا وهَبَ الأبُ في مَرضِ مَوتِه لبَعضِ وَرثتِه لا تَنفذُ هِبتُه ويَكونُ حُكمُها حُكمَ وَصاياه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لأنَّ العَطايا في مَرضِ المَوتِ بمَنزلةِ الوَصيةِ في أنَّها تُعتبَرُ من الثُّلثِ إذا كانَت لأَجنَبيٍّ إِجماعًا، فكذلك لا تَنفذُ في حَقِّ الوارِثِ.
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ من أحفَظُ عنه من أهلِ العِلمِ على أنَّ حُكمَ الهِباتِ في المَرضِ الذي يَموتُ فيه الواهِبُ حُكمُ الوَصايا، هذا مَذهبُ المَدنِيِّ والشافِعيِّ والكُوفيِّ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: العَطيةُ من الآباءِ للأَبناءِ جائِزةٌ في صِحةِ الآباءِ؛ لأنَّ فِعلَ المَريضِ في مالِه وَصيةٌ، والوَصيةُ للوارِثِ باطِلةٌ، وهذا أمرٌ مُجمَعٌ عليه يُستَغنى عن القَولِ فيه (٢).
فإنْ أعطَى أحدَ بَنيه في صِحتِه ثم أعطَى الآخَرَ في مَرضِه فقد توقَّفَ أحمدُ فيه؛ فإنَّه سُئلَ عمَّن زوَّجَ ابنَه فأعطَى عنه الصَّداقَ ثم مرِضَ الأبُ وله ابنٌ آخَرُ، هل يُعطيه في مَرضِه كما أعطَى الآخَرَ في صِحتِه؟ فقالَ: لو كانَ أَعطاه في صِحتِه يَحتملُ وَجهَينِ:
стр. 7561
أحدُهما: لا يَصحُّ؛ لأنَّ عَطيتَه في مَرضِه كوَصيتِه، ولو وصَّى له لم يَصحَّ، فكذلك إذا أَعطاه.
والثاني: يَصحُّ؛ لأنَّ التَّسويةَ بينَهما واجِبةٌ، ولا طَريقَ لها في هذا المَوضعِ إلا بعَطيةِ الآخَرِ فتَكونُ واجِبةً فتَصحُّ كقَضاءِ دَينِه (١).
وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن رَجلٍ له ابنَتانِ ومُطلَّقةٌ حامِلٌ، وكتَبَ لابنتَيه ألفَيْ دِينارٍ وأربَعَ أَملاكٍ، ثم بعدَ ذلك وُلدَ للمُطلَّقةِ وَلدٌ ذَكرٌ ولم يَكتبْ له شَيئًا، ثم بعدَ ذلك تُوفِّيَ الوالِدُ وخلَّفَ مَوجودًا خارِجًا عما كتَبَه لابنتَيه وقسَّمَ المَوجودَ بينَهم على حُكمِ الفَريضةِ الشَّرعيةِ، فهل يُفسخُ ما كتَبَ للبنتَينِ أو لا؟
فأجابَ: هذه المَسألةُ فيها نِزاعٌ بينَ أهلِ العِلمِ، إنْ كانَ قد ملَّكَ البَناتِ تَمليكًا تامًّا مَقبوضًا فأمَّا أنْ يَكونَ كتَبَ لهُنَّ في ذِمتِه ألفَيْ دينارٍ من غيرِ إِقباضٍ أو أَعطاهُنَّ شَيئًا ولم يُقبِضْه لهُنَّ، فهذا العَقدُ مَفسوخٌ، ويُقسمُ الجَميعِ بينَ الذَّكرِ والأُنثَيينِ، وأمَّا مع حُصولِ القَبضِ ففيه نِزاعٌ، وقد رُويَ «أنَّ سَعدَ بنَ عُبادةَ قسَّمَ مالَه بينَ أَولادِه، فلمَّا ماتَ وُلدَ له حَملٌ، فأمَرَ أبو بَكرٍ وعُمرُ أنْ يُعطى الحَملُ نَصيبَه من المِيراثِ»، فلهذا يَنبَغي أنْ يَفعلَ بهذا كذلك؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «اتَّقوا اللهَ واعدِلوا بينَ أَولادِكم» وقالَ:
стр. 7562
«إنِّي لا أشهَدُ على جَورٍ» لمَن أرادَ تَخصيصَ بعضِ أولادِه بالعَطيةِ، وعلى البَناتِ أنْ يَتَّقين اللهَ ويُعطين الابنَ حَقَّه.
وقَولُ النَّبيِّ ﷺ للذي خصَّصَ بعضَ أَولادِه: «أشهِدْ على هذا غيري» تَهديدٌ له؛ فإنَّه قالَ: «اردُدْه» وقد رَدَّه ذلك الرَّجلُ.
وأمَّا إذا وصَّى لهُنَّ بعدَ مَوتِه فهي غيرُ لازِمةٍ باتِّفاقِ العُلماءِ، والصَّحيحُ من قَولَيِ العُلماءِ أنَّ هذا الذي خَصَّ بَناتِه بالعَطيةِ دونَ حَملِه يَجبُ عليه أنْ يَردَّ ذلك في حَياتِه كما أمَرَ النَّبيُّ ﷺ ، وإنْ ماتَ ولم يَردَّه رُدَّ بعدَ مَوتِه على أصَحِّ القَولَين أيضًا؛ طاعةً للهِ ولرَسولِه واتِّباعًا للعَدلِ الذي أمَرَ به واقتِداءً بأبي بَكرٍ وعُمرَ ﵄، ولا يَحلُّ للذي فُضِّل أنْ يأخُذَ الفَضلَ، بل عليه أنْ يُقاسِمَ إخوتَه في جَميعِ المالِ بالعَدلِ الذي أمَرَ اللهُ به، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ أيضًا ﵀: فلو ماتَ الوالِدُ قبلَ التَّسويةِ الواجِبةِ فللباقِينَ الرُّجوعُ، وهو رِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ واختيارُ ابنِ بَطةَ وأَبي حَفصٍ، وأمَّا الوَلدُ المُفضَّلُ فيَنبَغي له الرَّدُّ بعدَ المَوتِ قَولًا واحِدًا، وهل يَطيبُ له الإمساكُ إذا قُلنا: لا يُجبرُ على الرَّدِّ؟ كَلامُ أحمدَ يَقتَضي رِوايتَينِ، فقالَ في رِوايةِ ابنِ الحَكمِ: وإذا ماتَ الذي فُضِّل لم أطيِّبْه له ولم أُجبِرْ على رَدِّه، وظاهِرُه التَّحريمُ، ونُقلَ عنه أيضًا: قُلتُ: فتَرى الذي فُضِّل أنْ يَردَّه؟ قالَ: إنْ فعَلَ فهو أجوَدُ، وإنْ لم يَفعلْ ذلك لم أُجبِرْه. وظاهِرُه الاستِحبابُ.
стр. 7563
وإذا قُلنا: يَردُّه بعدَ المَوتِ. فالوَصيُّ يَفعلُ ذلك، فلو ماتَ الثانِي قبلَ الرَّدِّ والمالُ بحالِه رَدَّه أيضًا، لكنْ لو قُسِّمت تَركةُ الثانِي قبلَ الرَّدِّ أو بِيعَت أو وُهبَت فههنا فيه نَظرٌ؛ لأنَّ القِسمةَ والقَبضَ بقُربِ العُقودِ الجاهِليةِ، وهذا فيه تأويلٌ، وكذلك لو تصَرَّف المُفضَّلُ في حَياةِ أبيه ببَيعٍ أو هِبةٍ، واتصَلَ بهما القَبضُ ففي الرَّدِّ نَظرٌ، إلا أنَّ هذا مُتصلٌ بالقَبضِ في العُقودِ الفاسِدةِ، وللأبِ الرُّجوعُ فيما وهَبَه لوَلدِه ما لم يَتعلقُ به حَقٌّ أو رَغبةٌ فلا يَرجعُ بقَدرِ الدَّينِ وقَدرِ الرَّغبةِ ويَرجعُ فيما زادَ (١).
هل التَّساوي بينَ الأولادِ يَكونُ كالميراثِ أو للذَّكرِ مِثلُ الأُنثى؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في التَّسويةِ المُستحبةِ، هل تَكونُ على حَسبِ قِسمةِ اللهِ تَعالى في المِيراثِ، للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيينِ، أو تُعطى الأُنثَى مِثلَ ما يُعطى الذَّكرُ؟
فذهَبَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ من الحَنفيةِ وبَعضُ المالِكيةِ كابنِ شَعبانَ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّ التَّسويةَ المُستحبةَ أنْ يَقسمَ بينَهم على حَسبِ قِسمةِ اللهِ تَعالى في المِيراثِ، فيَجعلَ للذَّكرِ مِثلَ حَظِّ الأُنثَيينِ؛ لأنَّ اللهَ جلَّ ذِكرُه كذلك قسَّمَ المِيراثَ بينَهم، فجعَلَ للذَّكرِ مِثلَ حَظِّ الأُنثَيينِ، وأَولى ما يُقتَدى به قِسمةُ اللهِ ، فإذا قسَمَ هو مالَه بينَهم في حَياتِه فعليه أنْ يَقسمَه كما قسَمَه اللهُ بعدَ المَوتِ قِياسًا على ذلك، ولأنَّه حَظُّها من ذلك المالِ لو أَبقاه الواهِبُ في يَدِه حتى ماتَ.
стр. 7564
ولأنَّ العَطيةَ في الحَياةِ أحَدُ حالَيِ العَطيةِ، فيَجعلُ للذَّكرِ مِثلَ حَظِّ الأُنثَيينِ كحالةِ المَوتِ -يَعني المِيراثَ-، يُحقِّقُه أنَّ العَطيةَ استِعجالٌ لمَا يَكونُ بعدَ المَوتِ، فيَنبَغي أنْ تَكونَ على حَسبِه، كما أنَّ مُعجِّلَ الزَّكاةِ قبلَ وُجوبِها يُؤدِّيها على صِفةِ أدائِها بعدَ وُجوبِها، وكذلك الكَفاراتُ المُعجَّلةُ، ولأنَّ الذَّكرَ أحوَجُ من الأُنثَى من قِبَلِ أنَّهما إذا تزَوَّجا جَميعًا فالصَّداقُ والنَّفقةُ ونَفقةُ الأَولادِ على الذَّكرِ، والأُنثَى لها ذلك، فكانَ أَولى بالتَّفضيلِ لزِيادةِ حاجَتِه، وقد قسَّمَ اللهُ تَعالى المِيراثَ ففضَّلَ الذَّكرَ مَقرونًا بهذا المَعنى فتعلَّلَ به، ويَتعدَّى ذلك إلى العَطيةِ في الحَياةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وحَديثُ بَشيرٍ قَضيةٌ في عَينٍ وحِكايةُ حالٍ لا عُمومَ لها، وإنَّما ثبَتَ حُكمُها فيما ماثَلَها، ولا نَعلمُ حالَ أولادِ بَشيرٍ، هل كانَ فيهم أُنثَى أو لا، ولعلَّ النَّبيَّ ﷺ قد علِمَ أنَّه ليسَ له إلا أولادٌ ذُكورٌ ثم تُحملُ التَّسويةُ على القِسمةِ على كِتابِ اللهِ تَعالى، ويَحتملُ أنَّه أرادَ التَّسويةَ في أصلِ العَطاءِ لا في صِفتِه؛ فإنَّ القِسمةَ لا تَقتَضي التَّسويةَ من كلِّ وَجهٍ، وكذلك الحَديثُ الآخَرُ، ودَليلُ ذلك قَولُ عَطاءٍ: «ما كانوا يَقسِمون إلا على كِتابِ اللهِ تَعالى» (١) وهذا خبَرٌ عن جَميعِهم على أنَّ الصَّحيحَ من خبَرِ ابنِ عَباسٍ أنَّه مُرسلٌ (٢).
стр. 7565
وذهَبَ أَبو يُوسفَ من الحَنفيةِ -وهو المُختارُ- وبعضُ المالِكيةِ كابنِ القَصارِ، والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التَّسويةَ المُستحبةَ تَكونُ: للذَّكرِ مِثلُ الأُنثى؛ لمَا رُويَ عن ابنِ عَباسٍ مَرفوعًا: «سَوُّوا بينَ أَولادِكم في العَطيةِ، فلو كُنْتُ مُفضِّلًا لفَضَّلت النِّساءَ» (١)، ولأنَّه عَطيةٌ في الحَياةِ استَوى فيها الذَّكرُ والأُنثَى كالنَّفقةِ والكِسوةِ.
ولمَا رَواه مُسلمٌ عن الشَّعبيِّ عن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ قالَ: انطلَقَ بي أَبي يَحملُني إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، اشهَدْ أنِّي قد نحَلتُ النُّعمانَ كذا وكذا من مالي. فقالَ: «أكُلَّ بَنيك قد نحَلتَ مِثلَ ما نحَلتَ النُّعمانَ؟»، قالَ: لا. قالَ: «فأشِهْد على هذا غيري -ثم قال- أيَسُرُّك أنْ يَكونوا إليكَ في البِرِّ سَواءً؟»، قالَ: بلى. قالَ: «فلا إذًا» (٢).
وفي رِوايةٍ قالَ: «أكُلَّ وَلدِك أعطَيتَه هذا؟»، قالَ: لا. قالَ: «أليسَ تُريدُ منهم البِرَّ مِثلَ ما تُريدُ من ذا؟»، قالَ: بلى. قالَ: «فإنِّي لا أشهَدُ» (٣).
وفي رِوايةٍ قالَ: «أعطَيتَ سائِرَ وَلدِك مِثلَ هذا؟» قالَ: لا. قالَ: «فاتَّقوا اللهَ واعدِلوا بينَ أَولادِكم». قالَ: فرجَعَ فرَدَّ عَطيتَه (٤).