← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

أحدُهما: لا يَصحُّ؛ لأنَّ عَطيتَه في مَرضِه كوَصيتِه، ولو وصَّى له لم يَصحَّ، فكذلك إذا أَعطاه. والثاني: يَصحُّ؛ لأنَّ التَّسويةَ بينَهما واجِبةٌ، ولا طَريقَ لها في هذا المَوضعِ إلا بعَطيةِ الآخَرِ فتَكونُ واجِبةً فتَصحُّ كقَضاءِ دَينِه (١). وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن رَجلٍ له ابنَتانِ ومُطلَّقةٌ حامِلٌ، وكتَبَ لابنتَيه ألفَيْ دِينارٍ وأربَعَ أَملاكٍ، ثم بعدَ ذلك وُلدَ للمُطلَّقةِ وَلدٌ ذَكرٌ ولم يَكتبْ له شَيئًا، ثم بعدَ ذلك تُوفِّيَ الوالِدُ وخلَّفَ مَوجودًا خارِجًا عما كتَبَه لابنتَيه وقسَّمَ المَوجودَ بينَهم على حُكمِ الفَريضةِ الشَّرعيةِ، فهل يُفسخُ ما كتَبَ للبنتَينِ أو لا؟ فأجابَ: هذه المَسألةُ فيها نِزاعٌ بينَ أهلِ العِلمِ، إنْ كانَ قد ملَّكَ البَناتِ تَمليكًا تامًّا مَقبوضًا فأمَّا أنْ يَكونَ كتَبَ لهُنَّ في ذِمتِه ألفَيْ دينارٍ من غيرِ إِقباضٍ أو أَعطاهُنَّ شَيئًا ولم يُقبِضْه لهُنَّ، فهذا العَقدُ مَفسوخٌ، ويُقسمُ الجَميعِ بينَ الذَّكرِ والأُنثَيينِ، وأمَّا مع حُصولِ القَبضِ ففيه نِزاعٌ، وقد رُويَ «أنَّ سَعدَ بنَ عُبادةَ قسَّمَ مالَه بينَ أَولادِه، فلمَّا ماتَ وُلدَ له حَملٌ، فأمَرَ أبو بَكرٍ وعُمرُ أنْ يُعطى الحَملُ نَصيبَه من المِيراثِ»، فلهذا يَنبَغي أنْ يَفعلَ بهذا كذلك؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «اتَّقوا اللهَ واعدِلوا بينَ أَولادِكم» وقالَ:

стр. 7562

«إنِّي لا أشهَدُ على جَورٍ» لمَن أرادَ تَخصيصَ بعضِ أولادِه بالعَطيةِ، وعلى البَناتِ أنْ يَتَّقين اللهَ ويُعطين الابنَ حَقَّه. وقَولُ النَّبيِّ ﷺ للذي خصَّصَ بعضَ أَولادِه: «أشهِدْ على هذا غيري» تَهديدٌ له؛ فإنَّه قالَ: «اردُدْه» وقد رَدَّه ذلك الرَّجلُ. وأمَّا إذا وصَّى لهُنَّ بعدَ مَوتِه فهي غيرُ لازِمةٍ باتِّفاقِ العُلماءِ، والصَّحيحُ من قَولَيِ العُلماءِ أنَّ هذا الذي خَصَّ بَناتِه بالعَطيةِ دونَ حَملِه يَجبُ عليه أنْ يَردَّ ذلك في حَياتِه كما أمَرَ النَّبيُّ ﷺ ، وإنْ ماتَ ولم يَردَّه رُدَّ بعدَ مَوتِه على أصَحِّ القَولَين أيضًا؛ طاعةً للهِ ولرَسولِه واتِّباعًا للعَدلِ الذي أمَرَ به واقتِداءً بأبي بَكرٍ وعُمرَ ﵄، ولا يَحلُّ للذي فُضِّل أنْ يأخُذَ الفَضلَ، بل عليه أنْ يُقاسِمَ إخوتَه في جَميعِ المالِ بالعَدلِ الذي أمَرَ اللهُ به، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ أيضًا ﵀: فلو ماتَ الوالِدُ قبلَ التَّسويةِ الواجِبةِ فللباقِينَ الرُّجوعُ، وهو رِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ واختيارُ ابنِ بَطةَ وأَبي حَفصٍ، وأمَّا الوَلدُ المُفضَّلُ فيَنبَغي له الرَّدُّ بعدَ المَوتِ قَولًا واحِدًا، وهل يَطيبُ له الإمساكُ إذا قُلنا: لا يُجبرُ على الرَّدِّ؟ كَلامُ أحمدَ يَقتَضي رِوايتَينِ، فقالَ في رِوايةِ ابنِ الحَكمِ: وإذا ماتَ الذي فُضِّل لم أطيِّبْه له ولم أُجبِرْ على رَدِّه، وظاهِرُه التَّحريمُ، ونُقلَ عنه أيضًا: قُلتُ: فتَرى الذي فُضِّل أنْ يَردَّه؟ قالَ: إنْ فعَلَ فهو أجوَدُ، وإنْ لم يَفعلْ ذلك لم أُجبِرْه. وظاهِرُه الاستِحبابُ.

стр. 7563

وإذا قُلنا: يَردُّه بعدَ المَوتِ. فالوَصيُّ يَفعلُ ذلك، فلو ماتَ الثانِي قبلَ الرَّدِّ والمالُ بحالِه رَدَّه أيضًا، لكنْ لو قُسِّمت تَركةُ الثانِي قبلَ الرَّدِّ أو بِيعَت أو وُهبَت فههنا فيه نَظرٌ؛ لأنَّ القِسمةَ والقَبضَ بقُربِ العُقودِ الجاهِليةِ، وهذا فيه تأويلٌ، وكذلك لو تصَرَّف المُفضَّلُ في حَياةِ أبيه ببَيعٍ أو هِبةٍ، واتصَلَ بهما القَبضُ ففي الرَّدِّ نَظرٌ، إلا أنَّ هذا مُتصلٌ بالقَبضِ في العُقودِ الفاسِدةِ، وللأبِ الرُّجوعُ فيما وهَبَه لوَلدِه ما لم يَتعلقُ به حَقٌّ أو رَغبةٌ فلا يَرجعُ بقَدرِ الدَّينِ وقَدرِ الرَّغبةِ ويَرجعُ فيما زادَ (١). هل التَّساوي بينَ الأولادِ يَكونُ كالميراثِ أو للذَّكرِ مِثلُ الأُنثى؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في التَّسويةِ المُستحبةِ، هل تَكونُ على حَسبِ قِسمةِ اللهِ تَعالى في المِيراثِ، للذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيينِ، أو تُعطى الأُنثَى مِثلَ ما يُعطى الذَّكرُ؟ فذهَبَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ من الحَنفيةِ وبَعضُ المالِكيةِ كابنِ شَعبانَ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّ التَّسويةَ المُستحبةَ أنْ يَقسمَ بينَهم على حَسبِ قِسمةِ اللهِ تَعالى في المِيراثِ، فيَجعلَ للذَّكرِ مِثلَ حَظِّ الأُنثَيينِ؛ لأنَّ اللهَ جلَّ ذِكرُه كذلك قسَّمَ المِيراثَ بينَهم، فجعَلَ للذَّكرِ مِثلَ حَظِّ الأُنثَيينِ، وأَولى ما يُقتَدى به قِسمةُ اللهِ ، فإذا قسَمَ هو مالَه بينَهم في حَياتِه فعليه أنْ يَقسمَه كما قسَمَه اللهُ بعدَ المَوتِ قِياسًا على ذلك، ولأنَّه حَظُّها من ذلك المالِ لو أَبقاه الواهِبُ في يَدِه حتى ماتَ.

стр. 7564

ولأنَّ العَطيةَ في الحَياةِ أحَدُ حالَيِ العَطيةِ، فيَجعلُ للذَّكرِ مِثلَ حَظِّ الأُنثَيينِ كحالةِ المَوتِ -يَعني المِيراثَ-، يُحقِّقُه أنَّ العَطيةَ استِعجالٌ لمَا يَكونُ بعدَ المَوتِ، فيَنبَغي أنْ تَكونَ على حَسبِه، كما أنَّ مُعجِّلَ الزَّكاةِ قبلَ وُجوبِها يُؤدِّيها على صِفةِ أدائِها بعدَ وُجوبِها، وكذلك الكَفاراتُ المُعجَّلةُ، ولأنَّ الذَّكرَ أحوَجُ من الأُنثَى من قِبَلِ أنَّهما إذا تزَوَّجا جَميعًا فالصَّداقُ والنَّفقةُ ونَفقةُ الأَولادِ على الذَّكرِ، والأُنثَى لها ذلك، فكانَ أَولى بالتَّفضيلِ لزِيادةِ حاجَتِه، وقد قسَّمَ اللهُ تَعالى المِيراثَ ففضَّلَ الذَّكرَ مَقرونًا بهذا المَعنى فتعلَّلَ به، ويَتعدَّى ذلك إلى العَطيةِ في الحَياةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وحَديثُ بَشيرٍ قَضيةٌ في عَينٍ وحِكايةُ حالٍ لا عُمومَ لها، وإنَّما ثبَتَ حُكمُها فيما ماثَلَها، ولا نَعلمُ حالَ أولادِ بَشيرٍ، هل كانَ فيهم أُنثَى أو لا، ولعلَّ النَّبيَّ ﷺ قد علِمَ أنَّه ليسَ له إلا أولادٌ ذُكورٌ ثم تُحملُ التَّسويةُ على القِسمةِ على كِتابِ اللهِ تَعالى، ويَحتملُ أنَّه أرادَ التَّسويةَ في أصلِ العَطاءِ لا في صِفتِه؛ فإنَّ القِسمةَ لا تَقتَضي التَّسويةَ من كلِّ وَجهٍ، وكذلك الحَديثُ الآخَرُ، ودَليلُ ذلك قَولُ عَطاءٍ: «ما كانوا يَقسِمون إلا على كِتابِ اللهِ تَعالى» (١) وهذا خبَرٌ عن جَميعِهم على أنَّ الصَّحيحَ من خبَرِ ابنِ عَباسٍ أنَّه مُرسلٌ (٢).

стр. 7565

وذهَبَ أَبو يُوسفَ من الحَنفيةِ -وهو المُختارُ- وبعضُ المالِكيةِ كابنِ القَصارِ، والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التَّسويةَ المُستحبةَ تَكونُ: للذَّكرِ مِثلُ الأُنثى؛ لمَا رُويَ عن ابنِ عَباسٍ مَرفوعًا: «سَوُّوا بينَ أَولادِكم في العَطيةِ، فلو كُنْتُ مُفضِّلًا لفَضَّلت النِّساءَ» (١)، ولأنَّه عَطيةٌ في الحَياةِ استَوى فيها الذَّكرُ والأُنثَى كالنَّفقةِ والكِسوةِ. ولمَا رَواه مُسلمٌ عن الشَّعبيِّ عن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ قالَ: انطلَقَ بي أَبي يَحملُني إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، اشهَدْ أنِّي قد نحَلتُ النُّعمانَ كذا وكذا من مالي. فقالَ: «أكُلَّ بَنيك قد نحَلتَ مِثلَ ما نحَلتَ النُّعمانَ؟»، قالَ: لا. قالَ: «فأشِهْد على هذا غيري -ثم قال- أيَسُرُّك أنْ يَكونوا إليكَ في البِرِّ سَواءً؟»، قالَ: بلى. قالَ: «فلا إذًا» (٢). وفي رِوايةٍ قالَ: «أكُلَّ وَلدِك أعطَيتَه هذا؟»، قالَ: لا. قالَ: «أليسَ تُريدُ منهم البِرَّ مِثلَ ما تُريدُ من ذا؟»، قالَ: بلى. قالَ: «فإنِّي لا أشهَدُ» (٣). وفي رِوايةٍ قالَ: «أعطَيتَ سائِرَ وَلدِك مِثلَ هذا؟» قالَ: لا. قالَ: «فاتَّقوا اللهَ واعدِلوا بينَ أَولادِكم». قالَ: فرجَعَ فرَدَّ عَطيتَه (٤).

стр. 7566

فقَولُ النَّبيِّ ﷺ بالأمرِ بالتَّسويةِ بينَهم في العَطيةِ كما يُحبُّ الإِنسانُ أنْ يُسوُّوا له في البِرِّ دَليلٌ على أنَّه أرادَ التَّسويةَ بينَ الإناثِ والذُّكورِ؛ لأنَّه لا يُرادُ من البِنتِ شَيءٌ من البِرِّ إلا الذي يُرادُ من الابنِ مِثلُه، فلمَّا كانَ النَّبيُّ ﷺ أرادَ من الأبِ لوَلدِه ما يُريدُ من وَلدِه له، وكانَ ما يُريدُ من الأُنثَى من البِرِّ مِثلَ ما يُريدُ من الذَّكرِ كانَ ما أرادَ منه لهم من العَطيةِ للأُنثَى مِثلَ ما أرادَ للذَّكرِ، وفي حَديثِ أَبي الضُّحى فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «ألكَ وَلدٌ غيرُه؟» فقالَ: نَعمْ. فقالَ: «ألَا سَوَّيت بينَهم؟» (١). ولم يَقُلْ: ألك وَلدٌ غيرُه ذَكرٌ أو أُنثى؟ وذلك لا يَكونُ إلا وحُكمُ الأُنثَى فيه كحُكمِ الذَّكرِ، ولولا ذلك لمَا ذكَرَ التَّسويةَ إلا بعدَ عِلمِه أنَّهم ذُكورٌ كلُّهم، فلمَّا أمسَكَ عن البَحثِ عن ذلك ثبَتَ استِواءُ حُكمِهم في ذلك عندَه. وفارَقَ الإرثَ بأنَّ الوارِثَ راضٍ بما فرَضَ اللهُ له، بخِلافِ هذا، وبأنَّ الذَّكرَ والأُنثَى إنَّما يَختلِفان في المِيراثِ بالعُصوبةِ، أمَّا بالرَّحمِ المُحدَّدةِ فهما فيها سَواءٌ، كالإخوةِ والأخواتِ من الأُمِّ، والهِبةُ للأولادِ أُمرَ بها صِلةً للرَّحمِ (٢).

стр. 7567

وفي قَولٍ للشافِعيةِ يُفضَّلُ الأُنثَى على الذَّكرِ. وأمَّا الإمامُ مالِكٌ فقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀ عنه: لا أحفَظُ لمالِكٍ في هذه المَسألةِ قَولًا (١). وقالَ الخَرشيُّ والصاويُّ ﵀: وأمَّا هِبةُ الرَّجلِ لبَعضِ وَلدِه مالَه كلَّه أو جُلَّه فمَكروهٌ اتِّفاقًا، ويُكرهُ أيضًا أنْ يُعطيَ مالَه كلَّه لأولادِه، ويَقسمَه بينَهم بالسَّويةِ إنْ كانوا ذُكورًا وإناثًا، وإنْ قسَّمَه بينَهم على قَدرِ مَواريثِهم فذلك جائِزٌ (٢). التَّساوي في الهِبةِ بينَ الزَّوجاتِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه يُستحبُّ للرَّجلِ إذا كانَ مُتزوجًا أكثَرَ من امرَأةٍ أنْ يَعدلَ بينَهنَّ في العَطايا والهِباتِ … إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا، هل يَجبُ عليه أنْ يَعدلَ بينَهنَّ أو يُستحبُّ ولا يَجبُ؟ وهذا في غيرِ النَّفقةِ الواجِبةِ من الكِسوةِ والسُّكنَى والمَأكلِ والمَشربِ. فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُستحبُّ العَدلُ والتَّساوِي بينَ الزَّوجاتِ في الهِباتِ ولا يَجبُ. قالَ الإمامُ أَبو الوَليدِ الباجيُّ ﵀: والضَّربُ الثالِثُ من الإِيثارِ أنْ يُعطيَ كلَّ واحِدةٍ منهما من النَّفقةِ والكِسوةِ والمُؤنةِ ما يَجبُ لها، ثم يُؤثِرُ إحداهُما بأنْ يَكسوَها الخَزَّ والحَريرَ والحُليَّ، ففي «العُتبيةِ» ومِن رِوايةِ ابنِ

стр. 7568

القاسِمِ عن مالِكٍ أنَّ ذلك له، فهذا الضَّربُ من الإِيثارِ، ليسَ لمَن وُفِّيت حَقَّها أنْ تَمنعَ الزِّيادةَ لضُرَّتِها، لا يُجبَرُ عليه الزَّوجُ وإنَّما له فَعلُه إذا شاءَ (١). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: مالِكٌ: ويَعدلُ بينَهنَّ في النَّفقةِ والكِسوةِ إذا كُنَّ مُعتدِلاتِ الحالِ، ولا يَلزمُ ذلك في مُختلِفاتِ المَناصبِ، وأجازَ مالِكٌ أنْ يُفضِّلَ إحداهُما في الكِسوةِ على غيرِ وَجهِ المَيلِ، فأمَّا الحُبُّ والبُغضُ فخارجان عن الكَسبِ فلا يَتأتَّى العَدلُ فيهما (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وليسَ عليه التَّسويةُ بينَ نِسائِه في النَّفقةِ والكِسوةِ إذا قامَ بالواجِبِ لكلِّ واحِدةٍ منهن، قالَ أحمدُ في الرَّجلِ له امرأتان: له أنْ يُفضِّلَ إحداهُما على الأُخرى في النَّفقةِ والشَّهواتِ والكِسوةِ إذا كانَت الأُخرى في كِفايةٍ، ويَشتريَ لهذه أرفَعَ من ثَوبِ هذه، وتَكونَ تلك في كِفايةٍ، وهذا لأنَّ التَّسويةَ في هذا كلِّه تَشقُّ، فلو وجَبَ لم يُمكنْه القيامُ به إلا بحَرجٍ فسقَطَ وُجوبُه كالتَّسويةِ في الوَطءِ (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَجبُ عليه التَّسويةُ بينَ سائِرِ أَقاربِه ولا إِعطاؤُهم على قَدرِ مَواريثِهم، سَواءٌ كانوا من جِهةٍ واحِدةٍ كإِخوةٍ وأَخواتٍ وأعمامٍ وبَني عَمٍّ، أو من جِهاتٍ كبَناتٍ وأَخواتٍ وغيرِهم؛ لأنَّها عَطيةٌ لغيرِ الأولادِ في صِحتِه فلم تَجبْ عليه التَّسويةُ كما لو كانوا غيرَ وارِثينَ، ولأنَّ

стр. 7569

الأصلَ إِباحةُ تَصرُّفِ الإِنسانِ في مالِه كيف شاءَ، وإنَّما وجَبَت التَّسويةُ بينَ الأَولادِ بالخبَرِ، وليسَ غيرُهم في مَعناهم؛ لأنَّهم استَوَوْا في وُجوبِ بِرِّ والدِهم فاستَوَوْا في عَطيتِه، وبهذا علَّلَ النَّبيُّ ﷺ حين قالَ: «أيَسُرُّك أنْ يَستَووا في بِرِّك؟ قالَ: نَعمْ. قالَ: فسَوِّ بينَهم»، ولم يُوجدْ هذا في غيرِهم، ولأنَّ للوالِدِ الرُّجوعَ فيما أعطَى وَلدَه فيُمكنُه أنْ يُسويَ بينَهم باستِرجاعِ ما أَعطاه لبَعضِهم، ولا يُمكنُ ذلك في غيرِهم، ولأنَّ الأَولادَ لشِدةِ مَحبةِ الوالِدِ لهم وصَرفِ مالِه إليهم عادةً يَتنافَسون في ذلك ويَشتدُّ عليهم تَفضيلُ بَعضِهم، ولا يُساويهم في ذلك غيرُهم، فلا يَصحُّ قياسُه عليهم، ولا نَصَّ في غيرِهم، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قد علِمَ لبَشيرٍ زَوجةً ولم يأمُرْه بإِعطائِها شَيئًا حين أمَرَه بالتَّسويةِ بينَ أَولادِه، ولم يَسألْه: هل لك وارِثٌ غيرُ وَلدِك؟ (١). وقالَ البُهوتيُّ والرُّحيبانِيُّ ﵀: ويَجبُ على واهِبِ ذَكرٍ أو أُنثَى تَعديلٌ بينَ مَنْ يَرثُ من الواهِبِ بقَرابةٍ لا زَوجيةٍ ووَلاءٍ، فلا يَجبُ التَّعديلُ بينَهم، أي: بينَ الزَّوجاتِ والمَوالي، فلا يَجبُ التَّعديلُ بينَهم في الهِبةِ بخِلافِ القَرابةِ (٢).

стр. 7570

الرُّكنان الثانِي والثالِثُ: العاقِدان: أولاً: الواهِبُ: يُشترطُ لصِحةِ الهِبةِ أنْ يَكونَ الواهِبُ جائِزَ التَّبرعِ بأنْ يَكونَ بالِغًا عاقِلًا رَشيدًا حُرًّا غيرَ مُرتدٍّ ولا مَحجورٍ عليه، إمَّا كُليًّا كالسَّفيهِ والمُفلِسِ وإمَّا فيما زادَ على الثُّلثِ كالمَريضِ والزَّوجةِ عندَ المالِكيةِ كما سيأتي. أولاً: البُلوغُ: فلا تَصحُّ هِبةُ الصَّبيِّ: اشتَرطَ عامةُ الفُقهاءِ لصِحةِ الهِبةِ أنْ يَكونَ الواهِبُ بالِغًا، وعليه فلا تَصحُّ هِبةُ الصَّبيِّ. والصَّبيُّ إمَّا أنْ يَكونَ غيَر مُميِّزٍ وإمَّا أنْ يَكونَ مُميِّزًا: الحالةُ الأُولى: هِبةُ الصَّبيِّ غيرِ المُميِّزِ: لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في عَدمِ صِحةِ هِبةِ الصَّبيِّ غيرِ المُميِّزِ؛ لأنَّ الهِبةَ تَبرعٌ فلا يَملكُها مَنْ لا يَملكُ التَّبرعَ، فلا تَجوزُ هِبتُه؛ لأنَّه لا يَملكُ

стр. 7571

التَّبرعَ لكَونِه ضَررًا مَحضًا لا يُقابلُه نَفعٌ دُنيويٌّ فلا يَملكُها الصَّبيُّ، فإذا وهَبَ فهِبتُه غيرُ مُعتبَرةٍ ولا يَترتَّبُ عليها إِلزامٌ ولا التِزامٌ (١). الحالةُ الثانيةُ: هِبةُ الصَّبيِّ المُميِّزِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ هِبةِ الصَّبيِّ المُميِّزِ هل تَصحُّ منه أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الصَّبيَّ لا تَصحُّ هِبتُه، سَواءٌ كانَ مُميِّزًا أو غيرَ مُميِّزٍ؛ لأنَّه يُشترطُ في الواهِبِ أنْ يَكونَ ممَّن يَملكُ التَّبرعَ؛ لأنَّ الهِبةَ تَبرعٌ فلا يَملكُها مَنْ لا يَملكُ التَّبرعَ، فلا تَجوزُ هِبةُ الصَّبيِّ؛ لأنَّه لا يَملكُ التَّبرعَ لكَونِه ضَررًا مَحضًا لا يُقابلُه نَفعٌ دُنيويٌّ فلا يَملكُها الصَّبيُّ (٢). إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: إذا وهَبَ هِبةَ ثَوابٍ بغيرِ إذنِ وَليِّه فالوَليُّ مُخيَّرٌ بينَ الإجازةِ والرَّدِّ.

стр. 7572

وأمَّا إنْ كانَت بغيرِ مُعاوضةٍ، كهِبتِه لبَعضِ مالِه وصَدقةٍ فلا تَصحُّ ولو أذِنَ فيها الوَليُّ (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى صِحةِ هِبتِه قِياسًا على صِحةِ إِبرائِه. قالَ المَرداويُّ ﵀: وظاهِرُه أنَّ هِبةَ الصَّبيِّ لا تَصحُّ ولو كانَ مُميِّزًا، وهو صَحيحٌ، وهو المَذهبُ، نَصَّ عليه، وعليه الأَصحابُ. وسُئلَ الإمامُ أحمدُ ﵀: مَتى تَصحُّ هِبةُ الغُلامِ؟ قالَ: ليسَ فيه اختِلافٌ إذا احتلَمَ أو يَصيرُ ابنَ خَمسَ عَشرةَ سَنةً. وذكَرَ بعضُ الأَصحابِ رِوايةً في صِحةِ إِبرائِه، فالهِبةُ مِثلُه (٢). هِبةُ الأبِ من مالِ ابنِه الصَّغيرِ: هِبةُ الأبِ من مالِ ابنِه إمَّا أنْ تَكونَ بغيرِ ثَوابٍ وإمَّا أنْ تَكونَ بثَوابٍ. الحالةُ الأُولى: أنْ تَكونَ الهِبةُ بغيرِ ثَوابٍ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه لا يَجوزُ للأبِ أو للوَصيِّ أنْ يَهبَ من مالِ ابنِه الصَّغيرِ شَيئًا من غيرِ شَرطِ العِوضِ؛ لأنَّ المُتبرعَ بمالِ الصَّغيرِ قُربانُ مالِه لا على وَجهِ الأحسَنِ، ولأنَّه لا يُقابلُه نَفعٌ دُنيويٌّ، وقد قالَ اللهُ تَعالى عزَّ شأنُه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ولأنَّه إذا لم يُقابِلْه عِوضٌ دُنيويٌّ كانَ التَّبرعُ ضَررًا مَحضًا وتُرِكت المَرحمةُ

стр. 7573

في حَقِّ الصَّغيرِ، فلا يَدخلُ تحتَ وِلايةِ الوَليِّ لقَولِه ﵊: «لا ضَررَ ولا ضِرارَ في الإِسلامِ»، وقَولِه ﵊: «مَنْ لا يَرحمْ صَغيرَنا فليسَ مِنَّا»، ولهذا لم يَملكْ طَلاقَ امرَأتِه وإِعتاقَ عَبدِه وسائِرَ التَّصرفاتِ الضارةِ المَحضةِ. الحالةُ الثانيةُ: أنْ تَكونَ الهِبةُ بثَوابٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا شرَطَ الأبُ العِوضَ وكانَت هِبةَ ثَوابٍ، هل يَجوزُ للأبِ أو الوَصيِّ أنْ يَهبَ من مالِ الصَّغيرِ بشَرطِ العِوضِ أو لا؟ فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ للأبِ أنْ يَهبَ من مالِ ابنِه الصَّغيرِ ولو كانَ بعِوضٍ؛ لأنَّه مَحجورٌ عليه في المالِ لحَقِّ نَفسِه، ولأنَّ كلَّ مَنْ لا يَملكُ التَّبرعَ لا يَملكُ الهِبةَ لا بعِوضٍ ولا بغيرِ عِوضٍ، ولأنَّ الهِبةَ بشَرطِ العِوضِ تَقعُ تَبرعًا ابتِداءً ثم تَصيرُ بَيعًا في الانتِهاءِ، بدَليلِ أنَّها تُفيدُ المِلكَ قبلَ القَبضِ، ولو وقَعَت بَيعًا من حينِ وُجودِها لَمَا توقَّفَ المِلكُ فيه على القَبضِ؛ لأنَّ البَيعَ يُفيدُ الملِكَ بنَفسِه، دَلَّ على أنَّها وقَعَت تَبرعًا ابتِداءً، وهؤلاء لا يَملِكونَ التَّبرعَ فلم تَصحَّ الهِبةُ حين وُجودِها، فلا يُتصورُ أنْ تَصيرَ بَيعًا بعدَ ذلك (١).

стр. 7574

إلا أنَّ الشافِعيةَ أَجازوا له أنْ يَهبَ من مالِ الصَّغيرِ إذا كانَت الهِبةُ بغِبطةٍ، قالَ الشَّيخُ زَكريا الأَنصاريُّ: ولا يَهبُ مالَه بثَوابٍ ولا غيرِه؛ لأنَّها تَبرعٌ، ولأنَّ الهِبةَ والعِتقَ لا يُقصدُ بهما العِوضُ، نَعمْ إنْ شرَطَ ثَوابًا مَعلومًا في الهِبةِ بغِبطةٍ جازَت بِناءً على ما مَرَّ في الخِيارِ من أنَّها إذا قُيِّدت بثَوابٍ مَعلومٍ كانَت بَيعًا (١). وذهَبَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ إلى أنَّه يَجوزُ للأبِ أنْ يَهبَ من مالِ الصَّغيرِ إذا كانَ بعِوضٍ؛ لأنَّ كلَّ من يَملكُ البَيعَ يَملكُ الهِبةَ بعِوضٍ، ولأنَّ الهِبةَ تَمليكٌ، فإذا شُرطَ فيها العِوضُ كانت تَمليكًا بعِوضٍ وهذا تَفسيرُ البَيعِ، وإنَّما اختَلفَت العِبارةُ، ولا عِبرةَ باختِلافِها بعدَ اتِّفاقِ المَعنى كلَفظِ البَيعِ مع لَفظةِ التَّمليكِ. ولهما أنَّ الهِبةَ بشَرطِ العِوضِ تَقعُ تَبرعًا ابتِداءً ثم تَصيرُ بَيعًا في الانتِهاءِ، بدَليلِ أنَّها تُفيدُ المِلكَ قبلَ القَبضِ، ولو وقَعَت بَيعًا من حينِ وُجودِها لَمَا توقَّفَ المِلكُ فيه على القَبضِ؛ لأنَّ البَيعَ يُفيدُ المِلكَ بنَفسِه، دَلَّ على أنَّها وقَعَت تَبرعًا ابتِداءً، وهؤلاء لا يَملِكونَ التَّبرعَ فلم تَصحَّ الهِبةُ حينَ وُجودِها فلا يُتصورُ أنْ تَصيرَ بَيعًا بعدَ ذلك (٢).

стр. 7575

وقالَ الحَنابِلةُ: يَجوزُ للوَليِّ هِبةُ مالِ الصَّغيرِ بشَرطِ أنْ يَكونَ العِوضُ قَدرَ قيمَتِه فأكثَرَ، أمَّا إنْ كانَ بأقَلَّ من قيمةِ المالِ المَوهوبِ فلا يَجوزُ؛ لأنَّه مِنْ قَبيلِ المُحاباةِ، وهو لا يَملكُها (١). ثانيًا: العَقلُ: لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المُسلِمينَ على أنَّه يُشترطُ في الواهِبِ أنْ يَكونَ عاقِلًا، فلا تَصحُّ هِبةُ المَجنونِ بحالٍ؛ لأنَّه يُشترطُ في الواهِبِ أنْ يَكونَ من أهلِ التَّبرعِ؛ لأنَّ الهِبةَ تَبرعٌ فلا يَملكُها مَنْ لا يَملكُ التَّبرعَ، فلا تَجوزُ هِبةُ المَجنونِ؛ لأنَّه لا يَملكُ التَّبرعَ لكَونِه ضَررًا مَحضًا لا يُقابلُه نَفعٌ دُنيويٌّ فلا يَملكُها المَجنونُ، كالطَّلاقِ والعِتاقِ (٢). وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ وُجوبَ الحَجرِ على مَنْ لم يَبلغْ وعلى مَنْ هو مَجنونٌ مَعتوهٌ أو مُطبِقٌ لا عَقلَ له، وأنَّ كلَّ ما أنفَذَ مَنْ ذكَرْنا في حالِ فَقدِ عَقلِه أو قبلَ بُلوغِه من هِبةٍ أو عِتقٍ أو بَيعٍ أو صَدقةٍ أنَّ ذلك باطِلٌ (٣).

стр. 7576

وقالَ القُرطبيُّ ﵀: فأمَّا الصَّغيرُ والمَجنونُ فلا خِلافَ في الحَجرِ عليهما (١). وقد تقدَّمَت المَسألةُ في كِتابِ الحَجرِ من مَوسوعتِنا هذه بالتَّفصيلِ. ثالِثًا: أنْ يَكونَ جائِزَ التَّصرفِ غيرَ مَحجورٍ عليه: اشترَطَ الفُقهاءُ في الواهِبِ أنْ يَكونَ جائِزَ التَّصرفِ غيرَ مَحجورٍ عليه، والحَجرُ نَوعانِ: النَّوعُ الأولُ: هِبةُ السَّفيهِ المَحجورِ عليه: اختَلفَ الفُقهاءُ في السَّفيهِ إذا وهَبَ لغيرِه هِبةً هل يَصحُّ هِبتُه أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الصاحِبانِ من الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ السَّفيهَ لا يَصحُّ تَبرعُه بهِبةٍ ولا بغيرِها من أنواعِ التَّبرعاتِ -وكذا المُعاوضاتُ على ما سبَقَ في الحَجرِ-؛ لأنَّه مَحجورٌ عليه، والمَحجورُ لا يَصحُّ تَصرفُه وإنَّما بطَلَت هِبتُه؛ لأنَّ الشأنَ في فِعلِه عَدمُ المَصلحةِ. قالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: لا تَصحُّ هِبةُ السَّفيهِ ولو أذِنَ فيها وَليُّه، وليسَ لوَليِّه أنْ يَهبَ من مالِه (٢). إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: إذا وهَبَ السَّفيهُ هِبةَ ثَوابٍ بغيرِ إذنِ وَليِّه فالوَليُّ مُخيَّرٌ بينَ الإِجازةِ والرَّدِّ.

стр. 7577

وأمَّا إنْ كانَت بغيرِ مُعاوضةٍ كهِبتِه لبَعضِ مالِه وصَدقةٍ فلا تَصحُّ ولو أذِنَ فيها الوَليُّ (١). وذهَبَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ إلى صِحةِ تَصرفِ السَّفيهِ إذا بلَغَ عاقِلًا ثم سفِهَ، ولا يُحجرُ على الحُرِّ البالِغِ العاقِلِ السَّفيهِ عندَه، وتَصرفُه في مالِه بهِبةٍ أو بغيرِها جائِزٌ وإنْ كانَ مُبذِّرًا مُفسِدًا يُتلِفُ مالَه فيما لا غَرضَ له فيه، ولا مَصلحةَ، سَواءٌ كانَ يُبذرُ مالَه في الخَيرِ أو الشَّرِّ. وإنَّما لم يُحجَرْ عليه عندَ أَبي حَنيفةَ لأنَّه مُخاطَبٌ عاقِلٌ، ولأنَّ في سَلبِ وِلايتِه إهدارَ آدَميتِه وإِلحاقَه بالبَهائمِ، وذلك أشَدُّ عليه من التَّبذيرِ وإضاعةِ المالِ، وهذا مما يَعرفُه ذَوو العُقولِ والنُّفوسِ الأبيَّةِ، ولا يَجوزُ تَحمُّلُ الضَّررِ الأَعلى لدَفعِ الضَّررِ الأدنَى (٢)، وقد تقدَّمَت المَسألةُ بتَفصيلِها في كِتابِ الحَجرِ.

стр. 7578

النَّوعُ الثاني: هِبةُ المَحجورِ عليه لفَلسٍ: المُفلسُ إمَّا أنْ يَهبَ قبلَ الحَجرِ عليه، وإمَّا أنْ يَهبَ بعدَ الحَجرِ عليه؛ فإنْ وهَبَ قبلَ الحَجرِ عليه فتَصرفُه نافِذٌ وهِبتُه صَحيحةٌ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وبهذا قالَ أَبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ، ولا نَعلمُ أحدًا خالَفَهم، ولأنَّه رَشيدٌ غيرُ مَحجورٍ عليه فنفَذَ تَصرفُه كغيرِه، ولأنَّ سَببَ المَنعِ الحَجرُ فلا يتقدَّمُ سَببُه، ولأنَّه مِنْ أهلِ التَّصرفِ ولم يُحجرْ عليه فأشبَهَ المَليءَ (١). وإنْ كانَ المالِكيةُ نَصُّوا على أنَّ مَنْ أحاطَ الدَّينُ بمالِه له ثَلاثُ حالاتٍ: الأُولى قبلَ التَّفليسِ: وهي مَنعُه وعَدمُ جَوازِ التَّصرفِ في مالِه بغيرِ عِوضٍ فيما لا يَلزمُه مما لم تَجرِ العادةُ بفِعلِه من هِبةٍ وصَدقةٍ وعِتقٍ وما أشبَهَ ذلك، كخِدمةٍ وإقرارٍ بدَينٍ لمَن يَتَّهمُ عليه ويَجوزُ بَيعُه وشِراؤُه (٢). وأمَّا إنْ وهَبَ بعدَ الحَجرِ عليه فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ إلى أنَّ هِبتَه بعدَ الحَجرِ عليه غيرُ نافِذةٍ؛ لأنَّه مَحجورٌ عليه بحُكمِ حاكِمٍ، فلم يَصحَّ تَصرُّفُه كالسَّفيهِ،

стр. 7579

ولأنَّ حُقوقَ الغُرماءِ تعلَّقَت بأعيانِ مالِه فلم يَصحَّ تَصرفُه فيها كالمَرهونةِ. وقالَ المالِكيةُ: هِبةُ مَنْ أحاطَ الدَّينُ بمالِه مَوقوفةٌ على إِجازةِ الغَريمِ؛ فإنْ أجازَها صحَّت وإلا لم تَصحَّ (١). وقالَ الشافِعيةُ في قَولٍ: يَقفُ تَصرفُه؛ فإنْ كانَ فيما بَقيَ من مالِه وَفاءُ الغُرماءِ نفَذَ وإلا بطَلَ (٢). وذهَبَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ إلى أنَّ المُفلسَ لا حَجرَ عليه فيَصحُّ تَصرفُه في مالِه (٣). قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا السُّفهاءُ والمُفلِسونَ فلا خِلافَ عندَ مَنْ يَقولُ بالحَجرِ عليهم أنَّ هِبتَهم غيرُ ماضيةٍ (٤). وقد تقدَّمَت المَسألةُ بالتَّفصيلِ في كِتابِ الحَجرِ، في حُكمِ الحَجرِ على المُفلسِ.

стр. 7580

رابِعًا: ألاَّ يَكونَ مُرتدًّا: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على عَدمِ صِحةِ الهِبةِ من المُرتدِّ؛ لأنَّ المُرتدَّ مَحجورٌ عليه في مالِه عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ تَرِكتَه فَيءٌ للمُسلِمينَ، ورُبَّما تصرَّفَ فيها تَصرُّفًا يَقصدُ به إِتلافَها ليُفوِّتَها عليهم (١). ونَصَّ الحَنفيةُ على أنَّ تَصرفاتِ المُرتدِّ من بَيعٍ وهِبةٍ وغيرِهما صَحيحةٌ قبلَ لُحوقِه بدارِ الحَربِ، ويَجوزُ له التَّعويضُ عنها، قالوا: مُسلمٌ وهَبَ لمُرتدٍّ هِبةً فعوَّضَه منها المُرتدُّ ثم قُتلَ أو لحِقَ بدارِ الحَربِ، جازَت الهِبةُ ولم يَجزْ تَعويضُه عندَ أَبي حَنيفةَ، وفي قَولِ أَبي يُوسفَ ومُحمدٍ تَعويضُه صَحيحٌ كسائِرِ تَصرفاتِه، إلا أنَّه عندَ أَبي يُوسفَ يَكونُ من جَميعِ مالِه، وعندَ مُحمدٍ من ثُلثِه بمَنزلةِ سائِرِ تَصرفاتِ المُرتدِّ على وَجهِ التَّبرعِ؛ فإنْ كانَ المُرتدُّ هو الواهِبَ وقد عوَّضَه المَوهوبُ له مِنْ هِبتِه ثم قُتلَ أو لحِقَ بدارِ الحَربِ يَردُّ هِبتَه إلى وَرثتِه، ويَردُّ عِوضَه إلى صاحِبِه إنْ كانَ قائِمًا، وإنْ كانَ قد استَهلكَه كانَ ذلك دَينًا في مالِ المُرتدِّ، سَواءٌ كانَ الآخَرُ علِمَ بارتِدادِه أو لم يَعلمْ (٢).

стр. 7581

خامِسًا: أنْ يَكونَ مالِكًا للمَوهوبِ (فلا تَصحُّ هِبةُ الفُضوليِّ): اشتَرطَ جُمهورُ الفُقهاءِ في الواهِبِ أنْ يَكونَ مالِكًا للمَوهوبِ … وعليه اختَلَفوا في هِبةِ الفُضوليِّ، هل تَصحُّ هِبتُه أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ هِبةَ الفُضوليِّ صَحيحةٌ غيرُ لازِمةٍ؛ فإنْ أمضاه المالِكُ مَضى، وإنْ رَدَّه رُدَّ؛ لأنَّ المالِكَ إذا أجازَه كانَ في الحَقيقةِ صادِرًا منه. قالَ ابنُ نَجيمٍ ﵀: وأمَّا وَصيةُ الفُضوليِّ -كما إذا أوصى بألفٍ من مالِ غيرِه أو بعَينٍ مِنْ مالِه فأجازَ المالِكُ- فهو مُخيَّرٌ إنْ شاءَ سلَّمَها وإنْ شاءَ لم يُسلِّمْ، كالهِبةِ، كذا في «القُنية» من الوَصايا. وبه عُلمَ حُكمُ هِبةِ الفُضوليِّ، وسَيأتي في الصُّلحِ بَيانُ صُلحِ الفُضوليِّ. والظاهِرُ من فُروعِهم أنَّ كلَّ ما صَحَّ التَّوكيلُ به؛ فإنَّه إذا باشَرَه الفُضوليُّ يَتوقَّفُ، إلا الشِّراءَ بشَرطِه السابِقِ (١). وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: ومنها أنْ يَكونَ مَملوكًا للواهِبِ، فلا تَجوزُ هِبةُ مالِ الغيرِ بغيرِ إذنِه لاستِحالةِ تَمليكِ ما ليسَ بمَملوكٍ (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في المَذهبِ

стр. 7582

والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترطُ في الواهِبِ أنْ يَكونَ مالِكًا للمَوهوبِ، وعليه لا تَصحُّ هِبةُ الفُضوليِّ. قالَ المالِكيةُ: هِبةُ الفُضوليِّ باطِلةٌ بخِلافِ بَيعِه؛ فإنَّه صَحيحٌ، وإنْ كانَ غيرَ لازِمٍ، فيَجوزُ للمُشتَري التَّصرفُ في المَبيعِ قبلَ إِمضاءِ المالِكِ البَيعَ؛ لأنَّ صِحةَ العَقدِ تُرتِّبُ أثَرَه عليه مِنْ جَوازِ التَّصرفِ في المَعقودِ عليه، والفَرقُ بينَ بَيعِ الفُضوليِّ وهِبتِه أنَّ بَيعَه في نَظيرِ عِوضٍ يَعودُ على المالِكِ بخِلافِ هِبتِه، ومِثلُها وَقفُه وصَدقتُه وعِتقُه، فمَتى صدَرَ واحِدٌ من هذه الأربَعةِ من فُضوليٍّ كانَ باطِلًا ولو أجازَه المالِكُ. وذكَرَ بَعضُهم أنَّ وَقفَه وهِبتَه وصَدقتَه وعِتقَه كبَيعِه في أنَّ كلًّا صَحيحٌ غيرُ لازِمٍ؛ فإنْ أَمضاه المالِكُ مَضى، وإنْ رَدَّه رَدُّوا، قالَ الدُّسوقيُّ: اختارَه شَيخُنا العَدويُّ؛ لأنَّ المالِكَ إذا أجازَه كانَ في الحَقيقةِ صادِرًا منه (١). وقد تقدَّمَت المَسألةُ بشَيءٍ من التَّفصيلِ في المُجلدِ السادِسِ في كِتابِ البُيوعِ، في حُكمِ بَيعِ الفُضوليِّ.

стр. 7583

سادسًا: ألاَّ تَزيدَ هِبةُ المَرأةِ المُتزوجةِ على الثُّلثِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه إذا وهَبَت المَرأةُ أقَلَّ من ثُلثِ مالِها فهِبتُها صَحيحةٌ نافِذةٌ. إلا أنَّهم اختَلَفوا فيما لو وهَبَت أكثَرَ من ثُلثِ مالِها، هل يَصحُّ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَرأةَ إذا بلَغَت واجتمَعَ لها عَقلُها جازَ لها التَّصرفُ في مالِها بالهِبةِ أو غيرِها بِكرًا كانت أو ثَيِّبًا، ولا فَرقَ بينَها وبينَ البالِغِ من الرِّجالِ، فما جازَ من عَطايا الرَّجلِ البالِغِ الرَّشيدِ جازَ من عَطائِها (١). واستدَلَّ الجُمهورُ على ذلك بما رَواه البُخاريُّ: في بابِ هِبةِ المَرأةِ لغيرِ زَوجِها وعِتقِها إذا كانَ لها زَوجٌ فهو جائِزٌ إذا لم تَكنْ سَفيهةً، فإذا كانَت سَفيهةً لم يَجزْ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]: حدَّثَنا أَبو عاصِمٍ عن ابنِ جُرَيجٍ عن ابنِ أَبي مُليكةَ عن عَبادِ بنِ عبدِ اللهِ عن أَسماءَ ﵂ قالَت: قُلتُ يا رَسولَ اللهِ: ما لي مالٌ إلا ما أدخَلَ علَيَّ الزُّبَيرُ فأتَصدَّقُ. قالَ: «تَصدَّقي ولا تُوعي فيُوعَى عليك».

стр. 7584

حدَّثَنا عُبَيدُ اللهِ بنُ سَعيدٍ حدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ نُميرٍ حدَّثَنا هِشامُ بنُ عُروةَ عن فاطِمةَ عن أَسماءَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «أنفِقي ولا تُحصي فيُحصيَ اللهُ عليكِ، ولا تُوعي فيُوعيَ اللهُ عليك». حدَّثَنا يَحيى بنُ بُكيرٍ عن اللَّيثِ عن يَزيدَ عن بُكَيرٍ عن كُرَيبٍ مَولى ابنِ عَباسٍ أنَّ مَيمونةَ بِنتَ الحارِثِ ﵂ أخبَرتْه أنَّها أعتَقَت وَليدةً ولم تَستأذنِ النَّبيَّ ﷺ ، فلمَّا كانَ يَومُها الذي يَدورُ عليها فيه قالَت: أشعَرتَ يا رَسولَ اللهِ أنِّي أعتَقتُ وَليدَتي؟ قالَ: أوَفعَلت؟ قالَت: نَعمْ. قالَ: أمَا إنَّكِ لو أَعطَيتِها أَخوالَك كانَ أعظَمَ لأَجرِك. وقالَ بَكرُ بنُ مُضرَ عن عَمرٍو عن بُكيرٍ عن كُرَيبٍ أنَّ مَيمونةَ أعتَقَت. قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرَ ﵀: قَولُه: بابُ هِبةِ المَرأةِ لغيرِ زَوجِها وعِتقِها إذا كانَ لها زَوجٌ -أي: ولو كانَ لها زَوجٌ- فهو جائِزٌ إذا لم تَكنْ سَفيهةً، فإذا كانتَ سَفيهةً لم يَجزْ، وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] وبهذا الحُكمِ قالَ الجُمهورُ، وخالَفَ طاوُوسٌ فمنَعَ مُطلقًا، وعن مالِكٍ: لا يَجوزُ لها أنْ تُعطيَ بغيرِ إذنِ زَوجِها، ولو كانَت رَشيدةً إلا من الثُّلثِ، وعن اللَّيثِ لا يَجوزُ مُطلقًا إلا في الشَّيءِ التافِهِ، وأدِلةُ الجُمهورِ من الكِتابِ والسُّنةِ كَثيرةٌ، واحتُجَّ لطاوُوسٍ بحَديثِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه رفَعَه: «لا تَجوزُ عَطيةُ امرأةٍ في مالِها إلا بإذنِ زَوجِها» أخرَجَه أبو داودَ والنَّسائيُّ. وقالَ ابنُ بَطَّالٍ: وأَحاديثُ البابِ أصَحُّ، وحمَلَها مالِكٌ على الشَّيءِ اليَسيرِ وجعَلَ حَدَّه الثُّلثَ فما دونَه، وذكَرَ المُصنفُ منها ثَلاثةَ أَحاديثَ (١).

стр. 7585

وذهَبَ المالِكيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ هِبةَ المَرأةِ ذاتِ الزَّوجِ في الزائِدِ على ثُلثِ مالِها صَحيحةٌ، لكنْ مَوقوفةٌ على إذنِ زَوجِها؛ فإنْ أجازَ ما زادَ على الثُّلثِ نفَذَ وإلا فلا (١). والدَّليلُ على أنَّ المَرأةَ مَحجورةٌ لزَوجِها في تَبرُّعِها بما زادَ على الثُّلثِ قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَجوزُ لامرَأةٍ أمرٌ في مالِها إذا ملَكَ زَوجُها عِصمتَها». وفي رِوايةٍ: «لا يَجوزُ لامرَأةٍ عَطيةٌ إلا بإذنِ زَوجِها» (٢) أي: فيما زادَ على الثُّلثِ؛ لأنَّ الثُّلثَ يَجوزُ التَّصرفُ فيه بإِجماعِ العُلماءِ، فثبَتَ أنَّ الثُّلثَ فما دونَه خارِجٌ عن عُمومِ الخَبَرِ. ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «تُنكحُ المَرأةُ لأربَعٍ: لمالِها، ولحَسبِها، ولجَمالِها … » (٣). وذلك يُفيدُ أنَّ للزَّوجِ حَقًّا في تَبقيةِ مالِها بيَدِها. ولأنَّ العادةَ جاريةٌ بأنَّ الزَّوجَ يَتجمَّلُ بمالِ زَوجتِه وله فيه مَعونةٌ وتَبقيةٌ، ويُبينُ ذلك أنَّ مَهرَ المِثلِ يَقِلُّ ويَكثُرُ بحَسبِ مالِها وكَثرتِه، كما يَقلُّ

стр. 7586

ويَكثرُ بحَسبِ بُروزِها في الجَمالِ، وإذا ثبَتَ ذلك فليسَ لها إِبطالُ غَرضِ الزَّوجِ مما لأجلِه رغِبَ في نِكاحِها وكمُلَ لأجلِه صَداقُها. وجاءَ في «المُدونةِ الكُبرى»: قُلتُ: أرأيتَ رَجلًا تزوَّجَ امرَأةً على مِئةِ دينارٍ وهي ممَّن يَجوزُ قَضاؤُها في مالِها فوهَبَت مَهرَها لرَجلٍ أجنَبيٍ قبلَ أنْ تَقبضَه من الزَّوجِ وقبلَ أنْ يَبتنيَ بها الزَّوجُ، أيَجوزُ ذلك أو لا في قَولِ مالِكٍ؟ (قال): قالَ مالِكٌ في هِبةِ المَرأةِ ذاتِ الزَّوجِ: إنَّه يَجوزُ ما صنَعَت في ثُلثِ مالِها؛ فإنْ كانَ ثُلثُ مالِها يَحملُ ذلك جازَت هِبتُها هذه، وإنْ كانَ ثُلثُ مالِها لا يَحملُ ذلك لم يَجزْ من ذلك، قَليلٌ ولا كَثيرٌ، كذلك قالَ مالِكٌ في كلِّ شَيءٍ صنَعَته المَرأةُ ذاتُ الزَّوجِ في مالِها. (قُلتُ): فإنْ كانَ ثُلثُ مالِها يَحملُ ذلك؟ (قال): ذلك جائِزٌ عندَ مالِكٍ إذا كانت ممَّن يَجوزُ أمرُها (١). وقالَ ابنُ قَدامةَ ﵀: الجاريةُ إذا بلَغَت وأُونِسَ رُشدُها بعدَ بُلوغِها دُفعَ إليها مالُها وزالَ الحَجرُ عنها، وإنْ لم تَتزوَّجْ، وبهذا قالَ عَطاءٌ والثَّوريُّ وأَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ وابنُ المُنذرِ. ونقَلَ أَبو طالِبٍ عن أحمدَ: لا يُدفعُ إلى الجاريةِ مالُها بعدَ بُلوغِها حتى تَتزوَّجَ وتَلِدَ، أو يَمضيَ عليها سَنةٌ في بَيتِ الزَّوجِ، رُويَ ذلك عن عُمرَ، وبه قالَ شُرَيحٌ والشَّعبيُّ وإِسحاقُ؛ لمَا رُويَ عن شُرَيحٍ أنَّه قالَ: عهِدَ إلَيَّ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ «ألَّا أُجيزَ لجاريةٍ عَطيةً حتى تَحولَ في بَيتِ

стр. 7587

زَوجِها حَولًا أو تَلِدَ وَلدًا» رَواه سَعيدٌ في سُننِه، ولا يُعرفُ له مُخالفٌ فصارَ إِجماعًا. وقالَ مالِكٌ: لا يَدفعُ إليها مالَها حتى تَتزوَّجَ ويَدخلَ عليها زَوجُها؛ لأنَّ كلَّ حالةٍ جازَ للأبِ تَزويجُها من غيرِ إذنِها لم يَنفكَّ عنها الحَجرُ كالصَّغيرةِ. ولنا: عُمومُ قَولِه تَعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، ولأنَّها يَتيمةٌ بلَغَت وأُونِسَ منها الرُّشدُ فيُدفعُ إليها مالُها كالرَّجلِ، ولأنَّها بالِغةٌ رَشيدةٌ جازَ لها التَّصرفُ في مالِها كالتي دخَلَ بها الزَّوجُ. وحَديثُ عُمرَ -إنْ صَحَّ- لم يُعلمِ انتِشارُه في الصَّحابةِ، ولا يُتركُ به الكِتابُ والقياسُ، على أنَّ حَديثَ عُمرَ مُختصٌّ بمَنعِ العَطيةِ فلا يَلزمُ منه المَنعُ من تَسليمِ مالِها إليها ومَنعُها من سائِرِ التَّصرفاتِ، ومالِكٌ لم يَعملْ به وإنَّما اعتمَدَ على إِجبارِ الأبِ لها على النِّكاحِ، ولنا أنْ نَمنعَ ذلك وإنْ سلَّمناه؛ فإنما أجبَرَها على النِّكاحِ؛ لأنَّ اختبارَها للنِّكاحِ ومَصالِحِه لا يُعلمُ إلا بمُباشرتِه، والبَيعُ والشِّراءُ والمُعاملاتُ مُمكِنةٌ قبلَ النِّكاحِ، وعلى هذه الرِّوايةِ إذا لم تَتزوَّجْ أصلًا احتمَلَ أنْ يَدومَ الحَجرُ عليها، عَملًا بعُمومِ حَديثِ عُمرَ، ولأنَّه لم يُوجَدْ شَرطُ دَفعِ مالِها إليها فلم يَجزْ دَفعُه إليها كما لو لم تَرشُدْ، وقالَ القاضِي: عندي أنَّه يُدفعُ إليها مالُها إذا عنَّسَت وبرَزَت للرِّجالِ، يَعني كبِرَت.

стр. 7588

فَصلٌ: وظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ أنَّ للمَرأةِ الرَّشيدةِ التَّصرفُ في مالِها كلِّه بالتَّبرعِ والمُعاوضةِ، وهذه إحدَى الرِّوايتَينِ عن أحمدَ، وهو مَذهبُ أَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وابنِ المُنذرِ. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرى: ليسَ لها أنْ تَتصرَّفَ في مالِها بزِيادةٍ على الثُّلثِ بغيرِ عِوضٍ إلا بإذنِ زَوجِها، وبه قالَ مالِكٌ، وحُكي عنه في امرَأةٍ حلَفَت أنْ تُعتِقَ جاريةً ليسَ لها غَيرُها فحنَثَت ولها زَوجٌ فرَدَّ ذلك عليها زَوجُها، قالَ: له أنْ يَردَّ عليها وليسَ لها عِتقٌ؛ لمَا رُويَ «أنَّ امرَأةَ كَعبِ بنِ مالِكٍ أتَتِ النَّبيَّ ﷺ بحُليٍّ لها فقالَ لها النَّبيُّ ﷺ : «لا يَجوزُ للمَرأةِ عَطيةٌ حتى يأذَنَ زَوجُها، فهل استأذَنتِ كَعبًا؟» فقالَت: نَعمْ. فبعَثَ رَسولُ اللهِ ﷺ إلى كَعبٍ فقالَ: «هل أذِنتَ لها أنْ تَتصدَّقَ بحُليِّها؟» قالَ: نَعمْ. فقبِلَه رَسولُ اللهِ ﷺ » رَواه ابنُ ماجَه، رُويَ أيضًا عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ في خُطبةٍ خطَبَها: «لا يَجوزُ لامرَأةٍ عَطيةٌ في مالِها إلا بإذنِ زَوجِها؛ إذْ هو مالِكُ عِصمتِها» (١). رَواه أبو داودَ ولَفظُه عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَجوزُ لامرأةٍ عَطيةٌ إلا بإذنِ زَوجِها»، ولأنَّ حَقَّ الزَّوجِ مُتعلِّقٌ بمالِها؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «تُنكحُ المَرأةُ لمالِها وجَمالِها ودِينِها»، والعادةُ أنَّ الزَّوجَ يَزيدُ في مَهرِها من أجلِ مالِها ويَتبسَّطُ فيه ويَنتفعُ به، فإذا أعسَرَ بالنَّفقةِ أنظَرتْه فجَرى ذلك مجرَى حُقوقِ الوَرثةِ المُتعلقةِ بمالِ المَريضِ.

стр. 7589

ولنا: قَولُه تَعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وهو ظاهِرٌ في فكِّ الحَجرِ عنهم وإطلاقِهم في التَّصرفِ. وقد ثبَتَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «يا مَعشرَ النِّساءِ تَصدَّقنَ ولو مِنْ حُليِّكنَّ» (١)، وإنَّهنَّ تصدَّقنَ فقبِلَ صَدقتَهنَّ ولم يَسألْ ولم يَستفصِلْ، وأتَته زَينبُ امرأةُ عبدِ اللهِ وامرأةٌ أُخرى اسمُها زَينبُ فسألَتْه عن الصَّدقةِ، هل يَجزيهِنَّ أنْ يَتصدَّقنَ على أزواجِهنَّ وأيتامٍ لهُنَّ؟ فقالَ: نَعَمْ. ولم يَذكُرْ لهُنَّ هذا الشَّرطَ، ولأنَّ مَنْ وجَبَ دَفعُ مالِه إليه لرُشدِه جازَ له التَّصرفُ فيه من غيرِ إذنٍ كالغُلامِ، ولأنَّ المَرأةَ من أهلِ التَّصرفِ ولا حَقَّ لزَوجِها في مالِها، فلم يَملكِ الحَجرَ عليها في التَّصرفِ بجَميعِه كأُختِها، وحَديثُهم ضَعيفٌ وشُعيبٌ لم يُدركْ عبدَ اللهِ بنَ عَمرٍو فهو مُرسلٌ، وعلى أنَّه مَحمولٌ على أنَّه لا يَجوزُ عَطيتُها لمالِه بغيرِ إذنِه بدَليلِ أنَّه يَجوزُ عَطيتُها ما دونَ الثُّلثِ من مالِها، وليسَ معهم حَديثٌ يَدلُّ على تَحديدِ المَنعِ بالثُّلثِ، فالتَّحديدُ بذلك تَحكُّمٌ ليسَ فيه تَوقيفٌ ولا عليه دَليلٌ، وقياسُهم على المَريضِ غيرُ صَحيحٍ لوُجوهٍ: أحدُها: أنَّ المَرضَ سَببٌ يُفضي إلى وُصولِ المالِ إليهم بالميراثِ، والزَّوجيةُ إنَّما تَجعلُه من أهلِ الميراثِ، فهي أحدُ وَصفَيِ العِلةِ فلا يَثبتُ الحُكمُ بمُجرَّدِها، كما لا يَثبتُ للمَرأةِ الحَجرُ على زَوجِها ولا لسائِرِ الوَرثةِ بدونِ المَرضِ.

стр. 7590

الثاني: أنَّ تَبرعَ المَريضِ مَوقوفٌ؛ فإنْ بَرئَ من مَرضِه صَحَّ تَبرعُه، وههنا أبطَلوه على كلِّ حالٍ، والفَرعُ لا يَزيدُ على أصلِه. الثالِثُ: أنَّ ما ذكَروه مُنتقَضٌ بالمَرأةِ؛ فإنَّها تَنتفعُ بمالِ زَوجِها وتَتبسَّطُ فيه عادةً ولها النَّفقةُ منه، وانتِفاعُها بمالِه أكثَرُ من انتِفاعِه بمالِها، وليسَ لها الحَجرُ عليه، وعلى أنَّ هذا المَعنى ليسَ مَوجودًا في الأصلِ، ومِن شَرطِ صِحةِ القياسِ وُجودُ المَعنى المُثبِتِ للحُكمِ في الأصلِ والفَرعِ جَميعًا (١). سابِعًا: هِبةُ المَريضِ: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الواهِبَ إذا كانَ صَحيحًا غيرَ مَريضٍ مَرضَ المَوتِ مالِكًا للمَوهوبِ مُطلَقَ اليَدِ أنَّ هِبتَه صَحيحةٌ نافِذةٌ في جَميعِ مالِه. وكذلك اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المَريضَ إذا وهَبَ في حالِ مَرضِه (٢) وقُبضَت عنه أنَّها تَكونُ في ثُلثِ مالِه كسائِرِ وَصاياه؛ فإنِ احتمَلَها الثُّلثُ أُمضيَت وإلا رُدَّت؛ لأنَّها في حُكمِ الوَصيةِ، وإنِ احتمَلَ الثُّلثُ بَعضَها أُمضيَ منها قَدرُ ما احتمَلَه الثُّلثُ إلا أنْ يُجيزَه الوارِثُ فيَصحَّ في الجَميعِ، واحتَجُّوا على ذلك بما رَواه الشَّيخانِ عن سُفيانَ بنِ عُيَينةَ وإِبراهيمَ بنِ سَعدٍ عن الزُّهريِّ عن عامِرِ بنِ

стр. 7591

سَعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ عن أبيه ﵁ قالَ: مرِضتُ بمَكةَ مَرضًا فأشفَيتُ منه على المَوتِ، فأتاني النَّبيُّ ﷺ يَعودُني، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ لي مالًا كَثيرًا وليسَ يَرثُني إلا ابنَتي، أفأتَصدَّقُ بثُلثَيْ مالي؟ قالَ: «لا». قالَ: قُلتُ: فالشَّطرُ؟ قالَ: «لا». قُلتُ: الثُّلثُ؟ قالَ: «الثُّلثُ كَبيرٌ، إنَّك إنْ ترَكتَ وَلدَك أغنياءَ خَيرٌ من أنْ تَتركَهم عالةً يَتكفَّفون الناسَ» (١). قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا حَديثُ ابنِ شِهابٍ فلم يَختلفْ عنه أَصحابُه، لا ابنُ عُيَينةَ ولا غيرُه أنَّه قالَ فيه: «أفأتصَدَّقُ بمالي كلِّه أو بثُلثَيْ مالي» ولم يَقُلْ «أفأُوصي»؛ فإنْ صحَّت هذه اللَّفظةُ قَولُه: «أفأتَصدَّقُ» كانَ في ذلك حُجةٌ قاطِعةٌ لما ذهَبَ إليه جُمهورُ أهلِ العِلمِ في هِباتِ المَريضِ وصَدقاتِه وعِتقِه أنَّ ذلك من ثُلثِه لا من جَميعِ مالِه، وهو قَولُ مالِكٍ واللَّيثِ والأوزاعيِّ والثَّوريِّ والشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأَصحابِه وأحمدَ وعامةِ أهلِ الحَديثِ والرأيِ (٢). واحتَجُّوا أيضًا بما رَواه مُسلمٌ عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ ﵁ «أنَّ رَجلًا أعتَقَ سِتةَ مَملوكين له عندَ مَوتِه لم يَكنْ له مالٌ غيرُهم، فدَعا بهم رَسولُ اللهِ ﷺ فجَزَّأهم أثلاثًا، ثم أقرَعَ بينَهم، فأعتَقَ اثنَين وأرَقَّ أربَعةً، وقالَ له قَولًا شَديدًا» (٣). فجعَلَ النَّبيُّ ﷺ العِتاقَ في المَرضِ من الثُّلثِ،

стр. 7592

فكذلك الهِباتُ والصَّدقاتُ؛ لأنَّها كلَّها سَواءٌ في تَفويتِ المالِ، ولأنَّه في هذه الحالةِ لا يأمَنُ المَوتَ فجُعلَ كحالِ المَوتِ؛ فإنْ صَحَّ من مَرضِه فالهِبةُ صَحيحةٌ بالاتِّفاقِ وكذا إنْ برِئَ ثم مرِضَ وماتَ فهو من رأسِ المالِ؛ لأنَّه ليسَ بمَرضِ المَوتِ. وإنْ وهَبَ ما يُعتبَرُ قَبضُه وهو صَحيحٌ وأقبَضَه وهو مَريضٌ اعتُبِرَ من الثُّلثِ؛ لأنَّه لم يَلزمْ إلا بالقَبضِ الذي وُجدَ في المَرضِ (١). وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ ما يُحدِثُه المَريضُ المَخوفُ عليه في مَرضِه الذي يَموتُ فيه من هِبةٍ لأجنَبيٍّ أو صَدقةٍ أو عِتقٍ أنَّ ذلك في ثُلثِ مالِه، وأنَّ ما جاوَزَ ثُلثَه من ذلك مَردودٌ غيرُ جائِزٍ إنفاذُه. ودَلَّ خَبرُ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ عن رَسولِ اللهِ ﷺ في قِصةِ الرَّجلِ الذي أعتَقَ سِتةَ أعبُدٍ له عندَ مَوتِه فأعتَقَ اثنَين وأرَقَّ أربَعةً على مِثلِ ما أجمَعَ عليه أهلُ العِلم (٢).

стр. 7593

وقالَ ابنُ القَطانِ الفاسيُّ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ حُكمَ الهِباتِ في المَرضِ الذي يَموتُ فيه الواهِبُ حُكمُ الوَصايا، ويَكونُ من الثُّلثِ إذا كانت مَقبوضةً (١). وأجمَعوا على أنَّ المَريضَ إذا وهَبَ لرَجلٍ هِبةً وقبَضَها -وهي مما تَجوزُ فيه الهِباتُ- ثم برِئَ المَريضُ من مَرضِه ذلك أنَّه لا سَبيلَ له عليه، وعادَت بصِحتِه كأنَّه استَوهَب في الصِّحةِ، إلا اللَّيثَ بنَ سَعدٍ؛ فإنَّه قالَ: إنْ لم يُجدِّدْ تلك الهِبةَ في ذلك المَوهوبِ بطَلَت هِبتُه (٢). وأجمَعَ الجُمهورُ الذين هُمْ حُجةٌ على مَنْ خالَفَهم أنَّ هِباتِ المَريضِ المُثقَلِ وصَدقاتِه لا يَنفُذُ منها إلا ما حمَلَه ثُلثُه، وقالَ داودُ: عَطاياه جائِزةٌ نافِذةٌ في مالِه كلِّه؛ لأنَّه ليسَ بوَصيةٍ، وإنَّما الوَصيةُ ما يُستحَقُّ بمَوتِ المُوصي (٣). وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ ﵀: هِباتُ المَريضِ وعَطاياه وعِتقُه وكلُّ ما يُخرجُه من مالِه على غيرِ مُعاوضةٍ مَوقوفٌ غيرُ مُتنجَّزٍ؛ فإنْ صَحَّ لزِمَه، وإنْ ماتَ كانَ من الثُّلثِ. وقالَ داودُ: كلُّ ذلك جائِزٌ من رأسِ المالِ. فدَليلُنا قَولُه ﷺ : «إنَّ اللهَ جعَلَ لكم ثُلثَ أموالِكم عندَ مَوتِكم»، فأخبَرَ أنَّه ليسَ له إلا الثُّلثُ، فلم يُجِزْ زيادةً عليه، ولحَديثِ عِمرانَ

стр. 7594

ابنِ حُصَينٍ: «أنَّ رَجلًا أعتَقَ في مَرضِه سِتةَ أعبُدٍ له لا مالَ له غيرَهم، فبلَغَ ذلك النَّبيَّ ﷺ فتَغيَّظَ لذلك غَيظًا شَديدًا ثم دَعا بهم، فأقرَعَ بينَهم، فأعتَقَ منهم اثنَينِ وأرَقَّ أربَعةً»، ولأنَّ حُضورَ سَببِ المَوتِ جارٍ في ذلك مَجرى حُضورِ المَوتِ؛ فإنْ منَعوا ذلك دَلَّ عليه بإِجماعِ الصَّحابةِ؛ لأنَّ أَبا بَكرٍ ﵁ قالَ لعائِشةَ ﵂: «إنِّي كُنْتُ نحَلتُكِ جِذاذَ عِشرين وَسقًا، ولو كُنْتِ حُزتيه لكانَ ذلك، وإنَّما هو اليَومَ مالُ الوارِثِ»، فبيَّنَ أنَّ حَقَّ الوَرثةِ مُتعلِّقٌ به في هذه الحالِ، وإنَّ ذلك هو المانِعُ من تَسليمِه إليها، ولم يُخالِفْ عليه أحَدٌ، ولأنَّه ابتِداءُ عَطيةٍ في المَرضِ كالوَصيةِ (١). وقالَ جُمهورُ العُلماءِ وجَماعةُ أئِمةِ الفَتوى: هِباتُه وعَطاياه نافِذةٌ كلُّها إنْ صَحَّ من مَرضِه، وتَكونُ من رأسِ مالِه ويُراعى في العَطايا القَبضُ (٢).

стр. 7595

ثانيًا: المَوهوبُ له: يُشترطُ في المَوهوبِ له عندَ جَماهيرِ الفُقهاءِ أنْ يَكونَ فيه أهليةُ المِلكِ لمَا يُوهَبُ له من تَكليفٍ وغيرِه، فلا تَصحُّ لبَهيمةٍ (١). وأمَّا غيرُ المُكلفِ كالصَّغيرِ والمَحجورِ عليه فيَقبلُ عنه وَليُّه: قَبضُ الأبِ لابنِه الصَّغيرِ والمَجنونِ والسَّفيهِ: الابنُ إمَّا أنْ يَهبَ له الأبُ وإمَّا أنْ يَهبَ له أجنَبيٌّ … أولًا: هِبةُ الأبِ لابنِه وقَبضُ الأبِ للهِبةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الأبِ إذا وهَبَ لابنِه هِبةً، هل يَملكُها الابنُ بالعَقدِ أو لا بدَّ من القَبضِ؟ ذهَبَ جَماهيرُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الأبَ إذا وهَبَ لابنِه الصَّغيرِ هِبةً ملَكَها الابنُ بالعَقدِ؛ لأنَّ المَوهوبَ في قَبضِ الأبِ، فيَنوبُ عن قَبضِ الهِبةِ، ويَكفي فيها الإشهادُ، وليسَ بشَرطٍ احتياطًا؛ للتَّحرُّزِ عن جُحودِ الوَرثةِ بعدَ مَوتِه أو جُحودِه بعدَ إدراكِ الوَلدِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ وهَبَ الأبُ لابنِه شَيئًا قامَ مَقامَه في القَبضِ والقَبولِ إنِ احتيجَ إليه، قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه من أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا وهَبَ لوَلدِه الطِّفلِ دارًا بعَينِها أو عَبدًا بعَينِه وقبَضَه

стр. 7596

له من نَفسِه وأشهَدَ عليه أنَّ الهِبةَ تامةٌ، هذا قَولُ مالِكٍ والثَّوريِّ والشافِعيِّ وأَصحابِ الرأيِ، ورَوَينا مَعنى ذلك عن شُرَيحٍ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ (١). ثم إنْ كانَ المَوهوبُ مما يَفتقِرُ إلى قَبضٍ اكتُفيَ بقَولِه: «قد وهَبتُ هذا لابني وقبَضتُه له»؛ لأنَّه يُغني عن القَبولِ كما ذكَرنا، ولا يُغني قَولُه: قد قبِلتُه؛ لأنَّ القَبولَ لا يُغني عن القَبضِ، وإنْ كانَ مما لا يَفتقِرُ اكتُفيَ بقَولِه: قد وهَبتُ هذا لابني، ولا يَحتاجُ إلى ذِكرِ قَبضٍ ولا قَبولٍ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ هِبةَ الأبِ لابنِه الصَّغيرِ في حِجرِه لا تَحتاجُ إلى قَبضٍ، وأنَّ الإِشهادَ فيها يُغني عن القَبضِ، وأنَّ وَليَّها أَبوه؛ لمَا رَواه مالِكٌ عن الزُّهريِّ عن ابنِ المُسيِّبِ أنَّ عُثمانَ قالَ: «مَنْ نحَلَ وَلدًا له صَغيرًا لم يَبلُغْ أنْ يَحوزَ نُحلَه فأعلَنَ بها وأشهَدَ عليها فهي جائِزةٌ وإنْ وَليَها أَبوه» (٢). وقالَ القاضِي: لا بدَّ في هِبةِ الوَلدِ من أنْ يَقولَ: «قد قبِلتُه»، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ الهِبةَ عندَهم لا تَصحُّ إلا بإيجابٍ وقَبولٍ. وقد ذكَرنا من قَبلُ أنَّ قَرائنَ الأَحوالِ ودِلالتَها تُغني عن لَفظِ القَبولِ، ولا أدَلَّ على القَبولِ من كَونِ القابِلِ هو الواهِبَ، فاعتِبارُ لَفظٍ لا يُفيدُ مَعنًى من غيرِ وُرودِ الشَّرعِ به تَحكُّمٌ لا مَعنى له، مع مُخالفتِه لظاهِرِ حالِ النَّبيِّ ﷺ وصَحابتِه، وليسَ هذا مَذهبًا لأحمدَ، فقد قالَ في رِوايةِ حَربٍ

стр. 7597

في رَجلٍ أشهَدَ بسَهمٍ من ضَيعتِه وهي مَعروفةٌ لابنِه وليسَ له وَلدٌ غَيرُه، فقالَ: أحَبُّ إلَيَّ أنْ يَقولَ عندَ الإشهادِ: «قد قبَضتُ له». قيلَ له: فإنْ سَها؟ قالَ: إذا كانَ مُفرَزًا رَجوتُ. فقد ذكَرَ أحمدُ أنَّه يَكتَفي بقَولِه: «قد قبَضتُه»، وأنَّه يَرجو أنْ يَكتفيَ مع التَّمييزِ بالإِشهادِ فحَسبُ، وهذا مُوافِقٌ للإِجماعِ المَذكورِ عن سائِرِ العُلماءِ. وقالَ بعضُ أَصحابِنا: يَكتَفي بأحدِ لَفظَينِ: إمَّا أنْ يَقولَ: «قد قبِلتُه»، وإمَّا أنْ يَقولَ: «قبَضتُه»؛ لأنَّ القَبولَ يُغني عن القَبضِ، وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ ما ذكَرناه، ولا فَرقَ بينَ الأَثمانِ وغيرِها فيما ذكَرنا، وبه يَقولُ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ. وقالَ مالِكٌ: إنْ وهَبَ له ما يُعرَفُ بعَينِه كالأَثمانِ لم يَجزْ إلا أنْ يَضعَها على يَدِ غيرِه؛ لأنَّ الأبَ قد يُتلِفُ ذلك، ويتلفُ بغيرِ سَببِه، ولا يُمكنُ أنْ يُشهِدَ على شَيءٍ بعَينِه فلا يَنفعُ القَبضُ شيئًا. ولنا: أنَّ ذلك مما لا تَصحُّ هِبتُه، فإذا وهَبَه لابنِه الصَّغيرِ وقبَضَه له وجَبَ أنْ تَصحَّ كالعُروضِ (١). قالَ أَبو عُمرَ بنِ عبدِ البَرِّ ﵀ بعدَما ذكَرَ حَديثَ عُثمانَ السابِقَ: على قَضاءِ عُثمانَ في هِبةِ الأبِ لابنِه الصَّغيرِ جَماعةُ الفُقهاءِ بالحِجازِ والعِراقِ، إلا أنَّ أَصحابَنا يُخالِفون سائِرَ الفُقهاءِ في المَسكونِ والمَلبوسِ

стр. 7598

والمَوقوفِ، فلا يَروْن إشهادَ الأبِ في ذلك حيازةً حتى يَخرجَ منها مُدةً أقَلُّها سَنةٌ من المَسكونِ ليَظهرَ فِعلُه ذلك، وإذا ركِبَ ما يُركبُ أو لبِسَ ما يُلبسُ فقد رجَعَ في هِبتِه. وقد مَضى ما للعُلماءِ في رُجوعِ الأبِ وغيرِه في الهِبةِ والحَمدُ للهِ كَثيرًا. قالَ مالِكٌ: الأمرُ عندَنا أنَّ من نحَلَ ابنًا له صَغيرًا ذَهبًا أو وَرِقًا ثم هلَكَ وهو يَليه فلا شَيءَ للابنِ من ذلك، إلا أنْ يَكونَ الأبُ عزَلَها بعَينِها أو دفَعَها إلى رَجلٍ وضَعَها لابنِه عندَ ذلك الرَّجلِ؛ فإنْ فعَلَ ذلك فهو جائِزٌ للابنِ (١). إلى هنا انتَهَت رِوايةُ يَحيى. وفي رِوايةِ أبي مُصعبٍ وغيرِه قالَ مالِكٌ: وإنْ كانت النِّحلةُ عَبدًا أو وَليدةً أو شَيئًا مَعلومًا مَعروفًا ثم أشهَدَ عليه وأعلَنَ ثم ماتَ الأبُ وهو يَلي ابنَه؛ فإنَّ ذلك جائِزٌ لابنِه. قالَ أبو عُمرَ: لا أعلَمُ خِلافًا بينَ الفُقهاءِ أهلِ الفَتوى بالأمصارِ وسائِرِ مَنْ تقَدَّمهم من العُلماءِ أنَّ الأبَ يَحوزُ لابنِه الصَّغيرِ ما كانَ في حِجرِه صَغيرًا أو كَبيرًا بالِغًا -أي: إذا كانَ سَفيهًا- كلَّ ما يَهبُ له ويُعطيه ويَتصدَّقُ به عليه من العُروضِ كلِّها والعَقارِ وكلِّ ما عَدا العَينَ، كما يَجوزُ له ما يُعطيه غيرَه وأنَّه يُجزئُه في ذلك الإشهادُ والإعلانُ، وإذا أشهَدَ فقد أعلَنَ إذا فَشا الإِشهادُ وظهَرَ.

стр. 7599

وقالَ مالِكٌ وأَصحابُه: إنَّ ما يَسكنُ الأبُ لا تَصحُّ فيه عَطيةٌ لابنِه الصَّغيرِ الذي في حِجرِه حتى يَخرجَ عن ذلك سَنةً ونَحوَها، ثم لا يَضرُّه رُجوعُه إليها وسُكناها ما لم يَمُتِ الأبُ فيها أو يَبلغِ الصَّغيرُ رُشدَه فهو لا يَقبضُها؛ فإنْ ماتَ الأبُ ساكِنًا فيها أو بلَغَ الابنُ رُشدًا فلم يَقبِضْها حتى يَموتَ الأبُ لم تَنفَعْه حيازَتُه لها تلك السَّنةَ، وجعَلوا جَوازَ الهِبةِ للصَّغيرِ مُتعلِّقًا بما يَكونُ من العافيةِ فيها؛ فإنْ سلِمَت في العافيةِ من الرَّهنِ فهي صَحيحةٌ وإنْ لحِقَها رَهنُ جَميعِ ما تقدَّمَ قبلَ ذلك. وكذلك المَلبوسُ عندَهم إذا لبِسَ الأبُ شَيئًا من الثِّيابِ التي وهَبَها للصَّغيرِ من وَلدِه بطَلَت فيه هِبتُه، وما عدا المَلبوسَ والمَسكونَ يَكفي فيه الإِشهادُ على ما وصَفنا. وأمَّا سائِرُ الفُقهاءِ؛ فهم على أنَّ الأبَ إذا أشهَدَ وأعلَنَ الشَّهادةَ بما يُعطيه لابنِه في صِحتِه فقد نفَذَ ذلك للابنِ ما كانَ صَغيرًا، وحيازةُ الأبِ له من نَفسِه كحيازَتِه له ما يُعطيه غيرُه لابنِه الناظِرِ له، ولا يَرهنُ عَطيتَه له في صِحتِه إذا كانَ صَغيرًا، ولا سُكناه ولا لِباسَه، كما لا يَضرُّه عندَ مالِكٍ إذا سكَنَ بعدَ السَّنةِ، ولا يُعدُّ ذلك منه رُجوعًا فيما أَعطى، كما لا يَكونُ ذلك رُجوعًا بعدَ السَّنةِ، وما قالَه العُلماءُ من ذلك هو ظاهِرُ فِعلِ عُثمانَ بمَحضرِ الصَّحابةِ ﵃ من غيرِ نَكيرٍ وباللهِ التَّوفيقُ. وأمَّا الذَّهبُ والوَرِقُ فقالَ مالِكٌ في مُوطَّئِه ما قد ذكَرناه في صَدرِ هذا البابِ، وظاهِرُه أنَّه إذا عزَلَها بعَينِها في ظَرفٍ وختَمَ عليها بخاتَمِه أو خاتَمِ

стр. 7600

الشُّهودِ الذين أشهَدَهم جائِزةٌ للابنِ كما لو جعَلَها له عندَ رَجلٍ، وهو قَولُ ابنِ الماجِشونِ وأشهَبَ، وبه كانَ أبو عُمرَ أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ هاشِمٍ شَيخُنا ﵀ يُفتي، وذكَرَ العُتبيُّ لابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ أنَّها لا تَجوزُ إلا أنْ يُخرجَها الأبُ عن يَدِه إلى يَدِ غيرِه يَحوزَها للابنِ، وأنَّه لا يَنفعُه خاتَمُه عليها، وبهذا كانَ يَقضي القاضِي أبو بَكرٍ مُحمدُ بنُ يَبقى بنِ زَربٍ، وهذه المَسألةُ كانَت أحدَ الأَسبابِ التي أوجَبَت التَّباعدَ بينَه وبينَ أبي عُمرَ -رحمهما الله-. واختَلَفوا في هِبةِ المَشاعِ من الغَنمِ وغيرِها يَهبُها الأبُ لابنِه الصَّغيرِ في حِجرِه، فرُويَ عن مالِكٍ أنَّه جائِزٌ، وبه قالَ ابنُ الماجِشونِ، وقالَ ابنُ القاسِمِ لا يَحوزُ الأبُ لابنِه الصَّغيرِ إلا ما يَهبُه مَبروزًا مَقسومًا، قالَ: وإليه رجَعَ مالِكٌ وبه قالَ مُطرِّفٌ وأصبَغُ. قالَ أَبو عُمرَ: ظاهِرُ حَديثِ عُثمانَ يَشهدُ لمَا قالَه مالِكٌ وابنُ الماجِشونِ، وهو الأصلُ المُجمَعُ عليه عندَ جُمهورِ العُلماءِ، ولا مُخالِفَ له من الصَّحابةِ. واختَلَفوا فيمَن يَحوزُ للصَّغيرِ غيرِ أبيه ومَن يَقومُ له في الحيازةِ مَقامَ أبيه فيما يُعطيه، فرَوى يَحيى عن ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ أنَّ الأُمَّ لا تَحوزُ ما يُعطى لابنِها إلا أنْ تَكونَ عليه وَصيةً، قالَ: ولا يَحوزُ للطِّفلِ إلا مَنْ يَجوزُ له إِنكاحُه والمُباراةُ عليه والبَيعُ والشِّراءُ له. قالَ يَحيى: وسمِعتُ ابنَ وَهبٍ يَقولُ: تَحوزُ الأُمُّ لوَلدِها ما تَهبُ لهم، وكذلك الجَدةُ والأَجدادُ وإنْ لم يَكونوا أَولياءَ عليه.
следующие страницы →