له من نَفسِه وأشهَدَ عليه أنَّ الهِبةَ تامةٌ، هذا قَولُ مالِكٍ والثَّوريِّ والشافِعيِّ وأَصحابِ الرأيِ، ورَوَينا مَعنى ذلك عن شُرَيحٍ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ (١).
ثم إنْ كانَ المَوهوبُ مما يَفتقِرُ إلى قَبضٍ اكتُفيَ بقَولِه: «قد وهَبتُ هذا لابني وقبَضتُه له»؛ لأنَّه يُغني عن القَبولِ كما ذكَرنا، ولا يُغني قَولُه: قد قبِلتُه؛ لأنَّ القَبولَ لا يُغني عن القَبضِ، وإنْ كانَ مما لا يَفتقِرُ اكتُفيَ بقَولِه: قد وهَبتُ هذا لابني، ولا يَحتاجُ إلى ذِكرِ قَبضٍ ولا قَبولٍ.
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ هِبةَ الأبِ لابنِه الصَّغيرِ في حِجرِه لا تَحتاجُ إلى قَبضٍ، وأنَّ الإِشهادَ فيها يُغني عن القَبضِ، وأنَّ وَليَّها أَبوه؛ لمَا رَواه مالِكٌ عن الزُّهريِّ عن ابنِ المُسيِّبِ أنَّ عُثمانَ قالَ: «مَنْ نحَلَ وَلدًا له صَغيرًا لم يَبلُغْ أنْ يَحوزَ نُحلَه فأعلَنَ بها وأشهَدَ عليها فهي جائِزةٌ وإنْ وَليَها أَبوه» (٢).
وقالَ القاضِي: لا بدَّ في هِبةِ الوَلدِ من أنْ يَقولَ: «قد قبِلتُه»، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ الهِبةَ عندَهم لا تَصحُّ إلا بإيجابٍ وقَبولٍ.
وقد ذكَرنا من قَبلُ أنَّ قَرائنَ الأَحوالِ ودِلالتَها تُغني عن لَفظِ القَبولِ، ولا أدَلَّ على القَبولِ من كَونِ القابِلِ هو الواهِبَ، فاعتِبارُ لَفظٍ لا يُفيدُ مَعنًى من غيرِ وُرودِ الشَّرعِ به تَحكُّمٌ لا مَعنى له، مع مُخالفتِه لظاهِرِ حالِ النَّبيِّ ﷺ وصَحابتِه، وليسَ هذا مَذهبًا لأحمدَ، فقد قالَ في رِوايةِ حَربٍ
стр. 7597
في رَجلٍ أشهَدَ بسَهمٍ من ضَيعتِه وهي مَعروفةٌ لابنِه وليسَ له وَلدٌ غَيرُه، فقالَ: أحَبُّ إلَيَّ أنْ يَقولَ عندَ الإشهادِ: «قد قبَضتُ له». قيلَ له: فإنْ سَها؟ قالَ: إذا كانَ مُفرَزًا رَجوتُ. فقد ذكَرَ أحمدُ أنَّه يَكتَفي بقَولِه: «قد قبَضتُه»، وأنَّه يَرجو أنْ يَكتفيَ مع التَّمييزِ بالإِشهادِ فحَسبُ، وهذا مُوافِقٌ للإِجماعِ المَذكورِ عن سائِرِ العُلماءِ.
وقالَ بعضُ أَصحابِنا: يَكتَفي بأحدِ لَفظَينِ: إمَّا أنْ يَقولَ: «قد قبِلتُه»، وإمَّا أنْ يَقولَ: «قبَضتُه»؛ لأنَّ القَبولَ يُغني عن القَبضِ، وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ ما ذكَرناه، ولا فَرقَ بينَ الأَثمانِ وغيرِها فيما ذكَرنا، وبه يَقولُ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ.
وقالَ مالِكٌ: إنْ وهَبَ له ما يُعرَفُ بعَينِه كالأَثمانِ لم يَجزْ إلا أنْ يَضعَها على يَدِ غيرِه؛ لأنَّ الأبَ قد يُتلِفُ ذلك، ويتلفُ بغيرِ سَببِه، ولا يُمكنُ أنْ يُشهِدَ على شَيءٍ بعَينِه فلا يَنفعُ القَبضُ شيئًا.
ولنا: أنَّ ذلك مما لا تَصحُّ هِبتُه، فإذا وهَبَه لابنِه الصَّغيرِ وقبَضَه له وجَبَ أنْ تَصحَّ كالعُروضِ (١).
قالَ أَبو عُمرَ بنِ عبدِ البَرِّ ﵀ بعدَما ذكَرَ حَديثَ عُثمانَ السابِقَ: على قَضاءِ عُثمانَ في هِبةِ الأبِ لابنِه الصَّغيرِ جَماعةُ الفُقهاءِ بالحِجازِ والعِراقِ، إلا أنَّ أَصحابَنا يُخالِفون سائِرَ الفُقهاءِ في المَسكونِ والمَلبوسِ
стр. 7598
والمَوقوفِ، فلا يَروْن إشهادَ الأبِ في ذلك حيازةً حتى يَخرجَ منها مُدةً أقَلُّها سَنةٌ من المَسكونِ ليَظهرَ فِعلُه ذلك، وإذا ركِبَ ما يُركبُ أو لبِسَ ما يُلبسُ فقد رجَعَ في هِبتِه.
وقد مَضى ما للعُلماءِ في رُجوعِ الأبِ وغيرِه في الهِبةِ والحَمدُ للهِ كَثيرًا.
قالَ مالِكٌ: الأمرُ عندَنا أنَّ من نحَلَ ابنًا له صَغيرًا ذَهبًا أو وَرِقًا ثم هلَكَ وهو يَليه فلا شَيءَ للابنِ من ذلك، إلا أنْ يَكونَ الأبُ عزَلَها بعَينِها أو دفَعَها إلى رَجلٍ وضَعَها لابنِه عندَ ذلك الرَّجلِ؛ فإنْ فعَلَ ذلك فهو جائِزٌ للابنِ (١).
إلى هنا انتَهَت رِوايةُ يَحيى.
وفي رِوايةِ أبي مُصعبٍ وغيرِه قالَ مالِكٌ: وإنْ كانت النِّحلةُ عَبدًا أو وَليدةً أو شَيئًا مَعلومًا مَعروفًا ثم أشهَدَ عليه وأعلَنَ ثم ماتَ الأبُ وهو يَلي ابنَه؛ فإنَّ ذلك جائِزٌ لابنِه.
قالَ أبو عُمرَ: لا أعلَمُ خِلافًا بينَ الفُقهاءِ أهلِ الفَتوى بالأمصارِ وسائِرِ مَنْ تقَدَّمهم من العُلماءِ أنَّ الأبَ يَحوزُ لابنِه الصَّغيرِ ما كانَ في حِجرِه صَغيرًا أو كَبيرًا بالِغًا -أي: إذا كانَ سَفيهًا- كلَّ ما يَهبُ له ويُعطيه ويَتصدَّقُ به عليه من العُروضِ كلِّها والعَقارِ وكلِّ ما عَدا العَينَ، كما يَجوزُ له ما يُعطيه غيرَه وأنَّه يُجزئُه في ذلك الإشهادُ والإعلانُ، وإذا أشهَدَ فقد أعلَنَ إذا فَشا الإِشهادُ وظهَرَ.
стр. 7599
وقالَ مالِكٌ وأَصحابُه: إنَّ ما يَسكنُ الأبُ لا تَصحُّ فيه عَطيةٌ لابنِه الصَّغيرِ الذي في حِجرِه حتى يَخرجَ عن ذلك سَنةً ونَحوَها، ثم لا يَضرُّه رُجوعُه إليها وسُكناها ما لم يَمُتِ الأبُ فيها أو يَبلغِ الصَّغيرُ رُشدَه فهو لا يَقبضُها؛ فإنْ ماتَ الأبُ ساكِنًا فيها أو بلَغَ الابنُ رُشدًا فلم يَقبِضْها حتى يَموتَ الأبُ لم تَنفَعْه حيازَتُه لها تلك السَّنةَ، وجعَلوا جَوازَ الهِبةِ للصَّغيرِ مُتعلِّقًا بما يَكونُ من العافيةِ فيها؛ فإنْ سلِمَت في العافيةِ من الرَّهنِ فهي صَحيحةٌ وإنْ لحِقَها رَهنُ جَميعِ ما تقدَّمَ قبلَ ذلك.
وكذلك المَلبوسُ عندَهم إذا لبِسَ الأبُ شَيئًا من الثِّيابِ التي وهَبَها للصَّغيرِ من وَلدِه بطَلَت فيه هِبتُه، وما عدا المَلبوسَ والمَسكونَ يَكفي فيه الإِشهادُ على ما وصَفنا.
وأمَّا سائِرُ الفُقهاءِ؛ فهم على أنَّ الأبَ إذا أشهَدَ وأعلَنَ الشَّهادةَ بما يُعطيه لابنِه في صِحتِه فقد نفَذَ ذلك للابنِ ما كانَ صَغيرًا، وحيازةُ الأبِ له من نَفسِه كحيازَتِه له ما يُعطيه غيرُه لابنِه الناظِرِ له، ولا يَرهنُ عَطيتَه له في صِحتِه إذا كانَ صَغيرًا، ولا سُكناه ولا لِباسَه، كما لا يَضرُّه عندَ مالِكٍ إذا سكَنَ بعدَ السَّنةِ، ولا يُعدُّ ذلك منه رُجوعًا فيما أَعطى، كما لا يَكونُ ذلك رُجوعًا بعدَ السَّنةِ، وما قالَه العُلماءُ من ذلك هو ظاهِرُ فِعلِ عُثمانَ بمَحضرِ الصَّحابةِ ﵃ من غيرِ نَكيرٍ وباللهِ التَّوفيقُ.
وأمَّا الذَّهبُ والوَرِقُ فقالَ مالِكٌ في مُوطَّئِه ما قد ذكَرناه في صَدرِ هذا البابِ، وظاهِرُه أنَّه إذا عزَلَها بعَينِها في ظَرفٍ وختَمَ عليها بخاتَمِه أو خاتَمِ
стр. 7600
الشُّهودِ الذين أشهَدَهم جائِزةٌ للابنِ كما لو جعَلَها له عندَ رَجلٍ، وهو قَولُ ابنِ الماجِشونِ وأشهَبَ، وبه كانَ أبو عُمرَ أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ هاشِمٍ شَيخُنا ﵀ يُفتي، وذكَرَ العُتبيُّ لابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ أنَّها لا تَجوزُ إلا أنْ يُخرجَها الأبُ عن يَدِه إلى يَدِ غيرِه يَحوزَها للابنِ، وأنَّه لا يَنفعُه خاتَمُه عليها، وبهذا كانَ يَقضي القاضِي أبو بَكرٍ مُحمدُ بنُ يَبقى بنِ زَربٍ، وهذه المَسألةُ كانَت أحدَ الأَسبابِ التي أوجَبَت التَّباعدَ بينَه وبينَ أبي عُمرَ -رحمهما الله-.
واختَلَفوا في هِبةِ المَشاعِ من الغَنمِ وغيرِها يَهبُها الأبُ لابنِه الصَّغيرِ في حِجرِه، فرُويَ عن مالِكٍ أنَّه جائِزٌ، وبه قالَ ابنُ الماجِشونِ، وقالَ ابنُ القاسِمِ لا يَحوزُ الأبُ لابنِه الصَّغيرِ إلا ما يَهبُه مَبروزًا مَقسومًا، قالَ: وإليه رجَعَ مالِكٌ وبه قالَ مُطرِّفٌ وأصبَغُ.
قالَ أَبو عُمرَ: ظاهِرُ حَديثِ عُثمانَ يَشهدُ لمَا قالَه مالِكٌ وابنُ الماجِشونِ، وهو الأصلُ المُجمَعُ عليه عندَ جُمهورِ العُلماءِ، ولا مُخالِفَ له من الصَّحابةِ.
واختَلَفوا فيمَن يَحوزُ للصَّغيرِ غيرِ أبيه ومَن يَقومُ له في الحيازةِ مَقامَ أبيه فيما يُعطيه، فرَوى يَحيى عن ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ أنَّ الأُمَّ لا تَحوزُ ما يُعطى لابنِها إلا أنْ تَكونَ عليه وَصيةً، قالَ: ولا يَحوزُ للطِّفلِ إلا مَنْ يَجوزُ له إِنكاحُه والمُباراةُ عليه والبَيعُ والشِّراءُ له.
قالَ يَحيى: وسمِعتُ ابنَ وَهبٍ يَقولُ: تَحوزُ الأُمُّ لوَلدِها ما تَهبُ لهم، وكذلك الجَدةُ والأَجدادُ وإنْ لم يَكونوا أَولياءَ عليه.
стр. 7601
وقالَ ابنُ القاسِمِ: لا تَحوزُ الأُمُّ ما يُوهَبُ لوَلدِها. وقالَ أشهَبُ: تَحوزُ لهم الوَصيةُ بهِبةٍ يَمضي معهم إلى الكِتابِ، ولا يَحوزُ لهم غيرُ ذلك، والوَصيُّ عندَهم يَحوزُ ما يُوهَبُ لليَتيمِ في حِجرِه، وأمَّا الشافِعيُّ فالجَدُّ عندَه يَقومُ مَقامَ الأبِ فيما يَهبُه للأَطفالِ من وَلدِ وَلدِه، يَحوزُ ذلك عليهم إلى أنْ يَبلُغوا مَبلغَ القَبضِ لأنفُسِهم، وأمَّا الكُوفيونَ فذكَرَ الطَّحاويُّ وغيرُه عن أَبي حَنيفةَ وأَصحابِه أنَّ الأُمَّ كالأبِ فيما تَهبُ لابنِها اليَتيمِ في حِجرِها عَبدًا أو مَتاعًا مَعلومًا إذا أشهَدَت على ذلك جازَ ولم تَرجعْ في شَيءٍ منه، وكذلك تَقبِضُ له من كلِّ مَنْ وهَبَ له شَيئًا يَصحُّ قَبضُه، وكذلك الوَصيُّ وكذلك مَنْ قبَضَ لليَتيمِ من الأجنَبيِّينِ ما أُعطي اليَتيمَ.
وذكَرَ الطَّحاويُّ أيضًا عنهم قالَ: وللأبِ أنْ يَقبضَ ما يَهبُ لابنِه الصَّغيرِ مما يَتصدَّقُ به عليهم، وكذلك مَنْ فَوقَه من الآباءِ إذا كانَ هو الذي أمَرَه، وقَبضُه من ذلك لنَفسِه إِشهادُه على ما كانَ منه وإعلانُه به (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وجُمهورُ فُقهاءِ الأَمصارِ على أنَّ الأبَ يَحوزُ لابنِه الصَّغيرِ الذي في وِلايةِ نَظرِه وللكَبيرِ السَّفيهِ الذي ما وهَبَه كما يَحوزُ لهما ما وهَبَه غيرُه لهما، وأنَّه يَكفي في الحيازةِ له إِشهادُه بالهِبةِ والإِعلانُ بذلك، وذلك كلُّه فيما عَدا الذَّهبَ والفِضةَ وفيما لا يَتعيَّنُ.
والأصلُ في ذلك عندَهم ما رَواه مالِكٌ عن ابنِ شِهابٍ عن سَعيدِ بنِ
стр. 7602
المُسيِّبِ أنَّ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ قالَ: «مَنْ نحَلَ وَلدًا له صَغيرًا لم يَبلُغْ أنْ يَحوزَ نُحلَه فأعلَنَ بها وأشهَدَ عليها فهي جائِزةٌ وإنْ وَليهَا أَبوه» (١).
وقالَ مالِكٌ وأَصحابُه: لا بدَّ من الحيازةِ في المَسكونِ والمَلبوسِ؛ فإنْ كانت دارًا سكَنَ فيها خرَجَ منها، وكذلك المَلبوسُ إنْ لبِسَه بطَلَت الهِبةُ، وقالوا في سائِرِ العُروضِ بمِثلِ قَولِ الفُقهاءِ، أَعني أنَّه يَكفي في ذلك إِعلانُه وإِشهادُه.
وأمَّا الذَّهبُ والوَرِقُ فاختَلَفت الرِّوايةُ فيه عن مالِكٍ، فرُويَ عنه أنَّه لا يَجوزُ إلا أنْ يُخرجَه الأبُ عن يَدِه إلى يَدِ غيرِه، ورُويَ عنه أنَّه يَجوزُ إذا جعَلَها في ظَرفٍ أو إناءٍ وختَمَ عليها بخاتَمٍ وأشهَدَ على ذلك الشُّهودَ.
ولا خِلافَ بينَ أَصحابِ مالِكٍ أنَّ الوَصيَّ يَقومُ في ذلك مَقامَ الأبِ.
واختَلَفوا في الأُمِّ، فقالَ ابنُ القاسِمِ لا تَقومُ مَقامَ الأبِ ورَواه عن مالِكٍ، وقالَ غيرُه من أَصحابِه تَقومُ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ.
وقالَ الشافِعيُّ: الجَدُّ بمَنزلةِ الأبِ، والجَدةُ عندَ ابنِ وَهبٍ أُمُّ الأُمِّ تَقومُ مَقامَ الأُمِّ والأُمُّ عندَه تَقومُ مَقامَ الأبِ (٢).
قالَ الحَنفيةُ: وإذا وهَبَ الأبُ لابنِه الصَّغيرِ هِبةً ملَكَها الابنُ بالعَقدِ والقَبضِ فيه بإِعلامِ ما وهَبَه له، وليسَ الإشهادُ بشَرطٍ إلا أنَّ فيه احتِياطًا للتَّحرُّزِ عن جُحودِ الوَرثةِ بعدَ مَوتِه أو جُحودِه بعدَ إِدراكِ الوَلدِ؛ لأنَّ
стр. 7603
المَوهوبَ في قَبضِ الأبِ فيَنوبُ عن قَبضِ الهِبةِ، ولا فَرقَ بينَ ما إذا كانَت في يَدِه أو في يَدِ مُودِعِه؛ لأنَّ يَدَ مُودِعِه كيَدِه، بخِلافِ ما إذا كانَ مَرهونًا أو مَغصوبًا أو مَبيعًا بَيعًا فاسِدًا؛ لأنَّه في يَدِ غيرِه أو في مِلكِ غيرِه، والصَّدقةُ في هذا كالهِبةِ.
وكذا إذا وهَبَت الأُمُّ لوَلدِها الصَّغيرِ وهو في عيالِها والأبُ مَيِّتٌ ولا وَصيَّ له؛ لأنَّ لها الوِلايةَ فيما تَرجعُ إلى حِفظِه وحِفظِ مالِه، وهذا مِنْ بابِه، وقُيِّد بمَوتِ الأبِ وعَدمِ الوَصيِّ؛ لأنَّه عندَ وُجودِهما ليسَ لها وِلايةُ القَبضِ، وكذا كلُّ مَنْ يَعولُه نحوَ الأخِ والعَمِّ والأجنَبيِّ جازَ له قَبضُ الهِبةِ لأجلِ اليَتيمِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه يُشترطُ في هِبةِ الأبِ لابنِه الصَّغيرِ القَبضُ.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: هِبةُ الأبِ لابنِه الصَّغيرِ لا تُملكُ إلا بالقَبضِ كما هو مُقتَضى كَلامِهم في البَيعِ ونَحوِه، خِلافًا لمَا حَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ (٢).
وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: إنْ كانَ الواهِبُ للطِّفلِ هو وَليَّه؛ فإنْ كانَ الوَليُّ عليه الوَصيَّ أو الحاكِمَ أو أمينَه لم يَصحَّ قَبولُه له من نَفسِه ولا قَبضُه، بل
стр. 7604
يُنصِّبُ له الحاكِمُ أمينًا ليَقبلَ له الهِبةَ ويَقبضَ له؛ لأنَّه لا يَصحُّ أنْ يَبيعَ مالَه بمالِه، فلم يَصحَّ قَبولُه له.
وإنْ كانَ وَليُّه أباه أو جَدَّه صَحَّ أنْ يَقبلَ له الهِبةَ من نَفسِه؛ لأنَّه يَجوزُ له أنْ يَبتاعَ مالَه بمالِه.
قالَ المَسعوديُّ: وهل يَفتقرُ إلى أنْ يَتلفَّظَ بالإِيجابِ والقَبولِ أو يَكفيَه أحدُهما؟ فيه وَجهانِ، والمَشهورُ: أنَّه لا بدَّ أنْ يَتلفَّظَ بهما.
وأمَّا القَبضُ: فإنْ قُلنا: إنَّه إذا وهَبَ لغيرِه وَديعةً في يَدِه لا تَحتاجُ إلى القَبضِ صارَ ذلك مَقبوضًا له. وإنْ قُلنا: لا بدَّ من القَبضِ في هِبةِ الوَديعةِ فلا بدَّ أنْ يَقولَ ههنا: وقبَضتُ له من نَفسي.
وإنْ وهَبَ الرَّجلُ لابنِه البالِغِ لم يَصحَّ حتى يَقبلَ الابنُ الهِبةَ أو وَكيلُه؛ فإنْ قبِلَ له الأبُ الهِبةَ لم يَصحَّ.
وقالَ ابنُ أَبي ليلَى: يَصحُّ إذا كانَ يَعولُه.
دَليلُنا: أنَّه لا وِلايةَ له عليه بعدَ البُلوغِ فلم يَصحَّ قَبولُه له، كما لو كانَ لا يَعولُه (١).
ثانيًا: هِبةُ الأجنَبيِّ للصَّغيرِ والمَجنونِ والمَحجورِ عليه:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَصحُّ قَبضُ المَجنونِ وكذا الصَّبيُّ الذي لا يُميزُ.
стр. 7605
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا في الصَّبيِّ الذي يَعقلُ ويُميزُ، هل يَصحُّ قَبضُه أو لا بدَّ من قَبضِ وَليِّه عنه؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ قَبضُ الصَّبيِّ، سَواءٌ كانَ مُميِّزًا أو غيرَ مُميِّزٍ، بل الذي يَقبضُ له وَليُّه أو وَصيُّه؛ لأنَّ القَبضَ من بابِ الوِلايةِ ولا وِلايةَ له على نَفسِه، فلا يَجوزُ قَبضُه في الهِبةِ كما لا يَجوزُ في البَيعِ.
قالَ العَمرانِيُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ: (ويَقبِضُ للطِّفلِ أَبوه).
وجُملةُ ذلك: أنَّه إذا وهَبَ غيرُ وَليِّ الطِّفلِ للطِّفلِ هِبةً؛ فإنْ كانَ له أبٌ أو جَدٌّ وكانَ عَدلًا قبِلَ له الهِبةَ وقبَضَ له؛ لأنَّه هو المُتصرِّفُ عنه، وإنْ كانَ فاسِقًا لم يَصحَّ قَبولُه ولا قَبضُه؛ لأنَّه لا وِلايةَ له عليه مع الفِسقِ.
وإنْ لم يَكنْ له أبٌ ولا جَدٌّ وكانَ الناظِرُ في مالِه الوَصيَّ من قِبَلِهما أو الأمينَ من قِبَلِ الحاكِمِ قبِلَ له الهِبةَ وقبَضَ له؛ لأنَّه المُتصرِّفُ عنه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ في الاستِحسانِ -وهو المَذهبُ عندَهم- والحَنابِلةُ في قَولٍ أنَّ قَبضَ الصَّغيرِ ما وُهبَ له صَحيحٌ؛ لأن قَبضَ الهِبةِ من التَّصرُّفاتِ النافِعةِ المَحضةِ فيَملكُه الصَّبيُّ العاقِلُ كما يَملكُ وَليُّه ومَن هو في عِيالِه، وكَذا الصَّبيةُ إذا عقَلَت جازَ قَبضُها (٢).
стр. 7606
قالَ الحَنفيةُ: وإنْ وهَبَ للصَّغيرِ أجنَبيٌّ هِبةً تمَّت بقَبضِ الأبِ؛ لأنَّه يَملكُ الأمرَ الدائِرَ بينَ الضُّرِّ والنَّفعِ، فالنَّفعُ المَحضُ أَولى بذلك.
وإذا وُهبَ لليَتيمِ مالٌ فالقَبضُ إلى مَنْ له التَّصرُّفُ في مالِه وهو وَصيُّ الأبِ أو جَدُّ اليَتيمِ أو وَصيُّه؛ لأنَّ لهؤلاء وِلايةً على اليَتيمِ لقيامِهم مَقامَ الأبِ، وإنْ كانَ اليَتيمُ في حِجرِ أُمِّه -أي: في كَنفِها وتَربيتِها- فقَبضُها له جائِزٌ لمَا تقدَّمَ أنَّ لها الوِلايةَ، وكذا إذا كانَ في حِجرِ أجنَبيٍّ يُربِّيه؛ لأنَّ له يَدًا مُعتبَرةً؛ ألَا تَرى أنَّ أجنَبيًّا آخَرَ لا يَتمكنُ من نَزعِه من يَدِه فيَملكُ ما تَمحَّضَ نَفعًا في حَقِّه، لكنْ بشَرطِ ألَّا يُوجدَ واحِدٌ من الأربَعةِ المَذكورةِ؟!
وإنْ قبَضَ الصَّبيُّ الهِبةَ بنَفسِه وهو عاقِلٌ جازَ استِحسانًا؛ لأنَّ قَبضَ الهِبةِ من التَّصرُّفاتِ النافِعةِ المَحضةِ، فيَملكُه الصَّبيُّ العاقِلُ كما يَملكُ وَليُّه ومَن هو في عِيالِه، وكذا الصَّبيةُ إذا عقَلَت جازَ قَبضُها.
وفي القياسِ لا يَصحُّ قَبضُ الصَّبيِّ العاقِلِ؛ لأنَّ القَبضَ من بابِ الوِلايةِ ولا وِلايةَ له على نَفسِه، فلا يَجوزُ قَبضُه في الهِبةِ كما لا يَجوزُ في البَيعِ.
стр. 7607
ويَجوزُ قَبضُ زَوجِ الصَّغيرةِ ما وُهبَ لها بعدَ الزِّفافِ؛ لأنَّ الأبَ أقامَه مَقامَ نَفسِه في حِفظِها وقَبضِ الهِبةِ منه، ولو قبَضَه الأبُ أيضًا صَحَّ؛ لأنَّ الوِلايةَ له (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: ويَقبلُ ويَقبضُ للمُولَّى عليه الزَّكاةَ والهِبةَ والكَفارةَ مَنْ يَلي مالَه، وهو وَليُّه مِنْ أبٍ ووَصيٍّ وحاكِمٍ وأمينٍ ووَكيلِ الوَليِّ الأمينِ.
قالَ ابنُ مَنصورٍ: قُلتُ لأحمدَ: قالَ سُفيانُ: لا يَقبضُ للصَّبيِّ إلا الأبُ أو وَصيٌّ أو قاضٍ. قالَ أحمدُ: جَيِّدٌ.
وقيلَ له في رِوايةِ صالِحٍ: قبَضَت الأُمُّ وأبوه حاضِرٌ. فقالَ: لا أعرِفُ للأُمِّ قَبضًا، ولا يَكونُ إلا الأبُ.
قالَ في «الفُروعِ»: ولم أجِدْ عن أحمدَ تَصريحًا بأنَّه لا يَصحُّ قَبضُ غيرِ الوَليِّ مع عَدمِه مع أنَّه المَشهورُ في المَذهبِ.
وذكَرَ الشَّيخُ -يَعني به المُصنِّفَ- أنَّه لا يَعلمُ فيه خِلافًا، ثم ذكَرَ أنَّه يَحتملُ أنَّه يَصحُّ قَبضُ مَنْ يَليه مِنْ أُمٍّ أو قَريبٍ وغيرِهما عندَ عَدمِ الوَليِّ؛ لأنَّ حِفظَه من الضَّياعِ والهَلاكِ أَولى من مُراعاةِ الوِلايةِ (٢).
قالَ المِرداويُّ ﵀: وذكَرَ المَجدُ أنَّ هذا مَنصوصُ أحمدَ.
стр. 7608
نقَلَ هارونُ الحَمَّالُ في الصِّغارِ يُعطَى أَولياؤُهم، فقُلتُ: ليسَ لهم وَليٌّ. قالَ: يُعطى مَنْ يُعنَى بأمرِهم. ونقَلَ مُهنَّا في الصَّبيِّ والمَجنونِ يَقبضُ له وَليُّه، قُلتُ: ليسَ له وَليٌّ. قالَ: يُعطَى الذي يَقومُ عليه.
ثم قالَ: فائِدةٌ: يَصحُّ من المُميِّزِ قَبضُ الزَّكاةِ والهِبةِ والكَفارةِ ونَحوِها، قدَّمَه المَجدُ في شَرحِه وقالَ: على ظاهِرِ كَلامِه، قالَ المَرُّوذيُّ: قُلتُ لأحمدَ: يُعطي غِلامًا يَتيمًا من الزَّكاةِ؟ قالَ: نَعَمْ، يَدفعُها إلى الغُلامِ. قُلتُ: فإنِّي أخافُ أنْ يُضيعَه. قالَ: يَدفعُه إلى مَنْ يَقومُ بأمرِه. وهذا اختيارُ المُصنِّفِ والحارِثيِّ.
قالَ في «الفُروع»: والمُميِّزُ كغيرِه. وعنه ليسَ أهلًا لقَبضِ ذلك.
قالَ المَجدُ في شَرحِه: ظاهِرُ كَلامِ أَصحابِنا المَنعُ من ذلك، وأنَّه لا يَصحُّ قَبضُه بحالٍ، قالَ: وقد صرَّحَ به القاضِي في تَعليقِه في كِتابِ المُكاتَبِ، قالَ: وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ في رِوايةِ صالِحٍ وابنِ مَنصورٍ.
قالَ في «القَواعِد الأُصولية»: في المَسألةِ رِوايتانِ، أشهَرُهما: ليسَ هو أهلًا، نَصَّ عليه في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ، وعليه مُعظمُ الأَصحابِ، وأبدى في «المُغني» احتِمالًا أنَّ صِحةَ قَبضِه تَقفُ على إذنِ الوَليِّ دونَ القَبولِ (١).
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: ويَقبضُ لطِفلٍ وهَبَه وَليُّه هِبةً أبوه فقط من نَفسِه، فيَقولُ: «وهَبتُ وَلدي كذا وقبَضتُه له»؛ فإنْ لم يَقُلْ: «وقبَضتُه له» لم يَكْفِ
стр. 7609
على ظاهِرِ رِوايةِ حَربٍ؛ لتَغايُرِ القَبضَين، فلا بدَّ من تَمييزٍ؛ لأنَّ اليَدَ التي لجِهةِ المُتهَبِ هنا هي نَفسُها يَدُ الواهِبِ، فلا يُؤمَنُ أنْ يَدَّعيَه في ثانيةِ الحالاتِ، أو يَدَّعيَه الوَرثةُ تَركةً فيَذهبَ على الطِّفلِ.
ولا يَحتاجُ أبٌ وهَبَ طِفلَه إلى قَبولٍ للاستِغناءِ عنه بقَرائنِ الأَحوالِ.
ولا يَصحُّ قَبضُ الطِّفلِ -أي: غيرِ البالِغِ- ولو كانَ غيرُ البالِغِ مُميِّزًا، ولا قَبضُ مَجنونٍ؛ لنَفسَيْهما ولا قَبولُهما الهِبةَ؛ لانتِفاءِ أهليةِ التَّصرفِ، بل يَقبلُ ويَقبضُ لهما وَليُّهما؛ لأنَّه المُتصرفُ عليهما، فالأبُ الأمينُ -أي: العَدلُ ولو ظاهِرًا- يَقومُ مَقامَهما في ذلك، ثم عندَ عَدمِه وَصيٌّ ثم حاكِمٌ أمينٌ كذلك أو مَنْ يُقيمونه مَقامَهم، وعندَ عَدمِهم -أي: الأَولياءِ- يَقبضُ له مَنْ يَليه مِنْ أُمٍّ وقَريبٍ وغيرِها نَصًّا، قالَ ابنُ الحَكمِ: سُئلَ أحمدُ: أيُعطِي من الزَّكاةِ الصَّبيُّ؟ قالَ: نَعمْ، يُعطي أَباه أو مَنْ يَقومُ بشأنِه. ورَوى المَروزيُّ أيضًا نَحوَه.
قالَ الحارِثيُّ: وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه جَلبُ مَنفعةٍ ومَحلُّ حاجةٍ، لكنْ يَصحُّ منهما -أي: الصَّغيرِ والمَجنونِ- قَبضُ المأكولِ الذي يُدفعُ مِثلُه للصَّغيرِ؛ لحَديثِ أَبي هُريرةَ: «كانَ الناسُ إذا رأوْا أوَّلَ الثِّمارِ جاؤُوا به إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، فإذا أخَذَه قالَ: اللَّهمَّ بارِكْ لنا في ثَمرِنا. يُعطيه أصغَرَ مَنْ يَحضُرُه من الوِلدانِ» (١) أخرَجَه مُسلمٌ.
стр. 7610
وإنْ كانَ الواهِبُ لهما -أي: للصَّغيرِ والمَجنونِ- أحدَ الثَّلاثةِ غيرَ الأبِ، بأنْ كانَ الواهِبُ الوَصيَّ أو الحاكِمَ لم يَتولَّ طَرفَيِ العَقدِ كالبَيعِ، ووكَّلَ مَنْ يَقبلُ بخِلافِ الأبِ؛ لأنَّ له أنْ يَتولَّى طَرفَيِ البَيعِ ويَقبضَ هو -أي: الوَليُّ-، قالَ في «المُغني»: والصَّحيحُ عندي أنَّ الأبَ وغيرَه في هذا سَواءٌ؛ لأنَّه عَقدٌ جارٍ صُدورُه منه ومِن وَكيلِه، فجازَ له تَولِّي طَرفَيه كالأبِ، وفارَقَ البَيعَ؛ فإنَّه عَقدُ مُعاوضةٍ ومُرابحةٍ فتَحصلُ التُّهمةُ في العَقدِ لنَفسِه، والهِبةُ مَحضُ مَصلحةٍ لا تُهمةَ فيها، فجازَ له تَولِّي طَرفَيها كالأبِ. قالَ الحارِثيُّ: وبه أقولُ.
والسَّفيهُ فيما تقدَّمَ كالصَّغيرِ.
وإنْ كانَ الأبُ غيرَ مَأمونٍ قبِلَ الحاكِمُ الهِبةَ للصَّغيرِ ونَحوِه، أو كانَ الأبُ مَجنونًا قبِلَ الحاكِمُ الهِبةَ لوَلدِه، أو كانَ الأبُ قد ماتَ ولا وَصيَّ له قبِلَ له الحاكِمُ؛ لأنَّه وَليُّه إذَنْ.
ولو اتَّخذَ الأبُ دَعوةَ خِتانٍ وحُملَت هَدايا إلى دارِه فهي له؛ لأنَّه الظاهِرُ، إلا أنْ يُوجدَ ما يَقتَضي الاختِصاصَ بالمَختونِ فيَكونَ له، وهذا كثيابِ الصِّبيانِ ونَحوِها مما يَختصُّ بهم، وكذا لو وُجدَ ما يَقتَضي اختِصاصَ الأُمِّ بشَيءٍ فيَكونُ لها، مِثلَ كَونِ المُهدِي من أَقاربِها أو مَعارِفِها، حُملَ على العُرفِ (١).
стр. 7611
الرُّكنُ الرابِعُ: المَوهوبُ:
الشَّيءُ المَوهوبُ هو المَعقودُ عليه في الهِبةِ، وقد اتَّفقَ الفُقهاءُ في الجُملةِ على أنَّ كلَّ ما جازَ بَيعُه جازَت هِبتُه، إلا أنَّهم استَثنَوْا بعضَ الاستِثناءاتِ على هذا الضابِطِ كما سيَأتي.
قالَ المالِكيةُ: الهِبةُ تَصحُّ في كلِّ مَملوكٍ للواهِبِ ذاتًا أو مَنفعةً يُنقلُ شَرعًا كالدارِ والثَّوبِ ومَنافعِهما، لا ما لا يَقبلُ النَّقلَ كالاستِمتاعِ بالزَّوجةِ وأُمِّ الوَلدِ وكالشُّفعةِ، ولو كانَ مَجهولًا أو كَلبًا مأذونًا في اتِّخاذِه وآبِقًا ودَينًا (١).
وقالَ الشافِعيةُ: كلُّ ما جازَ بَيعُه جازَ هِبتُه بالأَولى؛ لأنَّ بابَها أوسَعُ، وكلُّ ما لا يَجوزُ بَيعُه كمَجهولٍ ومَغصوبٍ لغيرِ قادِرٍ على انتِزاعِه وضالٍّ وآبِقٍ فلا تَجوزُ هِبتُه بجامِعِ أنَّها تَمليكٌ في الحياةِ، وهذا هو الغالِبُ، إلا حَبتَيِ الحِنطةِ ونَحوِهما من المُحقَّراتِ؛ فإنَّها يَمتنعُ بَيعُها لا هِبتُها اتِّفاقًا؛ إذْ لا مَحذورَ أنْ يَتصدَّقَ الإِنسانُ بالمُحقَّرِ كما في الخبَرِ عن النَّبيِّ ﷺ (٢).
стр. 7612
قالَ الحَنابِلةُ: ما صَحَّ بَيعُه من الأَعيانِ صحَّت هِبتُه؛ لأنَّها تَمليكٌ في الحَياةِ فتَصحُّ فيما يَصحُّ فيه البَيعُ، وما لا يَصحُّ بَيعُه لا تَصحُّ هِبتُه (١).
وقالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ في المَوهوبِ أنْ يَكونَ مالًا مُتقوَّمًا فلا تَجوزُ هِبةُ ما ليسَ بمالٍ أصلًا، كالمَيتةِ والدَّمِ وصَيدِ الحُرمِ والإِحرامِ والخِنزيرِ وغيرِ ذلك على ما ذُكرَ في البُيوعِ، ولا هِبةُ ما ليسَ بمالٍ مُطلقًا كأُمِّ الوَلدِ والمُدبِرِ المُطلقِ والمُكاتَبِ؛ لكَونِهم أَحرارًا من وَجهٍ، ولهذا لم يَجزْ بَيعُ هؤلاء، ولا هِبةُ ما ليسَ بمُتقوَّمٍ كالخَمرِ، ولهذا لم يَجزْ بَيعُها (٢).
وقد اشترَطَ الفُقهاءُ أيضًا بعضَ الشُّروطِ في الشَّيءِ المَوهوبِ، وبَيانُها على هذا التَّفصيلِ:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ الشَّيءُ المَوهوبُ مَوجودًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَوهوبِ هل يُشترطُ أنْ يَكونَ مَوجودًا وَقتَ الهِبةِ أو لا يُشترطُ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترطُ لصِحةِ الهِبةِ أنْ يَكونَ المَوهوبُ مَوجودًا حالَ الهِبةِ؛ لأنَّه تَمليكٌ في الحالِ، وعليه لا يَصحُّ هِبةُ المَعدومِ وهو ما ليسَ مَوجودًا وَقتَ الهِبةِ، كما لو وهَبَه
стр. 7613
ما يُثمرُ نَخلُه هذا العامَ أو ما تَلِدُ غَنمُه في هذه السَّنةِ؛ لأنَّ الهِبةَ عَقدُ تَمليكٍ في الحَياةِ فلم تَصحَّ في هذا كلِّه كالبَيعِ، ولأنَّ الهِبةَ تَمليكٌ للحالِ وتَمليكُ المَعدومِ مُحالٌ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى جَوازِ هِبةِ المَعدومِ.
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: ولا خِلافَ في المَذهبِ في جَوازِ هِبةِ المَجهولِ والمَعدومِ المُتوقَّعِ الوُجودِ (٢).
وجاءَ في «المُدونة الكُبرى»: (قُلتُ): أرأيتَ إنْ وهَبَ لرَجلٍ ما تَلدُ جاريتُه عَشرَ سِنينَ، أتَجوزُ هذه الهِبةُ أو لا؟ (قال): لم أسمَعْ من مالِكٍ في هذا شَيئًا، ولكنِّي سمِعتُ مالِكًا يَقولُ في الذي يَهبُ ثَمرةَ نَخلةٍ لرَجلٍ عِشرينَ سَنةً أو أقَلَّ أو أكثَرَ أنَّ ذلك جائِزٌ إذا حازَ المَوهوبُ له النَّخلَ أو جُعلَت له على يَدَيْ مَنْ يَحوزُ له، فالجاريةُ إنْ كانَ قد قبَضَها أو حازَها أو جُعلَت له على يَدِ مَنْ حازَها له فذلك جائِزٌ مِثلَ النَّخلِ، وإنْ لم يَحُزْها حتى يَموتَ رَبُّها أو تُحازَ له فالهِبةُ باطِلةٌ. (قُلتُ): فالهِبةُ في هذا والصَّدقةُ
стр. 7614
والحَبسُ والنِّحلُ سَواءٌ؟ أيَّ ذلك كانَ فهو جائِزٌ؟ (قالَ): نَعَمْ، إذا قبَضَ فهو جائِزٌ (١).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: يَجوزُ هِبةُ المَعدومِ، كأنْ يَهبَه ثَمرَ شَجرِه هذا العامَ أو عَشرةَ أعوامٍ (٢).
الشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ مَعلومًا: فلا تَصحُّ هِبةُ المَجهولِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في هِبةِ المَجهولِ، مِثلَ أنْ يَهبَ رَجلٌ نَصيبَه في مِيراثِ رَجلٍ أو نَصيبِه في دارٍ لا يَدري مِقدارَه، وكالحَملِ في البَطنِ واللَّبنِ في الضَّرعِ، أو: «وهَبتُك أحدَ الثَّوبَينِ»، هل يَصحُّ أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ -على تَفصيلٍ عندَهم- إلى أنَّه يُشترطُ في الشَّيءِ المَوهوبِ أنْ يَكونَ مَعلومًا، فلا تَصحُّ هِبةُ المَجهولِ؛ لأنَّه عَقدُ تَمليكٍ لا يَصحُّ تَعليقُه بالشُّروطِ فلم يَصحَّ في المَجهولِ كالبَيعِ (٣).
стр. 7615
قالَ الشافِعيةُ: لا تَصحُّ هِبةُ المَجهولِ ك «وهَبتُك أحدَ العَبدَينِ أو الثَّوبَينِ» كما لا يَصحُّ بَيعُه.
إلا أنَّهم استَثنَوْا بعضَ المَسائلِ، منها: ما إذا لم يَعلمِ الوَرثةُ مِقدارَ ما لكلٍّ منهم من الإرثِ، كما لو خلَّفَ وَلدينِ أحدُهما خُنثَى.
ومنها: لو اصطَلحَ الذين وُقفَ المالُ بينَهم على تَساوٍ أو تَفاوُتٍ جازَ، ولا بدَّ أنْ يَجريَ بينَهم تَواهُبٌ، وهذا التَّواهبُ لا يَكونُ إلا عن جَهالةٍ، ولكنَّها تُحتمَلُ للضَّرورةِ.
ومنها: إذا اختلَطَ حَمامُ بُرجَين فوهَبَ صاحِبُ أحدِهما نَصيبَه للآخَرِ؛ فإنَّه يَصحُّ على الصَّحيحِ، وإنْ كانَ مَجهولَ القَدرِ والصِّفةِ للضَّرورةِ، ومِثلُ ذلك لو اختلَطَت حِنطتُه بحِنطةِ غيرِه، أو مائِعُه بمائعِ غيرِه، أو ثَمرتُه بثَمرةِ غيرِه.
ومنها: صُوفُ الشاةِ المَجعولةِ أُضحيةً ولَبنُها.
ومنها: لو قالَ: أنتَ في حِلٍّ مما تَأخذُ من مالي أو تُعطي أو تَأكلُ؛ فإنَّه يَجوزُ له الأكلُ دونَ الأخذِ والإعطاءِ؛ لأنَّ الأكلَ إِباحةٌ وهي تَصحُّ مَجهولةً بخِلافِهما.
وإنْ قالَ: وهَبتُ لك جَميعَ مالي أو نِصفَ مالي صَحَّت إنْ كانَ المالُ
стр. 7616
أو نِصفُه مَعلومًا لهما وإلا فلا؛ لأنَّ هذا لا يَصحُّ بَيعُه، وما لا يَصحُّ بَيعُه لا تَصحُّ هِبتُه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ وحَربٍ: لا تَصحُّ هِبةُ المَجهولِ. وقالَ في رِوايةِ حَربٍ: إذا قالَ: «وهَبتُ شاةً من غَنمي لك» لم يَجُزْ، وبه قالَ الشافِعيُّ.
ويُحتملُ أنَّ الجَهلَ إذا كانَ في حَقِّ الواهِبِ منَعَ الصِّحةَ؛ لأنَّه غَررٌ في حَقِّه، وإنْ كانَ من المَوهوبِ له لم يَمنعْها؛ لأنَّه غَررٌ في حَقِّه، فلم يُعتبَرْ في حَقِّه العِلمُ بما يُوهَبُ له كالمُوصى له.
وقالَ مالِكٌ: تَصحُّ هِبةُ المَجهولِ؛ لأنَّه تَبرعٌ فصَحَّ في المَجهولِ كالنَّذرِ والوَصيةِ.
ووَجهُ الأولِ أنَّه عَقدُ تَمليكٍ لا يَصحُّ تَعليقُه بالشُّروطِ فلم يَصحَّ في المَجهولِ كالبَيعِ بخِلافِ النَّذرِ والوَصيةِ (٢).
والصَّحيحُ عندَ الحَنابِلةِ أنَّ المَوهوبَ المَجهولَ تارةً يَتعذَّرُ عِلمُه وتارةً لا يَتعذَّرُ عِلمُه.
стр. 7617
فإنْ تعذَّرَ عِلمُه كزَيتٍ اختلَطَ بزَيتٍ، أو شَيرَجٍ أو دَقيقٍ اختلَطَ بدَقيقٍ آخَرَ فوهَبَ أحدُهما للآخَرِ مِلكَه منه، أو اختلَطَ مالُ اثنَينِ على وَجهٍ لا يَتميَّزُ فوهَبَ أحدُهما لرَفيقِه نَصيبَه منه، يَصحُّ للحاجةِ كالصُّلحِ على الصَّحيحِ من المَذهبِ.
وظاهِرُ كَلامِ ابنِ قُدامةَ وأكثَرِ الأَصحابِ أنَّه لا يَصحُّ لإطلاقِهم عَدمُ الصِّحةِ في هِبةِ المَجهولِ من غيرِ تَفصيلٍ، وهو ظاهِرُ رِوايةِ أَبي داودَ وحَربٍ السابقَتَين في كَلامِ ابنِ قُدامةَ.
وإنْ لم يَتعذَّرْ عِلمُه كالحَملِ في البَطنِ واللَّبنِ في الضَّرعِ والصُّوفِ على الظَّهرِ فالصَّحيحُ من المَذهبِ أنَّها لا تَصحُّ للجَهالةِ وتَعذُّرِ التَّسليمِ، ومَتى أذِنَ رَبُّ شاةٍ لإِنسانٍ في جَزِّ الصُّوفِ وحَلبِ الشاةِ كانَ إباحةً لصُوفِها ولَبنِها لا هِبةً.
ولو قالَ: «خُذْ من هذا الكِيسِ ما شِئتَ»، كانَ له أخذُ ما به جَميعًا، ولو قالَ: «خُذْ من هذه الدَّراهمِ ما شِئتَ»، لم يمَلكْ أخذَها كلَّها؛ إذِ الكيسُ ظَرفٌ فإذا أخَذَ الظَّرفَ حسُنَ أنْ يُقالَ «أخَذَ من الكيسِ ما فيه» ولا يَحسُنُ أنْ يُقالَ: «أخَذتُ من الدَّراهمِ كلِّها» (١).
стр. 7618
وذهَبَ المالِكيةُ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ والحارِثيُّ إلى جَوازِ هِبةِ المَجهولِ.
قالَ المالِكيةُ: تَصحُّ الهِبةُ في كلِّ مَملوكٍ يُنقلُ وإنْ كانَ مَجهولَ العَينِ أو القَدرِ لهما أو لأحدِهما، ولو خالَفَ ظَنَّه بكَثيرٍ على التَّحقيقِ، كما لو وهَبَ أو تصَدَّق بميراثِه من فُلانٍ لظَنِّه أنَّه يَسيرٌ فإذا هو كَثيرٌ، أو وهَبَ له ما في جَيبِه ظَنًّا أنَّه دِرهمٌ لكَونِ عادَتِه أنَّه لا يَجعلُ فيه أزيَدَ من ذلك فوجَدَ فيه عَشرةَ مَحابيبَ، فلا رُجوعَ له على الصَّحيحِ في المَذهبِ، كما قالَه ابنُ عبدِ الحَكمِ، وقالَ ابنُ القاسِمِ: له رَدُّ عَطيتِه. قالَ الدُّسوقيُّ: وهو ضَعيفٌ (١).
وقالَ المَوَّاقُ ﵀: حَكى مُحمدٌ الإِجماعَ على جَوازِ هِبةِ المَجهولِ. ومِن «المُدونة»: مَنْ وهَبَ مُورِّثَه وهو لا يَدري كم هو جازَ، والغَررُ في الهِبةِ لغيرِ الثَّوابِ يَجوزُ (٢).
والقاعِدةُ عندَ المالِكيةِ أنَّه لا تأثيرَ للغَررِ في بابِ التَّبرعاتِ، قالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: الفَرقُ الرابِعُ والعِشرونَ بينَ قاعِدةِ ما تُؤثِّرُ فيه الجَهالاتُ والغَررُ وقاعِدةِ ما لا يُؤثِّرُ فيه ذلك من التَّصرفاتِ:
стр. 7619
ورَدَت الأَحاديثُ الصَّحيحةُ في نَهيِه ﵇ عن بَيعِ الغَررِ وعن بَيعِ المَجهولِ، واختَلفَ العُلماءُ بعدَ ذلك، فمنهم مَنْ عمَّمَه في التَّصرفاتِ، وهو الشافِعيُّ فمنَعَ من الجَهالةِ في الهِبةِ والصَّدقةِ والإِبراءِ والخُلعِ والصُّلحِ وغيرِ ذلك، ومنهم من فصَّلَ -وهو مالِكٌ- بينَ قاعِدةِ ما يُجتنَبُ فيه الغَررُ والجَهالةُ وهو بابُ المُماكَساتِ والتَّصرفاتِ المُوجِبةِ لتَنميةِ الأَموالِ وما يُقصدُ به تَحصيلُها، وقاعِدةِ ما لا يُجتنَبُ فيه الغَررُ والجَهالةُ، وهو ما لا يُقصدُ لذلك، وانقسَمَت التَّصرفاتُ عندَه ثَلاثةَ أَقسامٍ، هي: طَرفانِ وواسِطةٌ …
فالطَّرفان: أحدُهما: مُعاوضةٌ صِرفةٌ، فيُجتنَبُ فيها ذلك إلا ما دعَت الضَّرورةُ إليه عادةً كما تقدَّمَ أنَّ الجَهالاتِ ثَلاثةُ أقسامٍ، فكذلك الغَررُ والمَشقةُ.
وثانيهما: ما هو إِحسانٌ صِرفٌ لا يُقصدُ به تَنميةُ المالِ، كالصَّدقةِ والهِبةِ والإبراءِ؛ فإنَّ هذه التَّصرفاتِ لا يُقصدُ بها تَنميةُ المالِ، بل إنْ فاتَتْ على مَنْ أحسَنَ إليه بها فلا ضَررَ عليه؛ فإنَّه لم يَبذلْ شَيئًا، بخِلافِ القِسمِ الأولِ إذا فاتَ بالغَررِ والجَهالاتِ ضاعَ المالُ المَبذولُ في مُقابلتِه، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ مَنعَ الجَهالةِ فيه، أمَّا الإِحسانُ الصِّرفُ فلا ضَررَ فيه، فاقتَضَت حِكمةُ الشَّرعِ وحَثُّه على الإحسانِ التَّوسعةَ فيه بكلِّ طَريقٍ بالمَعلومِ والمَجهولِ؛ فإنَّ ذلك أيسَرُ؛ لكَثرةِ وُقوعِه قَطعًا، وفي المَنعِ من ذلك وَسيلةٌ إلى تَقليلِه، فإذا وهَبَ له عَبدَه الآبِقَ جازَ أنْ يَجدَه، فيَحصلَ له ما يَنتفعُ به، ولا ضَررَ عليه إنْ لم يَجدْه؛ لأنَّه لم يَبذلْ شَيئًا، وهذا فِقهٌ جَميلٌ، ثم إنَّ
стр. 7620
الأَحاديثَ لم يَرِدْ فيها ما يَعمُّ هذه الأَقسامَ حتى نَقولَ يَلزمُ منه مُخالفةُ نُصوصِ صاحِبِ الشَّرعِ، بل إنَّما ورَدَت في البَيعِ ونَحوِه.
وأمَّا الواسِطةُ بينَ الطَّرفَين فهي النِّكاحُ، فهو مِنْ جِهةِ أنَّ المالَ فيه ليسَ مَقصودًا وإنَّما مَقصدُه المَودةُ والأُلفةُ، والسُّكونُ يَقتَضي أنْ يَجوزَ فيه الجَهالةُ والغَررُ مُطلقًا، ومِن جِهةِ أنَّ صاحِبَ الشَّرعِ اشتَرطَ فيه المالَ بقَولِه تَعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَقتَضي امتِناعَ الجَهالةِ والغَررِ فيه، فلو وُجدَ الشَّبَهان توسَّطَ مالِكٌ فجوَّزَ فيه الغَررَ القَليلَ دونَ الكثيرِ، نحوَ عَبدٍ من غيرِ تَعيينٍ، وشَورةِ -أي: مَتاعِ- بَيتٍ، ولا يَجوزُ على العَبدِ الآبِقِ والبَعيرِ الشارِدِ؛ لأنَّ الأولَ يُرجعُ فيه إلى الوَسطِ المُتعارَفِ والثانِي ليسَ له ضابِطٌ فامتنَعَ، وأُلحقَ الخُلعُ بأحدِ الطَّرفَينِ الأوَّلَينِ الذي لا يَجوزُ فيه الغَررُ مُطلقًا؛ لأنَّ العِصمةَ وإِطلاقَها ليسَت من بابِ ما يُقصدُ للمُعاوضةِ، بل شأنُ الطَّلاقِ أنْ يَكونَ بغيرِ شَيءٍ فهو كالهِبةِ، فهذا هو الفَرقُ بينَ القاعِدتَين والضابِطُ للبابَينِ، والفِقهُ مع مالِكٍ ﵀ فيه (١).
وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عمَّن وهَبَ أو أباحَ لرَجلٍ شَيئًا مَجهولًا، هل يَصحُّ كما لو أباحَه ثَمرَ شَجرةٍ في قابِلٍ؟ ولو أرادَ الرُّجوعَ هل يَصحُّ؟
فأجابَ: تنازَعَ العُلماءُ في هِبةِ المَجهولِ، فجوَّزَها مالِكٌ حتى جوَّزَ أنْ يَهبَ غيرَه ما ورِثَه من فُلانٍ وإنْ لم يَعلمْ قَدرَه، وإنْ لم يَعلمْ أثُلثٌ هو أم
стр. 7621
رُبعٌ، وكذلك إذا وهَبَه حِصةً من دارٍ ولا يَعلمُ ما هي، وكذلك يَجوزُ هِبةُ المَعدومِ، كأنْ يَهبَه ثَمرَ شَجرِه هذا العامَ أو عَشرةَ أعوامٍ، ولم يُجوِّزْ ذلك الشافِعيُّ، وكذلك المَعروفُ في مَذهبِ أبي حَنيفةَ وأحمدَ المَنعُ من ذلك، لكنَّ أحمدَ وغيرَه يُجوِّزونَ في الصُّلحِ على المَجهولِ والإِبراءِ منه ما لا يُجوِّزُه الشافِعيُّ، وكذلك أبو حَنيفةَ يُجوِّزُ من ذلك ما لا يُجوِّزُه الشافِعيُّ؛ فإنَّ الشافِعيَّ يَشترطُ العِلمَ بمِقدارِ المَعقودِ عليه في عامةِ العُقودِ وكذلك عِوضُ الخُلعِ، وكذلك الصَّداقُ، وفيما شُرطَ على أهلِ الذِّمةِ، وأكثَرُ العُلماءِ يُوسِّعونَ في ذلك، وهو مَذكورٌ في مَوضعِه، ومَذهبُ مالِكٍ في هذا أرجَحُ.
وهذه المَسألةُ مُتعلقةٌ بأصلٍ آخَرَ، وهو أنَّ عُقودَ المُعاوضةِ كالبَيعِ والنِّكاحِ والخُلعِ تَلزمُ قبلَ القَبضِ، فالقَبضُ مُوجبُ العَقدِ، ومُقتَضاه ليسَ شَرطًا في لُزومِه، والتَّبرعاتُ كالهِبةِ والعارِيةِ فمَذهبُ أَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ أنَّها لا تَلزمُ إلا بالقَبضِ، وعندَ مالِكٍ تَلزمُ بالعَقدِ، وفي مَذهبِ أحمدَ نِزاعٌ كالنِّزاعِ في المُعيَّنِ، هل يَلزمُ بالعَقدِ أو لا بدَّ من القَبضِ، وفيه عنه رِوايتانِ، وكذلك في بعضِ صُورِ العارِيةِ، وما زالَ السَّلفُ يُعيرونَ الشَّجرةَ ويَمنَحونَ المَنايحَ وكذلك هِبةُ الثَّمرِ واللَّبنِ الذي لم يُوجدْ، ويَروْن ذلك لازِمًا، ولكنَّ هذا يُشبهُ العارِيةَ؛ لأنَّ المَقصودَ بالعَقدِ يَحدثُ شَيئًا بعدَ شَيءٍ كالمَنفعةِ، ولهذا كانَ هذا مما يَستحقُّه المَوقوفُ عليه كالمَنافعِ، ولهذا تَصحُّ المُعاملةُ بجُزءٍ من هذا كالمُساقاةِ، وأمَّا إباحةُ ذلك فلا نِزاعَ بينَ العُلماءِ فيه، وسَواءٌ
стр. 7622
كانَ ما أباحَه مَعدومًا أو مَوجودًا، مَعلومًا أو مَجهولًا، لكنْ لا تَكونُ الإِباحةُ عَقدًا لازِمًا كالعارِيةِ عندَ مَنْ لا يَجعلُ العارِيةَ عَقدًا لازِمًا كأَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ، وأمَّا مالِكٌ فيَجعلُ ذلك لازِمًا إذا كانَ مُحدَّودًا بشَرطٍ أو عُرفٍ، وفي مَذهبِ أحمدَ نِزاعٌ وتَفصيلٌ (١).
وقالَ أيضًا: وتَصحُّ هِبةُ المَعدومِ كالثَّمرِ واللَّبنِ بالسَّنةِ، واشتِراطُ القُدرةِ على التَّسليمِ هنا فيه نَظرٌ بخِلافِ البَيعِ، وتَصحُّ هِبةُ المَجهولِ كقَولِه: «ما أخَذتَ من مالي فهو لك، أو مَنْ وجَدَ شَيئًا من مالي فهو له»، وفي جَميعِ هذه الصُّورِ يَحصلُ المِلكُ بالقَبضِ ونَحوِه، وللمُبيحِ أنْ يَرجعَ فيما قالَ قبلَ التَّملُّكِ، وهذا نَوعٌ لهِبةٍ يَتأخرُ القَبولُ فيه عن الإِيجابِ كَثيرًا وليسَ بإِباحةٍ، وتَجهيزُ المَرأةِ بجَهازِها إلى بَيتِ زَوجِها تَمليكٌ (٢).
الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ المَوهوبُ مالًا مُتقوَّمًا:
المالُ المُتقومُ هو ما كانَ مالًا في نَظرِ الشَّرعِ له قيمةٌ يَضمنُ بها عندَ إِتلافِه.
وقد اشتَرطَ عامةُ الفُقهاءِ في المَوهوبِ أنْ يَكونَ مالًا مُتقوَّمًا، فلا يَصحُّ هِبةُ ما ليسَ بمالٍ أصلًا كالمَيتةِ والدَّمِ والخِنزيرِ، ولا هِبةُ ما ليسَ مُتقوَّمًا كالخَمرِ، وكذا كلُّ ما هو مُحرَّمٌ شَرعًا لا تَجوزُ هِبتُه (٣).
стр. 7623
الشَّرطُ الرابِعُ: أنْ يَكونَ مَملوكًا في نَفسِه:
نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّه يُشترطُ في المَوهوبِ أنْ يَكونَ مَملوكًا في نَفسِه فلا تَجوزُ هِبةُ المُباحاتِ؛ لأنَّ الهِبةَ تَمليكٌ، وتَمليكُ ما ليسَ بمَملوكٍ مُحالٌ (١).
الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يَكونَ المَوهوبُ مَحوزًا (وهي هِبةُ المَشاعِ):
اختَلفَ الفُقهاءُ في الشَّيءِ المَوهوبِ، هل يُشترطُ أنْ يَكونَ مَحوزًا فلا تَصحَّ هِبةُ المَشاعِ أو لا يُشترطُ وتَصحُّ هِبةُ المَشاعِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ هِبةَ المَشاعِ صَحيحةٌ ويَتأتَّى فيها القَبضُ كما يَجوزُ فيها البَيعُ، وسَواءٌ كانَ المَشاعُ مما يَنقسِمُ كالدُّورِ والأرَضين، أو مما لا يَنقسِمُ كالعَبدِ والثِّيابِ والجَواهرِ، وسَواءٌ كانَ مما يُقبضُ بالتَّخليةِ أو مما يُقبضُ بالنَّقلِ والتَّحويلِ.
واستدَلُّوا على ذلك بقَولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] ففي هذه الآيةِ دَليلٌ على جَوازِ هِبةِ المَشاعِ فيما يُقسَمُ؛ لإباحةِ اللهِ تَعالى لها تَمليكَ نِصفِ الفَريضةِ إياه بعدَ الطَّلاقِ، ولم
стр. 7624
يُفرقْ بينَ ما كانَ منها عَينًا أو دَينًا، ولا بينَ ما يَحتملُ القِسمةَ أو لا يَحتملُها، فوجَبَ بقَضيةِ الآيةِ جَوازُ هِبةِ المَشاعِ.
واحتَجُّوا على جَوازِ هِبةِ المَشاعِ بأنَّ وَفدَ هَوازنَ لمَّا جاؤُوا يَطلُبون من رَسولِ اللهِ ﷺ أنْ يَردَّ عليهم ما غنِمَه منهم قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أمَّا ما كانَ لي ولبَني عبدِ المُطلبِ فهو لكم» (١). وحَقُّه من ذلك مَشاعٌ لم يَتعيَّنْ.
وبما رَواه البُخاريُّ في بابِ هِبةِ الواحِدِ للجَماعةِ: وقالَت أسماءُ للقاسِمِ ابنِ مُحمدٍ وابنِ أبي عَتيقٍ: ورِثتُ عن أُختي عائِشةَ مالًا بالغابةِ وقد أعطاني به مُعاويةُ مِئةَ ألفٍ فهو لكما.
ثم رَوى عن سَهلِ بنِ سَعدٍ ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتيَ بشَرابٍ فشرِبَ وعن يَمينِه غُلامٌ وعن يَسارِه الأشياخُ، فقالَ للغُلامِ: إنْ أذِنتَ لي أعطَيتُ هؤلاء. فقالَ: ما كُنْتُ لأُوثِرَ بنَصيبي منك يا رَسولَ اللهِ أحدًا. فتَلَّه في يَدِه» (٢). فالنَّبيُّ ﷺ سألَ الغُلامَ أنْ يَهبَ نَصيبَه من اللَّبنِ للأشياخِ، ومَعلومٌ أنَّ نَصيبَه منه لم يَكنْ مُميَّزًا، بل كانَ مَشاعًا في اللَّبنِ غيرَ مُتميِّزٍ ولا مُنفصلٍ في القَدحِ، ولا يُعرفُ ما كانَ يُشربُ مما كانَ يُتركُ للأشياخِ، ولأنَّه يَجوزُ بَيعُه جازَت هِبتُه (٣).
стр. 7625
وأمَّا كيفيةُ القَبضِ فقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختَلَفوا في هِبةِ المَشاعِ وكيف القَبضُ فيها …
فقالَ مالِكٌ: هِبةُ المَشاعِ جائِزةٌ ولا تَصحُّ إلا بقَبضِ الجَميعِ، وتَصحُّ للشَّريكِ في المَشاعِ إذا تخَلَّى الواهِبُ عنها وأخَذَها من يَدِه وانفرَدَ الشَّريكُ المَوهوبُ له بها.
وقالَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأحمدُ وإِسحاقُ: تَصحُّ الهِبةُ في المَشاعِ، والقَبضُ فيها كالقَبضِ في البَيعِ سَواءٌ.
وقالَ أبو حَنيفةَ وأَصحابُه: الهِبةُ للمَشاعِ باطِلةٌ، ولا تَصحُّ إلا مَقبوضةً مَعلومةً مُفردةً كما يَصحُّ الرَّهنُ عندَهم، فيُفردُ المُرتهَنُ وكذلك المَوهوبُ له ويَقبضُه ولا شَركةَ فيه لغيرِه (١).
وأمَّا الحَنفيةُ فقالوا: المَشاعُ إمَّا أنْ يَكونَ مما يَنقسِمُ كالدُّورِ والأرضينَ، فهذا لا تَصحُّ هِبتُه.
وإمَّا أنْ يَكونَ مما لا يَنقسمُ كهِبةِ نِصفِ العَبدِ ونِصفِ الثَّوبِ ونِصفِ الجَوهرةِ، فهذا تَجوزُ هِبتُه، فإذا وهَبَ جُزءًا مُسمًّى وسلَّمَه بالتَّخليةِ جازَ،
стр. 7626
وهذا لأنَّ الحاجةَ تَمسُّ لإيجابِ التَّبرعِ فيما لا يَحتملُ القِسمةَ، فلو لم يَجزْ ذلك ضاقَ الأمرُ على الناسِ لإبطالِ هذا النَّوعِ من التَّصرفِ عليهم فيما لا يَحتملُ القِسمةَ أصلًا، بخِلافِ ما يَحتملُ القِسمةَ؛ فإنَّه يَتأخرُ فيه التَّصرفُ إلى القِسمةِ ولا يَبطلُ أصلًا فلا يَتحقَّقُ فيه الضَّرورةُ.
واحتَجُّوا على ذلك بقَولِهم: إنَّ هذا إِجماعُ الصَّحابةِ ﵃؛ فإنَّه رُويَ أنَّ سيِّدَنا أبا بَكرٍ ﵁ قالَ في مَرضِ مَوتِه لسَيِّدتِنا عائِشةَ ﵂: «إنَّ أحَبَّ الناسِ إلَيَّ غِنًى أنتِ، وأعَزُّهم علَيَّ فَقرًا أنتِ، وإنِّي كُنْتُ نحَلتُك جِدادَ عِشرين وَسقًا من مالي بالعاليةِ، وإنَّكِ لم تَكوني قَبضتيه ولا حُزتيه وإنَّما هو اليَومَ مالُ الوارِثِ» (١)، اعتبَرَ سيِّدُنا الصِّدِّيقُ ﵁ القَبضَ والقيمةَ في الهِبةِ لثُبوتِ المِلكِ؛ لأنَّ الحيازةَ في اللُّغةِ جَمعُ الشَّيءِ المُفرَّقِ في حَيِّزٍ، وهذا مَعنى القِسمةِ؛ لأنَّ الأَنصِباءَ الشائِعةَ قبلَ القِسمةِ كانت مُتفرقةً، والقِسمةُ تَجمعُ كلَّ نَصيبٍ في حَيِّزٍ.
ورُوي عن سيِّدِنا عُمرَ ﵁ قالَ: «ما بالُ أحدِكم يَنحَلُ وَلدَه نِحَلًا لا يَحوزُها ولا يَقسمُها، ويَقولُ: إنْ مِتُّ فهو له، وإنْ ماتَ رجَعَت إلَيَّ، وَايمُ اللهِ لا يَنحَلُ أحدُكم وَلدَه نِحلةً لا يَحوزُها ولا يَقسمُها فيَموتُ إلا جعَلتُها ميراثًا لوَرثتِه» (٢) والمُرادُ من الحيازةِ القَبضُ هنا؛ لأنَّه ذكَرَها بمُقابلةِ القِسمةِ
стр. 7627
حتى لا يُؤديَ إلى التَّكرارِ، أخرَجَ الهِبةَ من أنْ تَكونَ مُوجبةً للمِلكِ بدونِ القَبضِ والقِسمةِ.
ورُويَ عن سيِّدِنا علِيٍّ ﵁ أنَّه قالَ: «مَنْ وهَبَ ثُلثَ كذا أو رُبعَ كذا لا يَجوزُ ما لم يُقاسِمْ» وكلُّ ذلك بمَحضرٍ من أَصحابِ رَسولِ اللهِ، ولم يُنقلْ أنَّه أنكَرَ عليهم مُنكرٌ فيَكونُ إِجماعًا.
ولأنَّ القَبضَ شَرطُ جَوازِ هذا العَقدِ، والشُّيوعُ يَمنعُ من القَبضِ؛ لأنَّ مَعنى القَبضِ هو التَّمكُّنُ من التَّصرفِ في المَقبوضِ، والتَّصرفُ في النِّصفِ الشائِعِ وَحدَه لا يُتصوَّرُ؛ فإنَّ سُكنَى نِصفِ الدارِ شائِعةً، ولُبسَ نِصفِ الثَّوبِ شائِعًا مُحالٌ، ولا يَتمكَّنُ من التَّصرفِ فيه بالتَّصرفِ في الكلِّ؛ لأنَّ العَقدَ لم يَتناولِ الكلَّ، وهكذا نَقولُ في المَشاعِ الذي لا يُقسمُ إنَّ مَعنى القَبضِ هناك لم يُوجدْ؛ لمَا قُلنا، إلا أنَّ هناك ضَرورةً؛ لأنَّه يُحتاجُ إلى هِبةِ بَعضِه، ولا حُكمَ للهِبةِ بدونِ القَبضِ، والشُّيوعُ مانِعٌ من القَبضِ المُمكنِ للتَّصرفِ ولا سَبيلَ إلى إزالةِ المانِعِ بالقِسمةِ لعَدمِ احتِمالِ القِسمةِ، فمَسَّت الضَّرورةُ إلى الجَوازِ وإقامةِ صُورةِ التَّخليةِ مَقامَ القَبضِ المُمكنِ من التَّصرفِ، ولا ضَرورةَ هنا؛ لأنَّ المَحلَّ مُحتمِلٌ للقِسمةِ فيُمكنُ إِزالةُ المانِعِ من القَبضِ المُمكنِ بالقِسمةِ.
أو نَقولُ: الصَّحابةُ ﵃ شرَطوا القَبضَ المُطلقَ، والمُطلقُ يَنصرفُ إلى الكاملِ، وقَبضُ المَشاعِ قَبضٌ قاصِرٌ لوُجودِه من حيثُ الصُّورةُ دونَ المَعنى على ما بَيَّنَّا، إلا أنَّه اكتُفيَ بالصُّورةِ في المَشاعِ الذي لا يَحتملُ
стр. 7628
القِسمةَ للضَّرورةِ التي ذكَرنا، ولا ضَرورةَ هنا، فلزِمَ اعتِبارُ الكَمالِ في القَبضِ ولا يُوجدُ في المَشاعِ، ولأنَّ الهِبةَ عَقدُ تَبرعٍ فلو صحَّت في مَشاعٍ يَحتملُ القِسمةَ لصارَ عَقدَ ضَمانٍ؛ لأنَّ المَوهوبَ له يَملكُ مُطالبةَ الواهِبِ بالقِسمةِ فيَلزمُه ضَمانُ القِسمةِ، فيُؤدِّي إلى تَغييرِ المَشروعِ، ولهذا توقَّفَ المِلكُ في الهِبةِ على القَبضِ؛ لمَا أنَّه لو ملَكَه بالعَقدِ نَفسِه لثبَتَت له وِلايةُ المُطالبةِ بالتَّسليمِ، فيُؤدي إلى إيجابِ الضَّمانِ في عَقدِ التَّبرعِ، وفيه تَغييرُ المَشروعِ، كذا هذا، بخِلافِ مَشاعٍ لا يَحتملُ القِسمةَ؛ لأنَّه هناك لا يُتصوَّرُ إيجابُ الضَّمانِ على المُتبرعِ؛ لأنَّ الضَّمانَ ضَمانُ القِسمةِ، والمَحلُّ لا يَحتملُ القِسمةَ، فهو الفَرقُ.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولو قسَّمَ ما وهَبَ وأفرَزَه ثم سلَّمَه إلى المَوهوبِ له جازَ؛ لأنَّ هِبةَ المَشاعِ عندَنا مُنعقدٌ مَوقوفٌ نَفاذُه على القِسمةِ، والقَبضُ بعدَ القِسمةِ هو الصَّحيحُ؛ إذِ الشُّيوعُ لا يَمنعُ رُكنَ العَقدِ ولا حُكمَه، وهو المِلكُ، ولا سائِرَ الشَّرائطِ، إلا القَبضَ المُمكنَ من التَّصرفِ، فإذا قسَّمَ وقبَضَ فقد زالَ المانِعُ من النَّفاذِ فيَنفذُ، وحَديثُ الصِّديقِ ﵁ لا يَدلُّ عليه؛ فإنَّه قالَ لسَيِّدتِنا عائِشةَ ﵂: إنِّي كُنْتُ نحَلتُك جِدادَ عِشرين وَسقًا من مالي. وكانَ ذلك هِبةَ المَشاعِ فيما يَنقسِمُ؛ لأنَّ النَّحلَ من ألفاظِ الهِبةِ، ولو لم يَنعقدْ لمَا فعَلَه الصِّديقُ ﵁؛ لأنَّه ما كانَ ليَعقدَ عَقدًا باطِلًا، فدَلَّ قَولُ الصِّديقِ ﵁ على انعِقادِ العَقدِ في نَفسِه وتَوقُّفِ حُكمِه على القِسمةِ والقَبضِ، وهو عَينُ مَذهبِنا واللهُ أعلَمُ.
стр. 7629
وكذلك لو وهَبَ نِصفَ دارِه من رَجلٍ ولم يُسلِّمْ إليه، ثم وهَبَ منه النِّصفَ الآخَرَ وسلَّمَ إليه جُملةً جازَ لمَا قُلنا.
ولو وهَبَ منه نِصفَ الدارِ وسلَّمَ إليه بتَخليةِ الكلِ ثم وهَبَ منه النِّصفَ الآخَرَ وسلَّمَ لم تَجُزِ الهِبةُ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما هِبةُ المَشاعِ، وهِبةُ المَشاعِ فيما يُقسَمُ لا تَنفذُ إلا بالقِسمةِ والتَّسليمِ، ويَستَوي فيه الجَوابُ في هِبةِ المَشاعِ بينَ أنْ يَكونَ من أجنَبيٍّ أو شَركةِ شَريكِه، كلُّ ذلك يَجوزُ؛ لقَولِ جَماعةٍ من الصَّحابةِ ﵃: «لا تَجوزُ الهِبةُ إلا مَقبوضةً مَحوزةً» من غيرِ فَصلٍ، ولأنَّ المانعَ هو الشُّيوعُ عندَ القَبضِ وقد وُجدَ، وعلى هذا الخِلافِ صَدقةُ المَشاعِ فيما يَنقسِمُ أنَّه لا يَجوزُ عندَنا خِلافًا للشافِعيِّ ﵀.
وَجهُ قَولِه: أنَّ الشُّيوعَ لا يَمنعُ حُكمَ التَّصرفِ وهو المِلكُ، ولا شَرطَه وهو القَبضُ، ولا يَمنعُ جَوازَه كالمَفروضِ.
ولنا: أنَّ القَبضَ شَرطُ جَوازِ الصَّدقةِ، ومَعنى القَبضِ لا يَتحقَّقُ في الشائِعِ أو لا يَتكاملُ فيه لمَا بَيَّنَّا في الهِبةِ.
ولأنَّ التَّصدُّقَ تَبرعٌ كالهِبةِ، وتَصحيحُه في المَشاعِ يُصيِّرُها عَقدَ ضَمانٍ فيَتغيرُ المَشروعُ على ما بَيَّنَّا في الهِبةِ.
ولو وهَبَ شَيئًا يَنقسِمُ من رَجلَينِ كالدارِ والدَّراهمِ والدَّنانيرِ ونَحوِها وقَبَضاه لم يَجزْ عندَ أبي حَنيفةَ وجازَ عندَ أَبي يُوسفَ ومُحمدٍ، وأجمَعوا على أنَّه لو وهَبَ رَجلانِ من واحِدٍ شَيئًا يَنقسمُ وقبَضَه أنَّه يَجوزُ، فأبو حَنيفةَ يَعتبِرُ الشُّيوعَ عندَ القَبضِ وهما يَعتبرانِه عندَ العَقدِ والقَبضِ جَميعًا، فلم
стр. 7630
يُجوِّزْ أبو حَنيفةَ هِبةَ الواحِدِ من اثنَينِ لوُجودِ الشُّيوعِ وَقتَ القَبضِ، وهُما جَوَّزاها؛ لأنَّه لم يُوجدِ الشُّيوعُ في الحالَين، بل وُجِد أحدُهما دونَ الآخَرِ، وجَوَّزوا هبِةَ الاثنَين من واحِدٍ.
أمَّا أبو حَنيفةَ ﵀ فلعَدمِ الشُّيوعِ في وَقتِ القَبضِ، وأمَّا هُما فلانعِدامِه في الحالَين؛ لأنَّه وُجدَ عندَ العَقدِ ولم يُوجدْ عندَ القَبضِ (١).
الشَّرطُ السادِسُ: أنْ يَكونَ المَوهوبُ مُتميِّزًا عن غيرِه وغيرَ مُتصلٍ به:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَوهوبِ هل يُشترطُ أنْ يَكونَ مُتميِّزًا عن غيرِه وغيرَ مُتصلٍ به مِثلَ الصُّوفِ على الغَنمِ أو لا يُشترطُ وتَصحُّ هِبةُ الصُّوفِ على الغَنمِ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى عَدمِ اشتِراطِ أنْ يَكونَ المَوهوبُ مُتميِّزًا عن غيرِه وغيرَ مُتصلٍ به، بل يَصحُّ هِبةُ الشَّيءِ وإنْ لم يَكنْ مُتميِّزًا عن غيرِه وإنْ كانَ مُتصلًا به كالصُّوفِ على ظَهرِ الحَيوانِ.
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ويَظهرُ لي صِحةُ هِبةِ الصُّوفِ على الظَّهرِ قَولًا واحِدًا (٢).
стр. 7631
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى عَدمِ صِحةِ هِبةِ الصُّوفِ على ظَهرِ الحَيوانِ للجَهالةِ وتَعذُّرِ التَّسليمِ.
قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ لصِحةِ الهِبةِ ألَّا يَكونَ المَوهوبُ مُتصلًا بما ليسَ بمَوهوبٍ اتِّصالَ الأجزاءِ؛ لأنَّ قَبضَ المَوهوبِ وَحدَه لا يُتصورُ، وغَيرُه ليسَ بمَوهوبٍ، فكانَ هذا في مَعنى المَشاعِ، وعلى هذا يَخرجُ ما إذا وهَبَ أرضًا فيها زَرعٌ دونَ الزَّرعِ، أو شَجرًا عليه ثَمرٌ دونَ الثَّمرِ، أو وهَبَ الزَّرعَ دونَ الأرضِ، أو الثَّمرَ دونَ الشَّجرِ وخَلَّى بينَه وبينَ المَوهوبِ له أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ المَوهوبَ مُتصلٌ بما ليسَ بمَوهوبٍ اتِّصالَ جُزءٍ بجُزءٍ فمنَعَ صِحةَ القَبضِ.
ولو جَذَّ الثَّمرَ وحصَدَ الزَّرعَ ثم سلَّمَه فارِغًا جازَ؛ لأنَّ المانِعَ من النَّفاذِ -وهو ثُبوتُ المِلكِ- قد زالَ.
ولو جمَعَ بينَهما في الهِبةِ فوهَبَهما جَميعًا وسلَّمَ مُتفرِّقًا جازَ، ولو فرَّقَ بينَهما في الهِبةِ فوهَبَ كلَّ واحِدٍ منهما بعَقدٍ على حِدةٍ بأنْ وهَبَ الأرضَ ثم الزَّرعَ أو الزَّرعَ ثم الأرضَ؛ فإنْ جمَعَ بينَهما في التَّسليمِ جازَتِ الهِبةُ فيهما جَميعًا، وإنْ فرَّقَ لا تَجوزُ الهِبةُ فيهما جَميعًا قدَّمَ أو أخَّرَ سَواءٌ، بخِلافِ الفَصلِ الأولِ؛ لأنَّ المانِعَ من صِحةِ القَبضِ هنا الاتِّصالُ وهو لا يَختلفُ، والمانِعُ هناك الشَّغلُ، وهو يَختلفُ، نَظيرُ هذا إذا وهَبَ نِصفَ الدارِ مَشاعًا من رَجلٍ ولم يُسلِّمْ إليه حتى وهَبَ النِّصفَ الباقيَ منه وسلَّمَ الكلَّ فهو يَجوزُ، ولو وهَبَ النِّصفَ وسلَّمَ ثم وهَبَ الباقيَ وسلَّمَ لا يَجوزُ، كذا هذا.
стр. 7632
وعلى هذا يَخرجُ ما إذا وهَبَ لَبنًا في ضَرعٍ أو صُوفًا على ظَهرِ غَنمٍ؛ فإنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ اتِّصالَ هذه الأَشياءِ كالشُّيوعِ؛ لأنَّ المَوهوبَ مُتصلٌ بما ليسَ بمَوهوبٍ، وهذا يَمنعُ صِحةَ القَبضِ، وكذلك لو وهَبَه من شَريكِه لا يَجوزُ؛ لعَدمِ إمكانِ القَبضِ، لكنْ لو جَزَّ الصُّوفَ وسلَّمَه إليه جازَ؛ لزَوالِ المانِعِ.
وعلى هذا إذا وهَبَ دابَّةً وعليها حِملٌ بدونِ الحِملِ لا تَجوزُ، ولو رفَعَ الحِملَ عنها وسلَّمَها فارِغةً جازَ؛ لمَا قُلنا، بخِلافِ هِبةِ ما في بَطنِ جاريتِه أو ما في بَطنِ غَنمِه أو ما في ضَرعِها، أو هِبةِ سَمنٍ في لَبنٍ أو دُهنٍ في سِمسِمٍ أو زَيتٍ في زَيتونٍ أو دَقيقٍ في حِنطةٍ فهو يَبطُلُ وإنْ سلَّطَه على قَبضِه عندَ الوِلادةِ أو عندَ استِخراجِ ذلك؛ لأنَّ المَوهوبَ هناك ليسَ مَحلَّ العَقدِ لكَونِه مَعدومًا؛ لهذا لم يَجزْ بَيعُها فلا تَجوزُ هِبتُها، وهنا بخِلافِه على ما تَقدَّمَ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: ولا تَصحُّ هِبةُ مَجهولٍ لا يَتعذَّرُ عِلمُه كالحَملِ في البَطنِ واللَّبنِ في الضَّرعِ والصُّوفِ على الظَّهرِ للجَهالةِ وتَعذُّرِ التَّسليمِ، ومتى أذِنَ رَبُّ شاةٍ لإِنسانٍ في جَزِّ الصُّوفِ وحَلبِ الشاةِ كانَ إِباحةً لصُوفِها ولَبنِها لا هِبةً، وإنْ وهَبَ دُهنَ سِمسِمِه -وهو الشَّيرجُ قبلَ عَصرِه- أو زَيتَ زَيتونِه أو جِفتَه قبلَ عَصرِهما لم يَصحَّ كاللَّبنِ في الضَّرعِ وأَولى لكُلفةِ الاعتِصارِ (٢).
стр. 7633
بعضُ الأشياءِ التي اختَلفَ الفُقهاءُ في صِحةِ هِبتِها:
١ - هِبةُ المَنفعةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في هِبةِ المَنفعةِ، كمَن عِندَه دارٌ مَثلًا، فقالَ لآخَرَ وهَبتُك سُكناها شَهرًا، مَثلًا، هل تُعتبرُ هِبةً أو عارِيةً؟
ذهَبَ الحَنفيةُ -على تَفصيلٍ عندَهم- والمالِكيةُ والشافِعيةُ في أحدِ الوَجهَين وهو المُعتمدُ إلى أنَّه يَصحُّ هِبةُ المَنفعةِ وتُملكُ باستيفائِها ومَحلُّها أمانةٌ في يَدِه.
قالَ الحَنفيةُ: لو قالَ: «حَملتُك على هذه الدابةِ»؛ فإنَّه يَحتمِلُ الهِبةَ ويَحتمِلُ العارِيةَ، فاحتمَلَ تَمليكَ العَينِ واحتمَلَ تَمليكَ المَنافعِ، فلا بدَّ من النِّيةِ للتَّعيينِ.
ولو قالَ: «منَحتُك هذا الشَّيءَ»، أو قالَ: «هذا الشَّيءُ لكَ مِنحةً» فهذا لا يَخلو: إمَّا أنْ يَكونَ ذلك الشَّيءُ مما يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكٍ وإمَّا أنْ يَكونَ مما لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا باستِهلاكِه.
فإنْ كانَ مما يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكٍ كالدارِ والثَّوبِ والدابةِ والأرضِ، بأنْ قالَ: «هذه الدارُ لك مِنحةً، أو هذا الثَّوبُ أو هذه الدابةُ أو هذه الأرضُ» فهو عارِيةٌ؛ لأنَّ المِنحةَ في الأصلِ عِبارةٌ عن هِبةِ المَنفعةِ أو ما له حُكمُ المَنفعةِ، وقد أُضيفَ إلى ما يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكِه من السُّكنَى واللُّبسِ والرُّكوبِ والزِّراعةِ؛ لأنَّ مَنفعةَ الأرضِ زِراعتُها فكانَ هذا تَمليكَ المَنفعةِ من غيرِ عِوضٍ وهو تَفسيرُ الإعارةِ، وكذا إذا قالَ لأرضٍ
стр. 7634
بَيضاءَ هذه الأرضُ لك طُعمةٌ كانَ عارِيةً؛ لأنَّ عَينَ الأرضِ مما لا يُطعمُ، وإنَّما يُطعمُ ما يَخرجُ منها، فكانَ طُعمةُ الأرضِ زِراعتَها، فكانَ ذلك حينَئذٍ إِعارةً، ولصاحِبِها أنْ يَأخذَها إذا لم يَكنْ فيها زَرعٌ، وإنْ كانَ فيها زَرعٌ فالقياسُ أنْ يَكونَ له وِلايةُ القَلعِ كالبِناءِ والغَرسِ، وفي الاستِحسانِ يُتركُ إلى وَقتِ الحَصادِ بأجرِ المِثلِ.
ولو منَحَه شاةً حَلوبًا أو ناقةً حَلوبًا أو بَقرةً حَلوبًا وقالَ: «هذه الشاةُ لك مِنحةً، أو هذه الناقةُ أو هذه البَقرةُ» كانَ عارِيةً، وجازَ له الانتِفاعُ بلَبنِها؛ لأنَّ اللَّبنَ وإنْ كانَ عَينًا حَقيقةً فهو مَعدودٌ من المَنافعِ عُرفًا وعادةً، فأُعطيَ له حُكمُ المَنفعةِ، كأنَّه أباحَ له شُربَ اللَّبنِ فيَجوزُ له الانتِفاعُ بلَبنِها، وكذلك لو منَحَه جَديًا أو عَناقًا كانَ له عارِيةً؛ لأنَّ الجَديَ مُعرَّضٌ أنْ يَصيرَ فَحلًا، والعَناقُ حَلوبًا.
وإنْ عنَى بالمِنحةِ الهِبةَ في هذه المَواضعِ فهو على ما عنَى؛ لأنَّه نوَى ما يَحتملُه لَفظُه، وفيه تَشديدٌ على نَفسِه.
وإنْ كانَ مما لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا بالاستِهلاكِ كالمَأكولِ والمَشروبِ والدَّراهمِ والدَّنانيرِ، بأنْ قالَ: «هذا الطَّعامُ لكَ مِنحةً، أو هذا اللَّبنُ أو هذه الدَّراهمُ والدَّنانيرُ» كانَ هِبةً؛ لأنَّ المِنحةَ المُضافةَ إلى ما لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا بالاستِهلاكِ لا يُمكنُ حَملُها على هِبةِ المَنفعةِ فيُحملُ على هِبةِ العَينِ، وهي تَمليكُها، وتَمليكُ العَينِ للحالِ من غيرِ عِوضٍ هو تَغييرُ الهِبةِ، هذا إذا كانَ الإِيجابُ مُطلقًا عن القَرينةِ.
стр. 7635
فأمَّا إذا كانَ مَقرونًا بقَرينةٍ فالقَرينةُ لا تَخلو من أنْ تَكونَ وَقتًا أو أنْ تَكونَ شَرطًا، أو أنْ تَكونَ مَنفعةً؛ فإنْ كانَت القَرينةُ مَنفعةً بأنْ قالَ: «داري لكَ سُكنَى أو عُمرَى سُكنَى أو صَدقةَ سُكنَى أو هِبةَ سُكنَى أو سُكنَى هِبةٍ أو هي لك عُمرَى عارِيةً» ودفَعَها إليه فهذا كلُّه عارِيةٌ؛ لأنَّه لمَّا ذكَرَ السُّكنَى في قَولِه: «داري لكَ سُكنَى أو عُمرى سُكنَى أو صَدقةَ سُكنَى» دَلَّ على أنَّه أرادَ تَمليكَ المَنافعِ؛ لأنَّ قَولَه: «هذا لك» ظاهِرُه -وإنْ كانَ لتَمليكِ العَينِ- يَحتملُ تَمليكَ المَنفعةِ؛ لأنَّ الإِضافةَ إلى المُستعيرِ والمُستأجرِ مَنفعةٌ عُرفًا وشَرعًا.
وقَولُه: «سُكنَى» مَوضوعٌ للمَنفعةِ لا تُستعمَلُ إلا لها، فكانَ مُحكمًا، فجُعلَ تَفسيرًا للمُحتمَلِ وبَيانًا أنَّه أرادَ به تَمليكَ المَنفعةِ، وتَمليكُ المَنفعةِ بغيرِ عِوضٍ هو تَفسيرُ العارِيةِ، وكذا قَولُه: «سُكنَى» بعدَ ذِكرِ الهِبةِ يَكونُ تَفسيرًا للهِبةِ؛ لأنَّ قَولَه: «هِبةٌ» يَحتملُ هِبةَ العَينِ ويَحتملُ هِبةَ المَنافعِ، فإذا قالَ: «سُكنى» فقد عيَّنَ هِبةَ المَنافعِ، فكانَ بَيانًا لمُرادِ المُتكلمِ أنَّه أرادَ هِبةَ المَنافعِ، وهِبةُ المَنفعةِ تَمليكُها من غيرِ عِوضٍ وهو مَعنى العارِيةِ.
وإذا قالَ سُكنَى هِبةٍ فمَعناها أنَّ سُكنَى الدارِ هِبةٌ لك، فكانَ هِبةَ المَنفعةِ، وهو تَفسيرُ العارِيةِ.
ولو قالَ: «هي لك عُمرِي تَسكنُها، أو هِبةٌ تَسكنُها، أو صَدقةٌ تَسكنُها» ودفَعَها إليه فهي هِبةٌ؛ لأنَّه ما فسَّرَ الهِبةَ بالسُّكنى؛ لأنَّه لم يَجعلْه نَعتًا فيَكونَ بَيانًا للمُحتمَلِ، بل وهَبَ الدارَ منه ثم شاوَرَه فيما يَعملُ بمِلكِه، والمَشورةُ في مِلكِ الغيرِ باطِلةٌ فتعلَّقَت الهِبةُ بالعَينِ.