وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى عَدمِ صِحةِ هِبةِ الصُّوفِ على ظَهرِ الحَيوانِ للجَهالةِ وتَعذُّرِ التَّسليمِ.
قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ لصِحةِ الهِبةِ ألَّا يَكونَ المَوهوبُ مُتصلًا بما ليسَ بمَوهوبٍ اتِّصالَ الأجزاءِ؛ لأنَّ قَبضَ المَوهوبِ وَحدَه لا يُتصورُ، وغَيرُه ليسَ بمَوهوبٍ، فكانَ هذا في مَعنى المَشاعِ، وعلى هذا يَخرجُ ما إذا وهَبَ أرضًا فيها زَرعٌ دونَ الزَّرعِ، أو شَجرًا عليه ثَمرٌ دونَ الثَّمرِ، أو وهَبَ الزَّرعَ دونَ الأرضِ، أو الثَّمرَ دونَ الشَّجرِ وخَلَّى بينَه وبينَ المَوهوبِ له أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ المَوهوبَ مُتصلٌ بما ليسَ بمَوهوبٍ اتِّصالَ جُزءٍ بجُزءٍ فمنَعَ صِحةَ القَبضِ.
ولو جَذَّ الثَّمرَ وحصَدَ الزَّرعَ ثم سلَّمَه فارِغًا جازَ؛ لأنَّ المانِعَ من النَّفاذِ -وهو ثُبوتُ المِلكِ- قد زالَ.
ولو جمَعَ بينَهما في الهِبةِ فوهَبَهما جَميعًا وسلَّمَ مُتفرِّقًا جازَ، ولو فرَّقَ بينَهما في الهِبةِ فوهَبَ كلَّ واحِدٍ منهما بعَقدٍ على حِدةٍ بأنْ وهَبَ الأرضَ ثم الزَّرعَ أو الزَّرعَ ثم الأرضَ؛ فإنْ جمَعَ بينَهما في التَّسليمِ جازَتِ الهِبةُ فيهما جَميعًا، وإنْ فرَّقَ لا تَجوزُ الهِبةُ فيهما جَميعًا قدَّمَ أو أخَّرَ سَواءٌ، بخِلافِ الفَصلِ الأولِ؛ لأنَّ المانِعَ من صِحةِ القَبضِ هنا الاتِّصالُ وهو لا يَختلفُ، والمانِعُ هناك الشَّغلُ، وهو يَختلفُ، نَظيرُ هذا إذا وهَبَ نِصفَ الدارِ مَشاعًا من رَجلٍ ولم يُسلِّمْ إليه حتى وهَبَ النِّصفَ الباقيَ منه وسلَّمَ الكلَّ فهو يَجوزُ، ولو وهَبَ النِّصفَ وسلَّمَ ثم وهَبَ الباقيَ وسلَّمَ لا يَجوزُ، كذا هذا.
стр. 7632
وعلى هذا يَخرجُ ما إذا وهَبَ لَبنًا في ضَرعٍ أو صُوفًا على ظَهرِ غَنمٍ؛ فإنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ اتِّصالَ هذه الأَشياءِ كالشُّيوعِ؛ لأنَّ المَوهوبَ مُتصلٌ بما ليسَ بمَوهوبٍ، وهذا يَمنعُ صِحةَ القَبضِ، وكذلك لو وهَبَه من شَريكِه لا يَجوزُ؛ لعَدمِ إمكانِ القَبضِ، لكنْ لو جَزَّ الصُّوفَ وسلَّمَه إليه جازَ؛ لزَوالِ المانِعِ.
وعلى هذا إذا وهَبَ دابَّةً وعليها حِملٌ بدونِ الحِملِ لا تَجوزُ، ولو رفَعَ الحِملَ عنها وسلَّمَها فارِغةً جازَ؛ لمَا قُلنا، بخِلافِ هِبةِ ما في بَطنِ جاريتِه أو ما في بَطنِ غَنمِه أو ما في ضَرعِها، أو هِبةِ سَمنٍ في لَبنٍ أو دُهنٍ في سِمسِمٍ أو زَيتٍ في زَيتونٍ أو دَقيقٍ في حِنطةٍ فهو يَبطُلُ وإنْ سلَّطَه على قَبضِه عندَ الوِلادةِ أو عندَ استِخراجِ ذلك؛ لأنَّ المَوهوبَ هناك ليسَ مَحلَّ العَقدِ لكَونِه مَعدومًا؛ لهذا لم يَجزْ بَيعُها فلا تَجوزُ هِبتُها، وهنا بخِلافِه على ما تَقدَّمَ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: ولا تَصحُّ هِبةُ مَجهولٍ لا يَتعذَّرُ عِلمُه كالحَملِ في البَطنِ واللَّبنِ في الضَّرعِ والصُّوفِ على الظَّهرِ للجَهالةِ وتَعذُّرِ التَّسليمِ، ومتى أذِنَ رَبُّ شاةٍ لإِنسانٍ في جَزِّ الصُّوفِ وحَلبِ الشاةِ كانَ إِباحةً لصُوفِها ولَبنِها لا هِبةً، وإنْ وهَبَ دُهنَ سِمسِمِه -وهو الشَّيرجُ قبلَ عَصرِه- أو زَيتَ زَيتونِه أو جِفتَه قبلَ عَصرِهما لم يَصحَّ كاللَّبنِ في الضَّرعِ وأَولى لكُلفةِ الاعتِصارِ (٢).
стр. 7633
بعضُ الأشياءِ التي اختَلفَ الفُقهاءُ في صِحةِ هِبتِها:
١ - هِبةُ المَنفعةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في هِبةِ المَنفعةِ، كمَن عِندَه دارٌ مَثلًا، فقالَ لآخَرَ وهَبتُك سُكناها شَهرًا، مَثلًا، هل تُعتبرُ هِبةً أو عارِيةً؟
ذهَبَ الحَنفيةُ -على تَفصيلٍ عندَهم- والمالِكيةُ والشافِعيةُ في أحدِ الوَجهَين وهو المُعتمدُ إلى أنَّه يَصحُّ هِبةُ المَنفعةِ وتُملكُ باستيفائِها ومَحلُّها أمانةٌ في يَدِه.
قالَ الحَنفيةُ: لو قالَ: «حَملتُك على هذه الدابةِ»؛ فإنَّه يَحتمِلُ الهِبةَ ويَحتمِلُ العارِيةَ، فاحتمَلَ تَمليكَ العَينِ واحتمَلَ تَمليكَ المَنافعِ، فلا بدَّ من النِّيةِ للتَّعيينِ.
ولو قالَ: «منَحتُك هذا الشَّيءَ»، أو قالَ: «هذا الشَّيءُ لكَ مِنحةً» فهذا لا يَخلو: إمَّا أنْ يَكونَ ذلك الشَّيءُ مما يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكٍ وإمَّا أنْ يَكونَ مما لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا باستِهلاكِه.
فإنْ كانَ مما يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكٍ كالدارِ والثَّوبِ والدابةِ والأرضِ، بأنْ قالَ: «هذه الدارُ لك مِنحةً، أو هذا الثَّوبُ أو هذه الدابةُ أو هذه الأرضُ» فهو عارِيةٌ؛ لأنَّ المِنحةَ في الأصلِ عِبارةٌ عن هِبةِ المَنفعةِ أو ما له حُكمُ المَنفعةِ، وقد أُضيفَ إلى ما يُمكنُ الانتِفاعُ به من غيرِ استِهلاكِه من السُّكنَى واللُّبسِ والرُّكوبِ والزِّراعةِ؛ لأنَّ مَنفعةَ الأرضِ زِراعتُها فكانَ هذا تَمليكَ المَنفعةِ من غيرِ عِوضٍ وهو تَفسيرُ الإعارةِ، وكذا إذا قالَ لأرضٍ
стр. 7634
بَيضاءَ هذه الأرضُ لك طُعمةٌ كانَ عارِيةً؛ لأنَّ عَينَ الأرضِ مما لا يُطعمُ، وإنَّما يُطعمُ ما يَخرجُ منها، فكانَ طُعمةُ الأرضِ زِراعتَها، فكانَ ذلك حينَئذٍ إِعارةً، ولصاحِبِها أنْ يَأخذَها إذا لم يَكنْ فيها زَرعٌ، وإنْ كانَ فيها زَرعٌ فالقياسُ أنْ يَكونَ له وِلايةُ القَلعِ كالبِناءِ والغَرسِ، وفي الاستِحسانِ يُتركُ إلى وَقتِ الحَصادِ بأجرِ المِثلِ.
ولو منَحَه شاةً حَلوبًا أو ناقةً حَلوبًا أو بَقرةً حَلوبًا وقالَ: «هذه الشاةُ لك مِنحةً، أو هذه الناقةُ أو هذه البَقرةُ» كانَ عارِيةً، وجازَ له الانتِفاعُ بلَبنِها؛ لأنَّ اللَّبنَ وإنْ كانَ عَينًا حَقيقةً فهو مَعدودٌ من المَنافعِ عُرفًا وعادةً، فأُعطيَ له حُكمُ المَنفعةِ، كأنَّه أباحَ له شُربَ اللَّبنِ فيَجوزُ له الانتِفاعُ بلَبنِها، وكذلك لو منَحَه جَديًا أو عَناقًا كانَ له عارِيةً؛ لأنَّ الجَديَ مُعرَّضٌ أنْ يَصيرَ فَحلًا، والعَناقُ حَلوبًا.
وإنْ عنَى بالمِنحةِ الهِبةَ في هذه المَواضعِ فهو على ما عنَى؛ لأنَّه نوَى ما يَحتملُه لَفظُه، وفيه تَشديدٌ على نَفسِه.
وإنْ كانَ مما لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا بالاستِهلاكِ كالمَأكولِ والمَشروبِ والدَّراهمِ والدَّنانيرِ، بأنْ قالَ: «هذا الطَّعامُ لكَ مِنحةً، أو هذا اللَّبنُ أو هذه الدَّراهمُ والدَّنانيرُ» كانَ هِبةً؛ لأنَّ المِنحةَ المُضافةَ إلى ما لا يُمكنُ الانتِفاعُ به إلا بالاستِهلاكِ لا يُمكنُ حَملُها على هِبةِ المَنفعةِ فيُحملُ على هِبةِ العَينِ، وهي تَمليكُها، وتَمليكُ العَينِ للحالِ من غيرِ عِوضٍ هو تَغييرُ الهِبةِ، هذا إذا كانَ الإِيجابُ مُطلقًا عن القَرينةِ.
стр. 7635
فأمَّا إذا كانَ مَقرونًا بقَرينةٍ فالقَرينةُ لا تَخلو من أنْ تَكونَ وَقتًا أو أنْ تَكونَ شَرطًا، أو أنْ تَكونَ مَنفعةً؛ فإنْ كانَت القَرينةُ مَنفعةً بأنْ قالَ: «داري لكَ سُكنَى أو عُمرَى سُكنَى أو صَدقةَ سُكنَى أو هِبةَ سُكنَى أو سُكنَى هِبةٍ أو هي لك عُمرَى عارِيةً» ودفَعَها إليه فهذا كلُّه عارِيةٌ؛ لأنَّه لمَّا ذكَرَ السُّكنَى في قَولِه: «داري لكَ سُكنَى أو عُمرى سُكنَى أو صَدقةَ سُكنَى» دَلَّ على أنَّه أرادَ تَمليكَ المَنافعِ؛ لأنَّ قَولَه: «هذا لك» ظاهِرُه -وإنْ كانَ لتَمليكِ العَينِ- يَحتملُ تَمليكَ المَنفعةِ؛ لأنَّ الإِضافةَ إلى المُستعيرِ والمُستأجرِ مَنفعةٌ عُرفًا وشَرعًا.
وقَولُه: «سُكنَى» مَوضوعٌ للمَنفعةِ لا تُستعمَلُ إلا لها، فكانَ مُحكمًا، فجُعلَ تَفسيرًا للمُحتمَلِ وبَيانًا أنَّه أرادَ به تَمليكَ المَنفعةِ، وتَمليكُ المَنفعةِ بغيرِ عِوضٍ هو تَفسيرُ العارِيةِ، وكذا قَولُه: «سُكنَى» بعدَ ذِكرِ الهِبةِ يَكونُ تَفسيرًا للهِبةِ؛ لأنَّ قَولَه: «هِبةٌ» يَحتملُ هِبةَ العَينِ ويَحتملُ هِبةَ المَنافعِ، فإذا قالَ: «سُكنى» فقد عيَّنَ هِبةَ المَنافعِ، فكانَ بَيانًا لمُرادِ المُتكلمِ أنَّه أرادَ هِبةَ المَنافعِ، وهِبةُ المَنفعةِ تَمليكُها من غيرِ عِوضٍ وهو مَعنى العارِيةِ.
وإذا قالَ سُكنَى هِبةٍ فمَعناها أنَّ سُكنَى الدارِ هِبةٌ لك، فكانَ هِبةَ المَنفعةِ، وهو تَفسيرُ العارِيةِ.
ولو قالَ: «هي لك عُمرِي تَسكنُها، أو هِبةٌ تَسكنُها، أو صَدقةٌ تَسكنُها» ودفَعَها إليه فهي هِبةٌ؛ لأنَّه ما فسَّرَ الهِبةَ بالسُّكنى؛ لأنَّه لم يَجعلْه نَعتًا فيَكونَ بَيانًا للمُحتمَلِ، بل وهَبَ الدارَ منه ثم شاوَرَه فيما يَعملُ بمِلكِه، والمَشورةُ في مِلكِ الغيرِ باطِلةٌ فتعلَّقَت الهِبةُ بالعَينِ.
стр. 7636
وقَولُه: «تَسكنُها» بمَنزلةِ قَولِه: «لتَسكنَها»، كما إذا قالَ: «وهَبتُها لك لتُؤاجرَها»، ولو قالَ: «هي لك تَسكنُها» كانت هِبةً أيضًا؛ لأنَّ الإضافةَ بحَرفِ اللامِ إلى مَنْ هو أهلُ المِلكِ للتَّمليكِ، وقَولُه: «تَسكنُها» مَشورةٌ على ما بَيَّنَّا (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في الوَجهِ الثانِي إلى أنَّه لا يَصحُّ هِبةُ المَنافعِ؛ لأنَّها ليسَت بتَمليكٍ؛ بِناءً على أنَّ ما وهَبَ منافِعَه عارِيةٌ (٢).
وسُئلَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ ﵀: هل تَصحُّ هِبةُ المَنافعِ؟
فأجابَ -نفَعَ اللهُ به- بقَولِه: للأَصحابِ فيها وَجهانِ:
أحدُهما: أنَّها عارِيةٌ للدارِ لا تُملكُ مَنافعُها، بل تَكونُ إِباحةً.
والثاني: أنَّها هِبةٌ فتَكونُ أمانةً، فلا يَضمنُ الدارَ إنْ تلِفَت تحتَ يَدِه.
ورجَّحَ الزَّركشيُّ تَبعًا للماورديِّ الأولَ، ورجَّحَ البُلقينيُّ كالسُّنبكيِّ
стр. 7637
الثانِي قالَ: ويَكونُ قَبضُ المَنافعِ باستيفائِها. وتبِعَه عليه البُلقينيُّ في الحَواشي، وهو المُعتمدُ، وما ذكَرَه في غيرِ الحَواشي من أنَّ الهِبةَ تَلزمُ بقَبضِ الدارِ ردَّه عليه تِلميذُه أَبو زُرعةَ، وقالَ: لا تَلزمُ إلا بإِتلافِها. وأخَذَه مِنْ فَرقِ السُّبكيِّ ﵀ بينَ كَونِ المَنافعِ في الإِجارةِ مَقبوضةً بقَبضِ الدارِ، وإنْ لم يُتلِفِ المُستأجِرُ المَنافعَ، بخِلافِه في هِبةِ المَنافعِ بأنَّ الإِجارةَ فيها مُعاوضةٌ فكانت كمِلكِ الأُجرةِ بالقَبضِ، ولا مُعاوضةَ في الهِبةِ فلم تَلزمْ إلا بالإِتلافِ، فللواهِبِ الرُّجوعُ فيما بَقيَ من المَنافعِ ولو بعدَ قَبضِ العَينِ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه -وهو المَنافعُ- باقٍ يُؤخذُ شَيئًا فشَيئًا، فلم يَكنْ قَبضُ الدارِ قَبضًا لها؛ لأنَّها إنَّما تُوجدُ بوُجودِ الزَّمانِ بخِلافِ الأَعيانِ؛ فإنَّ الاستيلاءَ عليها بكَمالِها ثم بالقَبضِ، ولم يَبقَ بعدَه عَلقةٌ فاتَّضحَ فُرقانُ ما بينَهما (١).
وقد تقدَّمَت المَسألةُ بشَيءٍ من التَّفصيلِ في حُكمِ مَنْ قالَ: «أسكَنتُك داري أو منَحتُك داري».
٢ - هِبةُ الكَلبِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ هِبةِ الكَلبِ هل تَصحُّ أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في أصَحِّ الوَجهَينَ إلى صِحةِ هِبةِ الكَلبِ المَأذونِ في اتِّخاذِه، ككَلبِ الصَّيدِ والماشيةِ؛ إذ غيرُه لا يُملكُ فلا تَصحُّ هِبتُه، وإنَّما جازَت هِبتُه؛ لأنَّه تَبرعٌ فجازَ في
стр. 7638
ذلك كالوَصيةِ، وكأنَّ المُحرَّمَ أخذُ ثَمنِه، ولأنَّه أخَفُّ من البَيعِ، ولأنَّه لا يَلزمُ من امتِناعِ نَقلِه على وَجهٍ خاصٍّ -وهو البَيعُ- امتِناعُ نَقلِه من جَميعِ الوُجوهِ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ هِبةُ الكَلبِ قِياسًا على البَيعِ، فكما أنَّه لا يَجوزُ بَيعُه لا تَجوزُ هِبتُه.
قالَ الحَنابِلةُ: يَجوزُ نَقلُ اليَدِ في الكَلبِ ونَحوِه مما يُباحُ الانتِفاعُ به، وليسَ هِبةً حَقيقةً (١).
٣ - هِبةُ جِلدِ المَيتةِ قبلَ الدِّباغِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ هِبةِ جِلدِ المَيتةِ قبلَ الدِّباغِ، وكذا جِلدٌ نَجسٌ أو كلُّ مَتنجِّسٍ هل يَصحُّ أو لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ هِبةُ جِلدِ المَيتةِ قبلَ الدِّباغِ؛ لأنَّه لا يَجوزُ بَيعُه فلا تَجوزُ هِبتُه، وكذا كل مُتنجِّسٍ يُمكنُ الانتِفاعُ به قِياسًا على البَيعِ.
стр. 7639
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَصحُّ هِبةُ جِلدِ المَيتةِ قبلَ الدِّباغِ، وكذا كلُّ مُتنجِّسٍ يُمكنُ الانتِفاعُ به؛ لأنَّ الهِبةَ أخَفُّ من البَيعِ (١).
٤ - هِبةُ جِلدِ الأُضحيَّةِ:
نَصَّ المالِكيةُ على جَوازِ هِبةِ جِلدِ الأُضحيَّةِ؛ لأنَّه لا يَلزمُ من امتِناعِ نَقلِه على وَجهٍ خاصٍّ -وهو البَيعُ- امتِناعُ نَقلِه من جَميعِ الوُجوهِ، وهو التَّبرعُ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: لا يَصحُّ هِبةُ جِلدِ الأُضحيَّةِ ولا لَحمُها كبَيعِه، بخِلافِ التَّصدُّقِ به (٣).
٥ - هِبةُ النَّجاسةِ المُنتفَعِ بها:
ذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ -وهو اختيارُ ابنِ قُدامةَ والحارِثيِّ- إلى صِحةِ هِبةِ ما يُباحُ به الانتِفاعُ من النَّجاساتِ؛ لأنَّه تَبرعٌ فجازَ في ذلك كالوَصيةِ، ولأنَّ نَقلَ اليَدِ في هذه الأَعيانِ ونَحوِها جائِزٌ، كما يَجوزُ في الوَصيةِ.
стр. 7640
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَجوزُ هِبةُ الكَلبِ وما يُباحُ الانتِفاعُ به من النَّجاساتِ؛ لأنَّه تَبرعٌ فجازَ في ذلك كالوَصيةِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ عندَهما إلى عَدمِ صِحةِ هِبةِ النَّجاساتِ؛ لأنَّه لا يَصحُّ بَيعُها، فكلُّ ما لا يَجوزُ بَيعُه لا تَجوزُ هِبتُه.
قالَ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا هِبةُ الدُّهنِ النَّجسِ والصَّدقةِ به فعن القاضِي أبي الطَّيبِ مَنعُهما.
ويُشبهُ أنْ يَكونَ فيهما ما في هِبةِ الكَلبِ من الخِلافِ.
قُلتُ: يَنبَغي أنْ يَقطعَ بصِحةِ الصَّدقةِ به للاستِصباحِ ونَحوِه، وقد جزَمَ المُتولِّي بأنَّه يَجوزُ نَقلُ اليَدِ فيه بالوَصيةِ وغيرِها (٢).
وقالَ المِرداويُّ ﵀: قَولُه: (وكلُّ ما يَجوزُ بَيعُه) يعني: تَصحُّ هِبتُه، وهذا صَحيحٌ، ونُصَّ عليه، ومَفهومُه أنَّ ما لا يَجوزُ بَيعُه لا تَجوزُ هِبتُه وهو المَذهبُ، وقدَّمَه في «الفُروعِ» واختارَه القاضِي.
وقيلَ: تَصحُّ هِبةُ ما يُباحُ الانتِفاعُ به من النَّجاساتِ، جزَمَ به الحارِثيُّ (٣).
стр. 7641
٦ - هِبةُ المُستعارِ:
نَصَّ الحَنفيةُ والشافِعيةُ على جَوازِ هِبةِ المُستعارِ.
قالَ النَّوويُّ ﵀: وتَجوزُ هِبةُ المُستعارِ لغيرِ المُستعيرِ، ثم إذا قبَضَ المَوهوبُ له بالإذنِ برِئَ المُستعيرُ من الضَّمانِ، ولو وكَّلَ المَوهوبُ له المُستعيرَ في قَبضِ ما في يَدِه في نَفسِه وقبِلَ صَحَّ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: تَجوزُ هِبةُ المُستعارِ حيثُ إنَّ عَقدَ العارِيةِ غيرُ لازِمٍ (٢).
٧ - هِبةُ المُستأجَرةِ:
قالَ النَّوويُ ﵀: وتَجوزُ هِبةُ المُستأجرةِ إذا جوَّزنا بَيعَها، وإلا ففيها الوَجهان.
ثم قالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ وغيرُه: ولو وكَّلَ المَوهوبُ له الغاصِبَ أو المُستعيرَ أو المُستأجرَ في قَبضِ ما في يَدِه في نَفسِه وقبِلَ صَحَّ.
وإذا مضَت مُدةٌ يَتأتَّى فيها القَبضُ برِئَ الغاصِبُ والمُستعيرُ من الضَّمانِ، وهذا يُخالفُ الأصلَ المَشهورَ في أنَّ الشَّخصَ لا يَكونُ قابِضًا مُقبِضًا (٣).
٨ - هِبةُ المَرهونِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في هِبةِ المَرهونِ، هل تَجوزُ هِبةُ العَينِ المَرهونةِ أو لا؟
стр. 7642
فقالَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ: تَصحُّ هِبةُ المَرهونِ، ويُجبَرُ الواهِبُ على افتِكاكِه له.
قالَ القَرافِيُّ ﵀: إنْ وُهبَ المَرهونُ جازَ، وتُعطي ما عليكَ إنْ كانَ لك مالٌ؛ فإنْ لم يَقمْ عليك حتى فدَيتَه أخَذَه بعَقدِ الهِبةِ ما لم تَمُتْ (١).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: وفي هِبةِ المَرهونِ وَجهانِ: إنْ صحَّحناها انتظَرنا؛ فإنْ بِيعَ في الرَّهنِ بانَ بُطلانُ الهِبةِ، وإنْ فُكَّ الرَّهنُ فللواهِبِ الخيارُ في الإقباضِ (٢).
وقالَ الغَزاليُّ ﵀: واختَلفوا في أنَّ هِبةَ المَرهونِ هل تُفيدُ المِلكَ عندَ فَكِّ الرَّهنِ أو يَفتقرُ إلى إِعادتِه؟ مع أنَّ القَطعَ بأنَّ تَعليقَ الهِبةِ لا يَجوزُ، وأنَّ بَيعَ المَرهونِ باطِلٌ؛ لأنَّ الهِبةَ لا تُوجِبُ المِلكَ بنَفسِها بخِلافِ البَيعِ (٣).
وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: هل تَصحُّ هِبةُ العَينِ المَرهونةِ بغيرِ إذنِ المُرتهَنِ؟ فيه وَجهان، حَكاهما المَسعوديُّ …
أحدُهما: يَصحُّ، كما تَصحُّ هِبةُ المُستأجرِ ولا يَبطلُ الرَّهنُ، بل إذا انفَكَّ الرَّهنُ سُلِّمَ في الهِبةِ، كما تُسلَّمُ العَينُ المُستأجرَةُ بعدَ انقِضاءِ الإِجارةِ.
والثاني: لا تَصحُّ الهِبةُ؛ لأنَّ الهبةَ تُصرفُ بإِزالةِ المِلكِ، والراهِنُ مَمنوعٌ من التَّصرفِ بما يُزيلُ المِلكَ، كما لا يَجوزُ له بَيعُ الرَّهنِ (٤).
стр. 7643
١٠ - هِبةُ المَغصوبِ:
هِبةُ المَغصوبِ إمَّا أنْ تُوهبَ للغاصِبِ أو لغيرِ الغاصِبِ، وغيرُ الغاصِبِ إمَّا أنْ يَقدِرَ على أخذِه من الغاصِبِ وإمَّا ألا يَقدِرَ.
فالمالِكيةُ يَرونَ صِحةَ هِبةِ المَغصوبِ سَواءٌ كانَ من الغاصِبِ أو من غيرِه، وسَواءٌ كانَ يَقدِرُ على أخذِه من الغاصِبِ أو لا يَقدِرُ؛ لأنَّ المَغصوبَ أسوأُ أَحوالِه أنْ يَكونَ غَررًا، وهِبةُ الشَّيءِ الذي فيه غَررٌ وجَهالةٌ جائِزةٌ، وليسَ حَوزُ الغاصِبِ حَوزًا؛ لأنَّه حازَ لنَفسِه (١).
وقالَ الشافِعيةُ: تَصحُّ هِبةُ المَغصوبِ للغاصِبِ، وهل تَفتقرُ إلى الإذنِ في القَبضِ؟ وَجهانِ.
وكذا تَجوزُ هِبةُ المَغصوبِ لغيرِ الغاصِبِ إنْ قدِرَ على انتِزاعِها من الغاصِبِ، فإذا أذِنَ له في القَبضِ فقبَضَه لزِمَت الهِبةُ، وإنْ وكَّلَ الغاصِبَ في القَبضِ له فمَضى زَمانٌ يُمكنُ فيه القَبضُ صارَت مَقبوضةً للمَوهوبِ له، وزالَ الضَّمانُ عن الغاصِبِ؛ لأنَّ المِلكَ الذي صارَ مَضمونًا زالَ، وصارَ مَقبوضًا لمالِكٍ آخَرَ بإذنِه، بخِلافِ ما إذا وهَبَه الغاصِبُ وأذِنَ له في قَبضِه؛ فإنَّ الضَّمانَ لا يَزولُ عنه؛ لأنَّ المِلكَ باقٍ لم يَزُلْ.
وإنْ لم يَقدِرْ على الانتِزاعِ ففيه وَجهانِ، أصَحُّهما: لا يَجوزُ (٢).
стр. 7644
فصل في أخذِ الأبِ من مالِ وَلدِه
هل للأبِ أنْ يأخُذَ من مالِ وَلدِه ما يَشاءُ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في الأبِ، هل له أنْ يَأخذَ من مالِ وَلدِه ما شاءَ؟ وهل هناك فَرقٌ بينَ الذَّكرِ والأُنثَى؟ وهل هناك فَرقٌ بينَ الصَّغيرِ والكَبيرِ من أَولادِه؟ وهل هناك فَرقٌ بينَ أخذِه عندَ الحاجةِ وعَدمِها أو لا يَأخذُ إلا عندَ الحاجةِ؟ وهل له الأخذُ من غيرِ رِضاه أو لا بدَّ من رِضاه؟
فذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ للأبِ أنْ يأخُذَ من وَلدِه ما شاءَ ويَتملكَه مع حاجةِ الأبِ إلى ما يَأخذُه ومع عَدمِها، صَغيرًا كانَ الوَلدُ أو كَبيرًا، ذَكرًا كانَ الوَلدُ أو أُنثَى، رضِيَ الوَلدُ أو سخِطَ، وبعِلمِه وبغيرِ عِلمِه.
وقد رُويَ «أنَّ مَسروقًا زوَّجَ ابنَتَه بصَداقٍ: عَشرةِ آلافٍ، فأخَذَها وأنفَقَها في سَبيلِ اللهِ، وقالَ للزَّوجِ جهِّزِ امرأتَكَ».
ولمَا رَوَت عائِشةُ ﵂ قالَت: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ أطيَبَ ما أكَلتُم من كَسبِكم، وإنْ أَولادَكم من كَسبِكم» (١).
стр. 7645
وعن عَطاءٍ عن عائِشةَ ﵂ أنَّ رَجلًا أَتى رَسولَ اللهِ ﷺ يُخاصِمُ أَباه في دَينٍ عليه، فقالَ نَبيُّ اللهِ ﷺ : «أنتَ ومالُك لأبِيك» (١).
وعن عَمرِو بنِ شُعيبٍ عن أَبيه عن جَدِّه ﵁ قالَ: أَتى أَعرابيٌّ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: إنَّ أَبي يُريدُ أنْ يَجتاحَ مالي، قالَ: «أنتَ ومالُك لوالِدِك، إنَّ أطيَبَ ما أكَلتُم من كَسبِكم، وإنَّ أَموالَ أَولادِكم من كَسبِكم، فكُلوه هَنيئًا» (٢).
وعن جابِرٍ ﵁ أنَّ رَجلًا قالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ لي مالًا ووَلدًا، وإنَّ أَبي يُريدُ أنْ يَجتاحَ مالي، فقالَ: «أنتَ ومالُك لأَبيك» (٣).
ولأنَّ اللهَ تَعالى جعَلَ الوَلدَ مَوهوبًا لأَبيه، فقالَ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] وقالَ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقالَ زَكريَّا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)﴾ [مريم: ٥] وقالَ إِبراهيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] وما كانَ مَوهوبًا له كانَ له أخذُ مالِه كعَبدِه.
стр. 7646
وقالَ سُفيانُ بنُ عُيَينةَ في قَولِه تَعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ثم ذكَرَ بُيوتَ سائِرِ القَراباتِ إلا الأَولادَ لم يَذكُرْهم؛ لأنَّهم دخَلوا في قَولِه: ﴿بُيُوتِكُمْ﴾ فلمَّا كانت بُيوتُ أَولادِهم كبُيوتِهم لم يَذكرْ بُيوتَ أَولادِهم، ولأنَّ الرَّجلَ يَلي مالَ وَلدِه من غيرِ تَوليةٍ فكانَ له التَّصرفُ فيه كمالِ نَفسِه.
وفي قَولٍ للحَنابِلةِ أنَّ الأبَ لا يَأخذُ من مالِ وَلدِه إلا ما يَحتاجُ إليه.
والصَّحيحُ من المَذهبِ أنَّ هذا للأبِ دونَ الأُمِّ والجَدِّ وغيرِهما من سائِرِ الأقارِبِ، فليسَ للأُمِّ أنْ تأخُذَ من مالِ وَلدِها؛ لأنَّ الأصلَ المَنعُ، خُولفَ في الأبِ لدِلالةِ النَّصِ، وبَقيَ ما عَداه على الأصلِ، وقيلَ لها ذلك كالأبِ.
لكنَّ الأبَ لا يَأخذُ إلا بشُروطٍ سِتةٍ:
أحدُها: أنْ يَكونَ ما يَتملكُه فاضِلًا على حاجةِ الوَلدِ لئلَّا يَضرَّه بتَملُّكِه، وهو مَنفيٌّ بقَولِه ﷺ : «لا ضَررَ ولا ضِرارَ» فليسَ للأبِ أنْ يَتملكَ سريَّتَه وإنْ لم تَكنْ أُمَّ وَلدٍ للابنِ؛ لأنَّها مُلحقةٌ بالزَّوجاتِ، ولا يَتملكُ أيضًا ما تَعلَّقت حاجَتُه به كآلةِ حِرفةٍ يَتكسَّبُ بها، ورأسِ مالِ تِجارةٍ؛ لأنَّ حاجةَ الإِنسانِ مُقدَّمةٌ على دَينِه فلَأنْ تُقدَّمَ على أَبيه بطَريقِ الأَولى.
الشَّرطُ الثاني: ألَّا يُعطيَه الأبُ لوَلدٍ آخَرَ، فلا يَتملكَ من مالِ وَلدِه زيدٍ ليُعطيَه لوَلدِه عَمرٍو؛ لأنَّه مَمنوعٌ من تَخصيصِ بعضِ وَلدِه بالعَطيةِ من مالِ نَفسِه، فلَأنْ يُمنعَ من تَخصيصِه بما أخَذَ من مالِ وَلدِه الآخَرِ أَولى.
стр. 7647
الشَّرطُ الثالِثُ: ألَّا يَكونَ التَّملكُ في مَرضِ مَوتِ أحدِهما -أي: الأبِ أو الوَلدِ-؛ لأنَّه بالمَرضِ قد انعقَدَ السَّببُ القاطِعُ للتَّملُّكِ.
الشَّرطُ الرابِعُ: ألَّا يَكونَ الأبُ كافِرًا والابنُ مُسلمًا، لا سيَّما إذا كانَ الابنُ كافِرًا ثم أسلَمَ، قالَه شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ، قالَ في «الإنصافِ»: وهذا عَينُ الصَّوابِ.
لحَديثِ: «الإِسلامُ يَعلو ولا يُعلى»، وقالَ شَيخُ الإِسلامِ أيضًا: الأشبَهُ أنَّ الأبَ المُسلمَ ليسَ له أنْ يَأخذَ من مالِ وَلدِه الكافِرِ شَيئًا؛ لانقِطاعِ الوِلايةِ والتَّوارثِ.
الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يَكونَ ما يَتملَّكُه الأبُ عَينًا مَوجودةً، فلا يَتملكُ دَينَ ابنِه؛ لأنَّه لا يَملكُ التَّصرفَ فيه قبلَ قَبضِه، ويَحصلُ تَملُّكُ الأبِ لمالِ وَلدِه بقَبضِ ما يَتملَّكُه مع قَولِ: «تَملكتُه»، أو نَحوِه أو نيةٍ، قالَ في «الفُروعِ»: ويَتوجَّهُ: أو بقَرينةٍ؛ لأنَّ القَبضَ أعَمُّ من أنْ يَكونَ للتَّملكِ أو غيرِه، فاعتُبِرَ القَولُ أو النِّيةُ ليَتعيَّنَ وَجهُ القَبضِ.
الشَّرطُ السادِسُ: ولا يَصحُّ تَصرفُ الأبِ في مالِ وَلدِه قبلَ القَبضِ مع القَولِ أو النِّيةِ ولو عِتقًا؛ لأنَّ مِلكَ الابنِ تامٌّ على مالِ نَفسِه يَصحُّ تَصرُّفُه فيه، ويَحلُّ له وَطءُ جَواريه، ولو كانَ المِلكُ مُشتَركًا لم يَحلَّ له الوَطءُ كما لا يَجوزُ له وَطءُ الجاريةِ المُشتَركةِ، وإنَّما للأبِ انتِزاعُها منه كالعَينِ التي وهَبَه إيَّاها.
ولا يَملكُ أبٌ إبراءَ نَفسِه من دَينِ وَلدِه ولا يَملكُ الأبُ أيضًا إبراءَ
стр. 7648
غَريمِ وَلدِه، ولا يَملكُ الأبُ تَملُّكَه ما في ذِمةِ نَفسِه ولا تَملُّكَ ما في ذِمةِ غَريمِ وَلدِه، ولا يَملكُ قَبضَ الدَّينِ منهما -أي: من نَفسِه وغَريمِ وَلدِه-؛ لأنَّ الوَلدَ لم يَملكُه قبلَ قَبضِه.
ولو أقَرَّ الأبُ بقَبضِ دَينِ وَلدِه من غَريمِه فأنكَرَ الوَلدُ أنْ يَكونَ أَبوه قبَضَ أو أقَرَّ بالقَبضِ رجَعَ الوَلدُ على غَريمِه بدَينِه؛ لعَدمِ بَراءتِه بالدَّفعِ إلى أَبيه، ورجَعَ الغَريمُ على الأبِ بما أخَذَه منه إنْ كانَ باقِيًا، وببَدلِه إنْ كانَ تالِفًا؛ لأنَّه قبَضَ ما ليسَ له قَبضُه لا بوِلايةٍ ولا بوَكالةٍ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ وابنُ عَقيلٍ من الحَنابِلةِ إلى أنَّ الأبَ ليسَ له أنْ يَأخذَ من مالِ وَلدِه إلا بقَدرِ حاجَتِه -وهي النَّفقةُ الواجِبةُ على الوَلدِ إذا كانَ الأبُ فَقيرًا- وإنِ استَهلكَ شَيئًا من مالِه فعليه ضَمانُه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ دِماءَكم وأَموالَكم وأَعراضَكم عليكم حَرامٌ كحُرمةِ يَومِكم هذا في بَلدِكم هذا في شَهرِكم هذا» (٢). فجعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ حُرمةَ الأَموالِ كحُرمةِ الأَبدانِ، فكما لا يَحلُّ أَبدانُ الأَبناءِ للآباءِ إلا بالحُقوقِ الواجِبةِ فكذلك لا يَحلُّ لهم أَموالُهم إلا بالحُقوقِ الواجِبةِ.
стр. 7649
ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَحلُّ مالُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا عن طيبِ نَفسٍ منه» (١)، ولأنَّ مِلكَ الابنِ تامٌّ على مالِ نَفسِه فلم يَجُزِ انتِزاعُه منه كالذي تعَلقَت به حاجَتُه.
وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ ذلك مَنصوصًا، فعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو ﵄ قالَ: أتى رَجلٌ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: أقرِئْني يا رَسولَ اللهِ، قالَ له: اقرَأْ ثَلاثًا من ذاتِ ﴿الر﴾، فقالَ الرَّجلُ: كبِرَت سِنِّي واشتَدَّ قَلبي وغلُظَ لِساني، قالَ: فاقرَأْ من ذاتِ ﴿حم﴾، فقالَ مِثلَ مَقالتِه الأُولى، فقالَ: اقرَأْ ثَلاثًا من المُسبِّحاتِ. فقالَ مِثلَ مَقالتِه، فقالَ الرَّجلُ: ولكنْ أقرِئْني يا رَسولَ اللهِ سُورةً جامِعةً. فأقرَأَه ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزلزلة: ١] حتى إذا فرَغَ منها قالَ الرَّجلُ: والذي بعَثَك بالحَقِّ لا أزيدُ عليها أبدًا. ثم أدبَرَ الرَّجلُ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أفلَحَ الرُّويجِلُ، أفلَحَ الرُّويجِلُ»، ثم قالَ: «علَيَّ به». فجاءَه فقالَ له: أُمرتُ بيَومِ الأَضحى، جعَلَه اللهُ عِيدًا لهذه الأُمةِ. فقالَ الرَّجلُ: أَرأيتَ إنْ لم أجِدْ إلا مَنيحةَ ابني، أفأُضحِّي بها؟ قالَ: «لا، ولكنْ تأخُذُ من شَعرِك وتُقلِّمُ أظفارَك وتَقصُّ شارِبَك وتَحلقُ عانَتَك، فذلك تَمامُ أُضحيَّتِك عندَ اللهِ» (٢). فلمَّا قالَ هذا الرَّجلُ: يا رَسولَ اللهِ، أُضحِّي بمَنيحةِ ابني، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ :
стр. 7650
«لا»، وقد أمَرَه أنْ يُضحِّيَ من مالِه وحَضَّه عليه، دَلَّ ذلك على أنَّ حُكمَ مالِ ابنِه خِلافُ مالِه، مع أنَّ أَولى الأَشياءِ بنا حَملُ هذه الآثارِ على هذا المَعنى؛ لأنَّ كِتابَ اللهِ يَدلُّ على ذلك، قالَ اللهُ : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ثم قالَ: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] فورَّثَ اللهُ غيرَ الوَلدِ مع الوالِدِ من مالِ الابنِ، فاستَحالَ أنْ يَكونَ المالُ للأبِ في حَياةِ الابنِ ثم يَصيرَ بَعضُه لغيرِ الأبِ، قالَ اللهُ : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] فجعَلَ اللهُ المَواريثَ للوالِدِ وغيرِه بعدَ قَضاءِ دَينٍ إنْ كانَ على المَيِّتِ، وبعدَ إنفاذِ وَصاياهُ من ثُلثِ مالِه.
قالَ الطَّحاويُّ ﵀: وقد أجمَعوا على أنَّ الأبَ لا يَقضي من مالِه دَينَ ابنِه، ولا يُنفذُ وَصايا أَبيه من مالِه، ففي ذلك ما قد دَلَّ على ما ذكَرنا، وقد أجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّ الابنَ إذا ملَكَ مَملوكةً حَلَّ له أنْ يَطأَها، وهي ممَّن أباحَ اللهُ له وَطأَها بقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] فلو كانَ مالُه لأبيه إذًا لحرُمَ عليه وَطءُ ما كسَبَ من الجَواري كحُرمةِ وَطءِ جَواري أبيه عليه، فدَلَّ ذلك أيضًا على انتِفاءِ مِلكِ الأبِ لمالِ الابنِ، وأنَّ مِلكَ الابنِ فيه ثابِتٌ دونَ أَبيه، وهذا قَولُ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ ومُحمدٍ ﵏.
وأمَّا قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «أنتَ ومالُك لأبيك»، قيلَ له: مَعنى أنَّه في مالِ ابنِه كهو في الابنِ نَفسِه، فلمَّا لم يَكنْ إِضافةُ الابنِ إليه مُوجِبةً لمِلكِه
стр. 7651
للابنِ، كذلك إِضافةُ مالِه إليه، لا على وَجهِ المِلكِ، ولكنَّه لا يَنبَغي لابنِه أنْ يُخالفَ أباه فيما يَأمرُه به في نَفسِه ومالِه ممَّا أباحَه اللهُ تَعالى له.
وذلك نحوَ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «ما نفَعَني مالٌ قَطُّ ما نفَعَني مالُ أَبي بَكرٍ». فقالَ أَبو بَكرٍ ﵁: إنَّما أنا ومالي لكَ يا رَسولَ اللهِ (١)، فلم يُرِدْ بذلك المِلكَ، وإنَّما أرادَ أنَّ أمرَه مُطلقٌ فيهما كانطِلاقِه في مالِ نَفسِه، كذلك ما وصَفنا (٢).
قالَ الحَنفيةُ -وهو أيضًا قَولُ سائِرِ الفُقهاءِ كما سيَأتي مُفصَّلًا في كِتابِ النَّفقةِ-: ونَفقةُ الآباءِ والأَجدادِ إذا كانوا فُقراءَ على الأَولادِ الذُّكورِ والإناثِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] نَهاه عن الإضرارِ بهما بهذا القَدرِ، وتَركُ الإِنفاقِ عليهما عندَ حاجتِهما أكثَرُ إِضرارًا من ذلك، وقالَ ﵊: «أنتَ ومالُك لأَبيك»، وقالَ: «إنَّ أطيَبَ ما أكَلَ الرَّجلُ من كَسبِه، وإنَّ وَلدَه من كَسبِه، فكُلوا من كَسبِ أولادِكم»، فإذا كانَ مالُ الابنِ يُضافُ إلى الأبِ بأنَّه كَسبُه، صارَ غَنيًّا به، فتَجبُ نَفقتُه فيه، وقالَ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] أي: يُحسنُ إليهما، وليسَ إِحسانًا تَركُهما مُحتاجَين مع قُدرتِه على دَفعِ حاجَتِهما، وقالَ تَعالى في حَقِّ
стр. 7652
الوَالدَينِ الكافِرَينِ: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وليسَ من المَعروفِ تَركُهما جائِعَينِ، وهو قادِرٌ على إِشباعِهما، وهو على الذُّكورِ والإناثِ على السَّواءِ في رِوايةٍ، وهو المُختارُ، لاستِوائِهما في العِلةِ والخِطابِ، وقيلَ: على قَدرِ الإرثِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ويُشترطُ فَقرُهم؛ لأنَّ إِيجابَ نَفقةِ الغَنيِّ في مالِه أَولى.
وإذا باعَ الأبُ مَتاعَ ابنِه في نَفقتِه جازَ، وقالا: لا يَجوزُ، وفي العَقارِ لا يَجوزُ بالإِجماعِ، ولو أنفَقَ من مالٍ له في يَدِه جازَ بالإِجماعِ؛ لأنَّه ظفِرَ بجِنسِ حَقِّه فله أنْ يَأخذَه؛ لأنَّ نَفقتَه واجِبةٌ قبلَ القَضاءِ لمَا بَيَّنَّا، والأُمُّ في هذا كالأبِ، لهما أنَّ البُلوغَ انقطَعَت ولايَتُه عنه وعن مالِه حتى لا يَملكَ ذلك في حَضرتِه، ولا في دَينٍ غيرِ النَّفقةِ، وصارَ كالأُمِّ، وله -وهو الاستِحسانُ- أنَّ للأبِ أنْ يَحفظَ مالَ ابنِه الغائِبِ كالوَصيِّ بل وأَولى؛ لأنَّه أوفَرُ شَفقةً، وبَيعُ النُّقلَى من بابِ الحِفظِ، فإذا باعَه فالثَّمنُ من جِنسِ حَقِّه وهو نَفقتُه فيأخُذُ منه حَقَّه، ولا كذلك العَقارُ؛ فإنَّه مَحفوظٌ بنَفسِه، وبخِلافِ الأُمِّ وغيرِها من الأَقاربِ؛ لأنَّه لا وِلايةَ لهم حالَ صِغرِه، ولا يُوجدُ وِلايةُ الحِفظِ حالةَ الغَيبةِ مع الكبَرِ فافتَرَقا (١).
стр. 7653
فصل في اختِلافِ الواهِبِ والمَوهوبِ له
الاختِلافُ في أصلِ الهِبةِ:
إذا اختَلفَ الواهِبُ والمَوهوبُ له فقالَ الواهِبُ: «كانَت هِبةً»، وقالَ المَوهوبُ له: «كانَت صَدقةً»؛ فإنْ كانت بيِّنةٌ مع أحدِهما عُملَ بها، وإلا فالقَولُ قَولُ الواهِبِ عندَ الحَنفيةِ.
قالَ ابنُ نَجيمٍ ﵀: ولو اختَلَفا فقالَ الواهِبُ: «كانَت هِبةً»، وقالَ المَوهوبُ له: «كانَت صَدقةً»، فالقَولُ للواهِبِ، كذا في «فَتاوى قاضِيخان» (١).
وقالَ الإمامُ بُرهانُ الدِّينِ ابنُ مازةَ ﵀: في «الأصلِ» وإذا أرادَ الواهِبُ الرُّجوعَ في الهِبةِ فقالَ المَوهوبُ له: «أنا أَخوك»، أو قال» «عوَّضتُك»، أو «إنَّما تصَدَّقتَ به علَيَّ»، وكذَّبَه الواهِبُ، وكذلك إنْ كانت الهِبةُ خادِمةً، فقالَ: «وهَبتَها لي وهي صَغيرةٌ فكبِرَت عندي وازدادَت سِعرًا»، وكذَّبَه الواهِبُ، فالقَولُ قَولُ الواهِبِ وهذا استِحسانٌ، والقياسُ أنْ يَكونَ القَولُ قَولَ المَوهوبِ له، ولو كانَ المَوهوبُ أرضًا وفيها بِناءٌ أو كانَ شَجرًا
стр. 7654
أو سَويقًا وهو مَلتوتٌ، أو ثَوبًا وهو مَصبوغٌ أو مَخيطٌ، فقالَ المَوهوبُ له: «وهَبتَها لي فبَنَيت فيها وغرَستُ، وهَبتَه لي وهو غيرُ مَلتوتٍ وغَيرُ مَصبوغٍ فلتَتُّه أنا وصبَغتُه وخِطتُه أنا»، وقالَ الواهب: «لا، بل وهَبتُه كذلك»، فالقَولُ قَولُ المَوهوبِ له، وكذلك إذا اختَلَفا في بِناءِ الدارِ وحِليةِ السَّيفِ (١).
وجاءَ في «الفَتاوى الهِندية»: رَجلٌ في يَدَيه دارٌ قالَ لرَجلٍ آخَرَ: «تصَدَّقتَ بها علَيَّ وأذِنتَ لي في قَبضِها فقبَضتُها»، كانَ القَولُ للمُتصدِّقِ، ولو قالَ الذي في يَدِه الدارُ: «كانت في يَدي فتَصدَّقتَ علَيَّ» فجازَت وقالَ المُتصدِّقُ: «لا، بل كانت حينَئذٍ في يَدي وقبَضتَها بغيرِ إذْني»، كانَ القَولُ للمُتصدَّقِ عليه (٢).
وفي «دُرر الحُكامِ شَرح مَجلةِ الأحكام» لو اختَلفَ الواهِبُ والمَوهوبُ له فقالَ الواهِبُ: «قد كانَ المالُ المَدفوعُ قَرضًا»، وقالَ المَوهوبُ له: «بل هِبةٌ»، فالقَولُ مع اليَمينِ للدافِعِ (٣).
الاختِلافُ هل كانت الهِبةُ ببَدلٍ أو لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانت الهِبةُ مُطلقةً، أي: غيرَ مُقيدةٍ بثَوابٍ ولا بعَدمِه، ثم اختَلَفا، فقالَ الواهِبُ: «إنَّما وهَبتُ للثَّوابِ»، وقالَ المَوهوبُ له: «بل وهَبتَ لي بغيرِ ثَوابٍ»، هل القَولُ قَولُ الواهِبِ أو المَوهوبِ له؟
стр. 7655
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّ القَولَ قَولُ الواهِبِ؛ لأنَّه لم يُقرَّ لخُروجِ الشَّيءِ من مِلكِه إلا على بَدلٍ (١).
قالَ المالِكيةُ: الهِبةُ إذا وقَعَت مُطلقةً، أي: غيرَ مُقيدةٍ بثَوابٍ ثم اختَلَفا بعدَ ذلك فقالَ الواهِبُ: «إنَّما وهَبتُ للثَّوابِ»، وقالَ المَوهوبُ له: «بل وهَبتَ لي بغيرِ ثَوابٍ» فإنَّ القَولَ قَولُ الواهِبِ إنْ شهِدَ له العُرفُ أو لم يَشهدْ له ولا عليه.
أمَّا إنْ شهِدَ العُرفُ للمَوهوبِ له، بأنْ كانَ مِثلَ الواهِبِ لا يَطلُبُ في هِبتِه ثَوابًا، فالقَولُ حينَئذٍ قَولُ المَوهوبِ له.
وهذا إذا قبَضَ المَوهوبُ الهِبةَ، وأمَّا قبلَ القَبضِ فيُصدَّقُ الواهِبُ مُطلقًا وإنْ شهِدَ العُرفُ بضِدِّه.
ومَحلُّ تَصديقِ الواهِبِ في دَعوى الثَّوابِ في غيرِ هِبةِ النَّقدِ المَسكوكِ كالدَّنانيرِ والدَّراهمِ، وأمَّا هو فلا ثَوابَ فيه؛ لأنَّ العُرفَ أنَّ الناسَ إنَّما يَهبونَ للثَّوابِ ما تَختلفُ فيه الأَغراضُ، والمَسكوكُ لا تَختلفُ فيه الأغراضُ، فهِبتُه للثَّوابِ خِلافُ العُرفِ، فلذا لا يُصدَّقُ الواهِبُ في قَصدِ الثَّوابِ إلا بشَرطٍ من الواهِبِ حالَ الهِبةِ، أو عُرفٍ فيُعملُ بذلك، ويَكونُ العِوضُ عَرضًا أو طَعامًا، ومِثلُ الشَّرطِ العادةُ بخِلافِ الحُليِّ غيرِ المَكسورةِ، والفَرقُ بينَ المَسكوكِ والحُليِّ أنَّ السَّكةَ صَنعةٌ يَسيرةٌ فلا تُنقلُ عن الأصلِ، بخِلافِ الصِّياغةِ؛ فإنَّها صَنعةٌ مُعتبَرةٌ وصيَّرتْه كالمُقوَّمِ (٢).
стр. 7656
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّ القَولَ قَولُ المَوهوبِ له؛ لأنَّ الواهِبَ أقَرَّ له بالهِبةِ فاتَّفَقا على أنَّها مِلكُه، ثم ادَّعى بَدلًا، فالأصلُ عَدمُه؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذِمتِه، ولأنَّه يُنْكِرُ شَرطًا زائِدًا يَستَغني عنه تَمامَ الهِبةِ (١).
قالَ الحَنفيةُ: ويَكونُ للواهِبِ الرُّجوعُ إذا كانَ المَوهوبُ قائِمًا، وإنْ كانَ مُستهلَكًا فلا شَيءَ على المَوهوبِ له؛ لأنَّ العِوضَ لم يَثبُتْ لمَّا جعَلنا القَولَ فيه قَولَ المَوهوبِ له، والحُكمُ في الهِبةِ الخاليةِ عن شَرطِ العِوضِ أنَّ المَوهوبَ ما دامَ قائِمًا فللواهِبِ الرُّجوعُ، فإذا هلَكَ فلا ضَمانَ، ولكنْ يَحلفُ المَوهوبُ له ههنا على دَعوى الواهِبِ باللهِ ما شرَطَ العِوضَ، يُريدُ به: إذا كانَ المَوهوبُ مُستهلَكًا؛ لأنَّ الواهِبَ يَدَّعي القيمةَ في هذه الصُّورةِ فيَحلفُ عليه (٢).
الاختِلافُ في مِقدارِ العِوضِ:
قالَ الحَنفيةُ: إنِ اتَّفقَ الواهِبُ والمَوهوبُ له على أنَّ الهِبةَ كانَت بشَرطِ العِوضِ، ولكنِ اختَلَفا في مِقدارِ العِوضِ، فقالَ الواهِبُ: «ألفٌ»، وقالَ المَوهوبُ له: «خَمسُمِئةٍ»، والعِوضُ لم يُقبضْ بَعدُ والمَوهوبُ قائِمٌ بعَينِه
стр. 7657
فللواهِبِ الخيارُ، إنْ شاءَ قبَضَ وإنْ شاءَ رجَعَ في الهِبةِ، وإنْ كانَ المَوهوبُ مُستهلَكًا رجَعَ بقيمَتِه إنْ شاءَ؛ لأنَّ الرِّضا بالقَبضِ كانَ بشَرطِ العِوضِ المُقدَّرِ ولم يُسلَّمْ، فبَقيَ قَبضُه قَبضَ ضَمانٍ فيَرجعُ بقيمَتِه لهذا (١).
إذا أرادَ الواهِبُ الرُّجوعَ في الهِبةِ وادَّعى المَوهوبُ له أنَّها هلَكَت:
قالَ الحَنفيةُ: إذا أرادَ الواهِبُ الرُّجوعَ في الهِبةِ وادَّعى المَوهوبُ له أنَّها هلَكَت فالقَولُ قَولُ المَوهوبِ له، ولا يَمينَ عليه؛ فإنْ عيَّنَ الواهِبُ شَيئًا وقالَ: هذا هو الهِبةُ حلَفَ المَوهوبُ له عليه (٢).
إذا اختَلَفا هل هي وَديعةٌ أو هِبةٌ؟
قالَ الحَنفيةُ: رَجلٌ وهَبَ لرَجلٍ مَتاعًا ثم قالَ: «إنَّما كُنْتُ استَودعتُك». فالقَولُ لصاحِبِ المَتاعِ مع يَمينِه، فإذا حلَفَ أخَذَ المَتاعَ، وإنْ وجَدَه هالِكًا؛ فإنْ كانَ هلَكَ بعدَما ادَّعى المُستودَعُ الهِبةَ فالمُستودَعُ ضامِنٌ القيمةَ؛ لأنَّ التَّملكَ بالهِبةِ لم يَثبُتْ بقَولِه، فبعدَ ذلك إنْ كانَ المَتاعُ وَديعةً في يَدِه فجُحودُ الوَديعةِ سَببُ الضَّمانِ، وإنْ لم يَكنْ وَديعةً في يَدِه فأخْذُ مالِ الغيرِ على وَجهِ التَّملُّكِ سَببٌ للضَّمانِ إلا أنْ يَثبُتَ التَّملكُ من صاحِبِه ولم يَثبُتْ، وإنْ كانَ الهَلاكُ قبلَ دَعوى الهِبةِ فلا ضَمانَ (٣).
стр. 7658
وقالَ الشافِعيةُ: لو اختَلَفا في صِفةِ الإذنِ، فقالَ الواهِبُ: «أذِنتُ لك في قَبضِه على وَجهِ الوَديعةِ»، وقالَ المُتهَبُ: «بل على وَجهِ الهِبةِ»، فالقَولُ قَولُ الواهِبِ؛ لأنَّهما لو اختَلَفا في أصلِ الإذنِ كانَ القَولُ قَولَه، فكذلك إذا اختَلَفا في صِفتِه (١).
إذا اختَلَفا في القَبضِ هل كانَ بعدَ الرُّجوعِ أو قَبلَه:
قالَ الشافِعيةُ: ولو قبَضَ المَوهوبُ له الهِبةَ بعدَ الإذنِ بقَبضِها ثم اختَلَف الواهِبُ والمَوهوبُ له فقالَ الواهِبُ: «رجَعتُ عن الإذنِ قبلَ أنْ تَقبِضَها فيَكونُ قَبضُك لها غيرَ صَحيحٍ» فلا تَلزمُ الهِبةُ، وقالَ المَوهوبُ له: «رجَعتَ عن الإذنِ بعدَ قَبضي للمَوهوبِ فتَكونُ الهِبةُ صَحيحةً»، فاحتِمالانِ: الأولُ: أنَّ القَولَ قَولُ الواهِبِ.
والثانِي وهو الأصَحُّ: أنَّ القَولَ قَولُ المَوهوبِ له؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الرُّجوعِ قبلَه (٢).
الاختِلافُ هل كانت الهِبةُ في الصِّحةِ أو في مَرضِ المَوتِ:
قالَ الحَنفيةُ: إذا اختَلَف المَوهوبُ له الوارِثُ مع وارِثٍ آخَرَ في أنَّ الهِبةَ كانت في الصِّحةِ أو المَرضِ فالقَولُ قَولُ مَنْ يَدَّعي الصِّحةَ؛ لأنَّ
стр. 7659
تَصرفاتِ المَريضِ نافِذةٌ وإنَّما تَنتقِضُ بعدَ المَوتِ، واختُلِف فيه، فالقَولُ لمَن يُنكرُ النَّقضَ.
وقيلَ: القَولُ لمَن ادَّعى المَرضَ؛ لأنَّه يُنكرُ لُزومَ العَقدِ والمِلكِ، كذا في «القُنية» في بابِ الدَّعوى (١).
أخْذُ مالِ الغيرِ بسَببِ الحَياءِ:
صرَّحَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ بأنَّه إذا أخَذَ مالَ غيرِه بالحَياءِ كأنْ يَسألَ غيرَه مالًا في مَلأٍ فدفَعَه إليه بباعِثِ الحَياءِ فقط، أو أهدى إليه -حياءً- هَديةً يَعلمُ المُهدَى له أنَّ المُهديَ أهدَى إليه حَياءً لم يَملكْه، ولا يَحلُّ له التَّصرفُ فيه، وإنْ لم يَحصُلْ طَلبٌ من الآخِذِ، فالمَدارُ مُجردُ العِلمِ بأنَّ صاحِبَ المالِ دفَعَه إليه حَياءً أو مُروءةً أو لرَغبةٍ في خَيرٍ، ومِن هذا: لو جلَسَ عندَ قَومٍ يأكُلون طَعامًا وسأَلوه أنْ يَأكلَ معهم، وعلِمَ أنَّ ذلك لمُجردِ حَيائِهم لا يَجوزُ أكلُه من طَعامِهم، كما يَحرُمُ على الضَّيفِ أنْ يُقيمَ في بَيتِ مُضيفِه مُدةً تَزيدُ على مُدةِ الضِّيافةِ الشَّرعيةِ وهي ثَلاثةُ أيامٍ فيُطعمُه حَياءً.
فللمَأخوذِ بالحَياءِ حُكمُ المَغصوبِ، وعلى الآخِذِ رَدُّه أو التَّعويضُ عنه، ويَجبُ أنْ يَكونَ التَّعويضُ بقيمةِ ما أخَذَ أو أكَلَ من زادِهِم (٢).
стр. 7660
قالَ الإمامُ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ ﵀: ألَا تَرى إلى حِكايةِ الإِجماعِ على أنَّ مَنْ أُخذَ منه شَيءٌ على سَبيلِ الحَياءِ من غيرِ رِضًا منه بذلك لا يَملكُه الآخِذُ؟ وعلَّلوه بأنَّ فيه إِكراهًا بسَيفِ الحَياءِ، فهو كالإِكراهِ بالسَّيفِ الحِسِّيِّ، بل كَثيرون يُقابِلون هذا السَّيفَ ويَتحمَّلون مَرارَ جَرحِه ولا يُقابِلونَ الأولَ خَوفًا على مُروءَتِهم ووَجاهَتِهم التي يُؤثِرُها العُقلاءُ ويَخافونَ عليها أتَمَّ الخَوفِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ علِمَ المُهدَى له أنَّه أُهديَ إليه حَياءً وجَبَ الرَّدُّ، أي: رَدُّ هَديتِه إلى المُهدِي، قالَه ابنُ الجَوزيِّ ﵀ قالَ في «الآداب»: وهو قَولٌ حَسنٌ؛ لأنَّ المَقاصدَ في العُقودِ عندَنا مُعتبَرةٌ (٢).
стр. 7661
كتاب الوَديعةِ
стр. 7662
كتاب الوَديعةِ
تَعريفُ الوَديعةِ:
الوَديعةُ لُغةً: وَاحدةُ الوَدائعِ، وهي ما استُودِعَ، وأَنشدَ الصَّاغانِيُّ للَبيدٍ ﵁:
وما المالُ والأَهلونَ إلا وَديعَةٌ ولا بدَّ يَومًا أنْ تُردَّ الوَدائِعُ
ويُقالُ: أَودعَه مالًا، أيْ دفَعَه إليه ليَكونَ وَديعةً عندَه، وأَودعَه مالًا أيضًا قبِلَه منه وَديعةً، وهو مِنْ الأَضدادِ، واستَودعَه وَديعةً استَحفظَه إِياها.
ويُقالُ: أَودعْت زَيدًا مالًا واستَودعْتُه إِياه إذا دَفعتُه إليه ليَكونَ عندَه، فأنا مُودِعٌ ومُستودِعٌ -بالكسرِ-، وزَيدٌ مُودَعٌ ومُستودَعٌ -بالفتحِ-، والمالُ مُودَعٌ ومُستودَعٌ، أيْ وَديعةٌ.
وهي مُشتقَّةٌ مِنْ قَولِهم: ودَعَ الشيءَّ، إذا سكَنَ واستَقرَّ، أيْ أنها مُستقرَّةٌ عندَ المُودَعِ.
стр. 7663
وقيلَ: إنها مُشتقَّةٌ مِنْ قولِهم: «فلانٌ في دَعَةٍ»؛ أيْ: في خَفضٍ مِنْ العيشِ، أيْ أنَّ الوَديعةَ في دَعةٍ غيرَ مُتبَلَّاةٍ بالانتِفاعِ.
وتُطلَقُ الوَديعةُ على الاستِنابةِ في الحفظِ، وذلك يَعمُّ حقَّ اللهِ وحقَّ الآدميِّ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ [النساء: ٥٨]، ويُقالُ: أودَعَ فُلانٌ فُلانًا على أهلِه أو مالِه أو صيَّرَه نائبًا عنه في حفظِ مالِه، وعلى مَعنى ذلك يُفهَمُ مَعنى ما ورَدَ: «أَستودِعُ اللهَ دينَك وأمانَتَك» معناه: أَطلبُ مِنْ اللهِ الحفظَ لك، وأما في عُرفِ الفُقهاءِ فهي أخَصُّ من ذلك (١).
والوَديعةُ اصطِلاحًا:
تعَدَّدت عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الوَديعةِ اصطِلاحًا، وإن كانَ جَميعُها يَدورُ حولَ حِفظِ المالِ عندَ الغيرِ.
قالَ الحَنفيةُ: الوَديعةُ في الشرعِ: عِبارةٌ عن تَركِ الأَعيانِ مع مَنْ هو أهلٌ للتَّصرفِ في الحفظِ مع بَقائِها على حُكمِ مُلكِ المالكِ (٢).
стр. 7664
وقيلَ: الإِيداعُ هو تَسليطُ الغيرِ على حفظِ مالِه صَريحًا أو دِلالةً، والوَديعةُ ما تُتركُ عندَ الأَمينِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: الإِيداعُ: تَوكيلٌ بحفظِ مالٍ (٢).
أو: مالٌ مُوكلٌ على حفظِه (٣).
فالإِيداعُ نوعٌ خاصٌّ مِنْ التَّوكيلِ؛ لأنَّه تَوكيلٌ على خُصوصِ حفظِ المالِ، فالتَّوكيلُ على البَيعِ أو الشِّراءِ أو الاقتِضاءِ أو الطَّلاقِ أو النِّكاحِ أو الخُصومةِ لا يُسمَّى إِيداعًا (٤).
وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: الوَديعةُ بمَعنى الإِيداعِ نَقلُ مُجرَّدِ حِفظِ مِلكٍ يُنقَلُ، فيَدخلُ إِيداعُ الوَثائقِ بذكرِ الحُقوقِ، ويَخرجُ حِفظُ الإِيصاءِ والوَكالةُ؛ لأنَّهما لأزيدَ منه، وحِفظُ الربعِ (٥).
وقالَ الشافِعيةُ: حَقيقةُ الوَديعةِ شرعًا: تَوكيلٌ في حِفظِ مَملوكٍ أو مُحتَرمٍ مُختصٍّ على وجهٍ مَخصوصٍ.
فحَقيقتُها: تَوكيلٌ خاصٌّ، تَوكيلٌ مِنْ جهةِ المُودِعِ، وتَوكلٌ مِنْ جهةِ الوَديعِ في حِفظِ المالِ أو الاختِصاصِ، كنَجسٍ مُنتفَعٍ به، فخَرجَت اللُّقطةُ
стр. 7665
والأَمانةُ الشَّرعيةُ، كأنْ طيَّرَ نحوَ ريحٍ شيئًا إليه أو إلى مَحلِّه وعلِمَ به؛ لأنَّه مالٌ ضَائعٌ مُغايرٌ لحُكمِ الوَديعةِ، ولأنَّه لا يَصدُقُ على اللُّقطةِ والأَمانةِ الشَّرعيةِ الاستِحفاظُ -أيْ طَلبُ الحِفظِ مِنْ الغيرِ- ولا التَّوكلُ والتَّوكيلُ (١).
وأما الحَنابِلةُ فتَعدَّدت تَعريفاتُهم للوَديعةِ:
فقالَ في «مُنتهى الإِراداتِ»: الوَديعةُ: المالُ المَدفوعُ إلى مَنْ يَحفظُه بلا عِوضٍ.
والإِيداعُ: تَوكيلٌ في حِفظِه تبَرعًا، والاستِيداعُ: تَوكيلٌ في حِفظِه كذلك -أيْ تبَرعًا- بغيرِ تَصرُّفٍ فيه (٢).
وقالَ ابنُ مُفلحٍ: الوَديعةُ في الشَّرعِ: اسمٌ لعَينٍ تُوضَعُ عندَ آخرَ ليَحفظَها، فهي وَكالةٌ في الحِفظِ فيُعتبَرُ أَركانُها، والأَحسنُ أنها تَوكيلٌ في حِفظِ مَملوكٍ أو مُحتَرمٍ مُختصٍّ على وجهٍ مَخصوصٍ (٣).
وقالُ الرُّحيبانِيُّ: الوَديعةُ شَرعًا (المالُ) أو المُختصُّ -ككَلبِ الصيدِ- (المَدفوعُ) مِنْ جائزِ التَّصرفِ (إلى مَنْ) أيْ: إلى إِنسانٍ جائزِ التَّصرفِ (يَحفظُه)، فخرَجَ بقيدِ المالِ أو المُختصِّ الكلبُ الذي لا يُقتنَى والخَمرُ ونحوُهما مما لا يُحتَرمُ، وبقيدِ المَدفوعِ ما ألقتْهُ الرِّيحُ إلى دارٍ مِنْ نحوِ ثوبٍ وما أخَذَه بالتَّعدِّي، وبقيدِ الحفظِ العارِيةُ ونحوُها.
стр. 7666
(ويَتجهُ) حِفظُ المالِ المُودَعِ (ولو بعِوضٍ) يُؤخذُ على حِفظِه، وعليه يَدخلُ الأَجيرُ لحفظِ المالِ (خِلافًا للمُنتهى)، فإنه قالَ: الوَديعةُ المالُ المَدفوعُ إلى مَنْ يَحفظُه بلا عِوضٍ.
وقالَ في «الإِنصاف» نقلًا عن «الفائِق»: الوَديعةُ عِبارةٌ عن تَوكُّلٍ لحِفظِ مالِ غيرِه، ونقَلَ عن «الرِّعاية الصُّغرى» أنها عَقدُ تبَرُّعٍ بحفظِ مالِ غيرِه، ولمْ أرَ لغيرِه هذا الاتجاهَ، ولا ما يُؤدِّي مَعناه.
(والإِيداعُ التَّوكيلُ) مِنْ ربِّ المالِ (في حِفظِه) حالَ كونِ الحفظِ (تبَرُّعًا) مِنْ الحافظِ، (والاستِيداعُ التَّوكلُ) مِنْ إِنسانٍ (في حِفظِه) -أيْ: حِفظِ مالِ غيرِهِ- (كذلك) -أيْ: تبَرُّعًا- (بغيرِ تَصرُّفٍ) في المالِ المَحفوظِ لعدمِ الإذنِ في التَّصرُّفِ بغيرِ الحِفظِ (١).
فالخلافُ عندَ الحَنابِلةُ: هل يَجوزُ أخذُ العِوضِ على حِفظِ الوَديعةِ أم لا؟
الفرقُ بينَ الوَديعةِ والأَمانةِ:
والفرقُ بينَ الوَديعةِ والأَمانةِ أنَّ الوَديعةَ خاصَّةٌ والأَمانةُ عامَّةٌ، فكلُّ وَديعةٍ أَمانةٌ وليسَت كلُّ أَمانةٍ وَديعةً، فالوَديعةُ هي الاستِحفاظُ قصدًا، والأَمانةُ هي الشيءُّ المَوجودُ عندَ الشَّخصِ الذي اتُّخذَ أَمينًا، سَواءٌ أجعَلَ أَمانةً بعقدِ الاستِحفاظِ كالوَديعةِ أم كانَ أَمانةً ضِمنَ عَقدٍ كالمَأجورِ
стр. 7667
والمُستعارِ، أو صارَ أَمانةً في يدِ شخصٍ بدونِ عقدٍ ولا قصدٍ، كما لو أَلقت الرِّيحُ في دارِ أحدٍ مالَ جارِهِ، فنَظرًا لكَونِه لمْ يُوجدْ عَقدٌ فلا يَكونُ ذلك المالُ وَديعةً عندَ صاحبِ البيتِ، بل أَمانةٌ فقط.
الأَمانةُ لغةً: مَصدرٌ بمعنى كونِ الإِنسانِ أَمينًا.
وفي اصطِلاحِ الفُقهاءِ: الأَمانةُ: هي الشيءُ المَوجودُ عندَ مَنْ اتُّخذَ أَمينًا، يَعني المالَ (١).
وقالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ: والفَرقُ بينَ الوَديعةِ والأَمانةِ مِنْ وَجهينِ:
أَحدُهما: أن الوَديعةَ خاصَّةٌ بما ذَكرناه، والأَمانةُ خاصَّةٌ بما لو وقَعَ في يدِه شيءٌ مِنْ غيرِ قصدِه، بأن هَبَّت الريحُ بثوبِ إِنسانٍ وأَلقته في حِجرِ غيرِه.
وحكمُها مُختِلفٌ في بعضِ الصورِ؛ لأنَّ في الوَديعةِ يَبرأُ عن الضَّمانِ إذا عادَ إلى الوفاقِ، وفي الأَمانةِ لا يَبرأُ عن الضَّمانِ بعدَ الخلافِ.
الثانِي: أن الأَمانةَ عَلمٌ لما هو غيرُ مَضمونٍ، فيَشملُ جَميعَ الصورِ التي لا ضَمانَ فيها، كالعارِيةِ والمُستأجَرِ والمُوصى بخِدمتِه في يدِ المُوصى له بها، والوَديعةُ ما وُضعَ للأَمانةِ بالإِيجابِ والقَبولِ، فكانا مُتغايرَينِ (٢).
стр. 7668
مَحاسنُ الوَديعةِ:
مِنْ مَحاسنِها اشتِمالُها على بذلِ مَنافعِ بدنِه ومالِه في إِعانةِ عِبادِ اللهِ، واسْتِيجَابِه الأجرَ والثناءَ.
وحِفظُ الوَديعةِ يُوجِبُ سَعادةَ الدَّارينِ، والخِيانةُ فيها تُوجِبُ الشَّقاءَ فيهما، ويَجبُ على العبدِ أنْ يَسألَ التَّوفيقَ على حِفظِ جَميعِ الأَماناتِ، فإنَّه فَرضٌ (١).
مَشروعيَّةُ الوَديعةِ:
الوَديعةُ مَشروعةٌ بالكتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ والمَعقولِ.
أما الكتابُ: فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، أيْ يَأمرُ كلَّ مَنْ كانَ عندَه أَمانةٌ أنْ يَردَّها إلى صاحِبها إذا طلبَها، فالآيةُ وإن نزَلَت في مِفتاحِ الكَعبةِ فهي عامَّةٌ؛ لأنَّ العِبرةَ بعُمومِ اللَّفظِ لا بخُصوصِ السَّببِ.
وقولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وقولُه تَعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] فدلَّ على أنَّ للأَمانةِ أصلًا في الشَّرعِ.
стр. 7669
وأما السُّنةُ: فقَولُ النبيِّ ﷺ : «على اليدِ ما أخَذَت حتى تُؤدِّيه» (١).
وقالَ النبيُّ ﷺ : «أدِّ الأَمانةَ إِلى مَنْ ائتمَنَك، ولا تَخنْ مَنْ خانَك» (٢). أيْ لا تُقابلْه بخِيانةٍ.
وعن عائشةَ ﵂ في هِجرةِ النبيِّ ﷺ قالَت: «وأمرَ -تَعني رَسولَ اللهِ ﷺ عليًّا ﵁ أنْ يَتخلَّفَ عنه بمَكةَ حتى يُؤدِّي عن رسولِ اللهِ ﷺ الوَدائعَ التي كانَت عندَه للناسِ» (٣).
стр. 7670
وأما الإِجماعُ: فقد أَجمعَ عُلماءُ المُسلِمينَ في كلِّ عَصرٍ ومِصرٍ على جَوازِ الإِيداعِ والاستِيداعِ.
قالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ ﵀: الأمةُ أجمَعَت على جَوازِ الإِيداعِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأما الإِجماعُ فأجمعَ عُلماءُ كلِّ عصرٍ على جَوازِ الإِيداعِ والاستِيداعِ (٢).
وأما المَعقولُ: فإنَّ العِبرةَ تَقتضِيها، فإن بالناسِ إليها حاجةً، فإنه يَتعذَّرُ على جَميعِهم حفظُ أَموالِهم بأَنفسِهم، ويَحتاجونَ إلى مَنْ يَحفظُها لهم (٣).
الحُكمُ التَّكليفيُّ للوَديعةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ قَبولِ الوَديعةِ، هل هو واجبٌ أم مُستحَبٌّ أم جائزٌ أم مَكروهٌ أم حرامٌ؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ.
قالَ الحَنفيةُ: قَبولُ الوَديعةِ مِنْ بابِ الإِعانةِ؛ لأنَّه يَحفظُها لصاحبِها، وهي مَندوبةٌ لقولِه تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقولِه ﷺ : «واللَّهُ في عَونِ العَبدِ ما كانَ العَبدُ في عَونِ أَخيهِ» (٤).
قالَ السِّمنانِيُّ الحَنفيُّ: وعندَنا لا يَجبُ قَبولُ الوَديعةِ بحالٍ (٥).