← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

(ويَتجهُ) حِفظُ المالِ المُودَعِ (ولو بعِوضٍ) يُؤخذُ على حِفظِه، وعليه يَدخلُ الأَجيرُ لحفظِ المالِ (خِلافًا للمُنتهى)، فإنه قالَ: الوَديعةُ المالُ المَدفوعُ إلى مَنْ يَحفظُه بلا عِوضٍ. وقالَ في «الإِنصاف» نقلًا عن «الفائِق»: الوَديعةُ عِبارةٌ عن تَوكُّلٍ لحِفظِ مالِ غيرِه، ونقَلَ عن «الرِّعاية الصُّغرى» أنها عَقدُ تبَرُّعٍ بحفظِ مالِ غيرِه، ولمْ أرَ لغيرِه هذا الاتجاهَ، ولا ما يُؤدِّي مَعناه. (والإِيداعُ التَّوكيلُ) مِنْ ربِّ المالِ (في حِفظِه) حالَ كونِ الحفظِ (تبَرُّعًا) مِنْ الحافظِ، (والاستِيداعُ التَّوكلُ) مِنْ إِنسانٍ (في حِفظِه) -أيْ: حِفظِ مالِ غيرِهِ- (كذلك) -أيْ: تبَرُّعًا- (بغيرِ تَصرُّفٍ) في المالِ المَحفوظِ لعدمِ الإذنِ في التَّصرُّفِ بغيرِ الحِفظِ (١). فالخلافُ عندَ الحَنابِلةُ: هل يَجوزُ أخذُ العِوضِ على حِفظِ الوَديعةِ أم لا؟ الفرقُ بينَ الوَديعةِ والأَمانةِ: والفرقُ بينَ الوَديعةِ والأَمانةِ أنَّ الوَديعةَ خاصَّةٌ والأَمانةُ عامَّةٌ، فكلُّ وَديعةٍ أَمانةٌ وليسَت كلُّ أَمانةٍ وَديعةً، فالوَديعةُ هي الاستِحفاظُ قصدًا، والأَمانةُ هي الشيءُّ المَوجودُ عندَ الشَّخصِ الذي اتُّخذَ أَمينًا، سَواءٌ أجعَلَ أَمانةً بعقدِ الاستِحفاظِ كالوَديعةِ أم كانَ أَمانةً ضِمنَ عَقدٍ كالمَأجورِ

стр. 7667

والمُستعارِ، أو صارَ أَمانةً في يدِ شخصٍ بدونِ عقدٍ ولا قصدٍ، كما لو أَلقت الرِّيحُ في دارِ أحدٍ مالَ جارِهِ، فنَظرًا لكَونِه لمْ يُوجدْ عَقدٌ فلا يَكونُ ذلك المالُ وَديعةً عندَ صاحبِ البيتِ، بل أَمانةٌ فقط. الأَمانةُ لغةً: مَصدرٌ بمعنى كونِ الإِنسانِ أَمينًا. وفي اصطِلاحِ الفُقهاءِ: الأَمانةُ: هي الشيءُ المَوجودُ عندَ مَنْ اتُّخذَ أَمينًا، يَعني المالَ (١). وقالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ: والفَرقُ بينَ الوَديعةِ والأَمانةِ مِنْ وَجهينِ: أَحدُهما: أن الوَديعةَ خاصَّةٌ بما ذَكرناه، والأَمانةُ خاصَّةٌ بما لو وقَعَ في يدِه شيءٌ مِنْ غيرِ قصدِه، بأن هَبَّت الريحُ بثوبِ إِنسانٍ وأَلقته في حِجرِ غيرِه. وحكمُها مُختِلفٌ في بعضِ الصورِ؛ لأنَّ في الوَديعةِ يَبرأُ عن الضَّمانِ إذا عادَ إلى الوفاقِ، وفي الأَمانةِ لا يَبرأُ عن الضَّمانِ بعدَ الخلافِ. الثانِي: أن الأَمانةَ عَلمٌ لما هو غيرُ مَضمونٍ، فيَشملُ جَميعَ الصورِ التي لا ضَمانَ فيها، كالعارِيةِ والمُستأجَرِ والمُوصى بخِدمتِه في يدِ المُوصى له بها، والوَديعةُ ما وُضعَ للأَمانةِ بالإِيجابِ والقَبولِ، فكانا مُتغايرَينِ (٢).

стр. 7668

مَحاسنُ الوَديعةِ: مِنْ مَحاسنِها اشتِمالُها على بذلِ مَنافعِ بدنِه ومالِه في إِعانةِ عِبادِ اللهِ، واسْتِيجَابِه الأجرَ والثناءَ. وحِفظُ الوَديعةِ يُوجِبُ سَعادةَ الدَّارينِ، والخِيانةُ فيها تُوجِبُ الشَّقاءَ فيهما، ويَجبُ على العبدِ أنْ يَسألَ التَّوفيقَ على حِفظِ جَميعِ الأَماناتِ، فإنَّه فَرضٌ (١). مَشروعيَّةُ الوَديعةِ: الوَديعةُ مَشروعةٌ بالكتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ والمَعقولِ. أما الكتابُ: فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، أيْ يَأمرُ كلَّ مَنْ كانَ عندَه أَمانةٌ أنْ يَردَّها إلى صاحِبها إذا طلبَها، فالآيةُ وإن نزَلَت في مِفتاحِ الكَعبةِ فهي عامَّةٌ؛ لأنَّ العِبرةَ بعُمومِ اللَّفظِ لا بخُصوصِ السَّببِ. وقولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وقولُه تَعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] فدلَّ على أنَّ للأَمانةِ أصلًا في الشَّرعِ.

стр. 7669

وأما السُّنةُ: فقَولُ النبيِّ ﷺ : «على اليدِ ما أخَذَت حتى تُؤدِّيه» (١). وقالَ النبيُّ ﷺ : «أدِّ الأَمانةَ إِلى مَنْ ائتمَنَك، ولا تَخنْ مَنْ خانَك» (٢). أيْ لا تُقابلْه بخِيانةٍ. وعن عائشةَ ﵂ في هِجرةِ النبيِّ ﷺ قالَت: «وأمرَ -تَعني رَسولَ اللهِ ﷺ عليًّا ﵁ أنْ يَتخلَّفَ عنه بمَكةَ حتى يُؤدِّي عن رسولِ اللهِ ﷺ الوَدائعَ التي كانَت عندَه للناسِ» (٣).

стр. 7670

وأما الإِجماعُ: فقد أَجمعَ عُلماءُ المُسلِمينَ في كلِّ عَصرٍ ومِصرٍ على جَوازِ الإِيداعِ والاستِيداعِ. قالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ ﵀: الأمةُ أجمَعَت على جَوازِ الإِيداعِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأما الإِجماعُ فأجمعَ عُلماءُ كلِّ عصرٍ على جَوازِ الإِيداعِ والاستِيداعِ (٢). وأما المَعقولُ: فإنَّ العِبرةَ تَقتضِيها، فإن بالناسِ إليها حاجةً، فإنه يَتعذَّرُ على جَميعِهم حفظُ أَموالِهم بأَنفسِهم، ويَحتاجونَ إلى مَنْ يَحفظُها لهم (٣). الحُكمُ التَّكليفيُّ للوَديعةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ قَبولِ الوَديعةِ، هل هو واجبٌ أم مُستحَبٌّ أم جائزٌ أم مَكروهٌ أم حرامٌ؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ. قالَ الحَنفيةُ: قَبولُ الوَديعةِ مِنْ بابِ الإِعانةِ؛ لأنَّه يَحفظُها لصاحبِها، وهي مَندوبةٌ لقولِه تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقولِه ﷺ : «واللَّهُ في عَونِ العَبدِ ما كانَ العَبدُ في عَونِ أَخيهِ» (٤). قالَ السِّمنانِيُّ الحَنفيُّ: وعندَنا لا يَجبُ قَبولُ الوَديعةِ بحالٍ (٥).

стр. 7671

وقالَ المالِكيةُ: الوَديعةُ جائزةٌ مِنْ الجانِبينِ بالنظرِ لذاتِها لا لمَا يَعرضُ لها مِنْ وُجوبٍ أو حُرمةٍ أو غيرِهما مِنْ بقيةِ الأَحكامِ الخَمسةِ. فالوُجوبُ: كالمالِ الذي في يدِ المَحجورِ عليه إذا لمْ يُؤخذْ منه تلِفَ، وكذا إذا خشِيَ ضَياعَها أو هَلاكَها إنْ لمْ يُودعْها، مع وُجودِ قابلٍ لها قادرٍ على حِفظِها، وكذا يَجبُ القَبولُ والإِيداعُ، كما إذا خافَ ربُّها عليها عندَه مِنْ ظالمٍ ولمْ يَجدْ صاحِبُها مَنْ يَستودعُها غيرَه، فيَلزمُه عندَئذٍ القَبولُ قِياسًا على مَنْ دُعيَ إلى أنْ يَشهدَ على شَهادةٍ ولمْ يَكنْ في البَلدِ مَنْ يَشهدُ غيرُه، وكما يَقعُ في زَمنِ النَّهبِ مِنْ الإِيداعِ عندَ ذوي البُيوتِ المُحترمَةِ. وحُرمتُها: إذا كانَ المالُ مَغصوبًا أو مَسروقًا؛ لوُجوبِ المُبادرةِ إلى ردِّه لمالكِه، ويَحرُمُ قَبولُه؛ لأنَّ في إِمساكِه إِعانةً على عدمِ ردِّه لمالكِه، ومَحلُّ كونِه يَحرمُ قَبولُه إذا كانَ لا يَقدرُ على جَحدِها ليَردَّها لربِّها أو للفُقراءِ إنْ كانَ المُودِعُ -بالكسرِ- مُستغرِقَ الذِّمةِ. والنَّدبُ: إذا خشِيَ ما يُوجبُها دونَ تحقُّقِه. والكَراهةُ: إذا خشِيَ ما يُحرِّمُها دونَ تَحقُّقِه (١). وقالَ الشافِعيةُ: الوَدائعُ على أَضربٍ: ضَربٌ يَعلمُ مِنْ نفسِه القُدرةَ على حِفظِها، ويَأمنُ مِنْ نفسِه الخِيانةَ فيها، ولا يَخافُ التَّلفَ عليها إنْ لمْ يَقبلْها، فهذا يُستحَبُّ له قَبولُها؛ لقَولِه

стр. 7672

تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولا يَجبُ عليه قَبولُها؛ لأنَّه لا ضَرورةَ به تَدعو إلى ذلك. وضَربٌ يَجبُ عليه قَبولُها، وهو أنْ يَأتِيَ رَجلٌ بمالٍ ليُودعَه في مَكانٍ عندَ رَجلٍ، وليسَ هناك مَنْ يَصلُحُ لحِفظِها إلا هو، وهو يَعلمُ أنه إنْ لمْ يَقبلْ ذلك منه هلَكَ المالُ، فيَجبُ عليه القَبولُ؛ لقَولِه ﷺ : «حُرمةُ مالِ المُؤمنِ كحُرمةِ دمِه» (١)، فلو خافَ على دَمِه وقدِرَ على الدَّفعِ عنه لوجَبَ عليه ذلك، وكذلك مالُه، فإنْ لمْ يَقبلْها أثِمَ لمَا ذَكرناه، ولا يَضمنُ المالَ إنْ تلِفَ؛ لأنَّه لمْ يُوجَدْ منه تَعدٍّ، فهو كما لو قدِرَ على الدفعِ عن نفسِ غيرِه، ولمْ يَدفعْ عنه حتى قُتلَ. وضَربٌ يُكرَه له قَبولُها على الصَّحيحِ، وهو مَنْ قدِرَ على حِفظِها وهو في الحالِ أَمينٌ ولكنْ لمْ يَثقْ بأَمانتِه، بل خافَ الخِيانةَ مِنْ نفسِه في المُستقبلِ، فإنه يُكرَه له قَبولُها خَشيةَ الخِيانةِ فيها، وقيلَ يَحرمُ عليه قَبولُها، مَحلُّ ذلكَ إذا لمْ يَعلمِ المالكُ الحالَ، وإلا فلا كَراهةَ ولا تَحريمَ. وضَربٌ يَحرمُ عليه قَبولُها، وهو مَنْ يَعلمُ مِنْ حالِ نَفسِه العَجزَ عن حِفظِ الوَديعةِ، فإنَّه لا يَجوزُ له قَبولُها وإنْ وثِقَ بأَمانةِ نفسِه؛ لأنه يُغرِّرُ بمالِ غيرِه، ويُعرِّضُ نفسَه للضَّمانِ، فإنْ قبِلَها لمْ يَجبْ عليه الضَّمانُ إلا بالتَّعديِ. قالَ ابنُ الرِّفعةِ: ومَحلُّه إذا لمْ يَعلمِ المالكُ بحالِه وإلا فلا تَحريمَ.

стр. 7673

وقالَ الزَّركشيُّ: في ذلك نَظرٌ، والوجهُ تَحريمُه عليهما، أما على المالكِ فلإِضاعتِه مالَه، وأما على المُودعِ فلإِعانتِه على ذلك. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: والمُعتمَدُ قولُ ابنُ الرِّفعةِ، وما قالَه الزَّركشيُّ مَمنوعٌ؛ لأنَّ الشَّخصَ إذا علِمَ أنَّ غيرَه يَأخذُ مالَه ليُنفقَه أو يُعطيَه غَيرَه لا يَحرمُ عليه، ولا على الآخذِ إذا علِمَ رِضاه بذلك، والإِيداعُ صَحيحٌ مع الحُرمةِ، وأثرُ التحريمِ مَقصورٌ على الآثمِ، لكن لو كانَ المُودِعُ وَكيلًا أو وَليَّ يَتيمٍ حيثُ يَجوزُ له الإِيداعُ، فهي مَضمونةٌ بمُجرَّدِ الأخذِ قطعًا (١). وقالَ الحَنابِلةُ: يُستحَبُّ قَبولُ الوَديعةِ لمَن يَعلمْ مِنْ نفسِه الأَمانةَ -أيْ أنه ثِقةٌ قادرٌ على حِفظِها- لمَا فيه مِنْ قَضاءِ حاجةِ أخِيه ومَعونتِه، وقد أمَرَ اللهُ تَعالى ورَسولُه بهما، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «واللَّهُ في عَونِ العَبدِ ما كانَ العَبدُ في عَونِ أَخيه» (٢). وإنْ كانَ عاجزًا عن حِفظِها أو خائفًا مِنْ نفسِه عليها لمْ يَجزْ له قَبولُها؛ لأنه يُغرِّرُ بها، إلا أنْ يُخبِرَ ربَّها بذلك إنْ كانَ لا يَعلمُه فيَرضاه، فإنَّ الحقَّ له فيَجوزُ بذلُه (٣).

стр. 7674

خَصائصُ عَقدِ الوَديعةِ: خَصائصُ عَقدِ الوَديعةِ عندَ العُلماءِ ثَلاثٌ: الجَوازُ والتَبرُّعُ والأَمانةُ. أولاً: عَقدُ الوَديعةِ عَقدٌ جَائزٌ مِنْ الطَّرفينِ: عَقدُ الوَديعةِ مِنْ العقودِ الجائزةِ في الجُملةِ، فيَجوزُ لكلٍّ مِنْ المُودِعِ والمُستودِعِ فسخُ الوَديعةِ متى شاءَ دونَ التَّوقُّفِ على رِضا الآخرِ أو مُوافقتِه على الفسخِ، وهذا في حقِّ المُودِعِ مما لا خلافَ فيه، فله أنْ يَستردَّ وَديعتَه وقتما يَشاءُ، ويَلزمُ المُستودَعَ ردُّها إليه؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، قالُ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمعُوا على أنَّ الأَماناتِ مَردودةٌ إلى أَربابِها (١)، حتى لو حبسَها بعدَ الطَّلبِ فضاعَت ضمِنَ (٢). وكذا إذا أَرادَ المُستودَعُ ردَّ الوَديعةِ على صاحبِها لزِمَه قَبولُها؛ لأنَّ المُستودَعَ مُتبَرِّعٌ بإِمساكِها فلا يَلزمُه التبَرُّعُ في المُستقبَلِ (٣). إلا أنَّ الشّافِعيةَ استَثْنَوا مِنْ القَولِ بجَوازِ ردِّ الوَديعةِ في حقِّ المُستودَعِ متى شاءَ حالةَ ما إذا كانَ قَبولُها واجبًا عليه ولمْ يرضَ المالكُ بقَبولِ ردِّها عليه.

стр. 7675

قالَ الشافِعيةُ: فللمُودِعِ الاستِردادُ وللوَديعِ الرَّدُّ في كلِّ وقتٍ، أما المُودِعُ فلأنَّه المالكُ، وأما الوَديعُ فلأنه مُتبَرِّعٌ بالحفظِ. قالُوا: وحالةُ جَوازِ الرَّدِّ هذه إذا لمْ يَلزمْه قَبولُ الوَديعةِ ابتِداءً، أما إذا كانَ بحيثُ يَجبُ عليه قَبولُ الوَديعةِ ابتِداءً فيَحرمُ الرَّدُّ، وإنْ كانَ بحيثُ يَندُبُ القَبولُ فالرَّدُّ خِلافُ الأَولى إنْ لمْ يَرضَ به المالكُ، فإنْ طلَبَها المالكُ وجَبَ ردُّها إليه، فإنْ أخَّرَ بلا عُذرٍ مع الإِمكانِ ضمِنَ. وقالَ الرَّمليُّ: ولو طالبَ المُودَعُ المالكَ بأخذِ وَديعتِه لزِمَه أَخذُها؛ لأن قَبولَ الوَديعةِ لا يَجبُ فكذا استَدامةُ حِفظِها، ومنه يُؤخَذُ أنه لو كانَ في حالةٍ يَجبُ فيها القَبولُ يَجوز للمالكِ الامتِناعُ (١). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفوا فيما لو عزَلَ المُستودَعُ نفسَه عن الوَديعةِ -في غَيبةِ المُودِعِ- هل يَنعزلُ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأَصحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُستودَعَ إذا عزَلَ نفسَه انفسَخَت الوَديعةُ؛ لأنَّها عَقدٌ وتَكونُ بعدَ ذلك أَمانةً شَرعيَّةً حُكمُها في يدِه حُكمُ الثوبِ إذا أَطارَته الرِّيحُ إلى دارِه يَجبُ ردُّه إلى مالكِه.

стр. 7676

جاءَ في «مَجلة الأَحكامِ العدليةِ» على المَذهبِ الحَنفيِّ المادةُ (٧٧٤): «لكلٍّ مِنْ المُودِعِ والمُستودَعِ فسخُ عَقدِ الإِيداعِ متى شاءَ». وجاءَ في شَرحِها: الإِيداعُ ليسَ عَقدًا لازمًا، يَعني أنه ليسَ لازمًا بحقِّ أحدٍ مِنْ الطَّرفينِ، وفي هذا التَّقديرِ للمُودعِ أنْ يَستردَّ وَديعتَه متى شاءَ؛ لأنَّه صاحبُ المالِ، ولصاحبِ الوَديعةِ أيضًا أنْ يَردَّ الوَديعةَ متى أَرادَ؛ لأنَّه مُتبَرِّعٌ بخُصوصِ حِفظِ الوَديعةِ (البَاجوريّ). فبِناءً عليه لكلٍّ مِنْ المُودِعِ والمُستودَعِ صَلاحيةُ فَسخِ الإِيداعِ متى أَرادَ، سَواءٌ أكانَ عَقدُ الإِيداعِ مُوقَّتًا لسنةٍ وَاحدةٍ مثلًا أم لمْ يَكنْ، ويُستفادُ مِنْ المادةِ أنَّ للمُودِعِ فسخُ الإِيداعِ وحدَه بالاستِقلالِ، فلذلك متى طلَبَ المُودِعُ وَديعتَه يُقدِّمُها له؛ لأنَّ هذا الطَّلبَ يَتضمَّنُ فسخَ عقدِ الإِيداعِ، فإذا امتَنعَ المُستودَعُ عن إِعادتِها ثمَّ هلَكَت الوَديعةُ لزِمَ ضَمانُها على المُستودَعِ، ولو كانَ هَلاكُها بلا تَعدٍّ ولا تَقصيرٍ، وعندَما تُطلَبُ الوَديعةُ مِنْ المُستودَعِ ليسَ له أنْ يَمتنِعَ عن تَسليمِها في الحالِ قائلًا: «حينَما سلَّمتَني كانَ ذلك بحُضورِ شاهِدينِ وأنا أيضًا أُسلِّمكَ بحضورِ شاهِدينِ»؛ لأنَّ المُستودَعَ مُصدَّقٌ باليَمينِ بمُوجَبِ المادةِ وغيرَ مُحتاجٍ لإِثباتِ الردِّ بالشُّهودِ، وعليه فلا حقَّ له بالتَّأخيرِ بحُجةِ الإِشهادِ (البَاجوريّ). إنما عَقدُ الإِيداعِ يَكونُ لازمًا في مَسألةٍ واحدةٍ، وهي: إذا كانَ الحِفظُ في مُقابلةِ أُجرةٍ، فحيثُ إنَّ عَقدَ الوَديعةِ هذا عَقدُ حفظٍ وفيه المُستودَعُ أَجيرٌ مُشتَرَكٌ فيَصيرُ العَقدُ المَذكورُ عَقدَ إِجارةٍ، وليسَ لأحدِ الطَّرفينِ أنْ يَفسخَه قبلَ تَمامِ المدَّةِ، كما هو مَذكورٌ

стр. 7677

في كتابِ الإِجارةِ (١). وقالَ المالِكيةُ: ولكلٍّ مِنْ المُودِعِ والمُودَعِ تَركُ الوَديعةِ؛ لأنَّها مِنْ حيثُ ذاتُها مُباحةٌ للفاعلِ والقابلِ، فلربِّها أنْ يَأخذَها متى شاءَ، وللمُودَعِ أنْ يَردَّها لربِّها متى شاءَ، إلا لعارضٍ فيَحرمُ، وقد يَجبُ، وإلا أنْ يَكونَ الآخذُ بأُجرةٍ فإنها تَعودُ إِجارةً وهي لَازمةٌ (٢). وقالَ الشافِعيةُ في الأَصحِّ: إذا عزَلَ المُودَعُ نفسَه في غَيبةِ المُودِعِ انعزَلَ في أَصحِّ الوَجهينِ؛ لأنَّها عَقدٌ، وتَبقى الوَديعةُ أَمانةً شَرعيَّةً في يدِه كثَوبِ الغيرِ الذي طيَّرَه الرِّيحُ إلى دارِه، فيَجبُ عليه الرَّدُّ عندَ التَّمكُّنِ وإنْ لمْ يَطلُبْ صاحبُه على الأَصحِّ، فإنْ لمْ يَفعلْ ضمِنَ. والثانِي: أنَّها أَمانةٌ، فلا يَضمَنُ إلا عندَ التَّقصيرِ (٣). وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ بطَلَ حُكمُ الوَديعَةِ بقِيَ المالُ في يدِه أَمانةً، فإنْ تلِفَ قبلَ التَّمكُّنِ مِنْ ردِّه فهدَرٌ، وإنْ تلِفَ بعدَه فوَجهانِ (٤).

стр. 7678

وذهَبَ الشافِعيةُ في وجهٍ والقاضِي مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّ الوَديعةَ لا تَنفسِخُ بالقولِ مِنْ المُستودَعِ. قالَ الشافِعيةُ في هذا الوجهِ: إذا عزَلَ المُستودَعُ نفسَه فلا يَنعزِلُ؛ لأنَّ ابتِداءَه بالفعلِ، فكذا رَفعَه، كما لو أذِنَ للضَّيفانِ في أكلِ طَعامِه فقالَ بعضُهم: «عزَلتُ نفسِي»، يَلغو قولُه، وله الأَكلُ بالإِذنِ السابقِ، فعلى هذا تَبقى الوَديعةُ بحالِها (١). وقالَ القاضِي ﵀: الوَديعةُ لا يَلحقُها الفَسخُ بالقَولِ، وإنما تَنفسِخُ بالردِّ إلى صاحبِها، أو بأنْ يَتعدَّى المُودَعُ فيها (٢). الوَديعةُ إذا كانَت بأُجرةٍ: نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ على أنَّ الوَديعةَ إذا كانَت بأُجرةٍ فإنَّها تُصبِحُ لَازمةً وتَكونُ إِجارةً، والإِجارةُ لَازمةٌ، ولا يَجوزُ للمُستودَعِ ردُّ الوَديعةِ إلا برِضا المالكِ؛ لأنَّ الإِجارةَ عَقدٌ لازمٌ لا يَجوزُ فسخُه إلا برِضا الطَّرفينِ. قال الحَنفيةُ: عَقدُ الإِيداعِ يَكونُ لازمًا في مَسألةٍ واحدةٍ، وهي: إذا كانَ الحِفظُ في مُقابلةِ أُجرةٍ، فحيثُ إنَّ عَقدَ الوَديعةِ هذا عَقدُ حِفظٍ وفيه المُستودَعُ أَجيرٌ مُشتَرَكٌ فيَصيرُ العَقدُ المَذكورُ عَقدَ إِجارةٍ، وليسَ لأَحدِ

стр. 7679

الطَّرفينِ أنْ يَفسخَه قبلَ تَمامِ المدَّةِ كما هو مَذكورٌ في كِتابِ الإِجارةِ (١). وقالَ المالِكيةُ: ولكلٍّ مِنْ المُودِعِ والمُودَعِ تَركُ الوَديعةِ، إلا أنْ يَكونَ الآخذُ بأُجرةٍ، فإنها تَعودُ إِجارةً وهي لَازمةٌ (٢). قالَ البُجَيرمِيُّ: قولُه: (مُتبَرِّعٌ بالحِفظِ) قَضيتُه أنَّه لو كانَ -أيْ الوَديعةُ- بأُجرةٍ لزِمَت (٣). ثانيًا: عَقدُ الوَديعةِ عَقدُ تَبرُّعٍ وليسَ مُعاوضةً: نصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ الوَديعةَ مِنْ عُقودِ التَّبرعاتِ التي تَقومُ على الرِّفقِ والمَعونةِ بينَ الناسَ، فلا يَأخذُ المُودَعُ أُجرةً على مُجردِ الحِفظِ إذا لمْ يَشترطْه، أو كانَت عَادتُه أنْ لا يَأخذَ عِوضًا عليها؛ لأنَّ العادةَ جَرت بذلك، فكأنهما دخَلا على إِسقاطِها. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو اشتَرطَ أَخذَ الأُجرةِ على حِفظِها، هل يَصحُّ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه يَصحُّ اشتِراطُ أَخذِ الأُجرةِ على حِفظِ الوَديعةِ.

стр. 7680

قالَ الحَنفيةُ: المُودِعُ إذا شرَطَ الأُجرةَ للمُودعِ على حِفظِ الوَديعةِ صحَّ ولزِمَ عليه (١). وجاءَ في «مَجلَّة الأَحكامِ العَدليةِ»: «ليسَ للمُستودَعِ أنْ يَأخذَ أُجرةً على حِفظِ الوَديعةِ، ما لمْ يَشترطْ ذلك في العَقدِ». وجاءَ في «دُرر الحُكامِ»: للمُستودَعِ أنْ يَأخذَ أُجرةً مُقابلَ حِفظِ الوَديعةِ؛ لأنَّ حِفظَ الوَديعةِ ليسَ بلازمٍ على المُستودَعِ (٢). وقالَ المالِكيةُ: ليسَ للمُودَعِ أنْ يَأخذَ مِنْ ربِّ الوَديعةِ أُجرةَ حِفظِها؛ لأنَّ العادةَ قاضيةٌ بذلك؛ لأنَّ الحِفظَ مِنْ نَوعِ الجاهِ، وهو لا يُؤخذُ عليه أُجرةٌ كالقَرضِ والضَّمانِ، إلا أنْ يَكونَ مثلُه ممن يُكري نفسَه للحِراسةِ، فله أنْ يَأخذَ الأُجرةَ، ومثلُه إذا جَرى العُرفُ بذلك وأَولى مِنْ اشتِراطِه. بخِلافِ أُجرةِ مَحلِّها، فله أنْ يَأخذَ أُجرةَ ما شَغلَته مِنْ المَحلِّ -أيْ المَوضعِ الذي كانَت فيه مما يَشغلُ مَنزلَه- إذا طلَبَه ما لمْ يَكنْ مِثلُه لا يَأخذُ، أو يَجرِ العُرفُ بذلك أو يَشترطَ عَدمَ الأَخذِ. والمُعتمدُ أنَّه لا فَرقَ بينَ أُجرةِ المَحلِّ وأُجرةِ الحِفظِ في الحُكمِ، بل يُقالُ فيهما: إنْ شرَطَ الأَخذَ أو كانَ العُرفُ عُملَ به، وإلا فلا (٣).

стр. 7681

وأما الشافِعيةُ فأَجازوا أَخذَ الأُجرةِ على حِفظِ الوَديعةِ، لكن في حالةِ ما كانَ قَبولُها واجِبًا على المُستودَعِ. قالوا: مَنْ وثِقَ بنفسِه استُحبَّ له قَبولُ الوَديعةِ إذا لمْ يَتعيَّنْ عليه، فإنْ لمْ يَكنْ ثمَّ غيرُه وجَبَ عليه كأداءِ الشَّهادةِ لكن بالأُجرةِ. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: قالَ الرافِعيُّ: وهو مَحمولٌ على أَصلِ القَبولِ كما بيَّنَه السَّرخسِيُّ، دونَ إِتلافِ مَنفعتِه ومَنفعةِ حِرزِه في الحِفظِ بلا عِوضٍ، وقَضيتُه أنَّ له أنْ يَأخذَ أُجرةَ الحِفظِ كما يَأخذَ أُجرةَ الحِرزِ، ومَنعَه الفاروقِيُّ وابنُ أبي عَصرونَ؛ لأنَّه صارَ واجِبًا عليه، فأَشبَه سائِرَ الواجِباتِ، والمُعتمدُ الأَولُ كما هو ظاهِرُ كلامِ الأَصحابِ، وقد تُؤخذُ الأُجرةُ على الواجِبِ كما في سَقيِ اللَّبأِ (١) وكإِنقاذِ الغَريقِ وتَعليمِ نحوِ الفاتحَةِ (٢). وأما الحَنابِلةُ فيَرونَ أنَّ الإِيداعَ إنما يَكونُ تَبرعًا بغَيرِ عِوضٍ، قالَ في «مُنتهى الإِراداتِ»: الوَديعةُ: المالُ المَدفوعُ إلى مَنْ يَحفظُه بلا عِوضٍ. والإِيداعُ: تَوكيلٌ في حِفظِه تَبرعًا، والاستِيداعُ: تَوكيلٌ في حِفظِه كذلك -أي تَبرعًا- بغَيرِ تَصرُّفٍ فيه (٣).

стр. 7682

لكن قالَ الرُّحيبانِيُّ: الوَديعةُ شَرعًا (المالُ) أو المُختصُّ ككَلبِ الصيدِ (المَدفوعِ) مِنْ جائِزِ التَّصرفِ (إلى مَنْ) أي: إلى إِنسانٍ جَائزِ التَّصرفِ (يَحفظُه)، فخرَجَ بقَيدِ المالِ أو المُختصِّ الكَلبُ الذي لا يُقتنى والخَمرُ ونحوُهما مما لا يُحترمُ، وبقَيدِ المَدفوعِ ما أَلقته الرِّيحُ إلى دارٍ مِنْ نحوِ ثَوبٍ، وما أخَذَه بالتَّعدي، وبقَيدِ الحِفظِ العارِيةُ ونحوُها. (ويَتجهُ) حِفظُ المالِ المُودَعِ (ولو بِعِوَضٍ) يُؤخذُ على حِفظِه، وعليه يَدخلُ الأَجيرُ لحِفظِ المالِ (خِلافًا للمُنتهى) فإنَّه قالَ: الوَديعةُ المالُ المَدفوعُ إلى مَنْ يَحفظُه بلا عِوضٍ. وقالَ في «الإِنصاف» نَقلًا عن «الفائِق»: الوَديعةُ عِبارةٌ عن تَوكُّلٍ لحِفظِ مالِ غَيرِه، ونقَلَ عن «الرِّعاية الصُّغرى» أنَّها عَقدُ تَبرعٍ بحِفظِ مالِ غَيرِه، ولمْ أرَ لغَيرِه هذا الاتِّجاهَ ولا ما يُؤدِّي مَعناه. (والإِيداعُ: التَّوكيلُ) مِنْ ربِّ المالِ (في حِفظِه) حالَ كَونِ الحِفظِ (تَبرعًا) مِنْ الحافِظِ، (والاستِيداعُ: التَّوكُّلُ) مِنْ إِنسانٍ (في حِفظِه) -أي: حِفظِ مالِ غيرِه- (كذلك) -أي: تَبرعًا- (بغَيرِ تَصرُّفٍ) في المالِ المَحفوظِ؛ لعَدمِ الإِذنِ في التَّصرُّفِ بغَيرِ الحِفظِ (١). فالخِلافُ عندَ الحَنابِلةِ هل لو أخَذَ عِوضًا على حِفظِ الوَديعةِ يَكونُ مُودَعًا أم أَجيرًا؟

стр. 7683

ثالثًا: عَقدُ الوَديعةِ عَقدُ أَمانةٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ عَقدَ الوَديعةِ عَقدُ أَمانةٍ، فإذا تلِفَت بغَيرِ تَفريطٍ مِنْ المُودَعِ فليسَ عليه ضَمانٌ وإنْ تلِفَت مِنْ بينِ مالِه؛ لأنَّ اللهَ تَعالى سَمَّاها أَمانةً، والضَّمانُ يُنافِي الأَمانةَ، ولِمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «مَنْ أُودعَ وَديعةً فلا ضَمانَ عليه» (١)، قالَ الشِّيرازيُّ: وهو إِجماعُ فُقهاءِ الأَمصارِ (٢)، ولأنَّ المُستودَعَ مُؤتمَنٌ فلا يَضمنُ ما تلِفَ مِنْ غَيرِ تَعدِّيه وتَفريطِه، ولأنَّ المُستودَعَ إنما يَحفظُها لصاحِبِها مُتبرعًا مِنْ غَيرِ نَفعٍ يَرجعُ عليه، فلو لزِمَه الضَّمانُ لامتنَعَ الناسُ مِنْ قَبولِ الوَدائعِ فتَتعطلُ مَصالحُهم وذلك مُضرٌّ، ولأنَّ تَضمينَ الوَديعةِ بغَيرِ عُدوانٍ يُخرجُها عن حُكمِ التَّعاونِ وعُقودِ الإِرفاقِ، ولأنَّ يدَه يدَ المالِكِ فالهَلاكُ في يدِه كالهلاكِ في يدِ المالِكِ، وكذلك إذا دخَلَها نَقصٌ؛ لأنَّ النُّقصانَ هَلاكُ بعضِ الوَديعةِ، وهَلاكُ الكلِّ لا يُوجبُ الضَّمانَ فهَلاكُ البَعضِ أَولى. وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أَكثرُ أَهلِ العِلمِ على أنَّ المُودَعَ إذا أحرَزَ الوَديعةَ، ثم تلِفَت مِنْ غيرِ جنايتِه، أنْ لا ضَمانَ عليه (٣).

стр. 7684

وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ الوَديعةَ أَمانةٌ مَحضةٌ، وأنَّها مِنْ القُربِ المَندوبِ إليها، وأنَّ في حِفظِها ثَوابًا، وأنَّ الضَّمانَ لا يَجبُ على المُودَعِ إلا بالتَّعدِّي (١). فأما إنْ تَعدَّى المُستودَعُ فيها أو فرَّطَ في حِفظِها فتلِفَت ضمِنَ بغَيرِ خِلافٍ بينَ العُلماءِ؛ لأنَّه مُتلِفٌ لمالِ غَيرِه فضمِنَه، كما لو أتلَفَه مِنْ غَيرِ استِيداعٍ. إذا تلِفَت الوَديعةُ مِنْ بينِ مالِه: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَديعةِ إذا تلِفَت أو سُرقَت أو ضاعَت مِنْ بينِ مالِ المُودَعِ دونَ أنْ يَتأثرَ مالُه بذلك، هل يَضمنُها أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَديعةَ أَمانةٌ مُطلقًا، ولا يَضمنُها المُودَعُ إلا إذا تَعدَّى أو فرَّطَ، فإذا تلِفَت الوَديعةُ أو سُرقَت بلا تَعدٍّ منه ولا تَفريطٍ ولو مِنْ بينِ مالِه ولمْ يَتأثرْ مالُه بذلك فلا ضمانَ عليه، ولأنَّ الأَصلَ في حِفظِ الوَديعةِ أنَّه مَعروفٌ وإِحسانٌ مِنْ الوَديعِ، فلو ضمَّنَّاه الوَديعةَ مِنْ غيرِ تَعدٍّ ولا عُدوانٍ منه لَزهِدَ النَّاسُ في قَبولِها ورغِبوا عنها ولَتعطَّلَت مَصالحُهم.

стр. 7685

وأما ما رُويَ عن عُمرَ ﵁ أنَّه ضمَّنَ أنسَ بنَ مالكٍ ﵁ وَديعةً تلِفَت مِنْ بينِ مالِه فهو مَحمولٌ على حالةِ التَّعدِي أو التَّفريطِ (١). وذهَبَ الإمامُ أَحمدُ في روايةٍ اختارَها شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ إلى أنَّ الوَديعةَ إذا تلِفَت أو سُرقَت دونَ أنْ يَتأثرَ مالُ المُودَعِ بذلك أنَّه ضامنٌ لها. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إنَّ الوَديعةَ أَمانةٌ، فإذا تلِفَت بغَيرِ تَفريطٍ مِنْ المُودَعِ فليسَ عليه ضَمانٌ، سَواءٌ ذهَبَ معها شيءٌ مِنْ مالِ المُودَعِ أو لم يَذهبْ، هذا قَولُ أَكثرِ أَهلِ العِلمِ، رُويَ ذلك عن أبي بَكرٍ وعليٍّ وابنِ مَسعودٍ ﵃، وبه قالَ شُريحٌ والنَّخَعيُّ ومالكٌ وأَبو الزِّنادِ والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ والشَّافعيُّ وأَصحابُ الرأيِ، وعن أَحمدَ رِوايةٌ أُخرى: إنْ ذهَبَت الوَديعةُ مِنْ بينِ مالِه غرِمَها؛ لمَا رُويَ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁: أنَّه ضمَّنَ أنسَ بنَ مالكٍ وَديعةً ذهَبَت مِنْ بينِ مالِه (٢). قالَ القاضِي: والأَولُ أَصحُّ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى سمَّاها أَمانةً، والضَّمانُ يُنافي الأَمانةَ، ولأنَّ المُستودَعَ مُؤتمَنٌ فلا يَضمنُ ما تلِفَ مِنْ غيرِ تَعدِّيه وتَفريطِه

стр. 7686

كالذي ذهَبَ مع مالِه؛ ولأنَّ المُستودَعَ إنما يَحفظُها لِصاحبِها مُتبرعًا مِنْ غيرِ نفعٍ يَرجعُ عليه، فلو لزِمَه الضَّمانُ لَامتنعَ الناسُ مِنْ قَبولِ الوَدائعِ، وذلك مُضرٌّ لمَا بيَّنَّاه مِنْ الحاجةِ إليها، وما رُويَ عن عُمرَ مَحمولٌ على التَّفريطِ مِنْ أَنسٍ في حِفظِها، فلا يُنافي ما ذَكرناه، فأما إنْ تَعدَّى المُستودَعَ فيها أو فرَّطَ في حِفظِها فتلِفَت؛ ضمِنَ بغَيرِ خِلافٍ نعلَمُه؛ لأنَّه مُتلِفٌ لِمالِ غَيرٍ فضمِنَه، كما لو أَتلفَه مِنْ غَيرِ استِيداعٍ (١). وقالَ الإِمامُ المِرداوِيُّ في «الإِنصاف»: وإنْ تلِفَت -أي الوَديعةُ- مِنْ بينِ مالِه لمْ يَضمَنْ في أَصحِّ الرِّوايتينِ، يَعني إذا لمْ يَتعدَّ، وهو المَذهبُ وعليه أَكثرُ الأَصحابِ. قالَ الحارِثيُّ: هذا اختيارُ أَكثرِ الأَصحابِ، وصرَّحَ المُصنِّفُ في آخَرينَ أنَّه أَصحُّ. قالَ القاضِي: هذا أَصحُّ. قالَ الزَّركشِيُّ: هذا المَذهبُ، قالَ في «الكافي»: هذا أَظهرُ الرِّوايتينِ، وجزَمَ به في «الوَجيز» وغَيرِه، وقدَّمَه في «المُغني» و «الشَّرح» و «شَرح ابنِ مُنجَّا» والحارثِيُّ وغيرُهم. والرِّوايةُ الثَّانيةُ: يَضمنُ، نصَّ عليها واختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ. قالَ الزَّركشيُّ: يَنبَغي أنْ يَكونَ مَحلُّ الرِّوايةِ إذا ادَّعى التَّلفَ، أما إنْ ثبَتَ التَّلفُ فإنَّه يَنبغي انتفاءُ الضَّمانِ رِوايةً واحدَةً.

стр. 7687

فائدةٌ: لو تلِفَت معَ مالِه مِنْ غَيرِ تَفريطٍ فلا ضَمانَ عليه بلا نِزاعٍ في المَذهبِ، وقد تَواترَ النصُّ عن الإِمامِ أَحمدَ ﵀ بذلك. وإنْ تلِفَت بتَعدِّيه وتَفريطِه ضمِنَ بلا خِلافٍ (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ رجَبٍ الحَنبليُّ ﵀: إذا تلِفَت الوَديعةُ مِنْ بينِ مالِه ففي ضَمانِه خِلافٌ، فمِن الأَصحابِ مَنْ يَبنيه على أنَّ قَولَه هل يُقبَلُ في ذلك أم لا؟ ومنهم مَنْ يَقولُ تَلفُها مِنْ بينِ مالِه أَمارةٌ على تَفريطِه فيها (٢). قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: إذا ظهَرَ أنَّ المالَ الذي للمُودَعِ لم يَذهبْ فادَّعى أنَّ الوَديعةَ ذهَبَت دونَ مالِه فهنا يَكونُ ضامِنًا للوَديعةِ في أحَدِ قَولَي العُلماءِ، كقَولِ مالكٍ وأَحمدَ في إِحدى الرِّوايتينِ، فإنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ ﵁ ضمَّنَ أَنسَ بنَ مالكٍ وَديعةً ادَّعى أنَّها ذهَبَت دونَ مالِه (٣). اشتِراطُ الضَّمانِ على المُودَعِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُودِعَ إذا شرَطَ الضَّمانَ على المُودَعِ فقبَلَ المودَعُ أو قالَ المُودَعُ: «أنا ضامِنٌ للوَديعةِ إنْ تلِفَت ولو بغَيرِ تَعدٍّ مني ولا تَفريطٍ»، فسُرقَت أو تلِفَت مِنْ غَيرِ تَعدِّيه أو تَفريطِه في المُحافظةِ عليها أنَّه لا ضَمانَ عليه، وأنَّ

стр. 7688

الشَّرطَ باطِلٌ ولا أثَرَ له؛ لأنَّ ضَمانَ الأَماناتِ غَيرُ صَحيحٍ، وذلك لأنَّ اشتِراطَ الضَّمانِ على الأَمينِ باطِلٌ؛ لأنَّ جَعلَ ما أَصلُه أَمانةٌ مَضمونًا بالشَّرطِ باطِلٌ كمالِ المُضاربةِ والشَّركةِ والوَكالةِ، ولأنَّه شَرطُ ما لمْ يُوجدْ سَببُ ضَمانِه فلمْ يَلزمْه، كما لو شرَطَ ضَمانَ ما يَتلفُ في يدِ مالِكِه، ولأنَّ شَرطَ ضَمانِها يُخرِجُها عن حَقيقتِها ويُخالفُ ما يُوجبُه الحُكمُ. وكذلك الحُكمُ إذا اشتَرطَ نفيَ ضَمانِها إذا تَعدَّى أو فرَّطَ، أنَّه لا يَنتفي عنه الضَّمانُ، وتَصيرُ مَضمونةً عليه؛ لأنَّ ما لا يَجبُ ضَمانُه لا يَصيِّرُهُ الشَّرطُ مَضمونًا، وما يَجبُ ضَمانُه لا يَنتفي ضَمانُه بشَرطِ نَفيِهِ. قالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّه إذا أودَعَه على شَرطِ الضَّمانِ فإنَّه لا يَضمنُ، والشَّرطُ باطِلٌ (١). وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: إذا أودَعَه وشرَطَ الضَّمانَ لم يَضمنْ، خِلافًا للعَنبريِّ؛ لأنَّ جعْلَ ما أَصلُه أَمانةٌ لا يَصيرُ مَضمونًا بالشَّرطِ، كالشَّركةِ والوَكالاتِ (٢). وقالَ العِمرانِيُّ ﵀: فإنْ شرَطَ المُودِعُ الضَّمانَ على المُودَعِ لمْ يَجبْ عليه الضَّمانُ بذلك، وهو قَولُ العُلماءِ كافةً، إلا عُبيدَ اللهِ بنَ الحَسنِ العَنبريِّ، فإنَّه قالَ: عليه الضَّمانُ، وهذا غَيرُ صَحيحٍ لمَا ذكَرْناه مِنْ الخَبرِ،

стр. 7689

فلمْ يُفرِّقْ بينَ أنْ يَشترطَ الضَّمانَ أو لا يَشترطَ، ولأنَّ ما كانَ أَصلُه الأَمانةُ لمْ يَصرْ مَضمونًا بالشَّرطِ، كالمَضمونِ لا يَصيرُ أَمانةً بالشَّرطِ (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا شرَطَ ربُّ الوَديعةِ على المُستودَعِ ضَمانَ الوَديعةِ فقبِلَه أو قالَ أنا ضامِنٌ لها لمْ يَضمنْ، قالَ أَحمدُ في المُودَعِ إذا قالَ أنا ضامِنٌ لها فسُرقَت فلا شيءَ عليه، وكذلك كلُّ ما أَصلُه الأَمانةُ كالمُضاربَةِ ومالِ الشَّركةِ والرَّهنِ والوَكالةِ، وبهذا قالَ الثَّوريُّ والشافِعيُّ وإسحاقُ وابنُ المُنذرِ، وذلك لأنَّه شرَطَ ضَمانَ ما لم يُوجدْ سَببُ ضَمانِه فلمْ يَلزمْه، كما لو شرَطَ ضَمانَ ما يَتلفُ في يدِ مالِكِه (٢). أَخذُ الأُجرةِ على الوَديعةِ: كما تقَدمَ أنَّ الوَديعةَ أَمانةٌ في يدِ المُودَعِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ إذا كانَت مِنْ غَيرِ عِوضٍ، إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو كانَت بأُجرةٍ مُقابِلَ الحِفظِ، هل تَصيرُ مَضمونَةً أم تَظلُّ أَمانةً كما هي؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا فرقَ في الوَديعةِ بينَ أنْ تَكونَ بأَجرٍ أو بغَيرِ أَجرٍ، فهي أَمانةٌ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَت بأَجرٍ أو بغَيرِ أَجرٍ؛ حيثُ إنَّ

стр. 7690

أَخذَ الأُجرةِ على الوَديعةِ لا يُغيِّرُ شَيئًا مِنْ أَحكامِ الأَمانةِ أو الضَّمانِ فيها كالوَكالةِ، فعليه لا يَضمنُ المُودَعُ الوَديعةَ إذا تلِفَت أو ضاعَت مِنْ غَيرِ تَعدٍّ ولا تَفريطٍ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَت بأَجرٍ أو بغَيرِ أَجرٍ، وسواءٌ كانَت مما يُمكنُ التَّحرُّزُ عنه أم لا (١). وأما الحَنفيةُ فيُفرِّقُونَ في الضَّمانِ بينَ ما إذا كانَت الوَديعةُ بأَجرٍ أو بغَيرِ أَجرٍ فقالُوا: الوَديعةُ أَمانةٌ في يدِ الوَديعِ، بِناءً عليه إذا هلَكَت بلا تَعدٍّ مِنْ المُستودَعِ وبدونِ صُنعِه وتَقصيرِه في الحِفظِ فلا يَلزمُ الضَّمانُ، إلا أنَّه إذا كانَ الإِيداعُ بأُجرةٍ على حِفظِ الوَديعةِ فهلَكَت أو ضاعَت بسَببٍ يُمكنُ التَّحرزُ منه لزِمَ المُستودَعَ ضَمانُها، مثلًا لو وقَعَت السَّاعةُ المُودعَةُ مِنْ يدِ الوَديعِ بلا صُنعِه فانكسَرَت لا يَلزمُ الضَّمانُ، أما لو وُطئَت السَّاعةُ بالرِّجلِ أو وقَعَ مِنْ اليدِ عليها شيءٌ فانكَسرَت لزِمَ الضمانُ، كذلك إذا أودَعَ رَجلٌ مالَه عندَ آخرَ وأَعطاه أُجرةً على حِفظِه فضاعَ المالُ بسَببٍ يُمكنُ التَّحرزُ منه كالسَّرقةِ والغَصبِ فيَلزمُ المُستودَعَ الضَّمانُ، وأما إنْ حصَلَ التَّلفُ أو الهَلاكُ بسَببٍ لا يُمكنُ التَّحرزُ منه كحَريقٍ غالبٍ فإنَّ المُودَعَ لا يَضمنُ، سَواءٌ كانَت الوَديعةٌ بأُجرةٍ أو بغَيرِ أُجرةٍ، هكذا جاءَ في «مَجلة الأَحكامِ العَدليةِ» على المَذهبِ الحَنفيِّ (٢).

стр. 7691

وإنْ كانَ ظاهِرُ كَلامِ ابنِ نُجيمٍ وكذا البَغدَّاديُّ وابنُ عابدِينَ الضَّمانُ مُطلقًا. قالَ ابنُ نُجيمٍ: الوَديعةُ أَمانةٌ، إلا إذا كانَت بأَجرٍ فمَضمونةٌ، ذكَرَه الزَّيلعيُّ (١). وقالَ ابنُ عابدِين بعدَما نقَلَ هذا القَولَ: وعلَّلُوه بأنَّ الحِفظَ حينَئذٍ مُستحَقٌّ عليه كما قدَّمْنا، فأَفادَ أنَّ الأُجرةَ تُخرِجُ الوَديعةَ عن كَونِها أَمانةً إلى الضَّمانِ. وفي صَدرِ الشَّريعَةِ إذا سُرقَ مِنْ الأَجيرِ المُشتركِ والحالُّ أنَّه لمْ يُقصِّرْ في المُحافظَةِ يَضمنُ عندَهما، كما في الوَديعةِ التي تَكونُ بأَجرٍ، فإنَّ الحِفظَ مُستحَقٌّ عليه، وأَبو حَنيفةَ يَقولُ: الأُجرةُ في مُقابلَةِ العَملِ دونَ الحِفظِ، فصارَ كالوَديعةِ بلا أَجرٍ. اه فأَفادَ أنَّ الوَديعةَ بأَجرٍ مَضمونةٌ اتِّفاقًا، وبلا أَجرٍ غَيرُ مَضمونةٍ اتِّفاقًا (٢). قَبولُ قَولِ المُودَعِ في هَلاكِ الوَديعةِ أو تَلفِها: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ المُودَعَ أَمينٌ، وعليه فإنَّ المُودَعَ إذا ادَّعى تَلفَ الوَديعةِ أو هَلاكَها بأَمرٍ خَفيٍّ فإنَّه مُصدَّق، وأنَّ القولَ قولُه بلا خِلافٍ. قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أَجمعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ على أنَّ المُودَعَ إذا أَحرزَ الوَديعةَ ثُم ذكَرَ أنَّها ضاعَت أنَّ القَولَ قَولُه، وقالَ أَكثرُهم: إنَّ القَولَ قَولُه معَ يِمينِه (٣). وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: المُودَعُ أَمينٌ والقَولُ قَولُه فيما يَدَّعيه مِنْ تَلفِ الوَديعةِ بغَيرِ خِلافٍ (٤).

стр. 7692

وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ الوَديعةَ أَمانةٌ مَحضةٌ وأنَّها مِنْ القُربِ المَندوبِ إليها، وأنَّ في حِفظِها ثَوابًا، وأنَّ الضَّمانَ لا يَجبُ على المُودَعِ إلا بالتَّعدي، وأنَّ القَولَ قَولُ المُودَعِ في التَّلفِ والرَّدِّ على الإِطلاقِ معَ يَمينِه (١). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو ادَّعى المُودَعُ أنَّ الوَديعَة هلَكَت بأَمرٍ ظاهِرٍ، هل يُقبلُ قَولُه معَ يَمينِه بغَيرِ بَينةٍ أم لا بدَّ مِنْ بَينةٍ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّه يُقبلُ قَولُه مُطلقًا إلا أنَّ يُتَّهمَ فيَحلفُ. قالَ الحَنفيةُ: إذا ادَّعى المُودَعُ هَلاكَ الوَديعةِ وأَنكرَه المالِكُ فالقَولُ قَولُ المُودَعَ؛ لأنَّ المالِكَ يَدَّعي على الأَمينِ أَمرًا عارِضًا -وهو التَّعدي- والمُودَعُ مُستصحِبٌ لحالِ الأَمانةِ، فكانَ مُتمسِّكًا بالأَصلِ، فكانَ القَولُ قَولَه لكنْ معَ اليَمينِ؛ لأنَّ التُّهمةَ قائِمةٌ فيَستحلِفُ دَفعًا للتُّهمةِ (٢).

стр. 7693

وقالَ المالِكيةُ: المُودَعُ أَمينٌ ومُصدَّقٌ فيما يَدَّعيه مِنْ تَلفِ الوَديعةِ، والقَولُ قَولُه أَبدًا وإنْ لمْ يَأتِ بما يَستدلُّ عليه؛ لأنَّه مَأمونٌ على حِفظِها على كلِّ حالٍ، فيُصدَّقُ في الضَّياعِ والتَّلفِ الذي ائتمَنَه عليه، إلا أنْ يُتهمَ فيَحلفُ، فإنْ نكَلَ ضمِنَ ولا تُردُّ اليَمينُ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا ادَّعى التَّلفَ بأَمرٍ ظاهِرٍ كحَريقٍ ونَهبٍ فلا يُقبلُ قَولُه إلا بِبينةٍ على تَفصيلٍ عندَهم. قالَ الشافِعيةُ: لو ادَّعى الوَديعُ تَلفَ الوَديعةِ ولمْ يَذكرْ له سببًا أو ذكَرَ له سببًا خَفيًّا كسَرقةٍ صُدِّقَ في ذلك بيَمينِه بالإِجماعِ، ولا يَلزمُه بَيانُ السَّببِ في الأُولى، نَعم يَلزمُه أنْ يَحلفَ له أنَّها تلِفَت بغَيرِ تَفريطٍ منه، ولو نكَلَ عن اليَمينِ على السَّببِ الخَفيِّ حلفَ المالِكُ أنَّه لا يَعلمُه وغرَّمَه البَدلَ، ولا يُكلفُ الحلفَ أنَّها لمْ تَتلفْ. وإنْ ذكَرَ سببًا ظاهرًا كحَريقٍ ونَهبٍ ومَوتٍ فإنْ عُرفَ الحَريقُ وعَمومُه بالبَينةِ أو الاستِفاضةِ ولمْ يَحتملْ سَلامةَ الوَديعةِ صُدِّقَ بلا يَمينٍ؛ لأنَّ ظاهرَ الحالِ يُغنيه عن اليَمينِ، ولاحتِمالِ ما يدَّعيه، أما إذا احتملَ سَلامتَها بأنْ عمَّ ظاهرًا لا يَقينًا فيَحلفُ لاحتِمالِ سَلامتِها. فإنْ عُرفَ الحرَيقُ دونَ عُمومِه صُدِّقَ بيَمينِه لاحتِمالِ ما ادَّعاه.

стр. 7694

وإنْ جُهلَ ما ادَّعاه مِنْ السَّببِ الظاهرِ طُولِبَ ببيِّنَةٍ على وُقوعِه، ثُم يَحلِفُ على التَّلفِ به لاحتِمالِ أنَّها لمْ تَتلفْ به، ولا يُكلفُ البيِّنةَ على التَّلفِ به؛ لأنَّه مما يَخفى، فإنْ لمْ تَقمْ بيِّنةٌ أو نكَلَ عن اليَمينِ حلفَ المالكُ على نفيِ العِلمِ بالتَّلفِ ورجَعَ عليه (١). وقال الحَنابِلةُ: يُصدَّقُ المُودَعُ بيَمينِه في دَعوى تَلفِ الوَديعةِ بسَببٍ خَفيٍّ كالسَّرقةِ لتَعذُّرِ إِقامةِ البَينةِ على مِثلِ هذا السَّببِ، ولأنَّه لو لمْ يُقبلْ قَولُه في ذلك لامتنَعَ النَّاسُ مِنْ قَبولِ الأَماناتِ معَ الحَاجةِ إلى ذلك. وكذا يُقبلُ قَولُه في دَعوى تَلفِ الوَديعةِ بسَببٍ ظاهِرٍ كحَريقٍ وغَرقٍ ونَهبِ جَيشٍ إنْ ثبَتَ وُجودُه ببيِّنةٍ شهِدَت بوُجودِ ذلك السَّببِ في تلك الناحِيةِ؛ قُبلَت دَعواه ثُم يَحلفُ معَ البَينةِ أنَّ الوَديعةَ تلِفَت بذلك السَّببِ، فإنْ عجَزَ عن إِقامةِ البيِّنةِ بالسَّببِ الظاهِرِ ضمِنَ الوَديعةَ؛ لأنَّه لا تَتعذرُ إِقامةُ البَينةِ به والأَصلُ عَدمُه، ويَكفي في ثُبوتِ السَّببِ الظَّاهرِ الاستِفاضةُ، فعلى هذا إذا علِمَه القاضِي بالاستِفاضةِ قُبلَ قَولُ الوَديعِ بيَمينِه، ولمْ يُكلَّفْ بيِّنةً تَشهدُ بالسَّببِ، فإذا ثبَتَ السَّببُ الظَّاهرُ بالبَينةِ أو الاستِفاضةِ فالقَولُ قَولُ المُودَعِ في التَّلفِ معَ يَمينِه، فيَحلفُ أنَّها ضاعَت به (٢).

стр. 7695

وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: سائِرُ مَنْ قُلنا «القَولُ قَولُه» إنما يُقبلُ قَولُه إذا لمْ يُكذِّبْه شاهِدُ الحالِ، فإنْ كذَّبَه لمْ يُقبلْ قَولُه، ولهذا يُكذبُ المُودَعُ والمُستأجِرُ إذا ادَّعيا أنَّ الوَديعةَ أو العَينَ المُستأجرَةَ هلَكَت في الحَريقِ أو تحتَ الهَدمِ أو في نَهبِ العَيَّارينَ ونَحوِهم، لمْ يُقبلْ قَولُهم إلا إذا تحقَّقْنا وُجودَ هذه الأسبابِ، فأما إذا علِمْنا انتِفاءَها فإنا نَجزمُ بكَذبِهم، ولا يُقبلُ قَولُهم (١).

стр. 7696

أَركانُ عَقدِ الوَديعةِ: أَركانُ عَقدِ الوَديعةِ عندَ الجُمهورِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ أَربعةٌ: ١ - الصِّيغةُ ٢ - المُودِعُ ٣ - الوَديعُ ٤ - الوَديعةُ: أي العَينُ المُودَعةُ. وعندَ الحَنفيةِ رُكنُها هو الإِيجابُ والقَبولُ فقط. الرُّكنُ الأَولُ وشُروطُه: الصِّيغةُ: الصِّيغةُ هي الإِيجابُ مِنْ المُودِعِ والقَبولُ مِنْ المُودَعِ، مِثلُ أنْ يَقولَ لغيرِه: «أَودعتُك هذا الشَّيءَ»، أو «احفَظْ هذا المالَ»، أو «خذْ هذا المالَ وَديعةً عندَك»، وما يَجري مَجراه أو ما يُفيدُ مَعناه ويَقبلُه الآخرُ، فإذا وُجدَ ذلك فقد تمَّ عَقدُ الوَديعةِ، وهذا مما لا خِلافَ فيه بينَ الفُقهاءِ. إلا أنَّ العُلماءِ اختلَفُوا هل يُشترطُ للصِيغةِ إِيجابٌ وقَبولٌ لفظًا أم يَكفي ما يَدلُّ على الإِيجابِ والقَبولِ ولو بالقَرائنِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ اللَّفظُ في الصِّيغةِ، بل كلُّ ما يُفهمُ منه طلبُ الحفظِ ولو بقَرائنِ الأَحوالِ. قالَ الحَنفيةُ: يَنعقدُ الإِيداعُ بالإِيجابِ والقَبولِ صَراحةً أو دِلالةً، مَثلًا إذا قالَ صاحِبُ الوَديعةِ: «أَودعتُكَ هذا الشَّيءَ» أو «جعَلْته أَمانةً عندَك» أو «احفظْ هذا الشَّيءَ» أو «خذْ هذا الشيءَ وَديعةً عندَك»، وما يَجري مَجراه، فقالَ المُستودَعُ: «قبِلْت»؛ انعقَدَ الإِيداعُ صَراحةً، وكذا لو دخَلَ شَخصٌ خانًا فقالَ لصاحِبِ الخانِ: «أينَ أَربطُ دابَّتي؟» فأراه مَحلًّا، فربَطَ الدَّابةَ فيه، انعقَدَ الإِيداعُ دِلالةً، وكذلك إذا وضَعَ رَجلٌ مالَه في دُكانٍ فرآه صاحِبُ الدُّكانِ

стр. 7697

وسكَتَ، ثُم ترَكَ الرَّجلُ ذلك المالَ وانصَرفَ، صارَ ذلك المالُ عندَ صاحِبِ الدُّكانِ وَديعةً، وأما لو ردَّ صاحِبُ الدُّكانِ الإِيداعَ بأنْ قالَ: «لا أَقبلُ»، فلا يَنعقدُ الإِيداعُ حينَئذٍ، وكذا إذا وضَعَ رَجلٌ مالَه عندَ جَماعةٍ على سَبيلِ الوَديعةِ وانصَرفَ وهم يَرونَه وبَقُوا ساكِتينَ صارَ ذلك المالُ وَديعةً عندَ جَميعِهم، فإذا قاموا واحدًا بعدَ واحدٍ وانصَرَفوا مِنْ ذلك المَحلِّ فبما أنَّه يَتعيَّنُ حينَئذٍ الحِفظُ على مَنْ بقِيَ منهم آخرًا يَصيرُ المالُ وَديعةً عندَ الأَخيرِ فقط (١). وقالَ المالِكيةُ: الصِّيغةُ هي كلُّ ما يُفهمُ منه طلَبُ الحِفظِ ولو بقَرائنِ الأَحوالِ، ولا يَتوقَّفُ على إِيجابٍ وقَبولٍ باللَّفظِ، حتى لو وضَعَ شَخصٌ مَتاعَه عندَ جالِسٍ رَشيدٍ بَصيرٍ ساكِتٍ وذهَبَ الواضِعُ لحاجَتِه، فإنَّه يَجبُ على المَوضوعِ عندَه المتاعُ حِفظُه بحَيثُ إنْ فرَّطَ في حِفظِه حتى ضاعَ ضمِنَه؛ لأنَّ سُكوتَه رِضًا منه بالإِيداعِ عندَه، وأما الأَعمى فلا بدَّ أنْ يَضعَ يدَه عليها حتى يَضمنَ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه يُشترطُ في الإِيداعِ الإِيجابُ مِنْ المُودِعِ لَفظًا وعَدمُ الرَّدِ مِنْ جانبِ المُودَعِ. قالَ الشافِعيةُ: لا تَنعقدُ الوَديعةُ إلا بالإِيجابِ بالقَولِ مِنْ النَّاطقِ، وهي إما صَريحٌ: ك «استَودَعْتك هذا» أو «أودَعْتُك» أو «هو وَديعةٌ عندَك» أو «استَحفظتُك» أو «أنبْتُك في حِفظِه» أو «احفَظْه».

стр. 7698

وإما كِنايةٌ: وتَنعقدُ بها معَ النِّيةَ، ك «خُذْه»، أو معَ القَرينةِ ك «خُذْه» أَمانةً، أما الأَخرسُ فتَكفي إِشارتُه المُفهمةُ، وعليه لا يَجبُ على حمَّاميٍّ حِفظُ ثِيابِ مَنْ لمْ يَستحفظْه، فلا يَضمنُها إنْ ضاعَت وإنْ فرَّطَ في حِفظِها. والأَصحُّ أنَّه لا يُشترطُ في الوَديعِ القَبولُ للوَديعةِ لَفظًا، ويَكفي معَ عَدمِ اللَّفظِ والردِّ منه القَبضُ لها ولو على التَّراخي كما في الوَكالةِ بل أَولى، عَقارًا كانَت أو مَنقولًا، فإذا قبَضَها تمَّت الوَديعةُ، وإنما الشَّرطُ هو عَدمُ الردِّ لها، فإنْ لمْ يُوجبِ المالِكُ له بل وضَعَ مالَه بينَ يَديه سَواءٌ أقالَ له قبلَ ذلك: «أُريدُ أنْ أودِعَك» أم لا، أو أوجَبَ له ووضَعَه بينَ يَديه وردَّ لمْ يَصحَّ، فإنْ ذهَبَ وترَكَها لمْ يَضمنْ وإنْ أثِمَ به بأنْ كانَ ذَهابُه بعدَ غَيبةٍ المالِكِ، وإنْ قبَضَها صارَ ضامِنًا إلا إنْ كانَت مُعرَّضةً للضَّياعِ فقبَضَها حِسبةً صَونًا لها عن الضَّياعِ فلا يَضمنُ، وذَهابُ الوَديعِ معَ تَركِ الوَديعةِ والمالِكُ حاضِرٌ كردِّها. والثانِي: يُشترطُ القَبولُ لَفظًا، والثالِثُ: يُشترطُ إنْ كانَ بصِيغةِ عَقدٍ، ك «أودَعْتُك»، ولا يُشترطُ إنْ قالَ: «احفَظْه»، أو «هو وَديعةٌ عندَك». قالَ الخطيبُ الشِّربينيُّ: تَنبيهٌ: قَضيةُ كَلامِ الشَّيخينِ أنَّه لا بدَّ مِنْ لَفظِ ائتِمانٍ مِنْ المُودِعِ الناطِقِ، قالَ الأَذرعيُّ: ولمْ يَبعدْ أنْ يُقالَ: الشَّرطُ وُجودُ اللَّفظِ مِنْ أَحدِ الجانِبينِ، والفِعلُ مِنْ الآخرِ للعِلمِ بحُصولِ المَقصودِ بذلك، فلو قالَ الوَديعُ: «أودِعْنِيه» مَثلًا فدفَعَه له سَاكتًا كَفى كالعارِيةِ، وعليه فالشَّرطُ اللَّفظُ مِنْ أَحدِهما، وهو حَسنٌ (١).

стр. 7699

وقالَ الحَنابِلةُ: يُعتبَرُ للوَديعةِ أَركانُ الوَكالةِ، ويَكفي القَبضُ قَبولًا للوَديعةِ كالوَكالةِ (١)، وقد تقدَّمَ هذا في كِتابِ الوَكالةِ. تَنفسخُ الوَديعةُ بما تَنفسخُ به الوَكالةُ: قالَ الشافِعيةُ: تَنفسخُ الوَديعةُ بما تَنفسخُ به الوَكالةُ مِنْ العَزلِ والجُنونِ والإِغماءِ والمَوتِ كما تَنفسخُ الوَكالةُ؛ لأنَّه وَكالةٌ في الحِفظِ فكانَ كالوَكالةِ في العَقدِ والفَسخِ، ويَجبُ الردُّ في مَسألةِ الجُنونِ، وإلى الوارِثِ في مَسألةِ المَوتِ (٢). حَقيقةُ عَقدِ الوَديعةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حَقيقةِ الوَديعةِ هل هي عَقدٌ أم إِذنٌ مُجرَّدٌ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ -في الأَصحِّ عندَهم- والحَنابِلةُ إلى أنَّ الوَديعةَ عَقدُ تَوكيلٍ خاصٍّ مِنْ جِهةِ المُودِعِ، وتَوكُّلٌ مِنْ جِهةِ المُستودَعِ. وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَديعةَ مُجرَّدُ إِذنٍ في الحِفظِ كالضِّيافةِ، فكما أنَّ الضِّيافةَ إذنٌ مِنْ المالِكِ للضَّيفِ في إِباحةِ الطَّعامِ المُقدَّمِ له دونَ أنْ يَكونَ فيها عَقدٌ أو تَمليكٌ، فكذلك الوَديعةُ مُجرَّدُ إِذنٍ مِنْ المُودِعِ للمُستودَعِ في حِفظِ مالِه، وليسَت عَقدًا.

стр. 7700

وتَظهرُ ثَمرةُ الخِلافِ في الفُروعِ التالِيةِ: أ- لو أودَعَ وشرَطَ شَرطًا فاسِدًا قالَ الإِمامُ: «فمَن جعَلَها عَقدًا أفسَدَها، ولا بدَّ مِنْ ائتِمانٍ جَديدٍ، وإلا كانَ كما لو طيَّرَت الرِّيحُ ثَوبًا إلى دارِه، ومَن لمْ يَجعلْها عَقدًا ألغى الشَّرطَ الفاسِدَ، وأبْقَى مُوجِبَ الإِيداعِ. ب- إذا عزَلَ المُودَعُ نَفسَه في غَيبةِ المُودِعِ ففي انعزالِه وَجهانِ: فإنْ قلْنا: «الوَديعةُ عَقدٌ» انعزَلَ وتَبقى الوَديعةُ أَمانةٌ شَرعيةٌ في يدِه كثَوبِ الغَيرِ الذي طيَّرَه الرِّيحُ إلى دارِه، فيَجبُ عليه الردُّ عندَ التَّمكنِ، وإنْ لمْ يَطلبْ صاحِبَه على الأَصحِّ، فإنْ لمْ يَفعلْ ضمِنَ. والثانِي: أنَّها أَمانةٌ، فلا يَضمنُ إلا عندَ التَّقصيرِ. وإنْ قُلْنا: «ليسَت بعَقدٍ، بل إِذنٌ» فلا يَنعزلُ؛ لأنَّ ابتِداءَه بالفِعلِ، فكذا رَفعُه، كما لو أذِنَ للضَّيفانِ في أكلِ طَعامِه فقالَ بَعضُهم: عزَلْت نَفسِي، يَلغو قَولُه، وله الأَكلُ بالإِذنِ السَّابقِ، فعلى هذا تَبقى الوَديعةُ بحالِها. ج- إذا أَكرَه صاحِبُ المالِ شَخصًا على قَبولِ الوَديعةِ. فإنْ قُلْنا: «عَقدٌ» لمْ يَثبتْ حُكمُ الإِيداعِ، وإنْ قُلْنا: «إِذنٌ» مُجرَّدٌ ثبَتَ حُكمُها، وهو المَرويُّ عن ابنِ أبي هُريرةَ. د- في كونِ وَلدِ الوَديعةِ وَديعةً وَجهانِ: يَنبنيانِ على أنَّ الوَديعةَ عَقدٌ أم لا؟ فإن قُلْنا: «الوَديعةُ عَقدٌ»، فالوَلدُ وَديعةٌ كالأُمِّ، وإنْ قُلْنا: «إِذنٌ»، فليسَ بوَديعةٍ، بل هو أَمانةٌ شَرعيةٌ في يدِه يَجبُ ردُّه في الحالِ إذا تمكَّنَ وإلا ضمِنَ على الأَصحِّ (١).

стр. 7701

الرُّكنُ الثانِي والثَّالثُ: المُودِعُ والمُودَعُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترطُ في المُودِعِ والمُودَعِ ما يُشترطُ في الوَكيلِ والمُوكِّلِ مِنْ الأَهليةِ، وهو أنْ يَكونَ جائزَ التَّصرفِ، فكلُّ مَنْ جازَ له التَّوكيلُ والتَّوكلُ جازَ له الإِيداعُ والاستِيداعُ. أولاً: شَرطُ المُودِعُ: يُشترطُ في المُودِعِ أنْ يَكونَ جائزَ التَّصرفِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ، فكلُّ مَنْ جازَ له التَّوكيلُ والتَّوكلُ جازَ له الإِيداعُ والاستِيداعُ؛ لأنَّ الإِيداعَ والاستِيداعَ تَوكيلٌ وتَوكلٌ، وعليه فلا يَصحُّ الإِيداعُ مِنْ الصَّغيرِ غيرِ المُميِّزِ ولا مِنْ المَجنونِ. أ - إِيداعُ الصَّبيِّ غيرِ المُميِّزِ أو المَجنونِ أو السَّفيهِ مالًا لجائزٍ الاستِيداعِ: قُلنا: إنَّه لا يَصحُّ الإِيداعُ إلا مِمَّنْ يَصحُّ منه التَّوكيلُ والتَّوكلُ، وعليه فلا يَصحُ الإِيداعُ مِنْ الصَّغيرِ غيرِ المُميَّزِ ولا المَجنونِ اتِّفاقًا، ولا مِنْ السَّفيهِ عندَ الجُمهورِ غيرِ أبي حَنيفةَ، فإذا أودَعَ الصَّغيرُ أو المَجنونُ -وكذا السَّفيهُ- مالًا لإنسانٍ فلا يَجوزُ له أنْ يَقبلَه وَديعةً، فإذا أخَذَه منه لمْ يَبرأْ مِنْ الضَّمانِ إلا

стр. 7702

بالردِّ إلى وليِّه، وذلك لأنَّه قبِلَ مالًا مِمَّنْ لا يَملكُ التَّصرفَ فيه، كما لو غصَبَ مالًا وأودَعَه وعلِمَ المُستودَعُ أنَّه مَغصوبٌ وقبِلَ الوَديعةَ، فإنَّه لا يَبرأُ مِنْ الضَّمانِ إلا بالردِّ على صاحبِها، ولأنَّه أخَذَ مالَ غيرِه بغيرِ إذنٍ شَرعيٍّ فأشبَه ما لو غصَبَه (١). إلا أنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ استَثْنوا مِنْ هذه الحالةِ ما لو خشِيَ المُودَعُ هلاكَ الوَديعةِ في يدِ الصَّغيرِ أو المَجنونِ أو المَحجورِ عليه فأخَذَها منه حسبةً ليَحفظَها، فلا ضَمانَ عليه ما لمْ يَتعدَّ فيها أو يُفرطَ. قالَ المالِكيةُ: تَجوزُ الوَديعةُ مِنْ الصَّبيِّ الخائِفِ عليها إنْ بقِيَت بيدِه، ومِن العَبدِ، ويَجوزُ أنْ يُودِعا ما خِيف تلفُهُ بيدِ مُودِعِه إنْ ظنَّ صَونَه بيدِ أحدِهما لاحتِرامِهما وثِقتِهما، كأولادِ المُحترَمينَ وعَبيدِهم عندَ نُزولِ بعضِ الظَّلمةِ ببَعضِ البِلادِ، والأَصلُ في هذا النُّصوصُ الدَّالةُ على حِفظِ المالِ والنَّهيِ عن إِضاعتِه (٢). وقالَ الشافِعيةُ: لو أودَعَه صبِيٌّ ولو مُراهقًا كامِلَ العَقلِ أو مَجنونٌ مالًا لا يَجوزُ له أنْ يَقبلَه لعَدمِ أَهليتِهما؛ لأنَّ العاقدَينِ شَرطُهما التَّكليفُ، فإنْ قبِلَ أو قبَضَ ضمِنَ بأَقصى القِيمَ؛ لأنَّه وضَعَ يدَه على مالِ غيرِه بغيرِ إذنٍ مُعتبَرٍ فكانَ كالغاصِبِ، ولا يَزولُ الضَّمانُ إلا بالردِّ إلى الناظرِ في أمرِهما. ومَحلُّ ذلك عندَ الأَمنِ مِنْ ضَياعِها، أما إذا خافَ هَلاكَه فيَأخذُه على

стр. 7703

وَجهِ الحِسبةِ صَونًا له ولا ضَمانَ عليه إذا تلِفَت بلا تَقصيرٍ، كما لو أخَذَ المُحرِمُ أو غيرُه صَيدًا مِنْ جَارحِه ليَتعهدَه فتلِفَ فلا ضَمانَ عليه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ أودَعَه صَغيرٌ -مُميِّزٌ أو لا- وَديعةً أو أودَعَه مَجنونٌ أو مَحجورٌ عليه لسَفهٍ وَديعةٍ فتلِفَت عندَ المُستودَعِ ولو بلا تَعدٍّ ولا تَفريطٍ ضمِنَها المُستودَعُ؛ لأنَّه أخَذَ مالَ غيرِه بغيرِ إذنٍ شَرعيٍّ أشبَه ما لو غصَبَه، ولا يَبرأُ المُستودَعُ مِنْ صَغيرٍ ونحوِه إلا بالتَّسليمِ إلى وليِّه كدَينِه، إلا أنْ يَكونَ المَحجورُ عليه لحَظِّه مُميِّزًا مَأذونًا له في الإِيداعِ، أو يَخافُ الأَخذَ لمَا معَه هَلاكُها معَه فيَأخذُها لحِفظِها حتى يُسلِّمَها لوليِّه حِبسةً فلا ضَمانَ عليه، كالمالِ الضائِعِ والمَوجودِ في مَهلكةٍ إذا أخَذَه ليَحفظَه لربِّه وتلِفَ قبلَ التَّمكنُ مِنْ ردِّه، وكذا لو أخَذَ إِنسانٌ المالَ مِنْ الغاصِبِ تَخليصًا له ليَردَّه إلى مالكِه فتلِفَ قبِلَ التَّمكنَ لم يَضمنْه لأنَّه مُحسِنٌ (٢). ب - إِيداعُ الصَّبيِّ المُميِّزِ الذي يَعقلُ لجائزِ الاستِيداعِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الصَّبيِّ الذي يَعقلُ، هل يَصحُّ إِيداعُه أم يُشترطُ البُلوغُ لصِحةِ الإِيداعِ؟

стр. 7704

فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ إِيداعُ الصَّبيِّ المُميِّزِ، ولا يُشترطُ البُلوغُ لصِحةِ الإِيداعِ عندَهم. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: لا يَصحُّ الإِيداعُ مِنْ المَجنونِ والصَّبيِّ الذي لا يَعقلُ؛ لأنَّ العَقلَ شَرطُ أَهليةِ التَّصرَّفاتِ الشَّرعيةِ. وأما بُلوغُه فليسَ بشَرطٍ عندَنا، حتى يَصحَّ الإِيداعُ مِنْ الصَّبيِّ المَأذونِ؛ لأنَّ ذلك مما يَحتاجُ إليه التَّاجرُ فكانَ مِنْ تَوابعِ التِّجارةِ، فيَملكُه الصَّبيُّ المَأذونُ كما يَملكُ التِّجارةَ. وعندَ الشَّافِعيِّ ﵀ لا يَملكُ التِّجارةَ فلا يَملكُ تَوابعَها (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ كانَ الصَّبيُّ مُميِّزًا صحَّ إِيداعُه لمَا أُذنَ له في التَّصرُّفِ فيه؛ لأنَّه كالبَالغِ بالنِّسبةِ إلى ذلك (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ الإِيداعُ إلا مِنْ بالِغٍ عاقِلٍ جائِزِ التَّصرُّفِ. قالَ النَّفراويُّ المالِكيُّ: وأمَّا الصَّبيُّ والسَّفيهُ فلا يُودعانِ ولا يُستودعانِ، لكنْ إنْ أَودعاكَ شَيئًا وجَبَ عليك يا رَشيدُ حِفظُه (٣). وقالَ الشافِعيةُ: لو أودَعَه صَبيٌّ ولو مُراهقًا كامِلَ العَقلِ أو مَجنونٌ مالًا لا يَجوزُ له أنْ يَقبلَه لعَدمِ أَهليتِهما؛ لأنَّ العاقِدَينِ شَرطُهما التَّكليفُ، فإنْ

стр. 7705

قبِلَ أو قبَضَ ضمِنَ بأَقصَى القِيمِ؛ لأنَّه وضَعَ يدَه على مالِ غيرِه بغيرِ إذنٍ مُعتبَرٍ فكانَ كالغاصِبِ، ولا يَزولُ الضَّمانُ إلا بالرَّدِّ إلى الناظِرِ في أمرِهما. ومَحلُّ ذلك عندَ الأَمنِ مِنْ ضَياعِها، أما إذا خافَ هلاكَه فيَأخذُه على وَجهِ الحِسبةِ صَونًا له ولا ضَمانَ عليه إذا تلِفَت بلا تَقصيرٍ، كما لو أخَذَ المُحرِمُ أو غيرُه صَيدًا مِنْ جارِحِه ليَتعهدَّه فتلِفَ فلا ضَمانَ عليه (١). ثانيًا: شُروطُ المُستودَعِ: يُشترطُ في المُستودَعِ أنْ يَكونَ جائِزَ التَّصرُّفِ، وهو أنْ يَكونَ مالِكًا للتَّوكيلِ والتَّوكُّلِ؛ لأنَّ الإِيداعَ والاستِيداعَ تَوكيلٌ وتَوكُّلٌ، فمَن كانَ مِنْ أهلِ التَّوكيلِ والتَّوكلِ جازَ له الاستِيداعُ ومَن لا فلا. أ - استِيداعُ الصَّغيرِ غيرِ المُميِّزِ أو المَجنونِ أو السَّفيهِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّه لا يَصحُّ الاستِيداعُ مِنْ الصَّغيرِ غيرِ المُميِّزِ والمَجنونِ -وكذا السَّفيهُ عندَ الجُمهورِ خِلافًا لأبي حَنيفةَ- لأنَّ القَصدَ مِنْ الإِيداعُ الحِفظُ، والصَّبيُّ والمَجنونُ والسَّفيهُ ليسُوا مِنْ أهلِ الحِفظِ (٢). وسيَأتي حُكمُ ما إذا أتلَفُوها أو استهلَكُوها هل يَضمنونَها أم لا؟
следующие страницы →