← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

الرُّكنُ الثانِي والثَّالثُ: المُودِعُ والمُودَعُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترطُ في المُودِعِ والمُودَعِ ما يُشترطُ في الوَكيلِ والمُوكِّلِ مِنْ الأَهليةِ، وهو أنْ يَكونَ جائزَ التَّصرفِ، فكلُّ مَنْ جازَ له التَّوكيلُ والتَّوكلُ جازَ له الإِيداعُ والاستِيداعُ. أولاً: شَرطُ المُودِعُ: يُشترطُ في المُودِعِ أنْ يَكونَ جائزَ التَّصرفِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ، فكلُّ مَنْ جازَ له التَّوكيلُ والتَّوكلُ جازَ له الإِيداعُ والاستِيداعُ؛ لأنَّ الإِيداعَ والاستِيداعَ تَوكيلٌ وتَوكلٌ، وعليه فلا يَصحُّ الإِيداعُ مِنْ الصَّغيرِ غيرِ المُميِّزِ ولا مِنْ المَجنونِ. أ - إِيداعُ الصَّبيِّ غيرِ المُميِّزِ أو المَجنونِ أو السَّفيهِ مالًا لجائزٍ الاستِيداعِ: قُلنا: إنَّه لا يَصحُّ الإِيداعُ إلا مِمَّنْ يَصحُّ منه التَّوكيلُ والتَّوكلُ، وعليه فلا يَصحُ الإِيداعُ مِنْ الصَّغيرِ غيرِ المُميَّزِ ولا المَجنونِ اتِّفاقًا، ولا مِنْ السَّفيهِ عندَ الجُمهورِ غيرِ أبي حَنيفةَ، فإذا أودَعَ الصَّغيرُ أو المَجنونُ -وكذا السَّفيهُ- مالًا لإنسانٍ فلا يَجوزُ له أنْ يَقبلَه وَديعةً، فإذا أخَذَه منه لمْ يَبرأْ مِنْ الضَّمانِ إلا

стр. 7702

بالردِّ إلى وليِّه، وذلك لأنَّه قبِلَ مالًا مِمَّنْ لا يَملكُ التَّصرفَ فيه، كما لو غصَبَ مالًا وأودَعَه وعلِمَ المُستودَعُ أنَّه مَغصوبٌ وقبِلَ الوَديعةَ، فإنَّه لا يَبرأُ مِنْ الضَّمانِ إلا بالردِّ على صاحبِها، ولأنَّه أخَذَ مالَ غيرِه بغيرِ إذنٍ شَرعيٍّ فأشبَه ما لو غصَبَه (١). إلا أنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ استَثْنوا مِنْ هذه الحالةِ ما لو خشِيَ المُودَعُ هلاكَ الوَديعةِ في يدِ الصَّغيرِ أو المَجنونِ أو المَحجورِ عليه فأخَذَها منه حسبةً ليَحفظَها، فلا ضَمانَ عليه ما لمْ يَتعدَّ فيها أو يُفرطَ. قالَ المالِكيةُ: تَجوزُ الوَديعةُ مِنْ الصَّبيِّ الخائِفِ عليها إنْ بقِيَت بيدِه، ومِن العَبدِ، ويَجوزُ أنْ يُودِعا ما خِيف تلفُهُ بيدِ مُودِعِه إنْ ظنَّ صَونَه بيدِ أحدِهما لاحتِرامِهما وثِقتِهما، كأولادِ المُحترَمينَ وعَبيدِهم عندَ نُزولِ بعضِ الظَّلمةِ ببَعضِ البِلادِ، والأَصلُ في هذا النُّصوصُ الدَّالةُ على حِفظِ المالِ والنَّهيِ عن إِضاعتِه (٢). وقالَ الشافِعيةُ: لو أودَعَه صبِيٌّ ولو مُراهقًا كامِلَ العَقلِ أو مَجنونٌ مالًا لا يَجوزُ له أنْ يَقبلَه لعَدمِ أَهليتِهما؛ لأنَّ العاقدَينِ شَرطُهما التَّكليفُ، فإنْ قبِلَ أو قبَضَ ضمِنَ بأَقصى القِيمَ؛ لأنَّه وضَعَ يدَه على مالِ غيرِه بغيرِ إذنٍ مُعتبَرٍ فكانَ كالغاصِبِ، ولا يَزولُ الضَّمانُ إلا بالردِّ إلى الناظرِ في أمرِهما. ومَحلُّ ذلك عندَ الأَمنِ مِنْ ضَياعِها، أما إذا خافَ هَلاكَه فيَأخذُه على

стр. 7703

وَجهِ الحِسبةِ صَونًا له ولا ضَمانَ عليه إذا تلِفَت بلا تَقصيرٍ، كما لو أخَذَ المُحرِمُ أو غيرُه صَيدًا مِنْ جَارحِه ليَتعهدَه فتلِفَ فلا ضَمانَ عليه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ أودَعَه صَغيرٌ -مُميِّزٌ أو لا- وَديعةً أو أودَعَه مَجنونٌ أو مَحجورٌ عليه لسَفهٍ وَديعةٍ فتلِفَت عندَ المُستودَعِ ولو بلا تَعدٍّ ولا تَفريطٍ ضمِنَها المُستودَعُ؛ لأنَّه أخَذَ مالَ غيرِه بغيرِ إذنٍ شَرعيٍّ أشبَه ما لو غصَبَه، ولا يَبرأُ المُستودَعُ مِنْ صَغيرٍ ونحوِه إلا بالتَّسليمِ إلى وليِّه كدَينِه، إلا أنْ يَكونَ المَحجورُ عليه لحَظِّه مُميِّزًا مَأذونًا له في الإِيداعِ، أو يَخافُ الأَخذَ لمَا معَه هَلاكُها معَه فيَأخذُها لحِفظِها حتى يُسلِّمَها لوليِّه حِبسةً فلا ضَمانَ عليه، كالمالِ الضائِعِ والمَوجودِ في مَهلكةٍ إذا أخَذَه ليَحفظَه لربِّه وتلِفَ قبلَ التَّمكنُ مِنْ ردِّه، وكذا لو أخَذَ إِنسانٌ المالَ مِنْ الغاصِبِ تَخليصًا له ليَردَّه إلى مالكِه فتلِفَ قبِلَ التَّمكنَ لم يَضمنْه لأنَّه مُحسِنٌ (٢). ب - إِيداعُ الصَّبيِّ المُميِّزِ الذي يَعقلُ لجائزِ الاستِيداعِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الصَّبيِّ الذي يَعقلُ، هل يَصحُّ إِيداعُه أم يُشترطُ البُلوغُ لصِحةِ الإِيداعِ؟

стр. 7704

فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ إِيداعُ الصَّبيِّ المُميِّزِ، ولا يُشترطُ البُلوغُ لصِحةِ الإِيداعِ عندَهم. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: لا يَصحُّ الإِيداعُ مِنْ المَجنونِ والصَّبيِّ الذي لا يَعقلُ؛ لأنَّ العَقلَ شَرطُ أَهليةِ التَّصرَّفاتِ الشَّرعيةِ. وأما بُلوغُه فليسَ بشَرطٍ عندَنا، حتى يَصحَّ الإِيداعُ مِنْ الصَّبيِّ المَأذونِ؛ لأنَّ ذلك مما يَحتاجُ إليه التَّاجرُ فكانَ مِنْ تَوابعِ التِّجارةِ، فيَملكُه الصَّبيُّ المَأذونُ كما يَملكُ التِّجارةَ. وعندَ الشَّافِعيِّ ﵀ لا يَملكُ التِّجارةَ فلا يَملكُ تَوابعَها (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ كانَ الصَّبيُّ مُميِّزًا صحَّ إِيداعُه لمَا أُذنَ له في التَّصرُّفِ فيه؛ لأنَّه كالبَالغِ بالنِّسبةِ إلى ذلك (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ الإِيداعُ إلا مِنْ بالِغٍ عاقِلٍ جائِزِ التَّصرُّفِ. قالَ النَّفراويُّ المالِكيُّ: وأمَّا الصَّبيُّ والسَّفيهُ فلا يُودعانِ ولا يُستودعانِ، لكنْ إنْ أَودعاكَ شَيئًا وجَبَ عليك يا رَشيدُ حِفظُه (٣). وقالَ الشافِعيةُ: لو أودَعَه صَبيٌّ ولو مُراهقًا كامِلَ العَقلِ أو مَجنونٌ مالًا لا يَجوزُ له أنْ يَقبلَه لعَدمِ أَهليتِهما؛ لأنَّ العاقِدَينِ شَرطُهما التَّكليفُ، فإنْ

стр. 7705

قبِلَ أو قبَضَ ضمِنَ بأَقصَى القِيمِ؛ لأنَّه وضَعَ يدَه على مالِ غيرِه بغيرِ إذنٍ مُعتبَرٍ فكانَ كالغاصِبِ، ولا يَزولُ الضَّمانُ إلا بالرَّدِّ إلى الناظِرِ في أمرِهما. ومَحلُّ ذلك عندَ الأَمنِ مِنْ ضَياعِها، أما إذا خافَ هلاكَه فيَأخذُه على وَجهِ الحِسبةِ صَونًا له ولا ضَمانَ عليه إذا تلِفَت بلا تَقصيرٍ، كما لو أخَذَ المُحرِمُ أو غيرُه صَيدًا مِنْ جارِحِه ليَتعهدَّه فتلِفَ فلا ضَمانَ عليه (١). ثانيًا: شُروطُ المُستودَعِ: يُشترطُ في المُستودَعِ أنْ يَكونَ جائِزَ التَّصرُّفِ، وهو أنْ يَكونَ مالِكًا للتَّوكيلِ والتَّوكُّلِ؛ لأنَّ الإِيداعَ والاستِيداعَ تَوكيلٌ وتَوكُّلٌ، فمَن كانَ مِنْ أهلِ التَّوكيلِ والتَّوكلِ جازَ له الاستِيداعُ ومَن لا فلا. أ - استِيداعُ الصَّغيرِ غيرِ المُميِّزِ أو المَجنونِ أو السَّفيهِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّه لا يَصحُّ الاستِيداعُ مِنْ الصَّغيرِ غيرِ المُميِّزِ والمَجنونِ -وكذا السَّفيهُ عندَ الجُمهورِ خِلافًا لأبي حَنيفةَ- لأنَّ القَصدَ مِنْ الإِيداعُ الحِفظُ، والصَّبيُّ والمَجنونُ والسَّفيهُ ليسُوا مِنْ أهلِ الحِفظِ (٢). وسيَأتي حُكمُ ما إذا أتلَفُوها أو استهلَكُوها هل يَضمنونَها أم لا؟

стр. 7706

ب - إِيداعُ الصَّبيِّ المُميِّز: اختَلفَ الفُقهاءُ في الصَّبيِّ المُميِّزِ المَأذونِ له في التِّجارةِ هل يَصحُّ قَبولُه للوَديعةِ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ استِيداعُ الصَّبيِّ مُطلقًا مُميِّزًا كانَ أو غيرَ مُميِّزٍ. قالَ النَّفراويُّ المالِكيُّ: وأمَّا الصَّبيُّ والسَّفيهُ فلا يُودعانِ ولا يُستودَعانِ، لكنْ إنْ أودَعاكَ شَيئًا وجَبَ عليك يا رَشيدُ حِفظُه (١). إلا أنَّ ابنَ عَرفةَ المالِكيِّ قالَ: يَجوزُ أنْ يُودَعَ الصَّبيُّ ما خِيفَ تَلفُه بيدِ مُودِعه إنْ ظنَّ صَونَه بيدِه لاحتِرامِه وثِقتِه، كأَولادِ المُحترَمينِ عندَ نُزولِ بعضِ الظَّلمةِ ببَعضِ البِلادِ، إنْ ظنَّ المُودِعُ صَونَ الوَديعةِ بيدِ الصِّبيِّ (٢). وقالَ الشَّافِعيةُ: يُشترطُ أَهليَّةُ العاقِدَينِ: المُودَعُ والمُستودِعُ، بأنْ يَكونُ كلٌّ منها بالِغًا عاقِلًا غيرَ مَحجورٍ عليه لسَفهٍ (٣). وكذلك نصَّ الحَنابِلةُ على أنَّه لا يَصحُّ استِيداعُ الصَّبيِّ، ومَن أودَعَ صَبيًّا شَيئًا فتلِفَت فلا ضمانَ عليه (٤). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الصَّبيَّ المُميِّزَ إنْ كانَ مَأذونًا له في التِّجارةِ صحَّ

стр. 7707

قَبولُه للوَديعةِ؛ لأنَّه مِنْ أهلِ الحِفظِ، وأما الصَّبيُّ المَحجورُ الذي لمْ يُؤذنْ له في التَّجارةِ فلا يَصحُّ قَبولُ الوَديعةِ منه؛ لأنَّه لا يَحفظُ المالَ عادةً، ألا تَرى أنَّه مُنعَ مِنْ مالِه (١). ج- ضَمانُ الصَّبيِّ للوَديعةِ إذا تلِفَت: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ الصَّبيَّ أو المَجنونَ -وكذا السَّفيهُ عندَ الجُمهورِ خِلافًا لأَبي حَنيفةَ-إذا أُودعَ أَحدُهم وَديعةً فتلِفَت الوَديعةُ عندَه مِنْ غيرِ تَفريطٍ فلا ضَمانَ على واحدٍ منهم؛ لأنَّه إذا لمْ يَجبِ الضَّمانُ في هذه الحالةِ على مَنْ صحَّ الإِيداعُ عندَه فلئلَّا يَجبَ على مَنْ لمْ يَصحَّ الإِيداعُ عندَه أولى. وكذا لا ضَمانَ عليهم إذا تلِفَت الوَديعةُ بتَفريطٍ منهم في حِفظِها ما لمْ يُباشرْ أَحدٌ منهم إِتلافَها؛ لأنَّهم لمْ يَلزمْهم حِفظُها فلمْ يَلزمْهم الضَّمانُ عندَ التَّفريطِ. إلا أنَّهم اختلَفُوا فيما لو استهلَكَها أو أتلَفَها هو، هل يَضمنُها أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأَصحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا أُودعَ الصَّغيرُ وكذا السَّفيهُ أو المَجنونُ وَديعةً فأتلَفَها أو استهلَكَها بأَكلٍ أو بغيرِه أنَّه لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ المالِكَ سلَّطَهم على الإِتلافِ بالدَّفعِ إليهم فلا يَلزمُهم الضَّمانُ. قالَ المالِكيةُ: مَنْ أودَعَ شَخصًا صَبيًّا أو سَفيهًا وَديعةً فأتلَفَها لمْ يَضمنْ ولو أذِنَ له أهلُه؛ لأنَّ ربَّها هو المُسلّطُ له عليها ما لمْ يُنصِّبْه وليُّه في حانوتِه

стр. 7708

مثلًا فيَضمنُ وليُّه الناصِبُ له لا الصَّبيُّ؛ لأنَّه لمَّا نَصَّبَه للبَيعِ والشِّراءِ والأَخذِ والعَطاءِ فقد أطلَقَ له التَّصرُّفَ، ومَحلَّ عَدمِ الضَّمانِ في الوَديعةِ ما لمْ يَصنِ الصَّبيُّ أو السَّفيهُ مالَه بما أخَذَه، وإلا ضمِنَ ما أتلَفَه في المالِ الذي صَونُه به أي أنَّه يَضمنُ القَدرَ الذي صَونُه فقط مِما كانَ يُنفقُ مِثلُه عادةً ولا يُعتبَرُ زيادةُ التَّرفُّه على أَكلِه أو لُبسِه، فإذا تلِفَ المالُ الذي صَونُه به فلا ضَمانَ عليه ولو استفادَ غيرُه. وقدَّرَ اللَّخمِيُّ ذلك بما إذا لمْ يَصرفْ ذلك فيما لا بدَّ له منه وله مالٌ فيَرجعُ عليه بالأَقلِّ مِنْ مالِه أو التالِفِ، وإن ذهَبَ ذلك المالُ وأفادَ غيرَه لمْ يَتبعْه. قالَ اللَّخمِيُّ: ولا تِباعةَ على الصَّبيِّ ولا على السَّفيهِ إلا أنْ يُثبِتا أنَّهما أنفَقا ذلك فيما لا غِنى لهما عنه فيُتْبَعا في المالِ الذي صَرفاه، فإنْ أذهَبا ذلك المالَ وأفادا غيرَه لمْ يُتبَعا فيه (١). وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لو أودَعَ جائِزُ التَّصرُّفِ الصَّغيرُ أو المَجنونُ أو المَعتوهُ أو السَّفيهُ وَديعةً فأتلَفوها بأَكلٍ أو غيرِه أو تلِفَ بتَفريطِهم لمْ يَضمَنوا؛ لتَفريطِ مالِكِه بدفْعِه إلى أَحدِ هَؤلاءِ، فكَأنَّ المالِكَ سلَّطَهم على الإِتلافِ بالدَّفعِ إليهم (٢).

стр. 7709

وذهَبَ الشافِعيةُ في الأَصحِّ -والحَنابِلةُ في رِوايةٍ- إلى أنَّ الصَّغيرَ والسَّفيهَ إذا استهلَكَ الوَديعةَ أو أتلَفَها هو ضمِنَ ما أتلَفَه لعَدمِ تَسليطِه على إِتلافِه، فضمِنَه بالإِتلافِ كما لو أدخَلَه دارَه فأتلَفَ مالَه. وفي مُقابلِ الأَصحِّ عندَ الشافِعيةِ: لا يَضمنُ؛ لأنَّ مالِكَها مَكَّنهما مِنْ إِتلافِها فلمْ يَضمنْها كما لو باعَهما منه شَيئًا أو أقرَضَهما وسلَّمَه إليهما فأَتلَفاه (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ أودَعَ رَجلٌ عندَ صَبيٍّ أو مَعتوهٍ وَديعةً فتلِفَت لمْ يَضمنْها، سَواءٌ حفِظَها أو فرَّطَ في حِفظِها، فإنْ أتلَفَها أو أكَلَها ضمِنَها في قَولِ القاضِي وظاهِرِ مَذهبِ الشَّافِعيِّ. ومِن أَصحابِنا مَنْ قالَ لا ضَمانَ عليه، وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّه سلَّطَه على إِتلافِها بدَفعِها إليه فلا يَلزمُه ضَمانُها، ألا تَرى أنَّه لو دفَعَ إلى صَغيرٍ سكِّينًا فوقَعَ عليها كانَ ضَمانُه على عاقلَتِه. ولنا: إنَّ ما ضمِنَه بإِتلافِه قبلَ الإِيداعِ ضمِنَه بعدَ الإِيداعِ كالبالغِ، ولا يَصحُّ قَولُهم إنَّه سلَّطَه على إِتلافِها، وإنما استحفَظَه إيَّاها، وفارَقَ دَفعَ السكِّينِ، فإنَّه سَببٌ للإِتلافِ، ودَفعُ الوَديعةِ بخِلافِه (٢). أما الحَنفيةُ فقالوا: إذا أودَعَ صَبيًّا وَديعةً فهلَكَت منه فلا ضَمانَ عليه بالإِجماعِ، فإن استهلَكَها: إنْ كانَ مَأذونًا له في التِّجارةِ ضمِنَها إِجماعًا.

стр. 7710

وإنْ كانَ مَحجورًا عليه: فإنْ قبَضَها بإِذنِ وَليِّه ضمِنَ أيضًا إِجماعًا. وإنْ قبَضَها بغيرِ إِذنِ وَليِّه فلا ضَمانَ عليه عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ لا في الحالِ ولا بعدَ الإِدراكِ. وقالَ أَبو يُوسفَ: يَضمنُ في الحالِ. وإنْ أودَعَه عَبدًا فقتَلَه ضمِنَ إِجماعًا. والفَرقُ أنَّ الصَّبيَّ مِنْ عادَتِه تَضييعُ الأَموالِ، فإذا سلَّمَه معَ عِلمِه بهذه العادةِ فكَأنَّه رضِيَ بالإِتلافِ، فلمْ يَكنْ له تَضمينُه، وليسَ كذلك القَتلُ؛ لأنَّه ليسَ مِنْ عادَةِ الصِّبيانِ فيَضمنُه، وتَكونُ قِيمتُه على عاقلَتِه، وإنْ جَنى عليه فيما دونَ النَّفسِ كانْ أرشُه في مالِ الصَّبيِّ. وقالَ البابرتِيُّ: وأجمَعُوا على أنَّه لو استَهلكَ مالَ الغيرِ مِنْ غيرِ أنْ يَكونَ عندهَ وَديعةً ضمِنَ في الحالِ (١). وهذا الخِلافُ المَذكورُ قيلَ في الصَّبيِّ العاقِلِ، فأما غيرُ العاقِلِ فيَضمنُ بالاتِّفاقِ. وقيلَ: بل العَكسُ، إنَّ الصَّبيَّ غيرُ العاقِلِ لا يَضمنُ في قَولِهم جَميعًا (٢).

стр. 7711

الرُّكنُ الرابِعُ: الوَديعةُ: العَينُ المُودَعةُ: الأَصلُ أنَّه يَصحُّ إِيداعُ كلِّ عَينٍ يُمكنُ اقتناؤُها، وقد ذكَرَ الفُقهاءُ شُروطًا في العَينِ المُودَعةِ، بَيانُها على النَّحوِ التَّالي: أ - اشتَرطَ فُقهاءُ الحَنفيةِ في العَينِ المُودَعةِ أنْ تَكونَ مالًا، وهذا المالُ يُشترطُ فيه أنْ يَكونَ قابِلًا لإِثباتِ اليدِ عليه ليَتمكَّنَ مِنْ حِفظِه؛ لأنَّ الإِيداعَ عَقدُ استِحفاظٍ، وحِفظُ الشَّيءِ بدونِ إِثباتِ اليدِ غيرُ مُتصوَّرٍ، فإِيداعُ الطَّيرِ في الهَواءِ والمالِ السَّاقطِ في البَحرِ والعَبدِ الآبقِ غيرُ صَحيحٍ (١). ب - اشتَرطَ الشَّافِعيةُ والحَنابِلةُ لصِحةِ عَقدِ الوَديعةِ أنْ تَكونَ العَينُ المُودَعةُ مالًا مُحتَرمًا مُختصًّا، فعليه يَصحُّ إِيداعُ الخَمرِ المُحتَرمةِ وجِلدِ مَيتةٍ يَطهرُ بالدِّباغِ وزِبْلٍ وكَلبٍ مُعلَّمٍ؛ لأنَّه يَجوزُ اقتناؤُها، وأما الخَمرُ غيرُ المُحتَرمةِ والكَلبُ غيرُ المُعلَّمِ والنَّجسُ الذي لا يَجوزُ اقتناؤُه فلا يَجوزُ إِيداعُه (٢). ج- نصَّ المالِكيةُ على صِحةِ إِيداعِ الصُّكوكِ والوَثائقِ بذِكرِ الحُقوقِ (٣).

стр. 7712

وإِيداعُ الوَثائقِ مما لا يَنبغي أنْ يَكونَ فيه خِلافٌ بينَ العُلماءِ، إلا أنَّني لمْ أَجدْ غيرَ المالِكيةِ قد نصُّوا على جَوازِ إِيداعِ الوَثائقِ بذِكرِ الحُقوقِ. د- نصَّ الإِمامُ ابنُ عَرفةَ مِنْ المالِكيةِ على أنَّه يُشترطُ في العَينِ المُودَعةِ أنْ تَكونَ مما يُمكنُ نقلُها، وأما ما لا يُمكنُ نقلُه كالرَّبعِ -أي الأرضِ- فلا يَصحُّ إِيداعُه (١). قالَ الدُّسوقِيُّ ﵀: قَولُه (مالٌ وكلُّ … إلخ) دخَلَ في التَّعريفِ ذِكرُ الحُقوقِ؛ لأنَّ الوَثيقةَ مُتموَّلٌ يُرادُ حِفظُه لأَجلِ ما فيه. وشمِلَ أيضًا العَقارَ إذا وُكِّلَ على حِفظِه، فيُسمَّى وَديعةً، وهو ما ارتَضاه الوانُّوغِيُّ وح قائلًا لمْ أرَ أَحدًا أخرَجَ العَقارَ عن أنْ يَكونَ وَديعةً، لكِنِ ابنُ عَرفةَ شرَطَ في الوَديعةِ أنْ تَكونَ مِما يُمكنُ نَقلُه، وحينَئذٍ فيَخرجُ العَقارُ (٢). لكنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ -غيرُ ابنِ عَرفةَ- حتى المالِكيةُ لم يَتشرَّطوا أنْ تَكونَ العَينُ المُودعةُ مما يُنقلُ، بل يَصحُّ عندَهم رَهنُ ما يُنقلُ وما لا يُنقلُ كالعَقارِ (٣).

стр. 7713

فصل في ما يَجوزُ للمُودَعِ أنْ يَفعلَه وما لا يَجوزُ استِعمالُ الوَديعةِ: استِعمالُ المُودَعِ للوَديعةِ لا يَخلو مِنْ حالتَينِ: الحالَةُ الأُولى: ألَّا يَأذنَ له المالِكُ باستِعمالِها: أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ المُودَعَ مَمنوعٌ مِنْ استِعمالِ الوَديعةِ لغيرِ عُذرٍ. قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ المُودَعَ مَمنوعٌ مِنْ استِعمالِ الوَديعةِ خَوفًا مِنْ إِتلافِها (١)، هكذا في كِتابِه «الإِجماع»، والأَصحُّ -واللهُ أعلَمُ- ما في «الإِشراف» وهو قَولُه: أجمَعُ أَهلُ العِلمِ على أنَّ المُودَعَ مَمنوعٌ مِنْ استِعمالِ الوَديعةِ ومِن إِتلافِها (٢). وذلك لأنَّ بعضَ الفُقهاءِ كالشافِعيةِ والحَنابِلةِ ذكروا أنَّه لو استَعملَها لعُذرٍ بأنْ لبِسَ الثَّوبَ المُودَعَ لدَفعِ العثِّ عنه أو ركِبَ الدَّابةَ الجَموحَ مِنْ أَجلِ سَقيِها أو عَلفِها إذا لمْ تَنقدْ إلا بالرُّكوبِ فليسَ بخائِنٍ ولا ضَمانَ عليه (٣).

стр. 7714

فإذا استَعملَ المُودَعُ الوَديعةَ بغيرِ إِذنِ صاحِبِها فتلِفَت فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه ضامِنٌ لها؛ لأنَّه مُتعدٍّ بذلك. إلا أنَّهم اختلَفُوا فيما لو استَعملَها ثُم ردَّها إلى مَوضعِها ثُم تلِفَت بعدَ ذلك هل عليه ضَمانُها أم لا؟ وهل عليه أُجرةُ المُدةِ التي استَعملَها فيها أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّه إذا تَعدَّى واستَعملَ الوَديعةَ ثُم ردَّها سالمَةً إلى مَكانِها ثُم تلِفَت بعدَ ذلك، فإنَّه لا ضَمانَ عليه. قالَ الحَنفيةُ: إذا تَعدَّى المُودَعُ في الوَديعةِ بأنْ كانَت دابَّةً فركِبَها أو ثَوبًا فلبِسَه أو عَبدًا فاستَخدمَه أو أودَعَها غيرَه ضمِنَ؛ لأنَّه استِهلاكُ مَعنى، فإذا أزالَ التَّعدِّي فردَّها سالمَةً إلى يدِه ثُم ضاعَت بعدَ العَودِ إلى يدِه لمْ يَضمنْ، وزالَ الضَّمانُ لأنَّ الأَمرَ باقٍ لإِطلاقِه، وارتِفاعُ حُكمِ العَقدِ ضَرورةُ ثُبوتِ نَقيضِه، فإذا ارتَفعَ عادَ حُكمُ العَقدِ، ولأنَّه مَأمورٌ بالحِفظِ في كلِّ الأَوقاتِ، فإذا خالَفَ في البعضِ ثُم رجَعَ أَتى بالمَأمورِ به، كما إذا استَأجرَه للحِفظِ شَهرًا فترَكَ الحِفظَ في بعضِه ثُم حفِظَ في الباقي استَحقَّ الأُجرةَ بقدرِه. لكنْ يَزولُ الضَّمانُ عنه بشَرطِ أنَّه لا يَعزمُ على العَودِ إلى التَّعدي، حتى لو نزَعَ ثَوبَ الوَديعةِ ليلًا ومِن عَزمِه أنْ يَلبسَه نَهارًا ثُم سُرقَ لَيلًا لا يَبرأُ عن الضَّمانِ.

стр. 7715

وهذا إذا كانَ الرُّكوبُ والاستِخدامُ واللُّبسُ لمْ يَنقصْها أما إذا نقَصَها ضمِنَها. فالحاصِلُ أنَّ المُودَعَ إذا خالَفَ في الوَديعةِ ثُم عادَ إلى الوِفاقِ إنما يَبرأُ عن الضَّمانِ إذا صدَّقَه المالِكُ في العَودِ، وإن كذَّبَه لا يَبرأُ، إلا أنْ يُقيمَ البَينةَ على العَودِ إلى الوِفاقِ. وقيلَ: إنَّه إذا خالَفَ ثُم عادَ إلى الوِفاقِ وكذَّبَه المُودِعُ فالقَولُ قَولُ المُودَعِ (١). وقالَ المالِكيةُ: يَضمنُ المُودَعُ إذا انتفَعَ بالوَديعةِ بلا إِذنٍ مِنْ ربِّها، إذا تلِفَت أو تعيَّبَت بسَببِ ذلك كرُكوبِ الدَّابةِ واستِخدامِ العَبدِ ولُبسِ الثَّوبِ. واختُلِفَ فيما إذا هلَكَ في استِعمالِه بأَمرٍ مِنْ اللهِ تَعالى، فقالَ سحنُونٌ: يَضمنُ؛ لأنَّه كالغاصِبِ، وقالَ ابنُ القاسِمِ: لا يَضمنُ بِناءً على أنَّ الغالِبَ فيما تَعطبُ بمثلِه السَّلامةُ، كما لو أَرسلَ العَبدَ أو ركِبَ الدَّابةَ لنحوِ السُّوقِ فماتَ مِنْ اللهِ. إلا أنْ تُردَّ الوَديعةُ بعدَ الانتِفاعِ بها سالمةً لمَوضعِ إِيداعِها، ثُم تلِفَت أو ضاعَت بعدَ ذلك بلا تَفريطٍ، فلا يَضمنُ لعَدمِ سَببِ الضَّمانِ، والقَولُ له في

стр. 7716

ردِّها سالِمةً لمَحلِّ إِيداعِها إذا خالفَه ربُّها في ذلك، وهذا إنْ أقرَّ بالفِعلِ: أي بأنَّه انتفعَ بها لا إنْ أنكَرَ ذلك وشُهِدَ عليه به فادَّعى رُجوعَها سالِمةً لمَحلِّ إِيداعِها، فلا يُقبلُ قَولُه ويَضمنُ. وإذا رُدَّت سالِمةً بعدَ انتِفاعِه بها فعليه الأُجرةُ لمُدةِ الانتِفاعِ بها إذا كانَ ربُّها يَليقُ به ذلك بأنْ كانَ يَأخذُ الأُجرةَ، وإلا فلا أُجرةَ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُودَعَ إذا استَعملَ الوَديعةَ أو أخرَجَها ليَستعملَها وإنْ لمْ يَستعملْها بالفِعلِ فإنَّه ضامِنٌ لها، حتى لو سُلمَت وأعادَها إلى مَكانِها ثُم تلِفَت فلا يَبرأُ مِنْ الضَّمانِ لتَعدِّيه، ويَجبُ عليه أنْ يَردَّها لصاحِبِها فَورًا، ويَجبُ عليه أُجرةُ مِثلِها في مُدةِ الانتِفاعِ. قالَ الشافِعيةُ: مِنْ عَوارضِ الضَّمانِ أنْ يَنتفعَ بالوَديعةِ بأنْ يَلبسَ الثَّوبَ مَثلًا أو يَركبَ الدَّابةَ خِيانةً -أي لغيرِ ما أُذنَ له فيه- فيَضمنُ لتَعدِّيه بخِلافِ نحوِ لُبسِ الصُّوفِ لدَفعِ الدُّودِ أو رُكوبِ الدَّابةِ الجَموحِ للسَّقي أو خَوفِ الزَّمانةِ عليها فإنَّه لا يَضمنُ. أو يَأخذُ الثَّوبَ المُودَعَ مِنْ مَحلِّه ليَلبسَه أو الدَّراهمَ مِنْ مَحلِّها ليُنفقَها غيرَ ظانٍّ أنَّها مِلكُه، فيَضمنُ بما ذُكرَ وإنْ لمْ يَلبسْ ولمْ يُنفقْ؛ لاقتِرانِ الفِعلِ بنيَّةِ التَّعدِّي، فإنْ تلِفَ المَأخوذُ في يدِه ضمِنَه، فإنْ مَضَت في يدِه مُدةً بعدَ

стр. 7717

التَّعدِّي وجَبَ عليه أُجرةُ مِثلِ تلك المُدةِ وإنْ لمْ يَلبسْ ويُنفقْ؛ لأنَّ العَقدَ لمَّا اقتَرنَ بنِيةِ التَّعدي صارَ كقَبضِ الغاصِبِ. أما إذا أخَذَها ظانًّا أنَّها مِلكَه فإنَّه لا يَضمنُها إلا إنْ انتَفعَ بها. ولو أخَذَ بعضَ الدَّراهمِ كدِرهمٍ ضمِنَه فقط ما لمْ يَفضَّ خَتمًا أو يَكسرْ قُفلًا فإنْ ردَّه لمْ يَزُلْ ضَمانُه، حتى لو تلِفَ الكلُّ ضمِنَ دِرهمًا أو ما أخَذَه، ولا يَضمنُ الباقي. ولو نَوى بعدَ قَبضِ الوَديعةِ الأَخذَ للوَديعةِ خِيانَةً أو نَوى تَعييبَها ولمْ يَأخذْ ولمْ يُعيِّبْ لمْ يَضمنْ على الصَّحيحِ المَنصوصِ؛ لأنَّه لمْ يُحدِثْ فِعلًا ولا وضْعَ يدٍ تَعديًا، لكنَّه يَأثمُ. والثانِي: يَضمنُ كما لو نَواه ابتداءً (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ تَعدَّى الوَديعُ في الوَديعةِ بانتِفاعِه بها بأنْ ركِبَ الوَديعُ الدَّابةَ المُودَعةَ لغيرِ نَفعِها -أي علَفَها وسقْيَها-، أو لبِسَ الثَّوبَ المُودَعَ لا لخَوفِ عثٍّ ونحوِه، أو أخرَجَها لا لإِصلاحِها كأنْ أخرَجَها لإِنفاقِها، أو أخرَجَها ليَخونَ فيها، أو أخرَجَها شَهوةً إلى رُؤيتِها ثُم ردَّها إلى حِرزِها بنيَّةِ الأَمانةِ بطَلَت وضمِنَ؛ لتَصرُّفِه في مالِ غيرِه بغيرِ إذنِه، ووجَبَ عليه ردُّها فَورًا؛ لأنَّها أَمانةٌ مَحضةٌ وقد زالَت بالتَّعدِّي، ولا تَعودُ أَمانةً بغيرِ عَقدٍ جَديدٍ، كأنْ ردَّها إلى صاحبِها، ثُم ردَّها صاحبُها إليه؛ لأنَّ هذا وَديعةٌ ثانِيةٌ.

стр. 7718

ولا ضَمانَ على وَديعٍ بنِيةِ تَعدٍّ في الوَديعةِ، بل لا بدَّ مِنْ قَولٍ أو فِعلٍ لأنَّه لمْ يَخنْ فيها بقَولٍ ولا فِعلٍ فلمْ يَضمنْها كالذي لمْ يَنوِ. ولو أخرَجَها بنيَّةِ الاستِعمالِ ولمْ يَستعملْها ضمِنَها؛ لأنَّه تعَدَّى بإِخراجِها أشبَهَ ما لو استَعملَها (١). الحالَةُ الثانيَةُ: أنْ يَأذنَ له المالِكُ في استِعمالِها: أجمَعَ أهلُ العلِمِ على أنَّ المُودِعَ إذا أذِنَ للمُودَعِ في استِعمالِ الوَديعةِ جازَ له استِعمالُها. قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على إِباحةِ استِعمالِها بإِذنِ مالِكِها (٢). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا، هل تَفسدُ الوَديعةُ بذلك وتَنقلبُ عارِيةً أم تَظلُّ وَديعةً كما هي ولا ضَمانَ عليه إن تلِفَت بالاستِعمالِ المَأذونِ فيه؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّها تَفسدُ وتَنقلبُ عارِيةً، فإنْ تلِفَت قبلَ الاستِعمالِ لمْ يَضمنْها، وإنْ تلِفَت بعدَه ضمِنَها، وذلك لأنَّ العارِيةَ عندَهم مَضمونةٌ. قالَ الشافِعيةُ: المُودِعُ إذا أذِنَ للمُودَعِ في استِعمالِ الوَديعةِ فاستَعملَها فهو إِيداعٌ فاسِدٌ؛ لأنَّه شَرطٌ فيه ما يُنافي مُقتضى العَقدِ، فلو أودَعَه بَهيمةً

стр. 7719

وأذِنَ له في رُكوبِها أو ثَوبًا وأذِنَ له في لُبسِه فهو إِيداعٌ فاسِدٌ، فلو ركِبَ أو لبِسَ صارَت عارِيةً فاسِدةً، فإذا تلِفَ قبلَ الرُّكوبِ والاستِعمالِ لمْ يَضمنْ كما في صَحيحِ الإِيداعِ إِلحاقًا لفاسِدِ الوَديعةِ بصَحيحِها في الضَّمانِ وعَدمِه، وإنْ تلِفَت بعدَه ضمِنَ كما في صَحيحِ العارِيةِ إِلحاقًا لفاسِدِ العارِيةِ بصَحيحِها في الضَّمانِ وعَدمِه، ووَجهُ فَسادِ العارِيةِ في هذه الحالَةِ أنَّه لمْ يَجعلِ الإِعارةَ فيها مَقصودةً، وإنما جعَلَها شَرطًا في مُقابلةِ الحِفظِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ أذِنَ المالِكُ للمَدفوعِ إليه المالُ في التَّصرفِ -أي استِعمالِه- ففعَلَ واستَعملَه حسبَ الإِذنِ صارَت عارِيةً مَضمونةً كالرَّهنِ إذا أذِنَ ربُّه للمُرتَهنِ في استِعمالِه، فإنْ لمْ يَستعملْها فهي أَمانةٌ؛ لأنَّ الانتِفاعَ غيرُ مَقصودٍ ولمْ يُوجدْ فوجَبَ تَغليبُ ما هو المَقصودُ (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ المُودِعَ إذا أذِنَ للمُودَعِ في استِعمالِ الوَديعةِ جازَ له أنْ يَستعملَها ولا تَنقلبُ عارِيةً ولا ضَمانَ عليه إذا تلِفَت بغيرِ تعدٍّ منه ولا تَفريطٍ، وأنَّ الاستِعمالَ لا يُنافي الإِيداعَ، ولذا صحَّ الأَمرُ بالحِفظِ مع الاستِعمالِ ابتداءً (٣).

стр. 7720

وجاءَ في «مَجلَّة الأَحكامِ العَدليةِ» وشَرحِها «دُرر الحُكامِ شَرح مَجلَّة الأَحكامِ»: «كما أنَّ للمُستودَعِ أنْ يَستعملَ الوَديعةَ بإِذنِ صاحِبِها فله أَيضًا أنْ يُؤجِّرَها ويُعيرَها ويَرهنَها، وأما إذا آجرَها أو أعارَها أو رهَنَها بدونِ إذنِ صاحبِها لآخرَ وهلَكَت الوَديعةُ في يدِ المُستأجِرِ أو المُستعيرِ أو المُرتَهنِ أو ضاعَت أو نقَصَت قَيمتُها يَكونُ المُستودَعُ ضامِنًا»، فإذا استَعملَ المُستودَعُ الوَديعةُ بإِذنِ صاحبِها يَكونُ هذا الاستِعمالُ مِنْ قَبيلِ الاستِعارةِ (١)، فهي -على كلِّ حالٍ- غيرُ مَضمونةٍ، سَواءٌ كانَت وَديعةً أم عارِيةً؛ لأنَّهما أَمانةٌ عندَهم فلا يَضمنُ إلا إذا تَعدَّى أو فرَّطَ. أما المالِكيةُ فلم أَجدْ لهم نصًّا في ذلك. إِنفاقُ الوَديعةِ: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الوَديعةَ إذا كانَت نُقودًا فأنفَقَها المُودَعُ أنَّه ضامِنٌ لها، نصَّ على هذا عامَّةُ الفُقهاءِ. وجاءَ في «مَجلَّة الأَحكامِ العَدليةِ» المادَّة (٧٨٧): «إذا صَرفَ المُستودَعُ نُقودُ الوَديعةِ في أُمورِ نَفسِه أو استهلَكَها ضمِنَها» إلا أنَّه إذا أنفَقَ الوَديعةَ لا لنَفسِه وإنما لنَفعٍ يَتعلَّقُ بصاحِبِ الوَديعةِ -كما لو كانَ غائبًا وكانَ له زَوجةٌ أو مَنْ تَلزمُه نَفقتُه ففرَضَ الحاكِمُ لهم نَفقةً مِنْ المالِ المُودَعِ- فصرَفَ المُودَعُ هذه النَّفقةَ بإِذنِ الحاكِمِ فلا ضَمانَ عليه، أما لو صرَفَها مِنْ عندِ نفسِه دونَ أَمرٍ مِنْ الحاكِمِ ضمِنَها، فقد جاءَ في المادَّةِ (٧٩٩) مِنْ «مَجلَّة الأَحكامِ

стр. 7721

العَدليةِ»: «إذا كانَ صاحِبُ الوَديعةِ غائِبًا ففرَضَ الحاكِمُ مِنْ الدَّراهمِ المُودعَةِ نَفقةً لمَن يَلزمُ صاحِبَ الوَديعةِ الإِنفاقُ عليه بطَلبِه فصرَفَ المُستودَعُ تلك النَّفقةَ المَفروضةَ مِنْ الدَّراهمِ المُودعَةِ لا يَلزمُ الضَّمانُ، وأما إذا صرَفَ بدونِ أَمرِ الحاكِمِ فيَضمنُ» (١). وقالَ المالِكيةُ: يُكرَه للمُودَعِ المَليءِ أنْ يَتسلفَ الوَديعةَ التي عندَه إذا كانَت مِنْ النُّقودِ أو مِنْ المِثليَّاتِ، وأما إذا كانَ غيرُ مَليءٍ فإنَّه يَحرمُ عليه أنْ يَتسلفَ منها مُطلقًا، أي سَواءٌ كانَت مِنْ المِثليَّاتِ أو مِنْ المُقوَّماتِ (٢). وسيَأتي نصُّ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَسألةِ التالِيةِ. إذا أَخذَ بعضُ نُقودِ الوَديعةِ ليُنفقَها ثُم ردَّها: المُودَعُ إذا كانَ عندَه وَديعةٌ مِنْ النُّقودِ مثلًا أو المِثليَّاتِ فأخَذَ بعضَ النُّقودِ ليُنفقَها فهذا لا يَخلو مِنْ حالتَينِ: الحالَةُ الأُولَى: أنْ يَأخذَها أو بعضَها ليُنفقَها فلمْ يَفعلْ ثُم ردَّها إلى مَوضعِها فتَضيعُ أو تَتلفُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَديعةِ تَكونُ مِنْ النُّقودِ فيَأخذُ المُودَعُ بَعضَها ليُنفقَها فلمْ يُنفقْها ثُم ردَّها إلى مَوضعِها فتلِفَت جَميعُها هل يَضمنُها بمُجرَّدِ الأَخذِ أم لا؟

стр. 7722

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ المُودَعَ إذا أخَذَ بعَضَ الوَديعةِ ليُنفقَها ثُم ردَّها مرَّةً ثانيةً إلى مَوضعِها فلا ضَمانَ عليه. قالَ الحَنفيةُ: لو أخَذَ بعضَ دَراهمِ الوَديعةِ ليُنفقَها فلمْ يُنفقْها ثُم ردَّها إلى مَوضعِها بعدَ أَيامِ فضاعَت لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ الأَخذَ نفسَه ليسَ بإِتلافٍ، ونِيةُ الإِتلافِ ليسَت بإِتلافٍ فلا تُوجبُ الضَّمانَ، والأَصلُ فيه ما رُويَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: «إنَّ اللهَ ﵎ عزَّ شأْنُه عَفا عن أُمَّتي ما حدَّثَت به أنفُسَها ما لمْ يَتكلَّموا أو يَفعَلوا» (١)، ظاهِرُ الحَديثِ يَقتضِي أنْ يَكونَ ما حدَّثَت به النَّفسُ عَفوًا على العُمومِ إلا ما خصَّ بدَليلٍ. قالَ الكاسانِيُّ: وعلى هذا إذا أودَعَه كيسًا مَسدودًا فحَلَّه المُستودَعُ أو صُندوقًا مُقفَلًا ففتَحَ القُفلَ ولمْ يَأخذْ منه شَيئًا حتى ضاعَ أو ماتَ المُودَعُ فإن كانَت الوَديعةُ قائمَةً بعَينِها تُردَّ على صاحِبِها؛ لأنَّ هذا عَينُ مالِه، ومَن وجَدَ عَينَ مالِه فهو أَحقُّ به على لسانِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وإنْ كانَت لا تُعرفُ بعَينِها فهي دَينٌ في تَركتِه يُحاصُّ الغُرماءُ؛ لأنَّه لمَّا ماتَ مُجهِلًا للوَديعةِ فقد أتلَفَها مَعنى؛ لخُروجِها مِنْ أنْ تَكونَ مُنتفعًا بها في حَقِّ المالِكِ بالتَّجهيلِ وهو تَفسيرُ الإِتلافِ (٢).

стр. 7723

وقالَ المالِكيةُ: إذا أخَذَ نُقودًا مِنْ الوَديعةِ فلمْ يُنفقْها ثُم ردَّها إلى مَكانِها ثُم ضاعَت أو سُرقَت معَ الباقي فلا ضَمانَ عليه، وكذا في كلِّ المِثليَّاتِ، وسَواءٌ أخَذَ ذلك على وجهِ السَّلفِ أو على غيرِه، وذلك لأنَّ الضَّمانَ يَتعلَّقُ بالإِنفاقِ والأَخذِ، فإذا زالَ ذلك وجَبَ أنْ يَزولَ الضَّمانُ لزَوالِ سَببِه المُوجِبِ له، ولأنَّ الصَّحابةَ كانَت تَتسلَّفُ أَموالَ الأَيتامِ وتُسلِّفُها. ويُقبلُ قَولُ المُودَعِ بيَمينِه أنَّه ردَّها إلى مَكانِها إذا خالَفَه ربُّها، إلا إذا أذِنَ له ربُّها في تَسلُّفِها، بأنْ يَقولَ له: «أذِنْت لك في تَسلُّفِها أو التُّسلُّفِ منها»، أو يَقولَ له: «إنِ احتَجْت فخُذْ»، فلا يَبرأُ إلا بردِّ ما أخَذَه لربِّها؛ لأنَّ تَسلُّفَه حينَئذٍ إنما هو مِنْ ربِّها، فانتقَلَ مِنْ أَمانتِه إلى ذِمتِه فصارَ كسائِرِ الدُّيونِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُودَعَ إذا أخرَجَ النُّقودَ ليُنفقَها فإنَّه ضامِنٌ لها وإنْ لمْ يُنفقْها بالفِعلِ، حتى لو سُلمَت وأعادَها إلى مَكانِها ثُم تلِفَت فلا يَبرأُ مِنْ الضَّمانِ لتَعدِّيه، ويَجبُ عليه أنْ يَردَّها لصاحِبِها فَورًا عندَ الحَنابِلةِ. قالَ الشافِعيةُ: إذا أخَذَ الدَّراهمَ مِنْ مَحلِّها ليُنفقَها غيرَ ظانٍّ أنَّها مِلكُه ضمِنَ وإنْ ولمْ يُنفقْ؛ لاقتِرانِ الفِعلِ بنِيةِ التَّعدي، فإنْ تلِفَ المَأخوذُ في يدِه ضمِنَه.

стр. 7724

أما إذا أخذَها ظانًّا أنَّها مِلكُه فإنَّه لا يَضمنُها إلا إنْ انتفَعَ بها. ولو أخَذَ بعضَ الدَّراهمِ -كدِرهمٍ- ضمِنَه فقط ما لمْ يَفضَّ خَتمًا أو يَكسرَ قُفلًا، فإنْ ردَّه لمْ يَزُلْ ضَمانُه، حتى لو تلِفَ الكلُّ ضمِنَ دِرهمًا أو ما أخَذَه، ولا يَضمنُ الباقي. ولو نَوى بعدَ قَبضِ الوَديعةِ الأَخذَ للوَديعةِ جِنايةً ولمْ يَأخذْ لمْ يَضمنْ على الصَّحيحِ المَنصوصِ؛ لأنَّه لمْ يُحدِثْ فِعلًا ولا وَضعَ يدٍ تعدِّيًا، لكنَّه يَأثمُ. والثانِي: يَضمنُ كما لو نَواه ابتداءً (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ تَعدَّى الوَديعُ في الوَديعةِ كأنْ أخرَجَ النُّقودَ لإِنفاقِها أو أخرَجَها ليَخونَ فيها أو أخرَجَها شَهوةً إلى رُؤيتِها ثُم ردَّها إلى حِرزِها بنيَّةِ الأَمانةِ بطَلَت، وضمِنَ لتَصرِّفِه في مالِ غيرِه بغيرِ إِذنِه، ووجَبَ عليه ردُّها فَورًا لأنَّها أَمانةٌ مَحضةٌ وقد زالَت بالتَّعدِّي، ولا تَعودُ أَمانةً بغيرِ عَقدٍ جَديدٍ، كأنْ ردَّها إلى صاحبِها ثُم ردَّها صاحبُها إليه؛ لأنَّ هذا وَديعةٌ ثانيةٌ. ولا ضَمانَ على وَديعٍ بنيَّةِ تَعدٍّ في الوَديعةِ، بل لا بدَّ مِنْ قَولٍ أو فَعلٍ؛ لأنَّه لم يَخنْ فيها بقَولٍ ولا فِعلٍ فلمْ يَضمنْها كالذي لمْ يَنوِ.

стр. 7725

ولو أخرَجَها بنِيةِ الإِنفاقِ ولمْ يُنفقْها ضمِنَها؛ لأنَّه تَعدَّى بإِخراجِها أشبَه ما لو أنفَقَها (١). قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَنْ أودَعَ شَيئًا فأخَذَ بعضَه لزِمَه ضَمانُ ما أخَذَ، فإنْ ردَّه أو مِثلَه لمْ يَزُلِ الضَّمانُ عنه، وبهذا قالَ الشَّافِعيُّ. وقالَ مالكٌ: لا ضَمانَ عليه إذا ردَّه أو مِثلَه. وقالَ أَصحابُ الرَّأيِ: إنْ لمْ يُنفقْ ما أخَذَه وردَّ لمْ يَضمنْ، وإنْ أنفَقَه ثُم ردَّه أو مِثلَه ضمِنَ. ولنا: أنَّ الضَّمانَ تعلَّقَ بذمَّتِه بالأَخذِ، بدَليلِ أنَّه لو تلِفَ في يدِه قبلَ ردِّه ضمِنَه، فلا يَزولُ إلا بردِّه إلى صاحبِه كالمَغصوبِ، فأما سائِرُ الوَديعةِ فيُنظرُ فيه، فإنْ كانَ في كِيسٍ مَختومٍ أو مَشدودٍ فكُسرَ الخَتمُ أو حُلَّ الشَّدُّ ضمِنَ، سَواءٌ أُخرجَ منه أو لمْ يُخرَجْ؛ لأنَّه هتَكَ الحِرزَ بفِعلٍ تَعدَّى به، وإنْ خرَقَ الكِيسَ فوقَ الشَّدِّ فعليه ضَمانُ ما خرَقَ خاصَّةً؛ لأنَّه ما هتَكَ الحِرزَ، وإنْ لمْ تكُنِ الدَّراهمُ في كِيسٍ أو كانَت في كيسٍ غيرِ مَشدودٍ أو كانَت ثِيابًا فأخَذَ منها واحدًا ثُم ردَّه بعَينِه لمْ يَضمنْ غيرَه؛ لأنَّه لمْ يَتعدَّ في غيرِه، وإنْ ردَّ بَدلَه وكانَ مُتميزًا لمْ يَضمنْ غيرَه لذلك، وإنْ لمْ يَكنْ مُتميِّزًا فظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ هاهنا أنَّه لا يَضمنُ غيرَه؛ لأنَّ التَّعدِّيَ اختصَّ به فيَختصُّ الضَّمانُ به، وخَلْطُ

стр. 7726

المَردودِ بغيرِه لا يَقتضي الضَّمانَ؛ لأنَّه يَجبُ ردُّه معَها، فلمْ يُفوِّتْ على نفسِه إِمكانَ ردِّها بخِلافِ ما إذا خلَطَه بغيرِه. ولو أذِنَ له صاحِبُ الوَديعةِ في الأَخذِ منها ولمْ يَأمرْه بردِّ بَدلِه فأخَذَ ثُم ردَّ بَدلَ ما أخَذَ فهو كردِّ بَدلِ ما لمْ يُؤذنْ في أَخذِه. وقالَ القاضِي: يَضمنُ الكلَّ، وهو قَولُ الشافِعيُّ؛ لأنَّه خلَطَ الوَديعةَ بما لا يَتميزُ منها فضمِنَ الكلَّ، كما لو خلَطَها بغيرِ البَدلِ، وقد ذكَرْنا فَرقًا بينَ البَدلِ وغيرِه فلا يَصحُّ القِياسُ. وقالَ أَبو حَنيفةَ: إذا كسَرَ خَتمَ الكِيسِ لمْ يَلزمْه ضَمانُ الوَديعةِ؛ لأنَّه لمْ يَتعدَّ في غيرِه. ولنا: أنَّه هتَكَ حِرزَها فضمِنَها إذا تلِفَت، كما لو أودَعَه إيَّاها في صُندوقٍ مُقفلٍ ففتَحَه وترَكَه مَفتوحًا، ولا نُسلِّمُ أنَّه لمْ يَتعدَّ في غيرِ الخَتمِ (١). الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَأخذَها أو بَعضَها ثُم يُنفقَها ثُم يَردُّ بَدلَها إلى مَوضعِها ثُم تَتلفُ أو تُسرقُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُودَعِ إذا أخَذَ بعضَ دَراهمِ الوَديعةِ فأنفَقَها، هل يَضمنُ الجَميعَ أم المَأخوذَ فقط؟ فهذا لا يَخلو مِنْ حالتَينِ أَيضًا: الحالةُ الأُولى: أنْ يَردَّ مِثلَها ثُم تَضيعُ أو تُسرقُ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أخَذَ المُودَعُ بعضَ الدَّراهمِ مِنْ الوَديعةِ وأنفَقَها

стр. 7727

ثُم ردَّ مِثلَها إلى مَوضعِها ثُم ضاعَت أو سُرقَت معَ الباقِي، فهل يَضمنُ الجَميعُ أم يَضمنُ ما أخَذَ فقط؟ فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه إذا أخَذَ نُقودًا مِنْ الوَديعةِ فأنفَقَها ثُم ردَّها إلى مَكانِها ثُم ضاعَت أو سُرقَت معَ الباقي فلا ضَمانَ عليه، وكذا في كلِّ المِثليَّاتِ، وسَواءٌ أخَذَ ذلك على وَجهِ السَّلفِ أو على غيرِه، وذلك لأنَّ الضَّمانَ يَتعلَّقُ بالإِنفاقِ والأَخذِ، فإذا زالَ ذلك وجَبَ أنْ يَزولَ الضَّمانُ لزَوالِ سَببِه المُوجِبِ له، ولأنَّ الصَّحابةَ كانَت تَتسلَّفُ أَموالَ الأَيتامِ وتُسلِّفَها. ويُقبلُ قَولُ المُودَعِ بيَمينِه أنَّه ردَّها إلى مَكانِها إذا خالَفَه ربُّها، إلا إذا أذِنَ له ربُّها في تَسلُّفِها بأنْ يَقولَ له: أذِنْت لك في تَسلُّفِها أو التُّسلُّفِ منها، أو يَقولُ له: إنِ احتَجْت فخُذْ، فلا يَبرأُ إلا بردِّ ما أخَذَه لربِّها؛ لأنَّ تَسلُّفَه حينَئذٍ إنما هو مِنْ ربِّها فانتَقَل مِنْ أَمانتِه إلى ذِمتِه فصارَ كسائرِ الدُّيونِ (١). فقد جاءَ في «المُدوَّنة» تحتَ بابِ: «فيمَن استُودِعَ دَراهمَ أو حِنطةً فأنفَقَها ثُم تلِفَت وقد ردَّ مِثلَ ما أنفَقَ أو لمْ يَردَّ»: قلْت: أرأَيتَ لو أنِّي استودَعْت عندَ رجلٍ دَراهمَ وحِنطةً فأَنفقَ بعضَ

стр. 7728

الدَّراهمِ أو أكَلَ بعضَ الحِنطةِ، أيَكونُ ضَامنًا لجَميعِ الحِنطةِ وجَميعِ الدَّراهمِ أم لا في قَولِ مالكٍ؟ قالَ: لا يَكونُ ضامنًا إلا لمَا أكَلَ أو لمَا أنفَقَ، وما سِوى ذلك لا يَكونُ ضامنًا له. قلْتُ: فإنْ ردَّ مِثلَ الحِنطةِ التي أكَلَها في الوَديعةِ ومِثلَ الدَّراهمِ التي أنفَقَها في الوَديعةِ، أيَسقطُ عنه الضَّمانُ أم لا في قَولِ مالكٍ؟ قالَ: قالَ مالكٌ: نَعم يَسقطُ عنه الضَّمانُ في الدَّراهمِ، والحِنطةِ عندي بمَنزلتِها. قلْتُ: أفيَكونُ القَولُ قَولَه في أنَّه قد ردَّ ذلك في الوَديعةِ؟ قالَ: نَعم، كذلك قالَ مالكٌ. قلْتُ: ولمَ جعَلَ مالكٌ القَولُ قَولَه؟ قالَ: ألَا تَرى أنَّه لو قالَ: «لمْ آخذْ منها قَليلًا ولا كَثيرًا» أو قالَ: «قد تلِفَت» كانَ القَولُ قَولَه. قلْتُ: أرأَيتَ إنْ كانَ قد تَسلَّفَ الوَديعةَ كلَّها فردَّ مِثلَها مَكانَها أيَبرأُ مِنْ الضَّمانِ في قَولِ مالكٍ؟ قالَ: نَعم، كذلك قالَ لي مالكٌ في الدَّراهمِ، فالوَدائعُ كلُّها مِثلُ هذا إذا ردَّ مِثلَها إذا كانَ يَقدرُ على مِثلِها مِثلَ الكَيلِ أو الوَزنِ في رَأيي (١).

стр. 7729

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ المُودَعَ إذا أنفَقَ بعضَ الوَديعةِ ثُم ردَّ مِثلَ ما أنفَقَه فإنْ ردَّه وخلَطَها بالباقِي ولمْ يَتميزْ عنها ثُم تلِفَت ضمِنَ الجَميعَ؛ لأنَّه جُعلَ مُتلِفًا لها بإِنفاقِ بعضِها وخَلطِ مالِها بمالِه؛ لأنَّ المِثلَ الذي دفَعَه هو مالُه، والخَلطُ بمَعنى الاستهلاكِ. وإنْ ردَّها وتَميزَت عن باقي الدَّراهمِ فلا ضَمانَ عليه فلا ضَمانَ إلا فيما أخَذَه، على التَّفصيلِ التَّالي: قالَ الحَنفيةُ: إنْ أنفَقَ المُودَعُ بعضَ الوَديعةِ ثُم ردَّ مِثلَ ما أنفَقَه فخلَطَ المَردودَ بالباقِي ثُم هلَكَت ضمِنَ جَميعَ الوَديعةِ؛ لأنَّه جُعلَ مُتلِفًا لها بإِنفاقِ بعضِها، وخَلطِ باقيها بمالِه؛ لأنَّ المِثلَ الذي دفَعَه هو مالُه، والخَلطُ بمَعنى الاستهلاكِ. (١) وقالَ الشافِعيةُ: إذا أخَذَ دَراهمَ مِنْ الوَديعةِ وردَّ بَدلَه إليها فإنْ لمْ يَتميزْ عنها ضمِنَ الجَميعَ لخَلطِه الوَديعةَ بمالِ نفسِه، وإنِ تميَّزَ عنها فالباقي غيرُ مَضمونٍ عليه، وإنْ تميَّزَ عن بعضِها لمُخالفتِه له بصِفةٍ كسَوادٍ وبَياضٍ وسِكةٍ ضمِنَ ما لا يَتميزُ خاصَّةً، فلو ردَّه بعَينِه إليها لمْ يَضمنْ سِواه مِنْ بَقيةِ الدَّراهمِ وإنْ تلِفَت كلُّها أو لمْ يَتميزْ هو عنها لاختِلاطِه بها؛ لأنَّ هذا الخَلطَ كانَ حاصلًا قبلَ الأَخذِ، وإنْ تلِفَ نِصفُها ضمِنَ نِصفَه -أي نِصفَ الدَّراهمِ

стр. 7730

فقط- هذا كلُّه إذا لمْ يَفضَّ خَتمًا أو قُفلًا على الدَّراهمِ، فإنْ فَضَّه ضمِنَ الجَميعَ بِناءً على أنَّ الفَضَّ يَقتضي الضَّمانَ (١). وجاءَ في «الأُمّ» للإِمامِ الشافِعيِّ ﵀ قالَ: وإذا استَودعَ الرَّجلُ الرَّجلَ دَنانيرَ أو دَراهمَ فأخَذَ منها دِينارًا أو دِرهمًا ثُم ردَّ مَكانَه بَدلَه فإنْ كانَ الذي ردَّ مَكانَه يَتميزُ مِنْ دَنانيرِه ودَراهمِه فضاعَت الدَّنانيرُ كلُّها ضمِنَ ما تَسلَّفَ فقط، وإنْ كانَ الذي وُضعَ بَدلًا مما أخَذَ لا يَتميزُ ولا يُعرفُ فتلِفَت الدَّنانيرُ ضمِنَها كلَّها (٢). وذهَبَ الحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه إنْ أخَذَ مِنْ الوَديعةِ دَراهمَ فأنفَقَها ثُم ردَّها ثُم تلِفَت كلُّ الوَديعةِ أو سُرقَت فلا ضَمانَ عليه إلا في القَدرِ الذي أخَذَه فقط؛ لأنَّه مُتعدٍّ بأَخذِه فلا يَضمنُ غيرَه. قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ: ﵀ مَسألةٌ: قالَ: (أي الخِرقيُّ): مَنْ أودِعَ شَيئًا فأخَذَ بعضَه ثُم ردَّه أو مثلَه فضاعَ الكلُّ لزِمَه مِقدارُ ما أخَذَ … وإنْ ردَّ بَدلَه وكانَ مُتميزًا لمْ يَضمنْ غيرَه لذلك، وإنْ لمْ يَكنْ مُتميزًا فظاهرُ كَلامِ الخِرقيِّ هاهنا أنَّه لا يَضمنُ غيرَه؛ لأنَّ التَّعدِّي اختصَّ به فيَختصُّ الضَّمانُ به، وخَلطُ المَردودِ بغيرِه لا يَقتضي الضَّمانَ؛ لأنَّه يَجبُ ردُّه معَها فلمْ يُفوِّتْ على نَفسِه إِمكانَ ردِّها بخِلافِ ما إذا خلَطَه بغيرِه.

стр. 7731

وقالَ القاضِي: يَضمنُ الكلَّ، وهو قَولُ الشافِعيِّ؛ لأنَّه خلَطَ الوَديعةَ بما لا يَتميزُ منها فضمِنَ الكلَّ كما لو خلَطَها بغيرِ البَدلِ، وقد ذكَرْنا فَرقًا بينَ البَدلِ وغيرِه فلا يَصحُّ القِياسُ (١). وقالَ الزَّركشيُّ: قالَ (أي الخِرقيُّ): ومَن أُودِعَ شَيئًا فأخَذَ بعضَه ثُم ردَّه أو مثلَه فضاعَ الكلُّ، لزِمَه مِقدارُ ما أخَذَ. ش: إذا أودَعَ إِنسانٌ إِنسانًا شَيئًا، فأخَذَ بعضَه ثُم ردَّه، فضاعَ الجَميعُ أو تلِفَ لزِمَه مِقدارُ ما أخَذَ فقط؛ لأنَّه القَدرُ الذي تَعدَّى فيه، هذا هو المَشهورُ مِنْ الرِّوايتينِ، حتى إنَّ القاضِي في تَعليقِه وأبا البَركاتِ وأبا مُحمدٍ في «الكافِي» و «المُغني» لم يَذكُروا غيرَها. (والرِّوايةُ الثانِيةُ): يَضمنُ الجَميعَ، حَكاها صاحِبُ التَّلخيصِ وغيرُه؛ لأنَّها وَديعةٌ قد تَعدى فيها فضمِنَها، كما لو أخَذَ الجَميعَ، انتهى. وإنْ لمْ يَردَّ ما أخَذَ بل ردَّ بَدلَه، فللأَصحابِ في ذلك طُرقٌ: (إِحداها): أنَّه لا يَلزمُه إلا مِقدارُ ما أخَذَ، سَواءٌ كانَ البَدلُ مُتميزًا أو غيرَ مُتميزٍ، وهذا مُقتضى كَلامُ الخِرقيِّ، وبه قطَعَ القاضِي في التَّعليقِ، وذكَرَ نصَّ أَحمدَ على ذلك مِنْ رِوايةِ الجَماعةِ، وحَكي عنه مِنْ رِوايةِ الأَثرمِ أنَّه أنكَرَ القَولَ بتَضمينِ الجَميعِ، وأنَّه قالَ: إنَّه قَولُ سُوءٍ، وذلك لأنَّ الضَّمانَ مَنوطٌ بالتَّعدِّي، والتَّعدِّي إنما حصَلَ في المَأخوذِ، فيَختصُّ الضَّمانُ به.

стр. 7732

(الطَّريقةُ الثانِيةُ): أنَّه إنْ تَميزَ البَدلُ ضمِنَ قَدرَ ما أخَذَ فقط، وإنْ لمْ يَتميزْ فعلى رِوايتينِ، وهذه طَريقةُ أَبي مُحمدٍ في «المُغني» و «الكافِي» وأَبي البَركاتِ. (الطَّريقةُ الثالِثةُ): أنَّ المَسألةَ على رِوايتينِ فيهما، وهي ظاهِرُ كَلامِ أَبي الخَطابِ في «الهِدايةِ». (الطَّريقةُ الرَّابعةُ): أنَّه إنْ تَميزَ البَدلُ فعلى رِوايتينِ، وإنْ لمْ يَتميزْ ضمِنَ الجَميعَ رِوايةً واحدةً، قالَها صاحِبُ التَّلخيصِ، ويَقربُ مِنْ هذه الطَّريقةِ قَولُ أَبي مُحمدٍ في «المُقنع» وكلامُ القاضِي على ما حَكى عنه أَبو مُحمدٍ في «المُغني» ومَنبى هذه الطَّريقةِ على أنَّ المَردودَ باقٍ على مِلكِه، فقد خلَطَ مِلكَه بالوَديعةِ، فيَجري فيه ما تَقدَّمَ، وقد فرَّقَ أَبو مُحمدٍ بأنَّ المَردودَ يَجبُ ردُّه معَ الوَديعةِ، فلمْ يُفوِّتْ على نَفسِه إِمكانَ الردِّ بخِلافِ ثَمَّ، فإنَّه فوَّتَ على نَفسِه إِمكانَ ردِّ الوَديعةِ، وقد يُقالُ: مُسلَّمٌ أنَّه يَجبُ عليه الردُّ، لكنْ لا يَجبُ عليه ردُّ هذا المَخلوطِ بعَينِه، فهو باقٍ على مِلكِه، فإذا خلَطَه بالوَديعةِ ولمْ يَتميزْ فقد فوَّتَ على نَفسِه إِمكانَ ردِّ باقِيها، وبالجُملةِ هذه الطَّريقةُ وإنْ كانتَ حَسنةً لكنَّها مُخالفةٌ لنُصوصِ أَحمدَ، وقد يُقالُ: إنَّ نُصوصَه هنا مُقوِّيةٌ لرِوايةِ البَغويِّ. واعلمْ أنَّ شَرطَ هذه المَسألةِ عندَ أَبي مُحمدٍ وأَبي البَركاتِ أنْ تَكونَ الدَّراهمُ ونحوُها غيرَ مَختومةٍ ولا مَشدودةٍ، أما إنْ كانَت مَختومةً أو مَشدودةً فحَلَّ الشَدَّ، أو فَكَّ الخَتمَ، فإنَّه يَضمنُ الجَميعَ بلا نِزاعٍ لتَهتكِ

стр. 7733

الحِرزِ، وهذا الصَّحيحُ عندَ القاضِي، وقالَ: إنَّه قِياسُ قَولِ الأَصحابِ فيما إذا فتَحَ قَفصًا عن طائِرٍ فطارَ، ولمْ يُذكرْ عن أَحمدَ بذلك نصًّا، ونقَلَ مُهنَّا عن أَحمدَ ما يَقتضي أنَّه لا يَضمنُ إلا ما أخَذَ، فقالَ في رَجلٍ استودَعَ رَجلًا عَشرةَ دَنانيرَ في صُرةٍ فأخَذَ منها المُستودَعُ دِينارًا فأنفَذَه ثُم ردَّ مَكانَه دِينارًا فضاعَت العَشرةُ، يَغرمُ الدِّينارَ وليسَ عليه التِّسعةُ، وفي «التَّلخيص» أَيضًا أنَّ البَغويَّ رَوى عن أَحمدَ ما يَدلُّ على ذلك، ويَنبني على ذلك لو خرَقَ الكِيسَ فإنْ كانَ مِنْ فوقِ الشَّدِّ لمْ يَضمنْ إلا أَرشَ الخَرقِ فقط، وإنْ كانَ مِنْ تحتِ الشَّدِّ ضمِنَ الجَميعَ، على المَشهورِ عندَ الأَصحابِ. وقُوةُ كَلامِ الخِرقيِّ تَقتضي أنَّه لا يَضمنُ بمُجرَّدِ نِيةِ التَّعدِّي، وهو المَذهبُ المَجزومُ به، لرَفعِ المُؤاخذَةِ عن ذلك ما لمْ يَتكلَّمْ أو يَعملْ، ولهذا لو أخرَجَه إلى السُّوقِ بنِيةِ الإِنفاقِ ثُم ردَّها ضمِنَها على أَصحِّ الوَجهينِ؛ لوُجودِ العَملِ، قالَ القاضِي: وقد قيلَ: إنَّه يَضمنُ بالنِّيةِ؛ لاقتِرانِها بالإِمساكِ وهو فِعلٌ، وقد يَنبني هذا الوَجهُ على أنَّ الذي لا يُؤاخذُ به هو الهَمُّ، أما العَزمُ فيُؤاخذُ به على أَحدِ القَولينِ، واللهُ أَعلمُ (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفُوا فيما إذا أخرَجَ المُودَعُ مِنْ الوَديعةِ شَيئًا على نِيةِ الجِنايةِ فأنفَقَه، ثُم إنَّه ثابَ إليه إِيمانُه فأَعادَ مِثلَه ثُم تلِفَت الوَديعةُ.

стр. 7734

فقالَ أَبو حَنيفةَ: إنْ ردَّه بعَينِه لمْ يَضمنْ، وإنْ ردَّ مِثلَه وهو يَتميزُ مِنْ الباقِي فتلِفَت الوَديعةُ كلُّها ضمِنَ بمِقدارِ ما كانَ أَخذَ، وإنْ كانَ الذي أعادَه لا يَتميزُ مِنْ الباقِي فتلِفَت الوَديعةُ ضمِنَ الجَميعَ. وقالَ مالكٌ: إنْ ردَّها بعَينِها أو مِثلَها إنْ كانَ لها مِثلٌ لمْ يَضمنْ، وعنه أنَّه يَضمنُ. وقالَ الشافِعيُّ: يَضمنُ على كلِّ حالٍ. وقالَ أَحمدُ فيما رَواه الخِرقيُّ: يَضمنُ بقَدرِ ما كانَ أَخذَ، وإنْ كانَ ردَّه أو مِثلَه (١). الحالةُ الثانِيةُ: أنْ يَسرقَ الباقِي قبلَ أنْ يَردَّ ما أخَذَه أو يَردَّ مِثلَه: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أخَذَ المُودَعُ بعضًا مِنْ الدَّراهمِ المُودعَةِ عندَه ثُم سُرقَ الباقِي قبلَ أنْ يَردَّ ما أخَذَه أو مِثلَه، هل يَضمنُ جَميعَ الوَديعةِ (ما أخَذَه وما سُرقَ)؟ أم لا يَضمنُ إلا ما سُرقَ فقط؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُودَعَ إذا أخَذَ بعضَ الدَّراهمِ مِنْ الوَديعةِ وأنفَقَها ثُم تلِفَ الباقِي أو سُرقَ قبلَ أنْ يَردَّ ما أَخذَه ضمِنَ ما أَخذَ فقط، ولا ضَمانَ عليه في الباقِي، بل يَضمنُ ما أنفَقَ فقط ولا يَضمنُ الكلَّ؛ لأنَّ الضَّمانَ يَجبُ بقَدرِ الخِيانةِ، وقد خانَ في البَعضِ دونَ البَعضِ، ولأنَّه في الباقِي حافِظٌ للمِلكِ،

стр. 7735

وبما أنفَقَ لمْ يَتعيَّبِ الباقِي، فهو كما لو أودَعَه وَديعتَينِ فأنفَقَ أَحدَهما، لا يَكونُ ضامِنًا في الأُخرَى، ويُعملُ بقَولِه في الإِنفاقِ بيَمينِه (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إذا أودَعَ إِنسانٌ إِنسانًا شَيئًا، فأخَذَ بعضَه ثُم ردَّه فضاعَ الجَميعُ أو تلِفَ لزِمَه ضَمانُ الجَميعِ؛ لأنَّها وَديعةٌ قد تَعدَّى فيها فضمِنَها، كما لو أخَذَ الجَميعُ. قالَ الزَّركشيُّ: قالَ-أي الخِرقيُّ-: ومَن أُودعَ شَيئًا فأخَذَ بعضَه ثُم ردَّه أو مِثلَه فضاعَ الكلُّ، لزِمَه مِقدارُ ما أخَذَ. ش: إذا أودَعَ إِنسانٌ إِنسانًا شَيئًا، فأخَذَ بعضَه ثُم ردَّه، فضاعَ الجَميعُ أو تلِفَ، لزِمَه مِقدارُ ما أخَذَ فقط؛ لأنَّه القَدرُ الذي تَعدَّى فيه، هذا هو المَشهورُ مِنْ الرِّوايتَينِ، حتى إنَّ القاضِي في تَعليقِه وأَبا البَركاتِ وأَبا مُحمدٍ في «الكافِي» و «المُغني»، لمْ يَذكروا غيرَها.

стр. 7736

(والرِّوايةُ الثانِيةُ): يَضمنُ الجَميعَ، حَكاها صاحِبُ «التَّلخيصِ» وغيرُه؛ لأنَّها وَديعةٌ قد تَعدَّى فيها فضمِنَها، كما لو أخَذَ الجَميعَ انتهى (١). فإذا كانَ يَضمنُ معَ أنَّه ردَّ ما أَخذَه فمِن بابِ أَولى إذا لمْ يَردَّ ما أَخذَه ثُم تلِفَ باقي الوَديعةِ فإنَّه يَضمنُ الجَميعَ. التِّجارةُ بالوَديعةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُودَعِ يَكونُ عندَه وَديعةً مِنْ النُّقودِ فيَأخذُها ويُتاجرُ بها، هل يَجوزُ له ذلك أم لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه إذا أخَذَ مالَ الوَديعةِ وتاجَرَ به أنَّه ضامِنٌ لهذا المالِ؛ لأنَّه مُتعدٍّ فيها بغيرِ إِذنِ صاحبِها فيَضمنُ. فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَأخذَ مالَ الوَديعةِ ويُتاجرُ به؛ لأنَّه أَمانةٌ عندَه (٢). وأما المالِكيةُ فعندَهم قَولانِ: أَحدُهما: أنَّه تَحرمُ التِّجارةُ بالوَديعةِ بغيرِ إِذنِ ربِّها مُطلقًا. والثانِي: يُكرَه التِّجارةُ بالوَديعةِ بغيرِ إِذنِ ربِّها إذا كانَ المُودَعُ مَليئًا وكانَت مِنْ المِثلياتِ كالنُّقودِ، وأما إنْ كانَ المُودَعُ مُعدمًا أو كانَت مِنْ المُقوَّماتِ فتَحرمُ التِّجارةُ بها بغيرِ إِذنِ ربِّها، سَواءٌ كانَ المُودَعُ مَليئًا أو مُعدمًا.

стр. 7737

وعلى كلا القَولَينِ يَكونُ الرِّبحُ الحاصِلُ مِنْ التِّجارةِ بعدَ البَيعِ للمُودَعِ؛ لأنَّه ضامِنٌ للمالِ حتى يُؤدِّيه إلى صاحبِه، ولأنَّه إذا ردَّ المالَ فقد طابَ له الرِّبحُ وليسَ عليه أنْ يَتصدَّقَ به. قالَ الحَطابُ: ونصُّ «المُدوَّنة»: ومَن أودَعْته مالًا فاتَّجرَ به فالرِّبحُ له، وليسَ عليه أنْ يَتصدَّقَ بالرِّبحِ، ويُكرَه التِّجارةُ بالوَديعةِ. قالَ أَبو الحَسنِ الصَّغيرُ: وكذلك الوَصيُّ يَتجرَ بمالِ الأَيتامِ أنَّ الرِّبحَ له، بخِلافِ المُبضِعِ معَه والمُقارِضِ. قالَ عَبدُ الحَقِّ: الفَرقُ بينَهما أنَّ المُبضِعَ معَه والمُقارِضَ إنما دفَعَ المالَ إليهما على طَلبِ الفَضلِ فيه فليسَ لهما أنْ يَجعلا ذلك لأنفسِهما دونَ ربِّ المالِ، والمُودَعُ لمْ يَدخلْ على طَلبِ الفَضلِ وإنما أرادَ حِفظَها له، فله أَصلُ المالِ دونَ الرِّبحِ، صحَّ مِنْ «النُّكت» الشَّيخُ، والوَصيُّ أَيضًا إنما عليه حِفظُ مالِ اليَتيمِ انتهى. وفي «المُدوَّنة» ومَن أبضَعَ معه ببِضاعةٍ يَشتري بها شَيئًا اتَّجرَ فيها فإنْ تلِفَت ضمِنَ وإنْ ربِحَ فالرِّبحُ للمالِكِ، بخِلافِ الوَديعةِ؛ لأنَّ المُبضِعَ طلَبَ الرِّبحَ، فليسَ للمُبضِعِ معَه قَطعُه عنه ونَقلُه إلى مِلكِه، فإنْ تلِفَ المالُ ضمِنَ بتَعدِّيه، والمُودِعُ إنما قصَدَ الحِفظَ فقط، فلمْ يَكنْ له مِنْ الرِّبحِ شيءٌ. انتهى. وفي أَولِ كِتابِ القِراضَ مِنْ «المُنتقى» ما نصُّه: ولمْ يَختلفْ أَصحابُنا أنَّ المُبضِعَ معَه المالُ يَبتاعُ به لنَفسِه أنَّ صاحِبَ المالِ مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَأخذَ ما

стр. 7738

ابتاعَ به لنَفسِه أو يُضمِّنه رَأسَ المالِ؛ لأنَّه إنما دفَعَ إليه المالَ على النِّيابةِ عنه في عَرضِه وابتِياعِ ما أمَرَه به، فكانَ أَحقَّ بما ابتاعَه. وهذا إذا ظفَرَ بالأَمرِ قبلَ بَيعِ ما ابتاعَه، فإنْ فاتَ ما ابتاعَه به فإنَّ رِبحَه لربِّ المالِ، وخِسارَتَه على المُبضِعِ معَه انتهى (١). وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في الرِّبحِ الحاصِلِ مِنْ التِّجارةِ، هل يَطيبُ للمُودَعِ أم لا؟ أم يَقتسمانِه؟ أم يَجبُ التَّصدُّقُ به؟ أم يَكونُ الرِّبحُ لبَيتِ المالِ؟ على أَقوالٍ: القَولُ الأَولُ: أنَّ الرِّبحَ الحاصِلَ مِنْ التِّجارةِ بعدَ البَيعِ للمُودَعِ؛ لأنَّه ضامِنٌ للمالِ حتى يُؤدِّيَه إلى صاحبِه، وشَرطُ الطِّيبِ الضَّمانُ وقد وُجدَ، ولأنَّه إذا ردَّ المالَ فقد طابَ له الرِّبحُ وليسَ عليه أنْ يَتصدَّقَ به. وهذا مَذهبُ المالِكيةِ وأَبي يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ وأَحمدَ في رِوايةٍ، وهو قَولُ شُريحٍ القاضِي والحَسنِ البَصريِّ والشِّعبيِّ ويَحيى الأَنصاريِّ ورَبيعةَ والثُّوريِّ واللِّيثِ. قالَ الإِمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀: وأَصحُّ هذه الأَقوالِ قَولُ مَنْ رَأى أنَّ الرِّبحَ للغاصِبِ والمُتعدِّي، والحُجةُ له أنَّ العَينَ قد صارَ في ذِمتِه، وهو

стр. 7739

وغيرُه مِنْ مالِه سَواءٌ؛ إذ لا غَرضَ للناسِ في أَعيانِ الدَّنانيرِ والدَّراهمِ، وإنما غَرضُهم في تَصرُّفِهم فيها، ولو غصَبَها مِنْ رَجلٍ ثُم أرادَ أنْ يَدفعَ إليه غيرَها مِثلَها وهي قائمةٌ بيدِه، لكانَ له ذلك على أَصلِ قَولِ مالكٍ، فإذا كانَ له أنْ يَدفعَ إليه غيرَها فرِبحُها له، وحَديثُ البابِ حُجةٌ لذلك، ألَا تَرى أنَّ الأَجيرَ حيثُ قالَ له مَنْ أجَّرَه: «كلُّ ما تَرى مِنْ الإِبلِ والبَقرِ والغَنمِ والرَّقيقِ مِنْ أَجرِك، قالَ له: أتَستَهزئُ بي؟» (١)؟ فدلَّ هذا أنَّ السُّنةَ كانَت عندَهم أنَّ الرِّبحَ للمُتعدِّي العامِلِ، وأنَّه لا حقَّ فيه لربِّ رَأسِ المالِ، وأخبَرَ بذلك النَّبيُّ فأقرَّه ولمْ يَنسخْه. وقد رُويَ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ما يَدلُّ على أنَّ الرِّبحَ له بالضَّمانِ، رَوى مالكٌ في المُوطَّأَ: «أنَّ أَبا مُوسى أسلَفَ عبدَ اللهِ وعُبيدَ اللهِ ابنَيْ عُمرَ مِنْ بَيتِ المالِ، فاشتَرَيا به مَتاعًا وحمَلاه إلى المَدينةِ فربِحا فيه، فقالَ عُمرُ: أدِّيا المالَ ورِبحَه، فقالَ عُبيدُ اللهِ: ما يَنبغي لك هذا، لو هلَكَ المالُ أو نقَصَ ضمِنَّاه، فقالَ رَجلٌ: لو جعَلْتَه قِراضًا يا أَميرَ المُؤمنينَ. قالَ: نعم. فأخَذَ منهما نصِفَ الرِّبحِ»، فلمْ يُنكرْ عُمرُ قَولَ ابنِه: لو هلَكَ المالُ أو نقَصَ ضمِنَّاه، فلذلك طابَ له ربْحُه، ولا أنكَرَه أَحدٌ مِنْ الصَّحابةِ بحَضرتِه (٢).

стр. 7740

القَولُ الثانِي: أنَّه لا يَطيبُ له الرِّبحُ، ويَجبُ عليه أنْ يَتصدَّقَ به إذا اشتَرَى بعَينِ نُقودِ الوَديعةِ ويَردَّ رَأسَ مالِ الوَديعةِ -وكذا الغَصبُ- إلى صاحبِها، وهو قَولُ الإِمامِ أَبي حَنيفةَ ومُحمَّدِ بنِ الحَسنِ وزُفرَ وأَحمدَ في رِوايةٍ (١). القَولُ الثالثُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ لصاحِبِ الوَديعةِ على الصَّحيحِ عن الإِمامِ أَحمدَ، وهو قَولُ ابنِ عُمرَ وأَبي قِلابةَ وإِسحاقَ (٢). القَولُ الرَّابعُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ لبَيتِ المالِ، وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أَحمدَ (٣).
следующие страницы →