(والرِّوايةُ الثانِيةُ): يَضمنُ الجَميعَ، حَكاها صاحِبُ «التَّلخيصِ» وغيرُه؛ لأنَّها وَديعةٌ قد تَعدَّى فيها فضمِنَها، كما لو أخَذَ الجَميعَ انتهى (١).
فإذا كانَ يَضمنُ معَ أنَّه ردَّ ما أَخذَه فمِن بابِ أَولى إذا لمْ يَردَّ ما أَخذَه ثُم تلِفَ باقي الوَديعةِ فإنَّه يَضمنُ الجَميعَ.
التِّجارةُ بالوَديعةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُودَعِ يَكونُ عندَه وَديعةً مِنْ النُّقودِ فيَأخذُها ويُتاجرُ بها، هل يَجوزُ له ذلك أم لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه إذا أخَذَ مالَ الوَديعةِ وتاجَرَ به أنَّه ضامِنٌ لهذا المالِ؛ لأنَّه مُتعدٍّ فيها بغيرِ إِذنِ صاحبِها فيَضمنُ.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَأخذَ مالَ الوَديعةِ ويُتاجرُ به؛ لأنَّه أَمانةٌ عندَه (٢).
وأما المالِكيةُ فعندَهم قَولانِ:
أَحدُهما: أنَّه تَحرمُ التِّجارةُ بالوَديعةِ بغيرِ إِذنِ ربِّها مُطلقًا.
والثانِي: يُكرَه التِّجارةُ بالوَديعةِ بغيرِ إِذنِ ربِّها إذا كانَ المُودَعُ مَليئًا وكانَت مِنْ المِثلياتِ كالنُّقودِ، وأما إنْ كانَ المُودَعُ مُعدمًا أو كانَت مِنْ المُقوَّماتِ فتَحرمُ التِّجارةُ بها بغيرِ إِذنِ ربِّها، سَواءٌ كانَ المُودَعُ مَليئًا أو مُعدمًا.
стр. 7737
وعلى كلا القَولَينِ يَكونُ الرِّبحُ الحاصِلُ مِنْ التِّجارةِ بعدَ البَيعِ للمُودَعِ؛ لأنَّه ضامِنٌ للمالِ حتى يُؤدِّيه إلى صاحبِه، ولأنَّه إذا ردَّ المالَ فقد طابَ له الرِّبحُ وليسَ عليه أنْ يَتصدَّقَ به.
قالَ الحَطابُ: ونصُّ «المُدوَّنة»: ومَن أودَعْته مالًا فاتَّجرَ به فالرِّبحُ له، وليسَ عليه أنْ يَتصدَّقَ بالرِّبحِ، ويُكرَه التِّجارةُ بالوَديعةِ.
قالَ أَبو الحَسنِ الصَّغيرُ: وكذلك الوَصيُّ يَتجرَ بمالِ الأَيتامِ أنَّ الرِّبحَ له، بخِلافِ المُبضِعِ معَه والمُقارِضِ.
قالَ عَبدُ الحَقِّ: الفَرقُ بينَهما أنَّ المُبضِعَ معَه والمُقارِضَ إنما دفَعَ المالَ إليهما على طَلبِ الفَضلِ فيه فليسَ لهما أنْ يَجعلا ذلك لأنفسِهما دونَ ربِّ المالِ، والمُودَعُ لمْ يَدخلْ على طَلبِ الفَضلِ وإنما أرادَ حِفظَها له، فله أَصلُ المالِ دونَ الرِّبحِ، صحَّ مِنْ «النُّكت» الشَّيخُ، والوَصيُّ أَيضًا إنما عليه حِفظُ مالِ اليَتيمِ انتهى.
وفي «المُدوَّنة» ومَن أبضَعَ معه ببِضاعةٍ يَشتري بها شَيئًا اتَّجرَ فيها فإنْ تلِفَت ضمِنَ وإنْ ربِحَ فالرِّبحُ للمالِكِ، بخِلافِ الوَديعةِ؛ لأنَّ المُبضِعَ طلَبَ الرِّبحَ، فليسَ للمُبضِعِ معَه قَطعُه عنه ونَقلُه إلى مِلكِه، فإنْ تلِفَ المالُ ضمِنَ بتَعدِّيه، والمُودِعُ إنما قصَدَ الحِفظَ فقط، فلمْ يَكنْ له مِنْ الرِّبحِ شيءٌ. انتهى.
وفي أَولِ كِتابِ القِراضَ مِنْ «المُنتقى» ما نصُّه: ولمْ يَختلفْ أَصحابُنا أنَّ المُبضِعَ معَه المالُ يَبتاعُ به لنَفسِه أنَّ صاحِبَ المالِ مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَأخذَ ما
стр. 7738
ابتاعَ به لنَفسِه أو يُضمِّنه رَأسَ المالِ؛ لأنَّه إنما دفَعَ إليه المالَ على النِّيابةِ عنه في عَرضِه وابتِياعِ ما أمَرَه به، فكانَ أَحقَّ بما ابتاعَه.
وهذا إذا ظفَرَ بالأَمرِ قبلَ بَيعِ ما ابتاعَه، فإنْ فاتَ ما ابتاعَه به فإنَّ رِبحَه لربِّ المالِ، وخِسارَتَه على المُبضِعِ معَه انتهى (١).
وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في الرِّبحِ الحاصِلِ مِنْ التِّجارةِ، هل يَطيبُ للمُودَعِ أم لا؟ أم يَقتسمانِه؟ أم يَجبُ التَّصدُّقُ به؟ أم يَكونُ الرِّبحُ لبَيتِ المالِ؟ على أَقوالٍ:
القَولُ الأَولُ: أنَّ الرِّبحَ الحاصِلَ مِنْ التِّجارةِ بعدَ البَيعِ للمُودَعِ؛ لأنَّه ضامِنٌ للمالِ حتى يُؤدِّيَه إلى صاحبِه، وشَرطُ الطِّيبِ الضَّمانُ وقد وُجدَ، ولأنَّه إذا ردَّ المالَ فقد طابَ له الرِّبحُ وليسَ عليه أنْ يَتصدَّقَ به.
وهذا مَذهبُ المالِكيةِ وأَبي يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ وأَحمدَ في رِوايةٍ، وهو قَولُ شُريحٍ القاضِي والحَسنِ البَصريِّ والشِّعبيِّ ويَحيى الأَنصاريِّ ورَبيعةَ والثُّوريِّ واللِّيثِ.
قالَ الإِمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀: وأَصحُّ هذه الأَقوالِ قَولُ مَنْ رَأى أنَّ الرِّبحَ للغاصِبِ والمُتعدِّي، والحُجةُ له أنَّ العَينَ قد صارَ في ذِمتِه، وهو
стр. 7739
وغيرُه مِنْ مالِه سَواءٌ؛ إذ لا غَرضَ للناسِ في أَعيانِ الدَّنانيرِ والدَّراهمِ، وإنما غَرضُهم في تَصرُّفِهم فيها، ولو غصَبَها مِنْ رَجلٍ ثُم أرادَ أنْ يَدفعَ إليه غيرَها مِثلَها وهي قائمةٌ بيدِه، لكانَ له ذلك على أَصلِ قَولِ مالكٍ، فإذا كانَ له أنْ يَدفعَ إليه غيرَها فرِبحُها له، وحَديثُ البابِ حُجةٌ لذلك، ألَا تَرى أنَّ الأَجيرَ حيثُ قالَ له مَنْ أجَّرَه: «كلُّ ما تَرى مِنْ الإِبلِ والبَقرِ والغَنمِ والرَّقيقِ مِنْ أَجرِك، قالَ له: أتَستَهزئُ بي؟» (١)؟ فدلَّ هذا أنَّ السُّنةَ كانَت عندَهم أنَّ الرِّبحَ للمُتعدِّي العامِلِ، وأنَّه لا حقَّ فيه لربِّ رَأسِ المالِ، وأخبَرَ بذلك النَّبيُّ فأقرَّه ولمْ يَنسخْه.
وقد رُويَ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ما يَدلُّ على أنَّ الرِّبحَ له بالضَّمانِ، رَوى مالكٌ في المُوطَّأَ: «أنَّ أَبا مُوسى أسلَفَ عبدَ اللهِ وعُبيدَ اللهِ ابنَيْ عُمرَ مِنْ بَيتِ المالِ، فاشتَرَيا به مَتاعًا وحمَلاه إلى المَدينةِ فربِحا فيه، فقالَ عُمرُ: أدِّيا المالَ ورِبحَه، فقالَ عُبيدُ اللهِ: ما يَنبغي لك هذا، لو هلَكَ المالُ أو نقَصَ ضمِنَّاه، فقالَ رَجلٌ: لو جعَلْتَه قِراضًا يا أَميرَ المُؤمنينَ. قالَ: نعم. فأخَذَ منهما نصِفَ الرِّبحِ»، فلمْ يُنكرْ عُمرُ قَولَ ابنِه: لو هلَكَ المالُ أو نقَصَ ضمِنَّاه، فلذلك طابَ له ربْحُه، ولا أنكَرَه أَحدٌ مِنْ الصَّحابةِ بحَضرتِه (٢).
стр. 7740
القَولُ الثانِي: أنَّه لا يَطيبُ له الرِّبحُ، ويَجبُ عليه أنْ يَتصدَّقَ به إذا اشتَرَى بعَينِ نُقودِ الوَديعةِ ويَردَّ رَأسَ مالِ الوَديعةِ -وكذا الغَصبُ- إلى صاحبِها، وهو قَولُ الإِمامِ أَبي حَنيفةَ ومُحمَّدِ بنِ الحَسنِ وزُفرَ وأَحمدَ في رِوايةٍ (١).
القَولُ الثالثُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ لصاحِبِ الوَديعةِ على الصَّحيحِ عن الإِمامِ أَحمدَ، وهو قَولُ ابنِ عُمرَ وأَبي قِلابةَ وإِسحاقَ (٢).
القَولُ الرَّابعُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ لبَيتِ المالِ، وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أَحمدَ (٣).
стр. 7741
القَولُ الخامِسُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ بينَهما -بينَ المُودِعِ والمُودَعِ- فيَقتسِمانِه بينَهما كالمُضاربةِ، وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أَحمدَ وهو اختِيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ، وقالَ: هو أَصحُّ الأَقوالِ.
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ بعدَما ذكَرَ قِصةَ عُمرَ ﵁ معَ ابنَيْه: فعمِلَ عُمرُ بذلك، وهذا أَحسنُ الأَقوالِ التي تَنازعَها الفُقهاءُ في مَسألةِ التِّجارةِ بالوَديعةِ وغيرِها مِنْ مالِ الغيرِ، فإنَّ فيها أَربعةَ أَقوالٍ في مَذهبِ أَحمدَ وغيرِه.
هل الرِّبحُ لبَيتِ المالِ بِناءً على أنَّه … (١) المال؟
أو الرِّبحُ للعامِلِ لأنَّ المِلكَ حصَلَ له باشتِراءِ الأَعيانِ في الذِّمةِ ويَتصدَّقانِ بالرِّبحِ لأنَّه خَبيثٌ؟
أو يَقتسِمانِ بينَهما كالمُضاربةِ؟ وهذا الرابِعُ الذي فعَلَه عُمرُ (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختلَفُوا مِنْ هذا البابِ في فَرعٍ مَشهورٍ، وهو فيمَن أُودعَ مالًا فتَعدى فيه واتَّجرَ به فربِحَ فيه، هل ذلك الرِّبحُ حَلالٌ له أم لا؟
فقالَ مالِكٌ واللَّيثُ وأَبو يُوسفَ وجَماعةٌ: إذا ردَّ المالَ طابَ له الرِّبحُ وإنْ كانَ غاصِبًا للمالِ فَضلًا عن أنْ يَكونَ مُستودَعًا عندَه.
стр. 7742
وقالَ أَبو حَنيفةَ وزُفرُ ومُحمَّدُ بنِ الحَسنِ: يُؤدِّي الأَصلَ ويَتصدَّقُ بالرِّبحِ.
وقالَ قَومٌ: لرَبِّ الوَديعةِ الأَصلُ والرِّبحُ.
وقالَ قَومٌ: هو مُخيَّرٌ بينَ الأَصلِ والرِّبحِ.
وقالَ قَومٌ: البَيعُ الواقِعُ في تلك التِّجارةِ فاسِدٌ، وهؤلاءِ هم الذين أوْجَبوا التَّصدُّقَ بالرِّبحِ إذا ماتَ.
فمَن اعتبَرَ التَّصرُّفَ قالَ الرِّبحُ للمُتصرِّفِ، ومَن اعتبَرَ الأَصلَ قالَ الرِّبحُ لصاحِبِ المالِ.
ولذلك لمَّا أمَرَ عُمرُ ﵁ ابنَيه عبدَ اللهِ وعُبيدَ اللهِ أنْ يَصرِفا المالَ الذي أسلَفَهما أَبو مُوسى الأَشعريُّ مِنْ بَيتِ المالِ فاتَّجَرا فيه فربِحا قيلَ له: لو جعَلْتَه قِراضًا. فأجابَ إلى ذلك؛ لأنَّه قد رُويَ أنَّه قد حصَلَ للعامِلِ جُزءٌ ولصاحِبِ المالِ جُزءٌ، وأنَّ ذلك عَدلٌ (١).
القَولُ السَّادسُ: قَولُ الشافِعيةِ حيثُ قالُوا: لو اتَّجرَ الغاصِبُ بالمَغصوبِ أو بمالِ الغيرِ في يدِه وَديعةً أو رَهنًا أو سَومًا أو عَاريةً بغيرِ إِذنِ المالِكِ فإنْ باعَ أو اشتَرى بعَينِه بطَلَ ولا يَملكُ العِوضَ، وإذا تسلَّمَ وفاتَ غرِمَ المِثلَ أو القِيمةَ، وما حصَلَ مِنْ الرِّبحِ إنْ أمكَنَ ردُّه إلى صاحِبِ كلِّ عَقدٍ ردَّه وإلا فهو مالٌ ضائِعٌ.
стр. 7743
ولو أسلَمَ أو اشتَرى في الذِّمةِ وسلَّمَ المَغصوبَ صحَّ العَقدُ وفسَدَ التَّسليمُ، ولا تَبرأُ ذِمتُه مِنْ الثَّمنِ، ويَملكُ الغاصِبُ ما أخَذَ وأَرباحَه (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: واختلَفُوا في المُستودَعِ أو المُبضعِ معه، يُخالفانِ فيَستعملانِ الوَديعةَ أو البِضاعةَ بغيرِ إِذنِ أَصحابِها.
فقالَت طائِفةٌ: كلُّ واحدٍ منهما ضامِنٌ لها لمَّا تَعدَّى فيه، والرِّبحُ لربِّ المالِ، هذا قَولُ ابنُ عُمرَ ونافِعٍ مَولاه وأَبي قِلابةَ وبه قالَ أَحمدُ وإِسحاقُ.
وقالَت طائِفةٌ: الرِّبحُ كلُّه للعامِلِ، روينَا ذلك عن شُريحٍ والحَسنِ البَصريِّ وعَطاءِ بنِ أَبي رَباحٍ والشِّعبيِّ ويَحيى الأَنصاريِّ ورَبيعةَ، وهو قَولُ مالِكٍ والثَّوريِّ، وقالَ الثَّوريُّ: يَتنزَّه عنه أَحبُّ إليّ.
وقالَ الأَوزاعيُّ كذلك، وقالَ: أَسلمُ له أنْ يَتصدَّقَ به.
وقالَت طائِفةٌ: المالُ الذي هذا سَبيلُه يَتصدَّقُ بالرِّبحِ أَحبُّ إليَّ، هذا قَولُ الشِّعبيِّ، ورُويَ ذلك عن مُجاهدٍ، وكذلك قالَ النَّخعيُّ في المُضارِبِ يُخالفُ، وبه قالَ حَمادٌ، وبه قالَ أَصحابُ الرَّأيِ، قالوا في الوَديعةِ -يَعملُ بها- الرِّبحُ له ويَتصدَّقُ به، ولا يَنبغي له أنْ يَأكلَه.
قالَ أَبو بَكرٍ: وأَصحُّ مِنْ ذلك كلِّه: أنَّ الرَّجلَ إذا تَعدَّى في وَديعةٍ كانَت عندَه، أو اغتصَبَ مالًا فاشتَرى مِنْ عَينِ المالِ جاريةٍ بمائةِ دِينارٍ وقالَ للبائِعِ
стр. 7744
قد اشتَريتُ منك هذه الجاريةَ بهذه المائةِ دِينارٍ: أنَّ البَيعَ باطلٌ؛ لأنَّه اشتَرى جاريةً بمالٍ لا يَملكُه، وإذا كانَ هكذا: حرُمَ عليه وطءُ الجارِيةِ، ولمْ يَكنْ له أنْ يَعتقَها ولا يَبيعَها ولا يَهبَها؛ لأنَّه غيرُ مالكٍ لها.
فإنْ باعَها بمائتَيْ دِينارٍ وربِحَ فيها مائةَ دِينارٍ فإنَّ بيعَه باطلٌ؛ لأنَّه باعَ ما لا يَملكُه.
وإذا صارَت الجاريةُ في يدِ مَنْ اشتَراها فهي على مِلكِ البائعِ الأَولِ، والبائِعُ غيرُ مالكٍ للمائتَيْ دِينارٍ التي قبَضَها، بل مِلكُها لمُشتَري الجاريةِ.
فإذا جاءَ المُودِعُ أو المَغصوبُ منه المائةُ الدِّينارِ ببيِّنَةٍ تَشهدُ له بالمائةِ: قُضيَ له بها، فأخَذَها ورجِعَ بائعُ الجاريةِ على المُشتَري المُتعدِّي في الوَديعةِ فأخَذَ الجاريةَ منه إن وجَدَها عندَه، وإنْ لمْ يَجدْها عندَه وكانَ قد باعَها: أخَذَها مِمن هي في يدِه إذا ثبَتَ ذلك ببَينةٍ تَشهدُ له.
فإنْ كانَت الجاريةُ مُستَهلكةً لا يُقدرُ عليها، وكانَ المُتعدِّي في المالِ قد باعَها بمائتَيْ دِينارٍ، فوجَدَ المائتَيْ دِينارٍ في يدَيه، فإنْ كانَت المائَتا دِينارٍ قِيمةَ جاريتِه فله أَخذُها، وإنْ كانَت أَكثرَ مِنْ مائتَيْ دِينارٍ، أخَذَ المائتَيْ دِينارٍ، وغرَّمَه تَمامَ قِيمةِ الجاريةِ.
وإنْ كانَت قيمَتُها مائةَ دِينارٍ لمْ يَسعْه - عِندي- أنْ يَأخذَ مِنْ قِيمةِ جاريتِه وهي مائةُ دِينارٍ، يَطلبُ المُتعدِّي في الوَديعةِ فيَردُّ المائةَ على مَنْ أخَذَها منه، لا يسَعُه -عِندي- غيرُ ذلك.
وإنْ كانَ مَنْ أخَذَها منه قد ماتَ ردَّه على وَرثتِه، فإنْ لمْ يَصلْ إليه ولا
стр. 7745
إلى وَرثتِه صبَرَ حتى يَيأسَ مِنْ وُصولِه إليه، فإذا يَئسَ مِنْ ذلك تَصدَّقَ بها، على ما رَويناه عن ابنِ مَسعودٍ وابنِ عَباسٍ ومُعاويةَ بنِ أَبي سُفيانَ.
وهذا مَذهبُ الحَسنِ البَصريِّ والزُّهريِّ، وبه قالَ مالكٌ في اللُّقطةِ إذا يُئسَ مِنْ صاحبِها.
وفي هذه المَسألةِ قَولانِ آخَرانِ:
أَحدُهما: أنْ يدفعَ إلى بَيتِ المالِ، رَوينا هذا القَولَ عن عَطاءٍ.
والقَولُ الثانِي: أنْ يُمسكَها أَبدًا حتى يُعلمَ أحيٌّ هو أم مَيتٌ.
وهذا يُشبهُ مَذهبَ الشافِعيِّ في إِيقافِ المالِ في مِثلِ هذا حتى يَتبيَّنَ أمرُ صاحبِه.
قالَ أَبو بَكرٍ: وإنْ كانَ المُشتَري ليسَ بعَينِ المالِ، ولكنَّه كانَ يَشتَري السِّلعَ، ثُم يَزنُ مِنْ مالِ الوَديعةِ فالشِّراءُ ثابتٌ، والمالُ في الذِّمةِ، وهو مالكٌ للسِّلعِ بعَقدِ الشِّراءِ، وما كانَ مِنْ رِبحٍ فيها فله، وما كانَ مِنْ نُقصانٍ فعليه، وعليه مِثلُ الدَّنانيرِ التي أتلَفَ لصاحِبِها، وهذا قَولُ الشافِعيِّ -آخرُ قولَيْه- وهو قَولُ أَكثرُ أَصحابِه (١).
استِقراضُ الوَديعةِ:
نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُودَعَ إذا كانَ عندَه وَديعةٌ فلا يَجوزُ له أنْ يَستقرضَ منها، فإنْ أخَذَ منها شَيئًا فهو ضامِنٌ له، فإنْ ردَّه بعدَ ذلك وتلِفَت فهو على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ في هذا.
стр. 7746
أما المالِكيةُ فقد فصَّلوا في المَسألةِ فقالوا:
١ - إذا كانَ المُودَعُ فَقيرًا حرُمَ عليه أنْ يَتسلَّفَ مِنْ الوَديعةِ سَواءٌ كانَت الوَديعةُ مِنْ المِثلياتِ أو مِنْ القِيمياتِ، وذلك لتَضرُّرِ مالكِها بعَدمِ الوَفاءِ نظرًا لإِعدامِه.
٢ - إذا كانَت الوَديعةُ مِنْ المُتقوِّماتِ فيَحرمُ تَسلُّفُها مُطلقًا بغيرِ إِذنِ ربِّها، سَواءٌ كانَ المُودَعُ مَليئًا أو مُعدمًا؛ لأنَّه مِنْ بابِ شِراءِ الشَّيءِ بغيرِ إِذنِ ربِّه، وهو مَظنَّةُ عَدمِ رِضاه فلا يَجوزُ، ولاختِلافِ الأَغراضِ في المُقوَّمِ، وكالمُقوَّمِ ما يُكالُ أو يُوزنُ إذا كانَ يَكثرُ اختِلافُه ولا يَتحصَّلُ أَمثالُه.
٣ - إذا كانَت الوَديعةُ مِنْ المِثلياتِ أو النُّقودِ فالمُودَعُ لا يَخلو مِنْ حالتَينِ:
أ - إنْ كانَ المُودَعُ مُعدمًا فَقيرًا غيرَ مَليءٍ حرُمَ عليه؛ لأنَّ ربَّها يَتضررُ بعَدمِ الوَفاءِ، ويَدخلُ في المُعدَمِ مِنْ عندِه مِثلُ الوَديعةِ أو ما يَزيدُ عليها بيَسيرٍ، ويَنبغي أنْ يَكونَ مِثلَه سَيئُ القَضاءِ والظَّالمُ ومَن مالُه حَرامٌ.
ب - وإنْ كانَ المُودَعُ مَليئًا كُرهَ له التَّسلُّفُ مِنْ الوَديعةِ، ومَحلُّ كَراهةِ تَسلُّفِ النَّقدِ فيما إذا لم يُبِحْ له ربُّ الوَديعةِ ذلك أو يَمنعُه بأنْ جَهلَ، أما إذا أَباحَ له ربُّها ذلك جازَ بلا كَراهةٍ وإذا منَعَه حرُمَ عليه الاقتِراضُ منها.
وذهَبَ بعضُ المالِكيةِ إلى جَوازِ الاقتِراضِ مِنْ الوَديعةِ إذا كانَ مَليئًا بشَرطِ الإِشهادِ على الاقتِراضِ وإلا كُرهَ.
стр. 7747
ووَجهُ جَوازِ الاقتِراضِ مِنْ الوَديعةِ: أنَّ الدَّنانيرَ والدَّراهمَ لا تَتعيَّنُ، فكأنَّه لا مَضرةَ على المُودِعِ في انتِفاعِ الوَديعِ بها إذا ردَّ مِثلَها، وقد كانَ له أنْ يَردَّ مِثلَها ويَتمسَّكَ بها معَ بَقاءِ أَعيانِها، ولأنَّ المُودِعَ قد ترَكَ الانتِفاعَ بها معَ القُدرةِ، فجازَ للوَديعِ الانتِفاعُ بها، ويَجري ذلك مَجرى الانتِفاعِ بظلِّ حائطٍ وضَوءِ سِراجِه، وذلك بخِلافِ تَسلُّفِ الوَصيِّ مالَ اليَتيمِ فهو آثمٌ (١).
وقالَ اللَّخميُّ مِنْ المالِكيةِ: أَرى أنْ يُنظرَ إلى المُودِعِ، فإنْ كانَ يَعلمُ منه أنَّه لا يَكرُه ذلك فيما بينَه وبينَ المُودَعِ أو معَه كَرمُ طَبعٍ جازَ، وإنْ كانَ يَعلمُ منه الكَراهيةَ لمْ يَجزْ؛ لأنَّه لو حجَرَ ذلك عليه مِنْ حينِ الدَّفعِ أو قالَ لا حَرجَ عليك إنْ تَسلَّفتَها لمْ يُختلَفْ في أنَّه مَمنوعٌ مِنْ الانتِفاعِ بها، وإنْ أشكَلَ أَمرُه كُرهَ ذلك (٢).
وما ذهَبَ إليه اللَّخميُّ هو ما قالَه شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ، فقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن الاقتِراضِ مِنْ الوَديعةِ بلا إِذنٍ …
فأجابَ: وأما الاقتِراضُ مِنْ مالِ المُودِعِ، فإنْ علِمَ المُودَعُ عِلمًا اطمأَنَّ إليه قلْبُه أنَّ صاحِبَ المالِ راضٍ بذلك، وهذا إنما يُعرفُ مِنْ رَجلٍ اختبَرْتَه خِبرةً تامَّةً، وعلِمْت مَنزلتَك عندَه، كما نُقلَ مِثلُ ذلك عن غيرِ واحدٍ، وكما
стр. 7748
كانَ النَّبيُّ ﷺ يَفعلُ في بُيوتِ بعضِ أَصحابِه، وكما بايَعَ عن عُثمانَ ﵁ وهو غائِبٌ، ومَتى وقَعَ في ذلك شكٌّ لم يَجزِ الاقتِراضُ (١).
حِفظُ الوَديعةِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يَجبُ على المُودَعِ حِفظُ الوَديعةِ في حِرزِ مِثلِها كما يَحفظُ مالَ نَفسِه المُماثِلَ للوَديعةِ إذا لمْ يُعيِّنْ له المالِكُ حِرزًا؛ لأنَّه بالعَقدِ التَزمَ حِفظَ الوَديعةِ على وَجهٍ لو ترَكَ حِفظَها حتى هلَكَت لزِمَه الضَّمانُ؛ لأنَّه تَركَ الحِفظَ مِنْ غيرِ عُذرٍ فضمِنَها، ولهذا لو رَأى إِنسانًا يَسرقُ الوَديعةَ وهو قادرٌ على مَنعِه ضمِنَ لتَركِ الحِفظِ المُلتزَمِ بالعَقدِ.
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ على المُودَعِ إِحرازَ الوَديعةِ وحِفظَها (٢).
إذا لمْ يُعيِّنِ المالِكُ مَكانَ حِفظِ الوَديعةِ:
نصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُودِعَ إذا أودَعَ وَديعةً ولم يُعيِّنْ له مَكانًا للحِفظِ فإنَّ المُودَعَ يَحفظُها في حِرزِ مِثلِها -في أيِّ مَوضعٍ شاءَ، كدارِه ودُكانِه- كما تقدَّمَ؛ لأنَّ الإِطلاقَ يَقتضي حِرزَ المِثلِ.
стр. 7749
فإنْ وضَعَها في حِرزِ المِثلِ ثُم نقَلَها عنه إلى حِرزِ مِثلِها لمْ يَضمنْ، سَواءٌ نقَلَها إلى مِثلِ حِرزِها الأَولِ أو دُونَه؛ لأنَّ رَبَّها ردَّ حِفظَها إلى رَأيِه واجتِهادِه، وأذِنَ له في إِحرازِها بما شاءَ مِنْ إِحرازِ مِثلِها، ولهذا لو تَركَها في هذا الثانِي أولًا لمْ يَضمنْها، فكذلك إذا نقَلَها إليه.
وإنْ نقَلَها إلى حِرزٍ دُونَ حِرزِ مِثلِها ضمِنَها؛ لأنَّ إِطلاقَ الإِيداعِ يَقتضي حِرزَ مِثلِها، فإنْ ترَكَها فيما هو دُونَه صارَ مُتعدِّيًا فضمِنَ.
وإنْ وضَعَها في حِرزٍ فوقَ حِرزِ مِثلِها لمْ يَضمنْ؛ لأنَّ مَنْ رضِيَ بحِرزِ المِثلِ رضِيَ بما فوقَه، إلا أنْ يَنهاه رَبُّها (١).
وقيَّدَ المالِكيةُ جَوازَ النَّقلِ إذا احتاجَ إليه، فإنْ لمْ تَحتجْ إلى النَّقلِ أو كانَت تَحتاجُ فنقَلَها نقَلَ غيرَ مِثلِها فتلِفَت في أَثناءِ النَّقلِ ضمِنَها (٢).
نَقلُ الوَديعةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن كانَت عندَه وَديعةٌ وقالَ له المالِكُ: احفَظْها في هذا البَيتِ أو هذا المَكانِ ولمْ يَنهَه عن غيرِه، ثُم نقَلَها المُودَعُ إلى بَيتٍ أو مَكانٍ آخرَ غيرِ الذي عيَّنَه المالِكُ، هل يَضمنُ أم لا؟
стр. 7750
هذا لا يَخلوُ مِنْ خَمسِ حالاتٍ:
الحالَةُ الأُولى: أنْ يَنقلَها إلى حِرزٍ أَقلَّ مِنْ الحِرزِ الذي عيَّنَه المالكُ:
إذا عيَّنَ له المالِكُ حِرزًا فنقَلَها المُودَعُ إلى حِرزٍ أَقلَّ مِنْ الحِرزِ الذي عيَّنَه المالِكُ فتلِفَت أو سُرقَت ضمِنَ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأَربعةِ؛ لأنَّ مَنْ رضِيَ حِرزًا لمْ يَرضَ بما دُونَه؛ لأنَّه عرَّضَها للتَّلفِ، وسَواءٌ تلِفَت بسَببِ النَّقلِ أم لا، إلا أنْ تَكونَ هناك ضَرورةٌ كحَريقٍ أو غيرِه فلا ضَمانَ عليه إنْ لمْ يَستطعْ أنْ يُحرزَها في حِرزِ مِثلِها.
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ربُّ الوَديعةِ إذا أمَرَ المُستودَعَ بحِفظِها في مَكانٍ عيَّنَه فحفِظَ فيه ولمْ يَخشَ عليها فلا ضَمانَ عليه بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه مُمتثِلٌ لأَمرِه غيرُ مُفرِّطٍ في مالِه.
وإنْ خافَ عليها سَيلًا وتوًى -يَعني هَلاكًا- فأخرَجَها منه إلى حِرزِها فتلِفَت فلا ضَمانَ عليه بغيرِ خِلافٍ أَيضًا؛ لأنَّ نَقلَها في هذه الحالِ تعيَّنَ حِفظًا لها، وهو مَأمورٌ بحِفظِها.
وإنْ ترَكَها معَ الخَوفِ فتلِفَت ضمِنَها سَواءٌ تلِفَت بالأَمرِ المَخوفِ أو بغيرِه؛ لأنَّه فرَّطَ في حِفظِها؛ لأنَّ حِفظَها نَقلُها، وتَركُها تَضييعٌ لها.
وإنْ لمْ يَخفْ عليها فنقَلَها عن الحِرزِ إلى دُونِه ضمِنَها؛ لأنَّه خالَفَه في الحِفظِ المَأمورِ به.
стр. 7751
وإنْ نقَلَها إلى دُونِه عندَ الخَوفِ عليها نظَرْنا، فإنْ أمكَنَه إِحرازُها بمِثلِه أو أَعلى منه ضمِنَها أَيضًا لتَفريطِه، وإنْ لمْ يُمكنْه إِحرازُها إلا بما دُونَه لمْ يَضمنْها؛ لأنَّ إِحرازَها بذلك أَحفظُ لها مِنْ تَركِه وليسَ في وُسعِه سِواه (١).
الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ يَنقلَها إلى حِرزِ مِثلِ الذي عيَّنَه المالِكُ:
ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ إلى أنَّ المالِكَ إذا عيَّنَ مَكانًا لحِفظِ الوَديعةِ فنقَلَها المُودَعُ إلى حِرزِ مِثلِ الحِرزِ الذي عيَّنَه المالِكُ فتلِفَت بعدَ ذلك أو سُرقَت أنَّه لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ تَعيينَ الحِرزِ يَقتضي الإِذنَ في مِثلِه، ولو كانَ النَّقلُ لغيرِ حاجةٍ أو ضَرورةٍ عندَ الجُمهورِ؛ لأنَّ تَعيينَ الحِرزِ إِذنٌ فيما هو مِثلُه، كمَن اكتَرى لزَرعِ حِنطةٍ فله زَرعُها وزَرعُ مِثلِها في الضَّررِ، فما فوقَه مِنْ بابِ أَولى.
قالَ ابنُ قُدامةَ: ويَحتملُ كَلامُ الخِرقيِّ لُزومَ الضَّمانِ؛ لأنَّ الأَمرَ بشيءٍ يَقتضي تَعيينَه، فلا يَعدلُ عنه إلا بدَليلٍ، وإنْ نقَلَها إلى أَحرزَ منه كانَ حُكمُه حُكمَ ما لو أخرَجَها إلى مِثلِه (٢).
الحالَةُ الثالِثةُ: أنْ يَنقلَها إلى حِرزٍ فوقَ الحِرزِ الذي عيَّنَه المالِكُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المالِكَ إذا عيَّنَ للمُودَعِ مَكانًا لحِفظِ الوَديعةِ ولمْ يَنهَه عن غيرُه فنقَلَها المُودَعُ إلى مَكانٍ أَحرزَ مِنْ الذي عيَّنَه المالِكُ ثُم تلِفَت
стр. 7752
بعدَ ذلك أو سُرقَت أنَّه لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ مَنْ رضِيَ بحِرزٍ رضِيَ بمِثلِه وبأَعلى منه بالأَولى، وسَواءٌ كانَ ذلك لضَرورةٍ أو لغيرِ ضَرورةٍ (١).
وهذا التَّفصيلُ السابِقُ فيما إذا لمْ يَنقلْها إلى بَلدٍ آخرَ، فأما إذا نقَلَها على بلدٍ آخرَ ففيه تَفصيلٌ بَيانُه في الحالَةِ الرابعَةِ.
الحالَةُ الرابِعةُ: أنْ يَنقلَها مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ:
نصَّ المالِكيةُ والشافِعيةُ على أنَّ المُودِعَ إذا عيَّنَ مَكانًا لحِفظِ الوَديعةِ فنقَلَها المُودَعُ إلى بَلدٍ آخرَ لغيرِ عُذرٍ فتلِفَت أنَّه ضامِنٌ لها.
قالَ ابنُ جُزيٍّ المالِكيِّ ﵀: نَقلُ الوَديعةِ: فإنْ نقَلَها مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ ضمِنَ بخِلافِ نَقلِها مِنْ مَنزلٍ إلى مَنزلٍ (٢).
وقالَ القَرافِيُّ ﵀: وأما نَقلُ الوَديعةِ مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ فليسَ فيه إِذنُ المالِكِ ولا غيرُه، فلا جرَمَ ضمِنَ (٣).
стр. 7753
وقالَ الإِمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولو استَودعَه إيَّاها في قَريةٍ آهِلةٍ فانتَقلَ إلى قَريةٍ غيرِ آهلةٍ أو في عُمرانٍ مِنْ القَريةِ فانتَقلَ إلى خَرابٍ مِنْ القَريةِ وهلَكَت ضمِنَ في الحالَينِ.
ولو استَودعَه إيَّاها في خَرابٍ فانتَقلَ إلى عِمارةٍ أو في خَوفٍ فانتَقلَ إلى مَوضعٍ آمنٍ لمْ يَكنْ ضامِنًا؛ لأنَّه زادَه خَيرًا (١).
أما الحَنفيةُ فقالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ ﵀: لو قالَ له احفَظِ الوَديعةَ في دارِكَ هذه فحفِظَها في دارٍ له أُخرى، فإنْ كانَت الدارانِ في الحِرزِ سَواءً أو كانَت الثَّانيةُ أَحرزَ لا تَدخلُ في ضَمانِه؛ لأنَّ التَّقييدَ غيرُ مُفيدٍ، وإنْ كانَت الأُولى أَحرزَ مِنْ الثَّانيةِ دخَلَت في ضَمانِه؛ لأنَّ التَّقييدَ به عندَ تَفاوتِ الحِرزِ مُفيدٌ.
وكذلك لو أَمرَه أنْ يَضعَها في دارِه في هذه القَريةِ ونَهاه عن أنْ يَضعَها في دارِه في قَريةٍ أُخرى فهو على هذا التَّفصيلِ (٢)، أي إنْ كانَت مِثلَها في الحِرزِ أو أَحرزَ فلا ضَمانَ عليه، وإنْ كانَت أَقلَّ في الحِرزِ ضمِنَ.
وقالَ الإِمامُ الماوردِيُّ ﵀: وجُملةُ ذلك أنَّ له في نَقلِها مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ، والثانِي: مِنْ دارٍ إلى دارٍ، والثَّالثُ: مِنْ بَيتٍ إلى بَيتٍ، والرَّابعُ: مِنْ صُندوقٍ إلى صُندوقٍ.
стр. 7754
فعندَنا يَضمنُ إذا نقَلَها في هذه الأَحوالِ الأَربعةِ معَ التَّعيينِ، وعندَ أَبي حَنيفةَ يَضمنُ في حالتَينِ في البَلدِ والدَّارِ، ولا يَضمنُ في حالتَينِ في البَيتِ والصُّندوقِ (١).
الحالَةُ الخامِسةُ: أنْ يُعيِّنَ ربُّ الوَديعةِ مَكانَ حِفظِها ويَنهاه عن نَقلِها إلى مَوضعٍ آخرَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عيَّنَ ربُّ الوَديعةِ مَكانًا لحِفظِها عندَ المُودَعِ، ونَهاه عن نَقلِها إلى مَوضعٍ آخرَ، هل يَجوزُ له نَقلُها أم لا؟
هذا لا يَخلو مِنْ أَحدِ احتِمالَينِ:
الاحتِمالُ الأَولُ: ألَّا يُوجدَ عُذرٌ لنَقلِها:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ ربَّ الوَديعةِ إذا عيَّنَ مَكانَ حِفظِها وقالَ للمُودَعِ: لا تُخرِجها مِنْ مَكانِها، فأخرَجَها إلى مَكانٍ أَقلَّ حِرزًا منها لغَيرِ عُذرٍ فإنَّه ضامِنٌ لها؛ لأنَّه لمْ يَرضَ بدونِ ذلك البَيتِ، ولمُخالفتِه لربِّها.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو عيَّنَ ربُّ الوَديعةِ مَكانَ حِفظِ الوَديعةِ ونَهاه عن إِخراجِها منه، فأخرَجَها المُودَعُ لغَيرِ عُذرٍ لمِثلِ الحِرزِ الأَولِ أو لمَا هو أَعلى منه، هل يَضمنُ أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إنْ نَهاه عن إِخراجِها مِنْ المَكانِ الذي عيَّنَه له فأخرَجَها لغيرِ عُذرٍ إلى مِثلِ
стр. 7755
حِرزِها أو لمَا هو أَحرزُ أنَّه ضامِنٌ لها؛ لأنَّه خالَفَ أَمرَ صاحِبِها بلا مَصلحةٍ فيه فيَضمنُ، فلا يَجوزُ تَفويتُ غَرضِ ربِّ الوَديعةِ مِنْ تَعيينِه لغيرِ ضَرورةٍ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ وأَبو سَعيدٍ الإِصطخريُّ مِنْ الشافِعيةِ إلى أنَّ ربَّ الوَديعةِ لو نَهاه عن إِخراجِها مِنْ المَكانِ الذي عيَّنَه له فنقَلَها إلى مَكانٍ مُساوٍ له في الحِرزِ أو أَعلى منه فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه نقَلَها إلى مِثلِ الحِرزِ المُعيَّنَ أو إلى ما هو أَحرزُ منه، فهو كما لو نَهاه عن النَّقلِ، أما عن نَقلِها إلى حِرزٍ أَقلَّ منه فيَضمنُ بلا خِلافٍ (٢).
الاحتِمالُ الثانِي: أنْ يَكونَ هناك عُذرٌ مِنْ تَلفٍ أو غيرِه فيَضطرُّ إلى نَقلِها:
نصَّ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ ربَّ الوَديعةِ إذا عيَّنَ للمُودَعِ مَكانَ حِفظِ الوَديعةِ ونَهاه عن إِخراجِها منه فخشِيَ المُودَعُ عليها التَّلفَ بسَببِ
стр. 7756
حَريقٍ أو شَيءٍ الغالِبُ منه التَّلفُ لزِمَه نَقلُها، فإنْ لمْ يَنقلْها في هذه الحالَةِ وترَكَها في الحِرزِ الذي عيَّنَه ربُّها ونَهاه عن إِخراجِها منه حتى تلِفَت لزِمَه الضَّمانُ، سَواءٌ تلِفَت بالأَمرِ المَخوفِ منه أو غيرِه؛ لأنَّه مُفرِّط به (١).
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ربُّ الوَديعةِ إذا أمَرَ المُستودَعَ بحِفظِها في مَكانٍ عيَّنَه فحفِظَ فيه ولمْ يَخشَ عليها فلا ضَمانَ عليه بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه مُمتثِلٌ لأَمرِه غيرُ مُفرِّط في مالِه.
وإنْ خافَ عليها سَيلًا وتوًى -يَعني هلاكًا- فأخرَجَها منه إلى حِرزِها فتلِفَت فلا ضَمانَ عليه بغيرِ خِلافٍ أَيضًا؛ لأنَّ نَقلَها في هذه الحالِ تعيَّنَ حِفظًا لها، وهو مَأمورٌ بحِفظِها.
وإنْ ترَكَها معَ الخَوفِ فتلِفَت ضمِنَها، سَواءٌ تلِفَت بالأَمرِ المَخوفِ أو بغيرِه؛ لأنَّه فرَّطَ في حِفظِها؛ لأنَّ حِفظَها نَقلُها وتَركُها تَضييعٌ لها.
وإنْ لمْ يَخفْ عليها فنقَلَها عن الحِرزِ إلى دونِه ضمِنَها؛ لأنَّه خالَفَه في الحِفظِ المَأمورِ به.
стр. 7757
وإنْ نقَلَها إلى دونِه عندَ الخَوفِ عليها نظَرْنا، فإنْ أمكَنَه إِحرازُها بمِثلِه أو أَعلى منه ضمِنَها أيضًا لتَفريطِه، وإنْ لمْ يُمكنْه إِحرازُها إلا بما دونَه لمْ يَضمنْها؛ لأنَّ إِحرازَها بذلك أَحفظُ لها مِنْ تَركِه، وليسَ في وُسعِه سِواه (١).
ولو قالَ له ربُّها: «لا تُخرِجْها مِنْ ذلك الحِرزِ وإنْ خِفْت عليها الهَلاكَ» جازَ له أنْ يُخرجَها في هذه الحالَةِ لأنَّه مَوضعُ عُذرٍ، فلا يَضمنُ بالنَّقلِ؛ لأنَّه زيادةُ خَيرٍ وحِفظٍ فلمْ يَضمنْ به، كما لو قالَ له: «أَتلِفْها» فلمْ يُتلفْها حتى تلِفَت.
إلا أنَّهم اختلَفُوا فيما إذا لمْ يَنقلْها المُودَعُ في هذه الحالِةِ فتلِفَت، هل يَضمنُها أم لا؟ في ذلك وَجهانِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ.
أَحدُهما وهو الصَّحيحُ عندَهما: أنَّه لا يَضمنُ؛ لأنَّه مُمتثلٌ أَمرَ ربِّها فيما فعلَ؛ لأنَّ نَهيَه معَ خَوفِ الهَلاكِ نصٌّ فيه وتَصريحٌ به، فيَكونُ مَأذونًا في تَركِها في تلك الحالِ، فلمْ يَضمنْها لامتِثالِه أَمرَ صاحبِها، كما لو قالَ له: «أَتلِفْها» فأتلَفَها.
والثانِي: يَضمنُ؛ لأنَّه غرَّرَ بها حيثُ ترَكَ نَقلَها معَ الخَوفِ عليها؛ لأنَّ نَهيَ صاحبِها عن إِخراجِها إنما كانَ لحِفظِها، وحِفظُها هنا في إِخراجِها، فأشبَهَ ما لو لمْ يَنهَه عن إِخراجِها (٢).
стр. 7758
ومَذهبُ الحَنفيةِ في هذا أنَّه يَتعيَّنُ عليه نَقلُها إذا خافَ عليها التَّلفَ.
قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأما بَيانُ ما يُغيِّرُ حالَ المَعقودِ عليه مِنْ الأَمانةِ إلى الضَّمانِ فأَنواعٌ:
منها: تَركُ الحِفظِ؛ لأنَّه بالعَقدِ التزَمَ حِفظَ الوَديعةِ على وَجهٍ لو ترَكَ حِفظَها حتى هلَكَت يَضمنُ بَدلَها، وذلك بطَريقِ الكَفالةِ، ولهذا لو رَأى إِنسانًا يَسرقُ الوَديعةَ وهو قادِرٌ على مَنعِه ضمِنَ لتَركِ الحِفظِ المُلتزَمِ بالعَقدِ، وهو مَعنى قَولِ مَشايخِنا: «إنَّ المُودَعَ يُؤخَذُ بضَمانِ العَقدِ» (١).
وقالَ أَبو مُحمَّدِ بنِ غانِمٍ بنِ مُحمَّدٍ البَغدادِيُّ الحَنفيُّ ﵀: أُحرقَ بَيتُ المُودَعِ فلمْ يَنقلِ الوَديعةَ إلى مَكانٍ آخرَ معَ إِمكانِه يَضمنُ إذا تمكَّنَ مِنْ حِفظِها بنَقلِها إلى مَكانٍ آخرَ (٢).
стр. 7759
السَّفرُ بالوَديعةِ:
المُودِعُ إذا أودَعَ وَديعةً عندَ إِنسانٍ ثُم أرادَ السَّفرَ بها فهذا لا يَخلو حالُه مِنْ أَربعةِ أَحوالٍ:
الحالَةُ الأُولى: أنْ يَأذنَ له المُودِعُ في السَّفرِ بالوَديعةِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ المُودِعَ إذا أذِنَ للمُودَعِ بالسَّفرِ بالوَديعةِ أنَّه يَجوزُ له السَّفرُ بها، وإذا تلِفَت بسَببِ السَّفرِ فلا ضَمانَ عليه.
الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ يَمنعَه المُودِعُ مِنْ السَّفرِ بالوَديعةِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ المُودِعَ إذا نَهى المُودَعَ أنْ يُسافرَ بالوَديعةِ فسافَرَ بها مِنْ غيرِ عُذرٍ ضمِنَها؛ لأنَّه مُخالفٌ لصاحِبِها؛ لأنَّ التَّقييدَ مُفيدٌ؛ لأنَّ الحِفظَ في المِصرِ أَبلغُ، إلا أنْ يَضطرَّ إلى السَّفرِ بها كجَلاءِ أَهلِ البَلدِ أو هُجومِ عَدوٍ أو حَرقٍ أو غَرقٍ، أو أنْ يَقصدَ السُّلطانُ أَخذَها، فلا ضَمانَ عليه إذا سافَرَ بها ولمْ يَجدْ مَنْ يَأمنُه عليها مِنْ ذلك عندَه وتلِفَت؛ لأنَّه مَوضِعُ حاجَةٍ، ولأنَّه لا يَتمكَّنُ مِنْ شَيءٍ غيرِ ذلك.
فإنْ ترَكَها إِذنْ وتلِفَت في هذه الحالَةِ ولمْ يُسافِرْ بها فالأَصحُّ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ أنَّه يَضمنُ حيثُ ترَكَ الأَصلحَ؛ لأنَّه يُعتبَرُ مُضيِّعًا لها.
قالَ الحَنابِلةُ: فإنْ هجَمَ قُطّاعُ الطَّريقِ عليه فأَلقى المَتاعَ المُودَعَ إِخفاءً له وضاعَ فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ هذا عادَةُ الناسِ في حِفظِ أَموالِهم (١).
стр. 7760
وقالَ الشافِعيةُ: إنْ حدَثَ له في الطَّريقِ خَوفٌ أقامَ بها، فإنْ هجَمَ عليه قُطاعُ الطَّريقِ فطرَحَها بمَضيعةٍ ليَحفظَها فضاعَت ضمِنَ، وكذا إنْ دفَنَها خَوفًا منهم عندَ إِقبالِهم ثُم أضَلَّ مَوضعَها (١).
الحالَةُ الثالِثةُ: أنْ يُودعَها عندَه ولمْ يَأذنْ له ولمْ يَنهَه، ويُسافرُ المُودَعُ بها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُودَعِ إذا كانَت عندَه وَديعةٌ وأَرادَ السَّفرَ، هل يَجوزُ له أنْ يُسافرَ بالوَديعةِ أم لا؟
فهذا لا يَخلو مِنْ حالتَينِ:
الأُولى: أنْ يَكونَ الطَّريقُ مَخوفًا أو البَلدُ الذي سيَذهبُ إليه غيرُ آمنٍ، فهذا باتِّفاقِ العُلماءِ أنَّه لا يَجوزُ له السَّفرُ بالوَديعةِ؛ لأنَّه يُعرِّضُها للخَطرِ (٢).
الثانيةُ: أنْ يَكونَ الطَّريقُ آمنًا لا يُقصدُ فيه أَحدٌ بسوءٍ غالبًا، ولو قصَدَه يُمكنُه الدَّفعُ بنَفسِه أو برُفقتِه، ويَكونُ البَلدُ الذي يُسافرُ إليه آمنًا، فهذا قد اختَلفَ الفُقهاءُ فيه، هل يَجوزُ له في هذه الحالَةِ أنْ يُسافرَ بالوَديعةِ أم لا؟
стр. 7761
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ على الصَّحيحِ عندَهم إلى أنَّه يَجوزُ له أنْ يُسافرَ بالوَديعةِ إذا لمْ يَكنْ لها حَملٌ ومُؤنةٌ؛ لأنَّ الذي عليه في الوَديعةِ حِفظَها، فإذا حفِظَها في أيِّ مَكانٍ كانَ مَنْ حَضرٍ أو سَفرٍ كانَ مُؤدِّيًا لحقِّ الأَمانةِ فيها، ولهذا يَملكُه الأبُ والوَصيُّ في مالِ الصَّبيِّ، ولأنَّه لمَّا جازَ أنْ يَحفظَها في أيِّ مَوضعٍ شاءَ مِنْ البَلدِ إذا كانَ مَأمونًا كانَ له ذلك في غيرِ البَلدِ إذا كانَ مَأمونًا، ولأنَّه نَقلَها إلى مَوضعٍ مَأمونٍ فلمْ يَضمنْها كما لو نقَلَها في البَلدِ.
ولأنَّ الإِنسانَ لا يَلتزمُ الوَديعةَ ليَتركَ أَشغالَه، والسَّفرُ مِنْ أَشغالِه، فلا تَمنعُه الوَديعةُ مِنْ ذلك.
وهذا فيما لا حَملَ له ولا مُؤنةَ، وأما إذا كانَت الوَديعةُ تَحتاجُ إلى حَملٍ ومُؤنةٍ فاختلَفُوا فيها، فأَبو حَنيفةَ والحَنابِلةُ لا يُفرِّقونَ بينَ ما له حَملٌ ومُؤنةٌ وبينَ ما لا حَملَ له ولا مُؤنةَ.
وقالَ أَبو يُوسفَ: إنْ كانَت لها حَملٌ ومُؤنةٌ جازَ له السَّفرُ بها إذا كانَ السَّفرُ قَصيرًا، وإنْ كانَ طَويلًا لا يَجوزُ.
وقالَ مُحمدٌ: ليسَ له السَّفرُ بها فيما له حَملٌ ومُؤنةٌ؛ إذ الظاهِرُ مِنْ حالِ صاحِبِها أنَّه لا يَرضى بها، وصارَ كالوَكيلِ بالبَيعِ ليسَ له السَّفرُ بالمَبيعِ، وإنْ سافَرَ ضمِنَ.
والذي له حَملٌ ومُؤنةٌ هو ما كانَ يَحتاجُ في حَملِه إلى ظَهرٍ، أو أُجرةِ حَمالٍ (١).
стр. 7762
وهذا في حالَةِ ما إذا لمْ يَجدْ صاحِبَها حاضِرًا في البَلدِ أو مَنْ يَحفظُ مالَه أو نائِبَه في قَبضِها فأما إنْ كانَ صاحِبُها مَوجودًا في البَلدِ أو مَنْ يَحفظُ مالَه أو نائِبَه مَوجودًا وسافَرَ بها في هذه الحالَةِ فاختَلفَ الحَنابِلةُ في هذا على قَولَينِ:
الأَولُ وهو المَذهبُ (وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ): أنَّه لا ضَمانَ عليه والحالَةُ هذه -أي وربُّها حاضِرٌ- إنْ لمْ يَخفِ المُستودَعُ عليها أو كانَ السَّفرُ أَحفظَ لها مِنْ إِبقائِها ولمْ يَنهَه ربُّ الوَديعةِ عن السَّفرِ بها والغالِبُ السَّلامةُ فعلى هذا لا يَضمنُها إنْ تلِفَت معَه، سَواءٌ كانَ به ضَرورةٌ إلى السَّفرِ أو لا؛ لأنَّه نقَلَها إلى مَوضعٍ مَأمونٍ فلمْ يَضمنْها، كما لو نقَلَها في البَلدِ وكأبٍ ووَصيٍ، وإلا بأنْ كانَ السَّفرُ ليسَ أَحفظَ، ولو استوى الأَمرانِ فلا يُسافرُ بها، فإن فعَلَ ضمِنَ.
والثاني ورجَّحَه ابنُ قُدامةَ والمِرداويُّ وغيرُهم: أنَّه إنْ سافَرَ بها معَ القُدرةِ على مالِكِها أو نائِبِه بغيرِ إِذنِه فهو مُفرِّطٌ وعليه الضَّمانُ؛ لأنَّه يُفوِّتُ على صاحِبِها إِمكانَ استِرجاعِها ويُخاطرُ بها (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ المُودَعَ إذا سافَرَ بالوَديعةِ وهو قادِرٌ على إِيداعِها عندَ أَمينٍ فهلَكَت ضمِنَها، إلا أنْ تُردَّ سالِمةً إلى مَحلِّها الذي كانَت
стр. 7763
فيه ثم تَتلفُ بعدَ ذلك فإنَّه لا ضَمانَ عليه حينَئذٍ لعَدمِ سَببِ الضَّمانِ، والقَولُ قَولُه إنَّه ردَّها سالِمةً إلى مَحلِّها.
وإذا لمْ يَقدرْ على أَمينٍ وخافَ عليها إنْ تُركَت فإنَّه لا ضَمانَ عليه إذا صحِبَها معَه فتلِفَت، ولا فَرقَ في السَّفرِ بينَ سَفرِ النَّقلةِ بالأَهلِ أو سَفرِ التِّجارةِ أو سَفرِ الزِّيارةِ.
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: قُلت: فلو أنَّ رَجلًا استَودَعني وَديعةً فحضَرَ مَسيرِي إلى بعضِ البُلدانِ فخِفْت عليها فحملْتُها معي فضاعَت أأَضمنُ في قَولِ مالكٍ؟
قالَ: نعم. قُلت: وكيفَ أَصنعُ بها؟ قالَ: تَستودعُها في قَولِ مالكٍ ولا تُعرِّضُها للتَّلفِ (١).
واستَدلُّوا على عَدمِ جَوازِ السَّفرِ بالوَديعةِ بما قالَه القاضِي عبدُ الوَهابِ بأنَّ السَّفرَ لا يَحفظُ الوَديعةَ إذا أودِعَتْ في البَلدِ فضمِنَها كما لو ترَكَها بمَوضعِ خَرابٍ لمْ تَجرِ العادَةُ بأنْ يُحفظَ في مِثلِه، ولأنَّ ربَّها إنما أذِنَ له في حِفظِها في البَلدِ، ولمْ يَأذنْ له في إِخراجِها عنه، كما لو أذِنَ له في حِفظِها تحتَ يدِه ولمْ يَأذنْ له في إِيداعِها لغيرِه، فلما كانَ متى أودَعَها لغيرِه ضمِنَ بتَعدِّيه بخُروجِه في حِفظِها على الوَجهِ المَأذونِ له فيه فكذلك إذا سافَرَ بها.
فإذا أرادَ السَّفرَ فله إِيداعُها عندَ ثِقةٍ مَرضيٍّ مِنْ أَهلِ البَلدِ، ولا ضَمانَ عليه، قدَرَ على الحاكِمِ أو لمْ يَقدرْ عليه، واختَلفَ أَصحابُ الشَّافعيِّ،
стр. 7764
فمنهم مَنْ يَقولُ إنْ أودَعَها لغيرِ الحاكمِ ضمِنَ، فدَليلُنا أنَّه أودَعَها مِنْ الحاجةِ لثَقةٍ مَرضيٍّ فأشبَهَ إِيداعَها عندَ الحاكِمِ، ولأنَّه أَحدُ سَببَيْ حِفظِها فكانَ مُوكلًا إلى اجتِهادِه، كالحِرزِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ المُودَعَ إذا أرادَ سَفرًا -ولو قَصيرًا- وقد أخَذَ الوَديعةَ حَضرًا فيَجبُ عليه أنْ يَردَّها إلى المالِكِ أو وَكيلِه؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامِه، سَواءٌ كانَ وَكيلًا خاصًّا في استِردادِها أو في عامةِ أَشغالِه ليَخرجَ مِنْ العُهدةِ، فإنْ دفَعَ لغيرِه ضمِنَ في الأَجنبيِّ ولو عَدلًا قطعًا، وفي القاضِي على الأَصحِّ؛ لأنَّه لا وِلايةَ للحاكِمِ عليه.
فإنْ فُقدَ المالِكُ أو وَكيلُه لغَيبةٍ أو حَبسٍ أو تَوارٍ ولمْ يَتمكنْ مِنْ الوُصولِ إليهما فيَردُّها إلى الحاكِمِ إذا كانَ ثِقةً مَأمونًا؛ لأنَّه نائِبُ الغائِبِ ويَلزمُه القَبولُ والإِشهادُ على نَفسِه بقَبضِها، ولو أمَرَه القاضِي بدَفعِها إلى أَمينٍ جازَ.
فإنْ فُقدَ الحاكِمُ بأنْ لمْ يَكنْ في البَلدِ حاكِمٌ أو كانَ الحاكِمُ غيرَ أَمينٍ فيَدفعُها إلى أَمين يَأتمنُه عليها لئلَّا يَتضررَ بتَأخيرِ السَّفرِ؛ لمَا رُويَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَت عندَه وَدائعُ بمَكةَ، فلمَّا أرادَ الهِجرةَ أودَعَها أمَّ أَيمنَ،
стр. 7765
وخلَّفَ عليًّا ﵁ ليَردَّها»، ويَجبُ عليه الإِشهادُ في أَصحِّ الوَجهينِ؛ لأنَّ الأَمينَ قد يُنكرُ.
فإنْ دفَعَها إلى الحاكِمِ أو الأَمينِ معَ قُدرتِه على المالِكِ أو وَكيلِه ضمِنَها؛ لعُدولِه عن الواجِبِ عليه، كما لو زوَّجَ الحاكِمُ المَرأةَ معَ وُجودِ وَليِّها.
وكذا إذا دفَعَها إلى أَمينٍ معَ وُجودِ الحاكِمِ الثِّقةِ ضمِنَ في الأَصحِّ؛ لأنَّ عَدالةَ الحاكِمِ مُتفقٌ عليها.
والثانِي: لا يَضمنُ إذا دفَعَها إلى أَمينٍ معَ وُجودِ الحاكِمِ؛ لأنَّه مَعذورٌ أودَعَ أَمينًا، فأشبَهَ ما إذا لمْ يَجدِ المالِكَ ولا وَكيلَه ولا الحاكِمَ فدفَعَ إلى أَمينٍ، فإنَّه لا يَضمنُ.
فإذا خالَفَ وسافَرَ بها فإنْ لمْ يَكنْ به ضَرورةٌ إلى السَّفرِ ضمِنَها، سَواءٌ كانَ السَّفرُ طَويلًا أم قَصيرًا، وسَواءٌ كانَ الطَّريقُ آمنًا أو مَخوفًا؛ لأنَّ أَمنَ السَّفرِ غَيرُ مَوثوقٍ به، فقد يَحدثُ الخَوفُ في الطَّريقِ، ولأنَّ في السَّفرِ بالوَديعةِ معَ التَّغريرِ بها إِحالةً بينها وبينَ مالِكِها بإِبعادِها عنه، وهذا عُدوانٌ، ولأنَّ العُرفَ في حِفظِ الوَدائعِ وإِحرازِها جارٍ في الأَمصارِ دونَ الأَسفارِ، فكانَ الخُروجُ عن العُرفِ فيها عُدوانًا.
وإنْ دعَتْه إلى السَّفرِ ضَرورةٌ بأنْ هجَمَ على البَلدِ فِتنةٌ، أو حَريقٌ، أو غَرقٌ، ولمْ يَجدْ مَنْ يَأمنْ عليها مِنْ ذلك عندَه فله أنْ يُسافرَ بها، ولا يَضمنُ وإنْ كانَ الطَّريقُ مَخوفًا؛ لأنَّ هذا مَوضعُ ضَرورةٍ؛ لأنَّه لا يَتمكنُ مِنْ شيءٍ غيرِ ذلك.
стр. 7766
ومِثلُ ذلك لو عزَمَ على السَّفرِ في وَقتٍ عجَزَ فيه عن المالِكِ والوَكيلِ والحاكِمِ فسافَرَ بها، فالأَصحُّ أنَّه لا ضَمانَ؛ لئلَّا يَنقطعَ عن مَصالحِه ويَنفرَّ الناسُ عن قَبولِ الوَدائعِ.
وإنْ حدَثَ له في الطَّريقِ خَوفٌ أَقامَ بها، فإنْ هجَمَ عليه قُطاعُ الطَّريقِ فطرَحَها بمَضيعةٍ ليَحفظَها فضاعَت ضمِنَ، وكذا إنْ دفَنَها خَوفًا منهم عندَ إِقبالِهم ثُم أضَلَّ مَوضعَها (١).
الحالَةُ الرَّابعةُ: أنْ يُودعَه في السَّفرِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُودِعَ إذا أودَعَ وَديعةً في السَّفرِ فللمُودَعِ أنْ يُسافِرَ بها؛ لأنَّ الإِيداعَ في السَّفرِ يَقتضي السَّفرَ بها، فإنْ سافَرَ بها وتلِفَت بالسَّفرِ فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ إِيداعَ المالِكِ له في هذه الحالَةِ يَقتضي الإِذنَ في السَّفرِ.
قالَ الحَنابِلةُ: فإنْ هجَمَ قُطاعُ الطَّريقِ عليه فأَلقى المَتاعَ المُودَعَ إِخفاءً له وضاعَ فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ هذا عادَةُ النَّاسِ في حِفظِ أَموالِهم (٢).
стр. 7767
التَّصرفُ في الوَديعةِ ببَيعٍ أو إِجارةٍ أو إِعارةٍ:
التَّصرفُ في الوَديعةِ هو كلُّ عَقدٍ يُنشئُه المُودَعُ ويَكونُ مَحلُّه الوَديعةُ التي عندَه، مثلُ أنْ يَبيعَ الوَديعةَ أو يُؤجرَها أو يُقرضَها أو يُعيرَها أو يَرهنَها، ونحوُ ذلك مما يُعدُّ تَصرفًا.
وهذا التَّصرُّفُ مِنْ المُودَعِ لا يَخلو مِنْ حالتَينِ:
الحالَةُ الأُولى: أنْ يَكونَ بإِذنٍ مِنْ ربِّ الوَديعةِ: فيَصحُّ باتِّفاقٍ، ويَكونُ المُودَعُ في هذه الحالَةِ وَكيلًا عن ربِّ الوَديعةِ، وتَجري عليه أَحكامُ الوِكالةِ، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه وَكيلُ ربِّ الوَديعةِ ونائِبُه في التَّصرفِ المَأذونِ له فيه شَرعًا.
الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ يَتصرَّفَ فيها ببَيعٍ أو إِجارةٍ أو غَيرِها بغَيرِ إِذنِ ربِّ الوَديعةِ، فهو في هذه الحالَةِ مُتعدٍّ وضامِنٌ لها.
قالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: الوَديعةُ لا تُودَعُ ولا تُعارُ ولا تُؤاجرُ ولا تُرهنُ، فإنْ فعَلَ شَيئًا منها ضمِنَ (١).
قالَ الحَنفيةُ: وإنما لمْ يَكنْ للمُودَعِ أنْ يُؤجرَها لأنَّ الإِجارةَ عَقدٌ لازمٌ، والإِيداعُ عَقدٌ جائِزٌ، فإذا كانَ المُستودَعُ مالِكًا الإِجارةَ فإما أنْ يَحصلَ لُزومُ ما لا يَلزمُ -أي أنَّ ذلك يُوجبُ لُزومَ عَقدِ الوَديعةِ معَ كَونِها غيرَ
стр. 7768
لازمةٍ- أو عَدمُ لُزومٍ، يَعني أنْ تَصيرَ الإِجارةُ غيرَ لازمةٍ معَ أنَّها لازمةٌ، بِناءً عليه فليسَ للمُستودَعِ أنْ يُؤجرَ الوَديعةَ بلا إِذنٍ لأَجلِ مَنافعِ نَفسِه، وليسَ له أنْ يُؤجرَها لأَجلِ المُودِعِ أيضًا، وليسَ له أنْ يُعيرَها؛ لأنَّ المُستودَعَ غيرُ مالِكٍ لمَنافعِ الوَديعةِ، وحيثُ إنَّ الإِعارةَ تَمليكُ المَنافعِ، فليسَ مِنْ المُمكنِ أنْ يَملكَ شَخصٌ شَيئًا لا يَملِكُه.
وليسَ له أنْ يَرهنَها عندَ آخرَ؛ لأنَّ الرَّهنَ إِيفاءٌ حُكمًا، وليسَ لشَخصٍ أنْ يَفيَ دَينَه بمالِ الغيرِ بلا أَمرِ صاحِبِه، وعليه فكما أنَّه ليسَ للمُستودَعِ أنْ يَرهنَ الوَديعةَ بلا إِذنٍ لأَجلِ دَينِ نَفسِه أو دَينِ شَخصٍ أَجنبيٍّ، فليسَ له أنْ يَرهنَها لأَجلِ دَينِ المُودِعِ أَيضًا بلا إِذنٍ؛ لأنَّ الرَّهنَ عَقدٌ لازمٌ، والوَديعةُ ليسَت عَقدًا لازمًا.
فإنِ استَعملَها بلا إِذنٍ أو أَجرَها أو أَعارَها أو رَهنَها وسلَّمَها، وهلَكَت الوَديعةُ أو ضاعَت أو نقَصَت قِيمتُها في أَثناءِ الاستِعمالِ بيدِ المُستودَعِ أو بيدِ المُستأجِرِ أو المُستعيرِ أو المُرتهِنِ -ولو بلا تَعدٍّ أو تَقصيرٍ- لزِمَ الضَّمانَ على المُستودَعِ؛ لأنَّ هذه الأَعمالَ نَظرًا لكَونِها تَصرفًا في مِلكِ الغيرِ بلا إِذنٍ مُوجِبةٌ للضَّمانِ (١).
والمالِكُ بالخِيارِ في هذه الحالِةِ، بينَ تَضمينِ الوَديعِ أو في تَضمينِ المُستأجِرِ أو المُستعيرِ أو المُرتَهنِ.
стр. 7769
جاءَ في المادَّةِ (٧١٢) مِنْ «مَجلَّة الأَحكامِ العَدليَّةِ»: ليسَ للمُستودَعِ أنْ يَتصرَّفَ في العَينِ المُودعَةِ عندَه بإِجارةٍ أو إِعارةٍ أو رَهنٍ بلا إِذنِ صاحِبِها، فإنْ فعَلَ ذلك وهلَكَت في يدِ المُستأجِرِ أو المُستعيرِ أو المُرتهِنِ فلمالِكِها الخِيارُ في تَضمينِ المُستودِعِ أو في تَضمينِ المُستأجِرِ أو المُستعيرِ أو المُرتَهنِ.
قالَ في «دُرر الحُكامِ شَرحِ مَجلَّةِ الأَحكامِ»: إذا أَجرَ المُستودَعُ الوَديعةَ بلا إِذنٍ لآخرَ وسلَّمَها فعندَ هَلاكِها بيدِ المُستأجرِ فالمُودَعُ مُخيَّرُ: إنْ شاءَ ضمَّنَها للمُستودَعِ بسَببِ أنَّه كالغاصِبِ وليسَ للمُستودَعِ في هذه الصُّورةِ أنْ يَرجعَ على المُستأجرِ إنْ كانَ هَلاكُها بيدِ المُستأجرِ حصَلَ بلا تَعدٍّ ولا تَقصيرٍ، وإنْ شاءَ ضمَّنَها للمُستأجِرِ بسَببِ أنَّه بحُكمِ غاصِبِ الغاصِبِ.
وإذا أَعارَ المُستودَعُ الوَديعةَ بلا إِذنٍ وهلَكَت بيدِ المُستعيرِ فالمُودِعُ مُخيَّرٌ، إنْ شاءَ ضمَّنَها للمُستودَعِ، وفي هذه الحالَةِ ليسَ للمُستودَعِ أنْ يَرجعَ على المُستعيرِ إذا كانَ هَلاكُها بلا تَعدٍّ ولا تَقصيرٍ لأنَّ المُستودَعَ مالِكٌ للمُستعارِ بسَببِ الضَّمانِ والمُستعارُ أَمانةٌ بيدِ المُستعيرِ، وإنْ شاءَ ضمَّنَها للمُستعيرِ وليسَ لهذا -والحالَةُ هذه- أنْ يَرجعَ على المُستودَعِ.
وإذا رهَنَ المُستودَعُ الوَديعةَ بلا إِذنٍ عندَ آخرَ ولمْ يُجزِ المُودِعُ الرَّهنَ فإنْ كانَت الوَديعةُ مَوجودةً فكما له أنْ يَستردَّها عَينًا مِنْ المُرتَهنِ يَكونُ المُودِعُ مُخيَّرًا إذا هلَكَت، إنْ شاءَ ضمَّنَها للمُستودَعِ وليسَ لهذا في تلك الحالَةِ أنْ يُضمِّنَ المُرتهنَ قِيمتَها بالِغًا ما بلَغَ، بل يَسقطُ الدَّينُ بتَقديرِ هَلاكِ
стр. 7770
الوَديعةِ بلا تَعدٍّ بيدِ المُرتهنِ، وإنْ شاءَ ضمَّنَها للمُرتهنِ، وإذا ضمَّنَها للمُرتهنِ يَرجعُ المُرتهنُ على المُستودَعِ.
إذا باعَ المُستودَعُ الوَديعةَ بلا إِذنٍ لآخرَ وهلَكَت بعدَ التَّسليمِ بيدِ المُشتَري فالمُودِعُ مُخيَّرُ، إنْ شاءَ ضمَّنَها للمُستودَعِ، فيَنفذُ البَيعُ في تلك الحالَةِ، وإنْ شاءَ ضمَّنَها للمُشتَري وهو يَرجعُ على المُستودَعِ.
إذا وهَبَ المُستودَعُ الوَديعةَ بلا إِذنٍ لآخرَ وسلَّمَها فهلَكَت بيدِ المَوهوبِ له فالمُودِعُ مُخيَّرٌ، إنْ شاءَ ضمَّنَ المُستودَعَ وليسَ للمُستودَعِ -والحالَةُ هذه- أنْ يَرجعَ على المَوهوبِ له، وإنْ شاءَ ضمَّنَ المَوهوبَ له وليسَ له أنْ يَرجعَ على المُستودَعِ (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو أجَّرَ العَينَ المُودعةَ لمَن تَكونُ الأُجرةُ؟، هل تَكونُ لربِّ الوَديعةِ أم للمُودَعِ؟ وكذلك لو باعَها فربِحَ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الأُجرةَ تَكونُ للمُودَعِ مُقابلَ ضَمانِه للوَديعةِ (٢).
قالَ الإِمامُ السَّرخسيُّ ﵀: ولو أَكرى الإِبلَ-أي المُودَعةَ- إلى مَكةَ وأخَذَ الكِراءَ كانَ الكِراءُ له؛ لأنَّه وجَبَ بعَقدِه، وليسَت الغَلةُ كالولَدِ ولا كالصُّوفِ واللَّبنِ، فإنَّ ذاك يَتولدُ مِنْ الأَصلِ فيُملكُ بمِلكِ الأَصلِ، وهذا غيرُ مُتولِّدٍ مِنْ الأَصلِ، بل هو واجبٌ بالعَقدِ فيَكونُ للعاقِدِ (٣).
стр. 7771
ويَنبَغي أنْ يَجريَ الخِلافُ السابِقُ في مَسألةِ إذا اتَّجرَ بمالِ الوَديعةِ فربِحَ، فعندَ أَبي يُوسفَ يَطيبُ للمُودَعِ، وعندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ هو للمُودَعِ لكنْ لا يَطيبُ له ويَجبُ عليه أنْ يَتصدَّقَ به، وقد تقَدمَت المَسألَةُ بالتَّفصيلِ وبأَقوالِ العُلماءِ فيها، وهو ما وجَدتُه مُصرَّحًا به في بَيعِ المُودَعِ للوَديعةِ، كما في «المُحيطِ البُرهانيِّ» للإِمامِ بُرهانِ الدِّينِ ابنِ مازةَ حيثُ قالَ: وأَصلُ المَسألةِ: المُودَعُ إذا باعَ الوَديعةَ وربِحَ ثُم ضمِنَ هل يَطيبُ له الرِّبحُ؟ فهو على هذا الاختِلافِ.
أي عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ لا يَطيبُ له الرِّبحُ؛ لأنَّ شَرطَ الطَّيبِ عندَهما المِلكُ والضَّمانُ، والضَّمانُ ههنا وإنْ كانَ واجبًا وَقتَ المُبادلةِ فالمِلكُ لمْ يَكنْ.
وعندَ أَبي يُوسُفَ يَطيبُ له الرِّبحُ؛ لأنَّ شَرطَ الطِّيبِ الضَّمانُ ليس غيرُ، وقد وُجدَ ذلك ههنا (١).
وأما المالِكيةُ فقالُوا: مَنْ استُودِعَ إبلًا مِثلًا أو دابَّةً أو سَفينةً فتَعدَّى عليها وأَكراها لمَكةَ مَثلًا ورجِعَت بحالِها مِنْ غيرِ نَقصٍ في ذاتِها مِثلُ ما كانَت عليه يَومَ الإِيداعِ إلا أنَّه حبَسَها عن أَسواقِها -سَواءٌ كانَت للتِّجارةِ أو للقِنيةِ- بأنْ كانَت زَمنَ غَيبتِها غاليةً فربُّ الوَديعةِ مُخيَّرٌ بينَ أَمرينِ:
الأَولُ: أنْ يَأخذَ قِيمتَها يَومَ كِرائِها؛ لأنَّه يَومُ التَّعدِّي، ولا كِراءَ له معَ أَخذِ القِيمةِ.
стр. 7772
والثانِي: له أنْ يَأخذَ الكِراءَ والدابَّةَ، لكنْ يَكونُ عليه نَفقتُها.
وكذلك الحُكمُ في المُستعيرِ وفي المُكتَري يَتعدَّيانِ المَسافةَ المُشترطَةَ، فيُخيَّرُ ربُّها إنْ شاءَ أخَذَها وأخَذَ أُجرةَ المَسافةِ التي تَعدَّى بها، وعليه حينَئذٍ نَفقتُها، فإنْ زادَت نَفقتُها عن الكِراءِ فلا يَغرمُ ربُّها شَيئًا ولا يَأخذُ معها شَيئًا، أو يَأخذُ قِيمتَها يَومَ كِرائِها.
وهذا إذا رجِعَت بحالِها، أما لو حصَلَ فيها تَغيرٌ فنقَصَها فربُّها مُخيَّرٌ بينَ ثَلاثةِ أُمورٍ، سَواءٌ حبَسَها عن أَسواقِها أم لا:
الأَولُ: يُخيَّرُ ربُّها بينَ أَخذِها وما نقَصَها.
والثانِي: أو أَخذِ الكِراءِ.
والثالث: أو تَضمينِه قِيمتَها يَومَ الكِراءِ؛ لأنَّه يَومُ التَّعدِّي.
وأما إنْ تلِفَت فلربِّها القِيمةُ يَومَ الكِراءِ لأنَّه يَومُ التَّعدِّي، ولا كِراءَ لها ولو كانَ أَكثرَ مِنْ القِيمةِ، إلا إذا أرادَ المُودَعُ دَفعَ الكِراءِ له (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: قُلت: أَرأيتَ إنِ استَودعَني إِبلًا فأَكريْتُها إلى مَكةَ، أيَكونُ لربِّها من الكِراءِ شَيءٌ أم لا؟
قالَ: كلُّ ما كانَ أَصلُه أَمانةً فأَكْراه فربُّه مُخيَّرٌ إنْ سلِمَت الإِبلُ ورجِعَت بحالِها، في أنْ يَأخذَ كِراءَها ويَأخذَ الإِبلَ، وفي أنْ يَتركَها له ويُضمِّنَه قِيمتَها ولا
стр. 7773
شَيءَ له مِنْ الكِراءِ إذا كانَ قد حبَسَها عن أَسواقِها ومَنافعِه بها، وهذا بمَنزلةِ رَجلٍ أعارَه رَجلٌ دابَّةً أو أَكْراه دابَّةً إلى مَوضعٍ مِنْ المَواضعِ فتَعدَّى عليها؛ لأنَّ أَصلَ هذا كلَّه لمْ يَضمنْه إلا بتَعدِّيه فيه، فهذا كلُّه بابٌ واحدٌ، وهذا في الوَديعةِ وفي الدَّينِ على نَحوِ قَولِ مالِكٍ في الذي يَستعيرُ الدابَّةَ فيَتعدَّى، وعلى الذي يَتكارى الدابَّةَ فيَتعدَّى عليها، وهذا في الكِراءِ والعارِيةِ قَولُ مالِكٍ (١).
وقالَ المالِكيةُ أَيضًا: إنْ باعَ المُودَعُ الوَديعةَ بغيرِ إِذنِ مالِكِها وهي عَرضٌ فربُّها مُخيَّرٌ عند عَدمِ فَواتِها في إِجازةِ البَيعِ وأَخذِ الثَّمنِ الذي بِيعَت به، أو ردِّ البَيعِ وأَخذِ سِلعتِه.
وأما عندَ فَواتِها فيُقضَى له بأَخذِ الأَكثرِ مِنْ الثَّمنِ أو قِيمتِها يَومَ التَّعدِّي؛ لأنَّه فُضوليٌّ، ومِثلُه كلُّ مُتعدٍّ بالبَيعِ على سِلعةِ غيرِه ولو غاصبًا، وهكذا حُكمُ بَيعِ الوَديعةِ مِنْ غيرِ اتِّجارٍ في ثَمنِها.
وأما لو باعَها على وَجهِ التِّجارةِ ففي بَيعِها تَفصيلٌ مُحصَّلُه: إنْ باعَها بعَرضٍ والعَرضُ بعَرضٍ وهلمَّ جرًّا فلا رِبحَ له وله الأَجرُ، وإنْ باعَها بدَراهمَ فالرِّبحُ الكائِنُ في ثَمنِها لربِّها، مِثالُ ذلك أنْ يُودعَه سِلعةً اشتَراها بعَشرةٍ فباعَها بعِشرينَ فربُّها له إِجازةُ البَيعِ وأَخذُ العِشرينَ أو ردُّ البَيعِ وأَخذُ سِلعتِه، وبعدَ الفَواتِ يُخيَّرُ بينَ الإِجازةِ وأَخذِ ما بِيعَت به أو تَضمينِه القِيمةَ يَومَ بَيعِها، والمُرادُ أنَّ له الأَكثرَ مِنْ الثَّمنِ والقِيمةِ، والظاهِرُ مِنْ كَلامِ أَهلِ المَذهبِ أنَّه لا أَجرَ له في البَيعِ لأنَّه مُتعدٍّ به، ولعلَّ الفَرقَ بينَ هذا وبينَ المتَّجِرِ
стр. 7774
في العَرضِ بعَرضٍ له الأَجرُ أنَّ المتَّجرَ إنما فعَلَ مَكروهًا بخِلافِ هذا.
قالَ النَّفراويُّ: (تَنبيهٌ): مِثلُ المودَعِ في استِحقاقِ الرِّبحِ عندَ الاتَّجارِ بالعَينِ الوصيُّ يَتجرُ بأَموالِ اليَتامَى، له الرِّبحُ وعليه الخُسرُ، ومِثلُهما أَيضًا ناظِرُ الوَقفِ يَتجرُ في مالِ الوَقفِ، إلا أنَّ الوَصيَّ والناظِرَ يَحرمُ عليهما التَّصرفُ فيما تحتَ أَيديهما، ومِثلُ مَنْ ذُكرَ الغاصبُ لدَراهمَ واتجَرَ فيها، فإنما عليه رَأسُ المالِ والرِّبحُ له؛ لأنَّ الضَّمانَ عليه لو كانَ صاحِبُ الدَّراهمِ تاجرًا على المُعتمدِ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ ذُكرَ لمْ يَقبضِ المالَ تَنميةً لربِّه، بخِلافِ المُبضَعِ معَه والمُقارَضِ إذا اتَّجرا بما في أَيديهما، فلا رِبحَ لهما بل لربِّ المالِ، وأما لو حصَلَ خُسرٌ فهو عليهما بتَعدِّيهما.
(تَنبيهٌ آخرُ): مَحلُّ تَخيرُ صاحِبِ الوَديعةِ في الإِجازةِ والردِّ … إلخ ما لمْ يَحضرْ عَقدَ البَيعِ أو يَبلغْه البَيعُ ويَسكتُ مُدةً بحيثُ يُعدُّ راضيًا، وإِلا لزِمَه البَيعُ وأَخذُ ما بِيعَت به مِنْ قَليلٍ أو كَثيرٍ (١).
إِيداعُ الوَديعةِ عندَ آخرَ:
المُودَعُ إذا أودَعَ الوَديعةَ عندَ غيرِه فهذا لا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أَحوالٍ:
الحالَةُ الأُولى: أنْ يَأذنَ له ربُّها بالإِيداعِ عندَ آخرَ:
إذا أذِنَ ربُّ الوَديعةِ للمُودَعِ أنْ يُودعَ الوَديعةَ عندَ شَخصٍ آخرَ صحَّ
стр. 7775
وخرَجَ المُودَعُ الأَولُ مِنْ العُهدةِ وصارَ الثانِي مُستودَعًا، هكذا نصَّت «مَجلَّة الأَحكامِ العَدليَّة» المادَّة (٧٩١) جاءَ فيها: «إذا أودَعَ المُستودَعُ الأَولُ الوَديعةَ عندَ آخرَ بإِذنِ المُودِعِ خرَجَ المُستودَعُ الأَولُ مِنْ العُهدةِ وصارَ الثانِي مُستودَعًا»
وكذا إذا أودَعَ المُستودَعُ الوَديعةَ بلا إِذنٍ عندَ شَخصٍ آخرَ وأجازَ المُودِعُ ذلك أَخيرًا الوديعةُ موجودةٌ بيدَ المُستودِعِ الثانِي يَخرجُ المُستودَعُ الأَولُ مِنْ العُهدةِ ويَصيرُ المُستودَعُ الثانِي -يَعني ذلك الشَّخصَ- مُستودَعًا.
يَعني تَكونُ كأنَّها أُودعَت مِنْ طَرفِ المُودِعِ رَأسًا عندَ ذلك الشَّخصِ، ويَكونُ المُستودَعُ الأَولُ خارِجًا مِنْ المَسؤوليةِ، وفي تلك الحالةِ لا يَلزمُ الضَّمانُ على المُستودَعِ الأَولِ (١).
وهذا مما لا يُخالِفُ فيه بَقيةُ المَذاهبِ؛ لأنَّ المالِكَ له حقُّ التَصرُّفِ في وَديعتِه يُودعُها عندَ مَنْ يَشاءُ أو يَأذنُ لمَن أودَعَها عندَه أنْ يَنقلَ إِيداعَها إلى مَنْ يَشاءُ.
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَنهاه عن إِيداعِ الوَديعةِ عندَ أَجنبيٍّ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ ربَّ الوَديعةِ إذا أودَعَ الوَديعةَ عندَ شَخصٍ ونَهاه أنْ يُودعَها عندَ آخرَ فأودَعَها أنَّه ضامِنٌ لها.