← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

ويَنبَغي أنْ يَجريَ الخِلافُ السابِقُ في مَسألةِ إذا اتَّجرَ بمالِ الوَديعةِ فربِحَ، فعندَ أَبي يُوسفَ يَطيبُ للمُودَعِ، وعندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ هو للمُودَعِ لكنْ لا يَطيبُ له ويَجبُ عليه أنْ يَتصدَّقَ به، وقد تقَدمَت المَسألَةُ بالتَّفصيلِ وبأَقوالِ العُلماءِ فيها، وهو ما وجَدتُه مُصرَّحًا به في بَيعِ المُودَعِ للوَديعةِ، كما في «المُحيطِ البُرهانيِّ» للإِمامِ بُرهانِ الدِّينِ ابنِ مازةَ حيثُ قالَ: وأَصلُ المَسألةِ: المُودَعُ إذا باعَ الوَديعةَ وربِحَ ثُم ضمِنَ هل يَطيبُ له الرِّبحُ؟ فهو على هذا الاختِلافِ. أي عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ لا يَطيبُ له الرِّبحُ؛ لأنَّ شَرطَ الطَّيبِ عندَهما المِلكُ والضَّمانُ، والضَّمانُ ههنا وإنْ كانَ واجبًا وَقتَ المُبادلةِ فالمِلكُ لمْ يَكنْ. وعندَ أَبي يُوسُفَ يَطيبُ له الرِّبحُ؛ لأنَّ شَرطَ الطِّيبِ الضَّمانُ ليس غيرُ، وقد وُجدَ ذلك ههنا (١). وأما المالِكيةُ فقالُوا: مَنْ استُودِعَ إبلًا مِثلًا أو دابَّةً أو سَفينةً فتَعدَّى عليها وأَكراها لمَكةَ مَثلًا ورجِعَت بحالِها مِنْ غيرِ نَقصٍ في ذاتِها مِثلُ ما كانَت عليه يَومَ الإِيداعِ إلا أنَّه حبَسَها عن أَسواقِها -سَواءٌ كانَت للتِّجارةِ أو للقِنيةِ- بأنْ كانَت زَمنَ غَيبتِها غاليةً فربُّ الوَديعةِ مُخيَّرٌ بينَ أَمرينِ: الأَولُ: أنْ يَأخذَ قِيمتَها يَومَ كِرائِها؛ لأنَّه يَومُ التَّعدِّي، ولا كِراءَ له معَ أَخذِ القِيمةِ.

стр. 7772

والثانِي: له أنْ يَأخذَ الكِراءَ والدابَّةَ، لكنْ يَكونُ عليه نَفقتُها. وكذلك الحُكمُ في المُستعيرِ وفي المُكتَري يَتعدَّيانِ المَسافةَ المُشترطَةَ، فيُخيَّرُ ربُّها إنْ شاءَ أخَذَها وأخَذَ أُجرةَ المَسافةِ التي تَعدَّى بها، وعليه حينَئذٍ نَفقتُها، فإنْ زادَت نَفقتُها عن الكِراءِ فلا يَغرمُ ربُّها شَيئًا ولا يَأخذُ معها شَيئًا، أو يَأخذُ قِيمتَها يَومَ كِرائِها. وهذا إذا رجِعَت بحالِها، أما لو حصَلَ فيها تَغيرٌ فنقَصَها فربُّها مُخيَّرٌ بينَ ثَلاثةِ أُمورٍ، سَواءٌ حبَسَها عن أَسواقِها أم لا: الأَولُ: يُخيَّرُ ربُّها بينَ أَخذِها وما نقَصَها. والثانِي: أو أَخذِ الكِراءِ. والثالث: أو تَضمينِه قِيمتَها يَومَ الكِراءِ؛ لأنَّه يَومُ التَّعدِّي. وأما إنْ تلِفَت فلربِّها القِيمةُ يَومَ الكِراءِ لأنَّه يَومُ التَّعدِّي، ولا كِراءَ لها ولو كانَ أَكثرَ مِنْ القِيمةِ، إلا إذا أرادَ المُودَعُ دَفعَ الكِراءِ له (١). وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: قُلت: أَرأيتَ إنِ استَودعَني إِبلًا فأَكريْتُها إلى مَكةَ، أيَكونُ لربِّها من الكِراءِ شَيءٌ أم لا؟ قالَ: كلُّ ما كانَ أَصلُه أَمانةً فأَكْراه فربُّه مُخيَّرٌ إنْ سلِمَت الإِبلُ ورجِعَت بحالِها، في أنْ يَأخذَ كِراءَها ويَأخذَ الإِبلَ، وفي أنْ يَتركَها له ويُضمِّنَه قِيمتَها ولا

стр. 7773

شَيءَ له مِنْ الكِراءِ إذا كانَ قد حبَسَها عن أَسواقِها ومَنافعِه بها، وهذا بمَنزلةِ رَجلٍ أعارَه رَجلٌ دابَّةً أو أَكْراه دابَّةً إلى مَوضعٍ مِنْ المَواضعِ فتَعدَّى عليها؛ لأنَّ أَصلَ هذا كلَّه لمْ يَضمنْه إلا بتَعدِّيه فيه، فهذا كلُّه بابٌ واحدٌ، وهذا في الوَديعةِ وفي الدَّينِ على نَحوِ قَولِ مالِكٍ في الذي يَستعيرُ الدابَّةَ فيَتعدَّى، وعلى الذي يَتكارى الدابَّةَ فيَتعدَّى عليها، وهذا في الكِراءِ والعارِيةِ قَولُ مالِكٍ (١). وقالَ المالِكيةُ أَيضًا: إنْ باعَ المُودَعُ الوَديعةَ بغيرِ إِذنِ مالِكِها وهي عَرضٌ فربُّها مُخيَّرٌ عند عَدمِ فَواتِها في إِجازةِ البَيعِ وأَخذِ الثَّمنِ الذي بِيعَت به، أو ردِّ البَيعِ وأَخذِ سِلعتِه. وأما عندَ فَواتِها فيُقضَى له بأَخذِ الأَكثرِ مِنْ الثَّمنِ أو قِيمتِها يَومَ التَّعدِّي؛ لأنَّه فُضوليٌّ، ومِثلُه كلُّ مُتعدٍّ بالبَيعِ على سِلعةِ غيرِه ولو غاصبًا، وهكذا حُكمُ بَيعِ الوَديعةِ مِنْ غيرِ اتِّجارٍ في ثَمنِها. وأما لو باعَها على وَجهِ التِّجارةِ ففي بَيعِها تَفصيلٌ مُحصَّلُه: إنْ باعَها بعَرضٍ والعَرضُ بعَرضٍ وهلمَّ جرًّا فلا رِبحَ له وله الأَجرُ، وإنْ باعَها بدَراهمَ فالرِّبحُ الكائِنُ في ثَمنِها لربِّها، مِثالُ ذلك أنْ يُودعَه سِلعةً اشتَراها بعَشرةٍ فباعَها بعِشرينَ فربُّها له إِجازةُ البَيعِ وأَخذُ العِشرينَ أو ردُّ البَيعِ وأَخذُ سِلعتِه، وبعدَ الفَواتِ يُخيَّرُ بينَ الإِجازةِ وأَخذِ ما بِيعَت به أو تَضمينِه القِيمةَ يَومَ بَيعِها، والمُرادُ أنَّ له الأَكثرَ مِنْ الثَّمنِ والقِيمةِ، والظاهِرُ مِنْ كَلامِ أَهلِ المَذهبِ أنَّه لا أَجرَ له في البَيعِ لأنَّه مُتعدٍّ به، ولعلَّ الفَرقَ بينَ هذا وبينَ المتَّجِرِ

стр. 7774

في العَرضِ بعَرضٍ له الأَجرُ أنَّ المتَّجرَ إنما فعَلَ مَكروهًا بخِلافِ هذا. قالَ النَّفراويُّ: (تَنبيهٌ): مِثلُ المودَعِ في استِحقاقِ الرِّبحِ عندَ الاتَّجارِ بالعَينِ الوصيُّ يَتجرُ بأَموالِ اليَتامَى، له الرِّبحُ وعليه الخُسرُ، ومِثلُهما أَيضًا ناظِرُ الوَقفِ يَتجرُ في مالِ الوَقفِ، إلا أنَّ الوَصيَّ والناظِرَ يَحرمُ عليهما التَّصرفُ فيما تحتَ أَيديهما، ومِثلُ مَنْ ذُكرَ الغاصبُ لدَراهمَ واتجَرَ فيها، فإنما عليه رَأسُ المالِ والرِّبحُ له؛ لأنَّ الضَّمانَ عليه لو كانَ صاحِبُ الدَّراهمِ تاجرًا على المُعتمدِ؛ لأنَّ كلَّ مَنْ ذُكرَ لمْ يَقبضِ المالَ تَنميةً لربِّه، بخِلافِ المُبضَعِ معَه والمُقارَضِ إذا اتَّجرا بما في أَيديهما، فلا رِبحَ لهما بل لربِّ المالِ، وأما لو حصَلَ خُسرٌ فهو عليهما بتَعدِّيهما. (تَنبيهٌ آخرُ): مَحلُّ تَخيرُ صاحِبِ الوَديعةِ في الإِجازةِ والردِّ … إلخ ما لمْ يَحضرْ عَقدَ البَيعِ أو يَبلغْه البَيعُ ويَسكتُ مُدةً بحيثُ يُعدُّ راضيًا، وإِلا لزِمَه البَيعُ وأَخذُ ما بِيعَت به مِنْ قَليلٍ أو كَثيرٍ (١). إِيداعُ الوَديعةِ عندَ آخرَ: المُودَعُ إذا أودَعَ الوَديعةَ عندَ غيرِه فهذا لا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أَحوالٍ: الحالَةُ الأُولى: أنْ يَأذنَ له ربُّها بالإِيداعِ عندَ آخرَ: إذا أذِنَ ربُّ الوَديعةِ للمُودَعِ أنْ يُودعَ الوَديعةَ عندَ شَخصٍ آخرَ صحَّ

стр. 7775

وخرَجَ المُودَعُ الأَولُ مِنْ العُهدةِ وصارَ الثانِي مُستودَعًا، هكذا نصَّت «مَجلَّة الأَحكامِ العَدليَّة» المادَّة (٧٩١) جاءَ فيها: «إذا أودَعَ المُستودَعُ الأَولُ الوَديعةَ عندَ آخرَ بإِذنِ المُودِعِ خرَجَ المُستودَعُ الأَولُ مِنْ العُهدةِ وصارَ الثانِي مُستودَعًا» وكذا إذا أودَعَ المُستودَعُ الوَديعةَ بلا إِذنٍ عندَ شَخصٍ آخرَ وأجازَ المُودِعُ ذلك أَخيرًا الوديعةُ موجودةٌ بيدَ المُستودِعِ الثانِي يَخرجُ المُستودَعُ الأَولُ مِنْ العُهدةِ ويَصيرُ المُستودَعُ الثانِي -يَعني ذلك الشَّخصَ- مُستودَعًا. يَعني تَكونُ كأنَّها أُودعَت مِنْ طَرفِ المُودِعِ رَأسًا عندَ ذلك الشَّخصِ، ويَكونُ المُستودَعُ الأَولُ خارِجًا مِنْ المَسؤوليةِ، وفي تلك الحالةِ لا يَلزمُ الضَّمانُ على المُستودَعِ الأَولِ (١). وهذا مما لا يُخالِفُ فيه بَقيةُ المَذاهبِ؛ لأنَّ المالِكَ له حقُّ التَصرُّفِ في وَديعتِه يُودعُها عندَ مَنْ يَشاءُ أو يَأذنُ لمَن أودَعَها عندَه أنْ يَنقلَ إِيداعَها إلى مَنْ يَشاءُ. الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَنهاه عن إِيداعِ الوَديعةِ عندَ أَجنبيٍّ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ ربَّ الوَديعةِ إذا أودَعَ الوَديعةَ عندَ شَخصٍ ونَهاه أنْ يُودعَها عندَ آخرَ فأودَعَها أنَّه ضامِنٌ لها.

стр. 7776

الحالَةُ الثالِثةُ: أنْ يُودعَها عندَ أَجنبيٍّ وهذا لا يَخلو مِنْ صُورتينِ: الصُّورَةُ الأُولى: أنْ يُودعَها عندَ أَجنبيٍّ لغيرِ عُذرٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ المُودَعَ لا يَجوزُ له أنْ يُودِعَ الوَديعةَ عندَ أَجنبيٍّ لغيرٍ عُذرٍ وإنْ كانَ الأَجَنبيُّ أَمينًا إذ لمْ يَرضَ ربُّها إلا بأَمانتِه؛ لأنَّ الشَّيءَ لا يَتضمنُ مِثلَه، كالوَكيلِ لا يُوكلُ غيرَه، فإنْ أودَعَ الوَديعةَ عندَ أَجنبيٍّ صارَ ضامنًا لها؛ لأنَّه رضِيَ بيدِه لا بيدِ غيرِه، والأَيدي تَختلفُ في الأَمانةِ فضمِنَها كما لو نَهاه عن إِيداعِها، فإنَّه أمَرَه بحِفظِها بنَفسِه ولمْ يَرضَ لها غيرَه فصارَ ضامنًا، وذلك لأنَّ المُودَعَ مُراعى في الوَديعةِ، لاختِلافِ الناسِ في الحِفظِ والأَمانةِ، وقد يَرضى المُودِعُ بإِيداعِ مالِه عندَ شَخصٍ دونَ آخرَ، فإذا فعَلَ المُودَعُ ذلك ودفَعَ الوَديعةَ إلى أَجنبيٍّ فقد صارَ تارِكًا للحِفظِ الذي التزَمَه، مُستحفِظًا عليه غيرَه، فيَكونُ ضامِنًا لأنَّ المُودِعَ لمْ يَرضَ به فيَكونُ ضامنًا. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا في هذه الحالَةِ إذا أودَعَها عندَ أَجنبيٍّ لغيرِ عُذرٍ فضاعَت عندَه على مَنْ يَكونُ الضَّمانُ؟ هل على الأوَّلِ؟ أم له أنْ يُضمِّنَ أيَّهما شاءَ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والصَّاحبانِ مِنْ الحَنفيةِ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ للمالِكِ تَضمينَ أيِّهما شاءَ، إنْ شاءَ ضمَّنَ الأَولَ وإنْ شاءَ ضمَّنَ الثانِي، فإنْ ضمَّنَ الأَولَ لا يَرجعُ بالضَّمانِ على الثانِي، وإنْ ضمَّنَ الثانِي يَرجعُ به على الأَولِ، وذلك لأنَّه

стр. 7777

وُجدَ مِنْ كلِّ واحدٍ منهما سَببُ وُجوبِ الضَّمانِ، أما الأَولُ فلأنَّه دفَعَ مالَ الغيرِ إلى غيرِه بغيرِ إِذنِه، وأما الثانِي فلأنَّه قبَضَ مالَ الغيرِ بغيرِ إذنِه، وكلُّ واحدٍ منهما سَببٌ لوُجوبِ الضَّمانِ، فيُخيَّرُ المالِكُ، إنْ شاءَ ضمَّنَ الأَولَ وإنْ شاءَ ضمَّنَ الثانِي كمُودعِ الغاصِبِ معَ الغاصِبِ، غيرَ أنَّه إنْ ضمَّنَ الأَولَ لا يَرجعُ بالضَّمانِ على الثَّاني؛ لأنَّه ملَكَ الوَديعةَ بأَداءِ الضَّمانِ، فتبَيَّن أنَّه أودَعَ مالَه نفسَه إيَّاه، فهذا مُودَعٌ هلَكَت الوَديعةُ في يدِه فلا شَيءَ عليه، وإنْ ضمَّنَ الثانِي يَرجعْ بالضَّمانِ على الأَولِ؛ لأنَّ الأَولَ غرَّه بالإِيداعِ فيَلزمُه ضَمانُ الغُرورِ، كأنَّه كفَلَ عنه بما يَلزمُه مِنْ العُهدةِ في هذا العَقدِ؛ إذ ضَمانُ الغُرورِ ضَمانُ كَفالةٍ لمَا عُلمَ. وهذا الحُكمُ إذا لمْ يَعلمِ الثانِي بالحالِ، أي لمْ يَعلمْ أنَّ المُودَعَ الأَولَ أودَعَها إيَّاه مِنْ غيرِ عُذرٍ، فإنْ علِمَ أنَّه أودَعَها إيَّاه بغيرِ عُذرٍ استقَرَّ الضَّمانُ عليه عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ ولمْ يَرجعْ بما ضمِنَه على الأَولِ؛ لأنَّه دخَلَ على أنَّه يَضمنُ فلمْ يَرجعْ. وقالَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ والقاضِي مِنْ الحَنابِلةِ: إذا أودَعَها عندَ مَنْ ليسَ له أنْ يُودعَه فضاعَت في يدِ الثانِي فالضَّمانُ على الأَولِ لا على الثانِي. وَجهُ قَولِ أَبي حَنيفةَ أنَّ يدَ المُودَعِ الثانِي ليسَت بيدٍ مانِعةٍ، بل هي يدُ حِفظِ وَصيانةِ الوَديعةِ عن أَسبابِ الهَلاكِ، فلا يَصلُحُ أنْ يَكونَ سببًا لوُجوبِ الضَّمانِ؛ لأنَّه مِنْ بابِ الإِحسانِ إلى المالِكِ، قالَ اللهُ جلَّ شَأنُه: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]، وكانَ يَنبغي ألَّا يَجبَ الضَّمانُ على

стр. 7778

الأَولِ أَيضًا؛ لأنَّ الإِيداعَ منه مُباشرةُ سَببِ الصِّيانةِ والحِفظِ له، فكانَ مُحسنًا فيه، إلا أنَّه صارَ مَخصوصًا عن النَّصِّ، فبقِيَ المُودَعُ الثانِي على ظَاهرِه، وهذا إذا لمْ يَستهلكْها الثانِي فيَكونُ الضَّمانُ عليه إِجماعًا ويَكونُ صاحِبُها بالخِيارِ: إنْ شاءَ ضمَّنَ الأَولَ، أو الثانِي، فإنْ ضمَّنَ الأَولَ رجِعَ على الثانِي، وإنْ ضمَّنَ الثانِي لا يَرجعُ على الأَولِ (١). الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يُودعَها عندَ أَجنبيٍّ لعُذرٍ: المُودَعُ إذا كانَ له عُذرٌ بأنْ وقَعَ في دارِه حَريقٌ أو خافَ مِنْ حَرقٍ أو غَرقٍ فهذا لا يَخلو مِنْ أَحدِ ضَربينِ: الضَّربُ الأَولُ: أنْ يَستطيعَ أنْ يُردَّها على صاحِبِها أو وَكيلِه في أَخذِها -أو مَنْ في عيالِه عندَ الجُمهورِ خِلافًا للشافِعيةِ-، ففي هذه الحالَةِ لا يَجوزُ له أنْ يُودعَها عندَ أَجنبيٍّ، فإنْ فعَلَ ضمِنَ لأنَّه دفَعَها إلى غيرِ مالِكِها بغيرِ إِذنٍ منه مِنْ غيرِ عُذرٍ، فضمِنَها كما لو أودَعَها مِنْ غيرِ عُذرٍ، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ.

стр. 7779

الضَّربُ الثانِي: ألَّا يَستطيعَ أنْ يَردَّها على مالِكِها أو وَكيلِه: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنه إذا لمْ يَجدْ ربَّها أو وَكيلَه وكانَ الحاكمُ ظالمًا أنَّ له أنْ يُودعَها عندَ أَجنبيٍّ، واختلَفُوا فيما إذا لمْ يَستطعِ المُودَعُ ردَّ الوَديعةِ على المالِكِ أو وَكيلِه معَ وُجودِ الحاكِمِ هل يَجوزُ له أنْ يُودعَها عندَ غيرِه أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يُودعَها عندَ غيرِه معَ وُجودِ الحاكِمِ، إلا أنَّه لا يُصدَّقُ في الدَّفعِ إلى الغيرِ بسَببِ العُذرِ إلا ببَينةٍ. فقالَ الحَنفيةُ: إذا كانَ هناك عُذرٌ بأنْ وقَعَ في دارِه حَريقٌ أو كانَ في السَّفينةِ فخافَ الغَرقَ ولمْ يَستطعْ أنْ يَردَّها على ربِّها أو مَنْ في عيالِه فدفَعَ الوَديعةَ إلى غيرِه فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ الدَّفعَ إليه في هذه الحالةِ تعيَّنَ طَريقًا للحِفظِ، فكانَ الدَّفعُ بإِذنِ المالِكِ دَلالةً فلا يَضمنُ. ولو أودَعَ غيرَه وادَّعى أنَّه فعَلَ عن عُذرٍ لا يُصدَّقُ على ذلك إلا ببَينةٍ عندَ أَبي يُوسفَ وهو قِياسُ قَولِ أَبي حَنيفةَ ﵀ كذا ذكَرَ الشَّيخُ القُدوريُّ ﵀؛ لأنَّ الدَّفعَ إلى غَيرِه سَببٌ لوُجوبِ الضَّمانِ في الأَصلِ، فدَعوى الضَّرورةِ دَعوى أَمرٍ عَارضٍ يُريدُ به دَفعَ الضَّمانِ عن نَفسِه فلا يُصدَّقُ إلا بحُجةٍ، هذا إذا هلَكَت الوَديعةُ في يدِ المُودَعِ الثانِي، فأما إذا استهلَكَها فالمالِكُ بالخيارِ، إنْ شاءَ ضمَّنَ الأَولَ وإنْ شاءَ ضمَّنَ الثانِي بالإِجماعِ، غيرَ أنَّه إنْ ضمَّنَ الأَولَ يَرجعُ بالضَّمانِ على الثانِي، وإنْ ضمَّنَ

стр. 7780

الثانِي لا يَرجعُ بالضَّمانِ على الأَولِ؛ لأنَّ سَببَ وُجوبِ الضَّمانِ وُجدَ مِنْ الثانِي حَقيقةً وهو الاستِهلاكُ (١). وقالَ المالِكيةُ: المُودَعُ إذا حدَثَ عندَه عُذرٌ بأنْ خافَ عَورةَ مَنزلِه أو هَدمَ دارِه أو جارَ سُوءٍ فإنِ استَطاعَ أنْ يَردَّها إلى ربِّها ولمْ يَردَّها إليه ضمِنَها؛ لأنَّه قدَرَ على المالِكِ، فإنْ عجَزَ عن الرَّدِ لربِّها سَواءٌ كانَ لغَيبةٍ أو سِجنٍ فله إِيداعُها عندَ أَمينٍ ولا ضَمانَ عليه إنْ تلِفَت أو ضاعَت عندَ المُودَعِ الثانِي، ويَجبُ عليه الإِشهادُ أنَّه أودَعَ لهذا العُذرِ، ولا يُصدَّقُ إنْ ادَّعى أنَّه أودَعَ للعُذرِ بلا بَينةٍ، ولا بدَّ مِنْ مُعاينةِ البَينةِ للعُذرِ، ولا يَكفي قَولُه: اشهَدُوا أنِّي أودَعْتُها للعُذرِ مِنْ غيرِ أنْ تَراه. وهذا الحُكمُ فيما لو حدَثَ هذا العُذرُ بعدَ الإِيداعِ، أما لو كانَ مَوجودًا عندَ الإِيداعِ والمُودِعُ -بكَسرِ الدَّالِ- عالِمٌ فليسَ للمُودَعِ-بالفَتحِ- أنْ يُودعَها غيرَه، ولا ضَمانَ عليه إنْ تلِفَت حيثُ لمْ يُودعْها، وإنْ كانَ غيرَ عالِمٍ ضمِنَها المُودَعُ سَواءٌ ضاعَت عندَه أو عندَ غيرِه، إلا أنْ يَكونَ ضَياعُها عندَه مِنْ غيرِ ذلك السَّببِ الذي خافَ منه (٢).

стр. 7781

سُئلَ الإِمامُ مالِكٌ ﵀ عن الرَّجلِ يَستودِعُ الرَّجلَ الوَديعةَ فيَستودعُها غيرَه، هل عليه ضَمانٌ؟ قالَ: إنْ كانَ رَجلٌ أرادَ سَفرًا، أو كانَ بَيتُه مُعوِرًا، أو ما أشبَهَ هذا مِنْ العُذرِ، فأَرى ألَّا ضَمانَ عليه، وإنْ كانَ ليسَ له عُذرٌ مِنْ هذا فأَراه ضَامنًا (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ له الدَّفعُ إلى أَجنبيٍّ معَ وُجودِ الحاكِمِ. قالَ الشافِعيةُ: إذا وُجدَ عُذرٌ فاستَطاعَ المُودَعُ أنْ يَردَّ الوَديعةَ إلى مالِكِها أو وَكيلِه ردَّها عليهم، ولا يَجوزُ له أنْ يُودعَها عندَ أَجنبيٍّ، فإنْ فعَلَ ضمِنَ. فإنْ فُقدَ المالِكُ أو وَكيلُه لغَيبةٍ أو حَبسٍ أو تَوارٍ ولمْ يَتمكَّنْ مِنْ الوُصولِ إليهما فيَردُّها إلى الحاكِمِ إذا كانَ ثِقةً مَأمونًا لأنَّه نائبُ الغائِبِ، ويَلزمُه القَبولُ والإِشهادُ على نَفسِه بقَبضِها ولو أمَرَه القاضِي بدَفعِها إلى أَمينٍ جازَ. فإنْ فُقدَ الحاكِمُ بأنْ لمْ يَكنْ في البَلدِ حاكِمٌ أو كانَ الحاكِمُ غيرَ أَمينٍ فيَدفعُها إلى أَمينٍ يَأتمنُه عليها، ويَجبُ عليه الإِشهادُ في أَصحِّ الوَجهينِ لأنَّ الأَمينَ قد يُنكرُ. فإنْ دفَعَها إلى الحاكِمِ، أو الأَمينِ معَ قُدرتِه على المالِكِ أو وَكيلِه

стр. 7782

ضمِنهَا لعُدولِه عن الواجِبِ عليه، كما لو زوَّجَ الحاكِمُ المَرأةَ معَ وُجودِ وَليِّها. وكذا إذا دفَعَها إلى أَمينٍ معَ وُجودِ الحاكِمِ الثِّقةِ ضمِنَ في الأَصحِ؛ لأنَّ عَدالةَ الحاكِمِ مُتفقٌ عليها. والثانِي: لا يَضمنُ إذا دفَعَها إلى أَمينٍ معَ وُجودِ الحاكِمِ؛ لأنَّه مَعذورٌ أودَعَ أَمينًا فأشبَهَ ما إذا لمْ يَجدِ المالِكَ ولا وَكيلَه ولا الحاكِمَ، فدفَعَ إلى أَمينٍ؛ فإنَّه لا يَضمنُ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إذا أودَعَها عندَ غيرِه لعُذرٍ، بأنْ خافَ عليها مِنْ حَريقٍ أو ظالِمٍ ونحوِ ذلك، ولمْ يَجدْ ربَّها ولا وَكيلَه، فيَجوزُ ولا ضَمانَ عليه لمَكانِ العُذرِ. إلا أنَّهم اختلَفُوا هل يَلزمُه في هذه الحالَةِ أنْ يَدفعَها إلى الحاكِمِ أم يَجوزُ عندَ ثِقةٍ أَمينٍ معَ وُجودِ الحاكِمِ؟ قَولانِ في المَذهبِ: أَحدُهما: أنَّه إنْ قدَرَ على الحاكِمِ لا يَجوزُ له أنْ يُودعَها عندَ ثِقةٍ؛ لأنَّ غيرَ الحاكِمِ لا وِلايةَ له. والثانِي: لا يُشترطُ دَفعُها إلى الحاكِمِ، بل يَكفي إِيداعُها عندَ ثِقةٍ ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه قد يَكونُ أَحفظَ لها وأَحبَّ إلى صاحِبِها.

стр. 7783

وهذا إذا وجَدَ الحاكِمَ، أما إذا لم يَجدِ الحاكِمَ فيَدفعُها إلى ثِقةٍ (١). وهذا الحُكمُ في غيرِ الاستِعانةِ بالغيرِ في حَملِ الوَديعةِ وحِفظِها في الحِرزِ وكذا سَقيُها وعَلفُها، كما نصَّ على ذلك الشافِعيةُ والحَنابِلةُ، ولا ضَمانَ عليه وإنْ تلِفَت في هذه الحالَةِ، وذلك لأنَّ العادَةَ جرَت بالاستِعانةِ، ولأنَّه ما أخرَجَها عن يدِه ولا فوَّضَ حِفظَها إلى غيرِه (٢). حِفظُ الوَديعةِ عندَ أَولادِه أو زَوجتِه: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُودَعِ هل يَجوزُ له أنْ يَدفعَ الوَديعةَ إلى أَولادِه أو خادِمِه أو زَوجتِه الأَمينةِ ولا ضَمانَ عليه إنْ تلِفَت الوَديعةُ في أَيدِيهم، أم لا يَجوزُ له أنْ يَدفعَ إلى أيٍّ منهم؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ للمُودَعِ أنْ يَدفعَ الوَديعةَ إلى مَنْ في عيالِه كوَلدِه ووالدَيْه وزَوجتِه -وأَجيرِه الخاصِّ عندَ أَبي حَنيفةَ- ليَحفظَها إذا كانُوا أُمناءَ؛ لأنَّه حفِظَها بما يَحفظُ به مالَه، فأشبَهَ ما لو حفِظَها بنَفسِه، وكما لو دفَعَ الماشِيةَ إلى الرَّاعي أو دفَعَ البَهيمةَ إلى غُلامِه ليَسقيَها، ويُفارقُ الأَجنبيَّ فإنَّ دَفعَها إليه لا يُعدُّ حِفظًا منه.

стр. 7784

قالَ الحَنفيةُ: وللمُودَعِ حِفظُ الوَديعةِ بنَفسِه وبمَن في عيالِه مِنْ زَوجتِه ووَلدِه ووالدَيْه وأَجيرِه الخاصِّ الذي استَأجرَه مُشاهرةً أو مُسانَهةً وإنْ نُهيَ عن حِفظِها بهم؛ لأنَّ الواجِبَ عليه أنْ يَحفظَها حِفظَ مالَ نَفسِه، وهو يَحفظُه بعيالِه؛ لأنَّ المُودَعَ لا يُمكنُه مُلازمةُ بَيتِه لحِفظِ الوَديعةِ، ولا استِصحابَها معَه في خُروجِه، فلمْ يَكنْ له بدٌّ في حِفظِها بمَن في عيالِه. ولأنَّ المُلتزَمَ بالعَقدِ هو الحِفظُ، والإِنسانُ لا يَلتزمُ بحِفظِ مالِ غيرِه عادَةً إلا بما يَحفظُ به مالَ نَفسِه، وإنَّه يَحفظُ مالَ نَفسِه بيدِه مَرةً وبيدِ هؤلاءِ أُخرى، فله أنْ يَحفظَ الوَديعةَ بيدِهم أَيضًا، فكانَ الحِفظُ بأَيدِيهم داخلًا تحتَ العَقدِ دِلالةً، وكذا له أنْ يَردَّ الوَديعةَ على أَيدِيهم حتى لو هلَكَت قبلَ الوُصولِ إلى المالِكِ لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ يدَهم يدُ المُودَعِ مَعنًى، فما دامَ المالُ في أَيدِيهم كانَ مَحفوظًا بحِفظِه وليسَ له أنْ يَدفعَ الوَديعةَ إلى غيرِهم إلا لعُذرٍ. والذي في عيالِه: هو الذي يَسكنُ معه، مِنْ امرأتِه وولدِه وأَجيرِه وعَبدِه وهذا إذا كانَ مَنْ في عيالِه أُمناءَ. وقيلَ الذي في عيالِه: هو الذي يَسكنُ معه وتَجري عليه نَفقتُه كائِنًا مَنْ كانَ قَريبًا أو أَجنبيًّا. وكذا يَجوزُ دَفعُها إلى أَمينٍ مِنْ أُمنائِه ليسَ في عيالِه، كشَريكِ العَنانِ والمُفاوَضةِ وعليه الفَتوى عندَهم؛ لأنَّ هؤلاءِ يَحفظونَ أَموالَه، فيَدُهم كيَدِه، فإنْ حفِظَها بغيرِ هؤلاءِ ضمِنَ.

стр. 7785

وكذا الصَّيرفِيَّانِ إذا كانا شَريكَينِ فوضَعَ أَحدُهما الوَديعةَ في كيسِ صاحِبِه أو صُندوقِه وأمَرَ شَريكَه بحِفظِها فحمَلَ الكَيسَ فضاعَ لمْ يَضمنْ (١). وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ للمُودَعِ أنْ يَضعَ الوَديعةَ عندَ زَوجتِه أو ابنِه أو أَمتِه أو أَجيرِه المُعتادينَ لذلك بأنْ طالَت إِقامتُهم عندَه ووثِقَ بهم، فلا ضَمانَ عليه إن تلِفَت الوَديعةُ أو ضاعَت عندَ مَنْ ذُكرَ، وصُدقَ المُودَعُ في دَفعِها لأَهلِه وحلِفَ إن أَنكرَت الزَّوجةُ دَفعَها إليه إنِ اتُّهمَ، وقيلَ: مُطلقًا، فإنْ نكَلَ غرِمَ، وليسَ لربِّ الوَديعةِ تَحليفُ أَهلِ المُودَعِ إلا أنْ يَكونَ المُودَعُ مُعسِرًا فلربِّ الوَديعةِ تَحليفُ الزَّوجةِ. وإنْ كانَ ما ذُكرَ غيرُ مُعتادتَينِ للإِيداعِ بأنْ أودَعَها عندَ زَوجتِه بإِثرِ تَزويجِها، أو أودَعَها عندَ أَمتِه بإِثرِ شِرائِها، أو عندَ الأَجيرِ بإِثرِ استِئجارِه، فإنَّه يَضمنُ إذا تلِفَت أو ضاعَت (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ دفَعَ الوَديعةَ إلى مَنْ جرَت عادَتُه بحِفظِها له مِنْ أَهلِه كامرَأتِه وغُلامِه وخازِنِه لمْ يَضمنْ؛ لأنَّه حفِظَها بما يَحفظُ به مالَه، فأشبَهَ ما

стр. 7786

لو حفِظَها بنَفسِه، وكما لو دفَعَ الماشيةَ إلى الرَّاعي أو دفَعَ البَهيمةَ إلى غُلامِه ليَسقيَها، ويُفارقُ الأَجنبيُّ فإنَّ دَفعَها إليه لا يُعدُّ حِفظًا منه (١). أما الشافِعيةُ فذهَبُوا إلى أنَّه لا يَجوزُ للمُودَعِ أنْ يُودِعَ الوَديعةَ عندَ آخرَ ولو كانَ زَوجتَه أو وَلدَه أو عَبدَه إلا بإِذنِ ربِّ الوَديعةِ، فإنْ أودَعَ عندَ هؤلاءِ ضمِنَ؛ لأنَّ المُودِعَ لمْ يَرضَ بأَمانةِ غيرِه ولا يدَه، فقد أودَعَ مَنْ لمْ يَأتمنْه المُودِعُ فضمِنَها كما لو أودَعَها أَجنبيًّا (٢). ردُّ الوَديعةِ المُشترَكةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا كانَت الوَديعةُ مُشتَركةً لرَجلَينِ أو أَكثرَ وقد أودَعُوها عندَ شَخصٍ آخرَ، فطلَبَ أَحدُ الشُّركاءِ حِصتَه مِنْ الوَديعةِ عندَ غيابِ شَريكِه في الوَديعةِ، هل يَجوزُ للمُودَعِ أنْ يَدفعَ إليه نَصيبَه وحِصتَه مِنْ الوَديعةِ أم لا يَجوزُ؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ، بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه لا يَدفعُ له كلَّ الوَديعةِ. القَولُ الأَولُ: هو مَذهبُ الشافِعيةِ والقاضِي مِنْ الحَنابِلةِ أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَدفعَ حِصتَه مِنْ الوَديعةِ وإنْ طلَبَها إلا بالحاكِمِ، بأنْ يَرفعَ الأَمرَ إلى

стр. 7787

الحاكِمِ ليَقسمَه ويَدفعَ إليه حِصتَه منه إنِ انقسَمَ، وذلك لاتِّفاقِهما على الإِيداعِ فكذا في الاستِردادِ، ولأنَّه يَحتاجُ إلى قِسمةٍ ويَفتقرُ إلى حُكمٍ أو اتِّفاقٍ، وليسَ ذلك للمُودَعِ (١). القَولُ الثانِي: وهو قَولُ الإِمامِ أَبي حَنيفةَ ﵀ أنَّه لا يَجوزُ الدَّفعُ إلى أَحدِ الشَّريكينِ في الوَديعةِ بحالٍ، سَواءٌ كانَت الوَديعةُ مِنْ المِثلياتِ كالمَوزوناتِ والمَكيلاتِ والمَعدوداتِ كالدَّنانيرِ والدَّراهمِ أو كانَت مِنْ القِيمياتِ، فإن دفَعَ إليه معَ غَيبةِ الآخرِ ضمِنَ، ولا يَجوزُ للقاضِي أنْ يَأمرَه بدَفعِ شَيءٍ إليه ما لمْ يَحضرِ الغائِبُ. وجهُ قَولِ أَبي حَنيفةَ ﵀ أنَّ المُودَعَ لو دفَعَ شَيئًا إلى الشَّريكِ الحاضِرِ لا يَخلو: إما أنْ يَدفعَ إليه مِنْ النَّصيبينِ جَميعًا، وإما أنْ يَدفعَ إليه مِنْ نَصيبِه خاصَّةً، لا وَجهَ إلى الأَولِ لأنَّ دَفعَ نَصيبِ الغائِبِ إليه مُمتنِعٌ شَرعًا، ولا سَبيلَ إلى الثانِي لأنَّ نَصيبَه شِائعٌ في الكلِّ لكَونِ الوَديعةِ مُشتَركةً بينَهما ولا تَتميزُ إلا بالقِسمةِ، والقِسمةُ على الغائِبِ غيرُ جائِزةٍ؛ لأنَّ نَصيبَه في المُشاعِ ولا يُمكنُ دَفعُه إليه؛ لأنَّ الدَّفعَ يَقعُ في المُعيَّنِ المُفرَزِ وهو غيرُ المُشاعِ، وحقُّه في المُشاعِ والمُفرَزِ المُعيَّنِ يَشتملُ على الحقَّينِ، ولا يَتميزُ حقُّه إلا

стр. 7788

بالقِسمةِ، وليسَ للمُودَعِ وِلايةُ القِسمةِ، بخِلافِ الدَّينِ المُشتركِ؛ لأنَّه يُطالبُه بتَسليمِ حقِّه؛ لأنَّ الدُّيونَ تُقضى بأَمثالِها (١). القَولُ الثالِثُ: وهو قَولُ الحَنابِلةِ والصاحِبَينِ مِنْ الحَنفيةِ أَبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ، وهو التَّفريقُ بينَ الوَديعةِ إذا كانَت مِنْ المِثليَّاتِ التي لا تَنقصُ بالقِسمةِ، فطلَبَ أَحدُ الشَّريكَينِ حِصتَه مِنْ المُودَعِ معَ غَيبةِ الشَّريكِ الآخرِ أو معَ حُضورِه وامتِناعِه مِنْ الأَخذِ لزِمَ المُودَعَ الدَّفعُ إليه، فإنِ امتَنعَ مِنْ دَفعِ حِصتِه ضمِنَها. وأما غيرُ المِثليِّ كالمُتقوِّماتِ فلا يَجوزُ دَفعُها إليه. قالَ الحَنابِلةُ: إنْ أودَعَه اثنانِ مَكيلًا أو مَوزونًا يَنقسمُ إِجبارًا بأنْ لمْ يَنقصْ بتَفرقِه فطلَبَ أَحدُهما نَصيبَه مِنْ الوَديعِ لغَيبةِ شَريكِه أو حُضورِه وامتِناعِه مِنْ الأَخذِ أو مِنْ الإِذنِ لصاحِبِه في أَخذِ حقِّه سلَّمَ المُودَعُ نَصيبَه إليه وُجوبًا؛ لأنَّه أمكَنَ تَمييزُ نَصيبِ أَحدِ الشَّريكَينِ مِنْ نَصيبِ الآخرِ بغيرِ غَبنٍ ولا ضَررٍ، فإذا طلَبَ أَحدُهما نَصيبَه لزِمَه دفَعَه إليه كما لو كانَ مُتميِّزًا. وأما غيرُ المِثليِّ فلا يَجوزُ دَفعُ نَصيبِه إليه؛ لأنَّ قِسمتَه لا يُؤمنُ فيها الحَيفُ لافتِقارِها إلى التَّقويمِ، وهو ظنٌّ وتَخمينٌ (٢).

стр. 7789

وقالَ الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ: إذا كانَت الوَديعةُ مُشاعًا لرَجُلينِ فجاءَ أَحدُهما وطلَبَ حِصتَه فإنَّه يَقسمُ ذلك ويَدفعُ إليه حِصتُه. وَجهُ قَولِهما: أنَّه طلَبَ نَصيبَه خاصَّةً فيُؤمرُ بالدَّفعِ إليه؛ لأنَّه مُتصرِّفٌ في مِلكِ نَفسِه فكانَ له ذلك مِنْ غيرِ حَضرةِ الغائِبِ، كما إذا كانَ لرَجلينِ دَينٌ مُشتَركٌ على رَجلٍ، فجاءَ أَحدُهما وطلَبَ حِصتهَ مِنْ الدَّينِ، فإنَّه يَدفعُ إليه حِصتَه لمَا قُلنا، كذا هذا، وهذا لأنَّه يُطالبُه بتَسليمِ ما سلَّمَ إليه وهو النِّصفُ وهو له، ولهذا كانَ له أنْ يَأخذَه إذا ظفِرَ به، فكذا يُؤمرُ المُودَعُ بالتَّسليمِ إليه. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولا يَكونُ ذلك قِسمةً جائِزةً على الغائِبِ بلا خِلافٍ، حتى لو هلَكَ الباقِي في يدِ المُودَعِ ثُم جاءَ الغائِبُ له أنْ يُشاركَ صاحِبَه في المَقبوضِ عندَهم جَميعًا. ولو هلَكَ المَقبوضُ في يدِ القابِضِ ثُم جاءَ الغائِبُ فليسَ للقابِضِ أنْ يُشاركَ صاحِبَه في الباقِي (١). والخِلافُ بينَ أَبي حَنيفةَ والصَّاحِبينِ في المِثليَّاتِ، أما لو كانَت الوَديعةُ مِنْ ذَواتِ القِيمِ كالثِّيابِ والعَبيدِ والبَهائمِ ضمِنَ اتِّفاقًا (٢).

стр. 7790

وقالَ الزَّيلعيُّ: والخِلافُ في ذَواتِ الأَمثالِ، وفي غيرِه ليسَ له ذلك بالإِجماعِ (١). وما ذهَبَ إليه الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ هو ما أخَذَت به «مَجلَّة الأَحكامِ العَدليَّة» مادة (٧٩٦): «إذا أودَعَ رَجلانِ مالًا مُشتَركًا لهما عندَ شَخصٍ ثُم جاءَ أَحدُ الشَّريكَينِ في غَيبةِ الآخرِ وطلَبَ حِصتَه مِنْ المُستودَعِ فإنْ كانَت الوَديعةُ مِنْ المِثليَّاتِ أَعطاه المُستودَعِ حِصتُه، وإنْ كانَت مِنْ القيميَّاتِ لا يُعطيه إيَّاها». ادِّعاءُ اثنينِ الوَديعةَ: إذا كانَ معَ الإِنسانِ وَديعةٌ فادَّعاها اثنانِ فهذا لا يَخلو مِنْ ثَلاثِ حالاتٍ: الحالَةُ الأُولى: أنْ يَعرِفَ عينَ مالِكِها: نصَّ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ مَنْ كانَت عندَه وَديعةٌ فادَّعاها نَفسانِ فأقَرَّ بها لأَحدِهما سُلمَت إليه؛ لأنَّ يدَه دَليلُ مِلكِه، فلو ادَّعاها لنَفسِه كانَ القَولُ قَولَه، فإذا أقَرَّ بها لغَيرِه وجَبَ أنْ يُقبلَ، ويَلزمُه أنْ يَحلفَ للآخرِ؛ لأنَّه مُنكِرٌ لحقِّه، فإنْ حلَفَ برِئَ، وإنْ نكَلَ لزِمَه أنْ يَغرمَ له قيمتَها؛ لأنَّه فَوتَها عليه.

стр. 7791

قالَ الحَنابِلةُ: وكذلك لو أقَرَّ للثانِي بها بعدَ أنْ أقَرَّ بها للأَولِ سُلمَت إلى الأَولِ؛ لأنَّه استحَقَّها بإِقرارِه، وغرِمَ قيمتَها للثانِي (١). وقالَ النَّوويُّ: إذا كانَ في يدِه مالٌ وجاءَ رَجلانِ ادَّعى كلٌّ أنَّه مُودِعُه فإنْ أقَرَّ لأَحدِهما بعَينِه فيُعطاه، وهل يَحلفُ للآخرِ؟، يُبنى على أنَّه لو أقَرَ لزَيدٍ بشَيءٍ ثُم أقَرَّ به لعَمرٍو هل يَغرمُ لعَمرٍو إنْ قُلْنا «لا» فلا؟ وإن قُلْنا: «نعم» عُرضَت اليَمينُ عليه، فإن حلَفَ سقَطَت دَعوى الآخرِ، وإنْ نكَلَ حلَفَ الآخرُ. ثُم هل يُوقفُ المالُ بينَهما إلى أنْ يَصطلِحا أم يُقسمُ بينَهما كما لو أقَرَّ لهما؟ أم يَغرمُ المُدَّعى عليه القِيمةَ له؟ فيه ثَلاثةُ أَوجهٍ عن ابنِ سُريجٍ، قالَ ابنُ الصَّباغِ: المَذهبُ هو الثالثُ (٢). الحالَةُ الثانيةُ: أنْ يُقرَّ بها لهما جَميعًا: قالَ الحَنابِلةُ: إنِ ادَّعى الوَديعةَ اثنانِ فأقَرَّ بها لهما جَميعًا فهي بينَهما، كما لو كانَت بأَيدِيهما وتَداعياها، ويَلزمُه اليَمينُ لكلِّ واحدٍ منهما في نِصفِها، فإنْ نكَلَ عن اليَمينِ لزِمَه عِوضُها يَقتسمانِه، وإنْ نكَلَ عن اليَمينِ لأَحدِهما دونَ الآخرِ لزِمَه لمَن نكَلَ عن اليَمينِ له عوضُ نِصفِها (٣).

стр. 7792

وقالَ الشافِعيةُ: إنْ كانَ في يدِه مالٌ وجاءَ رَجلانِ وادَّعى كلٌّ أنَّه مُودِعُه، فإنْ قالَ المُودَعُ هو لكما فهو كمالٍ في يدِ شَخصينِ يَتداعَيانِه، فإنْ حلَفَ أَحدُهما قُضيَ له، ولا خُصومةَ للآخرِ معَ المُودَعِ لنُكولِه. وإنْ نَكلا أو حلَفا جُعلَ بينَهما، وحُكمُ كلِّ واحدٍ منهما في النِّصفِ الآخرِ كالحُكمِ في الجَميعِ في حقِّ غيرِ المُقرِّ له (١). الحالَةُ الثالِثةُ: أنْ يُقرَّ بها لأَحدِهما ولكنْ لا يَعرفَ عَينَ مالكِها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَت في يدِه وَديعةٍ وتَنازعَها اثنانِ، فادَّعى كلُّ واحدٍ منهما أنَّها مِلكَه وأنَّه أودَعَها إيَّاه، والمُودَعُ لا يَعرفُ عَينَ مالكِها منهما، فقالَ المُودَعُ: أودَعَها أَحدُكما، ولكنْ لا أَدري أيُّكما هو. فقالَ الحَنفيةُ: لو كانَ في يدِه أَلفُ دِرهمٍ فجاءَه رَجلانِ وادَّعى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه أودَعَه إيَّاها، فقالَ المُودَعُ: «أودَعَها أَحدَكما ولسْتُ أَدري أيُّكما هو»، فهذا في الأَصلِ لا يَخلو مِنْ أَحدِ وَجهينِ: إما إنِ اصطلَحَ المُتداعيانِ على أنْ يَأخُذا الأَلفَ وتَكونَ بينهما. وإما إنْ لمْ يَصطلِحا وادَّعى كلُّ واحدٍ منهما أنَّ الأَلفَ له خاصَّةً لا لصاحِبِه. فإنِ اصطلَحا على ذلك فلهما ذلك، وليسَ للمُودَعِ أنْ يَمتنعَ عن تَسليمِ الأَلفِ إليهما؛ لأنَّه أقَرَّ أنَّ الألَفَ لأَحدِهما، وإذا اصطلَحا على أنَّها تَكونُ بينَهما لا يُمنعانِ عن ذلك، وليسَ لهما أنْ يَستحلِفا المُودَعِ بعدَ الصُّلحِ.

стр. 7793

وإنْ لمْ يَصطلِحا وادَّعى كلُّ واحدٍ منهما أنَّ الأَلفَ له لا يَدفعُ إلى أَحدِهما شَيئًا؛ لجَهالةِ المُقِرِّ له بالوَديعةِ، ولكلِّ واحدٍ منهما أنْ يَستحلفَ المُودَعَ، فإنِ استَحلفَه كلُّ واحدٍ منهما فالأَمرُ لا يَخلو: إما أنْ يَحلفَ لكلِّ واحدٍ منهما وإما أنْ يَنكلَ لكلِّ واحدٍ منهما وإما أنْ يَحلفَ لأَحدِهما ويَنكلَ للآخرِ. فإنْ حلَفَ لهما فقد انقطَعَت خُصومتُهما للحالِ إلى وَقتِ إِقامةِ البَينةِ كما في سائِرِ الأَحكامِ، وهل يَملكانِ الاصطِلاحَ على أَخذِ الأَلفِ بينَهما بعدَ الاستِحلافِ؟ فهو على الاختِلافِ المَعروفِ بينَ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ وبينَ مُحمَّدٍ، على قَولِهما لا يَملكانِ وعلى قَولِ مُحمَّدٍ يَملكانِ، وهي مَسألةُ الصُلحِ بعدَ الحَلفِ. وإنْ نكَلَ لهما يُقضى بالأَلفِ بينَهما نِصفينِ، ويَضمنُ أَلفًا أُخرى بينَهما، فيَحصلُ لكلِّ واحدٍ منهما أَلفٌ كامِلةٌ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَدعي أنَّ كلَّ الأَلفِ له، فإذا نكَلَ له والنُّكولُ بَذلٌ أو إِقرارٌ فكأنَّه بذَلَ لكلِّ واحدٍ منهما أَلفًا أو أقَرَّ لكلِّ واحدٍ منهما بأَلفٍ، فيُقضى عليه بينَهما بأَلفٍ ويَضمنُ أَيضًا أَلفًا أُخرى تَكونُ بينَهما، ليَحصلَ لكلِّ واحدٍ منهما أَلفٌ كامِلةٌ. ولو حلَفَ لأَحدِهما ونكَلَ للآخرِ يُقضى بالأَلفِ للذي نكَلَ له ولا شَيءَ للذي حلَفَ له؛ لأنَّ النُّكولَ حُجةٌ مَنْ نكَلَ له لا حُجةُ مَنْ حلَفَ له (١).

стр. 7794

وقالَ المالِكيةُ: إذا ادَّعى رَجلانِ الوَديعةَ فقالَ المُودَعُ هي لأَحدِكما ولكنِّي نَسيتُ ولا أَدري مَنْ هو منكما، فإنَّهما يَتحالفانِ وتُقسَمُ بينَهما نِصفينِ، وكذلك إذا نكَلا قُسمَت بينَهما، وإذا حلَفَ أَحدُهما ونكَلَ الآخرُ فهي كلُّها للذي حلَفَ، ولا شَيءَ للذي نكَلَ، بخِلافِ الدَّينِ يدَّعيه رَجلانِ فيَقولُ مَنْ هو عليه هو لأَحدِهما ولا أَدري عينَه، فإنَّه يَغرمُه لكل منهما بعدَ حَلفِهما؛ لأنَّ الوَديعةَ أَمانةٌ والدَّينُ في ذِمتِّه. ولو قالَ ليسَت الوَديعةُ لواحدٍ منكما، لمْ يُقبلْ، وكانَت بينَهما بعدَ حَلفِهما إذا كانَت باقيةً تحتَ يدِ المُودَعِ؛ إذ لو قالَ رددْتُها لأَحدِهما، فإنْ لمْ يَثبتْ أيُّهما هو ضمِنَ قَدرَها لكلِّ واحدٍ منهما، وهذا معَ اتِّحادِ قَدرِها؛ إذ لو اختلَفَت بأنْ أودَعَه واحدٌ مائةً وآخرُ خَمسينَ ونسِيَ مَنْ صاحبُ المائةِ وادَّعاها كلٌّ منهما فقالَ سحنُونٌ: يَحلفانِ على المائةِ ويَقتسمانِها، وأما الخَمسونَ الباقِيةُ فتَبقى بيدِ المُودَعِ؛ إذ ليسَ لها مُدَّعٍ، وقالَ بعضُ أَصحابِنا: يَغرمُ لكلٍّ منهما مائةً بعدَ حَلفِهما. قالَ ابنُ القاسِمِ في «العُتبية» فيمَن بيدِه وَديعةٌ مائتا دينارٍ فأَتى رَجلانِ كلُّ واحدٍ يَدَّعيها ولا يَدري لمَن هي منهما قالَ: تَكونُ بينَهما بعدَ أَيمانِهما، فمَن نكَلَ منهما فلا شَيءَ له، وهي كلُّها لمَن حلَفَ، وأما في الدَّينِ فيَغرمُ لكلِّ واحدٍ منهما مائةً (١).

стр. 7795

وقالَ الشافِعيةُ: إذا كانَت في يدِه وَديعةٌ وادَّعاها اثنانِ فقالَ المُودَعُ: هي لأَحدِكما وقد نسِيت عَينَه، فإنْ ضمَّنَا المُودَعَ بالنِّسيانِ فهو ضامِنٌ، وإلا نُظرَ: إنْ صدَّقاه فلا خُصومةَ لهما معَه، وإنما الخُصومةُ بينَهما، فإنِ اصطلَحَا على شَيءٍ فذاك، وإلا فيَجعلُ المالَ كأنَّه في أيدِيهما يَتداعيانِه، هذا هو الصَّحيحُ. وقيلَ: هو كمالٌ في يدِ ثالثٍ يَتداعيانِه؛ لأنَّه لمْ يَثبتْ لأَحدِهما يدٌ. فعلى الأَولِ لو أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَينةً أو حلَفا أو نكَلا فهو بينَهما، وإنْ أقامَ أَحدُهما بَينةً أو حلَفَ ونكَلَ صاحِبُه قُضيَ له. قالَ النَّوويُّ ﵀: وعلى الثانِي لو أقامَ كلٌّ بَينةً فعلى الخِلافِ في تَعارضِ البيِّنتينِ، وإنْ نكَلا أو حلَفا وقفَ المالُ بينهما. وسَواءٌ قلْنا بالأَولِ أم بالثانِي، هل يُتركُ المالُ في يدِ المُدَّعى عليه إلى أنْ تَنفصلَ خُصومتُهما أم يُنزعُ منه؟ فيه قَولانِ، أَظهرُهما الثاني، وبه قطَعَ البَغويُّ وغيرُه، قالَ المُتولِّي: والقَولانِ فيما إذا طلَبَ أَحدُهما الانتِزاعَ والآخرُ التَّركَ، أما إذا اتَّفقا على أَحدِ الأَمرينِ فيَتبعُ الحاكِمُ رَأيَهما. أما إذا كذَّباه في دَعوى النِّسيانِ وادَّعيا عِلمَه فهو المُصدَّقُ بيَمينِه، ويَكفيه يَمينٌ واحدةٌ على نَفي العِلمِ؛ لأنَّ المُدَّعى شَيءٌ واحدٌ وهو عِلمُه، وهل للحاكِمِ تَحليفُه على نَفيِ العِلمِ إذا لمْ يَدَّعِه الخَصمانِ؟ وَجهانِ، ثُم إذا حلَفَ فالحُكمُ كما إذا صدَّقاه في النِّسيانِ، وقيلَ يُنتزعُ المالُ مِنْ يدِه هنا وإنْ لمْ يُنتزعْ هناك؛ لأنَّه خائنٌ عندَهما بدَعوى النِّسيانِ، وإنْ نكَلَ رُدَّت اليَمينُ

стр. 7796

عليهما، فإنْ نكَلا فالمالُ مَقسومٌ بينَهما أو مَوقوفٌ حتى يَصطلِحا على ما سبَقَ، وإنْ حلَفَ أَحدُهما فقطْ قُضيَ له، وإنْ حلَفا فقَولانِ، ويُقالُ وَجهانِ: أَحدُهما يُوقفُ حتى يَصطلِحا، وأَظهرُهما يُقسمُ لأنَّه في أَيدِيهما، وعلى هذا يُغرَّمُ القِيمةُ وتُقسمُ بينَهما أَيضًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما أثبَتَ بيَمينِ الردِّ كلَّ العينِ ولمْ يَأخذْ إلا نِصفَها، هذا هو الصَّحيحُ الأَشهرُ فيما إذا نكَلَ المُودَعُ. وقيلَ: لا يغرمُ القِيمةَ معَ العَينِ إذا حلَفا. وقيلَ: لا تُردُّ اليَمينُ عليهما بنُكولِه، بل يُوقفُ بِناءً على أنَّهما لو حلَفا وُقفَ المالُ بينَهما، فلا مَعنى لعَرضِ اليَمينِ. وإذا ردَدْنا اليَمينَ فهل يُقرَعُ بينَهما أم يَبدأُ الحاكِمُ بمَن رَأى؟ وَجهانِ، أَصحُّهما الثانِي، حكاه السَّرخسيُّ في «الأَمالي»، وإذا حلَفا وقسَّمَ بينَهما العَينَ والقِيمةَ فإنْ لمْ يُنازعْ أَحدُهما الآخرَ فلا كَلامَ، وإنْ نازعَه وأقامَ أحدُهما البَينةَ أنَّ جَميعَ العَينِ له سلَّمْناها إليه، وردَدْنا القِيمةَ إلى المُودَعِ، وإنْ لمْ تَكنْ بَينةٌ ونكَلَ صاحبُه عن اليَمينِ فحلَفَ واستَحقَّ العَينَ ردَّ نِصفَ القِيمةِ الذي أخَذَه، ولا يَردُّ الناكلُ ما أخَذَه؛ لأنَّه استَحقَّه بيَمينِه على المُودَعِ ولمْ يَعدْ إليه المُبدلُ، ونُكولُه كانَ معَ صاحبِه لا معَ المُودَعِ. وصرَّحَ في «الوَسيط» بأنَّ الناكِلَ لا يَردُّ، سَواءٌ سُلمَت العَينُ بالبَينةِ أو باليَمينِ (١).

стр. 7797

وقالَ الحَنابِلةُ: إذا ادَّعى الوَديعةَ اثنانِ فقالَ: هي لأَحدِهما ولا أَعرفُ عَينَه. فإنْ صدَّقاه واعترَفا له بجَهلِه أو سكَتا عن تَصديقِه أو تَكذيبِه تَعينَ المُستحِقُّ لها ولا يَمينَ عليه إذ لا اختِلافَ، ويُقرعُ بينَهما، فمَن خرَجَت له القُرعةُ سُلمَت إليه بيَمينِه. وإنْ كذَّباه أو كذَّبَه أَحدُهما بأنْ قالَ: تَعرفُ أيُّنا صاحِبُها حلَفَ لهما يَمينًا واحدةً أنَّه لا يَعلمُ عَينَه، ويُقرعُ بينَهما، فمَن خرَجَت له القُرعةُ حلَفَ أنَّها له لاحتِمالِ عَدمِه، وأخَذَها بمُقتضى القُرعةِ. فإنْ نكَلَ المُودَعُ عن اليَمينِ أنَّه لا يَعلمُ صاحبَها حُكمَ عليه بالنُّكولِ، وأُلزمَ تَعيينَ صاحِبِها، فإنْ أَبى التَّعيينَ أُجبِرَ على القِيمةِ إنْ كانَت مُتقوِّمةً، وعلى المِثلِ إنْ كانَت مِثليَّةً، فتُؤخذُ القِيمةُ أو المِثلُ أو العَينُ، فيَقتَرِعانِ عليهما (١). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفُوا فيما إذا أقَرَّ بوَديعةٍ في يدِه لنَفسينِ لا يَعرفُ عينَ مالِكِها. فقالَ الشافِعيُّ وأَحمدُ: القَولُ قَولُه بغيرِ يَمينٍ إنْ لمْ يَدعِيا عليه العِلمَ بمالِكِها، فإنِ ادَّعيا عليه العِلمَ وأنكَرَه استُحلفَ. وقالَ أَبو حَنيفةَ: يُستحلفُ لكلِّ واحدٍ منهما بكلِّ حالٍ على البتِّ أنَّه ما أودَعَه.

стр. 7798

وقالَ مالِكٌ: يُحلِّفُهما ويُسلمُ إليهما الوَديعةَ يَقتسمانِها، وهل يَغرمُ لهما مثلَ الوَديعةِ؟ على رِوايتَينِ. واختلَفُوا ماذا يَصنعُ بها في كلا الحالَينِ؟ فقالَ أَبو حَنيفةَ: توقَّف حتى يَتبينَّ أَمرُهما، إلا أنْ يَنكلَ على اليَمينِ لأَحدِهما فيَقضي له بها. وقالَ أَحمدُ: يُقرعُ بينَهما، فمَن وقَعَت القُرعةُ عليه أُحلِفَ أنَّها له وسُلمَت إليه. وقالَ الشافِعيُّ: لا يُقرعُ، واختَلفَ قَولُه ماذا يَصنعُ بها على قَولينِ، مرَّةً قالَ: تُنزعُ مِنْ يدِ المُودَعِ، ومرَّةً قالَ: تُقرُّ في يدِه حتى يَتبيَّن أَمرَها (١). وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: واختلَفُوا في المُودَعِ، يُشكلُ عليه مَنْ أودَعَه، وقد ادَّعاها رَجلانِ. فكانَ الشافِعيُّ يَقولُ: يَحلفُ باللهِ ما يَعلمُ مَنْ أودَعَه، ويُوقفُ الشَّيءُ بينَهما حتى يَصطلِحا، أو تَقومَ البَينةُ لمَن هي. وفيه قَولٌ ثانٍ، وهو أنَّ الوَديعةَ تُقسمُ بينَهما نِصفينِ، ويَضمنُ لهما مثلَ ذلك؛ لأنَّه أتلَفَ ما استُودعَ بجَهلِه، هذا قَولُ النُّعمانِ ويَعقوبَ ومُحمَّدٍ. وقالَ ابنُ أَبي لَيلى: هي بينَهما نِصفينِ (٢).

стр. 7799

فصل في خَلطِ الوَديعةِ واختِلاطِها وإِتلافِها خَلطُ المُودَعِ الوَديعةَ لا يَخلو مِنْ حالتَينِ: الحالَةُ الأُولى: أنْ يَخلطَها بما تَتميَّزُ به عن غيرِها أو يَسهلُ تَفريقُها منه: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ المُودَعَ إذا خلَطَ الوَديعةَ بغيرِها، بحيثُ تَتميزُ عنه، أو يَسهلُ تَفريقُها منه كدَراهمَ معَ دَنانيرَ أو ليرةٍ تُركيةٍ بجُنيهٍ مِصريٍّ فإنَّه لا يَلزمُه ضَمانُها؛ لأنَّها تَتميزُ عنها فلا يَعجزُ بذلك عن ردِّها على صاحِبِها فلمْ يَضمنْها، كما لو ترَكَها في صُندوقٍ وفيها أَكياسٌ له. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وبهذا قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ، ولا نَعلمُ فيه اختِلافًا (١).

стр. 7800

الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ يَخلطَها بما لا يُمكنُ تَميزُها عنه أو يَعسرُ: إذا خلَطَ المُودَعُ الوَديعةَ بما لا يُمكنُ تَمييزُه عنها، بحَيثُ يَعسرُ تَمييزُ وتَفريقُ أَحدِ المالَينِ عن الآخرِ، فهذا لا يَخلو مِنْ أَحدِ أَمرينِ: الأَمرُ الأَولُ: أنْ يَفعلَ ذلك بإِذنِ ربِّ الوَديعةِ: إذا خلَطَ الوَديعةَ بما لمْ تَتميزْ منه مِنْ مالِه أو مالِ غيرِه فقد نصَّ الحَنابِلةُ أنَّه لا ضَمانَ عليه، سَواءٌ خلَطَها بمالِه أو بمالِ غيرِه؛ لأنَّه فعَلَ ما أُمرَ به مِنْ ربِّها، فكانَ نائبًا عن المالِكِ فيه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقد نقَلَ مُهنَّا عن أَحمدَ في رَجلٍ استُودِعَ عَشرةَ دَراهمَ واستودَعَه آخرُ عَشرةً وأمَرَه أنْ يَخلطَها فخلَطَها فضاعَت الدَّراهمُ فلا شَيءَ عليه، فإنْ أمَرَه أَحدُهما بخَلطِ دَراهمِه ولمْ يَأمرْه الآخرُ فعليه ضَمانُ دَراهمِ مَنْ لمْ يَأمرْه دونُ الأُخرى (١). الأَمرُ الثانِي: أنْ يَخلطَ الوَديعةَ بما لا يُمكنُ تَمييزُها عنه بغيرِ إِذنِ ربِّ الوَديعةِ: وهذا له صُورٌ مُتعدِّدةٌ بَيانُها فيما يلي: أ- خَلطُ الوَديعِ الوَديعةَ بمالِه أو بمالِ غيرِه: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُودَعَ إذا خلَطَ الوَديعةَ بما هو غيرُ مُماثلٍ لها جِنسًا أو صِفةً مِنْ مالِه أو مِنْ مالِ غيرِه -كخَلطِ القَمحِ بالشَّعيرِ ونحوِه- أنَّه

стр. 7801

يَلزمُه الضَّمانُ لتَعدِّيه بذلك؛ حيثُ إنَّه فوَّتَ عينَها بالخَلطِ، فلا يَقدرُ على تَخليصِها، ولأنَّه إذا كانَ لا يَتميزُ فقد عجَزَ المالِكُ مِنْ الانتفاعِ بالوَديعةِ، فكانَ الخَلطُ منه إِتلافًا فيَضمنُ. إلا أنَّهم اختلَفُوا فيما لو خلَطَها بجِنسِها المُماثِلِ لها جَودةً ورَداءةً كحِنطةٍ بمِثلِها أو ذَهبٍ بمِثلِه، هل يَضمنُها أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا خلَطَ الوَديعةَ بمالِه أو بغيرِ مالِه على وَجهٍ يَتعسَّرُ معه تَمييزُ المالَينِ عن بَعضِهما فعليه الضَّمانُ، سَواءٌ خلَطَها بمِثلِها أو دونَها أو أَجودَ منها، مِنْ جِنسِها أو غيرِه، وسَواءٌ أكانَ خَلطَ مُجاوَرةٍ كقَمحٍ بقَمحٍ أو قَمحٍ بشَعيرٍ، أو خَلطَ مُمازَجةٍ كالخلِّ بالزَّيتِ؛ لأنه صارَ مُستهلكًا لها حُكمًا بالخَلطِ لتَعذُّرِ ردِّها إلى مالِكِها بعدَه؛ لأنَّه إذا كانَ لا يَتميزُ فقد عجَزَ المالِكُ مِنْ الانتفاعِ بالوَديعةِ، فكانَ الخَلطُ منه إِتلافًا فيَضمنُ (١). قالَ الحَنفيةُ: الخَلطُ على وُجوهٍ:

стр. 7802

أَحدُها: الجِنسُ بالجِنسِ كالحِنطةِ بالحِنطةِ، والشَّعيرِ بالشَّعيرِ، والدَّراهمِ بالدَّراهمِ، والبِيضِ بالبِيضِ، والسُّودِ بالسُّودِ. والثانِي: خَلطُ الجِنسِ بغيرِه كالحِنطةِ بالشَّعيرِ، والخلِّ بالزَّيتِ ونحوِهما. والثالِثُ: خَلطُ المائِعِ بجِنسِه. إلا أنَّ فُقهاءَ الحَنفيةِ اختلَفُوا، هل يَنقطعُ حقُّ المالِكِ عنها أم لا؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ: الأَولُ: لأَبي حَنيفةَ، وهو أنْ يَنقطعَ حقُّ المالِكِ عن الوَديعةِ بكلِّ حالٍ مائِعًا كانَ أو غيرَ مائِعٍ، ويَصيرُ المَخلوطُ مِلكَ الخالِطِ، ويَضمنُ الخالِطُ للمُودِعِ حقَّه، وعليه الفَتوى عندَ الحَنفيةِ. الثانِي: لمُحمَّدِ بنِ الحَسنِ الشَّيبانِيِّ، وهو أنَّ الوَديعَ يَصيرُ شَريكًا لمالِكِ الوَديعةِ شَركةَ مِلكٍ اختِيارِيةٍ، فإذا هلَكَت أو ضاعَت بلا تَعدٍّ ولا تَفريطٍ منه، فلا ضَمانَ عليه، ووافَقَه أَبو يُوسفَ في غيرِ المائِعِ.

стр. 7803

والثالِثُ: لأَبي يُوسفَ، وهو أنَّه يَجعلُ الأَقلَّ تابِعًا للأَكثرِ، اعتِبارًا للغالِبِ، يَعني أنَّ مَنْ كانَ مالُه أَكثرَ يَكونُ المَخلوطُ مِلكَه، ويَضمنُ للآخرِ حقَّه، وذلك في المائِعِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه إنْ خلَطَها بجِنسِها المُماثِلِ لها جَودةً ورَداءةً، كحِنطةٍ بمِثلِها أو ذَهبٍ بمِثلِه أو نَحوِ ذلك مما هو مُماثِلٌ في الجِنسِ والصِّفةِ فلا ضَمانَ عليه في ذلك إذا وقَعَ على وَجهِ الإِحرازِ -أي الحِفظِ والرِّفقِ- لا على وَجهِ التَّملكِ وإلا ضمِنَ؛ لأنَّه يُمكنُ إذا بقِيَ كلٌّ على حِدتِه أنْ يَضيعَ أَحدُهما دونَ الآخرِ. ثُم إذا خلَطَ المُودَعُ قَمحًا ونَحوَه بمِثلِه أو دَراهمَ أو شَبهَها بمِثلِها للإِحرازِ وتلِفَ بعضُ ذلك فإنَّ التالِفَ بينَهما على قَدرِ نَصيبِ كلِّ واحدٍ منهما، فإذا كانَ الذاهِبُ واحدًا مِنْ ثَلاثةٍ لأَحدِهما واحدٌ وللآخرِ اثنانِ، فعلى صاحِبِ الواحِدِ ثُلثُه وعلى صاحِبِ الاثنَينِ ثُلُثاه على المُعتمَدِ، إلا أنْ يَتميزَ التالِفُ ويُعرفُ أنَّه لشَخصٍ مُعينٍ منهما فمُصيبتُه مِنْ ربِّه. ومِن «المُدوَّنة»: مَنْ أودَعْتَه دَنانيرَ أو دَراهمَ فخلَطَه بمِثلِها ثُم ضاعَ المالُ كلُّه لمْ يَضمنْ، وإنْ ضاعَ بَعضُه كانَ ما ضاعَ وما بقِيَ بينهما؛ لأنَّ دَراهمَك لا تُعرفُ مِنْ دَراهمِه، ولو عُرفَت بعَينِها كانَت مُصيبةُ كلِّ واحدةٍ مِنْ ربِّها، ولا يُغيِّرُها الخَلطُ. وإنْ أودَعْتَه حِنطَةً فخلَطَها بحِنطةٍ مِثلِها وفعَلَ ذلك على وَجهِ الإِحرازِ والدَّفعِ فهلَكَ الجَميعُ لمْ يَضمنْ؛ لأنَّ المُودِعَ على مِثلِ ذلك دخَلَ، وقد يَشقُّ على المُودَعِ أنْ يَجعلَ كلَّ ما أُودعَه على حِدةٍ، ولأنَّه لو تَعدَّى على الوَديعةِ فأكَلَها ثُم ردَّ مِثلَها ثُم ضاعَت بعدَ ردِّه لمْ يَلزمْه شيءٌ، فخَلطُه بمِثلِها كردِّ مِثلِها لمْ يَضمنْ إذا ضاعَت، وإنْ كانَت مُختلفةً ضمِنَ، وكذلك إنْ خلَطْتَ

стр. 7804

حِنطَتَك بشَعيرِه ثُم ضاعَ الجَميعُ فهو ضامِنٌ؛ لأنَّه قد أفاتَها بالخَلطِ قبلَ هلاكِها؛ لأنَّها لا تَتميزُ، وليسَ كصِنفٍ واحدٍ مِنْ عينٍ أو طَعامٍ اه (١). ب- خَلطُ المُودَعِ الوَديعةَ بمالِ صاحِبِها: اختَلفَ الفُقهاءُ في المُودَعِ إذا خلَطَ الوَديعةَ بمالٍ آخرَ لصاحِبِ الوَديعةِ هل يَضمنُ أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في أَصحِّ الوَجهينِ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ المُودَعَ إذا خلَطَ الوَديعةَ بوَديعةٍ أُخرى للمُودِعِ أو بمالٍ له آخرَ وتعذَّرَ التَّمييزُ بينَهما أنَّه ضامِنٌ لها؛ لأنَّه مُتعدٍّ بذلك؛ إذ لمْ يَرضَ المُودِعُ أنْ يَكونَ أَحدُهما مُختلِطًا بالآخرِ. وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في الوَجهِ الثانِي عندَهما إلى أنَّه لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ الجَميعَ مالُه، وقد لا يَكونُ له غَرضٌ في تَفريقِه. ومَحلُّ الوَجهينِ عندَ الشافِعيةِ إذا أودَعَهما غيرَ مَختومَينِ، أما المَختومانِ فيَضمنُ بلا خِلافٍ بفَتحِ الخَتمِ فقط، كفَتحِ الصُّندوقِ المُقفَلِ، بخِلافِ حلِّ خَيطٍ يُشدُّ به رأسُ الكيسِ أو رِزمةُ القُماشِ؛ لأنَّ القَصدَ به مَنعُ الانتِشارِ لا كتمُه عنه (٢).

стр. 7805

ج- خَلطُ غيرِ المُودَعِ الوَديعةَ بمالِه: قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ، على أنَّ الوَديعةَ إذا كانَت دَراهمَ فاختلَطَت بغيرِها أو خلَطَها غيرُ المُودَعِ ثُم تلِفَت أنَّه لا ضَمانَ على المُودَعِ (١). إلا أنَّهم اختلَفُوا على مَنْ يَكونُ الضَّمانُ؟ فذهَبَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ والحَنابِلةُ إلى أنَّ غيرَ المُودَعِ -سَواءٌ كانَ أَجنبيًّا أو مَنْ في عيالِه- إذا خلَطَ الوَديعةَ بغيرِها فالضَّمانُ على مَنْ خلَطَها؛ لأنَّ العُدوانَ منه فالضَّمانُ عليه كما لو أتلَفَها، ولا ضَمانَ على الوَديعِ لانعِدامِ الخَلطِ منه حَقيقةً وحُكمًا. وقالَ الصَّاحِبانِ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ: إنَّ صاحِبَ الوَديعةِ بالخِيارِ، إنْ شاءَ ضمَّنَها الخالِطَ -ولو صَغيرًا- لأنَّه مِنْ التَّعدِّي على أَموالِ النَّاسِ، كما لو كسَرَ زُجاجاتِ الغيرِ فإنَّ الضَّمانَ عليه. وإنْ شاءَ أخَذَ العَينَ وكانا شَريكَينِ (٢). د- اختِلاطُ الوَديعةِ بمالِ المُودَعِ بغيرِ صُنعِه: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الوَديعةَ إذا اختلَطَت بمالِ المُودَعِ بلا صُنعٍ منه ولا تَقصيرٍ فلا ضَمانَ عليه، فإذا انشَقَّ الكيسُ في صُندوقِه فاختلَطَ بدَراهمِه

стр. 7806

فلا ضَمانَ عليه؛ لانعِدامِ الصُّنعِ المُوجِبِ للضَّمانِ عليه، ولأنَّها لو تلِفَت حَقيقةً بغيرِ تَعدٍّ منه أو تَفريطٍ، فلا ضَمانَ عليه، فاختِلاطُها بغيرِها أَولى (١). وقد نصَّ الحَنفيةُ على أنَّ المَخلوطَ يَصيرُ مُشتَركًا بينَهما، فإنْ هلَكَ بعضُها هلَكَ مِنْ مالِهما جَميعًا، ويُقسمُ الباقِي بينَهما على قَدرِ ما كانَ لكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه ليسَ أَحدُهما بأنْ يَجعلَ الهالِكَ مِنْ نَصيبِه بأَولى مِنْ الآخرِ، والأَصلُ في المالِ المُشتركِ إذا هلَكَ شَيءٌ منه أنَّ ما هلَكَ هلَكَ على الشَّركةِ، وما بقِيَ بقِيَ على الشَّركةِ، باعتِبارِ أنَّ الهالِكَ يُجعلُ كأنْ لمْ يَكنْ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: إنِ اختلَطَت الوَديعةُ بغيرِها مِنْ غيرِ تَفريطٍ مِنْ الوَديعِ فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّها لو تلِفَت بذلك لمْ يَضمنْ، فخَلطُها أَولى. قالَ البُهوتيُّ: فإنْ ضاعَ البعضُ جُعلَ مِنْ مالِ المُودَعِ في ظاهِرِ كَلامِ الإِمامِ أَحمدَ، ذكَرَه المَجدُ في شَرحِه، وذكَرَ القاضِي في «الخِلاف» أنَّهما يَصيرانِ شَريكَينِ. قالَ المَجدُ: ولا يَبعدُ على هذا أنْ يَكونَ الهالِكُ منهما (٣).

стр. 7807

هـ- خَلطُ الوَديعِ وَديعتَينِ لشَخصينِ: قالَ الإِمامُ عَلاءُ الدِّينِ الكاسانِيُّ ﵀: ولو أودَعَه رَجلانِ كلُّ واحدٍ منهما أَلفَ دِرهمٍ فخلَطَ المُودَعُ المالَينِ خَلطًا لا يَتميزُ فلا سَبيلَ لهما على أَخذِ الدَّراهمِ، ويَضمنُ المُودَعُ لكلِّ واحدٍ منهما أَلفًا، ويَكونُ المَخلوطُ له، وهذا قَولُ أَبي حَنيفةَ. وقالَ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ: هما بالخِيارِ، إنْ شاءا اقتَسَما المَخلوطَ نِصفينِ وإنْ شاءا ضَمَّنا المُودَعَ أَلفينِ. وعلى هذا الخِلافِ سائِرُ المَكيلاتِ والمَوزوناتِ إذا خلَطا الجِنسَ بالجِنسِ خَلطًا لا يَتميزُ، كالحِنطةِ بالحِنطةِ والشَّعيرِ بالشَّعيرِ والدُّهنَ بالدُّهنِ. وَجهُ قَولِهما: إنَّ الوَديعةَ قائِمةٌ بعَينِها، لكنْ عجَزَ المالِكُ عن الوُصولِ إليها بعارِضِ الخَلطِ، فإنْ شاءا اقتَسَما لاعتِبارِ جِهةِ القِيامِ، وإنْ شاءا ضمِنا لاعتِبارِ جِهةِ العَجزِ. وَجهُ قَولِ أَبي حَنيفةَ ﵀ أنَّه لمَّا خلَطَهما خَلطًا لا يَتميزُ فقد عجَزَ كلُّ واحدٍ منهما عن الانتِفاعِ بالمَخلوطِ، فكانَ الخَلطُ منه إِتلافًا للوَديعةِ عن كلِّ واحدٍ منهما فيَضمنُ، ولهذا يَثبتُ اختِيارُ التَّضمينِ عندَهما، واختِيارُ التَّضمينِ لا يَثبتُ إلا بوُجودِ الإِتلافِ، دلَّ أنَّ الخَلطَ منه وقَعَ إِتلافًا. ولو أودَعَه رَجلٌ حِنطةً وآخرُ شَعيرًا فخلَطَهما فهو ضامِنٌ لكلِّ واحدٍ منهما مِثلَ حقِّه عندَ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الخَلطَ إِتلافٌ، وعندَهما لهما أنْ يَأخذا العَينَ ويَبيعاها ويَقتسِما الثَّمنَ على قِيمةِ الحِنطةِ مَخلوطًا بالشَّعيرِ وعلى

стр. 7808

قِيمةِ الشَّعيرِ غيرِ مَخلوطٍ بالحِنطةِ؛ لأنَّ قِيمةَ الحِنطةِ تَنقصُ بخَلطِ الشَّعيرِ، وهو يَستحقُّ الثَّمنَ لقيامِ الحَقِّ في العَينِ، وهو مُستحِقٌّ للعَينِ بخِلافِ قِيمةِ الشَّعيرِ؛ لأنَّ قِيمةَ الشَّعيرِ تَزدادُ بالخَلطِ بالحِنطةِ، وتلك الزِّيادةُ مِلكُ الغيرِ، فلا يَستحقُّها صاحِبُ الشَّعيرِ (١). وقالَ المَواقُ المالِكيُّ ﵀ نَقلًا عن اللَّخميِّ ﵀: إنْ كانَ عندَ رَجلٍ وَديعتانِ قَمحٍ وشَعيرٍ فخلَطَهما ضمِنَ لكلِّ واحدٍ منهما مثلَ ما خلَطَ له، فإنِ اختارا رَفعَ العَداءِ عنه وأنْ يَأخذاه مَخلوطًا ويَكونانِ شَريكَينِ فيه جازَ ذلك عندَ ابنِ القاسِمِ وأَشهبَ خِلافًا لسحنُونٍ. وقالَ ابنُ القاسِمِ: وتَكونُ شَركتُهما على القِيمةِ -يُريدُ قِيمةَ القَمحِ مَعيبًا والشَّعيرِ غيرَ مَعيبٍ-، ولا يَجوزُ أنْ يَقتسِماه على ذلك، وإنما يَقتسِمانِ الثَّمن اه مِنْ اللَّخميِّ. والذي لابنِ رُشدٍ: سَواءٌ خلَطَهما عَداءً أو غيرَ عَداءٍ. قالَ: والذي يُوجبُه الحُكمُ أنْ يَقتسِماه بينَهما مَخلوطًا على قِيمةِ القَمحِ والشَّعيرِ يَومَ الخَلطِ، ويُقوَّمُ القَمحُ غيرَ مَعيبٍ خِلافَ قَولِ سحنُونٍ إنَّ القَمحَ يُقوَّمُ مَعيبًا والشَّعيرُ غيرَ مَعيبٍ. وقَولُه «يُباعُ ويَقتسمانِ الثَّمنَ» استِحسانٌ؛ إذ لا مانِعَ يَمنعُ مِنْ اقتِسامِ الطَّعامِ بعَينِه على القِيمِ، ولو لمْ يَجزِ اقتِسامُه بعَينِه على القِيمِ لمَا جازَ اقتِسامُ

стр. 7809

ثَمنِه على ذلك؛ لأنَّه إنما يُباعُ على مِلكِهما، فإنما هو يَأخذُ ثَمنَ ما كانَ أخَذَه له، ولا يَجوزُ لهما أنْ يَقتسِماه على الكيلِ. راجِعْ نَوازلَ ابنِ رُشدٍ وثاني تَرجمةٍ مِنْ الوَديعةِ مِنْ اللَّخميِّ وأَولُ تَرجمةٍ مِنْ الوَديعةِ مِنْ ابنِ يُونسَ. وانظُرْ إِجازَتهم ببَيعِ القَمحِ المَخلوطِ معَ الشَّعيرِ، إنما جازَ ذلك لأنَّه بغيرِ فِعلِهما. وانظُرِ اختِلاطَ الزَّرعِ عندَ الحَصادِ أَولَ تَرجمةِ المُزارعَةِ مِنْ ابنِ سَلمونَ، وذُكرَ عن ابنِ حَبيبٍ أنَّهم يَقتسِمونَه على حَسبِ الزَّريعةِ. ومِن رَسْمَ حلَفَ مِنْ سَماعِ عيسى: يَحلفُ كلُّ واحدٍ على ما بَذروا، ويَقتسِمونَ الطَّعامَ على عَددِ ذلك، قالَ ابنُ رُشدٍ: وهذا كما قالَ، ومَعنى هذا عندِي بعدَ أنْ يَتراجَعوا بما لبعضِهم على بعضٍ مِنْ فضَلَ في العَملِ. وقالَ ابنُ أَبي زَيدٍ في قِسمةِ الشَّعيرِ والزَّيتونِ عندَ الخَلطِ أنْ يَتقاررَ أَربابُ ذلك بينهم على شَيءٍ مَعلومٍ فهو كذلك، وإنْ تجاهَلُوا فليسَ إلا الاصطِلاحُ. قالَ البُرزليُّ: كَثيرًا ما يَقعُ عندَنا بتُونسَ، تَأتي السُّيولُ بالزَّيتونِ في تلك الأَوديةِ وحُكيَ هكذا، وكذلك ما اختَلطَ على يدِ اللُّصوصِ مِنْ الزَّرع والأَطعمةِ، وكذا ما وقَعَ في الرِّوايةِ في السُّفنِ إذا اختَلطَ فيها الطَّعامُ. وفي طُررِ ابنِ عاتٍ: إذا اختَلطَ الكتَّانُ في الوادِي لسَيلٍ أو غيرِه ولمْ يَعرفْ كلُّ واحدٍ مالَه تَحلَّلَ أَصحابُه في ذلك.

стр. 7810

وانظُرْ ما تقدَّمَ في الطَّعامِ المُستهلَكِ أنَّه إنْ أخَذَ ما لا يَشكُّ أنَّه أَقلُّ مِنْ طَعامِه جازَ معَ ما تقدَّمَ لابنِ حَبيبٍ مِنْ قِسمةِ الزَّرعِ المَخلوطِ على حَسبِ الزَّريعةِ، معَ ما تقدَّمَ لابنِ رُشدٍ مِنْ تَخفيفِ اقتِسامِ الطَّعامِ المَخلوطِ بالقِيمةِ. ولو خلَطَ عَداءً هل يَكونُ ذلك كلُّه مُسوِّغًا للذين يَخلطونَ أَلبانَهم أنْ يَأخذَ الإِنسانُ مِنْ الجُبنِ القَدرَ الذي لا يَشكُّ أنَّه يَخرجُ له مِنْ لَبنِ غَنمِه لو أفرَدَها؟ وقد بسَطْت في «سُنن المُهتدينَ» أنَّ إِقدامَ المَرءِ على شَيءٍ بتَأويلٍ ليسَ كمَن أقدَمَ عليه مُجاهِرًا، ومَن أكَلَ حَرامًا يَعتقدُ أنَّه حَلالٌ أُثيبَ على قَصدِه ولا يُعاقَبُ على فِعلِه ولا يُظلمُ به قَلبُه، ومَن أقدَمَ على حَلالٍ صِرفٍ يَعتقدُ شُبهتَه قَسا قَلبُه به وأظلَمَ، وإنْ كانَ مُعتقِدًا حُرمتَه كانَ ذلك جُرحةً فيه، وعليه دَركُ المُخالَفةِ معَ كَونِ ذلك الشَّيءِ في نَفسِه حَلالًا صِرفًا (١). إِتلافُ الوَديعةِ بأَمرِ صاحِبِها: نصَّ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ للإِنسانِ أنْ يُتلفَ مالَ غيرِه ولو بإِذنِه، فإذا قالَ ربُّ الوَديعةِ للمُودَعِ: أَتلِفْ وَديعَتي أو أَلقِها في البَحرِ أو أَحرِقْها بالنَّار لمْ يَجزْ له أنْ يَفعلَ ذلك؛ لأنَّ اللهَ تَعالى نَهى عن إِتلافِ المالِ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو أقدَمَ على إِتلافِها وأتلَفَها بإِذنِ ربِّها هل يَضمنُها أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا ضَمانَ عليه؛ لإِذنِ ربِّها له بذلك؛ لأنَّ الحقَّ في الوَديعةِ ثابِتٌ
следующие страницы →