وعن عَطَاءٍ الخُراسَانِيِّ: «أَنَّ أَبا الدَّردَاءِ أَتَى مَسجدَ دِمَشقَ وهُم يُصَلُّونَ العِشاءَ، وَهو يُرِيدُ المَغربَ، فَصلَّى معَهم، فَلمَّا قَضى الصَّلاةَ قامَ فَصلَّى رَكعَةً، فَجعلَ ثَلاثا لِلمَغربِ، وَرَكعتَينِ تَطوُّعًا»، وَمِنْ طَريقِ قَتادةَ رَوى هذا الخَبرَ، وَزادَ فيه: «ثم صلَّى العِشاءَ».
وعن أَنَس بنِ مَالكٍ: «فِيمَن أَتَى التَّرَاوِيحَ في شَهرِ رَمضَانَ ولَم يكن صلَّى العِشاءَ وقد بَقيَ لِلنَّاسِ رَكعتَانِ، قالَ: اجعَلهُمَا مِنْ العِشاءِ».
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: مَذهبُنا أنَّه تَصحُّ صَلاةُ النَّفلِ خلفَ الفَرضِ، والفَرضِ خلفَ النَّفلِ، وتَصحُّ صَلاةُ فَريضةٍ خلفَ فَريضةٍ أُخرَى تُوافِقُها في العددِ، كظُهرٍ خلفَ عَصرٍ، وتَصحُّ فَريضةٌ خلفَ فَريضةٍ أكثرَ منها، وكلُّ هذا جائِزٌ بلا خِلافٍ عندَنا، ثم إذا صلَّى الظُّهرَ خلفَ الصُّبحِ وسلَّم الإمامُ قامَ المَأمومُ لِإتمامِ صَلاتِه، وحكمُه كحُكمِ المَسبوقِ. ولو صلَّى الظُّهرَ خلفَ المَغربِ جازَ باتِّفاقٍ، ويَتخيَّرُ إذا جلسَ الإمامُ في التشهُّدِ الأخيرِ بينَ مُفارقَتِه لِإتمامِ ما عليه، وبينَ الاستِمرارِ معه حتى يسلِّمَ الإمامُ ثم يَقومَ المَأمومُ إلى رَكعَتِه، والاستِمرارُ أفضَلُ.
وإن كانَ عددُ رَكعاتِ المَأمومِ أقَلَّ، كمَن صلَّى الصُّبحَ خلفَ رُباعيَّةٍ، أو خلفَ المَغربِ، أو صلَّى المَغربَ خلفَ رُباعِيَّةٍ، ففيه طَريقانِ، حَكاهما الخُراسَانِيُّونَ، أصحُّهما وبه قطعَ العِراقيُّونَ: جَوازُه، كعَكسِه، والآخَرُ: حَكاه الخُراسانِيُّونَ، فيه قَولانِ، أصحُّهُما هذا، والآخَرُ بُطلانُه؛ لأنَّه يَدخلُ في الصَّلاةِ بنيَّةِ مُفارَقةِ الإمامِ، فإذا قُلنا بالمَذهبِ، وهو صحَّةُ الاقتِداءِ، ففرغَت صَلاةُ المَأمومِ، وقامَ الإمامُ إلى ما بَقيَ عليه فالمَأمومُ بالخيارِ،
стр. 808
إن شاءَ فارقَه وسلَّم، وإن شاءَ انتظَرَه لِيسلِّمَ معه، والأفضَلُ انتِظارُه.
وإن صلَّى المَغربَ خلفَ الظُّهرِ وقامَ الإمامُ إلى الرَّابعةِ لم يَجُز لِلمَأمومِ مُتابعَتُه، بل يفارِقُه ويتشهَّدُ، وهل له أن يُطيلَ التشهُّدَ ويَنتظِرَه؟ فيه وَجهانِ، حَكاهما إمامُ الحَرمَينِ وآخَرونَ، أحَدُهما: له ذلك، كما قُلنا فيمَن صلَّى الصُّبحَ خلفَ الظُّهرِ، والآخَرُ قالَ إمامُ الحَرمَينِ: وهو المَذهبُ: لا يَجوزُ؛ لأنَّه يُحدِثُ تَشهُّدًا وجُلوسًا لم يَفعله الإمامُ، ولو صلَّى العِشاءَ خلفَ التَّراويحِ جازَ، فإذا سلَّم الإمامُ قامَ إلى رَكعتَيهِ الباقيَتَينِ. والأَولَى: أن يُتمَّها مُنفرِدًا؛ فلو قامَ الإمامُ إلى أُخرَيَينِ مِنْ التَّراويحِ فنوَى الاقتِداءَ به ثانِيةً في رَكعتَيهِ، ففي جَوازِه القَولانِ فيمَن أحرَم مُنفرِدًا ثم نوَى الاقتِداءَ، الأصحُّ الصِّحَّةُ، وهذا كُلُّه إذا اتَّفقتِ الصَّلاتانِ في الأفعالِ الظَّاهرةِ، فلو اختلَفتا بأنِ اقتَدَى مَنْ يُصلِّي كُسوفًا أو جِنازةً بمَن يُصلِّي ظُهرًا أو غيرَها أو عَكسَه فطَريقانَ، أصحُّهما، وبه قطعَ العِراقيُّونَ: لا تَصحُّ؛ لتعذُّرِ المُتابَعةِ، والآخَرُ: على وجهَينِ: أحَدُهما: هذا، والآخَرُ: يَجوزُ، وهو قولُ القَفَّالِ؛ لِإمكانِ المُتابَعةِ في بَعضٍ، فعَلى هذا إذا صلَّى الظُّهرَ خلفَ الجِنازةِ لا يُتابِعُه في التَّكبِيراتِ والأذكارِ بينَها، بل إذا كبَّر الإمامُ الثانيةَ تخيَّر المَأمومُ إن شاءَ أخرَج نَفسَه مِنْ المُتابَعةِ، وإن شاءَ انتظَرَ سَلامَ الإمامِ، وإذا اقتَدَى بمُصلِّي الكُسوفِ تابعَه في الرُّكوعِ الأوَّلِ، ثم إن شاءَ رفعَ رَأسَه معه وفارقَه، وإن شاءَ انتظَرَه في الرُّكوعِ. قالَ إمامُ الحَرمَينِ وغيرُه: وإنَّما انتظَرَه في الرُّكوعِ لِيَعُودَ الإمامُ إليه ويَعتدِلَ معه عن رُكوعِه الثاني ولا يَنتظِرُه بعدَ الرَّفعِ؛ لمَا فيه من تَطويلِ الرُّكنِ القَصيرِ. قالَ البغَويُّ: ولو أدرَكَه في الرُّكوعِ الثاني مِنْ
стр. 809
الكُسوفِ، تابعَه فيه، وصلَّى معه تلك الرَّكعةَ، ويَركَعُ معه الرُّكوعَ الأوَّلَ مِنْ الثانية ثم يَخرُجُ عن مُتابعَتِه، قالَ: وإذا أدرَكَه في الرُّكوعِ الثاني مِنْ إحدى الرَّكعتَينِ كانَ مُدرِكًا لِلرَّكعةِ؛ لأنَّه رُكوعٌ مَحسُوبٌ لِلإمامِ.
أمَّا إذا صلَّى الظُّهرَ خلفَ العِيدِ، والاستِسقاءِ، فطَريقانِ، أحَدُهما: أنَّه كصَلاتِه خلفَ الكُسوفِ؛ لمَا فيهما مِنْ زياداتِ التَّكبيراتِ، وأصحُّهما، وبه قطعَ المُتولِّي وغيرُه: تَصحُّ قَطعًا؛ لِاتِّفاقِهما في الأفعالِ الظَّاهرةِ، بخِلافِ الجِنازةِ؛ فإنَّ تَكبيراتِها أركانٌ، فهي كاختِلافِ الأفعالِ، فإذا قُلنا بالصِّحَّةِ لا يُكبِّرُ مع الإمامِ التَّكبيراتِ الزَّائِدةَ؛ لأنَّها ليست مِنْ صَلاةِ المَأمومِ، ولا يُخِلُّ تَركُها بالمُتابَعةِ، فإن كبَّرها لا تبطُلُ صَلاتُه؛ لأنَّ الأذكارَ لا تُبطِلُ الصَّلاةَ، ولو صلَّى العِيدَ خلفَ مُصلِّي الصُّبحِ المَقضيَّةِ جازَ ويُكبِّرُ التَّكبيراتِ الزَّائِدةَ (١).
стр. 810
بابُ الأذانِ والإقامةِ
الأذانُ لُغةً: الإعلامُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، أي: إعلامٌ مِنْ اللهِ ورَسولِه. وقالَ تَعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، أي: أعلِمهُم به (١).
وفي الحَديثِ: «ما أَذِنَ اللهُ لِشَيءٍ، ما أَذِنَ لِنَبيٍّ حَسَنِ الصَّوتِ، يَتَغَنَّى بالقُرآنِ يَجهَرُ به» (٢).
قالَ أبو عُبَيدٍ: أي: ما استَمعَ اللهُ لِشَيءٍ كاستِماعِه لنَبيٍّ يَتغنَّى بالقُرآنِ (٣).
وشَرعًا: الإعلامُ بوقتِ الصَّلاةِ المَفروضةِ بألفاظٍ مَعلومةٍ مَأثُورةٍ على صِفةٍ مَخصوصةٍ، أو الإعلامُ باقتِرابِه، بالنِّسبةِ لِلفَجرِ فَقط عندَ بعضِ الفُقهاءِ.
والإقامةُ كذلك، هي إعلامٌ بالقيامِ إلى الصَّلاةِ بألفاظٍ مَعلومةٍ مَأثورةٍ على صِفةٍ مَخصوصةٍ.
فالأذانُ والإقامةُ يَشتَرِكانِ في أنَّ كُلًّا منهما إعلامٌ، ويَفتَرِقانِ مِنْ حيثُ
стр. 811
إنَّ الإعلامَ في الإقامةِ هو لِلحاضِرينَ المُتأَهِّبِينَ لافتِتاحِ الصَّلاةِ، وإنَّ الأذانَ لِلغائِبِينَ؛ لِيَتأَهَّبُوا لِلصَّلاةِ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ: والأذانُ له فوائِدُ:
منها: أنَّه إعلامٌ بوقتِ الصَّلاةِ، أو فِعلِها، ومِن هذا الوَجهِ هو إخبارٌ بالوقتِ أو الفِعلِ؛ ولهذا كانَ المُؤذِّنُ مُؤتَمَنًا.
ومنها: أنَّه إعلامٌ لِلغائبِينَ عن المَسجدِ؛ فلهذا شُرِعَ فيه رَفعُ الصَّوتِ، وسُمِّيَ نِداءً؛ فإنَّ النِّداءَ هو الصَّوتُ الرَّفيعُ. ولهذا المَعنى قالَ النَّبيُّ ﷺ لِعَبد اللهِ بنِ زَيدٍ: «قُم فألقِه على بِلالٍ؛ فإنَّه أندَى صَوتًا مِنْكَ».
ومنها: أنَّه دُعاءٌ إلى الصَّلاةِ؛ فإنَّه معنَى قولِه: «حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفَلاحِ». وقد قيلَ: إنَّ قولَه تَعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]، الآيةَ: نزلَت في المُؤذِّنينَ، رُويَ عن طائِفةٍ مِنْ الصَّحابةِ. وقيلَ في قولِه تَعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]: إنَّها الصَّلواتُ الخَمسُ حينَ يُنادَى بها.
ومنها: أنَّه إعلانٌ بشَرائِعِ الإسلامِ مِنْ التَّوحيدِ والتَّكبيرِ والتَّهليلِ والشَّهادةِ بالوَحدانيَّةِ والرِّسالةِ (٢).
стр. 812
وقالَ القاضي عِياضٌ ﵀: اعلَم أنَّ الأذانَ كَلامٌ جامِعٌ لِعَقيدةِ الإيمانِ، مُشتمِلٌ على نَوعَيه مِنْ العَقليَّاتِ والسَّمعياتِ: فأوَّلُه إثباتُ الذَّاتِ وما يَستَحِقُّه مِنْ الكَمالِ والتَّنزيهِ عن أضدادِها.
وذلك بقولِه: «اللهُ أكبَرُ»، وهذه اللَّفظةُ مع اختِصارِ لَفظِها دالَّةٌ على ما ذكَرناه، ثم صرَّح بإثباتِ الوَحدانيةِ ونَفيِ ضِدِّها مِنْ الشَّرِكةِ المُستِحيلةِ في حقِّه ، وهذه عُمدةُ الإيمانِ والتَّوحيدِ المُقدَّمةُ على كلِّ وظائِفِ الدِّينِ. ثم صرَّح بإثباتِ النُّبُوَّةِ والشَّهادةِ بالوَحدانيَّةِ، ويَكونُ مَوضِعُها بعدَ التَّوحِيدِ؛ لأنَّها من بابِ الأفعالِ الجائِزةِ الوُقوعِ، وتلك المُقدِّماتُ مِنْ بابِ الواجِباتِ، وبعدَ هذه القَواعِدِ كَمُلتِ العَقائِدُ العَقليَّاتُ فيما يجبُ ويَستَحيلُ ويَجوزُ في حقِّه . ثم دَعا إلى ما دَعاهم إليه مِنْ العِباداتِ، فدَعا إلى الصَّلاةِ وجعلَها عَقِبَ إثباتِ النُّبوَّةِ؛ لأنَّ مَعرِفةَ وُجوبِها مِنْ جِهةِ النَّبيِّ ﷺ لا مِنْ جِهةِ العَقلِ، ثم دَعا إلى الفَلاحِ، وهو الفَوزُ والبَقاءُ في النَّعيمِ المُقيمِ، وفيه إشعارٌ بأُمورِ الآخِرةِ مِنْ البَعثِ والجَزاءِ، وهي آخرُ عقائِدِ تَراجِمِ الإسلامِ، ثم قَرَّرَ ذلك بإقامةِ الصَّلاةِ؛ لِلإعلامِ بالشُّروعِ فيها، وهو مُتَضَمِّنٌ لِتأكيدِ الإيمانِ وتَكرارِ ذكرِه عندَ الشُّروعِ في العِبادةِ بالقَلبِ واللِّسانِ، ولِيَدخُلَ المُصلِّي فيها على بَيِّنَةٍ مِنْ أمرِه وبَصيرةٍ مِنْ إيمانِه، ويَستَشعِرَ عَظيمَ ما دخلَ فيه، وعَظَمةَ حقِّ مَنْ يَعبُدُه، وجَزيلَ ثَوابِه. إلى هنا انتَهى كَلامُه ﵀.
قالَ النَّوويُّ ﵀: وهو مِنْ النَّفائِسِ الجَليلةِ، واللهُ أعلَمُ (١).
стр. 813
مَشروعيَّةُ الأذانِ والإقامةِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ الأذانَ والإقامةَ مَشروعانِ بالكتابِ والسُّنةِ والإجماعِ، وأنَّهما مِنْ خَصائِصِ الإسلامِ، ومِن شَعائرِه الظَّاهرةِ.
أمَّا الكتابُ: فقد ذُكر الأذانُ في مَوضِعَينِ:
الأوَّلُ: قولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩].
والآخَرُ: قولُه تَعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨].
قالَ ابنُ الجَوزِيِّ: في سَببِ نُزولِها قَولانِ:
أحدُهما: أنَّ مُناديَ رَسولِ اللهِ ﷺ كانَ إذا نادَى إلى الصَّلاةِ، وقامَ المُسلِمونَ إليها، قالَتِ اليَهودُ: قامُوا، لا قاموا، صَلوا، لا صَلوا. على سَبيلِ الاستِهزاءِ والضَّحِكِ، فنَزَلت هذه الآيةُ، قاله ابنُ السائِبِ.
والآخَرُ: أنَّ الكُفارَ لمَّا سَمِعوا الأذانَ حَسَدوا رَسولَ اللهِ ﷺ والمُسلِمِينَ على ذلك، وقالوا: يا مُحمدُ، لقد أبدَعتَ شَيئًا لم نَسمَع به فيما مَضَى مِنْ الأُمَمِ الخالِيةِ، فإن كُنْتَ تَدَّعي النُّبوَّةَ فقد خالَفتَ في هذا الأذانِ الأنبياءَ قبلَكَ، فما أقبَحَ هذا الصَّوتَ وأسمَجَ هذا الأمرَ! فنَزَلت هذه الآيةُ. ذكرَه بَعضُ المُفَسِّرينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ رَجلٌ مِنْ النَّصارَى بالمَدينةِ إذا سمِع المُنادِي يُنادِي: أشهَدُ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ، قالَ: حُرِقَ الكاذِبُ. فدخلَت خادِمَتُه ذاتَ لَيلةٍ بنارٍ وهو نائِمٌ وأهلُه نِيامٌ، فسَقَطت شَرارةٌ فأحرَقَتِ البَيتَ، فاحتَرَقَ هو وأهلُه.
стр. 814
والمُناداةُ هي الأذانُ، واتِّخاذُهم إيَّاها هُزُوًا تَضاحُكُهم وتَغامُزُهم، ذلك بأنَّهم قَومٌ لا يَعقِلونَ ما لهم في إجابةِ الصَّلاةِ، وما عليهم في استِهزائِهم بها (١).
وأمَّا السُّنةُ: فمِنها حَديثُ مالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ ﵁ قالَ: أَتَينَا النَّبيَّ ﷺ وَنَحنُ شبَبَةٌ مُتقارِبُونَ، فَأَقَمنَا عندَه عِشرِينَ لَيلَةً، فظَنَّ أنَّا اشتَقنَا أَهلَنَا وسَأَلَنَا عمَّن تَرَكنَا في أَهلِنَا، فَأَخبَرنَاهُ، وكانَ رَقيقًا رَحِيمًا، فقالَ: «ارجِعُوا إلى أَهلِيكُم فعَلِّمُوهُم، ومُرُوهُم، وصَلُّوا كما رَأَيتُمُونِي أُصلِّي، وإذا حَضرَتِ الصَّلاةُ فليُؤذِّن لكُم أحَدُكم، ثم لِيَؤُمَّكُم أكبَرُكُم» (٢). وغيرُ ذلك مِنْ الأحاديثِ، كما سيأتي إن شاءَ اللهِ.
أمَّا الإجماعُ: فقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الأذانُ والإقامةُ مَشروعانِ لِلصَلواتِ الخَمسِ بالنُّصوصِ الصَّحِيحةِ والإجماعِ، ولا يُشرعُ الأذانُ ولا الإقامةُ لغيرِ الخَمسِ بلا خِلافٍ، سَواءٌ كانَت مَنذورةً أو جِنازةً أو سُنَّةً، وسَواءٌ سُنَّ لها الجَماعةُ كالعِيدَينِ والكُسوفَينِ والاستِسقاءِ، أو لا كالضُّحى (٣).
ومما يُستدَلُّ به على ذلك ما رَواهُ مُسلِمٌ عَنْ جَابرِ بنِ سَمُرَةَ قالَ: «صلَّيتُ معَ رَسولِ اللهِ ﷺ العِيدَينِ غيرَ مرَةٍ، ولا مرَّتينِ، بِغيرِ أَذَانٍ ولا إِقامَةٍ» (٤).
стр. 815
وأمَّا كَيفيَّةُ النِّداءِ لهذه الصَّلواتِ التي لا أذانَ لها، فيَكونُ بقولِه: «الصَّلاةُ جَامِعَةٌ»؛ لمَا ثَبت في الصَّحِيحَينِ عَنْ عَبد اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ قالَ: «لمَّا كَسَفتِ الشَّمسُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ نُودِيَ أَنِ: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ» (١).
فَضلُ الأَذانِ:
الأذانُ مِنْ خَيرِ الأعمالِ التي تُقرِّبُ إلى اللهِ تَعالى، وفيه فَضلٌ كَثيرٌ وأجرٌ عَظيمٌ؛ لقولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «لَو يَعلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثم لَم يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَستَهِمُوا عَلَيهِ لَاستَهَمُوا» (٢).
وَقالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدرِيُّ ﵁: «إذا كُنْتَ في غَنَمِكَ أو بادِيَتِكَ فَأَذَّنتَ بِالصَّلاةِ فَارفَع صَوتَكَ بِالنِّدَاءِ؛ فَإِنَّه لَا يَسمَعُ مدَى صَوتِ المُؤذِّنِ جِنٌّ ولا إِنسٌ ولا شَيءٌ إلا شَهِدَ له يومَ القِيَامَةِ. قالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعتُه مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ » (٣).
وعن مُعاوِيَةَ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «المُؤذِّنُونَ أَطوَلُ النَّاسِ أَعنَاقًا يومَ القِيَامَةِ» (٤).
ونَظَرًا لِفَضلِ الأذانِ فإنَّه إن تَنازَعَ جَماعةٌ في الأذانِ وتَشَاحُّوا، أُقرِعَ
стр. 816
بينَهم؛ لقولِه ﷺ : «لَو يَعلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثم لَم يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَستَهِمُوا عَلَيهِ لَاستَهَمُوا» (١).
قالَ النَّوويُّ ﵀: هذا إذا لم يكن لِلمَسجدِ مُؤذِّنٌ رَاتِبٌ، أو كانَ له مُؤذِّنونَ وتَنازَعوا في الابتِداءِ، أو كانَ المَسجدُ صَغيرًا وأدَّى اختِلافُ أصواتِهم إلى تَهويشٍ، فيُقرَعُ ويُؤذِّنُ واحدٌ، وهو مَنْ خرَجت له القُرعةُ، وأمَّا إذا كانَ هناكَ راتِبٌ ونازَعَه غيرُه، يُقدَّمُ الرَّاتبُ، وإن كانَ جَماعةٌ مُرتبونَ وأمكَنَ أذانُ كلِّ واحدٍ منهم في مَوضِعٍ مِنْ المَسجدِ لِكِبَرِه، أذَّنَ كلُّ واحدٍ وَحدَه، وإن كانَ صَغيرًا ولم يؤدِّ اختِلافُ أصواتِهم إلى تَشويشٍ أذَّنوا دُفعةً واحدةً (٢).
بَدءُ مَشروعيَّةِ الأذانِ:
شُرِعَ الأذانُ بالمَدينةِ على الصَّحِيحِ، قال ابنُ رَجبٍ ﵀: وإنَّما شُرِعَ الأذانُ بعدَ هِجرةِ النَّبيِّ ﷺ إلى المَدينةِ، والأحاديثُ الصَّحِيحةُ كلُّها تَدلُّ على ذلك (٣).
وقد وَرَدت أحادِيثُ تَدلُّ على أنَّه شُرِعَ بمَكةَ، لكِن قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: والحقُّ أنَّه لا يَصحُّ شَيءٌ مِنْ هذه الأحادِيثِ، وقد جزمَ ابنُ المُنذرِ بأنَّه ﷺ كانَ يُصلِّي بغيرِ أذانٍ مُنذُ فُرضتِ الصَّلاةُ بمَكةَ إلى أن هاجَرَ إلى المَدينةِ، وإلى أن وقعَ التَّشاوُرُ في ذلك على ما في حَديثِ عَبد اللهِ بنِ عمرَ، ثم في حَديثِ عَبد اللهِ بنِ زَيدٍ. انتَهى.
стр. 817
واختُلِفَ في السَّنَةِ التي فُرض فيها، قالَ الحافِظُ: فالرَّاجحُ أنَّ ذلك كان في السَّنَةِ الأُولى، وقيلَ: بل في السَّنَةِ الثانيةِ (١).
قُلتُ: ويُوافِقُ الأوَّلَ الأحاديثُ الوارِدةُ في ذلك، فقد رَوى مُسلِمٌ عن عَبد اللهِ بنِ عمرَ أنَّه قالَ: «كانَ المُسلِمُونَ حين قَدِموا المَدينَةَ يَجتَمِعونَ فَيتَحيَّنونَ الصَّلاةَ، ليس يُنَادَى لها، فَتكلَّموا يَومًا في ذلك، فقالَ بَعضُهُمُ: اتَّخِذوا نَاقوسًا مثلَ ناقُوسِ النَّصارَى، وقالَ بَعضُهُم: بل بُوقًا مثلَ قَرنِ اليَهودِ، فقالَ عمرُ: أولا تَبعَثونَ رَجلًا يُنَادِي بالصَّلاةِ؟ فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا بِلَالُ، قُم فنَادِ بالصَّلاةِ» (٢).
ثم جاءَت رُؤيَا عَبد اللهِ بنِ زَيدٍ قالَ: «لمَّا أمرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بِالناقُوسِ يُعمَلُ لِيُضرَبَ بهِ لِلنَّاسِ؛ لِجَمعِ الصَّلاةِ، طافَ بي وأنا نائِمٌ رَجلٌ يَحمِلُ ناقُوسًا في يَدهِ، فقُلتُ: يا عَبد اللهِ، أَتَبيعُ الناقُوسَ؟ قالَ: وما تَصنَعُ بهِ؟ فقُلتُ: نَدعو بهِ إلى الصَّلاةِ. قالَ: أفلَا أَدُلُّكَ على ما هو خَيرٌ مِنْ ذلك؟ فقُلتُ له: بَلَى. قالَ: فقالَ: تَقُولُ:
اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ
أَشهَدُ أن لا إلَهَ إلا اللهُ أَشهَدُ أن لا إلَهَ إلا اللهُ
أَشهَدُ أنَّ محَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ أَشهَدُ أنَّ محَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ
حَيَّ على الصَّلاةِ حَيَّ على الصَّلاةِ
стр. 818
حَيَّ على الفلَاح حَيَّ على الفلَاحِ
اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ
لا إلَهَ إلا اللهُ
قالَ: ثم استَأخرَ عَنِّي غيرَ بَعيدٍ، ثم قالَ: وَتَقولُ إذا أَقَمتَ الصَّلاةَ:
اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ
أَشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ
أشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ
حَيَّ على الصَّلاةِ
حَيَّ على الفلَاحِ
قد قامَتِ الصَّلاةُ قد قامَتِ الصَّلاةُ
اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ
لا إلَهَ إلا اللهُ
فلمَّا أصبَحتُ أتَيتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فأَخبَرتُه بمَا رَأَيتُ، فقالَ: «إنَّها لَرُؤيَا حَقٍّ، إن شاءَ اللهُ، فقُم مع بِلالٍ فَأَلقِ عليه ما رَأَيتَ، فَليُؤذِّن بهِ؛ فإنَّه أَندَى صَوتًا مِنْكَ». فَقُمتُ مع بِلالٍ فَجَعَلتُ أُلقِيهِ عليه، ويُؤذِّنُ بهِ، قالَ: فسمِع ذلك عمرُ بنُ الخطَّابِ وهو في بَيتِه، فخرَج يَجُرُّ رِداءَهُ ويَقولُ: والذي بعَثَكَ بِالحقِّ يا رَسولَ اللَّهِ، لقد رَأيتُ مثلَ ما رَأى. فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «فلِلَّهِ الحَمدُ» (١).
стр. 819
قالَ السُّهَيليُّ: الحِكمةُ في إعلامِ النَّاسِ به على غيرِ لِسانِه ﷺ التَّنويهُ بقَدرِه والرَّفعِ لِذكرِه بلِسانِ غيرِه، فيَكونُ أقوى لِأمرِه وأفخَمَ لِشَأنِه.
قالَ الحافِظُ: وهذا حَسَنٌ بَديعٌ، ويُؤخَذُ منه عدمُ الاكتِفاءِ برُؤيا عَبد اللهِ ابنِ زَيدٍ (١).
حكمُ الأذانِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الأذانِ، هل هو سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ؟ أو فَرضٌ على الكِفايةِ؟
فذَهب الحَنابلَةُ في المَذهبِ وهو قَولٌ لِلشافِعيَّةِ وبعضُ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةُ في قَولٍ -وقيلَ: هو المَشهورُ- إلى أنَّ الأذانَ فَرضُ كِفايةٍ، على أهلِ كلِّ بَلَدٍ، فإن تَركُوه أثِموا، وقُوتِلوا عليه، إنِ امتنَعوا عن فِعلِه. وإن فعلَه أحَدُهم سقطَ عن سائرِهم.
وذَهب الحَنفيَّةُ في الصَّحِيحِ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابلَةُ في قَولٍ إلى أنَّ الأذانَ سُنَّةٌ مُؤكَّدَةٌ يَأثَمُ تاركُها.
وعلى كِلا القولَينِ لو أنَّ قَومًا صَلوا بغيرِ أذانٍ صحَّت صَلاتُهم وأثِموا؛ لمُخالفتِهم السُّنةَ، وأمرِ النَّبيِّ ﷺ .
وقيلَ: هو فَرضُ كِفايةٍ في الجمُعةِ، سُنَّةٌ في غيرِها، وهو قَولٌ لِلشافِعيَّةِ
стр. 820
والحَنابلَةِ؛ لأنَّه دُعاءٌ لِلجَماعةِ، والجَماعةُ واجِبةٌ في الجمُعةِ (١).
قالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: اختَلفَ العُلماءُ في وُجوبِ الأذانِ والإقامةِ، فأمَّا مالِكٌ وأصحابُه فإنَّ الأذانَ عندَهم إنَّما يجبُ في المَساجِدِ لِلجَمَاعاتِ، حيثُ يَجتَمِعُ النَّاسُ، وقد نصَّ على ذلك مالِكٌ في مُوَطَّئِهِ، واختَلفَ المُتأَخِّرونَ مِنْ أصحابِه على قولَينِ:
أحَدُهما: سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ واجِبةٌ على الكِفايةِ في المِصرِ، وما جَرى مَجَرى المِصرِ مِنْ القُرى.
وقالَ بَعضُهم: هو فَرضٌ على الكِفايةِ.
وكذلك اختَلفَ أصحابُ الشافِعيِّ وحَكى الطَّبريُّ عن مالِكٍ قالَ: إن تركَ أهلُ مِصرٍ الأذانَ عامِدينَ أعادوا الصَّلاةَ.
قالَ أبو عمرَ: ولا أعلَمُ اختِلافًا في وُجوبِ الأذانِ جُملةً على أهلِ المِصرِ؛ لأنَّ الأذانَ هو العَلامةُ الدَّالَّةُ المُفرِّقةُ بينَ دارِ الإسلامِ ودارِ الكُفرِ، وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا بعَثَ سَريَّةً قالَ لهم: «إذا سَمِعتُمُ الأذانَ فأمسِكوا وكُفُّوا، وإن لم تَسمَعوا الأذانَ فأغيروا، أو قال: فشُنُّوا الغارَةَ»، وفي
стр. 821
صَحِيحِ مُسلِمٍ قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُغيرُ إذا طلَع الفَجرُ، فإن سمِع أذانًا أمسَكَ، وإلا أغارَ» الحَديثَ.
وقالَ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ والأوزاعيُّ وداودُ: الأذانُ فَرضٌ، ولم يَقولوا على الكِفايةِ.
وقال الطَّبريُّ: الأذانُ سُنَّةٌ، وليس بواجِبٍ، وذكرَ عن أشهَبَ عن مالِكِ: إن تركَ الأذانَ مُسافِرٌ عَمدًا فعليه إعادةُ الصَّلاةِ، وكَرِهَ الكُوفيُّونَ أن يُصلِّيَ المُسافِرُ بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ، قالوا: وأمَّا ساكِنُ المِصرِ فيُستحبُّ له أن يُؤذِّنَ ويُقيمَ، فإنِ استَجزَأَ بأذانِ الناسِ وإقامَتِهم أجزَأَه، وقالَ الثَّوريُّ: تُجزِئُه الإقامةُ عن الأذانِ في السَّفرِ، وإن شِئتَ أذَّنتَ وأقَمتَ. وقالَ أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: يُؤذِّنُ المُسافِرُ على حَديثِ مالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ.
وقالَ داودُ: الأذانُ واجِبٌ على كلِّ مُسافِرٍ في خاصَّتِه، والإقامةُ؛ لقولِ رَسولِ اللهِ ﷺ لمَالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ ولِصاحِبِه: «إذا كُنتُما في سَفرٍ فأذِّنا وأقيما، وليَؤُمَّكُمَا أكبَرُكُما» خرَجه البُخاريُّ، وهو قولُ أهلِ الظَّاهرِ.
قالَ ابنُ المُنذرِ: ثَبت أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ لِمالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ ولابنِ عَمٍّ له: «إذا سافَرتُما فأذِّنا وأقيما، وليَؤُمَّكُما أكبَرُكما». قالَ ابنُ المُنذرِ: فالأذانُ والإقامةُ واجِبانِ على كلِّ جَماعةٍ في الحَضرِ والسَّفرِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ بالأذانِ، وأمرُه على الوُجوبِ.
قالَ أبو عمرَ: واتَّفق الشافِعيُّ وأبو حَنيفَةَ وأصحابُهما والثَّوريُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ والطَّبريُّ على أنَّ المُسافِرَ إذا تركَ الأذانَ عامِدًا أو
стр. 822
ناسيًا أجزَأَته صَلاتُه، وكذلك لو تركَ الإقامةَ عندَهم، وهم أشَدُّ كَراهَةً لِتَركِه الإقامةَ.
واحتَجَّ الشافِعيُّ في أنَّ الأذانَ غيرُ واجِبٍ، وليس فَرضًا مِنْ فُروضِ الصَّلاةِ بسُقوطِ الأذانِ لِلواحدِ عندَ الجَمعِ بعَرفةَ والمُزدَلِفةِ، وتَحصيلُ مَذهبِ مالِكٍ في الأذانِ في السَّفرِ كالشافِعيِّ سَواءٌ (١).
وقالُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀: الصَّحِيحُ أنَّ الأذانَ فَرضٌ على الكِفايةِ؛ فليس لِأهلِ مَدينةٍ ولا قَريةٍ أن يَدعُوا الأذانَ والإقامةَ، وهذا هو المَشهورُ مِنْ مَذهبِ أحمدَ وغيرِه.
وقد أطلَقَ طَوائفُ مِنْ العُلماءِ أنَّه سُنَّةٌ، ثم مِنْ هؤلاءِ مَنْ يَقولُ: إنَّه إذا اتَّفق أهلُ بَلَدٍ على تَركِه قُوتِلوا، والنِّزاعُ مع هؤلاءِ قَريبٌ مِنْ النِّزاعِ اللَّفظيِّ، فإنَّ كَثيرًا مِنْ العُلماءِ يُطلِقُ القولَ بالسُّنةِ على ما يُذمُّ تاركُه شَرعًا، ويُعاقَبُ تاركُه شَرعًا؛ فالنِّزاعُ بينَ هذا وبينَ مَنْ يَقولُ: إنَّه واجِبٌ، نِزاعٌ لَفظيٌّ؛ ولهذا نَظائِرُ مُتعَدِّدةٌ.
وأمَّا مَنْ زَعمَ أنَّه سُنَّةٌ لا إثم على تاركِيهِ ولا عُقوبةَ فهذا القولُ خَطَأٌ، فإنَّ الأذانَ هو شِعارُ دارِ الإسلامِ، الذي ثَبت في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُعلِّقُ استِحلالَ أهلِ الدَّارِ بتَركِه، فكانَ يُصلِّي الصُّبحَ ثم يَنظرُ، فإن سمِع مُؤذِّنًا لم يُغِر، وإلا أغارَ، وفي السُّننِ لِأبي داودَ والنسائيِّ عن أبي الدَّرداءِ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «ما مِنْ ثَلاثةٍ في
стр. 823
قَريَةٍ ولا بَدوٍ لَا تُقامُ فيهمُ الصَّلاةُ إلا قدِ استَحوَذَ عليهمُ الشَّيطَانُ، فعلَيكَ بِالجَمَاعَةِ؛ فَإنَّما يَأكُلُ الذِّئبُ القاصِيَةَ» (١). وقد قالَ اللهُ تَعالي: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] (٢).
صِفةُ الأذانِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ الأذانَ وردَ بعِدَّةِ صِيَغٍ عن النَّبيِّ ﷺ ، كلُّها مَشروعةٌ، وجائِزٌ الأذانُ بها، إلا أنَّ العُلماءَ اختَلَفوا: أيُّ صِيغةٍ منها أفضَلُ؟
فذَهب الإمامُ أبو حَنيفَةَ والحَنابلَةُ إلى اختِيارِ أذانِ بِلالٍ الوارِدِ في رُؤيَا عبدِ اللهِ بنِ زَيدٍ، وهو:
اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ
أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
أَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ أَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ
حَيَّ على الصَّلاةِ حَيَّ على الصَّلاةِ
حَيَّ على الفلَاحِ حَيَّ على الفلَاحِ
اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ
لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
стр. 824
قالوا: الأخذُ به أَولَى؛ لأنَّ بِلالًا كانَ يُؤذِّنُ به مع رَسولِ اللهِ ﷺ دائِمًا سَفرًا وحَضرًا (١).
وذَهب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى اختِيارِ أذانِ أبي مَحذُورةَ، وهو مِثلُ ما وَصَفناه، إلا أنَّه يُسنُّ التَّرجِيعُ فيه، وهو أن يَخفِضَ المُؤذِّنُ صَوتَه بالشَّهادَتَينِ مع إسماعِه الحاضِرينَ، ثم يَعودَ فيَرفَعَ صَوتَه بها؛ لِإجماعِ أهلِ المَدينةِ عليه، وعمَلِهمُ المُتَّصِلِ.
إلَّا أنَّ مالِكًا قالَ: التَّكبيرُ في أوَّلِه مرَتانِ فحَسبُ، فيَكونُ الأذانُ عندَه سَبعَ عَشرَةَ كَلِمةً، وعندَ الشافِعيِّ التَّكبيرُ في أوَّلِه أربعٌ، فيَكونُ تِسعَ عَشرَةَ كَلِمةً.
واحتُجَّ لِمالِكٍ بما رَواهُ مُسلِمٌ عن أبي مَحذُورةَ أنَّ نَبيَّ اللهِ ﷺ علَّمه هذا الأذانَ:
«اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ.
ثم يَخفِضُ صَوتَه فَيَقولُ:
أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ
أَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ أَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ
ثم يُكرِّرُ التشهُّدَ مُرجِّعًا له بِأَعلَى صَوتِه، فَيَقولُ:
أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
أَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ أَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ
صِفةُ الإقامةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في صِفةِ الإقامةِ، كما اختَلَفوا في صِفةِ الأذانِ.
فقالَ أبو حَنيفَةَ: الإقامةُ مَثنى مَثنى كالأذانِ، ويَزيدُ على الأذانِ بلَفظِ الإقامةِ مرَّتينِ، فتَصيرُ الإقامةُ عندَه سَبعَ عَشرَةَ كَلِمةً، وهي:
اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ
أشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ أشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ
أشهَدُ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ أشهَدُ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ
حَيَّ على الصَّلاةِ حَيَّ على الصَّلاةِ
حَيَّ على الفَلاحِ حَيَّ على الفَلاحِ
قد قامَتِ الصَّلاةُ قد قامَتِ الصَّلاةُ
اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ
لا إلهَ إلا اللهُ
واحتَجَّ أبو حَنيفَةَ على ذلك بحَديثِ أبي مَحذُورةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّمه الإقامةَ سَبعَ عَشرَةَ كَلِمةً (١).
وبحَديثِ عَبد اللهِ بنِ زَيدٍ: «أَنَّ الذي علَّمه الأَذانَ أَمهَلَ هُنَيهَةً، ثم قامَ فقالَ مِثلَهَا، إلا أَنَّه يَقولُ: قد قامَتِ الصَّلاةُ» (٢).
وقالَ مالِكٌ: الإقامَةُ عَشرُ كَلِماتٍ، فُرادَى كلُّها، وهي: «اللهُ أكبَرُ اللهُ
стр. 827
أكبَرُ، أشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، أشهَدُ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفَلاحِ، قد قامَتِ الصَّلاةُ، اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، لا إلهَ إلا اللهُ».
واستَدلَّ الإمامُ مالِكٌ على ذلك بما رَواهُ البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أنَسٍ أنَّه قالَ: «أُمر بِلَالٌ أَنْ يَشفَعَ الأَذانَ، وَيُوتِرَ الإِقامةَ» (١).
وذَهب الإمامُ الشافِعيُّ في المَشهورِ عنه وأحمدُ إلى أنَّ الإقامةَ إحدى عَشرَةَ كَلِمةً، كلُّها مُفرَدةٌ، إلا ذِكرَ الإقامةِ، فيُكرَّرُ مرَّتينِ. فيَقولُ: «اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، أشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، أشهَدُ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفَلاحِ، قد قامَتِ الصَّلاةُ، قد قامَتِ الصَّلاةُ، اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، لا إلهَ إلا اللهُ» (٢)(٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واختَلفَ العُلماءُ ﵃ في لَفظِ الإقامَةِ، فالمَشهورُ مِنْ مَذهبِنا الذي تَظاهَرَت عليه نُصوصُ الشافِعيِّ ﵁، وبه قالَ أحمدُ، وجُمهورُ العُلماءِ، أنَّ الإقامةَ إحدَى عَشرَةَ كَلِمةً: اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، أشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، أشهَدُ أنَّ مُحمدًا رَسولُ اللهِ، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفَلاحِ، قد قامَتِ الصَّلاةُ قد قامَتِ الصَّلاةُ، اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ لا إلهَ إلا اللهُ.
стр. 828
وقالَ مالِكٌ ﵀ في المَشهورِ عنه: هي عَشرُ كَلِماتٍ، فلم يُثنِّ لَفظَ الإقامةِ، وهو قَولٌ قَديمٌ لِلشافِعيِّ.
ولنا قَولٌ شاذٌّ: أنَّه يَقولُ في الأَوَّلِ: اللهُ أكبَرُ مرَّةً، وفي الآخرِ: اللهُ أكبَرُ، ويَقولُ: قد قامَتِ الصَّلاةُ مرَّةً، فتَكونُ ثَمانيَ كَلِماتٍ، والصَّوابُ الأوَّلُ.
وقالَ أبو حَنيفَةَ: الإقامَةُ سَبعَ عَشرَةَ كَلِمةً، فيُثَنِّيها كلَّها، وهذا المَذهبُ شَاذٌّ، قالَ الخطَّابيُّ: مَذهبُ جُمهورِ العُلماءِ، والذي جَرى به العملُ في الحَرمَينِ والحِجازِ والشَّامِ واليَمَنِ ومِصرَ والمَغربِ إلى أقصى بِلادِ الإسلامِ أنَّ الإقامةَ فُرادَى. قالَ الإمامُ أبو سُلَيمانَ الخطَّابيُّ ﵀: مَذهبُ عامَّةِ العُلماءِ أنَّه يُكرِّرُ قولَه: قد قامَتِ الصَّلاةُ، إِلَّا مَالِكًا؛ فإنَّ المَشهورَ عنه أنَّه لا يُكرِّرُها، واللهُ أعلَمُ.
والحِكمةُ في إفرادِ الإقامةِ وتَثنيةِ الأذانِ أنَّ الأذانَ لِإعلامِ الغائِبِينَ، فيُكرَّرُ؛ ليَكونَ أبلَغَ في إعلامِهم، وأنَّ الإقامةَ لِلحاضِرينَ؛ فلا حاجَةَ إلى تَكرارِها، ولهذا قالَ العُلماءُ: يَكونُ رَفعُ الصَّوتِ في الإقامةِ دُونَه في الأذانِ، وإنَّما كرَّر لَفظَ الإقامةِ خاصَّةً؛ لأنَّه مَقصودُ الإقامةِ، واللهُ أعلَمُ.
فإن قيلَ: قد قُلتُم: إنَّ المُختارَ الذي عليه الجُمهورُ أنَّ الإقامةَ إحدى عَشرَةَ كَلِمَةً، منها: اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، أوَّلًا وآخِرًا، وهذا تَثنِيةٌ، فالجَوابُ أنَّ هذا -وإن كانَ صُورَةَ تَثنِيةٍ- هو بالنِّسبةِ إلى الأذانِ إفرادٌ، ولهذا قالَ أصحابُنا: يُستحبُّ لِلمُؤذِّنِ أن يَقولَ كلَّ تَكبيرَتَينِ بنَفَسٍ واحدٍ، فيَقولَ
стр. 829
في أوَّلِ الأذانِ: اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، بنَفَسٍ واحدٍ، ثم أن يَقولَ: اللهُ أكبَرُ اللهُ أكبَرُ، بنَفَسٍ آخرَ، واللهُ أعلَمُ (١).
التَّثويبُ في أذانِ الفَجرِ:
التَّثويبُ هو: أن يَزيدَ المُؤذِّنُ عِبارةَ: الصَّلاةُ خَيرٌ مِنْ النَّومِ، مرَّتينِ بعدَ الحَيعَلَتَينِ في أذانِ الفَجرِ، أو بينَ الأذانِ والإقامةِ، كما يَقولُ أبو حَنيفَةَ، وهو سُنَّةٌ عندَ جَميعِ الفُقهاءِ إلا قَولًا لِلشافِعيِّ؛ لقولِ النَّبي ﷺ لِأبي مَحذُورةَ: «فإذا كانَ صَلاةُ الصُّبحِ قُلتَ: الصَّلاةُ خَيرٌ مِنْ النَّومِ، الصَّلاةُ خَيرٌ مِنْ النَّومِ» (٢).
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولا أُحِبُّ التَّثويبَ في الصُّبحِ، ولا غيرِها؛ لأنَّ أبا مَحذُورةَ لم يَحكِ عن النبي ﷺ أنَّه أمرَ بالتَّثويبِ، فأكرَهُ الزِّيادَةَ في الأذانِ، وأكرَهُ التَّثويبَ بعدَه (٣).
لكِن قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: مَذهبُنا أنَّه سُنَّةٌ في أذانِ الصُّبحِ (٤).
وقالَ الإمامُ العَمرانيُّ ﵀: فإن كانَ في أذانِ الصُّبحِ … زادَ التَّثويبَ بعدَ الفَلاحِ، وهو أن يَقولَ: الصَّلاةُ خَيرٌ مِنْ النَّومِ، الصَّلاةُ خَيرٌ مِنْ النَّومِ.
стр. 830
نصَّ الشافِعيُّ ﵀ على ذلك في القَديمِ، وعلَّقه في الجَديدِ على صحَّةِ حَديثِ أبي مَحذُورةَ فيه.
قالَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ: يُسنُّ ذلك، قَولًا واحدًا؛ لأنَّ الحَديثَ قد صحَّ فيه.
وبه قالَ مالِكٌ، والثَّورِيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَورٍ (١).
وقد اتَّفق الأئمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ التَّثويبَ في الأذانِ إنَّما هو في الأذانِ لِصَلاةِ الفَجرِ خاصَّةً (٢).
قالَ أبو عمرَ بنُ عَبد البرِّ: ولا خِلافَ عَلِمتُه أنَّ التَّثويبَ عندَ عامَّةِ العُلماءِ وخاصَّتِهم قولُ المُؤذِّنِ: «الصَّلاةُ خَيرٌ مِنْ النَّومِ»؛ ولهذا قالَ أكثرُ الفُقهاءِ: لا تَثويبَ إلا في الفَجرِ (٣).
الصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ بعدَ الأذانِ:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّه يُستحبُّ لِمَنْ سمِع المُؤذِّنَ أن يَقولَ مثلَ ما يَقولُ، ثم أن يُصلِّيَ على النَّبيِّ ﷺ ؛ لمَا رَواه عَبد اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العاصِ أنَّه سمِع النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «إذا سَمِعتُمُ المُؤذِّنَ فَقُولوا مثلَ ما يَقولُ، ثم صَلُّوا عَلَيَّ، فإنَّه مَنْ صلَّى عَلَيَّ صَلاةً صلَّى اللهُ عليه بها عَشرًا، ثم سَلُوا اللهَ لي الوَسِيلَةَ؛ فَإنَّها مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ لَا تَنبَغِي إلا لِعَبدٍ مِنْ
стр. 831
عِبادِ اللهِ، وَأَرجو أَنْ أَكُونَ أنا هو، فَمَنْ سَأَلَ لي الوَسِيلَةَ حَلَّت له الشَّفاعَةُ» (١).
ويُستحبُّ أن يَقولَ عندَ الحَيعَلَةِ: لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ؛ لمَا رَوى أبو رَافِعٍ عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه كانَ إذا سمِع المُؤذِّنَ قالَ مثلَ ما يَقولُ، حتى إذا بلغَ (حَيَّ على الصَّلاةِ حَيَّ على الفَلَاحِ) قالَ: «لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ» (٢).
وذَهب الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه يُسنُّ لِلمُؤذِّنِ مُتابَعةُ قولِه سِرًّا بمِثلِه، كالمُستَمِعِ؛ لِيَجمعَ بينَ أداءِ الأذانِ والمُتابَعةِ. ورُويَ عن الإمامِ أحمدَ أنَّه كانَ إذا أذَّنَ فقالَ كَلِمةً مِنْ الأذانِ قالَ مِثلَها سِرًّا، قالَ ابنُ قُدامةَ: فظاهرُ هذا أنَّه رَأى ذلك مُستحَبًّا؛ ليَكونَ ما يُظهِرُه أذانًا ودُعاءً إلى الصَّلاةِ، وما يُسِرُّه ذِكرًا للهِ تَعالى؛ فيَكونَ بمَنزِلةِ مَنْ سمِع الأذانَ (٣).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربِينِيُّ: ويُسنُّ لِكُلٍّ مِنْ مُؤذِّنٍ وسامِعٍ ومُستَمِعٍ -قالَ شَيخُنا: ومُقِيمٍ، ولم أرَه لغيرِه- أن يُصلِّيَ على النَّبيِّ ﷺ بعدَ فَراغِه مِنْ الأذانِ أو الإقامةِ؛ لقولِه ﷺ : «إذا سَمِعتُمُ المُؤذِّنَ فَقُولوا مثلَ ما يَقولُ، ثم صَلُّوا عَلَيَّ؛ فإنَّه مَنْ صلَّى عَلَيَّ صَلاةً صلَّى اللهُ عليه بها عَشرًا» (٤).
стр. 832
وقالَ النَّوويُّ في المَجموعِ: يُستحبُّ لِلمُؤذِّنِ أن يَقولَ بعدَ فَراغِ أذانِه هذه الأذكارَ المَذكورَةَ مِنْ الصَّلاةِ على رَسولِ اللهِ ﷺ ، وسُؤالِ الوَسيلةِ والدُّعاءِ بينَ الأذانِ والإقامةِ (١).
وقالَ النَّوويُّ أيضًا: مَذهبُنا أنَّ المُتابعَةَ سُنَّةٌ، وليست بواجِبَةٍ، وبه قالَ جُمهورُ العُلماءِ (٢).
شَرائطُ الأذانِ:
يُشتَرَطُ في الأَذانِ لِلصَّلاةِ ما يأتي:
١ - دُخولُ الوقتِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه لا يَجوزُ الأذانُ قبلَ دُخولِ وقتِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه يُرادُ به الإعلامُ بالوقتِ فلا يَجوزُ قبلَه، فإذا قُدِّم على الوقتِ لم تَكن له فائِدةٌ، وإذا أُذِّنَ قبلَ دُخولِ الوقتِ أُعيدَ الأذانُ بعدَ دُخولِ الوقتِ، وهَذا في غيرِ الفَجرِ.
قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ من السُّنةِ أن يُؤذَّنَ لِلصَلواتِ بعدَ دُخولِ وقتِها، إلا الفَجرَ (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إنَّ الأذانَ قبلَ الوقتِ في غيرِ الفَجرِ لا يُجزِئُ، وهَذا لا نَعلمُ فيه خِلافًا (٤).
стр. 833
أمَّا بالنِّسبةِ لِلفَجرِ فذَهب الأئمَّةُ الثَّلاثةُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ وأبو يُوسفَ من الحَنفيَّةِ إلى أنَّه يَجوزُ الأذانُ لِلفَجرِ قبلَ الوقتِ، في النِّصفِ الأَخيرِ من اللَّيلِ عندَ الشَّافعيَّةِ في الأصَحِّ وعندَ الحَنابلَةِ وأبي يُوسفَ، وفي السُّدسِ الأخيرِ عندَ المالِكيَّةِ.
ويُسنُّ الأذانُ ثَانيًا عندَ دُخولِ الوقتِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّ بِلَالًا يُؤذِّنُ بِلَيلٍ، فَكُلُوا وَاشرَبُوا حتى يُؤذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكتُومٍ» (١).
وهَذا يَدلُّ على دَوامِ ذلك منه، والنَّبيُّ ﷺ أقرَّهُ عليه ولم يَنهَهُ عنه؛ فثَبتَ جَوازُه.
وقالَ أبو حَنيفةَ ومحمَّدُ بنُ الحَسنِ: لا يَجوزُ الأذانُ لِصَلاةِ الفَجرِ إلا عندَ دُخولِ الوقتِ، ولا فَرقَ بينَها وبينَ غيرِها من الصَّلواتِ؛ لِما رَوى ابنُ عمرَ: «أَنَّ بِلَالًا أَذَّنَ قبلَ طُلُوعِ الفَجرِ، فَأَمرَهُ النَّبيُّ ﷺ أَنْ يَرجِعَ فَيُنَادِيَ: أَلَا إنَّ العَبدَ نَامَ، أَلَا إنَّ العَبدَ نَامَ» (٢).
وعن بِلالٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ له: «لَا تُؤَذِّن حتى يَستَبينَ لَكَ الفَجرُ هكذا» وَمَدَّ يَديهِ عَرضًا (٣).
وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ: أنَّه يُكرَه الأذانُ قبلَ الفَجرِ في شَهرِ رَمضانَ لئلَّا يَغترَّ النَّاسُ به فيترُكوا سُحورَهم.
стр. 834
قالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: والذي أَراهُ أنَّه لَا يُكرَه؛ لِلحَديثِ المشهورِ الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤذِّنُ بِلَيلٍ؛ فلَا يَمنَعكُم ذلك مِنْ سَحورِكُم»، فلو كانَ ممَّا يُكرَه لم يُقِرَّ رَسولُ اللهِ ﷺ بِلالًا إِقرارًا مُطلقًا، من غير إشارةٍ إلى ما يُستدَلُّ به على الكَراهةِ (١).
٢ - النِّيةُ في الأذانِ:
ذَهب المالِكيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّ النِّيةَ شَرطٌ لصحَّةِ الأذانِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما الأَعمَالُ بِالنِّياتِ» (٢)، فلو أخذَ شَخصٌ في ذكرِ اللهِ بالتَّكبيرِ، ثم بَدا له عَقِبَ ما كبَّرَ أن يؤذِّنَ، فإنَّه يَبتدِئُ الأذانَ من أوَّلهِ ولا يَبني على ما قالَ.
أمَّا الشَّافعيَّةُ فإنَّ النِّيةَ ليست شَرطًا عندَهم على الأرجحِ بل مَندوبةٌ، إلا أنَّه يُشترَطُ عِندهم عَدمُ الصَّارفِ، فلو قَصد تَعليمَ غيرِهِ لا يُعتدُّ به.
أمَّا الحَنفيَّةُ فلا تُشترَطُ عندَهمُ النِّيةُ لِصحَّةِ الأذانِ، وإن كانَت شَرطًا لِلثَّوابِ عليهِ (٣).
٣ - أَداءُ الأذانِ بغيرِ العَربيَّةِ:
ذَهب الحَنفيَّةُ والحَنابلَةُ إلى اشتِراطِ كَونِ الأذانِ باللُّغةِ العَربيَّةِ، فَلا
стр. 835
يُجزِئُ بغيرِ العَربيَّةِ ولا يَصحُّ الإتيانُ بهِ بأيِّ لُغةٍ أُخرى ولَو عُلم أنَّه أذانٌ.
قالَ في «نورِ الإيضاحِ»: ولا يُجزِئُ الأذانُ بالفارِسيَّةِ وإن عُلم أنَّه أذانٌ في الأَظهَرِ.
قالَ السَّرخَسِيُّ: ورَوى الحسَنُ عن أَبي حَنيفَةَ أنَّه إذا أَذَّنَ بالفارِسيَّةِ والنَّاسُ يَعلَمونَ أنَّه أذانٌ جازَ، وإن كانوا لا يَعلمونَ ذلك لم يَجُز؛ لأنَّ المَقصودَ الإعلامُ؛ ولم يحصُل بهِ (١).
وقالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: ولو أَذَّنَ بالفارِسيَّةِ قِيلَ: إنَّه على هذا الخِلافِ.
وقِيلَ: لا يَجوزُ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّه لا يَقعُ به الإعلامُ، وحتى لو وَقعَ بهِ الإعلامُ لا يَجوزُ، واللهُ أعلمُ (٢).
وقالَ البابَرتيُّ ﵀: وقولُه: وفي الأذانِ يُعتبَرُ التَّعارُفُ، قِيلَ جَوابًا عمَّا يُقالُ: قِراءةُ القُرآنِ في الصَّلاةِ؛ لكَونِها رُكنًا، أَعظمُ خَطرًا مِنْ الأذانِ؛ لكَونِه سُنَّةً، والأذانُ لا يَجوزُ بغيرِ العَربيَّةِ، فكَيفَ جازَت قِراءةُ القُرآنِ؟ ووَجهُهُ أنَّا لا نُسلِّمُ بِعَدمِ جَوازِ الأذانِ مُطلقًا بل يُعتبَرُ فيهِ التَّعارُفُ؛ فإنَّ الحَسنَ رَوى عن أبي حَنيفَةَ أنَّه لو أُذِّنَ بالفارِسيَّةِ والنَّاسُ يَعلَمونَ أنَّه أذانٌ جازَ، وإن كانوا لا يَعلَمونَ فلا يَجوزُ؛ لِعَدمِ حُصولِ المَقصودِ، وهو الإعلامُ، كَذا ذَكرَهُ في الأَسرارِ (٣).
стр. 836
وقالَ المَرداويُّ: ولا يُشرعُ الأذانُ بغيرِ العَربيَّةِ إلا لِنَفسِهِ معَ عَجزهِ (١).
أمَّا الشَّافعِيَّةُ؛ فقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: لو أَذَّنَ بالفارِسيَّةِ، إن كانَ يؤذِّنُ لِصَلاةِ جَماعةٍ لم يَجُز، سَواءٌ كانَ يحُسِنُ العَربيَّةَ أم لا؛ لأنَّ غيرَهُ قد يُحسِنُ، وإن كان أذانُه لِنَفسِهِ، فإن كانَ لم يُحسِنِ العَربيَّةَ لم يُجزِئهُ، كأذكارِ الصَّلاةِ، وإن كانَ لا يُحسِنُ أَجزَأهُ، وعَليهِ أن يتعلَّمَ (٢).
قالَ النَّوويُّ: هذا كَلامُه -أي: الماوَرديِّ- وهَذا الذي قالَه مِنْ أنَّ مُؤذِّنَ الجَماعةِ لا يُجزِئُه بالفارسيَّةِ وإن لم يُحسِنِ العَربيَّةَ، مَحمولٌ على ما إذا كانَ في الجَماعةِ مَنْ يُحسِنُ العَربيَّةَ، فإن لم يكن صحَّ، وقد أشارَ إليهِ في تَعليقهِ (٣).
٤ - خلُوُّ الأذانِ مِنْ اللَّحنِ:
يَبطلُ الأذانُ إن أُحيلَ المَعنى باللَّحنِ كمَدِّ هَمزةِ (اللهُ) أو (أَكبَرُ) أو بائِهِ، فإن لم يُغيِّرِ المَعنى فهو مَكروهٌ (٤).
٥ - التَّرتيبُ بينَ كَلِماتِ الأذانِ:
ذَهب المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابلَةُ إلى أنَّه يُشتَرطُ في الأذانِ أن يَكونَ
стр. 837
مُرتبًا، وهو أن يأتِيَ المُؤذِّنُ بكَلماتِ الأذانِ على النَّظمِ نَفسِه والتَّرتيبِ نَفسِه الوارِدَينِ في السُّنَّةِ دونَ تَقديمٍ أو تَأخيرٍ لِكَلِمةٍ أو جُملةٍ على أُخرى.
قالوا: لأنَّ المَقصودَ منهُ يَختَلُّ بعدمِ التَّرتيبِ، وهو الإعلامُ، فإن لم يكن مُرتبًا لم يُعلَم أنَّه أذانٌ، ولأنَّه شُرعَ في الأصلِ مُرتبًا وعلَّمه النَّبيُّ ﷺ أبا مَحذورَةَ مُرتبًا، فإن أخَلَّ بالتَّرتيبِ استَأنَفَ الأذانَ من أوَّلِه؛ لأنَّ تَركَ التَّرتيبِ يُخِلُّ بالإعلامِ المَقصودِ، ولأنَّه ذِكرٌ يُعتَدُّ به فلا يَجوزُ الإخلالُ بنَظمهِ.
وقالَ الشافِعيَّةُ: يَجوزُ أن يَبنيَ على المُنتَظِمِ منه، كأن يَأتيَ بالنِّصفِ الثَّاني مِنْ الأذانِ ثم بالنِّصفِ الأوَّلِ، فالنِّصفُ الثَّاني باطِلٌ والأوَّلُ صَحيحٌ؛ لوُقوعهِ في مَوضِعهِ، فلهُ أن يَبنيَ عَليهِ، فيَأتيَ بالنِّصفِ الثَّاني ولو استأنَفَ الأذانَ كانَ أولَى؛ ليَقعَ مُتواليًا، ولو تركَ بَعضَ كَلماتهِ أَتى بالمَتروكِ وما بعدَه، ولو استَأنَفَ كانَ أَولَى (١).
أمَّا الحَنفيَّةُ فعِندهم أنَّ التَّرتيبَ سُنَّةٌ، فلو قدَّم في الأذانِ جُملةً على أُخرى أعادَ ما قدَّم، ولا يجبُ عليه أن يَستأنِفَه مِنْ أوَّلهِ (٢).
٦ - المُوالاةُ بينَ ألفاظِ الأذانِ:
المُوَلاةُ بينَ كَلماتِ الأذانِ مَأمورٌ بها؛ فإن سكتَ يَسيرًا لم يَبطُل أذانُه
стр. 838
بلا خِلافٍ، بل يَبني، وإن تَكلَّمِ في أثنائِهِ فمَكروهٌ بلا خِلافٍ، أمَّا لو فرَّق بينَ الأذانِ بسُكوتٍ طَويلٍ أو بسَببِ نَومٍ أوإغماءٍ أو جُنونٍ أو فرَّق بينَه بكَلامٍ كَثيرٍ فلا يُعتدُّ به، ويَبطُلُ الأذانُ، ويجبُ استِئنافُه عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابلَةِ، وهو قولُ الخُراسانيِّينَ مِنْ الشَّافعيَّةِ.
قالَ الرافِعيُّ: الأشبَه وُجوبُ الاستِئنافِ عندَ طُولِ الفَصلِ، وقطعَ العِراقيُّونَ مِنْ الشَّافعيَّةِ بعَدمِ البُطلانِ، وهو نَصُّ الإمامِ الشافِعيِّ في «الأُمُّ»، لكِن يُستحبُّ الاستِئنافُ.
وأَلحقَ الحَنابلَةُ بِحالاتِ بُطلانِ الأذانِ ووُجوبِ استِئنافِه الفَصلَ بكَلامٍ مُحرَّمٍ، كسَبٍّ وَقذفٍ ونحوِهما، وإن كانَ يَسيرًا (١).
صِفاتُ المؤذِّنِ:
ما يُشترَطُ في المُؤذِّنِ مِنْ صِفاتٍ:
١ - الإسلامُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ على أنَّ الإسلامَ شَرطٌ في صحَّةِ الأذانِ، فلا يَصحُّ الأذانُ مِنْ الكافرِ؛ لأنَّه ليس مِنْ أهلِ العِباداتِ، ولأنَّه لا يَعتقدُ الصَّلاةَ التي يُعتبَرُ الأذانُ دُعاءً لَها؛ فإتيانُه بذلك ضَربٌ مِنْ الاستِهزاءِ (٢).
стр. 839
٢ - العَقلُ:
ذَهب الأئمَّةُ الأربعةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في المُؤذِّنِ أن يَكونَ عاقِلًا؛ فلا يَصحُّ الأذانُ مِنْ المَجنونِ والمُغمَى عليه والسَّكرانِ؛ لعَدمِ تَمييزِهم، ولأنَّ الأذانَ ذِكرٌ مُعظَّمٌ وتَأذينُهم تَركٌ لِتَعظيمِه، ولأنَّهم في الحالِ لَيسُوا مِنْ أهلِ العِبادةِ (١).
٣ - الذُّكورَةُ:
ذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ من المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابلَةِ إلى أنَّ المَرأةَ إذا أذَّنت لِلرِّجالِ لم يُعتَدَّ بأذانِها؛ لأنَّها ليست ممَّن يُشرعُ لهم الأذانُ، ولأنَّها إن رفعَت صَوتَها فقدِ ارتَكبَت مَعصيةً، وإن خفضَت صَوتَها فقد تَركَتِ الجَهرَ.
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأَجمَعوا -أَي: الأئمَّةُ الأربَعةُ- على أنَّ المَرأةَ إذا أذَّنت لِلرِّجالِ لم يُعتَدَّ بأذانِها، فإن أذَّنَت لِلنِّساءِ فلا بَأسَ؛ فقد رَوى ابنُ المُنذرِ أنَّ عائِشةَ ﵂ كانَت تُؤَذِّنُ وتُقيمُ.
وقالَ الشافِعيُّ: إن صلَّينَ مُنفرِداتٍ أذَّنَت في نَفسِها، وأقامَت غيرَ رافِعةٍ صَوتَها في الأذانِ (٢).
стр. 840
وقالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ ﵀: يَجيءُ على قولِنا: إنَّ المَرأةَ لا تُؤَذِّنُ لِلرِّجالِ؛ لأنَّ مالِكًا قالَ: لا يُؤذِّنُ إلا مَنْ يَؤُمُّ، وقالَ أَبو حَنيفَةَ: يَجوزُ، فنَقولُ: كلُّ مَنْ لم تَجُز إمامَتُه لم يُعتَدَّ بأذانِه، كالكافرِ والمَجنونِ (١).
أمَّا الحَنفيَّةُ فقالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: لو أذَّنَت لِلقَومِ أجزَأهم حتى لا تُعادَ؛ لِحُصولِ المَقصودِ، وهوَ الإعلامُ، ورُويَ عن أبي حَنيفَةَ أنَّه تُستحبُّ الإعادَةُ (٢).
٤ - البُلوغُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ أذانُ الصَّبيِّ غيرِ المُميِّزِ، ويُعادُ الأذانُ؛ لأنَّ ما يَصدُرُ لا عن عَقلٍ، فلا يُعتدُّ به.
أمَّا الصَّبيُّ المُميِّزُ فيَجوزُ أذانُه عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشَّافعيَّةِ والإمامِ أَحمدَ في رِوايةٍ إنِ اعتَمدَ على بالِغٍ عَدلٍ في مَعرفةِ دُخولِ الوقتِ، فإن لم يَعتمِد على بالِغٍ لا يَصحُّ أذانُه.
(معَ كَراهةِ أبي حَنيفةَ له، فإنَّه قالَ: أكرَهُ أن يُؤذِّنَ مَنْ لم يَحتَلِم؛ لأنَّ الناسَ لا يَعتَدُّونَ بأذانِه).
وذَهب الإمامَ أحمدُ في الرِّوايةِ الثَّانيةِ إلى أنَّه لا يُعتَدُّ بأذانِه (٣).
стр. 841
ما يُستحبُّ أن يتَّصفَ به المؤذِّنُ:
١ - يُستحبُّ أن يَكونَ المؤذِّنُ طاهِرًا مِنْ الحَدثِ الأصغَرِ والأكبرِ؛ لأنَّ الأذانَ ذِكرٌ مُعَظَّمٌ، فالإتيانُ به معَ الطَّهارةِ أقرَبُ إلى التَّعظيمِ.
٢ - ويُستحبُّ أن يَكونَ عَدلًا؛ لأنَّه أَمينٌ على المَواقيتِ، ويَصحُّ أذانُ الفاسِقِ معَ الكَراهةِ عندَ الجُمهورِ، وفي وَجهٍ عندَ الحَنابلَةِ لا يُعتَدُّ بأذانِه، والوَجهُ الآخَرُ أنَّه يُعتَدُّ بأذانِه؛ لأنَّه تَصحُّ صَلاتُه بالنَّاسِ، فكَذا أذانُه (١).
٣ - ويُستحبُّ أن يَكونَ صَيِّتًا؛ أَي حَسنَ الصَّوتِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ لِعَبد اللهِ بنِ زَيدٍ: «فَقُم معَ بِلَالٍ فَأَلقِ عليه ما رَأَيتَ، فَليُؤذِّن بِه فإنَّه أَندَى صَوتًا مِنْكَ» (٢)، ولأنَّه أبلَغُ في الإعلامِ، وهذا معَ كَراهةِ التَّمطيطِ والتَّطريبِ.
٤ - ويُستحبُّ أن يَجعلَ أُصبُعَيهِ في أُذُنَيهِ حالَ الأذانِ؛ لِما رَوى أبو جُحَيفَةَ أنَّ بِلالًا أذَّنَ ووضعَ أُصبُعَيهِ في أُذُنَيهِ (٣).
ويُستحبُّ أن يؤذِّنَ قائِمًا، قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ
стр. 842
عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّ السُّنةَ أن يُؤذِّنَ قائِمًا، وقالَ النَّبيُّ ﷺ لِبِلالٍ: «قُم فَأَذِّن» (١).
ما يُشرعُ له الأذانُ مِنْ الصَّلواتِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الأذانَ والإقامةَ مَشروعانِ لِلصَلواتِ الخَمسِ ولا يُشرعانِ لغيرِها.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الأذانُ والإقامَةُ مَشروعانِ لِلصَلواتِ الخَمسِ بالنُّصوصِ الصَّحيحةِ والإجماع، ولا يُشرعُ الأذانُ ولا الإقامَةُ لغيرِ الخَمسِ بلا خِلافٍ، سَواءٌ كانَت مَنذورةً أو جِنازةً أو سُنَّةً، وسَواءٌ سُنَّ لها الجَماعةُ كالعِيدَينِ والكُسوفِ والاستِسقاءِ، أم لا كالضُّحى (٢).
ويُستدَلُّ على ذلك بما رَواه مُسلِمٌ عن جابرِ بنِ سَمُرةَ ﵁ قالَ: «صلَّيتُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ العِيدَينِ غيرَ مرَةٍ، ولا مرَّتينِ، بِغيرِ أَذَانٍ ولا إِقامَةٍ» (٣).
أمَّا عن كَيفيَّةِ النِّداءِ لِهذه الصَّلواتِ التي لا أذانَ لها فقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ السُّنةَ في صَلاتَيِ العِيدَينِ وصَلاتَيِ الكُسوفِ والاستِسقاءِ النِّداءُ بقَولهِ: «الصَّلاةُ جامِعةٌ».
وأجمَعوا على أنَّ الصَّلاةَ على الجَنائزِ لا يُسنُّ لها أذانٌ ولا نِداءٌ (٤).
стр. 843
ويُستدَلُّ لِلأوَّلِ بما ثَبتَ في الصَّحيحَينِ عن عَبد اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ قالَ: «لمَّا كَسَفتِ الشَّمسُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ نُودِيَ: أنِ: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ» (١).
الأذانُ لِلفَوائتِ:
ذَهب المالِكيَّةُ في المَشهورِ عندَهم إلى كَراهةِ الأذانِ لِلفَوائتِ دونَ الإقامَةِ، فالفَوائتُ يُقامُ لها ولا يُؤذَّنُ؛ لِقَولهِ ﷺ : «مَنْ نامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسيَها فَليُصلِّها إذا ذكرَها»، ولم يَأمُر أن يُؤذَّنَ لها، وفي حَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا حُبس يومَ الخَندقِ عن الظُّهرِ والعَصرِ، والمَغربِ والعِشاءِ، صلَّاها بإقامَةٍ لكلِّ صَلاةٍ، ولم يُؤذِّن لها، ولأنَّ الأذانَ دُعاءٌ إلى الصَّلاةِ وإيذانٌ بوُجوبِها ولأنَّ سُنَّتَه الجَماعةُ الرَّاتبَةُ، وكلُّ ذلك مَعدومٌّ في الفَوائتِ، ولأنَّ الأذانَ عَلَمٌ على الوقتِ، فسقطَ بفَواتهِ، ولأنَّه لو أُذِّنَ لها لالتَبَسَ بصَلاةِ الوقتِ، ولأنَّه لمَّا لم يكن مِنْ سُنَّتِها أن يُؤذَّنَ لها على المَنابرِ وإنَّما يُفعَلُ عندَهم كما يُفعَلُ لِلإقامَةِ، دلَّ ذلك على أنَّه ليس بسُنَّتِها بوَجهٍ (٢).
وذَهب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في المُعتمَدِ عندَهم والحَنابلَةُ إلى أنَّه يُشرعُ لِمَنْ فاتَتهُ صَلاةٌ أن يُؤذِّنَ لها ويُقيمَ؛ لمَا رَواه مُسلِمٌ عن أبي قَتادةَ الأنصاريِّ ﵁، وفيه قالَ: فمالَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن الطَّريقِ فوضعَ رَأسَه ثم قالَ: «احفَظُوا عَلَينَا صَلاتنَا»، فكانَ أوَّلُ مَنْ استَيقظَ رَسولَ اللهِ
стр. 844
ﷺ والشَّمسُ في ظَهرهِ قالَ: فقُمنا فَزِعينَ، ثم قالَ: «اركَبُوا»، فرَكِبنا فسِرنا حتى إذا ارتَفَعَتِ الشَّمسُ نزلَ ثم دَعا بمِيضَأَةٍ كانَت معِيَ فيها شَيءٌ مِنْ ماءٍ، قالَ: فتَوضَّأَ مِنها وُضوءًا دون وُضوءٍ، قالَ: وبَقيَ فيها شَيءٌ مِنْ ماءٍ، ثم قالَ لِأبي قَتادةَ: «احفَظ عَلَينَا مِيضَأَتَكَ؛ فَسَيكونُ لها نَبَأٌ»، ثم أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلاةِ فَصلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ، ثم صلَّى الغَدَاةَ، فَصَنَعَ كَما كانَ يَصنَعُ كلَّ يَومٍ (١).
أمَّا إذا تَعدَّدتِ الفَوائتُ فعندَ الحَنفيَّةِ الأَولَى أن يُؤذِّنَ ويُقيمَ لكلِّ صَلاةٍ، وإن أذَّنَ لِلأُولى وأَقامَ لِلثَّانيةِ فلا بَأسَ، وهو مَذهبُ الحَنابلَةِ والمُعتَمدُ عندَ الشَّافعيَّةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ: وإن كَثُرتِ الفَوائتُ أذَّنَ وأَقامَ لِلأُولى فَقط، ثم أَقامَ لِلَّتي بعدَها، فإن لم يُؤذِّن فلا بَأسَ (٢).
الأذانُ للصَّلاتَينِ المَجموعَتَينِ:
إذا جَمعَ بينَ صَلاتَينِ في وقتِ أَوَّلِهما كمَن جَمعَ العَصرَ معَ الظُّهرِ في وقتِ الظُّهرِ بعَرَفةَ فإنَّه يُؤذِّنُ لِلأُولَى ويُقيمُ، ثم يُقيمُ لِلثَّانيةِ، وهَذا عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابلَةِ؛ لِما رَواه مُسلِمٌ عن جَابرِ بنِ عَبد اللهِ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى الظُّهرَ وَالعَصرَ بِعَرفةَ بِأَذَانٍ وَإِقامَتَينِ» (٣).
стр. 845
وقالَ الإمامُ مالِكٌ: يُؤذِّنُ ويُقيمُ لِلأُولى ويُؤذِّنُ ويُقيمُ لِلثَّانيةِ؛ لأنَّ الثَّانيةَ منهما صَلاةٌ يُشرعُ لها الأذانُ، وهي مَفعولَةٌ في وقتِها، فيؤذِّنُ لها كالأُولى.
أمَّا إذا جَمعَ بينهما في وقتِ الثَّانيةِ كمَن جمعَ بينَ المَغربِ والعِشاءِ بمُزدَلِفةَ فإنَّه يؤذِّنُ لِلأُولى ويُقيمُ لكلِّ واحدةٍ منهما، وهذا هو الصَّحيحُ عندَ الشَّافعيَّةِ والحَنابلَةِ، وبه قالَ عَبدُ المَلكِ بنُ الماجِشونِ المالِكيُّ والطَّحاويُّ الحَنفيُّ؛ لمَا رَواه جابِرٌ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «أَتى المُزدَلِفَةَ فَصلَّى بها المَغربَ وَالعِشاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقامَتَينِ» (١).
وقالَ الإمامُ مالِكٌ: يُؤذِّنُ ويُقيمُ لِلأُولى ويُؤذِّنُ ويُقيمُ لِلثَّانيةِ.
وعندَ الحَنفيَّةِ: يَكتَفي بأذانٍ واحدٍ وإقامَةٍ واحدةٍ.
ولِلإمامَينِ الشافِعيِّ وأحمدَ قَولٌ بأنَّه يُصلِّي كلَّ واحدةٍ بإقامَتِها بلا أذانٍ (٢)؛ لمَا رَواه ابنُ عمرَ ﵄ قالَ: «جَمعَ النَّبيُّ ﷺ بينَ المَغربِ وَالعِشاءِ بِجَمعٍ، كلُّ واحدةٍ مِنهُمَا بِإِقامَةٍ» (٣).
الأذانُ في جامِعٍ صُلِّيت فيه جَماعةٌ:
لو أُقيمَت جَماعةٌ في مَسجدٍ فحَضرَ قَومٌ لم يُصَلُّوا فالصَّحيحُ عندَ الشَّافعيَّةِ أنَّه يُسنُّ لهم الأذانُ، والأَولى ألَّا يَرفَعوا الصَّوتَ؛ لخَوفِ اللَّبسِ، سواءٌ كانَ المَسجدُ مَطروقًا أو غيرَ مَطروقٍ.