فلا ضَمانَ عليه؛ لانعِدامِ الصُّنعِ المُوجِبِ للضَّمانِ عليه، ولأنَّها لو تلِفَت حَقيقةً بغيرِ تَعدٍّ منه أو تَفريطٍ، فلا ضَمانَ عليه، فاختِلاطُها بغيرِها أَولى (١).
وقد نصَّ الحَنفيةُ على أنَّ المَخلوطَ يَصيرُ مُشتَركًا بينَهما، فإنْ هلَكَ بعضُها هلَكَ مِنْ مالِهما جَميعًا، ويُقسمُ الباقِي بينَهما على قَدرِ ما كانَ لكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه ليسَ أَحدُهما بأنْ يَجعلَ الهالِكَ مِنْ نَصيبِه بأَولى مِنْ الآخرِ، والأَصلُ في المالِ المُشتركِ إذا هلَكَ شَيءٌ منه أنَّ ما هلَكَ هلَكَ على الشَّركةِ، وما بقِيَ بقِيَ على الشَّركةِ، باعتِبارِ أنَّ الهالِكَ يُجعلُ كأنْ لمْ يَكنْ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنِ اختلَطَت الوَديعةُ بغيرِها مِنْ غيرِ تَفريطٍ مِنْ الوَديعِ فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّها لو تلِفَت بذلك لمْ يَضمنْ، فخَلطُها أَولى.
قالَ البُهوتيُّ: فإنْ ضاعَ البعضُ جُعلَ مِنْ مالِ المُودَعِ في ظاهِرِ كَلامِ الإِمامِ أَحمدَ، ذكَرَه المَجدُ في شَرحِه، وذكَرَ القاضِي في «الخِلاف» أنَّهما يَصيرانِ شَريكَينِ.
قالَ المَجدُ: ولا يَبعدُ على هذا أنْ يَكونَ الهالِكُ منهما (٣).
стр. 7807
هـ- خَلطُ الوَديعِ وَديعتَينِ لشَخصينِ:
قالَ الإِمامُ عَلاءُ الدِّينِ الكاسانِيُّ ﵀: ولو أودَعَه رَجلانِ كلُّ واحدٍ منهما أَلفَ دِرهمٍ فخلَطَ المُودَعُ المالَينِ خَلطًا لا يَتميزُ فلا سَبيلَ لهما على أَخذِ الدَّراهمِ، ويَضمنُ المُودَعُ لكلِّ واحدٍ منهما أَلفًا، ويَكونُ المَخلوطُ له، وهذا قَولُ أَبي حَنيفةَ.
وقالَ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ: هما بالخِيارِ، إنْ شاءا اقتَسَما المَخلوطَ نِصفينِ وإنْ شاءا ضَمَّنا المُودَعَ أَلفينِ.
وعلى هذا الخِلافِ سائِرُ المَكيلاتِ والمَوزوناتِ إذا خلَطا الجِنسَ بالجِنسِ خَلطًا لا يَتميزُ، كالحِنطةِ بالحِنطةِ والشَّعيرِ بالشَّعيرِ والدُّهنَ بالدُّهنِ.
وَجهُ قَولِهما: إنَّ الوَديعةَ قائِمةٌ بعَينِها، لكنْ عجَزَ المالِكُ عن الوُصولِ إليها بعارِضِ الخَلطِ، فإنْ شاءا اقتَسَما لاعتِبارِ جِهةِ القِيامِ، وإنْ شاءا ضمِنا لاعتِبارِ جِهةِ العَجزِ.
وَجهُ قَولِ أَبي حَنيفةَ ﵀ أنَّه لمَّا خلَطَهما خَلطًا لا يَتميزُ فقد عجَزَ كلُّ واحدٍ منهما عن الانتِفاعِ بالمَخلوطِ، فكانَ الخَلطُ منه إِتلافًا للوَديعةِ عن كلِّ واحدٍ منهما فيَضمنُ، ولهذا يَثبتُ اختِيارُ التَّضمينِ عندَهما، واختِيارُ التَّضمينِ لا يَثبتُ إلا بوُجودِ الإِتلافِ، دلَّ أنَّ الخَلطَ منه وقَعَ إِتلافًا.
ولو أودَعَه رَجلٌ حِنطةً وآخرُ شَعيرًا فخلَطَهما فهو ضامِنٌ لكلِّ واحدٍ منهما مِثلَ حقِّه عندَ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الخَلطَ إِتلافٌ، وعندَهما لهما أنْ يَأخذا العَينَ ويَبيعاها ويَقتسِما الثَّمنَ على قِيمةِ الحِنطةِ مَخلوطًا بالشَّعيرِ وعلى
стр. 7808
قِيمةِ الشَّعيرِ غيرِ مَخلوطٍ بالحِنطةِ؛ لأنَّ قِيمةَ الحِنطةِ تَنقصُ بخَلطِ الشَّعيرِ، وهو يَستحقُّ الثَّمنَ لقيامِ الحَقِّ في العَينِ، وهو مُستحِقٌّ للعَينِ بخِلافِ قِيمةِ الشَّعيرِ؛ لأنَّ قِيمةَ الشَّعيرِ تَزدادُ بالخَلطِ بالحِنطةِ، وتلك الزِّيادةُ مِلكُ الغيرِ، فلا يَستحقُّها صاحِبُ الشَّعيرِ (١).
وقالَ المَواقُ المالِكيُّ ﵀ نَقلًا عن اللَّخميِّ ﵀: إنْ كانَ عندَ رَجلٍ وَديعتانِ قَمحٍ وشَعيرٍ فخلَطَهما ضمِنَ لكلِّ واحدٍ منهما مثلَ ما خلَطَ له، فإنِ اختارا رَفعَ العَداءِ عنه وأنْ يَأخذاه مَخلوطًا ويَكونانِ شَريكَينِ فيه جازَ ذلك عندَ ابنِ القاسِمِ وأَشهبَ خِلافًا لسحنُونٍ.
وقالَ ابنُ القاسِمِ: وتَكونُ شَركتُهما على القِيمةِ -يُريدُ قِيمةَ القَمحِ مَعيبًا والشَّعيرِ غيرَ مَعيبٍ-، ولا يَجوزُ أنْ يَقتسِماه على ذلك، وإنما يَقتسِمانِ الثَّمن اه مِنْ اللَّخميِّ.
والذي لابنِ رُشدٍ: سَواءٌ خلَطَهما عَداءً أو غيرَ عَداءٍ.
قالَ: والذي يُوجبُه الحُكمُ أنْ يَقتسِماه بينَهما مَخلوطًا على قِيمةِ القَمحِ والشَّعيرِ يَومَ الخَلطِ، ويُقوَّمُ القَمحُ غيرَ مَعيبٍ خِلافَ قَولِ سحنُونٍ إنَّ القَمحَ يُقوَّمُ مَعيبًا والشَّعيرُ غيرَ مَعيبٍ.
وقَولُه «يُباعُ ويَقتسمانِ الثَّمنَ» استِحسانٌ؛ إذ لا مانِعَ يَمنعُ مِنْ اقتِسامِ الطَّعامِ بعَينِه على القِيمِ، ولو لمْ يَجزِ اقتِسامُه بعَينِه على القِيمِ لمَا جازَ اقتِسامُ
стр. 7809
ثَمنِه على ذلك؛ لأنَّه إنما يُباعُ على مِلكِهما، فإنما هو يَأخذُ ثَمنَ ما كانَ أخَذَه له، ولا يَجوزُ لهما أنْ يَقتسِماه على الكيلِ.
راجِعْ نَوازلَ ابنِ رُشدٍ وثاني تَرجمةٍ مِنْ الوَديعةِ مِنْ اللَّخميِّ وأَولُ تَرجمةٍ مِنْ الوَديعةِ مِنْ ابنِ يُونسَ.
وانظُرْ إِجازَتهم ببَيعِ القَمحِ المَخلوطِ معَ الشَّعيرِ، إنما جازَ ذلك لأنَّه بغيرِ فِعلِهما.
وانظُرِ اختِلاطَ الزَّرعِ عندَ الحَصادِ أَولَ تَرجمةِ المُزارعَةِ مِنْ ابنِ سَلمونَ، وذُكرَ عن ابنِ حَبيبٍ أنَّهم يَقتسِمونَه على حَسبِ الزَّريعةِ.
ومِن رَسْمَ حلَفَ مِنْ سَماعِ عيسى: يَحلفُ كلُّ واحدٍ على ما بَذروا، ويَقتسِمونَ الطَّعامَ على عَددِ ذلك، قالَ ابنُ رُشدٍ: وهذا كما قالَ، ومَعنى هذا عندِي بعدَ أنْ يَتراجَعوا بما لبعضِهم على بعضٍ مِنْ فضَلَ في العَملِ.
وقالَ ابنُ أَبي زَيدٍ في قِسمةِ الشَّعيرِ والزَّيتونِ عندَ الخَلطِ أنْ يَتقاررَ أَربابُ ذلك بينهم على شَيءٍ مَعلومٍ فهو كذلك، وإنْ تجاهَلُوا فليسَ إلا الاصطِلاحُ.
قالَ البُرزليُّ: كَثيرًا ما يَقعُ عندَنا بتُونسَ، تَأتي السُّيولُ بالزَّيتونِ في تلك الأَوديةِ وحُكيَ هكذا، وكذلك ما اختَلطَ على يدِ اللُّصوصِ مِنْ الزَّرع والأَطعمةِ، وكذا ما وقَعَ في الرِّوايةِ في السُّفنِ إذا اختَلطَ فيها الطَّعامُ.
وفي طُررِ ابنِ عاتٍ: إذا اختَلطَ الكتَّانُ في الوادِي لسَيلٍ أو غيرِه ولمْ يَعرفْ كلُّ واحدٍ مالَه تَحلَّلَ أَصحابُه في ذلك.
стр. 7810
وانظُرْ ما تقدَّمَ في الطَّعامِ المُستهلَكِ أنَّه إنْ أخَذَ ما لا يَشكُّ أنَّه أَقلُّ مِنْ طَعامِه جازَ معَ ما تقدَّمَ لابنِ حَبيبٍ مِنْ قِسمةِ الزَّرعِ المَخلوطِ على حَسبِ الزَّريعةِ، معَ ما تقدَّمَ لابنِ رُشدٍ مِنْ تَخفيفِ اقتِسامِ الطَّعامِ المَخلوطِ بالقِيمةِ.
ولو خلَطَ عَداءً هل يَكونُ ذلك كلُّه مُسوِّغًا للذين يَخلطونَ أَلبانَهم أنْ يَأخذَ الإِنسانُ مِنْ الجُبنِ القَدرَ الذي لا يَشكُّ أنَّه يَخرجُ له مِنْ لَبنِ غَنمِه لو أفرَدَها؟ وقد بسَطْت في «سُنن المُهتدينَ» أنَّ إِقدامَ المَرءِ على شَيءٍ بتَأويلٍ ليسَ كمَن أقدَمَ عليه مُجاهِرًا، ومَن أكَلَ حَرامًا يَعتقدُ أنَّه حَلالٌ أُثيبَ على قَصدِه ولا يُعاقَبُ على فِعلِه ولا يُظلمُ به قَلبُه، ومَن أقدَمَ على حَلالٍ صِرفٍ يَعتقدُ شُبهتَه قَسا قَلبُه به وأظلَمَ، وإنْ كانَ مُعتقِدًا حُرمتَه كانَ ذلك جُرحةً فيه، وعليه دَركُ المُخالَفةِ معَ كَونِ ذلك الشَّيءِ في نَفسِه حَلالًا صِرفًا (١).
إِتلافُ الوَديعةِ بأَمرِ صاحِبِها:
نصَّ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ للإِنسانِ أنْ يُتلفَ مالَ غيرِه ولو بإِذنِه، فإذا قالَ ربُّ الوَديعةِ للمُودَعِ: أَتلِفْ وَديعَتي أو أَلقِها في البَحرِ أو أَحرِقْها بالنَّار لمْ يَجزْ له أنْ يَفعلَ ذلك؛ لأنَّ اللهَ تَعالى نَهى عن إِتلافِ المالِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو أقدَمَ على إِتلافِها وأتلَفَها بإِذنِ ربِّها هل يَضمنُها أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا ضَمانَ عليه؛ لإِذنِ ربِّها له بذلك؛ لأنَّ الحقَّ في الوَديعةِ ثابِتٌ
стр. 7811
لصاحِبِها، وقد أسقَطَه حينَ أذِنَ له بإِتلافِها، فصارَ كما لو استَنابَه في مُباحٍ، فلا يَغرمُ الوَديعُ له شَيئًا.
ولأنَّ التَّحريمَ أَثرُه في بَقاءِ حقِّ اللهِ تَعالى وهو التَّأثيمُ، أما حقُّ الآدميِّ فلا يَبقى معَ إِذنِه في تَفويتِه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ وابنُ المُنذرِ مِنْ الشافِعيةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ للمُودَعِ إِتلافُ الوَديعةِ ولو أذِنَ له ربُّها في إِتلافِها، فإنْ أتلَفَها ضمِنَها لوُجوبِ حِفظِ المالِ، كمَن قالَ لرَجلٍ: اقتُلني أو وَلدي ففعَلَ، ولأنَّ مُقتضى عَقدِ الوَديعةِ وُجوبُ حِفظِها على الوَديعِ، فصارَ الإِذنُ له في إِتلافِها كشَرطٍ مُناقضٍ لمُقتضى عَقدِها فيُلغى (٢).
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: ولأنَّه مَمنوعٌ مِنْ إِتلافِ المالِ في غيرِ حالِ الضَّرورةِ؛ لأنَّ ذلك مُحرَّمٌ، وفاعِلُه عاصٍ، يَجبُ أنْ يُحجرَ عليه؛ لنَهي النَّبيِّ ﷺ عن إِضاعةِ المالِ، فإذا أمَرَه بما ليسَ له، فأَمرُه وسُكوتُه سيَّان.
ولو كانَ هذا لا شَيءَ عليه، لكانَ المُسلِمُ إذا قالَ لأَخيه المُسلمِ: «اضرِبْ عُنقي» فقطَعَه ألَّا شَيءَ عليه؛ لأنَّه فعَلَ ما أُمرَ به، وقد أجمَعَ أَهلُ
стр. 7812
العِلمِ على أنَّ هذا قاتِلٌ ظالِمٌ، وقد منَعَ اللهُ مِنْ مالِ المُسلمِ ومِن دمِه، وقد جمَعَ النَّبيُّ ﷺ بينَ تَحريمِهما (١).
أما لو أسقَطَ الضَّمانَ عنه قبلَ إِتلافِها فقد حَكى ابنُ القَيمِ الاتِّفاقَ على أنَّه لا ضَمانَ عليه.
قالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: لو أذِنَ له في إِتلافِ مالِه وأسقَطَ الضَّمانَ عنه قبلَ الإِتلافِ فإنَّه لا يَضمنُ اتِّفاقًا (٢).
لكنَّ الذي يَظهرُ -واللهُ أَعلمُ- أنَّ المالِكيةَ وابنَ المُنذرِ لمْ يُفرِّقوا بينَ أنْ يُسقطَ عنه الضَّمانَ أو غيرِه، وهو ظاهِرٌ مِنْ كِلامِهم كما تقدَّمَ.
إذا تلِفَت الوَديعةُ بسَببِ عَدمِ دَفعِ المُودَعِ الهَلاكَ عنها:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يَجبُ على المُودَعِ حِفظُ الوَديعةِ، وكذا نصَّ عامَّتُهم على أنَّه يَجبُ عليه دَفعُ الهَلاكِ عنها، كما إذا وقَعَ في دارِه حَريقٌ واستطاعَ أنْ يَنقلَ الوَديعةَ وجَبَ عليه نَقلُها ودَفعُ الهَلاكِ عنها، هكذا نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ.
قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأما بَيانُ ما يُغيِّرُ حالَ المَعقودِ عليه مِنْ الأَمانةِ إلى الضَّمانِ فأَنواعٌ:
منها: تَركُ الحِفظِ؛ لأنَّه بالعَقدِ التزَمَ حِفظَ الوَديعةِ على وَجهٍ لو ترَكَ حِفظَها حتى هلَكَت يَضمنُ بَدلَها، وذلك بطَريقِ الكَفالةِ، ولهذا لو رَأى
стр. 7813
إِنسانًا يَسرقُ الوَديعةَ وهو قادِرٌ على مَنعِه ضمِنَ؛ لترَكَ الحِفظَ المُلتزَمَ بالعَقدِ، وهو مَعنى قَولِ مَشايخِنا إنَّ المُودَعَ يُؤخذُ بضَمانِ العَقدِ (١).
وقالَ أَبو مُحمَّدِ بنِ غانِمِ بنِ مُحمَّدِ البَغداديُّ الحَنفيُّ ﵀: أُحرقَ بَيتُ المُودَعِ فلمْ يَنقلِ الوَديعةَ إلى مَكانٍ آخرَ معَ إِمكانِه يَضمنُ إذا تمكَّنَ مِنْ حِفظِها بنَقلِها إلى مَكانٍ آخرَ (٢).
وقالَ الإِمامُ الماوردِيُّ ﵀: إذا دَعَت الضَّرورةُ إلى إِخراجِها مِنْ الحِرزِ الذي عيَّنَه لحِفظِ الوَديعةِ فيه مِنْ غِشيانِ نارٍ أو حُدوثِ حَريقٍ فهذا على ضَربينِ:
أَحدُهما: أنْ يَنصَّ المُودِعُ على ألَّا يُخرِجَها منه في هذه الأَحوالِ.
والثانِي: ألَّا يَنصَّ.
فإنْ لمْ يَنصَّ على ذلك بل نَهى عن إِخراجِها منه على الإِطلاقِ جازَ -معَ حُدوثِ هذه الضَّروراتِ المُتجدِّدةِ- إِخراجُها؛ لأنَّ نَهيَه عن إِخراجِها إنما هو لفَرطِ الاحتِياطِ في حِفظِها، فلمْ يَجزْ تَركُها في مَكانٍ يُفضي إلى تَلفِها، فإنْ ترَكَها ولمْ يَنقلْها حتى تلِفَت فعليه الضَّمانُ لتَفريطِه بالتَّركِ.
وإنْ نصَّ على ألَّا تَخرجَ منه وإنْ غشِيَت نارٌ أو حدَثَت غارَةٌ، فإنْ كانَ حَيوانًا يَخافُ على نَفسِه مِنْ غِشيانِ النَّارِ كانَ هذا فيه شَرطًا باطِلًا، ولزِمَ
стр. 7814
إِخراجُه معَ النَّهي عنه، كما يَلزمُ عَلفُه وإنْ نَهى عنه، فإنْ أخرَجَه لمْ يَضمنْه، وإنْ ترَكَه ففي ضَمانِه وَجهانِ، كالدابَّةِ إذا شرَطَ عليه ألَّا يَعلَفها.
وإنْ لمْ يَكنْ حَيوانًا يَخافُ تَلفَ نَفسِه ففي لُزومِ شَرطِه وَجهانِ، بِناءً على اختِلافِ الوَجهينِ المحكيَّينِ عن أَبي إِسحاقَ المرُّوزيِّ في الوَكيلِ إذا وكِّلَ في شِراءِ عَبدٍ بعَينِه بعَشرةٍ فاشتَراه بأَقلَّ منها، فإنْ لمْ يَنهَه المُوكِّلُ عن شِرائِه بأَقلَّ مِنْ عَشرةٍ صَحَّ الشِّراءُ، وإنْ نَهاه ففي لُزومِ شَرطِ وصِحةِ عَقدِه وَجهانِ: أَحدُهما: الشَّرطُ باطِلٌ والشِّراءُ صَحيحٌ، والوَجهُ الثانِي: أنَّ الشَّرطَ لازِمٌ والشِّراءُ باطِلٌ، كذلك هذا الشَّرطُ، وهذا المَوضعُ يُخرَّجُ على هذين الوَجهينِ:
أَحدُهما: يَلزمُ لقَطعِ الاجتِهادِ بالنَّصِّ، فعلى هذا إنْ أخرَجَه ضمِنَ وإنْ ترَكَه لمْ يَضمنْ.
والوَجهُ الثانِي: لا يَلزمُ تَغليبًا لحُكمِ الاحتِياطِ في نصِّه، فعلى هذا إنْ أخرَجَه لمْ يَضمنْ، وإنْ ترَكَه ففي ضَمانِه وَجهانِ على ما ذكَرْنا في الدابَّةِ المَنهيِّ عن عَلفِها إذا لمْ يَعلفْها، فأما مُؤنةُ إِخراجِها ونَقلِها فإنْ منَعَ منه كانَ مُتطوِّعًا به، وكذلك لو كانَ له ولمْ يَجبْ عليه كانَ مُتطوِّعًا به، وإنْ وجَبَ عليه كانَ كالعَلفِ على ما مَضى (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: يَلزمُ الوَديعَ إِخراجُ الوَديعةِ عندَ غِشيانِ شَيءٍ الغالِبُ منه الهَلاكُ كالنَّهبِ، فإنْ ترَكَ الوَديعُ الوَديعةَ في الحِرزِ الذي عيَّنَه ربُّها معَ
стр. 7815
غشيانِ ما الغالِبُ منه الهَلاكُ فتلِفَت ضمَنَها الوَديعُ، سَواءٌ تلِفَت بالأَمرِ المَخوفِ أو غيرِه؛ لأنَّه مُفرِّطٌ به (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ربُّ الوَديعةِ إذا أمَرَ المُستودَعَ بحِفظِها في مَكانٍ عيَّنَه فحفِظَ فيه ولم يَخشَ عليها فلا ضَمانَ عليه بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه مُمتثِلٌ لأَمرِه غيرُ مُفرِّطٍ في مالِه.
وإنْ خافَ عليها سَيلًا وتَوى -يَعني هَلاكًا- فأخرَجَها منه إلى حِرزِها فتلِفَت فلا ضَمانَ عليه بغيرِ خِلافٍ أَيضًا؛ لأنَّ نَقلَها في هذه الحالِ تعيَّنَ حِفظًا لها، وهو مَأمورٌ بحِفظِها.
وإنْ ترَكَها معَ الخَوفِ فتلِفَت ضمِنَها، سَواءٌ تلِفَت بالأَمرِ المَخوفِ أو بغيرِه؛ لأنَّه فرَّطَ في حِفظِها؛ لأنَّ حِفظَها نَقلُها وتَركُها تَضييعٌ لها.
وإنْ لمْ يَخفْ عليها فنقَلَها عن الحِرزِ إلى دونِه ضمِنَها؛ لأنَّه خالَفَه في الحِفظِ المَأمورِ به.
وإنْ نقَلَها إلى دونِه عندَ الخَوفِ عليها نظَرْنا، فإنْ أمكَنَه إِحرازُها بمِثلِه أو أَعلى منه ضمِنَها أَيضًا لتَفريطِه، وإنْ لمْ يُمكنْه إِحرازُها إلا بما دونَه لمْ يَضمنْها؛ لأنَّ إِحرازَها بذلك أَحفظُ لها مِنْ تَركِه، وليسَ في وُسعِه سواه (٢).
وقد حُكيَ عن بعضِهم أنَّه لا يَجبُ عليه ضَمانٌ إذا لمْ يُخرِجْها.
стр. 7816
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: واختلَفُوا في الحَريقِ يَقعُ في البَيتِ، ويُمكنُ المُودَعُ إِخراجُ الوَديعةِ مِنْ مَكانِها فلمْ يَفعلْ.
فقالَ قائِلٌ: يَضمنُ؛ لأنَّه كأنَّه أتلَفَه؛ لأنَّه أمَرَ بحِفظِه، وهذا مُضيِّعٌ، وهذا يُشبُه مَذهبَ الشافِعيِّ؛ لأنَّه قالَ: مَنْ استُودِعَ دوابَّ فلمْ يَعلفْها حتى تلِفَت ضمِنَ.
وقالَ آخرُ: لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ النَّارَ أتلَفَتْها، وهذا كالرَّجلِ المُسلمِ تُحيطُ به النارُ ورَجلٌ مُسلِمٌ قادرٌ على إِخراجِه فلمْ يَفعلْ فهو عاصٍ، ولا عَقلَ عليه ولا قَودَ (١).
إلا أنَّ فُقهاءَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ اختلَفُوا فيما لو قالَ له ربُّها: لا تُخرجْها مِنْ ذلك الحِرزِ وإنْ خِفتَ عليها الهَلاكَ، فإذا حصَلَ الهَلاكُ ولمْ يَنقلْها المُودَعُ في هذه الحالَةِ فتلِفَت هل يَضمنُها أم لا؟ في ذلك وَجهانِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ.
أَحدُهما وهو الصَّحيحُ عندَهما: أنَّه لا يَضمنُ؛ لأنَّه مُمتثِلٌ أَمرَ ربِّه فيما فعَلَ؛ لأنَّ نَهيَه معَ خَوفِ الهَلاكِ نصٌّ فيه وتَصريحٌ به، فيَكونُ مَأذونًا له في تَركِها في تلك الحالِ فلمْ يَضمنْها؛ لامتِثالِه أَمرَ صاحبِها كما لو قالَ له: أَتلِفْها فأتلَفَها.
والثانِي: يَضمنُ؛ لأنَّه غرَّرَ بها حيثُ ترَكَ نَقلَها معَ الخَوفِ عليها؛ لأنَّ
стр. 7817
نَهيَ صاحِبِها عن إِخراجِها إنما كانَ لحِفظِها، وحِفظُها هنا في إِخراجِها، فأَشبَه ما لو لمْ يَنهَه عن إِخراجِها (١).
عِلمُ المُودَعِ بما في الوَديعةِ:
قالَ الماوردِيُّ وغيرُه: ولا تَفتقرُ الوَديعةُ إلى عِلمِ الوَديعِ بما فيها، بخِلافِ اللُّقطةِ؛ لمَا يَلزمُه مِنْ تَعريفِها (٢).
إنِ ادَّعى صاحِبُ الوَديعةِ أنَّ المُودَعَ أخَذَ منها:
نصَّ الفُقهاءُ كما تقدَّمَ أنَّ المُودَعَ أَمينٌ، وأنَّه لا يُشترطُ عليه أنْ يَعرفَ ما في الوَديعةِ، وعليه فإذا أودِعَ وَديعةً في كيسٍ مَختومٍ مَثلًا ولمْ يَعلمْ ما فيه ولمْ يُعاينْه ثُم ادَّعى المُودِعُ أنَّها أَكثرُ مما هي عليه الآنَ أنَّ القَولَ قَولُ المُودَعِ.
قالَ الحَنفيةُ: إذا كانَ أودَعَ عندَ رَجلٍ دَراهمَ في كيسٍ ولمْ يَزنْ على المُودَعِ ثُم ادَّعى أنَّه أَكثرُ مِنْ ذلك وقالَ المُودَعُ: «قد قبَضْتُ الكيسَ ولا أَدري كمْ كانَ فيه» فلا ضَمانَ عليه ولا يَمينَ، إلا أنْ يَدعيَ عليه الفِعلَ، وهو التَّضييعُ أو الخِيانةُ فيَحلفُ، بأنْ قالَ: «إنَّها كانَت زائدةً مِقدارَ كذا وأنت أضَعْت الزِّيادةَ أو حصَلَتْ منك خِيانةٌ بوَجهِ كذا» فيَحلفُ.
стр. 7818
وقيلَ: يَنبغي أنْ يَحلفَ، فإنَّ مُحمدًّا ﵀ يَقولُ: القَولُ قَولُ الغاصِبِ والمُودَعِ في المِقدارِ معَ يَمينِه (١).
وسُئلُ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن وَديعةٍ في كيسٍ مَختومٍ ولمْ يَعلمْ ما فيه ولا عايَنَه، وذكَرَ المُودِعُ أنَّها أَلفٌ وخُمسمائةٍ وثَلاثُ تَفاصيلَ وعُدمَت الوَديعةُ في جُملةِ قُماشٍ ولمَّا عُدمَت قالَ صاحِبُ الوَديعةِ: إنَّ ما فيها شيءٌ يُساوي سَبعةَ آلافٍ، فهل يَلزمُ المُودَعُ غَرامةَ ما ذكَرَه في الأَولِ أم يَلزمُه ما ذكَرَ في الآخِرِ؟
فأجابَ: إنْ تلِفَت بغيرِ تَفريطٍ منه ولا عُدوانٍ لمْ يَلزمْه ضَمانٌ، وإذا ذهَبَت مع مالِه كانْ أَبلغَ، وإذا ادَّعى ذلك بسَببٍ ظاهِرٍ مَعلومٍ كُلفَ البيِّنةَ وقُبلَ قَولُه (٢).
стр. 7819
فصل في الهَلاكِ بعدَ الطَّلبِ والجُحودِ والرَّدِّ
قَبولُ قَولِ المُودَعِ في ردِّ الوَديعةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ المُودَعَ إذا أخَذَ الوَديعةَ بغيرِ بَينةٍ ثُم ادَّعى ردَّها على المالِكِ أنَّ القَولَ قَولُه مع يَمينِه؛ لأنَّه أَمينٌ والقَولُ قَولُه.
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ القَولَ قَولُ المُودَعِ في التَّلفِ والردِّ على الإِطلاقِ معَ يَمينِه (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو أودَعَها له ببيِّنةٍ ثُم ادَّعى المُودَعُ الرَّدَّ بغيرِ بيِّنةٍ، فهل يُقبلُ قَولُه أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ وأَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المالِكَ إذا أَعطى الوَديعةَ للمُودَعِ ببيِّنةٍ ثم ادَّعى المُودَعُ الردَّ عليه بغيرِ بيِّنةٍ فلا يُقبلُ قَولُه إلا ببيِّنةٍ؛ لأنَّه لمَّا أشهَدَ عليه وتوثَّقَ منه جعَلَه أَمينًا في الحِفظِ دونَ الردِّ، فإذا ادَّعى ردَّها؛ فقد ادَّعى بَراءتَه بما ليسَ بمُؤتمَنٍ فيه، فلمْ يُقبلْ منه إلا ببَينةٍ، ولأنَّ الغالِبَ ممَّن شهِدَ عليه بشَيءٍ أنَّه يَجتهدُ في دَفعِ تلك الشَّهادةِ عنه بما
стр. 7820
يَدفعُها بحيثُ إنْ لمْ يَفعلْ ذلك تعيَّنَت التُّهمةُ المُوجِبةُ للضَّمانِ، ولأنَّ أَصلَ اليدِ الضَّمانُ؛ لقَولِه ﷺ : «على اليدِ ما أخَذَت حتى ترُدَّه» خالَفْناه في مَوانعِ الإِجماعِ فيَبقى على مُقتَضاه في صُورِ النِّزاعِ، ولأنَّه لولا الضَّمانُ حينَئذٍ لانتَفَت فائِدةُ الإِشهادِ، فإذا أزَلْناه لمْ يبقَ له فائِدةٌ (١).
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى» فيمَن دفَعَ إلى رَجلٍ مالًا قِراضًا أو وَديعةً ببيِّنةٍ أو بغيرِ بيِّنةٍ.
(قُلْت): أَرأيتَ ما ذكَرْت عن مالِكٍ أنَّه قالَ إذا دفَعَ إليه المالَ وَديعةً أو قِراضًا ببَينةٍ فقالَ الذي أخَذَ المالَ بعدَ ذلك: قد ردَدْتُه، أنَّه لا يَبرأُ بقَولِه إنِّي قد ردَدْتُه، إلا أنْ يَكونَ له بَينةٌ؟ (قُلْت): لِمَ قالَ مالِكٌ ذلك؟ أليسَ أَصلُ أَخذِه هذا المالَ أَمانةً؟ فلِمَ لا يَبرأُ بقَولِه إنِّي قد دفَعْتُه؟ وقد قُلْت: قد قالَ مالِكٌ: إذا قالَ قد ضاعَ مني إنَّه مُصدَّقٌ وإنْ كانَت عليه بَينةٌ فلِمَ لا يُصدَّقُ إذا قالَ قد ردَدْتُه؟
(قالَ): لأنَّه حينَ دفَعَ إليه المالَ قد استوثَقَ منه الدَّافعُ، فلا يَبرأُ حتى يَستوثقَ هو أَيضًا إذا هو دفَعَ وإنْ كانَ أَصلُ المالِ أَمانةً، فإنَّه لا يَبرأُ إلا بالوَثيقةِ (٢).
стр. 7821
والمُرادُ بالبَينةِ المَقصودةِ للتَّوثقِ هي التي يَقولُ مُشهدُها اشهَدُوا أنَّي إنما أشهَدْت خَوفَ دَعوى الرَّدِّ أو الجَحدِ، وأما إِشهادُها خَوفَ المَوتِ أو خَوفَ دَعوى التَّلفِ وما أشبَهَه مما يُعلمُ أنَّه لمْ يَقصدْ به التَّوثقَ فإنَّه يُصدقُ في دَعواه الرَّدَّ.
ويَكفي في كَونِها مَقصودةً للتَّوثقِ قَصدُ المُودِعِ -بالكسرِ-، ولا يَتوقفُ على عِلمِ المُودَعِ -بالفتحِ- أنَّ المُودِعَ -بالكسرِ- أشهَدَ تلك البَيِنةَ بقَصدِ التَّوثقِ.
وقيلَ: يُشترطُ في كَونِها للتَّوثقِ عِلمُ المُودَعِ -بالفتحِ- أنَّ المُودِعَ -بالكسرِ- قصَدَ بها التَّوثقَ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ -وقيلَ إنَّه قَولُ ابنُ القاسِمِ مِنْ المالِكيةِ- إلى أنَّ المُودَعَ إذا ادَّعى ردَّ الوَديعةِ على مالِكِها فإنَّ القَولَ قَولُه مُطلقًا معَ يَمينِه؛ لأنَّه أخَذَ العَينَ لمَنفعةِ المالِكِ لا لمَنفعةِ نَفسِه، فكانَ القَولُ في الردِّ قولَه، وسَواءٌ كانَ المُودِعُ قد أشهَدَ عليه عندَ الدَّفعِ للوَديعةِ إليه أو لمْ يُشهدْ؛ لأنَّه لمَّا كانَ قَولُه في التَّلفِ مَقبولًا معَ الشَّهادةِ وعَدمِها وجَبَ أنْ يَكونَ قولُه في الردِّ مَقبولًا معَ الشَّهادةِ وعَدمِها (٢).
стр. 7822
قالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ الوَديعةَ أَمانةٌ مَحضةٌ وأنَّها مِنْ القُربِ المَندوبِ إليها، وأنَّ في حِفظِها ثَوابًا، وأنَّ الضَّمانَ لا يَجبُ على المُودَعِ إلا بالتَّعدِّي، وأنَّ القَولَ قَولُ المُودَعِ في التَّلفِ والرَّدِّ على الإِطلاقِ معَ يَمينِه.
ثُم اختلَفُوا فيما إذا كانَ المُودَعُ قد قبَضَها ببَينةٍ، فهل يُقبلُ قَولُه في رَدِّها بغيرِ بَينةٍ؟
فقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: يُقبلُ قَولُه في رَدِّها بغيرِ بَينةٍ.
وقالَ مالِكٌ: لا يُقبلُ قَولُه في رَدِّها إلا ببَينةٍ.
وعن أَحمدَ رِوايتانِ أَظهرُهما كمَذهبِ أَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ، والأُخرى كمَذهبِ مالِكٍ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ رَجبٍ ﵀: لو ادَّعى الأَمينُ ردَّ الأَمانةِ إلى مَنْ ائتمَنَه فالأَكثرونَ على أنَّ قَولَه مَقبولٌ أَيضًا لدَعوى التَّلفِ، وقالَ الأَوزاعيُّ: لا يُقبلُ قَولُه لأنَّه مُدَّعٍ.
وقالَ مالِكٌ وأَحمدُ في رِوايةٍ: إنْ ثبَتَ قَبضُه للأَمانةِ ببَينةٍ لمْ يُقبلْ قَولُه في الرَّدِّ بدونِ البَينةِ، ووجَّهَ بعضُ أَصحابِنا ذلك بأنَّ الإِشهادَ على دَفعِ الحُقوقِ
стр. 7823
الثابِتةِ بالبَينةِ واجِبٌ، فيَكونُ تَركُه تَفريطًا فيَجبُ به الضَّمانُ، ولذلك قالَ طائِفةٌ منهم في دَفعِ مالِ اليَتيمِ إليه لا بدَّ له مِنْ بَينةٍ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بالإِشهادِ عليه فيَكونُ واجِبًا (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: واختلَفُوا في المُودَعِ يَقولُ: قد ردَدْتُها إليكَ.
فقالَ الثَّوريُّ والشافِعيُّ وأَحمدُ وإِسحاقُ وأَصحابُ الرَّأي: القَولُ قَولُه معَ يَمينِه.
وقالَ مالِكٌ: إنْ كانَ دفَعَها ببَينةٍ فإنَّه لا يَبرأُ منها إذا قالَ «قد دفَعْتُها إليكَ» إلا ببَينةٍ، وإنْ كانَ أودَعَه بغيرِ بَينةٍ فإنَّه يَبرأُ بغيرِ بَينةٍ، والمُضارِبُ مِثلُه.
قالَ أَبو بكرٍ: قَولُ الثَّوريِّ صَحيحٌ؛ لأنَّهم أجمَعُوا على أنَّه إذا قالَ: قد تلِفَت، أنَّه أَمينٌ، وكذلك إذا قالَ: قد ردَدْتُها إليكَ، فالقَولُ قَولُه (٢).
قالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: المِثالُ الثانِي والسَّبعونَ:
لو غلِطَ المُضارِبُ أو الشَّريكُ وقالَ: «ربِحْتُ أَلفًا» ثُم أرادَ الرُّجوعَ لم يُقبلْ منه؛ لأنَّه إِنكارٌ بعدَ إِقرارٍ، ولو أقامَ بيِّنة على الغلَطِ فالصَّحيحُ أنَّها تُقبلُ، وقيلَ: لا تُقبلُ؛ لأنَّه مُكذِّبٌ لها، فالحِيلةُ في استِدراكِه ما غلِطَ فيه بحيثُ تُقبلُ منه أنْ يَقولَ خسِرْتُها بعدَ أنْ ربِحْتَها، فالقَولُ قَولُه في ذلك ولا يَلزمُه الأَلفُ.
стр. 7824
وهكذا الحِيلةُ في استِدراكِ كلِّ أَمينٍ لظِلامتِه كالمُودَعِ إذا ردَّ الوَديعةَ التي دُفعَت إليه ببَينةٍ ولمْ يُشهدْ على رَدِّها، فهل يُقبلُ قَولُه في الرَّدِّ؟ فيه قَولانِ، هما رِوايتانِ عن الإِمامِ أَحمدَ، فإذا خافَ ألَّا يُقبلَ قَولُه فالحِيلةُ في تَخلُّصِه أنْ يَدعيَ تَلفَها مِنْ غيرِ تَفريطٍ، فإنْ حلَّفَه على ذلك فليَحلِفْ مُورِّيًا مُتأوِّلًا أنَّ تَلفَها مِنْ عندِه خُروجُها مِنْ تحتِ يدِه ونَظائرِ ذلك واللهُ أَعلمُ (١).
ردُّ الوَديعةِ عندَ طَلبِ صاحِبِها:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ ربَّ الوَديعةِ إذا طلَبَ وَديعتَه فيَجبُ على المُودَعِ ردُّها إليه إذا لمْ يَكنْ له عُذرٌ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «أدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتمَنَك، ولا تَخنْ مَنْ خانَكَ» (٢)، يَعني عندَ طَلبِها.
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ الأَماناتِ مَردودةٌ إلى أَربابِها (٣).
ولأنَّها حَقٌّ لمالِكِها لمْ يَتعلَّقْ بها حَقُّ غيرِه فلزِمَ أَداؤُها إليه كالمَغصوبِ والدَّينِ الحالِّ، فإنِ امتنَعَ مِنْ دَفعِها في هذه الحالِ فتلِفَت ضمِنَها؛ لأنَّه صارَ غاصِبًا لكَونِه أمسَكَ مالَ غيرِه بغيرِ إِذنِه بفِعلٍ مُحرَّمٍ.
стр. 7825
فأمَّا إنْ طلَبَها في وَقتٍ لمْ يُمكنْ دَفعُها إليه لبُعدِها أو لمَخافةٍ في طَريقِها أو للعَجزِ عن حَملِها أو غيرِ ذلك لمْ يَكنْ مُتعدِّيًا بتَركِ تَسليمِها؛ لأنَّ اللهَ تَعالى لا يُكلِّفُ نَفسًا إلا وُسعَها، وإنْ تلِفَ لمْ يَضمنْها لعَدمِ عُدوانِه، وإنْ قالَ: أَمهلُوني حتى أَقضيَ صَلاتِي أو آكلُ فإنِّي جائِعٌ أو أَنامُ فإنِّي ناعِسٌ أو يَنهضمَ عني الطَّعامُ فإنِّي مُمتلِئٌ أُمهلَ بقَدرِ ذلك (١).
إلا أنَّ المالِكيةَ قَالوا: مَنْ دفَعَ لشَخصٍ وَديعةً بغيرِ بيِّنةٍ ثُم طلَبَها منه فامتنَعَ مِنْ دَفعِها له إلا بحَضرةِ القاضِي ثُم إنَّها ضاعَت بعدَ ذلك فإنَّه يَكونُ ضامِنًا لها؛ لأنَّ إِمساكَها ظُلمٌ لربِّها فهو كالمُتسَبِّبِ مُتسبِّبٌ في ضَياعِها؛ إذ لا عُذرَ له لأنَّه مُصدَّقٌ إذا ادَّعى رَدَّها لربِّها.
أما إنْ كانَ أخَذَها منه ببَينةٍ مَقصودةٍ للتَوثُّقِ فلا يَضمنُ لأنَّه مَعذورٌ؛ إذ لا يُقبلُ قَولُه حينَئذٍ في رَدِّها بخِلافِ الأَولِ.
إلا إنْ قالَ: ضاعَت مِنْ سِنينَ وأَولى مِنْ أَقلَّ، ولمْ يَكنْ يَذكرُ ذلك لأَحدٍ مِنْ خَلقِ اللهِ، إلا أنَّه قالَ كنْتُ أَرجوها وأَطلبُها فلمْ أَجدْها فإنَّه لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أَمينٌ، وسَواءٌ كانٌ صاحِبُ الوَديعةِ حاضِرًا أو غائِبًا عن
стр. 7826
البَلدِ، كالقِراضِ إذا نضَّ ثُم طلَبَه ربُّه فقالَ له ضاعَ مِنْ سِنينَ وكنْتُ أَرجوه فلا ضَمانَ عليه (١).
إذا طلَبَ الوَديعةَ فقالَ المُستودَعُ: لا يُمكنُني إِحضارُها الساعَةَ:
قالَ الحَنفيةُ: إذا طلَبَ صاحِبُ الوَديعةِ الوَديعةَ منه فقالَ المُستودَعُ: لا يُمكنُني أنْ أُحضرَها الساعَةَ، فترَكَها وذهَبَ ثُم هلَكَت، فإنْ كانَ المُودَعُ صادِقًا في قَولِه فلا يَضمنُ مُطلقًا؛ لأنَّه لمَّا طلَبَ منه الوَديعةَ فقد عزَلَه عن الحِفظِ، ثُم لمَّا ترَكَ ورجَعَ كانَ ذلك ابتِداءَ إِيداعٍ.
وإنْ كانَ المُودَعُ يُمكنُه أنْ يَأتيَه بالوَديعةِ لكنَّه كذَبَ عليه فإنْ ترَكَها المُودِعُ عن رضًا وذهَبَ لا يَضمنُ؛ لأنَّه لمَّا ذهَبَ فقد أنشَأَ الوَديعةَ، وإنْ كانَ عن غيرِ رضًا يَضمنُ.
ولو كانَ الذي طلَبَها وَكيلُ المالِكِ يَضمنُ؛ لأنَّه ليسَ له إِنشاءُ الوَديعةِ بخِلافِ المالِكِ (٢).
الردُّ على وَكيلِ المالِكِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو جاءَ وَكيلُ المالِكِ وطلَبَ مِنْ المُودَعِ ردَّ الوَديعةِ إليه، هل يَلزمُه دَفعُها إليه أم لا؟
стр. 7827
فذهَبَ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ مِنْ الحَنفيةِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ وَكيلَ المالِكِ إذا طلَبَ الوَديعةَ مِنْ المُودَعِ أو أمَرَه ربُّ الوَديعةِ أنْ يَردَّ الوَديعةَ على وَكيلِه وصدَّقَه المُودَعُ وجَبَ دَفعُها إليه، سَواءٌ طلَبَها الوَكيلُ أم لمْ يَطلبْها، فإنْ لمْ يَفعلْ وتلِفَت ضمِنَها؛ لأنَّه أمسَكَ مالَ غيرِه بغيرِ إِذنِه.
إلا أنَّه إنْ أخَّرَ الدَّفعَ عن الوَكيلِ حتى يَشهدَ عليه لمْ يَضمنْ عندَ الشافِعيةِ؛ لأنَّه لا يُقبلُ قَولُه في الردِّ على الوَكيلِ، بل يَجبُ عليه الإِشهادُ في الردِّ على الوَكيلِ في أَحدِ الوَجهينِ عندَهم، كما رجَّحَه البَغويُّ، والثانِي: لا يَجبُ عليه الإِشهادُ، وهو قَولُ الغَزاليِّ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الوَكيلَ إذا قالَ: إنِّي وَكيلٌ بقَبضِ الوَديعةِ فصدَّقَه المُودَعُ لمْ يُؤمرْ بالدَّفعِ إليه؛ لأنَّه أقَرَّ له بقَبضِ مالِ الغيرِ، فلا يَصحُّ لمَا فيه مِنْ إِبطالِ حقِّه في العَينِ، بخِلافِ ما إذا ادَّعى أنَّه وَكيلٌ بقَبضِ الدَّينِ فصدَّقَه؛ حيثُ يُؤمرُ بالدَّفعِ إليه لأنَّه أقَرَّ بمالِ نَفسِه؛ إذ الدُّيونُ تُقضى بأَمثالِها لا بأَعيانِها على ما بيَّنَّا، ولو هلَكَت الوَديعةُ عندَه بعدَما منَعَ قيلَ: لا يَضمنُ، وقيلَ: يَنبغي أنْ يَضمنَ؛ لأنَّ المَنعَ مِنْ وَكيلِ المُودِعِ في زَعمِه بمَنزلةِ المَنعِ مِنْ المُودِعِ وهو يُوجبُ الضَّمانَ، فكذا هذا، ولو سلَّمَ الوَديعةَ
стр. 7828
إليه فهلَكَت في يدِه وأنكَرَ المُودِعُ الوَكالةَ يَضمنُ المُودَعُ؛ لأنَّه مُتعدٍّ بالتَّسليمِ إليه، وله أنْ يُحلفَ المُودِعَ أنَّه ما وكَّله، فإذا نكَلَ برِئَت ذِمتُه، وإذا حلَفَ ضمِنَ وليسَ له أنْ يَرجعَ على الوَكيلِ؛ لأنَّ في زَعمِه أنَّ المُودِعَ ظالِمٌ في تَضمينِه إيَّاه وهو مَظلومٌ، والمَظلومُ ليسَ له أنْ يَظلمَ غيرَه، إلا إذا ضمِنَه وَقتَ الدَّفعِ له على الصِّفةِ التي ذكَرْنا في الدَّينِ، فحينَئذٍ يَرجعُ عليه، ولو دفَعَ إليه مِنْ غيرِ تَصديقٍ له على الوِكالةِ رجَعَ عليه مُطلقًا، ولو كانَت العَينُ باقِيةً أخَذَها في الصُّورِ كلِّها؛ لأنَّه ملَكَها بأداءِ الضَّمانِ، ولو أرادَ أنْ يَستردَّها منه بعدَما دفَعَها إليه لا يَملكُ ذلك؛ لأنَّه ساعٍ في نَقضِ ما تمَّ مِنْ جِهتِه (١).
وأما المالِكيةُ فقالوا: مَنْ أودَعَ وَديعةً عندَ شَخصٍ ثُم ادَّعى المُودَعُ أنَّه دفَعَها إلى وَكيلِ ربِّ الوَديعةِ أو رَسولِه وكذَّبَه المالِكُ فلا يُقبلُ قَولُ المُودَعِ في ذلك إلا أنْ تَقومَ بَينةٌ أنَّ ربَّ الوَديعةِ أمَرَه بالدَّفعِ إلى الوَكيلِ أو الرَّسولِ، ويَحلفُ ربُّها أنَّه ما أمَرَه بالدَّفعِ، فإنْ نكَلَ حلفَ المودَع ولا شَيءَ عليه.
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: مَنْ دفَعَ الوَديعةَ إلى غيرِ اليدِ التي دفَعَتْها إليه فعليه ما على وَليِّ اليَتيمِ مِنْ الإِشهادِ، فإنْ لمْ يُشهِدْ فلا يُصدقُ في الدَّفعِ إذا أنكَرَ القابِضُ (٢).
стр. 7829
وقالَ ابنُ شاسٍ: فأما دَعواه الرَّدَّ على غيرِ مَنْ ائتمَنَه كدَعوى الرِّدِّ على وارثِ المالِكِ أو وَكيلِه، فلا يُقبَلُ إلا ببَينةٍ، وكذلك دَعوى وارثِ المُودَعِ على المالِكِ يَفتقرُ إلى البَينةِ أَيضًا، وسَواءٌ كانَ القَبضُ في جَميعِ هذه الصُّورِ الثَّلاثِ ببَينةٍ أو بغيرِ بَينةٍ (١).
جُحودُ الوَديعةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ المُودِعَ إذا طلَبَ الوَديعةَ فجحَدَها المُودَعُ بلا عُذرٍ ثُم أقَرَّ بها أو أقامَ ربُّها البَينةَ على أنَّه أودَعَه فإنَّه ضامِنٌ لها؛ لأنَّه بجَحدِه خرَجَ عن الاستِئمانِ فيها، فلمْ يَزلْ عنه الضَّمانُ بالإِقرارِ بها؛ لأنَّ يدَه صارَت يدَ عُدوانٍ، ولأنَّه مُكذِّبٌ لإِنكارِه الأَولِ ومُعتَرفٌ على نَفسِه بالكَذبِ المُنافي للأَمانةِ.
ولأنَّ العَقدَ لمَّا ظهَرَ بالحُجةِ فقد ظهَرَ ارتِفاعُه بالجُحودِ أو عندِه؛ لأنَّ المالِكَ لمَّا طلَبَ منه الوَديعةَ فقد عزَلَه عن الحِفظِ، والمُودَعُ لمَّا جحَدَ الوَديعةَ حالَ حَضرةِ المالِكِ فقد عزَلَ نَفسَه عن الحِفظِ فانفسَخَ العَقدُ، فبقِيَ مالُ الغيرِ في يدِه بغيرِ إِذنِه، فيَكونُ مَضمونًا عليه، فإذا هلَكَ تقرَّرَ الضَّمانُ.
стр. 7830
قالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّه إذا طالَبَه فقالَ: ما أودعْتَني، ثُم قالَ بعدَ ذلك: ضاعَت، فإنَّه ضامِنٌ؛ لأنَّه خرَجَ عن حدِّ الأَمانةِ بذلك (١).
وأما إذا لمْ يُقمْ ربُّها بَينةً على أنَّه أودَعَه ولا أقَرَّ بها فالقَولُ قَولُه معَ يَمينِه: «البَينةُ على المُدَّعِي، واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» (٢).
стр. 7831
والمُدَّعَى عليه هو المُتمسِّكُ بالأَصلِ، والأَصلُ أنَّه لمْ يُودعْه، فكانَ القَولُ قَولَه.
فلو أقامَ المُدَّعِي بَينةَ الإِيداعِ، أو اعتَرفَ بها المُدَّعى عليه، طُولِبَ بها (١).
إلا أنَّ الحَنفيةَ اشترَطُوا سَبعةَ شُروطٍ لتَضمينِه:
الشَّرطُ الأَولُ: أنْ يُنكرَ الوَديعُ أَصلَ الإِيداعِ؛ لأنَّ المُودَعَ لو ادَّعى أنَّ المالِكَ وهبَهَا منه أو باعَها له وأنكَرَ صاحبُها ثُم هلَكَت لا ضَمانَ على المُودَعِ.
الثانِي: أنْ يَقعَ الإِنكارُ بحَضرةِ المالِكِ؛ لأنَّ جُحودَها عندَ غيرِه حالَ غَيبتِه لا يُوجبُ الضَّمانَ؛ لأنَّه مَعدودٌ مِنْ بابِ الحِفظِ والصِّيانةِ عُرفًا وعادةً؛ لأنَّ مَبنى الإِيداعِ على السِّترِ والإِخفاءِ، فكانَ الجُحودُ عندَ غيرِ المالِكِ حالَ غَيبتِه حِفظًا مَعنًى، فلا يَكونُ سببًا لوُجوبِ الضَّمانِ.
الثالِثُ: أنْ يَكونَ جُحودُها بعدَ أنْ طلَبَ المالِكُ؛ لأنَّه لو قالَ له: «ما حالُ وَديعتي عندَك؟» ليَشكرَه على حِفظِها فجحَدَها، لا ضَمانَ عليه.
الرابِعُ: أنْ يَنقلَها الوَديعُ مِنْ مَكانِها زَمنَ الجُحودِ؛ لأنَّه لو لمْ يَنقلْها مِنْ مَكانِها حالَ إِنكارِه فهلَكَت لا ضَمانَ عليه.
стр. 7832
الخامِسُ: أنْ تَكونَ الوَديعةُ مَنقولًا؛ لأنَّها لو كانَت عَقارًا فإنَّه لا يَضمنُها بالجُحودِ عندَ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ -رحمهما الله- قِياسًا على الغَصبِ؛ لعدَمِ تَصوُّر غَصبِ العَقارِ عندَهما، خِلافًا لمُحمَّدِ بنِ الحَسنِ في الأَصحِّ؛ لأنَّ الغَصبَ يَجري فيه عندَه، فلو جحَدَه كانَ ضامِنًا.
السادِسُ: أنْ يَكونَ هناك ما يَخافُ عليها منه؛ لأنَّه لو جحَدَها في وَجهِ عَدوٍ يَخافُ عليها التَّلفَ إنْ أقَرَّ أَمامَه ثُم هلَكَت فإنَّه لا يَضمنُها؛ لأنَّه إنما أرادَ بذلك حِفظَها لمالِكِها لا تَضييعَها عليه.
السابِعُ: ألَّا يَحضرَها الوَديعُ بعدَ جَحدِها؛ لأنَّه لو جحَدَها ثُم أحضَرَها فقالَ له صاحِبُها: «دَعْها وَديعةً عندَك» فهلَكَت فإنْ أمكَنَ صاحِبَها أَخذُها فلمْ يَأخذْها فلا ضَمانَ على الوَديعِ؛ لأنَّه إِيداعٌ جَديدٌ، وإنْ لمْ يُمكنْه أَخذُها ضمِنَ؛ لأنَّه لمْ يَتمَّ الردُّ إلى المالِكِ بإِحضارِها عند عَدمِ تَمكُّنِه مِنْ أَخذِها، فلا يَصحُ الإِيداعُ الجَديدُ؛ لأنَّ الإِيداعَ إنما يَكونُ لعَينِ مالِه، وهو إنما يَستحقُّ على المُودَعِ ضَمانَها فهو كالدَّينِ في ذمتِه، والمَضمونُ لا يَصيرُ أَمانةً إلا بعدَ الخُروجِ عن عُهدِة ضَمانِه، وذلك بالتَّسليمِ التامِّ الذي يُمكنُ المالِكُ معَه القَبضَ والتِّسليمَ (١).
стр. 7833
وقالَ الشافِعيةُ: إنما يَضمنُ بالجُحودِ إذا لمْ يَكنْ هناك عُذرٌ، أما إنْ كانَ هناكَ عُذرٌ كأنْ طالَبَ المالِكَ بها ظالِمٌ فطالَبَ المالِكُ الوَديعَ بها فجحَدَها دَفعًا للظالِمِ فإنَّه لا يَضمنُ؛ لأنَّ إِخفاءَها أَبلغُ في حِفظِها، وكذا لو جحَدَها بلا طَلبٍ مِنْ مالِكِها ولو بحَضرتِه؛ لأنَّ إِخفاءَها أَبلغُ في حِفظِها (١).
إذا قالَ بعدَ الجُحودِ: «ضاعَت أو تلِفَت»:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو جحَدَ المُودَعُ الوَديعةَ ثُم أقَرَّ بعدَ ذلك أو أَتى ربُّ الوَديعةِ ببَينةٍ تُثبتُ الإِيداعَ، ثُم قالَ بعدَ ذلك: «إنَّها ضاعَت أو تلِفَت» قبلَ الجُحودِ وأَتى ببَينةٍ، هل يُقبلُ قَولُه أم لا؟ فهذا لا يَخلو مِنْ ثَلاثِ صُورٍ:
الصُّورةُ الأُولى: أنْ تَشهدَ البَينةُ أنَّها تلِفَت أو ضاعَت قبلَ الجُحودِ:
ذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُودَعَ إذا جحَدَ الوَديعةَ مَثلًا يومَ الخَميسِ ثُم أقَرَّ يَومَ الجُمعةِ مَثلًا أنَّه أودَعَه، ثُم قالَ إنَّها تلِفَت أو ضاعَت بغيرِ تَفريطٍ منه يومَ الأَربعاءِ، وأقامَ بذلك بَينةً قُبلَت بَينتُه؛ لأنَّ المُودَعَ لو اعتَرفَ بذلك سقَطَ حقُّه فتُسمعُ البيِّنةُ به، ولأنَّه يَقولُ أَردْتُ ألَّا أَتكلَّفَ بَينةً.
стр. 7834
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةِ في وَجهٍ والحَنابِلةِ في وَجهٍ إلى أنَّه إذا أقَرَّ بعدَ الجُحودِ ثُم ادَّعى التَّلفَ قبلَ الجُحودِ وأَتى ببَينةٍ لا تُسمع بَينتُه؛ لأنَّه مُكذِّبٌ لها بإِنكارِه الإِيداعَ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: ولو قالَ حينَ طُولِبَ بالوَديعةِ: ليسَ لك مَعي وَديعةٌ، أو قالَ لا حقَّ لك في يَدي، ثُم أقَرَّ بها وادَّعى تَلفَها قُبلَ منه؛ لأنَّه ليسَ في القَولينِ تَكاذبٌ، ومَن تلِفَت الوَديعةُ منه فلا وَديعةَ معَه ولا في يدِه، وخالَفَ حالَ المُنكِرِ لها لمَا فيه مِنْ تَكاذبِ القَولينِ (٢).
الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ تَشهدَ البَينةُ أنَّها تلِفَت بعدَ الجُحودِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ البَينةَ إذا شهِدَت أنَّ الوَديعةَ تلِفَت بعدَ جُحودِه للوَديعةِ أنَّه ضامِنٌ ولا تُسمعُ، والغُرمُ واجِبٌ عليه؛ لأنَّها تلِفَت بعدَ الضَّمانِ (٣).
стр. 7835
الصُّورةُ الثالِثةُ: أنْ تَشهدَ البَينةُ أنَّها تلِفَت لكنْ لا تَعلمُ، أقبلَ الجُحودِ أم بعدَه؟
قالَ الحَنابِلةُ: إنْ شهِدَت البَينةُ بعدَ جُحودِ الإِيداعِ أنَّها تلِفَت أو ضاعَت أو أنَّه ردَّها لكنَّها لمْ تَدرِ هل كانَ هذا قبلَ جُحودِ الإِيداعِ أو بعدَه واحتَملَ الأَمرَينِ لمْ يَسقطِ الضَّمانُ؛ لأنَّ الأَصلَ وُجوبُه فلا يَنتفي بأمرٍ مُترَددٍ (١).
وهو أَيضًا مَذهبُ المالِكيةِ في المَشهورِ فإنَّهم يَنصونَّ على أنَّه إذا أنكَرَ أَصلُ الوَديعةِ بأنْ قالَ ما أودعَتْني شَيئًا ثُم أقامَ ربُّها بَينةً تَشهدُ له أنَّه أودَعَه أو أقَرَّ بها فإنَّه يَكونُ ضامِنًا لها، حتى لو أقامَ المُودَعُ بَينةً تَشهدُ له برَدِّها للمُودِعِ أو بتَلفِها لمْ يَبرأْ، ويَتوجَّه عليه الضَّمانُ بجَحدِها (٢).
стр. 7836
فصل في مَوتِ المُودَعِ مُجهلًا
تَجهيلُ الوَديعةِ:
الإِنسانُ إذا كانَ عندَه وَديعةٌ وماتَ فهذا لا يَخلو مِنْ صُورٍ:
الصُّورةُ الأُولى: أنْ يَموتَ وقد بيَّنَ الوَديعةَ وذكَرَ أنَّها لفُلانٍ:
اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ المُودَعَ إذا ماتَ وكانَ عندَه وَديعةٌ وقد بيَّنَ لوَرثتِه قبلَ مَوتِه أنَّ هذه وَديعةُ فُلانٍ أو أَوصى بها وكانَت الوَديعةُ قائِمةً بعَينِها بعدَ مَوتِه، فتَكونُ في يدِ وَرثتِه أَمانةً ويَجبُ على وَرثتِه أنْ يَردُّوها على مالِكِها؛ لأنَّها عَينُ مالِه، ومَن وجَدَ عَينَ مالِه فهو أَحقُّ به، فإنْ لمْ يَعلمْ ربُّ الوَديعةِ بمَوتِ المُودَعِ وجَبَ على وَرثتِه إِعلامُه بها، وليسَ لهم إِمساكُها قبلَ أنْ يَعلمَ ربُّها بها؛ لأنَّه لمْ يَأتمنْهم عليها، وإنما حصَلَ مالُ غيرِهم في أَيديهم بمَنزلةِ مَنْ أطارَت الرِّيحُ إلى دارِه ثَوبًا وعلِمَ به، فعليه إِعلامُ صاحِبِه به، فإنْ أخَّرَ ذلك معَ الإِمكانِ ضمِنَ، كذا هاهنا.
وإذا تعَدَّى الوَرثةُ فيها أو لمْ يَردُّوها على مالِكِها إذا طلَبَها صارَت مَضمونةً عليهم، وهذا إذا تمكَّنَ مِنْ ردِّها ولمْ يَفعلْ، وإنْ لمْ يَتمكنْ من ردِّها فلا ضَمانَ عليه.
стр. 7837
وإذا بيَّنَه لوَرثتِه أو أَوصى بها وماتَ فتلِفَت فلا ضَمانَ عليه، ولا تُؤخذُ مِنْ تَركتِه، وكذا عندَ المالِكيةِ لو قالَ: هي بمَوضعِ كذا ولمْ تُوجدْ فلا يَضمنُها، وتُحملُ على أنَّها ضاعَت وهو مُصدَّقٌ (١).
الصُّورةُ الثَّانيةُ: أنْ يَموتَ مُجهِلًا للوَديعةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ المُودَعَ إذا ماتَ مُجهِلًا الوَديعةَ -ومَعنى تَجهيلِ الوَديعةِ: ألَّا يُبينَ حالَ الأَمانةِ التي عندَه، وهو يَعلمُ أنَّ وَارثَه لا يَعلمُ حالَها ولمْ يُشهدْ عليها- فإنَّه يَضمنُها بالتَّجهيلِ؛ لأنَّه بالتَّجهيلِ قد منَعَ الوَديعةَ عن ربِّها ظُلمًا، فصارَت دَينًا في تَركتِه.
فإذا عُرفَت بعَينِها وجَبَ ردُّها على مالِكِها، وربُّها أَحقُّ بها مِنْ الغُرماءِ؛ لأنَّ حقَّ الغُرماءِ بعدَ مَوتِ المَدينِ يَتعلقُ بمالِه دونَ مالِ سائرِ الناسِ، وكما كانُوا أَحقَّ بها في حَياةِ المَديونِ فكذلك بعدَ مَوتِه.
وإنْ لمْ تُعرفْ بعَينِها وكانَ على المَيتِ دَينٌ وله غُرماءُ قُسمَ المالُ بينهم
стр. 7838
على قدرَ حِصصِهم؛ لأنَّه بالتَّجهيلِ يَصيرُ مُسلِّطًا غُرماءَه ووَرثتَه على أَخذِها، والمُودَعُ بمِثلِ هذا التَّسليطِ يَصيرُ ضامِنًا، كما لو دلَّ سارِقًا على سَرقتِها، ولأنَّه التَزمَ أَداءَ الأَمانةِ، ومِن أَداءِ الأَمانةِ بَيانُها عندَ مَوتِه وردُّها على المالِكِ إذا طلَبَ، فكما يَضمنُ بتَركِ الردِّ بعدَ الطَّلبِ يَضمنُ أيضًا بتَركِ البَيانِ عندَ المَوتِ.
ولو قالَت الوَرثةُ إنَّها هلَكَت أو رُدَّت على المالِكِ لا يُصدَّقُونَ على ذلك إلا ببَينةٍ؛ لأنَّ المَوتَ مُجهِلًا سَببٌ لوُجوبِ الضَّمانِ؛ لكَونِه إِتلافًا، فكانَت دَعوى الهَلاكِ والردِّ دَعوى أَمرِ عارِضٍ فلا يُقبلُ إلا بحُجةٍ.
وهذا إذا أقَرَ المُودَعُ أنَّ عندَه وَديعةً أو أنَّ لفُلانٍ وَديعةً أو ثبَتَت ببَينةٍ أنَّه ماتَ وعندَه وَديعةٌ (١).
إلا أنَّ المالِكيةَ قالُوا: إذا ماتَ مُجهِلًا ومَضى عَشرةُ أَعوامٍ مِنْ يَومِ الإِيداعِ فلا تُؤخذُ مِنْ تَركتِه إذا لمْ تُوجدْ ولمْ يُوصِ بها، ويُحملُ على أنَّه ردَّها لربِّها إنْ لمْ تَكنْ أُودَعت ببَينةٍ تُوثقٍ -أي بَينةٍ مَقصودةٍ للتَّوثيقِ-، فإنْ أُودعَت ببَينةٍ مَقصودةٍ للتَّوثقِ أُخذَت مِنْ تَركتِه مُطلقًا، ولو زادَ الزَّمنُ على العَشرةِ سِنينَ (٢).
стр. 7839
وقالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: بابٌ: المُودَعُ يَموتُ وعندَه وَديعةٌ للرَّجلِ تُعرفُ بعَينِها أو لا تُعرفَ:
قالَ أَبو بَكرٍ: أجمَعَ أَهلُ العِلمِ على أنَّ الوَديعةَ إذا عُرفَت بعَينِها لرَجلٍ أنَّ صاحِبَها أَحقُّ بها، وأنَّ تَسليمَها إليه يَجبُ.
واختلَفُوا في الرَّجلِ يَموتُ وعندَه وَديعةٌ مَعلومةُ الصِّفةِ، غيرَ أنَّها لا تُوجدُ بعَينِها، وعليه دَينٌ.
فقالَت طائِفةٌ: هي والدَّينُ سَواءٌ، هذا قَولُ الشِّعبيِّ، والنَّخعيِّ، وداودَ ابنِ أَبي هِندٍ، ورُويَ ذلك عن شُريحٍ، ومَسروقٍ، وعَطاءٍ، وطَاووسَ، والزُّهريِّ، وأَبي جَعفرَ، وبه قالَ مالِكٌ، وإِسحاقُ، والشافِعيُّ، والنُّعمانُ وأَصحابُه.
ورَوَيْنا عن النَّخعيِّ أنَّه قالَ: الأَمانةُ قبلَ الدَّينِ.
وقالَ الحارِثُ العُكليِّ: يَبدأُ بالدَّينِ.
وقالَ ابنُ أَبي لَيلى: إذا لمْ تُوجدِ الوَديعةُ بعَينِها فليسَ بشَيءٍ (١).
стр. 7840
الصُّورةُ الثالِثةُ: أنْ تَكونَ عندَه وَديعةٌ في حَياتِه ولمْ تُوجدْ بعَينِها ولمْ يُعلمْ هل هي باقِيةٌ عندَه أم تلِفَت؟
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأما إنْ كانَت عندَه وَديعةٌ في حَياتِه ولمْ تُوجدْ بعَينِها ولمْ يُعلمْ هل هي باقِيةٌ عندَه أو تلِفَت ففيه وَجهانِ:
أَحدُهما: وُجوبُ ضَمانِها؛ لأنَّ الوَديعةَ يَجبُ ردُّها، إلا أنْ يَثبتَ سُقوطُ الردِّ بالتَّلفِ مِنْ غيرِ تَعدٍّ ولمْ يَثبتْ ذلك، ولأنَّ الجَهلَ بعَينِها كالجَهلِ بها، وذلك لا يَسقطُ الردَّ.
والثانِي: لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ الوَديعةَ أَمانةٌ والأَصلُ عَدمُ إِتلافِها والتَّعدِّي فيها، فلمْ يَجبْ ضَمانُها، وهذا قَولُ ابنِ أَبي لَيلى وأَحدُ الوَجهينِ لأَصحابِ الشافِعيِّ وظَاهرُ المَذهبِ الأَولِ؛ لأنَّ الأَصلَ وُجوبُ الردِّ فيَبقى عليه ما لمْ يُوجدْ ما يُزيلُه (١).
الصُّورةُ الرابِعةُ: أنْ تُوجدَ وَثيقةٌ بخطِّ يدِه أنَّ الوَديعةَ لفُلانٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وجَدَ لرَجلٍ في دَفترٍ حِسابَه أو وَثيقةً مَكتوبٌ فيها بخَطِّه أنَّ لفُلانٍ عندي وَديعةً أو دَينًا، هل يَجبُ دَفعُ ذلك إليه أم لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَلزمُه ردُّها على مالِكِها، ويَجبُ العَملُ بخَطِّه.
стр. 7841
قالَ المالِكيةُ: مَنْ ماتَ وعندَه وَديعةٌ مَكتوبٌ عليها هذه وَديعةُ فُلانِ بنِ فُلانٍ، فإنَّ صاحِبَها يَأخذُها بشَرطِ أنْ يُثبتَ بالبَينةِ أنَّ الكِتابةَ بخَطِّ صاحِبِ الوَديعةِ أو بخَطِّ المَيتِ.
ولو وُجدَت أَنقصَ مما كتَبَ عليها كانَ النَّقصُ في مالِ المَيتِ إنْ عُلمَ أنَّه يَتصرَّفُ في الوَديعةِ، وإلا لمْ يَضمنْ.
ومِثلُ الكِتابَةِ البيِّنةُ بل هي أَولى، لا بأَمارةٍ لاحتِمالِ أنَّه رَآها سابِقًا ومِثلُ الوَديعةِ الدَّينُ على هذا التَّفصيلِ المَذكورِ.
قالَ أَبو الوَليدِ ابنِ رُشدٍ ﵀: قالَ أَبو زَيدٍ: سُئلَ ابنُ القاسِمِ عن رَجلٍ هلَكَ وترَكَ وَدائعَ ولمْ يُوصِ فتُوجدُ صُررٌ فيها مَكتوبٌ: وَديعةُ فُلانِ ابنِ فلانٍ، وفيها كذا وكذا دِينارًا، أَتراها لفُلانٍ الرَّجلِ الذي اسمُه على الصُّرةِ إذا لمْ تَكنْ بَينةٌ على أنَّه استودَعَها إيَّاه إلا بقَولٍ وقد وجَدُوها عندَ الهالِكِ كما ادَّعى؟
قالَ: ليسَ له فيها شَيءٌ، لعلَّه دفَعَ إلى أَهلِ البَيتِ دَراهمَ حتى كتَبُوا له فوقَ هذه الصُّررِ ما يُريدُ.
قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: هذا ما لا اختِلافَ فيه أنَّه لا يُقضى بالصُّرةِ لمَن وجَدَ عليها اسمَه إذا لمْ يَكنْ بخَطِّ يدِه ولا بخَطِّ يدِ المُودَعِ (١).
стр. 7842
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إنْ وُجدَ عليها مَكتوبٌ وَديعةٌ فإنَّه يُعملُ به وُجوبًا، فإنْ وجَدَ وارثٌ خطَّ مُورِّثِه: لفُلانٍ عندِي وَديعةٌ، أو وجَدَ على الكِيسِ ونحوِه مَكتوبٌ: هذا لفُلانٍ، عمِلَ الوارثُ به وُجوبًا، كما يَعملُ بإِقرارِه باللَّفظِ.
وإنْ وجَدَ وارثٌ خَطَّ مُورِّثِه بدَينٍ له على فُلانٍ جازَ للوارثِ الحلِفُ إذا أقامَ به شاهِدًا مَثلًا، وكانْ يَعلمُ أنَّ مُورِّثَه لا يَكتبُ إلا حَقًّا وأنَّه صادِقٌ أَمينٌ، ودفَعَ الدَّينَ إليه، فيَجوزُ الحَلفُ على ما لا تَجوزُ الشَّهادةُ به؛ إذ لا يَشهدُ على شَهادةِ أَبيه أو غيرِها إذا رآها بخَطِّه.
وإنْ وجَدَ وارثٌ خَطَّ مُورِّثِه بدَينٍ عليه لمُعيَّنٍ عمِلَ الوارثُ به وُجوبًا، ودفَعَ الدَّينَ إلى مَنْ هو مَكتوبٌ باسمِه كالوَديعةِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ اختارَه القاضِي وابنُ عَقيلٍ وابنُ قُدامةَ إلى أنَّه لا يَجبُ العَملُ به.
قالَ الحَنابِلةُ في هذا الوَجهِ: إنْ وُجدَ عليها مَكتوبٌ وَديعةٌ لمْ يَكنْ حُجةً عليهم؛ لأنَّه يُحتملُ أنَّ الوَعاءَ كانَت فيه وَديعةٌ قبلَ هذه أو كانَ وَديعةً للمَيتِ عندَ غيرِه ونحوُ ذلك، وكذلك إذا وجَدَ في دَفتَرِه أنَّ لفُلانٍ عندِي وَديعةً لمْ يَلزمْه بذلك؛ لجَوازِ أنْ يَكونَ قد ردَّها ونسِيَ الضَّربَ على ما كتَبَ أو غيرَ
стр. 7843
ذلك، وهذا القَولُ اختارَه القاضِي وابنُ عَقيلٍ وابنُ قُدامةَ وغيرُهم (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا ماتَ المُودَعُ ولمْ يَذكرْ وَديعةً أَصلًا فوُجدَ في تَركتِه كيسٌ مَختومٌ وعليه هذه وَديعةُ فُلانٍ، أو وُجدَ في جَريدتِه لفُلانٍ عندِي وَديعةُ كذا لمْ يَلزمِ الوَرثةُ التَّسليمَ بهذا؛ لاحتِمالِ أنَّه كتَبَه غيرُه أو كتَبَه هو ناسيًا أو اشتَرى الكِيسَ بتلك الكِتابةِ، أو ردَّ الوَديعةَ بعدَ الكِتابةِ في الجَريدةِ ولمْ يَمحُها، وإنما يَلزمُ الوارثُ التَّسليمَ بالإِقرارِ، ولو ماتَ ولمْ يَذكرْ وَصيةً أَصلًا فادَّعى صاحِبُ الوَديعةِ أنَّه قصَّرَ وقالَت الوَرثةُ لعلَّها تلِفَت قبلَ نِسبتِه إلى التَّقصيرِ، قالَ إِمامُ الحَرمينِ: فالظَّاهرُ بَراءةُ ذِمتِه (٢).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفُوا فيما إذا وُجدَ لرَجلٍ بعدَ مَوتِه في دفتَرِ حِسابِه بخَطِّه لفُلانِ ابنِ فلانٍ عندي وَديعةٌ أو على كذا وكذا.
فقالَ أَبو حَنيفةَ وأَصحابُ الشافِعيِّ: لا يَجبُ الدَّفعُ إلى مَنْ هو مَكتوبٌ باسمِه ما لمْ يَكنْ مِنْ المَيتِ إِقرارٌ بذلك.
وقالَ أَحمدُ ومالِكٌ: يَجبُ دَفعُ ذلك كما لو أقَرَّ به في حَياتِه، ومِن أَصحابِ أَبي حَنيفةَ المُتأخِّرينَ مَنْ قالَ: يَجبُ دَفعُ ذلك كما لو أقَرَّ به، والقائِلُ هو صاعِدُ بنُ أَحمدَ (٣).
стр. 7844
إذا كانَ عندَه وَديعةٌ ولمْ يَعلمْ صاحِبَها:
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وإنْ كانَ مَنْ أخَذَها منه قد ماتَ ردَّه على وَرثتِه.
فإنْ لمْ يَصلْ إليه ولا إلى وَرثتِه، صبَرَ حتى يَيأسَ مِنْ وُصولِه إليه، فإذا يئِسَ مِنْ ذلك تصدَّقَ بها، على ما روَيْناه عن ابنِ مَسعودٍ وابنِ عَباسٍ ومُعاويةَ بنِ أَبي سُفيانَ، وهذا مَذهبُ الحَسنِ البَصريِّ والزُّهريِّ، وبه قالَ مالِكٌ في اللُّقطةِ إذا يَئسَ مِنْ صاحِبِها.
وفي هذه المَسألةِ قَولانِ آخَرانِ:
أَحدُهما: أنْ يدفَعَ إلى بَيتِ المالِ، روَيْنا هذا القَولَ عن عَطاءٍ.
والقَولُ الثانِي: أنْ يُمسكَها أَبدًا حتى يَعلمَ: أحيٌّ هو، أم مَيتٌ.
وهذا يُشبهُ مَذهبَ الشافِعيِّ في إِيقافِ المالِ في مِثلِ هذا، حتى يَتبينَ أَمرُ صاحِبِه (١).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: فائِدةٌ: سُئلَ الشَّيخُ عزُّ الدِّينِ عن رَجلٍ تحتَ يدِه وَديعةٌ مضَت عليها مُدةٌ طَويلةٌ ولمْ يَعرفْ صاحِبَها، وأيسَ مِنْ مَعرفتِه بعدَ البَحثِ التامِّ، فقالَ: يَصرفُها في أَهمِّ مَصالحِ المُسلِمينَ، ويُقدِّمُ أَهلَ الضَّرورةِ ومَسيسَ الحاجَةِ ولا يَبني بها مَسجدًا ولا يَصرِفُها إلا
стр. 7845
فيما يَجبُ على الإِمامِ العادِلِ صَرفُها فيه، وإنْ جهِلَه فليَسألْ أَورعَ العُلماءِ بالمَصالحِ الواجِبةِ التَّقديمِ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: غَريبٌ ماتَ في دارِ رَجلٍ وليسَ له وارِثٌ مَعروفٌ وخلَفَ شَيئًا يَسيرًا يُساوي خَمسةَ دَراهمَ ونحوَها، وصاحِبُ الدارِ فَقيرٌ، فله أنْ يَأخذَها لنَفسِه؛ لأنَّه في مَعنى اللُّقطةِ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: الوَدائعُ التي جُهلَ مُلاكُها يَجوزُ للمُستودَعِ أنْ يَتصدقَ بها بدونِ إِذنِ حاكِمٍ وأنْ يَدفعَها إلى الحاكِمِ، وكذلك إنْ فُقدَ مالِكُها ولم يَطلعْ على خَبرِه وليسَ له وَرثةٌ، فيَجوزُ للمُستودَعِ أنْ يَتصدَّقَ بالوَديعةِ بنِيةِ غُرمِها إذا عرَفَه أو عرَفَ وارِثَه (٣).
وجاءَ في «مُختصَر الفَتاوى المِصريَّةِ» لابنِ تَيميةَ ﵀: قالَ العُلماءُ: إن ما يُجهلُ مالِكُه مِنْ الأَموالِ التي قُبضَت بغيرِ حَقٍّ كالمُكوسِ، أو قُبضَت بحَقٍّ كالوَديعةِ والعارِيةِ، وجُهلَ صاحِبُها بحيثُ تعذَّرَ ردُّها إليه، فإنَّها تُصرفُ في مَصالحِ المُسلمينِ، وتَكونُ حَلالًا لمَن أخَذَها بحَقٍّ كأَهلِ الحاجَةِ والاستِعانةِ بها على مَصالحِ المُسلِمينَ، دونَ مَنْ أخَذَها ببَاطلٍ كمَن يَأخذُ فوقَ حَقِّه (٤).