← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

قالَ المالِكيةُ: مَنْ ماتَ وعندَه وَديعةٌ مَكتوبٌ عليها هذه وَديعةُ فُلانِ بنِ فُلانٍ، فإنَّ صاحِبَها يَأخذُها بشَرطِ أنْ يُثبتَ بالبَينةِ أنَّ الكِتابةَ بخَطِّ صاحِبِ الوَديعةِ أو بخَطِّ المَيتِ. ولو وُجدَت أَنقصَ مما كتَبَ عليها كانَ النَّقصُ في مالِ المَيتِ إنْ عُلمَ أنَّه يَتصرَّفُ في الوَديعةِ، وإلا لمْ يَضمنْ. ومِثلُ الكِتابَةِ البيِّنةُ بل هي أَولى، لا بأَمارةٍ لاحتِمالِ أنَّه رَآها سابِقًا ومِثلُ الوَديعةِ الدَّينُ على هذا التَّفصيلِ المَذكورِ. قالَ أَبو الوَليدِ ابنِ رُشدٍ ﵀: قالَ أَبو زَيدٍ: سُئلَ ابنُ القاسِمِ عن رَجلٍ هلَكَ وترَكَ وَدائعَ ولمْ يُوصِ فتُوجدُ صُررٌ فيها مَكتوبٌ: وَديعةُ فُلانِ ابنِ فلانٍ، وفيها كذا وكذا دِينارًا، أَتراها لفُلانٍ الرَّجلِ الذي اسمُه على الصُّرةِ إذا لمْ تَكنْ بَينةٌ على أنَّه استودَعَها إيَّاه إلا بقَولٍ وقد وجَدُوها عندَ الهالِكِ كما ادَّعى؟ قالَ: ليسَ له فيها شَيءٌ، لعلَّه دفَعَ إلى أَهلِ البَيتِ دَراهمَ حتى كتَبُوا له فوقَ هذه الصُّررِ ما يُريدُ. قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: هذا ما لا اختِلافَ فيه أنَّه لا يُقضى بالصُّرةِ لمَن وجَدَ عليها اسمَه إذا لمْ يَكنْ بخَطِّ يدِه ولا بخَطِّ يدِ المُودَعِ (١).

стр. 7842

وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إنْ وُجدَ عليها مَكتوبٌ وَديعةٌ فإنَّه يُعملُ به وُجوبًا، فإنْ وجَدَ وارثٌ خطَّ مُورِّثِه: لفُلانٍ عندِي وَديعةٌ، أو وجَدَ على الكِيسِ ونحوِه مَكتوبٌ: هذا لفُلانٍ، عمِلَ الوارثُ به وُجوبًا، كما يَعملُ بإِقرارِه باللَّفظِ. وإنْ وجَدَ وارثٌ خَطَّ مُورِّثِه بدَينٍ له على فُلانٍ جازَ للوارثِ الحلِفُ إذا أقامَ به شاهِدًا مَثلًا، وكانْ يَعلمُ أنَّ مُورِّثَه لا يَكتبُ إلا حَقًّا وأنَّه صادِقٌ أَمينٌ، ودفَعَ الدَّينَ إليه، فيَجوزُ الحَلفُ على ما لا تَجوزُ الشَّهادةُ به؛ إذ لا يَشهدُ على شَهادةِ أَبيه أو غيرِها إذا رآها بخَطِّه. وإنْ وجَدَ وارثٌ خَطَّ مُورِّثِه بدَينٍ عليه لمُعيَّنٍ عمِلَ الوارثُ به وُجوبًا، ودفَعَ الدَّينَ إلى مَنْ هو مَكتوبٌ باسمِه كالوَديعةِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ اختارَه القاضِي وابنُ عَقيلٍ وابنُ قُدامةَ إلى أنَّه لا يَجبُ العَملُ به. قالَ الحَنابِلةُ في هذا الوَجهِ: إنْ وُجدَ عليها مَكتوبٌ وَديعةٌ لمْ يَكنْ حُجةً عليهم؛ لأنَّه يُحتملُ أنَّ الوَعاءَ كانَت فيه وَديعةٌ قبلَ هذه أو كانَ وَديعةً للمَيتِ عندَ غيرِه ونحوُ ذلك، وكذلك إذا وجَدَ في دَفتَرِه أنَّ لفُلانٍ عندِي وَديعةً لمْ يَلزمْه بذلك؛ لجَوازِ أنْ يَكونَ قد ردَّها ونسِيَ الضَّربَ على ما كتَبَ أو غيرَ

стр. 7843

ذلك، وهذا القَولُ اختارَه القاضِي وابنُ عَقيلٍ وابنُ قُدامةَ وغيرُهم (١). وقالَ الشافِعيةُ: إذا ماتَ المُودَعُ ولمْ يَذكرْ وَديعةً أَصلًا فوُجدَ في تَركتِه كيسٌ مَختومٌ وعليه هذه وَديعةُ فُلانٍ، أو وُجدَ في جَريدتِه لفُلانٍ عندِي وَديعةُ كذا لمْ يَلزمِ الوَرثةُ التَّسليمَ بهذا؛ لاحتِمالِ أنَّه كتَبَه غيرُه أو كتَبَه هو ناسيًا أو اشتَرى الكِيسَ بتلك الكِتابةِ، أو ردَّ الوَديعةَ بعدَ الكِتابةِ في الجَريدةِ ولمْ يَمحُها، وإنما يَلزمُ الوارثُ التَّسليمَ بالإِقرارِ، ولو ماتَ ولمْ يَذكرْ وَصيةً أَصلًا فادَّعى صاحِبُ الوَديعةِ أنَّه قصَّرَ وقالَت الوَرثةُ لعلَّها تلِفَت قبلَ نِسبتِه إلى التَّقصيرِ، قالَ إِمامُ الحَرمينِ: فالظَّاهرُ بَراءةُ ذِمتِه (٢). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفُوا فيما إذا وُجدَ لرَجلٍ بعدَ مَوتِه في دفتَرِ حِسابِه بخَطِّه لفُلانِ ابنِ فلانٍ عندي وَديعةٌ أو على كذا وكذا. فقالَ أَبو حَنيفةَ وأَصحابُ الشافِعيِّ: لا يَجبُ الدَّفعُ إلى مَنْ هو مَكتوبٌ باسمِه ما لمْ يَكنْ مِنْ المَيتِ إِقرارٌ بذلك. وقالَ أَحمدُ ومالِكٌ: يَجبُ دَفعُ ذلك كما لو أقَرَّ به في حَياتِه، ومِن أَصحابِ أَبي حَنيفةَ المُتأخِّرينَ مَنْ قالَ: يَجبُ دَفعُ ذلك كما لو أقَرَّ به، والقائِلُ هو صاعِدُ بنُ أَحمدَ (٣).

стр. 7844

إذا كانَ عندَه وَديعةٌ ولمْ يَعلمْ صاحِبَها: قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وإنْ كانَ مَنْ أخَذَها منه قد ماتَ ردَّه على وَرثتِه. فإنْ لمْ يَصلْ إليه ولا إلى وَرثتِه، صبَرَ حتى يَيأسَ مِنْ وُصولِه إليه، فإذا يئِسَ مِنْ ذلك تصدَّقَ بها، على ما روَيْناه عن ابنِ مَسعودٍ وابنِ عَباسٍ ومُعاويةَ بنِ أَبي سُفيانَ، وهذا مَذهبُ الحَسنِ البَصريِّ والزُّهريِّ، وبه قالَ مالِكٌ في اللُّقطةِ إذا يَئسَ مِنْ صاحِبِها. وفي هذه المَسألةِ قَولانِ آخَرانِ: أَحدُهما: أنْ يدفَعَ إلى بَيتِ المالِ، روَيْنا هذا القَولَ عن عَطاءٍ. والقَولُ الثانِي: أنْ يُمسكَها أَبدًا حتى يَعلمَ: أحيٌّ هو، أم مَيتٌ. وهذا يُشبهُ مَذهبَ الشافِعيِّ في إِيقافِ المالِ في مِثلِ هذا، حتى يَتبينَ أَمرُ صاحِبِه (١). وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: فائِدةٌ: سُئلَ الشَّيخُ عزُّ الدِّينِ عن رَجلٍ تحتَ يدِه وَديعةٌ مضَت عليها مُدةٌ طَويلةٌ ولمْ يَعرفْ صاحِبَها، وأيسَ مِنْ مَعرفتِه بعدَ البَحثِ التامِّ، فقالَ: يَصرفُها في أَهمِّ مَصالحِ المُسلِمينَ، ويُقدِّمُ أَهلَ الضَّرورةِ ومَسيسَ الحاجَةِ ولا يَبني بها مَسجدًا ولا يَصرِفُها إلا

стр. 7845

فيما يَجبُ على الإِمامِ العادِلِ صَرفُها فيه، وإنْ جهِلَه فليَسألْ أَورعَ العُلماءِ بالمَصالحِ الواجِبةِ التَّقديمِ (١). وقالَ الحَنفيةُ: غَريبٌ ماتَ في دارِ رَجلٍ وليسَ له وارِثٌ مَعروفٌ وخلَفَ شَيئًا يَسيرًا يُساوي خَمسةَ دَراهمَ ونحوَها، وصاحِبُ الدارِ فَقيرٌ، فله أنْ يَأخذَها لنَفسِه؛ لأنَّه في مَعنى اللُّقطةِ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: الوَدائعُ التي جُهلَ مُلاكُها يَجوزُ للمُستودَعِ أنْ يَتصدقَ بها بدونِ إِذنِ حاكِمٍ وأنْ يَدفعَها إلى الحاكِمِ، وكذلك إنْ فُقدَ مالِكُها ولم يَطلعْ على خَبرِه وليسَ له وَرثةٌ، فيَجوزُ للمُستودَعِ أنْ يَتصدَّقَ بالوَديعةِ بنِيةِ غُرمِها إذا عرَفَه أو عرَفَ وارِثَه (٣). وجاءَ في «مُختصَر الفَتاوى المِصريَّةِ» لابنِ تَيميةَ ﵀: قالَ العُلماءُ: إن ما يُجهلُ مالِكُه مِنْ الأَموالِ التي قُبضَت بغيرِ حَقٍّ كالمُكوسِ، أو قُبضَت بحَقٍّ كالوَديعةِ والعارِيةِ، وجُهلَ صاحِبُها بحيثُ تعذَّرَ ردُّها إليه، فإنَّها تُصرفُ في مَصالحِ المُسلمينِ، وتَكونُ حَلالًا لمَن أخَذَها بحَقٍّ كأَهلِ الحاجَةِ والاستِعانةِ بها على مَصالحِ المُسلِمينَ، دونَ مَنْ أخَذَها ببَاطلٍ كمَن يَأخذُ فوقَ حَقِّه (٤).

стр. 7846

كتاب اللقطة

стр. 7847

كتاب اللقطة تَعريفُ اللُّقطَةِ: اللُّقطَةُ في اللُّغةِ: اللُّقْطةُ واللُّقَطةُ واللُّقاطةُ: ما التُقطَ، و اللَّقَطُ بالتَّحريكِ: ما التُقطَ من الشَّيءِ، وكلُّ نُثارةٍ من سُنْبلٍ أَوْ ثَمرٍ لَقَطٌ والواحِدةُ لَقَطةٌ. قالَ الخَليلُ بنُ أحمدَ: اللُّقطةُ -بفَتحِ القافِ- اسمٌ للمُلتقِطِ؛ لأنَّ ما جَاءَ على فعلِه فهو اسمٌ للفاعِلِ، كقَولِهم هُمزَةٌ ولُمزَةٌ، وضُحَكةٌ وهُزأَةٌ، واللُّقْطةُ -بسُكونِ القافِ- المالُ المَلقوطُ، مثلَ الضُّحْكةِ الذي يَضحكُ مِنه، والهُزأَةُ الذي يَهزأُ به. وقالَ الأَصمَعيُّ وابنُ الأَعرابِيِّ والفَراءُ: هي بفَتحِ القافِ اسمٌ للمالِ المَلقوطِ أيضًا (١).

стр. 7848

وإنما قِيلَ لِلمالِ لقَطةٌ -بالفَتحِ- لأنَّ طِباعَ النُّفوسِ تَتبادَرُ إلى التِقاطِه لأنَّه مالٌ، فصارَ المالُ باعتِبارِ أنَّه داعٍ إلى أَخذِه لمَعنى فيه نَفسِه كأنَّه الكَثيرُ الالتِقاطِ مَجازًا، وإلَّا فحَقيقتُهُ المُلتقِطُ الكَثيرُ الالتِقاطِ (١). اللُّقطةُ اصطِلاحًا: تعدَّدتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ اللُّقطةِ، وإنْ كانَ مَجموعُها يَدورُ حولَ المالِ الضَّائعِ من ربِّه يَلتقطُه غيرُه. قَالَ الحَنفيةُ: مَالٌ مَعصومٌ مُعرَّضٌ للضَّياعِ (٢). أو: ما يوجَدُ مَطروحًا على الأَرضِ -ما سِوى الحَيوانِ- مِنْ الأَموالِ لا حافِظَ له (٣). أو: مالٌ يوجَدُ ولا يُعرَفُ مالِكُه، وليسَ بمُباحٍ كمالِ الحَربيِّ (٤). أو: رَفعُ شيءٍ ضَائعٍ للحفظِ على الغيرِ لا للتَّملُّكِ (٥). وقَالَ المالِكيةُ: اللُّقطةُ مالٌ مَعصومٌ عُرِّضَ للضَّياعِ وإنْ كَلبًا مَأذونًا فيه وفَرسًا وحِمارًا. خرَجَ بالمَعصومِ غيرُه كمالِ الحَربيِّ والرِّكازِ، ويُعرَّضُ للضَّياعِ الإِبلُ وما

стр. 7849

بيَدِ حافظٍ، والمَالُ المَعصومُ هو الذي لا يَجوزُ لِواجدِه التَّصرفُ فيه لنَفسِه (١). وقالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: اللُّقطةُ هي مَالٌ وُجدَ بغيرِ حِرزٍ مُحتَرمًا ليسَ حَيوانًا ناطِقًا ولا نَعمًا. فيَخرجُ الرِّكازُ وما في دارِ الحَربِ، وتَدخلُ الدَّجاجةُ وحَمامُ الدُّورِ ونحوُ ذلك، إلا السَّمكةَ تَقعُ في سَفينةٍ هي لِمن وَقعتْ إليه (٢). وقالَ الشافِعيةُ: اللُّقطةُ ما وُجدَ في مَوضعٍ غيرِ مَملوكٍ من مالٍ أو مُختصٍّ ضَائعٍ من مالكِه بسُقوطٍ أو غَفلةٍ ونحوِها لغيرِ حَربيٍّ ليسَ بمُحرَزٍ ولا مُمتنِعٍ بقوَّتِه ولا يَعرفُ الواجِدُ مالكَه. فخرَجَ بغيرِ المَملوكِ ما وُجدَ في أرضٍ مَملوكةٍ، فإنَّه لِمالكِ الأَرضِ إنِ ادَّعاه، وإلا فلمَن مَلكَ منه، وهكَذا حتَّى تَنتهيَ إلى المُحيِي، فإنْ لَم يدَّعِه فحينَئذٍ يَكونُ لُقطةً.

стр. 7850

وب «سُقوطٍ أو غَفلةٍ» ما إذا أَلقتْ الرِّيحُ ثَوبًا في حِجرِه مثلًا، أو أَلقَى في حِجرِه هاربٌ كيسًا ولم يَعرفْه، فهو مَالٌ ضَائعٌ يَحفظُه ولا يَتملَّكُه. وب «غيرِ حَربيٍّ» ما وُجدَ بدارِ الحَربِ وليسَ بها مُسلِمٌ، فهو غَنيمةٌ يُخمَّسُ وليسَ لُقطةً (١). والالتِقاطُ: هو أنْ يُعثَرُ على الشيءِ مِنْ غيرِ قَصدٍ وطَلبٍ، ليُعرِّفَه من يَأخذُه ثُم يَتملَّكُه إن لَم يَظهرُ مالِكُه (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: اللُّقطةُ اسمٌ لِما يُلتقَطُ مِنْ مالٍ ضائعٍ أو مُختصٍّ ضائعٍ كالسَّاقطِ مِنْ ربِّه بغيرِ عِلمِه وما في مَعناهُ لغيرِ حَربيٍّ يَلتقِطُه غيرُ ربِّه (٣). الفرقُ بينَ اللُّقطةِ والمالِ الضَّائعِ: الفرقُ بينَ اللُّقطةِ والمالِ الضَّائعِ أنَّ الضَّائعَ ما يَكونُ مُحرزًا بحِرزٍ مثلِه، كالمَوجودِ في مُودَعِ الحاكمِ وغيرِه مِنْ الأَماكنِ المُغلقةِ ولَم يُعرفْ مالكُه، واللُّقطةُ ما وُجدَ ضائعًا بغيرِ حِرزٍ (٤). أدِلةُ مَشروعيَّةِ اللُّقطةِ: الأصلُ في أَحكامِ اللُّقطةِ قبلَ الإِجماعِ والآياتِ الآمرةِ بالبِرِّ والإِحسانِ خبَرُ الصَّحيحَينِ عن زَيدِ بنِ خالدٍ الجُهنِيِّ ﵁ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فسأَلَه عن اللُّقطةِ فقالَ: «اعْرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثُم عرِّفْها سَنةً، فإنْ جاءَ صاحِبُها وِإلا فشَأنُك بها، قالَ: فَضالَّةُ الغَنمِ؟ قالَ: هي لك أو لأخِيك أو للذِّئبِ؟ قالَ: فَضالَّةُ الإِبلِ. قالَ: ما لَك ولها؟! معها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَردُ الماءَ وتَأكلُ الشَّجرَ حتى يَلقَاها رَبُّها» (٥).

стр. 7851

والوِكاءُ: الخَيطُ الذي يُشدُّ به المالُ في الخِرقةِ. والعِفاصُ: الوِعاءُ الذي هي فيه مِنْ خِرقةٍ أو قِرطاسٍ أو غيرِه، قالَه أَبو عُبيدٍ، والأَصلُ في العِفاصِ أنَّه الجِلدُ الذي يُلبِسُه رأسَ القَارورةِ. وقَولُه: «معها حِذاؤُها» يَعْني خُفَّها، فإنَّه لقُوتِه وصَلابتِه يَجرِي مَجرَى الحِذاءِ، «وسِقاؤُها» بَطنُها؛ لأنَّها تَأخذُ فيه ماءً كَثيرًا فيَبقَى معها يَمنعُها العَطشَ. والضَّالةُ اسمُ الحَيوانِ خاصَّةً دونَ سَائرِ اللُّقطةِ، والجَمعُ ضَوالٌّ، ويُقالُ لها أيضًا الهَواميُّ والهَوافِيُّ والهَواملُ (١). وعن سَلمةَ بن كَهيلِ قَالَ: سمِعتُ سُويدَ بن غَفلةِ قَالَ: خرَجتُ أنا وزَيدُ بن صَوحانَ وسَلمانُ بن رَبيعةٍ غَازينَ، فوجَدتُ سَوطًا فأخَذتُه، فقَالا لي: دعْه. فقُلتُ: لا، ولكنِّي أُعرِّفُه، فإنْ جاءَ صاحبُه وإلَّا استَمتعتُ به. قالَ: فأبَيتُ عليهما، فلمَّا رَجعْنا مِنْ غَزاتِنا قُضيَ لي أنِّي حجَجتُ، فأتَيتُ المَدينةَ فلقِيتُ أُبيَّ بنَ كعبٍ، فأخبَرتُه بشَأنِ السَّوطِ وبقَولِهما، فقَالَ: إنِّي وجَدتُ صُرةً فيها مِائةُ دِينارٍ على عهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فأتَيتُ بها رَسولَ اللهِ ﷺ فقَالَ: «عرِّفْها حَولًا» قالَ: فعرَّفتُها فلَم أَجدْ مَنْ يَعرفُها، ثُم أتَيتُه فقالَ: «عرِّفْها حَولًا» فعرَّفتُها فلَم أَجدْ مَنْ يَعرفُها، ثُم أتَيتُه فقَالَ: «عرِّفهَا حَولًا» فعرَّفتُها فلَم أَجدْ مَنْ يَعرفُها،

стр. 7852

فقالَ «احفَظْ عددَها ووِعاءَها ووِكاءَها، فإنْ جاءَ صاحبُها وإلَّا فاستَمتِعْ بها» فاستمتَعتُ بها، فلقِيتُه بعدَ ذلك بمَكةَ فقالَ: لا أدرِي بِثلَاثةِ أَحوالٍ أو حَولٍ واحدٍ (١). وقَد اتَّفقَ المُسلِمونَ على جَوازِ الالتِقاطِ في الجُملةِ وإنْ اختَلفُوا في التَّفاصيلِ (٢). قَالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: لَم يَثبتُ فيها إِجماعٌ (٣).

стр. 7853

هل يُشترطُ إِذنُ الإمامِ لالتِقاطِ اللُّقطةِ؟ قَالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ بعدَما ذكَرَ أَحاديثَ اللُّقطةِ: وفي جَميعِ أَحاديثِ البَابِ دَليلٌ على أنَّ الْتقاطِ اللُّقطةِ وتَملُّكَها لا يَفتقرُ إلى حُكمِ حاكِمٍ ولا إلى إِذنِ السُّلطانِ، وهذا مُجمَعٌ عليه (١). وقالَ ابنُ بَطالٍ ﵀: ولا يَجبُ عندَ جَماعةِ العُلماءِ على مُلتقِطِ اللُّقطةِ إنْ لَم تَكنْ ضالَّةً مِنْ الحَيوانِ أنْ يَدفعَها إلى السُّلطانِ (٢). وجاءَ في «المُدونة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرأَيتَ تَعريفَه إيَّاها في السَّنةِ، أبأَمرِ الإمامِ أم بغيرِ أَمرِ الإمامِ؟ (قالَ) لا أَعرفُ الإمامَ في قَولِ مالكٍ، إنَّما جاءَ في الحَديثِ: «يُعرِّفُها سَنةً»، فأمرُ الإمامِ وغيرُ أمرِه في هذا سَواءٌ (٣).

стр. 7854

أَركانُ الالتِقاطِ: أَركانُ الالتِقاطِ ثَلاثةٌ كما قسَّمَه الشافِعيةُ وغيرُهم، وهي: ١ - التِقاطٌ. ٢ - ومُلتقِطٌ. ٣ - ومُلتقَطٌ. الرُّكنُ الأَولُ: التِقاطٌ: حُكمُ الالتِقاطِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الالتِقاطِ هل هو واجبٌ أم مُستحَبٌ أم جَائزٌ أم مَكروهٌ أم حَرامٌ؟ فقد نصَّ أَكثرُ الفُقهاءِ على أنَّ اللُّقطةَ تَجري عليها الأَحكامُ الخَمسةُ السَّابقةُ، ولكلِّ مَذهبٍ تَفصيلٌ في ذلك. فقالَ الحَنفيةُ: الالتِقاطُ على أَحوالٍ: قد يَكونُ مَندوبًا، وقد يَكونُ واجبًا، وقد يَكونُ مُباحًا، وقد يَكونُ مَكروهًا، وقد يَكونُ حَرامًا. أمَّا حالةُ النَّدبِ: فهو أنْ يَخافُ عليها الضَّيعةَ لو ترَكَها، فأَخذُها لصاحبِها أَفضلُ من تَركِها؛ لأنَّه إذا خافَ عليها الضَّيعةَ كانَ أَخذُها لصاحبِها إِحياءً لمالِ المُسلِمِ معنًى فكانَ مُستحَبًّا، ولئلَّا تَصلُ إلى يدٍ خائنةٍ. وأمَّا حالةُ الوُجوبِ: فهو إنْ خافَ عليها الضَّياعَ فيَجبُ أَخذُها صِيانةً لحقِّ الناسِ عن الضَّياعِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وإذا كانَ وليًّا وجَبَ عليه حِفظُ مالِه، ولأنَّ حُرمةَ مالِ المُسلِمِ كحُرمةِ مَالِه، فإذا خافَ على مالِه الضَّياعَ وجَبَ حِفظُه، فكذلك إذا خافَ على مالِ غيرِه.

стр. 7855

وأمَّا حالةُ الإِباحةِ: فهو أنْ لا يَخافَ عليها الضَّيعةَ فيَأخذُها لصاحبِها؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولأنَّه لو ترَكَها لا يُؤمَنُ أنْ تَصلَ إليها يدٌ خائنةٌ فتَمنعَها عن مالكِها. وقيلَ: تَركُه أَفضلُ؛ لأنَّ صاحبَها إنَّما يَطلبُها في المَوضعِ الذي سقَطَت منه، والأوَّلُ ظاهِرُ المَذهبِ. وأمَّا حالةُ الكَراهةِ: إنْ كانَ يَخافُ على نفسِه الطَّمعَ فيها وتَركَ التَّعريفِ والردِّ، فالتَّركُ أَولى؛ صِيانةً له عن الوُقوعِ في المُحرَّمِ. وأمَّا حالةُ الحُرمةِ: أنْ يَأخذَها لنفسِه لا لصاحبِها؛ لِما رُويَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: «لا يَأويَ الضَّالةَ إلَّا ضالٌّ» (١)، والمُرادُ: أنْ يَضمَّها إلى نفسِه لأجلِ نفسِه لا لأجلِ صاحبِها بالردِّ عليه؛ لأنَّ الضمَّ إلى نفسِه لأجلِ صاحبِها ليسَ بحَرامٍ، ولأنَّه أخَذَ مالَ الغيرِ بغيرِ إذنِه لنَفسِه فيَكونُ بمَعنى الغَصبِ، وكذا لُقطةُ البَهيمةِ من الإبلِ والبَقرِ والغنمِ (٢). أمَّا المالِكيةُ فقالُوا: إنَّ الالتِقاطَ قد يَكونُ واجبًا ومُستحَبًا ومُحرَّمًا ومَكروهًا بحسبِ حالِ المُلتقِطِ وحالِ الزَّمانِ الحاضِرِ وأهلِه ومِقدارِ اللُّقطةِ، ويَنقسمُ على ثَلاثةٍ إِجمالًا وأربَعةٍ تَفصيلًا:

стр. 7856

الأولُ: أنْ يَعلمَ مِنْ نفسِه الخِيانةَ، فيَحرُمُ عليه التِقاطُها، سَواءٌ خافَ عليها الخَوَنةَ أم لا؛ لاستِلزامِه إِتلافُ مالِ المَعصومِ. الثانِي: أنْ يَخافَ مِنْ نفسِه الخِيانةَ ولا يَتحققَّ ذلك، بأنْ يَشكَّ، فيُكرَهُ له الالتِقاطُ. الثالثُ: أنْ يَتيقنَ أَمانةَ نفسِه، وهو يَنقسمُ إلى قِسمَينِ: إمَّا أنْ يَخافَ عليها الخَوَنةَ أو لا، فإنْ خافَ عليها الخَوَنةَ وجَبَ عليه الالتِقاطُ؛ لأنَّ المُلتقِطَ حينَئذٍ قادرٌ على حفظِ مالِ أَخيه فيَتعينُ عليه ذلك؛ لأنَّ حُرمةَ المالِ كحُرمةِ النفسِ، ولنَهيِه ﵊ عن إِضاعةِ المالِ. وإنْ لَم يخَفْ عليها الخَوَنةَ فثَلاثةُ أَقوالٍ لمالكٍ، الاستِحبابُ -وهذه صورةُ السَّائلِ لرَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: خُذْها، ولأنَّه أَحوطُ لصاحبِها خَوفَ أنْ يَأخذَها مَنْ ليسَ بمَأمونٍ-، والكَراهةُ، والاستِحبابُ فيما له بالٌ، والتَّركُ لغيرِه أَفضلُ، أي إنَّ التَّركَ لغيرِ ما له بالٌ أَفضلُ مِنْ الالتِقاطِ فهو مَكروهٌ؛ لأنَّ الغالبَ عدمُ المُبالغةِ في تَعريفِ الحَقيرِ وعدمُ الاحتِفالِ به، والحَقيرُ كالدِّرهمِ ونحوِه. ويُستَثنَى لُقطةُ الحاجِّ، فلا يَجري فيها هذا الخِلافُ كلُّه؛ لأنَّها بالتَّركِ أَولى؛ لأنَّ مُلتقِطَها يَرحلُ إلى قُطرِه وهو بَعيدٌ فلا يَحصلُ مَقصودُ التَّعريفِ (١).

стр. 7857

أمَّا الشافِعيةُ: فاختَلفَ النَّقلُ عن الإمامِ الشافعِيِّ ﵀ في ذلك، فرَوى المُزنِيُّ عنه أنَّه قالَ: «لا أُحبُّ لأحدٍ تَركَ لُقطةٍ وجَدَها إذا كانَ أَمينًا عليها» فهذا يَقتَضي استِحبابَ أَخذِها دونَ إِيجابِه. وقالَ في «الأُمّ»: «ولا يَجوزُ لأحدٍ تَركُ اللُّقطةِ إذا وجَدَها»، فظاهِرُ هذا القولِ يدلُّ على إِيجابِ أَخذِها؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]. قالَ الماوِرديُّ والعِمرانِيُّ: فاختَلفَ أَصحابُ الشافِعيِّ لاختِلافِ هذين الظَّاهرينِ، فمنهم كأبي الحَسنِ القطَّانِ وغيرِه يَقولونَ: فيه قَولانِ: أحدُهما: أنَّ أَخذَها استِحبابٌ وليسَ بواجبٍ لمن وثِقَ بأَمانةِ نفسِه، وهو المَذهبُ، وعلى ظاهرِ ما نصَّ عليه في هذا المَوضعِ؛ لِأنَّه غيرُ مُؤتمَنٍ عليها ولا مُستودِعٍ لها؛ لأنَّ ذلك أَمانةٌ فلَم يَجبْ عليه أَخذُها، كقَبولِ الوَديعةِ. والقولُ الثانِي: أنَّ أَخذَها واجبٌ، وتَركَها مَأثمٌ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وإذا كانَ وليًّا عليه وجَبَ عليه حِفظُ مالِه، ولأنَّه كما وجَبَ عليه حِراسةُ نفسِ أَخيه المُسلِمِ، وجَبَ عليه حِراسةُ مالِ أَخيه المُسلِمِ؛ لقولِ النبِيِّ ﷺ : «حُرمةُ

стр. 7858

مالِ المُؤمنِ كحُرمةِ دمِه» (١). فلو خافَ على دمِه وقدَرَ على الدفعِ عنه لوجَبَ عليه ذلك، فكذلك إذا خافَ على مالِه. وقالَ جُمهورُ أَصحابِ الشافِعيِّ كأَبي العَباسِ وأَبي إِسحاقَ وغيرِهما: ليسَ ذلك على قَولينِ، إنما هو على اختِلافِ حالَينِ: فالمَوضعُ الذي قالَ: (يُستحبُ له أَخذُها ولا يَجبُ عليه) أرادَ به إذا وجَدَها في بلدٍ أو قَريةٍ أو مَحلةٍ يَعلمُ أمانةَ أهلِها؛ لأنَّ ترْكَ أخذِها لا يَكونُ تغريرًا بها؛ لأنَّ غيرَه يَقومُ مقامَه في حِفظِها، فجَرى مَجرى الصَّلاة على الجِنازةِ، ودَفنِ الميِّتِ إذا كانَ هناك مَنْ يَقومُ بها غيرُه. والمَوضعُ الذي قالَ (يَجبُ عليه أَخذُها) أرادَ: إذا وجَدَها في بلدٍ أو قَريةٍ أو مَحلةٍ يَعلمُ أنَّ أهلَها غيرُ ثِقاتٍ، أو وجَدَها في مَسلكٍ يَسلكُه أَخلاطُ الناسِ؛ لأنَّ في تَركِها تَغريرًا بها، ويَأخذُها غيرُه ممَّن لا يُؤدِّي الأَمانةَ فيها، ولِما في ذلك من التَّعاونِ. وعلى كِلا الحالَينِ لا يُكرَه له أَخذُها إذا كانَ أمينًا عليها. وحُكيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وعبدِ اللهِ بن عمَرَ ﵄ أنَّهما كرِهَا أخذَها، ورُويَ أنَّ شُرَيحًا مرَّ بدِرهمٍ فلَم يَعرِضْ له، وفي هذا القَولِ إِبطالُ التَّعاونِ وقطعُ المَعروفِ، وقد أخَذَ أُبيُّ بنُ كعبٍ الصُّرةَ التي وجَدَها، وأخَذَ علِيٌّ ﵁ الدِّينارَ، وأخبَرا به النَّبيَّ ﷺ فلَم يُنكرُ ذلك عليهما ولا

стр. 7859

كرِهَه لهما، ويَجوزُ أنْ يَكونَ المَحكِيُّ عن ابنِ عباسٍ وابنِ عمَرَ فيمَن كانَ غيرَ مَأمونٍ عليها أو ضَعيفًا عن القيامِ بها، ونحن نَكرَه لغيرِ الأمينِ عليها وللضَّعيفِ عن القيامِ بها أنْ يَتعرضَ لأَخذِها، وإنما نَأمرُ به مَنْ كانَ أمينًا قويًّا. فإنْ ترَكَها الأَمينُ ولَم يَأخذْها فتلِفَت لَم يَجبْ عليه ضمانُها، سَواءٌ قُلنا: يَجبُ عليه أخذُها، أو يُستحَبُّ له أخذُها؛ لأنَّ الضمانَ إنما يَكونُ باليدِ أو الإِتلافِ، ولَم يُوجدُ منه أَحدُهما، وإنما يُفيدُ الوُجوبُ الإثمَ لا غيرَ. فأمَّا إذا كانَ الواجدُ لها غيرَ أَمينٍ فلا يُستحَبُّ له أَخذُها؛ لأنَّ المَقصودَ بأَخذِها حِفظُها على صاحبِها، والتَّغريرُ يَحصلُ بأَخذِه لها، فإذا ترَكَها فرُبما وجَدَها مَنْ يَحفظُها على صاحبِها (١). فمُعتمَدُ مَذهبِ الشَّافعيةِ أنَّه يُستحَبُّ الالتِقاطُ لِواثقٍ بأَمانةِ نفسِه لِما فيه مِنْ البرِّ، وخبَرِ مُسلمٍ «واللهُ في عَونِ العَبدِ ما كانِ العَبدُ في عونِ أَخيه»، ويُكرهُ تركُه لئلَّا تقعَ في يدِ خائنٍ، وإنما لَم تَجبْ لِأنَّها أمانةُ أو كسبٌ، وكلٌّ منها لا يَجبُ ابْتداءً. وقيلَ: يَجبُ حِفظًا لمالِ الآدميِّ كنفسِه. وقيلَ: إنْ غلَبَ على ظنِّه ضَياعُها لو ترَكَها وجَبَ وإلا فلا. ولا يُستحَبُّ الالتِقاطُ قَطعًا لغيرِ واثقٍ بأمانةِ نفسِه في المُستقبَلِ، وهو في

стр. 7860

الحالِ آمنٌ خشيةَ الضياعِ أو طُرُوِّ الخيانةِ، ولكنْ يَجوزُ الالتِقاطُ في الأصحِّ؛ لأنَّ خِيانتَه لَم تَتحقَّقْ، والأَصلُ عدمُها وعليه الاحتِرازُ. والثانِي: المَنعُ خشيةَ استِهلاكِها. وسَواءٌ القولُ بالوُجوبِ أو الاستِحبابِ، فلو ترَكَ الالتِقاطَ حتى تلِفَت العَينُ أثِمَ ولا ضَمانَ عليه، كمَن معه طَعامٌ وآخرُ يَموتُ جوعًا فلَم يُطعمْه حتى ماتَ، وكمَن رَأى مالَ شخصٍ يَغرقُ أو يَحترقُ وقدَرَ على خَلاصِه وجَبَ عليه، فإنْ لَم يَفعلْ حتى تلِفَ أثِمَ ولَم يُضمَنْ. ويُكرَهُ الالتِقاطُ تَنزيهًا لفاسقٍ؛ لئلا تَدعوه نفسُه إلى الخِيانةِ وكِتمانِها (١). أمَّا الحَنابِلةُ فقَالوا: الأَفضلُ لِمَنْ أمِنَ نفسَه عليها وقوِيَ على تَعريفِها تركُها وعدمُ التَّعرضِ لها. قالُوا: مَنْ لا يَأمنُ نفسَه على اللُّقطةِ لا يَجوزُ له أخذُها بِحالٍ؛ لِمَا فيه مِنْ إِضاعتُها على ربِّها فهو كإِتلافِها، وكما لو نَوى تَملُّكَها في الحالِ أو كِتمانَها، فإنْ أخَذَها بنيَّةِ الخِيانةِ ضمَنَها إنْ تلفَتْ ولو تلفَتْ بغيرِ تَفريطٍ؛ لأنَّه أخَذَ مالَ غيرِه على وجهٍ لا يَجوزُ له أخذُه فضمَنَه كالغاصِبِ، ولَم يَملكْها -أي اللُّقطةِ- إذا أخَذَها وهو لا يَأمنُ نفسَه عليها، أو نَوَى تَملُّكَها في الحالِ أو كِتمانَها وإنْ عرَّفَها؛ لأنَّ السببَ المُحرَّمَ لا يُفيدُ المِلكَ، بدَليلِ

стр. 7861

السَّرقةِ، ومَن أخَذَها -أي اللُّقطةِ- بنِيَّةِ الأَمانةِ ثُم طرَأَ له قصدُ الخِيانةِ لَم يَضمنِ اللُّقطةَ إنْ تلِفَت بلا تَفريطٍ في الحَولِ، كما لو كانَ أودَعَه إيَّاها. ومَن أمِنَ نفسَه على اللُّقطةِ وقوِيَ على تَعريفِها فله أَخذُها؛ لحَديثِ زيدِ بنِ خالدٍ المَذكورِ أولَ البابِ في النَّقدينِ، وقِيسَ عليهما كلُّ مُتموَّلٍ غيرَ الحَيوانِ. والأَفضلُ لِمَنْ أمِنَ نفسَه عليها وقوِيَ على تَعريفِها ترْكُها -أي عدمُ التعرُّضِ لها. قالَ الإمامُ أَحمدُ ﵀: الأَفضلُ ترْكُ الالتِقاطِ، ورُويَ مَعناه عن ابنِ عَباسٍ وابنِ عمرَ ﵄ ولو وجَدَها بمَضْيَعةٍ؛ لأنَّ في الالتِقاطِ تَعريضًا بنفسِه لأَكلِ الحَرامِ وتَضييعِ الوَاجبِ مِنْ تَعريفِها وأداءِ الأَمانةِ فيها، فترْكُ ذلك أَولى وأَسلمُ. واختارَ أَبو الخَطابِ مِنْ الحَنابِلةِ أنَّه إذا وجَدَها بمَضْيَعةٍ وأمِنَ نفسَه عليها فالأَفضلُ أخْذُها (١). وهذا الخِلافُ السابِقُ في غيرِ لُقطةِ الحاجِّ. قالَ الإمَامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وهذا كلُّه ما عَدا لُقطةَ الحاجِّ، فإنَّ العُلماءَ أَجمعُوا على أنَّه لا يَجوزُ التِقاطُها؛ لنَهيِه ﵊ عن ذلك، ولُقطةُ مكةَ أيضًا لا يَجوزُ التِقاطُها إلا لمُنشدٍ؛ لوُرودِ النصِّ في ذلك، والمَروِيُّ في

стр. 7862

ذلك لَفظانِ، أحدُهما أنَّه لا تُرفَعُ لُقطتُها إلا لمُنشدٍ، والثانِي: لا يَرفعُ لُقطتُها إلا مُنشدٍ، فالمَعنى الوَاحدُ أنَّها لا تُرفَعُ إلا لمَن يُنشدُها، والمَعنى الثانِي لا يَلتقطُها إلا مَنْ يُنشدُها ليُعرِّفَ الناسَ. وقالَ مالكٌ: تُعرَّفُ هاتانِ اللُّقطتانِ أبدًا (١). وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: الأَرجحُ مِنْ مَذاهبِ العُلماءِ أنَّ ذلك يَختلفُ باختِلافِ الأَشخاصِ والأَحوالِ، فمتى رجَحَ أخذُها وجَبَ أو استُحِبَّ، ومتى رجَحَ تركُها حرُمَ أو كُرِهَ، وإلا فهو جائِزٌ (٢). حُكمُ اللًّقطةِ في يدِ المُلتقِطِ والإِشهادِ على الالتِقاطِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ اللُّقطةَ أَمانةٌ في يدِ المُلتقِطِ كالوَديعةِ، ولا تُضمَنُ إلا بالتَّعدي أو التَّفريطِ أو بالمَنعِ عندَ الطَّلبِ، وإذا وجَدَ الإِنسانُ لُقطةً ولَم يشهَدْ عليها ولَم تَتلفْ ولا ضاعَت ثُم جاءَ صاحِبُها ودفَعَها المُلتقِطُ إليه فلا خِلافَ بينَ العُلماءِ في هذا، وأنَّه لا ضَمانَ ولا مُشكلةَ على المُلتقِطِ في هذا. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: اللُّقطةُ في الحَولِ أَمانةٌ في يدِ المُلتقِطِ، إنْ تلِفَت بغيرِ تَفريطِه أو نقَصَت فلا ضَمانَ عليه كالوَديعةِ، ومتى جاءَ صاحِبُها فوجَدَها أخَذَها بزِيادَتِها المُتصلةِ والمُنفصلةِ؛ لأنَّها نَماءُ مِلكِه، وإنْ أتلَفَها

стр. 7863

المُلتقِطُ أو تلِفَت بتَفريطِه ضمَنَها بمثلِها إنْ كانَت مِنْ ذَواتِ الأَمثالِ، وبقيمَتِها إنْ لَم يكنْ لها مِثلُ، لا أَعلمُ في هذا خِلافًا (١). وكذا اتَّفقُوا على أنَّه إذا لَم يَجدْ مَنْ يُشهِدُه أو خافَ إذا أشهَدَه أنْ يَأخذَها الظَّلَمةُ فتَركَ الإِشهادَ لَم يَضمنْ إِجماعًا، ولا يُستحَبُّ له الإِشهادُ في هذه الحَالةِ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو التقَطَ لُقطةً ثُم تلِفَت عنده من دونِ تَعدٍّ ولا تَفريطٍ، إلا أنَّه لَم يَشهدْ عليها حينَ التقَطَها وكانَ قادِرًا على الإِشهادِ، هل يَجبُ عليه ضَمانُها لأنَّ الإِشهادَ واجِبٌ عليه؟ أم لا يَجبُ عليه ضَمانُها لأنَّ الإِشهادَ مستحَبٌّ وليسَ بواجِبٍ؟ فذهَبَ الإِمامُ أَبو حَنيفةَ وزُفرُ (ومُحمدٌ في رِوايةٍ) والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجبُ الإِشهادُ على الالتِقاطِ، فمَن التَقطَ لُقطةً وجَبَ عليه الإِشهادُ أنَّه أخَذَها ليُعرِّفَها وليرُدَّها على صاحِبِها إذا جاءَ، فإنْ تلِفَت فلا ضَمانَ عليه، فإنْ لَم يَشهدْ وضاعَت وجَبَ عليه ضَمانُها؛ لأنَّ الأَصلَ أنَّ كلَّ مُتصرِّفٍ عاقِلٍ إنَّما يَتصرفُ لنفسِه، وقد اعتَرفَ بالأَخذِ الذي هو سَببُ الضَّمانِ، ثُم ادَّعى ما يُبرئُه فلا يُصدَّقُ إلا ببيِّنةٍ، ولأنَّ الإِشهادَ لِنفيِ التَّجاحدِ، حتى لو تَصادَقا أنَّه أخَذَها للمالِكِ ليرُدَّها عليه فلا ضَمانَ عليه وإنْ لَم يُشهِدْ؛ لأنَّ تَصادُقَهما كالبيِّنةِ، وإنْ أَقرَّ أنَّه أخَذَها لنفسِه وجَبَ عليه الضَّمانُ بالإِجماعِ لإِقرارِه. فإنْ أخَذَها ولَم يُشهِدْ وتلِفَت، ثُم قالَ: أَخذتُها للمالِكِ، وكذَّبَه المالِكُ

стр. 7864

ضمِنَها؛ لأنَّه أَقرَّ بسَببِ الضَّمانِ -وهو الأَخذُ- وادَّعى ما يُبرِّئُه -وهو الأَخذُ لمالِكِه- فلا يَبرأُ. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولأَبي حَنيفةَ ﵀ وَجهانِ: أَحدُهما أنَّ أَخذَ مالِ الغيرِ بغيرِ إِذنِه سببٌ لوُجوبِ الضَّمانِ في الأَصلِ، إلا أنَّه إذا كانَ الأَخذُ على سَبيلِ الأَمانةِ بأنْ أخَذَه لصاحِبِه فيَخرجُ مِنْ أنْ يَكونَ سببًا، وذلك إنَّما يُعرَفُ بالإِشهادِ، فإذا لَم يشهَدْ لَم يَعرفْ كونَ الأَخذِ لصاحِبِه، فبَقِي الأَخذُ سببًا في حقِّ وُجوبِ الضَّمانِ على الأَصلِ. والثانِي أنَّ الأَصلَ أنَّ عَملَ كلِّ إِنسانٍ له لا لغيرِه بقَولِه : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وقَولِه تَعالَى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] فكانَ أَخذُه اللُّقطةَ في الأَصلِ لنفسِه لا لصاحِبِها، وأَخذُ مالِ الغيرِ بغيرِ إِذنِه لنفسِه سببٌ لوُجوبِ الضَّمانِ؛ لأنَّه غَصبٌ، وإنَّما يُعرَفُ الأَخذُ لصاحِبِها بالإِشهادِ، فإذا لَم يوجَدْ تعيَّنَ أنَّ الأَخذَ لنفسِه، فيَجبُ عليه الضَّمانُ (١). واستَدلُّوا على شَرطِ الإِشهادِ بما رُويَ عن عِياضِ بنِ حمارٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وجَدَ لُقطةً فليَشهِدْ ذا عَدْلٍ -أو ذَوَي عَدْلٍ- ولا يَكتمْ ولا يُغيِّبْ، فإنْ وجَدَ صاحِبَها فليَردَّها عليه، وإلا فهو مالُ اللَّهِ يؤتِيهِ مِنْ يَشَاءُ» (٢).

стр. 7865

وكَيفيةُ الإِشهادِ أنْ يَقولَ: مَنْ رأَيتُموه يَنشدُ ضالَّةً فدلُّوه عليَّ، سَواءٌ كانَت اللُّقطةُ واحِدةً أو أَكثرَ. فإذا قالَ هذا ثُم تلِفَت اللُّقطةُ فالقَولُ قَولُه مع يَمينِه. وهذا فيمَا إذا أَمكنَه الإِشهادُ ولَم يُشهِدْ، أمَّا إذا لَم يَجدْ مَنْ يُشهِدُه أو خافَ إذا أَشهَدَه أنْ يَأخذَها الظَّلَمةُ فترَكَ الإِشهادَ لَم يَضمنْ إِجماعًا كما تَقدمَ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ أَبو يوسُفَ ومُحمدٌ في الرِّوايةِ الثَّانيةِ عنه والمالِكيةُ والشَّافعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الإِشهادَ على اللُّقطةِ مُستحَبٌّ وليسَ بواجِبٍ، فمَن وجَدَ لُقطةً ولَم يُشهِدْ عليها ثُم تلِفَت أو ضاعَت دونَ تَعدٍّ منه ولا تَفريطٍ فلا ضَمانَ عليه، ويَكونُ القَولُ قولَ المُلتقِطِ مع يَمينِه. واستدَلُّوا على استِحبابِ الإِشهادِ على اللُّقطةِ بحَديثِ عِياضِ بنِ حِمَارٍ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ وجَدَ لُقطةً فليُشهدْ ذا عدْلٍ -أو ذوَي عدْلٍ- ولا يَكتمْ ولا يُغيِّبْ، فإنْ وجَدَ صاحِبَها فليَرُدَّها عليه، وإلا فهو مالُ اللَّهِ يؤتِيه مَنْ يَشاءُ» (٢).

стр. 7866

وأمَّا عدمُ وُجوبِ الإِشهادِ فلأنَّ النَّبيَّ ﷺ لَم يَذكرْه في حَديثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ وأُبيِّ بنِ كعبٍ ﵄، فعن زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهنِيِّ ﵁ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فسأَلَه عن اللُّقطةِ فقالَ: «اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثُم عرِّفْها سَنَةً، فَإنْ جاءَ صاحِبُها وإلا فَشأنَك بها»، قالَ: فضالَّةُ الغَنمِ؟ قالَ: «هي لك أو لأخِيك أو للذِّئبِ»، قالَ: فضالَّةُ الإِبلِ؟ قالَ: «ما لك ولها، معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها تَرِدُ الماءَ وتَأكلُ الشَّجرَ حتى يَلقاها ربُّها» (١). وحَديثُ كَعبٍ السَّابقُ في أَولِ البَابِ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَهما بالتَّعريفِ دونَ الإِشهادِ، ولا يَجوزُ تَأخيرُ البَيانِ عن وَقتِ الحاجَةِ، فلو كانَ واجِبًا لبيَّنَه النبِيُّ ﷺ ، وقد سُئلَ عن حُكمِ اللُّقطةِ فلَم يَكنْ ليُخِلَّ بذِكرِ الواجِبِ فيها، فيَتعيَّنُ حَملُ الأَمرِ في حَديثِ عِياضِ على النَّدبِ والاستِحبابِ، ولهذا خُيِّرَ بينَ العَدلِ والعَدلينِ، ولأنَّه أخَذَ أَمانةً فلَم يَفتقرْ إلى الإِشهادِ كالوَديعةِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه أخَذَها لا لنفسِه؛ لأنَّ الشَّرعَ إنَّما مكَّنَه من الأَخذِ بهذه الجِهةِ، فكانَ إِقدامُه على الأَخذِ دَليلًا على أنَّه أخَذَ بالوَجهِ المَشروعِ فكانَ الظاهِرُ شاهِدًا له، فكانَ القَولُ قولَه ولكنْ معَ الحَلفِ؛ لأنَّ القولَ قولُ الأَمينِ معَ اليَمينِ. والمَعنى الذي ذكَرُوه غيرُ صَحيحٍ، فإنَّه إذا حفِظَها وعرِفَها فلَم يَأخذْها لنفسِه، وفائِدةُ الإِشهادِ صِيانةُ نفسِه عن الطَّمعِ فيها وكَتمِها وحِفظهِا مِنْ وَرَثتِه إنْ ماتَ ومِن غُرمائِه إنْ أفلَسَ.

стр. 7867

ولأنَّ العُلماءَ أَجمعُوا على أنَّ المَغصوباتِ لو أُشهِدَ الغاصِبُ على نفسِه أنَّه غصَبَها لَم يُدخِلْها إِشهادُه ذلك في حُكمِ الأَماناتِ، فكذلك تَرْكُ الإِشهادِ على الأَماناتِ لا يُدخِلُها في حُكمِ المَغصوباتِ، ولا خِلافَ أنَّ المُلتقِطُ أَمينٌ لا يُضمَنُ إلا بما تُضمَنُ به الأَماناتُ مِنْ التَّعدي والتَّضييعِ. وقالَ الإِمامانِ ابنُ بطالٍ وابنُ عبدِ البَرِّ: وأمَّا حَديثُ عِياضِ بنِ حمارٍ فمَعناه أنَّ المُلتقِطَ إذا لَم يُعرِّفْ اللُّقطةَ ولَم يُشهدْها وكتَمَها ولَم يَسلُكْ بها سُنتَها مِنْ الإِشادةِ والإِعلانِ بها وغيَّبَ وكتَمَ ثُم قامَت عليه البيِّنةُ أنَّه وجَدَ لُقطةً وأنَّه أخَذَها وضَمَّها إلى بيِّنةٍ ثُم ادَّعى تَلفَها فإنَّه لا يُصدَّقُ ويَضمَنُ؛ لأنَّه بفِعلِه ذلك فيها خارِجٌ عن الأَمانةِ، فيَضمَنُ إلا أنْ يُقيمَ البيِّنةَ بتَلفِها. وأمَّا إذا عرَّفَها وأعلَنَ أمرَها وسلَكَ فيها سُنتَها مِنْ الإِشادةِ في الأَسواقِ وأَبوابِ الجَوامعِ وشِبهِها وإنْ لَم يُشهِدْ فلا ضَمانَ عليه (١). وقالَ الشَّافعيةُ: وللإِشهادِ فائدَتانِ: إِحدَاهما: أنَّه ربَّما طمِعَ فيها بعدَ ذلك، فإنْ أَشهدَ لَم يَقدِرْ على ذلك.

стр. 7868

والثَّانيةُ: أنَّه قد يَموتُ قبلَ مَجيءِ صاحِبِها فيَأخذُها الوارِثُ، فإذا أَشهَدَ أَمِنَ. قالُوا: ومَحلُّ استِحبابِ الإِشهادِ إذا لَم يَكنْ السُّلطانُ ظالِمًا يُخشى أنَّه إذا عَلِمَ بها أخَذَها، وإلا فيَمتنِعُ الإَشهادُ، وكذا التَّعريفُ (١). إِذا ردَّ اللُّقطةَ إلى مَوضعِها بعدَ أنِ التقَطَها: اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ يَجدُ اللُّقطةَ فيَأخذُها ليَعرفَها ثُم يَبدو له فيَردُّها إلى مَوضعِها، هل يَضمنُها أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لو أخَذَ اللُّقطةَ ثُم ردَّها إلى مَكانِها الذي أخَذَها مِنه لا ضَمانَ عليه في ظاهِرِ الرِّوايةِ، وكذا نصَّ عليه مُحمدٌ في المُوطأِ (٢)؛ لأنَّه أخَذَها مُحتسِبًا مُتبرِّعًا ليَحفظَها على صاحبِها، فإذا ردَّها إلى مَكانِها فقد فسَخَ التَّبرعَ مِنْ الأَصلِ، فصارَ كأنَّه لَم يَأخذْها أَصلًا، وبه تبيَّنَ أنَّه لَم يَلزمْ الحِفظُ، وإنَّما تبرَّعَ به وقد ردَّه بالردِّ إلى مَكانِها، فارتَدَّ وجُعلَ كأنْ لَم يَكنْ. هذا إذا كانَ أخَذَها لصاحِبِها ثُم ردَّها إلى مَكانِها فضاعَت وصدَّقَه صاحِبُها فيه أو كذَّبَه، لكنَّ المُلتقِطَ قد كانَ أشهَدَ على ذلك، فإنْ كانَ لَم

стр. 7869

يُشهدْ يَجبُ عليه الضَّمانُ عندَ أَبي حَنيفةَ، وعندَهما لا يَجبُ أَشهَدَ أو لَم يُشهدْ، ويكونُ القَولُ قَولَه معَ يَمينِه أنَّه أخَذَها لصاحِبِها. ولو أقَرَّ أنَّه كانَ أخَذَها لنفسِه لا يَبرأُ عن الضَّمانِ إلا بالردِّ على المالِكِ لأنَّه ظهَرَ أنَّه أخَذَها غَصبًا فكانَ الواجِبُ عليه الردَّ إلى المالِكِ لقَولِه ﷺ : «على اليَدِ ما أخَذَت حتى تَردَّه» فإذا عجَزَ عن ردِّ العَينِ يَجبُ عليه بَدَلُها كما في الغَصبِ. وكذلك إذا أخَذَ الضَّالةَ ثُم أَرسلَها إلى مَكانِها الذي أخَذَها مِنه فحُكمُها حُكمُ اللُّقطةِ؛ لأنَّ هذا أَحدُ نَوعَي اللُّقطةِ؛ لِما رَواه الإِمامُ مَالكٌ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ أنَّ ثَابتَ بنَ الضَّحاكِ الأَنصاريَّ أَخبرَه «أنَّه وجَدَ بَعيرًا بالحَرَّةِ فعقَلَه، ثُم ذكَرَه لعُمرَ بنِ الخَطابِ، فأمَرَه عُمرُ أنْ يُعرِّفَه ثَلاثَ مَراتٍ، فقالَ له ثَابتٌ إنَّه قد شغَلَني عن ضَيْعَتي، فقالَ له عُمرُ: أَرسِلْه حيثُ وجَدْتَه» (١)، وهذا يَدلُّ على انتِفاءِ وُجوبِ الضَّمانِ (٢). وقالَ المالِكيةُ: المُلتقِطُ إذا أخَذَ اللُّقطةَ ثُم ردَّها إلى مَوضعِها وضاعَت بعدَ الردِّ فهذا لا يَخلو من حالَتينِ: الأولَى: أنْ يَأخذَها للحِفظِ أي للتَّعريفِ، فإذا أخَذَ اللُّقطةَ بنِيَّةِ الحفظِ وحازَها ثُم ردَّها بعدَ مُدةٍ إلى مَوضعِها أو إلى غيرِه ضمِنَها، وإنْ ردَّها عن قُربٍ فتَأويلانِ في الضَّمانِ وعَدمِه.

стр. 7870

والثانِيةُ: أنْ يَأخذَها لغيرِ الحِفظِ: إذا أخَذَها لا بنِيةِ الحِفظِ ولا بنِيةِ اغتِيالِها فإنَّه لا يضمَنُ إذا ردَّها بالقُربِ بلا خِلافٍ، ويَضمنُ إذا ردَّها بَعد البُعدِ، وذلك مِثلُ أنْ يَجدَ ثَوبًا وهو يَظنُّه لقَومٍ بينَ يَديِه يَسألُهم عنه، فهذا إنْ لَم يَعرِفوه ولا ادَّعَوه كانَ له أنْ يَردَّه حيثُ وجَدَه، ولا ضَمانَ عليه فيه؛ لأنَّه لَم يَصرْ في يدِه ولا تَعدَّى عليه، وإنَّما أعلَمَ به مَنْ ظنَّ أنَّه له، ولَم يَلتزمْ فيه حُكمَ اللُّقطةِ. وهذا إذا ردَّها بالقُربِ، وأمَّا إنْ ردَّها بعدَ طُولٍ فهو ضامِنٌ؛ لأنَّ ردَّ اللُّقطةِ إلى مَوضعِها ردٌّ لمَظنةِ الضَّياعِ. وهكذا كلُّه فيما إذا لَم يَخَفْ عليها مِنْ خائِنٍ وعلِمَ أَمانةَ نفسِه أو شكَّ فيها، وأمَّا إنْ خافَ عليها مِنْ خائِنٍ فيَضمنُ بردِّها اتِّفاقًا، سَواءٌ ردَّها عن قُربٍ أم عن بُعدٍ. وهذا فيما يَجوزُ له التِقاطُه، أمَّا ما لا يَجوزُ له التِقاطُه يَضمنُ بأَخذِها إنْ لَم يَردُّها مَكانَها؛ لأنَّ ردَّها واجبٌ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا أخَذَ اللُّقطةَ ثُم ردَّها إلى مَوضعِها ضمَنَها على أيَّةِ حالٍ؛ لأنَّها أَمانةٌ حصَلَت في يدِه فلزِمَه حِفظُها، فإذا ضيَّعَها لزِمَه ضَمانُها كما لو ضيَّعَ الوَديعةَ، ولأنَّها لمَّا حصَلَت في يدِه لزِمَه حِفظُها، وتَركُها تَضييعُها، إلا أنْ يَكونَ المُلتقِطُ ردَّها بإِذنِ الإِمامِ أو نائِبِه إلى مَوضعِه

стр. 7871

فلا يَضمنُها؛ لأنَّ للإِمامِ نظرًا في المالِ الذي لا يُعلَمُ مالِكُه، وكذا لو التقَطَها ودفَعَها إلى الإِمامِ أو نائبِه. فأمَّا حَديثُ عمرَ فهو في الضَّالةِ التي لا تَحِلُّ. قالَ ابنُ قُدامةَ: فأمَّا ما لا يَحلُّ التِقاطُه إذا أخَذَه فيُحتمَلُ أنَّ له ردَّه في مَكانِه ولا ضَمانَ عليه لهذه الآثارِ، ولأنَّه كان واجِبًا عليه تَركُه في مَكانِه ابتِداءً، فكانَ له ذلك بعدَ أَخذِه، ويُحتمَلُ أنْ لا يَبرأَ مِنْ ضَمانِه بردِّه، فإنَّه دخَلَ في ضَمانِه فلَم يَبرأْ مِنْ ضَمانِه بردِّه إلى مَكانِه كالمَسروقِ وما يَجوزُ التِقاطُه، فعلى هذا لا يَبرأُ إلا بردِّه إلى الإِمامِ أو نائِبِه. وأمَّا عُمرُ فهو كانَ الإِمامَ، فإذا أمَرَ بردِّه كانَ كأَخذِه مِنه، وحَديثُ جَريرٍ لا حُجةَ فيه؛ لأنَّه لَم يَأخذِ البَقرةَ ولا أخَذَها غُلامُه، إنَّما لحِقَت بالبقرِ مِنْ غيرِ فِعلِه ولا اختِيارِه (١). من وجَدَ لُقطةً فلَم يَأخذْها حتى ضاعَت: نصَّ الحَنفيةُ والشافِعيةُ على أنَّ الإِنسانَ إذا وجَدَ لقطةً على الأَرضِ ولَم يَأخذْها حتى ضاعَت فلا ضَمانَ عليه. قالَ الحَنفيةُ: لو وجَدَ شيئًا على الأَرضِ فلَم يَأخذْه حتى ضاعَ لَم يَضمنْ؛ لأنَّه لَم يَحصلْ في يدِه، وكذا لو قلَبَه برِجلِه ليَنظرَ ما هو ولَم يَأخذْه لَم يَضمنْ (٢).

стр. 7872

وقالَ الشافِعيةُ: رَأى شيئًا مَطروحًا على الأَرضِ فدفَعَه برِجلِه ليَعرفَ جِنسَه أو قَدْرَه ولَم يَأخذْه حتى ضاعَ لَم يَضمنْه؛ لأنَّه لَم يَحصلْ في يدِه (١). إذا أخَذَ اللُّقطةَ بنيَّةِ الخِيانةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ كما تقدَّمَ على أنَّ المُلتقِطَ إذا أخَذَ اللُّقطةَ بنيَّةِ الأَمانةِ والحِفظِ على صاحِبِها وأَشهدَ عليها فإنَّها أَمانةٌ في يدِه لا يَضمنُها إذا تلِفَت بغيرِ تَعدٍّ ولا تَفريطٍ. وأمَّا لو أخَذَ اللُّقطةَ ابتِداءً بنيَّةِ الخِيانةِ بأنْ التقَطَها عازِمًا على تملُّكِها بغيرِ تَعريفٍ فقد فعَلَ مُحرَّمًا باتِّفاقِ العُلماءِ، ولا يَحلُّ له أَخذُها بهذه النِّيةِ، فإذا أخَذَها لزِمَه ضمانُها، سَواءٌ تلِفَت بتَفريطِه أو بغيرِ تَفريطٍ؛ لما رُويَ عن رَسولِ الله ﷺ أنَّه قالَ: «لا يَأوي الضَّالةَ إلا ضَالٌّ» (٢). والمُرادُ أنْ يَضمَّها إلى نفسِه لأَجلِ نفسِه لا لأَجلِ صاحِبِها بالردِّ عليه؛ لأنَّ الضمَّ إلى نفسِه لأَجلِ صاحِبِها ليسَ بحَرامٍ، ولأنَّه أخَذَ مالَ الغيرِ بغيرِ إذنِه لنفسِه فيَكونَ بمَعنى الغَصبِ (٣).

стр. 7873

أمَّا إذا لَم يَقصدْ شيئًا أو قصَدَ ونسِيَ فله التَّملكُ ولا ضَمانَ؛ لأنَّ صورةَ الأَخذِ مَأذونٌ فيها شَرعًا. إلا أنَّ العُلماءَ اختَلفُوا في أَمرينِ: الأوَّلُ: إذا عرَّفَها بعدَ ذلك، هل يَبرأُ مِنْ الضَّمانِ أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في المُعتمَدِ عندَهم مِنْ المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَملكُها وإنْ عرَّفَها بعدَ ذلك؛ عَملًا بقَصدِه المُقارِنِ لفِعلهِ؛ لأنَّه أخَذَ مالَ غيرِه على وَجهٍ لا يَجوزُ له أَخذُه فأَشبَه الغاصِبَ؛ لأنَّ الأَصلَ في الاستِيلاءِ على مالِ الغيرِ الضَّمانُ، خرَجَ عنه حالَةُ قصدِ التَّملكِ بإذنِ الشَّارعِ، ففيما عَداها على مُقتَضى الأَصلِ. وذهَبَ الشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في احتِمالٍ ذكَرَه ابنُ قُدامةَ إلى أنَّه يَملكُها؛ لأنَّ مُلكَها بالتَّعريفِ والالتِقاطِ وقد وُجدَ، فيَملكُها به كالاصطِيادِ والاحتِشاشِ، فإنَّه لو دخَلَ حائِطًا لغيرِه بغيرِ إِذنِه فاحتَشَّ أو اصطادَ مِنه صَيدًا ملَكَه وإنْ كانَ دُخولُه مُحرَّمًا كذا ها هُنا، ولأنَّ عُمومَ النصِّ يَتناولُ هذا المُلتقَطَ فيَثبتُ حُكمُه فيه، ولأنَّنا لو اعتبَرْنا نِيةَ التَّعريفِ وَقتَ الالتِقاطِ

стр. 7874

لافترَقَ الحالُ بينَ العَدلِ والفَاسقِ والصبِيِّ والسَّفيهِ؛ لأنَّ الغالِبَ على هؤلاء الالتِقاطُ للتَّملُّكِ مِنْ غيرِ تَعريفٍ (١). الثانِي: إذا دفَعَها إلى الحاكِمِ بعدَما نَوى الخِيانةَ فيها هل يَبرأُ أم لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا أخَذَها بنيَّةِ الخِيانةِ ثُم دفَعَها إلى الحاكِمِ، هل يَبرأُ مِنْ الضَّمانِ أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ وهو ظاهِرُ مَذهبِ الحَنابِلةَ إلى أنَّه إذا أخَذَها بنيَّةِ الخِيانةِ ثُم دفَعَها إلى الحاكِمِ الأَمينِ برِئَ مِنْ الضَّمانِ كما هو شَأنُ الغاصِبِ. وفي وَجهٍ للشافِعيةِ لا يَبرأُ (٢). إذا أخَذَ اللُّقطةَ بنيَّةِ الأَمانةِ ثُم طرَأَ له قَصدُ الخِيانةِ: قالَ الشافِعيةُ في الأَصحِّ والحَنابِلةُ: المُلتقِطُ إذا أخَذَ اللُّقطةَ بنيَّةِ الأَمانةِ ثُم طرَأَ له قَصدُ الخِيانةِ لَم يَصِرْ ضامِنًا للُّقطةِ بمُجردِ قَصدِ الخِيانةِ، فإنْ تلِفَت بلا تَفريطٍ في الحَوْلِ فلا ضَمانَ عليه حتى يَتحققَ ذلك القَصدُ بالفِعلِ، كالمودَعِ إذا نَوى الخِيانةَ في الوَديعةِ ولَم يَخنْ.

стр. 7875

وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأَصحِّ إلى أنَّه إنْ قصَدَ الخِيانةَ في اللُّقطةِ ولَم يَخنْ ضمَنَ. ومتى صارَ المُلتقِطُ ضامِنًا في الدَّوامِ بحَقيقةِ الخِيانةِ أو بقَصدِها ثُم أقلَعَ وأرادَ أنْ يُعرِّفَها ويَمتلكَ كانَ له ذلك على الأَصحِّ عن الشافِعيةِ (١). وأمَّا الحَنفيةُ والمالِكيةُ فلهم تَفصيلٌ تَقدَّمَ في حُكمِ الالتِقاطِ. أَخذُ الجُعلِ على اللُّقطةِ: أَخذُ الجُعلِ على اللُّقطةِ لا يَخلو مِنْ حالاتٍ سبَقَ أَكثرُها في كِتابِ الجَعالَةِ من كِتابِنا هذا لمَن أرادَ الرُّجوعَ إليها: الحالَةُ الأولَى: أنْ يَجعلَ صاحِبَها لمَن وجَدَها شيئًا مَعلومًا، وهذه الحالَةُ لا تَخلو مِنْ إِحدى صورَتينِ: الصُّورةُ الأولَى: أنْ يَلتقطَها بعدَما بلَغَه الجُعلُ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ رَبَّ اللُّقطةِ إذا جعَلَ لمَن وجَدَها شيئًا مَعلومًا فله أَخذُه إنْ كانَ التَقطَها بعدَ أنْ بلَغَه الجُعلُ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الجَعالَةُ في ردِّ الضالَّةِ والآبقِ وغيرِهما جائِزةٌ، وهذا قَولُ أَبي حَنيفةَ ومَالكٍ والشافعِيِّ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا، والأَصلُ في ذلك قَولُ اللهِ : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢]، وكانَ حملُ البَعيرِ مَعلومًا عندَهم كالوَسقِ، وشَرعُ مَنْ قبلَنا شَرعٌ لنا ما لَم يَردْ في شَرعِنا ما يُخالفُه.

стр. 7876

ولِما في الصَّحيحَينِ عن أَبي سَعيدٍ ﵁، قالَ: انطلَقَ نفرٌ مِنْ أَصحابِ النبِيِّ ﷺ في سَفرَةٍ سافرُوها، حتى نزَلُوا على حيٍّ مِنْ أَحياءِ العَربِ، فاستَضافُوهم فأَبَوا أنْ يُضَيِّفوهم، فلُدغَ سَيدُ ذلكَ الحيِّ، فسَعَوا له بكلِّ شيءٍ لا يَنفعُه شيءٌ، فقالَ بَعضُهم: لو أَتيتُم هؤلاء الرَّهطَ الذين نزَلُوا، لعلَّه أنْ يَكونَ عندَ بَعضِهم شيءٌ، فأَتَوهُم، فقالُوا: يا أيُّها الرَّهطُ إنَّ سيِّدَنا لُدغَ، وسعَيْنا له بكلِّ شيءٍ لا يَنفعُه، فهل عندَ أحدٍ مِنكم مِنْ شيءٍ؟ فقالَ بَعضُهم: نعَم، واللهِ إنِّي لأَرقِي، ولكنْ واللهِ لقد استَضفنَاكم فلَم تُضيِّفُونا، فما أنَا بِراقٍ لكم حتى تَجعلُوا لنا جُعلًا، فصَالَحوهم على قَطيعٍ مِنْ الغَنمِ، فانطَلقَ يَتفِلُ عليه، ويَقرأُ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، فكأنَّما نُشطَ مِنْ عِقالٍ، فانطَلقَ يَمشِي وما به قَلبَةٌ، قالَ: فأَوفَوْهم جُعلَهم الذي صالَحُوهم عليه، فقالَ بَعضُهم: اقسِمُوا، فقالَ الذي رَقى: لا تَفعَلوا حتى نَأتِيَ النَّبيَّ ﷺ فنَذكُرَ له الذي كانَ، فنَنظُرَ ما يَأمرُنا، فقدِمُوا على رَسولِ اللهِ ﷺ فذَكَرُوا له، فقالَ: «وما يُدرِيك أنَّها رُقيةٌ»، ثُم قالَ: «قد أصَبتُم، اقسِمُوا، واضرِبُوا لي معَكم سَهمًا» فضحِكَ رَسولُ اللهِ ﷺ » (١)، والقَطيعُ: ثَلاثونَ رَأسًا مِنْ الغَنمِ. ولأنَّ الحاجَةَ تَدعُو إلى ذلك، فإنَّ العَملَ قد يَكونُ مَجهولًا، كردِّ الآبِقِ والضَّالةِ ونَحوِ ذلك، ولا تَنعقدُ الإِجارةُ فيه والحاجَةُ داعيَةٌ إلى ردِّهما، وقد لا يَجدُ مَنْ يَتبرعُ به فدَعَت الحاجَةُ إلى إِباحةِ بَذلِ الجُعلِ فيه معَ جَهالةِ العَملِ؛ لأنَّها غيرُ لازِمةٍ بخِلافِ الإِجارةِ، ألا تَرى أنَّ الإِجارةَ لمَّا كانَت

стр. 7877

لازِمةً افتقَرَت إلى تَقديرِ مُدةٍ، والعُقودُ الجائِزةُ كالشَّركةِ والوَكالةِ لا يَجبُ تَقديرُ مُدتِها، ولأنَّ الجائِزةَ لكلِّ واحِدٍ مِنهما تَركُها، فلا يُؤدِّي إلى أنْ يُلزمَه مَجهولٌ عندَه بخِلاف اللازِمةِ (١). وقالَ في «الدُّرّ المُختار»: (ولا شَيءَ للمُلتقِطِ) لمالٍ أو بَهيمةٍ أو ضالٍّ (مِنْ الجُعلِ أصلًا) إلا بالشَّرطِ، كمَن ردَّه فله كذا، فله أَجرُ مِثلِه «تَتارْخانِية» كإِجارةٍ فاسِدةٍ. قالَ ابنُ عابدِين ﵀: قولُه (فله أَجرُ مثلِه) علَّلَه في المُحيطِ بأنَّها إِجارةٌ فاسِدةٌ. واعتَرضَه في «البَحرِ» بأنَّه لا إِجارةَ أصلًا؛ لعَدمِ مَنْ يَقبلُ، وأجابَ المَقدِسيُّ بحَملِه على أنَّه قالَ ذلك لجَمعٍ حضَرَ. قُلت: يُؤيِّدُه ما في إِجاراتِ «الوَلْوالِجيةِ»: ضاعَ له شَيءٌ فقالَ: مَنْ دلَّني عليه فله كذا، فالإِجارَةُ باطِلةٌ؛ لأنَّ المُستأجَرَ له غيرُ مَعلومٍ، والدَّلالةُ ليسَت

стр. 7878

بعَملٍ يَستحِقُّ به الأَجرَ، فلا يَجبُ الأَجرُ، وإنْ خصَّصَ بأنْ قالَ لرَجلٍ بعينِه: إنْ دَللتَني عليه فلك كذا، إنْ مَشى له ودلَّه يَجبُ أَجرُ المِثلِ في المَشيَ؛ لأنَّ ذلك عَملٌ يُستحَقُّ بعَقدِ الإِجارةِ، إلا أنَّه غيرُ مُقدَّرٍ بقَدرٍ فيَجبُ أَجرُ المِثلِ، وإنْ دلَّه بلا مَشيٍ فهو والأوَّلُ سَواءٌ اه. وبه ظهَرَ أنَّه هنا إن خصَّصَ فالإِجارةُ فاسِدةٌ؛ لكَونِ مَكانُ الردِّ غيرَ مُقدَّرٍ، فيَجبُ أَجرُ المِثلِ، وإنْ عُمِّمَ فباطِلةٌ ولا أَجرَ (١). الصُّورةُ الثانِيةُ: أنْ يَعملَ على وُجودِ اللُّقطةِ ثُم يَعلمَ أنَّ صاحِبَها قد جعَلَ لمَن وجَدَها جُعْلًا: اختَلفَ الفُقهاءُ القائِلونَ بجَوازِ الجُعلِ، كما تقَدمَ فيما إذا جعَلَ ربُّ الضالَّةِ جُعلًا على مَنْ ردَّ عليه اللُّقطةَ فعمَلَ إِنسانٌ وأَتى بها قبلَ أنْ يَبلغَه الجُعلُ، هل يَستحقُّ الجُعلَ أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ وابنُ القاسِمِ مِنْ المالِكيةِ -على تَفصيلٍ عنه سبَقَ في الجُعالةِ- إلى أنَّ مَنْ قالَ: مَنْ ردَّ ضالَتيَ فله كذا فرَدَّه إِنسانٌ لَم يَبلغْه نِداؤُه ولا علِمَ بالجُعلِ أنَّه لا يَستحقُّ شَيئًا. قالَ الشافِعيةُ: لو قالَ: مَنْ ردَّ آبِقي فله كذا فرَدَّه مَنْ لَم يَبلغْه نِداؤُه لَم يَستحقَّ شَيئًا؛ لأنَّه مُتبَرعٌ، فإنْ قصَدَ العِوضَ لاعتِقادَه أنَّ مِثلَ هذا العَملِ لا يُحبِط لَم يَستحقَّ أيضًا على المَذهبِ، ولا أَثرَ لاعتِقادِه (٢).

стр. 7879

وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ فعَلَ العَملَ المُجاعَل عليه قبلَ أنْ يَبلغَه الجُّعلُ لَم يَستحقَّ الجُعلَ ولا شَيئًا مِنه؛ لأنَّه مُتبَرِّعٌ بعَملِه، وحرُمَ عليه أَخذُه؛ لأنَّه مِنْ أكلِ المالِ بالباطِلِ، إلا إنْ تبَرَّعَ له به ربُّه بعدَ إِعلامِه بالحالِ، وسَواءٌ رَدَّه قبلَ بُلوغِ الجُعلِ أو بعدَه؛ إذ الجُعلُ في مُقابلَةِ العَملِ لا التَّسليمِ، أي: سلَّمَ المَردودَ ونَحوَه (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا قالَ المالِكُ: مَنْ أَتى بعَبدِي الآبقِ أو بَعيريَ الشارِدِ فله كذا، فجاءَ به شَخصٌ لَم يَسمعْ كَلامَه، لكنَّ عادتَه طَلبُ الضَّوالِّ والإِباقِ، فإنَّه يَستحقُّ جُعلَ مِثلِه، سَواءٌ كانَ جُعلُ مِثلِه مِثلَ المُسمَّى أو أقلَّ أو أكثرَ مِنه. فإذا تَخالَفا بعدَ تَمامِ العَملِ في قَدرِ الجُعلِ ولَم يُشبِها فإنَّهما يَتحالَفانِ، ويُرَدُّ العامِلُ إلى جُعلِ مِثلِه، ومَن أَشبَه فالقَولُ قَولُه، وإنْ أشبَها معًا مثلَ ما إذا أَشبَه العامِل فيَكونُ القولُ قولَه، ونُكولُهما كحِلفِهما، ويُقضى للحالِفِ على الناكِلِ. ولمَن لَم يَسمعْ قولَ المالِكِ «مَنْ جاءَني بعَبدِيَ الآبِقِ فله كذا» فجاءَ به شَخصٌ ليسَ مِنْ عادَتِه طَلبُ الضَّوالِّ والإِباقِ فإنَّه لا جُعلَ له، وليسَ له إلا النَّفقةُ فقط أي: نَفقةُ الآبِقِ، أي: ما أنفَقَه عليه مِنْ مَأكلٍ ومَركبٍ ولِباسٍ، لا نَفقتَه على نَفسِه ودابتِه مثلًا في زَمنِ تَحصيلِه (٢).

стр. 7880

الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ لا يَجعلَ صاحِبُها لمَن ردَّها جُعلًا فيَردَّها إِنسانٌ: قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن ردَّ لُقطةً أو ضالَّةً أو عمِلَ لغيرِه عَملًا غيرَ ردِّ الآبِقِ بغيرِ جُعلٍ لَم يَستحقَّ عِوضًا لا نَعلمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّه عَملٌ يَستحقُّ به العِوضَ معَ المُعاوَضةِ فلا يَستحقَّ معَ عَدمِها كالعَملِ في الإِجارةِ، فإنْ اختلَفَا في الجُعلِ فقالَ جعَلتَ لي في ردِّ لُقطتِك كذا فأنكَرَه المالِكُ فالقَولُ قَولُه معَ يَمينِه؛ لأنَّ الأَصلَ معَه. وإنِ اتفَقَا على العِوضِ واختلَفَا في قَدرِه فالقَولُ قَولُ المالِكِ؛ لأنَّ الأَصلَ عدمُ الزائِدِ المُختلَفِ فيه، ولأنَّ القَولَ قولُه في أصلِ العِوضِ فكذلك في قَدرْه كرَبِّ المالِ في المُضارَبةِ، ويَحتمِلُ أنْ يَتحالفَا كالمُتبايعَينِ إذا اختلَفَا في قَدرِ الثَّمنِ والأَجيرِ والمُستأجِرِ إذا اختلَفَا في قَدرِ الأَجرِ، فعلى هذا إنْ تحالَفَا فُسخَ العَقدُ ووجَبَ أَجرُ المِثلِ، وكذلك الحُكمُ إنْ اختلَفَا في المَسافةِ فقالَ: «جعَلتُ لك الجُعلَ على ردِّها مِنْ حَلَبَ»، فقالَ: «بل على ردِّها مِنْ حِمصَ»، وإنِ اختلَفَا في عَينِ العَبدِ الذي جُعِلَ الجُعلَ في ردِّه فقالَ: «ردَدتُ العَبدَ الذي شَرطتَ لي الجُعلَ فيه»، قالَ: «بل شَرطتُ لك الجُعلَ في العَبدِ الذي لَم ترُدَّه»، فالقَولُ قَولُ المالِكِ لأنَّه أَعلمُ بشَرطِه ولأنَّه ادَّعى عليه شَرطًا في هذا العَقدِ فأنكَرَه والأَصلُ عدمُ الشَّرطِ (١).
следующие страницы →