ولِما في الصَّحيحَينِ عن أَبي سَعيدٍ ﵁، قالَ: انطلَقَ نفرٌ مِنْ أَصحابِ النبِيِّ ﷺ في سَفرَةٍ سافرُوها، حتى نزَلُوا على حيٍّ مِنْ أَحياءِ العَربِ، فاستَضافُوهم فأَبَوا أنْ يُضَيِّفوهم، فلُدغَ سَيدُ ذلكَ الحيِّ، فسَعَوا له بكلِّ شيءٍ لا يَنفعُه شيءٌ، فقالَ بَعضُهم: لو أَتيتُم هؤلاء الرَّهطَ الذين نزَلُوا، لعلَّه أنْ يَكونَ عندَ بَعضِهم شيءٌ، فأَتَوهُم، فقالُوا: يا أيُّها الرَّهطُ إنَّ سيِّدَنا لُدغَ، وسعَيْنا له بكلِّ شيءٍ لا يَنفعُه، فهل عندَ أحدٍ مِنكم مِنْ شيءٍ؟ فقالَ بَعضُهم: نعَم، واللهِ إنِّي لأَرقِي، ولكنْ واللهِ لقد استَضفنَاكم فلَم تُضيِّفُونا، فما أنَا بِراقٍ لكم حتى تَجعلُوا لنا جُعلًا، فصَالَحوهم على قَطيعٍ مِنْ الغَنمِ، فانطَلقَ يَتفِلُ عليه، ويَقرأُ: الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، فكأنَّما نُشطَ مِنْ عِقالٍ، فانطَلقَ يَمشِي وما به قَلبَةٌ، قالَ: فأَوفَوْهم جُعلَهم الذي صالَحُوهم عليه، فقالَ بَعضُهم: اقسِمُوا، فقالَ الذي رَقى: لا تَفعَلوا حتى نَأتِيَ النَّبيَّ ﷺ فنَذكُرَ له الذي كانَ، فنَنظُرَ ما يَأمرُنا، فقدِمُوا على رَسولِ اللهِ ﷺ فذَكَرُوا له، فقالَ: «وما يُدرِيك أنَّها رُقيةٌ»، ثُم قالَ: «قد أصَبتُم، اقسِمُوا، واضرِبُوا لي معَكم سَهمًا» فضحِكَ رَسولُ اللهِ ﷺ » (١)، والقَطيعُ: ثَلاثونَ رَأسًا مِنْ الغَنمِ.
ولأنَّ الحاجَةَ تَدعُو إلى ذلك، فإنَّ العَملَ قد يَكونُ مَجهولًا، كردِّ الآبِقِ والضَّالةِ ونَحوِ ذلك، ولا تَنعقدُ الإِجارةُ فيه والحاجَةُ داعيَةٌ إلى ردِّهما، وقد لا يَجدُ مَنْ يَتبرعُ به فدَعَت الحاجَةُ إلى إِباحةِ بَذلِ الجُعلِ فيه معَ جَهالةِ العَملِ؛ لأنَّها غيرُ لازِمةٍ بخِلافِ الإِجارةِ، ألا تَرى أنَّ الإِجارةَ لمَّا كانَت
стр. 7877
لازِمةً افتقَرَت إلى تَقديرِ مُدةٍ، والعُقودُ الجائِزةُ كالشَّركةِ والوَكالةِ لا يَجبُ تَقديرُ مُدتِها، ولأنَّ الجائِزةَ لكلِّ واحِدٍ مِنهما تَركُها، فلا يُؤدِّي إلى أنْ يُلزمَه مَجهولٌ عندَه بخِلاف اللازِمةِ (١).
وقالَ في «الدُّرّ المُختار»: (ولا شَيءَ للمُلتقِطِ) لمالٍ أو بَهيمةٍ أو ضالٍّ (مِنْ الجُعلِ أصلًا) إلا بالشَّرطِ، كمَن ردَّه فله كذا، فله أَجرُ مِثلِه «تَتارْخانِية» كإِجارةٍ فاسِدةٍ.
قالَ ابنُ عابدِين ﵀: قولُه (فله أَجرُ مثلِه) علَّلَه في المُحيطِ بأنَّها إِجارةٌ فاسِدةٌ.
واعتَرضَه في «البَحرِ» بأنَّه لا إِجارةَ أصلًا؛ لعَدمِ مَنْ يَقبلُ، وأجابَ المَقدِسيُّ بحَملِه على أنَّه قالَ ذلك لجَمعٍ حضَرَ.
قُلت: يُؤيِّدُه ما في إِجاراتِ «الوَلْوالِجيةِ»: ضاعَ له شَيءٌ فقالَ: مَنْ دلَّني عليه فله كذا، فالإِجارَةُ باطِلةٌ؛ لأنَّ المُستأجَرَ له غيرُ مَعلومٍ، والدَّلالةُ ليسَت
стр. 7878
بعَملٍ يَستحِقُّ به الأَجرَ، فلا يَجبُ الأَجرُ، وإنْ خصَّصَ بأنْ قالَ لرَجلٍ بعينِه: إنْ دَللتَني عليه فلك كذا، إنْ مَشى له ودلَّه يَجبُ أَجرُ المِثلِ في المَشيَ؛ لأنَّ ذلك عَملٌ يُستحَقُّ بعَقدِ الإِجارةِ، إلا أنَّه غيرُ مُقدَّرٍ بقَدرٍ فيَجبُ أَجرُ المِثلِ، وإنْ دلَّه بلا مَشيٍ فهو والأوَّلُ سَواءٌ اه.
وبه ظهَرَ أنَّه هنا إن خصَّصَ فالإِجارةُ فاسِدةٌ؛ لكَونِ مَكانُ الردِّ غيرَ مُقدَّرٍ، فيَجبُ أَجرُ المِثلِ، وإنْ عُمِّمَ فباطِلةٌ ولا أَجرَ (١).
الصُّورةُ الثانِيةُ: أنْ يَعملَ على وُجودِ اللُّقطةِ ثُم يَعلمَ أنَّ صاحِبَها قد جعَلَ لمَن وجَدَها جُعْلًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ القائِلونَ بجَوازِ الجُعلِ، كما تقَدمَ فيما إذا جعَلَ ربُّ الضالَّةِ جُعلًا على مَنْ ردَّ عليه اللُّقطةَ فعمَلَ إِنسانٌ وأَتى بها قبلَ أنْ يَبلغَه الجُعلُ، هل يَستحقُّ الجُعلَ أم لا؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ وابنُ القاسِمِ مِنْ المالِكيةِ -على تَفصيلٍ عنه سبَقَ في الجُعالةِ- إلى أنَّ مَنْ قالَ: مَنْ ردَّ ضالَتيَ فله كذا فرَدَّه إِنسانٌ لَم يَبلغْه نِداؤُه ولا علِمَ بالجُعلِ أنَّه لا يَستحقُّ شَيئًا.
قالَ الشافِعيةُ: لو قالَ: مَنْ ردَّ آبِقي فله كذا فرَدَّه مَنْ لَم يَبلغْه نِداؤُه لَم يَستحقَّ شَيئًا؛ لأنَّه مُتبَرعٌ، فإنْ قصَدَ العِوضَ لاعتِقادَه أنَّ مِثلَ هذا العَملِ لا يُحبِط لَم يَستحقَّ أيضًا على المَذهبِ، ولا أَثرَ لاعتِقادِه (٢).
стр. 7879
وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ فعَلَ العَملَ المُجاعَل عليه قبلَ أنْ يَبلغَه الجُّعلُ لَم يَستحقَّ الجُعلَ ولا شَيئًا مِنه؛ لأنَّه مُتبَرِّعٌ بعَملِه، وحرُمَ عليه أَخذُه؛ لأنَّه مِنْ أكلِ المالِ بالباطِلِ، إلا إنْ تبَرَّعَ له به ربُّه بعدَ إِعلامِه بالحالِ، وسَواءٌ رَدَّه قبلَ بُلوغِ الجُعلِ أو بعدَه؛ إذ الجُعلُ في مُقابلَةِ العَملِ لا التَّسليمِ، أي: سلَّمَ المَردودَ ونَحوَه (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا قالَ المالِكُ: مَنْ أَتى بعَبدِي الآبقِ أو بَعيريَ الشارِدِ فله كذا، فجاءَ به شَخصٌ لَم يَسمعْ كَلامَه، لكنَّ عادتَه طَلبُ الضَّوالِّ والإِباقِ، فإنَّه يَستحقُّ جُعلَ مِثلِه، سَواءٌ كانَ جُعلُ مِثلِه مِثلَ المُسمَّى أو أقلَّ أو أكثرَ مِنه.
فإذا تَخالَفا بعدَ تَمامِ العَملِ في قَدرِ الجُعلِ ولَم يُشبِها فإنَّهما يَتحالَفانِ، ويُرَدُّ العامِلُ إلى جُعلِ مِثلِه، ومَن أَشبَه فالقَولُ قَولُه، وإنْ أشبَها معًا مثلَ ما إذا أَشبَه العامِل فيَكونُ القولُ قولَه، ونُكولُهما كحِلفِهما، ويُقضى للحالِفِ على الناكِلِ.
ولمَن لَم يَسمعْ قولَ المالِكِ «مَنْ جاءَني بعَبدِيَ الآبِقِ فله كذا» فجاءَ به شَخصٌ ليسَ مِنْ عادَتِه طَلبُ الضَّوالِّ والإِباقِ فإنَّه لا جُعلَ له، وليسَ له إلا النَّفقةُ فقط أي: نَفقةُ الآبِقِ، أي: ما أنفَقَه عليه مِنْ مَأكلٍ ومَركبٍ ولِباسٍ، لا نَفقتَه على نَفسِه ودابتِه مثلًا في زَمنِ تَحصيلِه (٢).
стр. 7880
الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ لا يَجعلَ صاحِبُها لمَن ردَّها جُعلًا فيَردَّها إِنسانٌ:
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن ردَّ لُقطةً أو ضالَّةً أو عمِلَ لغيرِه عَملًا غيرَ ردِّ الآبِقِ بغيرِ جُعلٍ لَم يَستحقَّ عِوضًا لا نَعلمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّه عَملٌ يَستحقُّ به العِوضَ معَ المُعاوَضةِ فلا يَستحقَّ معَ عَدمِها كالعَملِ في الإِجارةِ، فإنْ اختلَفَا في الجُعلِ فقالَ جعَلتَ لي في ردِّ لُقطتِك كذا فأنكَرَه المالِكُ فالقَولُ قَولُه معَ يَمينِه؛ لأنَّ الأَصلَ معَه.
وإنِ اتفَقَا على العِوضِ واختلَفَا في قَدرِه فالقَولُ قَولُ المالِكِ؛ لأنَّ الأَصلَ عدمُ الزائِدِ المُختلَفِ فيه، ولأنَّ القَولَ قولُه في أصلِ العِوضِ فكذلك في قَدرْه كرَبِّ المالِ في المُضارَبةِ، ويَحتمِلُ أنْ يَتحالفَا كالمُتبايعَينِ إذا اختلَفَا في قَدرِ الثَّمنِ والأَجيرِ والمُستأجِرِ إذا اختلَفَا في قَدرِ الأَجرِ، فعلى هذا إنْ تحالَفَا فُسخَ العَقدُ ووجَبَ أَجرُ المِثلِ، وكذلك الحُكمُ إنْ اختلَفَا في المَسافةِ فقالَ: «جعَلتُ لك الجُعلَ على ردِّها مِنْ حَلَبَ»، فقالَ: «بل على ردِّها مِنْ حِمصَ»، وإنِ اختلَفَا في عَينِ العَبدِ الذي جُعِلَ الجُعلَ في ردِّه فقالَ: «ردَدتُ العَبدَ الذي شَرطتَ لي الجُعلَ فيه»، قالَ: «بل شَرطتُ لك الجُعلَ في العَبدِ الذي لَم ترُدَّه»، فالقَولُ قَولُ المالِكِ لأنَّه أَعلمُ بشَرطِه ولأنَّه ادَّعى عليه شَرطًا في هذا العَقدِ فأنكَرَه والأَصلُ عدمُ الشَّرطِ (١).
стр. 7881
إذا كانَت اللُّقطةُ بيدِ إِنسانٍ فجعَلَ له مالِكُها جُعلاً ليَردَّها:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ الإِنسانَ إذا وجَدَ ضالَّةَ أو لُقطةَ آخرَ ثُم جعَلَ صاحِبُها لمَن وجَدَها جُعلًا أنَّه لا يَستحقُّه؛ لأنَّه يَجبُ عليه أنْ يَردَّه إليه.
قالَ الحطابُ ﵀: قالَ في «النَّوادرِ» في كِتابِ الجُعلِ والإِجارةِ: وإنَّما يَجوزُ الجُعلُ على طلبِ عبدٍ يَجهلُ مُكانَه.
فأمَّا مَنْ وجَدَ آبِقًا أو ضالًا أو ثِيابًا فلا يَجوزُ له أَخذُ الجُعلِ على ردِّه ولا على أنْ يَدلَّ على مَكانِه، بل ذلك واجِبٌ عليه (١).
وقالَ التُّسوليُّ ﵀ في «البَهجة في شَرحِ التُّحفة»: مَنْ سُرقَ له شَيءٌ أو ضاعَ له مَثلًا فالتزَمَ رَبُّه الجُعلَ المُسمَّى بالبِشارةِ اليومَ، فإنَّه يَجوزُ ذلك الالتِزامُ ويُقضى للمُبشَّرِ بأَخذِه بشَرطينِ:
أنْ يَلتزمَ له ذلك قبلَ وُجودِ المَسروقِ ونَحوِه، وأنْ يَكونَ مَكانُه مَجهولًا، فمَن وجَدَ الآبِقَ أو المَسروقَ أو علِمَ مَكانَهما ثُم جاءَ إلى ربَّه، فطلَبَ أنْ يَلتزمَ له بالبِشارةِ على ردِّه أو على الدَّلالةِ على مكانِه فلا جُعلَ له وإنْ قبَضَه ردَّه، قالَ في العَملياتِ:
وخُذْ بِشارةً بجُعلٍ جعلا … قبلَ الوُجودِ والمَكانِ جهلا
стр. 7882
انظُرِ الأَنقالَ على ذلك في شَرحِه، لكنْ ذكَرَ أَبو العَباسِ المَلويُّ في بعضِ تَقاييدِه ونحوِه في شَرحِ العَملِ المَذكورِ أنَّ بعضَ قُضاةِ فاسٍ أَفتَى بوُجوبِ الحُكمِ بالبِشارةِ مُطلقًا مُراعاةً للمَصالحِ العامَّةِ وخَوفًا مِنْ ضَياعِ أَموالِ المُسلِمينَ بكِتمانِ الضَّوالِّ والمَسروقِ. قالَ: وقد نصَّ العُلماءُ على أنَّ الفَتوى دائرَةٌ على مُقتَضى الحالِ وحيثُ أُخذَت البِشارةُ مِنْ المَسروقِ له، فإنَّه يَرجعُ بها على السارِقِ؛ لأنَّه ظالِمٌ تَسبَّبَ في إِغرامِ ربِّ البِشارةِ. قُلتُ: وهذه الفَتوى جارِيةٌ على ما تَقدَّمَ عن ابنِ سِراجٍ وغيرِه مِنْ رَعيِ المَصالحِ وعلى مُقتضاها عامَّةُ المُسلمينَ اليَومَ فلا يَستطيعُ أنْ يَردَّهم عن كِتمانِ الضَّوالِّ رادٌّ إنْ لَم يَأخذُوا البِشارةَ واللهُ أَعلمُ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: وإنْ كانَت الضالَّةُ بيدِ إِنسانٍ فجعَلَ له مالِكُها جُعلًا ليَردَّها لَم يبُحْ له أَخذُه؛ لأنَّه يَجبُ عليه أنْ يَردَّها عليه (٢).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةُ: قالَ: وإنْ كانَ التقَطَها قبلَ ذلك فرَدَّها لعِلةِ الجُعلِ لَم يَجزْ له أَخذُه.
إنَّما كانَ كذلك لأنَّه إذا التقَطَها قبلَ أنْ يَبلُغَه الجُعلُ فقد التَقطَها بغيرِ عوضٍ وعملَ في مالِ غيرِه بغيرِ جُعلٍ، فلا يَستحقُّ شَيئًا كما لو التقَطَها ولَم يَجعلْ رَبُّها فيها شَيئُا وفارَقَ المُلتقِطَ بعدَ بُلوغِه الجُعلَ فإنَّه إنَّما بذَلَ منافِعَه بعِوضٍ جُعلَ له فاستَحقَّه كالأَجيرِ إذا عمِلَ بعدَ العَقدِ وسَواءٌ كانَ التِقاطُه
стр. 7883
لها بعدَ الجُعلِ أو قبلَه لمَا ذكَرْنا، ولا يَستحقُّ أَخذَ الجُعلِ برَدِّها لأنَّ الردَّ واجِبٌ عليه مِنْ غيرِ عِوضٍ فلَم يَجزْ أَخذُ العِوضِ عن الواجِبِ كسائِرِ الواجِباتِ، وإنَّما يَأخذُه المُلتقِطُ في مَوضعٍ يَجوزُ له أَخذُه عِوضًا عن الالتِقاطِ المُباحِ.
إذا ثبَتَ هذا فإنَّ مُلتقِطَها قبلَ أنْ يَبلغَه الجُعلُ لا يَستحقُّ شَيئًا سَواءٌ ردَّها لعِلةِ الجُعلِ أو غيرِه لأنَّه إذا لَم يَستحقَّه معَ قَصدِ إِياه وعَملِه مِنْ أَجلِه فلأنْ لا يَستحقَّه معَ عدمِ ذلك أَولى وإنَّما ذكَرَ الخرقِيُّ ردَّها لعِلةِ الجُعلِ إنْ شاءَ اللهُ ليُنبِّه به على عَدمِ استِحقاقِه فيما إذا ردَّها لغيرِ علتِه ولأنَّ الحاجَةَ إنَّما تَدعُو إلى مَعرفةِ الحُكمِ فيمَن يُريدُ الجُعلَ، أمَّا مَنْ ترَكَه ولا يُريدُه فلا يَقعُ التَّنازعُ فيه غالِبًا واللهُ أَعلمُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو قالَ: «مَنْ ردَّ مالِي فله كذا» فرَدَّه مَنْ كانَ في يدِه نُظرَ:
إنْ كانَ في ردِّه كُلفةٌ كالآبِقِ استحَقَّ الجُعلَ، وإنْ لَم يَكنْ كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ فلا؛ لأنَّ ما لا كُلفةَ فيه لا يُقابَلُ بالعِوضِ.
ولو قالَ: مَنْ دلَّني على مالِي فله كذا فدلَّه مَنْ المالُ في يدِه لَم يَستحقَّ شَيئًا؛ لأنَّ ذلك واجِبٌ عليه شَرعًا فلا يَأخذُ عليه عِوضًا.
وإنْ كانَ في يدِ غيرِه فدلَّه عليه استَحقَّ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه يَلحقُه مَشقةٌ بالبَحثِ عنه (٢).
стр. 7884
تَعريفُ اللُّقطةِ:
الكَلامُ في تَعريفِ اللُّقطةِ يَشملُ سِتةَ مَسائلَ:
المَسألةُ الأُولى: حُكمُ تَعريفِ اللُّقطةِ:
تَعريفُ اللُّقطةِ لا يَخلو مِنْ أَمرينِ:
الأَمرُ الأَولُ: أنْ يَلتقطَها للتَّملُّكِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ المُلتقِطَ إذا التَقطَ اللُّقطةَ للتَّملُّكِ وجَبَ عليه تَعريفُها؛ لما رواه مسلم عن زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ عن رسول اللّهِ ﷺ أنَّهُ قال: «مَنْ آوى ضالَّةً فهُوَ ضالٌّ ما لم يُعرِّفْهَا» (١). فقُيِّدَ الضَّلالُ بعدَمِ التَّعريفِ، ولأنَّه إذا التَقطَها فلَم يُعرِّفْها فقد أَضرَّ بصاحِبِها وصارَ سببًا في تَضليلِه عنها فكانَ مُخطئًا ضالًّا عن الحقِّ (٢).
الأَمرُ الثانِي: أنْ يَلتقطَها ليَحفظَها على مالِكِها:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَعريفِ اللُّقطةِ إذا أخَذَها ليَحفظَها على صاحِبِها؛ هل يَجبُ عليه التَّعريفُ أم لا؟
стр. 7885
فذهَبَ الأَكثرونَ مِنْ الشافِعيةِ إلى أنَّه إذا أخَذَها ليَحفظَها على ربِّها أبدًا ولا يَتملكَها لَم يَجبْ عليه التَّعريفُ؛ لأنَّ الشَّرعَ إنَّما أَوجَبَه لَمَّا جعَلَ له التَّملكَ بعدَه، ولأنَّ مالِكَها يَنشدُها فيَعلمُ به آخِذُها للحِفظِ.
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ رجَّحَه النَّوويُّ وغيرُه والحنابلةُ إلى أنَّه يَجبُ على المُلتقِطِ أنْ يُعرِّفَ اللُّقطةَ؛ لِما رَواه مُسلمٌ عن زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ أنَّه قالَ: «مَنْ آوَى ضالةً فهو ضالٌّ ما لَم يُعرِّفْها» (١).
قالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: هذا دَليلٌ للمَذهَبِ المُختارِ أنَّه يَلزمُه تَعريفُ اللُّقطةِ مُطلقًا، سَواءٌ أرادَ تَملُّكَها أو حِفظَها على صاحِبِها، وهذا هو الصَّحيحُ (٢).
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بالتَّعريفِ ولَم يُفرِّقْ بينَ مَنْ أخَذَها ليَمتلكَها وبينَ مَنْ أخَذَها ليَحفظَها على صاحِبِها، ولأنَّ حِفظَها لصاحِبِها إنَّما يُقيَّدُ باتِّصالِها إليه وطَريقةِ التَّعريفِ، أمَّا بَقاؤُها في يدِ المُلتقِطِ مِنْ غيرِ وُصولِها إلى صاحِبِها فهو وهَلاكُها سِيانِ، ولأنَّ إِمساكَها مِنْ غيرِ تَعريفٍ تَضييعٌ لها عن صاحِبِها فلَم يَجزْ كردِّها إلى مَوضعِها أو إِلقائِها في غيرِه، ولأنَّه لو لَم يَجبِ التَّعريفُ لمَا جازَ الالتِقاطُ؛ لأنَّ بَقاءَها في مَكانِها إذًا أَقربُ إلى وُصولِها إلى صاحِبِها إمَّا بأنْ يَطلبَها في المَوضعِ الذي ضاعَت فيه
стр. 7886
فيَجدَها، وإمَّا بأنْ يَجدَها مَنْ يَعرفُها، وأَخذُه لها يُفوِّت الأَمرينَ فيَحرُمُ، فلمَّا جازَ الالتِقاطُ وجَبَ التَّعريفُ كيلا يَحصلَ هذا الضَّررُ، ولأنَّ التَّعريفَ واجِبٌ على مَنْ أَرادَ تَملُّكَها فكذلك على مَنْ أَرادَ حِفظَها، فإنَّ التَّمليكَ غيرُ واجبِ فلا تَجبُ الوَسيلةُ إليه، فيَلزمُ أنْ يَكونَ الوُجوبُ في المَحلِّ المُتفَقِّ عليه لصِيانتِها عن الضَّياعِ عن صاحِبِها، وهذا مَوجودٌ في مَحلِّ النِّزاعِ.
وأمَّا كَونُ مالِكُها ينَشدُها فيَعلمُ به آخِذُها للحفِظِ، فأُجيبَ عليه بأنَّها قد تَسقطُ مِنْ عابِرِ سَبيلٍ ومِمَّن لا يُمكنُه ذلك لعارِضِ مَرضٍ أو جُنونٍ أو حَبسٍ أو مَوتٍ أو غيرِها (١).
لكنْ يُستَثنى مِنْ التَّعريفِ ما لو كانَ السُّلطانُ ظالِمًا، بحيثُ يَعلمُ أو يَغلبُ على الظنِّ أنَّه إذا عرَّفَها أخَذَها، فلا يَجوزُ التَّعريفُ حينَئذٍ بل تَكونُ أَمانةً في يدِه، وهل يَتملكُها بعدَ السَّنةِ؟ فيه قَولانِ للشافِعيةِ (٢).
стр. 7887
المَسألةُ الثانِيةُ: قَدرُ تَعريفِ اللُّقطةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ اللُّقطةَ إذا كانَت ذا بالٍ ولها قِيمةٌ تَبلغُ عَشرةَ دَراهمَ فصاعِدًا وجَبَ تَعريفُها حَولًا كامِلًا لخَبَرِ الصَّحيحينِ عن زَيدِ بنِ خالدٍ الجُهنِيِّ ﵁ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فسأَلَه عن اللُّقطةِ فقالَ: «اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثُم عرِّفْها سَنةً فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلا فشَأنَك بها»، قالَ: فضالَّةُ الغَنمِ، قالَ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ»، قالَ فضالَّةُ الإِبلِ قالَ: «ما لك ولها معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها تَرِدُ الماءَ وتَأكلُ الشَّجرَ حتى يَلقاها رَبُّها» (١).
فالنَّبيُّ ﷺ أمَرَه بعامٍ واحِدٍ، ولأنَّ السَّنةَ لا تَتأخرُ عنها القَوافلُ ويَمضِي فيها الزَّمانُ الذي تُقصَدُ فيه البِلادُ مِنْ الحَرِّ والبَردِ والاعتِدالِ فصَلُحَت قَدرًا كمُدةِ أَجلِ العِنِّينِ.
ولأنَّ مَنْ ضاعَ مِنه شيءٌ .. ربَّما لَم يَتمكنْ مِنْ طَلبِه في الحالِ لشُغلٍ، أو لأنَّه لَم يَعلمْ إلا بعدَ زَمنٍ، أو لبُعدِه عن المَوضعِ الذي ضاعَ فيه، فلَم يَكنْ بدٌّ مِنْ مُدةٍ، فقُدِّرَت بسَنةٍ؛ لأنَّه يَمرُّ فيها الفُصولُ الأَربعةُ، ولأنَّ الغالِبَ ممَّن ضاعَ مِنه شيءٌ أنَّه يَتمكنُ مِنْ طَلبِه في سَنةٍ، فإذا لَم يوجَدْ له مالِكٌ .. فالظاهِرُ أنَّه لا مالِكَ له.
стр. 7888
ولأنَّه لو لَم يُعرِّفْ سَنةً لضاعَت الأَموالُ على أَربابِها، ولو جعَلَ التَّعريفَ أَبدًا لامتَنعَ النَّاسُ مِنْ الالتِقاطِ، فكأنَّ في السَّنةِ نَظرًا للفَريقينِ معًا (١).
قالَ العِمرانِيُّ ﵀: فإنْ قيلَ: فقد رُويَ «عن أُبيِّ بنِ كعبٍ: أنَّه قالَ: وجَدتُ صُرةً فيها مِائةُ دِينارٍ فأتَيتُ بها النَّبيَّ ﷺ ، فقالَ: «عرِّفْها حَولًا» فعرَّفتُها، ثُم أتَيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقالَ: «عرِّفْها حَولًا»، ثُم أتَيتُه فقالَ: «عرِّفْها حَولًا» فأمَرَه بتَعريفِها ثَلاثةَ أَحوالٍ»؟
قُلنا: عن ذلك أَجوِبةٌ:
أحدُها: أنَّ ابنَ المُنذِرِ قالَ: قد ثبَتَ الإِجماعُ بخِلافِ هذا الحَديثِ، فيُستدَلُّ بالإِجماعِ على نَسخِه.
وأيضًا فإنَّ له ثَلاثةَ تَأويلاتٍ:
أحدُها: أنَّه عرَّفَها حَولًا وقصَّرَ في تَعريفِها فأمَرَه أنْ يُعيدَ التَّعريفَ، فعرَّفَها حَولًا آخرَ وقصَّرَ في التَّعريفِ فأمَرَه أنْ يَأتيَ بالتَّعريفِ الكامِلِ حَولًا.
стр. 7889
والتَّأويلُ الثانِي: أنَّه ذكَرَ ذلك لَفظًا فقالَ: «عرِّفْها حَولًا»، «عرِّفْها حَولًا»، «عرِّفْها حولًا»، لا أنَّه كرَّرَ الأَحوالَ.
والثالِثُ: أنَّه أمَرَه بتَعريفِها حَولًا، فأَتاه في بعضِ الحَولِ، فقالَ: «عرِّفْها حَولًا» أي: تمِّمْ الحَولَ، ثُم أَتاه قبلَ إِتمامِه أيضًا، فقالَ: «عرِّفْها حَولًا» أي: تمِّمْ الحَولَ (١).
قَليلُ اللُّقطةِ هل يُعرَّفُ سَنةً ككَثيرِها؟
اللُّقطةُ إذا كانَت يَسيرةً لا تَتبعُها النَّفسُ كالتَّمرةِ والكِسرةِ والخِرقةِ وما لا خَطرَ له فلا بَأسَ بأَخذِه والانتِفاعِ به مِنْ غيرِ تَعريفٍ؛ لمَا رُويَ عن جابِرِ ابنِ عبدِ اللَّهِ ﵄ قالَ: «رخَّصَ لنا رَسولُ اللَّهِ ﷺ في العصَا والسَّوطِ والحَبلِ وأَشباهِه يَلتقطُه الرَّجلُ يَنتفعُ به» (٢).
ولمَا رَواه أَنسُ ﵁ أنَّه قالَ: مرَّ النبِيُّ ﷺ بتَمرةٍ في الطَّريقِ قالَ: «لولا أنِّي أَخافُ أنْ تكونَ مِنْ الصَّدقةِ لأكَلتُها» (٣). فدلَّ هذا الحَديثُ على إِباحةِ الشيءِ التافِهِ المُلتقَطِ، وأنَّه مَعفوٌّ عنه وخارِجٌ مِنْ حُكمِ اللُّقطةِ؛ لأنَّ صاحِبَه لا يَطلبُه، فلذلك استَحلَّ النبِيُّ ﷺ أَكلَ التَّمرةِ لولا شُبهةُ الصَّدقةِ.
стр. 7890
قالَ ابنُ قدامةَ ﵀: ولا نَعلمُ خِلافًا بينَ أَهلِ العِلمِ في إِباحةِ أَخذِ اليَسيرِ والانتِفاعِ به، وقد رُويَ ذلك عن عُمرَ وعَليٍّ وابنِ عُمرَ وعائِشةَ، وبه قالَ عَطاءٌ وجابِرُ بنُ زَيدٍ وطاوُسٌ والنَّخَعيُّ ويَحيى بنُ أَبي كَثيرٍ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأَصحابُ الرَّأيِ (١).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: وفيه -أي الحَديثُ- أنَّ التَمرةَ ونحوَها مِنْ مُحقَّراتِ الأَموالِ لا يَجبُ تَعريفُها، بل يُباحُ أَكلُها والتَّصرفُ فيها في الحالِ؛ لأنَّه ﷺ إنَّما ترَكَها خَشيةَ أنْ تَكونَ مِنْ الصَّدقةِ لا لكَونِها لُقطةً، وهذا الحُكمُ مُتفَقٌ عليه، وعلَّلَه أَصحابُنا وغيرُهم بأنَّ صاحِبَها في العادَةِ لا يَطلبُها ولا يَبقى له فيها مَطمعٌ واللهُ أَعلمُ (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ الهُمامِ ﵀: وإنْ كانَت اللُّقطةُ شيئًا يُعلَمُ أنَّ صاحِبَها لا يَطلبُه كالنَّواةِ وقُشورِ الرُّمانِ يَكونُ إِلقاؤُه إِباحةً، فيَجوزُ الانتِفاعُ بها للواجِدِ بلا تَعريفٍ، وعنه ﷺ أنَّه رَأى تَمرةً في الطَّريقِ فقالَ: «لَولا أَخشى أنْ تَكونَ مِنْ تَمرِ الصَّدقةِ لأكَلتُها». ولا يُعلَمُ فيه خِلافٌ بينَ العُلماءِ، ولكنْ تَبقى على مِلكِ مالِكِها حتى إذا وجَدَها في يدِه له أَخذُها؛ لأنَّ الإِباحةَ لا تُخرِجُه عن مُلكِ مالِكِه، وإنَّما إِلقاؤُها إِباحةٌ لا تَمليكٌ؛ لأنَّ التَّمليكَ مِنْ المَجهولِ لا يَصحُّ (٣).
стр. 7891
وقالَ الإِمامُ أَبو بكرِ بنُ المُنذرِ ﵀: واختلَفُوا فيما يُفعلُ باللُّقطةِ اليَسيرةِ.
فرخَّصَت فِرقةٌ في أَخذِها والانتِفاعِ بها، فمِمَّن رَوَينا ذلك عنه عُمرُ بنُ الخَطابِ وعليُّ بنُ أَبي طالِبٍ وابنُ عُمرَ وعائِشةُ ﵃، وعطاءُ بنُ أَبي رباحٍ وطاوُسٌ وجابِرُ بنُ زَيدٍ والنُّخَعيُّ ويَحيى بنُ أَبي كَثيرٍ.
وقالَ الحَسنُ بنُ صالِحٍ: تُعرَّفُ العَشرةُ الدَّراهمُ السَّنةَ، وما دونَ العَشرةِ يُعرِّفُها ثَلاثةَ أَيامٍ.
وقالَ الثَّوريُّ في الدَّراهمِ: يُعرِّفُه أَربعًا.
وقالَ أَحمدُ: يُعرِّفُه سَنةً.
وقالَ إِسحاقُ: ما دُونَ الدِّينارِ يُعرِّفُه جمعةً أو نحوَها.
وأَوجَبَت طائِفةٌ تَعريفَ قَليلِ اللُّقطةِ وكَثيرِها، هذا قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ.
وقالَ أَحمدُ: يُعرَّفُ كلُّ شيءٍ إلا ما لا قِيمةَ له، وبه قالَ إِسحاقُ، وهذا اختِلافٌ مِنْ قَولِ إِسحاقَ.
وقالَ مالِكٌ في الفَلسِ والقُرصِ والجَوزةِ: يَتصدَّقُ به مِنْ يَومِه.
قالَ أَبو بَكرٍ: يُعرَّفُ قَليلُ اللُّقطةِ وكَثيرُها على ظاهِرِ قَولِ النبِيِّ ﷺ : «عرِّفْها سَنةً». ولا يَجوزُ أنْ يَستثنيَ مِنْ أَخبارِ رَسولِ اللهِ ﷺ إلا بخَبرٍ مِثلِه.
وقد رَأى رَسولُ اللهِ ﷺ تَمرةً فقالَ: «لَولا أنْ تَكونَ صَدقةً لأكَلتُها» فالتَّمرةُ مُستثناةٌ مِنْ جُملةِ اللُّقطةِ، وما كانِ في مَعناها.
стр. 7892
ونَستعمِلُ في سَائرِ اللُّقطةِ ما سنَّه رَسولُ اللهِ ﷺ (١).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا في تَحديدِ اليَسيرِ الذي لا يُعرَّفُ أو الذي يُعرَّفُ مُدةً أَقلَ مِنْ سَنةٍ.
فقالَ الحَنفيةُ: تَعريفُ اللُّقطةِ يَختلفُ بقَدرِها، فإنْ كانَ شيئًا له قِيمةٌ تَبلغُ عَشرةَ دَراهمَ عرَّفَه حَولًا كما تقدَّمَ.
وإنْ كانَ شيئًا أَقلَ مِنْ عَشرةِ دراهمَ يُعرِّفُه أَيامًا على قَدرِ ما يَرى المُلتقِطُ بحيثُ يَغلبُ على ظنِّه أنَّ صاحِبَها لا يَطلبُها بَعدَها، وهذه رِوايةٌ عن أَبي حَنيفةَ.
ورَوى الحَسن بنُ زِيادٍ عن أَبي حَنيفةَ أنَّه قالَ: التَّعريفُ على خَطرِ المالِ إنْ كانَ مِائةً ونَحوَها عرَّفَها سَنةً، وإنْ كانَ عَشرةً ونحوَها عرَّفَها شَهرًا، وإنْ كانَ ثَلاثةً ونحوَها عرَّفَها جمُعةً -أو قالَ: عَشرةً-، وإنْ كانَ دِرهمًا ونحوَه عرَّفَه ثَلاثةَ أَيامٍ، وإنْ كانَ دانقًا ونحوَه عرَّفَه يَومًا، وإنْ كانَ تَمرةً أو كِسرةً تصدَّقَ بها.
وقيلَ: إنَّ هذه المَقاديرَ كلَّها ليسَت بلازِمةٍ، وإنَّما يُعرِّفُها مُدةً يَقعُ بها التَّعريفُ بأنْ يَغلبَ على ظنِّه أنَّ صاحِبَها لا يَطلبُها بعدَ ذلك وعليه الفَتوَى (٢).
стр. 7893
وقالَ المالِكيةُ: المالُ المُلتقَطُ ثَلاثةُ أَنواعٍ:
١ - إما تافِهٌ وهو ما دونَ الدِّرهمِ فهذا لا يُعرَّفُ أَصلًا.
٢ - وإما كَثيرٌ له بالٌ وهو ما فَوقَ الدِّينارِ فهذا يُعرَّفُ سَنةً.
٣ - وإما فَوقَ التافِهِ ودُونَ الكَثيرِ الذي له بالٌ وهو الدِّينارُ فأَقلُّ إلى الدِّرهمِ فهذا يُعرَّفُ أَيامًا حتى يَغلبَ على الظنِّ أنَّ صاحِبَه ترَكَه، وللمُلتقِطِ التَّصرفُ فيه بعدَ تلك الأَيامِ لا على بَعدِ سَنةٍ، وقيلَ: يُعرَّفُ هذا سَنةً أيضًا، والأَولُ الرَّاجحُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ في الأَصحِّ: المالُ الحَقيرُ أي القَليلُ المُتموَّلُ ولا يُقدَّرُ بشيءٍ في الأَصحِّ بل ما هو ما يَغلبُ على الظنِّ أنَّ فاقِدَه لا يُكثرُ أَسفُه عليه ولا يَطولُ طَلبُه له غالبًا؛ لأنَّ ذلك دَليلٌ على حَقارتِه، وقُدِّرَ بالدِّينارٍ وقُدِّرَ بالدِّرهمِ، والأَصحُّ أنَّه لا يُقدَّرُ بشيءٍ لا يُعرَّفُ سَنةً؛ لأنَّ فاقِدَه لا يَدومُ على طلبِه سَنةً بخِلافِ الخَطيرِ، بل الأَصحُّ أنَّه لا يَلزمُه أنْ يُعرِّفَه إلا زَمنًا يُظَنُّ أنَّ فاقِدَه يُعرضُ عنه بعدَه غالبًا، فإذا غلَبَ على الظنِّ إِعراضُه سقَطَ تَعريفُه، ويَختلفُ ذلك باختِلافِ المالِ، فدَانقُ الفِضةِ يُعرَّفُ في الحالِ، ودَانقُ الذَّهبِ ثَلاثةَ أَيامٍ.
стр. 7894
والثانِي مُقابلُ الأَصحِّ يُعرَّفُ سَنةً؛ لعُمومِ الأَخبارِ، ولأنَّها جِهةٌ مِنْ جِهاتِ التَّملكِ فاستَوَى فيها القَليلُ والكَثيرُ (١).
أمَّا الحَنابِلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وليسَ عن أَحمدَ وأَكثرَ مَنْ ذكَرْنا تَحديدُ اليَسيرِ الذي يُباحُ، وقالَ مالِكٌ وأَبو حَنيفةَ: لا يَجبُ تَعريفُ ما لا يُقطَعُ به السارِقُ وهو رُبعُ دِينارٍ عندَ مالِكٍ وعَشرةُ دَراهمَ عندَ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّ ما دونَ ذلك تافِهٌ فلا يَجبُ تَعريفُه كالكِسرةِ والتَّمرةِ؛ والدَّليلُ على أنَّه تافهٌ قولُ عائِشةَ ﵂: «كانُوا لا يَقطعونَ في الشيءِ التافِهِ». ورُويَ عن عليٍّ ﵁ أنَّه وجَدَ دِينارًا فتصرَّفَ فيه، ورَوى الجَوزجانِيُّ عن سَلمى بنتِ كَعبٍ قالَت: «وجَدتُ خاتِمًا مِنْ ذَهبٍ في طَريقِ مَكةَ فسأَلتُ عائِشةَ عنه فقالَت: تَمتَّعي به».
ورَوى أَبو داودُ بإِسنادِه عن جابِرٍ قالَ: «رخَّصَ لنا رَسولُ اللهِ ﷺ في العَصاءِ والسَّوطِ والحَبلِ وأَشباهِه يَلتقطُه الرَّجلُ يَنتفعُ به». والحَبلُ قد تَكونُ قيمَتُه دَراهمَ.
وعن ابنِ ماجَه بإِسنادِه عن سُويدِ بنِ غَفَلةٍ قالَ: «خرَجتُ معَ سَلمانَ بنِ رَبيعةَ وزَيدِ بنِ صَوحانَ حتى إذا كُنا بالعذَيبِ التقَطتُ سَوطًا فقالَا لي: أَلقِه، فأبَيتُ، حتى قدِمْنا المَدينةَ أتَيتُ أُبيَّ بنَ كَعبٍ فذكَرتُ ذلك له فقالَ: أصَبتَ»، قالَ التِّرمذيُّ: هذا حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ، وللشافِعيةُ ثَلاثةُ أَوجهٍ كالمَذاهبِ الثَّلاثةِ.
стр. 7895
ولَنا: على إِبطالِ تَحديدِه بما ذكَرُوه أنَّ حَديثَ زَيدِ بنِ خالِدٍ عامٌّ في كلِّ لُقطةٍ فيَجبُ إِبقاؤُه على عُمومِه إلا ما خرَجَ مِنه بالدَّليلِ، ولَم يَردْ بما ذكَرُوه نَصٌّ ولا هو في مَعنى ما ورَدَ النصُّ به، ولأنَّ التَّحديدَ والتَّقديرَ لا يُعرَفُ بالقِياسِ وإنَّما يُؤخَذُ مِنْ نصٍّ أو إِجماعٍ، وليسَ فيما ذكَرُوه نصٌّ ولا إِجماعٌّ، وأمَّا حَديثُ عليٍّ فهو ضَعيفٌ رَواه أَبو داودَ وقالَ: طُرقُه كلُّها مُضطرِبةٌ، ثُم هو مُخالِفٌ لمَذهبِهم ولسائِرِ المَذاهبِ فتَعينَ حَملُه على وجهٍ مِنْ الوُجوهِ غيرِ اللُّقطةِ، إمَّا لكونِه مُضطرًّا إليه أو غيرِ ذلك.
وحَديثُ عائِشةَ قَضيةٌ في عَينِ لا يُدرى كم قَدرُ الخاتَمِ، ثُم هو قَولُ صَحابيٍّ وكذا حَديثُ عَليٍّ، وهم لا يَرونَ ذلك حُجةً، وسائِرُ الأَحاديثِ ليسَ فيها تَقديرٌ، لكنْ يُباحُ أَخذُ ما ذكَرَه النبِيُّ ﷺ ، وخصَّ في أَخذِه مِنْ السَّوطِ والعَصا والحَبلِ وما في قيمَةِ ذلك، وقدَّرَه الشَّيخُ أَبو الفَرجِ في كِتابِه بما دُونَ القِيراطِ، ولا يَصحُّ تَحديدُه لمَا ذكَرْنا (١).
وقالَ ابنُ مُفلحٍ: وفي المُغنِي: ليسَ عن أَحمدَ تَحديدُ اليَسيرِ الذي يُباحُ والمَعروفُ في المَذهبِ تَقييدُه بما لا تَتبعُه هِمةُ أَوساطِ النَّاسِ ولو كثُرَ، ونصَّ في رِوايةِ أَبي بكرِ بنِ صَدقةَ أنَّه يُعرِّفُ الدِّرهمَ، وقالَ ابنُ عَقيلَ: لا يَجبُ تَعريفُ الدانِقِ، وحمَلَه في التَّلخيصِ على دانِقِ الذَّهبِ نَظرًا لعُرفِ العِراقِ، وعنه يَلزمُه تَعريفُ اليَسيرِ، وقيلَ مُدةَ يُظنُّ طَلبُ ربِّه له، ولا يَلزمُه دَفعُ بَدلِه خِلافًا للتَّبصرةِ، وقيلَ لأَحمدَ في الثَّمرةِ يَجدُها أو يُلقيها عُصفورٌ
стр. 7896
أيَأكلُها؟ قالَ: لا، قالَ: يَتصدَّقُ؟ قالَ: لا يَعرِضُ لها، نقَلَه أَبو طالِبٍ، واختارَه عبدُ الوَهابِ الورَّاقُ (١).
وقالَ المَرداويُّ ﵀: ما لا تَتبعُه الهِمةُ يَعني هِمةَ أَوساطِ النَّاسِ ولو كثُرَ، وهذا المَذهبُ وعليه جَماهيرُ الأَصحابِ، وجزَمَ به في «الوَجيز» وغيرِه، وقدَّمَه في «الفُروع» وغيرِه، ومثَّلَه المُصنَّفُ بالسَّوطِ والشَّسْعِ والرَّغيفِ.
ومثَّلَه في «الإِرشاد و «تَذكِرة ابنِ عَقيلٍ» و «الهِداية» و «المُذهَب» و «المُستوعِب» وجَماعةٌ بالتَّمرةِ والكِسرةِ وشِسْعِ النَّعلِ وما أَشبهَه.
ومثَّله في «المُغني» بالعَصا والحَبلِ وما قِيمتُه كقِيمةِ ذلك.
قالَ الحارِثيُّ: ما لا تَتبعُه الهِمةُ، نصَّ الإِمامُ أَحمدُ ﵀ في رِوايةِ عبدِ اللهِ وحَنبلٍ أنَّه ما كانَ مِثلَ التَّمرةِ والكِسرةِ والخِرقةِ وما لا خَطرَ له فلا بَأسَ.
وقالَ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ: الذي يُعرَّفُ مِنْ اللُّقطةِ كلُّ شيءٍ إلا ما لا قِيمةَ له.
وسُئلَ الإِمامُ أَحمدُ ﵀ في رِوايةِ حَربٍ: الرَّجلُ يُصيبُ الشِّسعَ في الطَّريقِ أيَأخذُه؟ قالَ: إذا كانَ جَيدًا مما لا يُطرَحُ مثلُه فلا يُعجبُني أنْ يَأخذَه، وإنْ كانَ رَديئًا قد طرَحَه صاحِبُه فلا بَأسَ.
قالَ الحارِثيُّ: فكَلامُ الإِمامِ أَحمدَ ﵀ لا يُوافِقُ ما قالَ في المُغني، ولا شكَّ أنَّ الحَبلَ والسَّوطَ والرَّغيفَ يَزيدُ على التَّمرةِ والكِسرةِ، قالَ:
стр. 7897
وسائرُ الأَصحابِ على ما قالَ الإِمامُ أَحمدُ ﵀ في ذلك كلِّه، ولا أَعلمُ أَحدًا وافَقَ المُصنفَ إلا أَبا الخَطابِ في الشِّسعِ فقط. انتَهى.
وقيلَ: هو ما دُونَ نِصابِ السَّرقةِ.
قالَ في الكافِي: ويُحتمِلُ أنْ لا يَجبَ تَعريفُ ما لا يُقطَعُ فيه السارِقُ.
وقيلَ: هو ما دُونَ قِيراطٍ مِنْ عَينٍ أو وَرِقِ، اختارَه أَبو الفَرجِ في المبهجِ والإِيضاحِ، وردَّه المُصنِّفُ، وذكَرَ القاضِي وابنُ عَقيلٍ: لا يَجبُ تَعريفُ الدانِقِ.
قالَ الحارِثيُّ: والظاهِرُ أنَّه عَنى دانِقًا مِنْ ذَهبٍ، وكذا قالَ صاحِبُ التَّلخيصِ.
قالَ في «الرِّعاية»: وقيلَ بل ما فَوقَ دانِقِ ذَهبٍ، وقالَ أيضًا: وعنه يُعرِّفُ الدِّرهمُ فأَكثرُ.
فائِدةٌ: لو وجَدَ كَناسٌ أو نَخالٌ أو مُقلِّشٌ قِطعًا صِغارًا مُتفرِّقةً ملَكَها بلا تَعريفٍ وإنْ كَثرَت.
قولُه: فيَملكُ بأَخذِه بلا تَعريفٍ؛ هذا المَذهبُ وعليه الأَصحابُ، ونصَّ عليه الإِمامُ أَحمدُ ﵀.
وعنه: يَلزمُه تَعريفُه، ذكَرَها أَبو الحُسينِ.
وقيلَ: يَلزمُه تَعريفُه مُدةَ يُظنُّ طَلبُ ربِّه له، اختارَه في الرِّعايةِ (١).
стр. 7898
هل التَّعريفُ يَكونُ على الفَورِ أم التَّراخِي؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في التَّعريفِ هل يُشترطُ أنْ يَكونَ على الفَورِ أم الواجِبُ هو تَعريفُ سَنةٍ أيًّا كانَت؟
فذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في الأَصحِّ إلى أنَّه يَجبُ تَعريفُ اللُّقطةِ سَنةً، ولا يُشترطُ أنْ تَكونَ عُقيبَ الالتِقاطِ، فمتى عرَّفَها ولو بعدَ سَنةٍ مِنْ التِقاطِها صَحَّ.
وذهَبَ المالِكيةُ في القَولِ الثانِي والشافِعيةُ في مُقابلِ الصحِّ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجبُ تَعريفُها مِنْ وَقتِ الالتِقاطِ ولا يَجوزُ تَأخيرُ التَّعريفِ، فإنْ أُخِّرَ فتلِفَت ضمَنَها وبَيانُه على هذا التَّفصيلِ.
قالَ المالِكيةُ: يَجبُ تَعريفُ اللُّقطةِ سَنةً، إلا أنَّهم اختلَفُوا على قَولينِ فيما لو أخَّرَ التَّعريفَ، فقالَ بَعضُهم: يَجبُ التَّعريفُ عُقيبَ الالتِقاطِ، فلو أخَّرَ التَّعريفَ ضمِنَ؛ لأنَّ ذلك داعِيةٌ إلى إِياسِ ربِّها فلا يَتعرضُ إلى طَلبِها، فإنْ ترَكَ تَعريفَها حتى طالَ ضمِنَها.
وفي «مُعين الحُكامِ»: فَرعٌ: وإذا أمسَكَ المُلتقِطُ اللُّقطةَ سَنةً ولَم يُعرِّفْها ثُم عرَّفَها في الثانِيةِ فهلَكَت ضمِنَها، وكذلك إنْ هلَكَت في السَّنةِ الأُولَى ضمِنَها إذا تبيَّنَ أنَّ صاحِبَها مِنْ المَوضعِ الذي وُجدَت فيه، وإن كانَ مِنْ غيرِه فغابَ بُقربِ ضَياعِها ولَم يَقدمْ في الوَقتِ الذي ضاعَت فيه لَم يَضمنْ. انتهى
стр. 7899
والثانِي: أنَّه إنْ أخَّرَ التَّعريفَ سَنةً ثُم عرَّفه بعدَ ذلك فهلَكَ ضمِنَها؛ لأنَّ الضَّمانَ إذا ضاعَت حالَ التَّعريفِ إنَّما يَكونُ إذا أخَّرَه سَنةً، وأمَّا إنْ أخَّرَه أَقلَ مِنْ سَنةٍ ثُم شرَعَ في التَّعريفِ فضاعَت فلا ضَمانَ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: المُبادَرةُ بالتَّعريفِ عَقبَ الالتِقاطِ لا تَجبُ على الأَصحِّ، بل المُعتبَرُ تَعريفُ سَنةٍ متى كانَ.
قالَ البَلقينيُّ: مَحلُّ جَوازِ التَّأخيرِ ما لَم يَغلبْ على ظنِّ المُلتقِطِ أنَّه يُفوتُ مَعرفةَ المالِكِ بالتَّأخيرِ، فإنْ غلَبَ على ظنِّه ذلك وجَبَ البِدارُ ولَم يَتعرَّضُوا له.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وهذا ظاهِرٌ، وإذا لَم يُوجبْ المُبادرةَ يَنبغِي كما قالَ بَعضُ المُتأخِّرينَ أنْ يُؤرِّخَ وُجدانَ اللُّقطةِ في تَعريفِه ويُسندَه إلى وَقتِه، حتى يَكونَ ذلك في مُعاوضةِ ما جَرى منَ التَّأخيرِ المَنسيِّ (٢).
وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ التَّعريفَ يَجبُ حَولًا مِنْ حينِ التقَطَها فيُعرِّفُها عُقيبَ الالتِقاطِ في السَنةِ وتَكونُ مُتواليةً في نَفسِها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بتَعريفِها حينَ سُئلَ عنها، والأَمرُ يَقتضي الفَورَ، ولأنَّ القَصدَ بالتَّعريفِ وُصولُ الخبَرِ إلى صاحِبِها، وذلك يَحصلُ بالتَّعريفِ عُقيبَ ضَياعِها مُتواليًا؛
стр. 7900
لأنَّ صاحِبَها في الغالِبِ إنَّما يَتوقَّعُها ويَطلبُها عُقيبَ ضَياعِها، فيَجبُ تَخصيصُ التَّعريفِ به (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ المَقدسيُّ ﵀: إذا أَخرَ التَّعريفَ عن الحَولِ الأوَّلِ معَ إِمكانِه أَثمَ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ به فيه والأَمرُ يَقتضي الوُجوبَ، وقالَ في حَديثِ عِياضِ بنِ حِمارٍ: «لا تَكتمْ ولا تُغيِّبْ». ولأنَّ ذلك وَسيلةٌ إلى أنْ لا يَعرفَها صاحِبُها، فإنَّ الظاهِرَ أنَّه بعدَ الحَولِ يَيأَسُ مِنها ويَسلُو عنها ويَتركَ طلَبَها.
ويَسقُطُ التَّعريفُ بتَأخيرِه عن الحَولِ الأَولِ في المَنصوصِ عن أَحمدَ؛ لأنَّ حِكمةَ التَّعريفِ لا تَحصلُ بعدَ الحَولِ الأَولِ، وإنْ ترَكَه في بعضِ الحَولِ عرَّفَ بَقيتَه.
ويَتخرَّج أنْ لا يَسقطَ التَّعريفُ لتَأخرِه؛ لأنَّه واجِبٌ فلا يَسقطُ بتَأخيرِه عن وَقتِه كالعِباداتِ وسائِرِ الواجِباتِ، ولأنَّ التَّعريفَ في الحَولِ الثانِي يَحصلُ به المَقصودُ على نوعٍ مِنْ القُصورِ فيَجبُ الإِتيانُ به؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا أمَرتُكم بأَمرٍ فأتُوا مِنه ما استَطَعتُم». فعلى هذا إنْ أخَّرَ التَّعريفَ بعضَ الحَولِ أَتى بالتَّعريفِ في بَقيتِه وأَتمَّه مِنْ الحَولِ الثانِي، وعلى كلا القَولينِ لا يَملكُها بالتَّعريفِ فيما عدا الحَولَ الأوَّلَ؛ لأنَّ شَرطَ المُلكِ التَّعريفُ في الحَولِ الأوَّلِ ولَم يُوجدْ.
стр. 7901
وهل له أنْ يَتصدَّقَ بها أو يَحبسَها عندَه أَبدًا؟ على رِوايَتينِ.
ويُحتملُ أنْ يَلزمَه دَفعُها إلى الحاكِمِ، كقَولِنا فيما إذا التَقطَ فيما لا يَجوزُ التِقاطُه.
ولو ترَكَ التَّعريفَ في بعضِ الحَولِ الأوَّلِ لَم يَملكْها أيضًا بالتَّعريفِ فيما بعدَه؛ لأنَّ الشَّرطَ لَم يَكمُلْ، وعَدمُ بعضِ الشَّرطِ كعَدمِ جَميعِه، كما لو أَخلَّ ببَعضِ الطَّهارةِ أو ببَعضِ السُّترةِ في الصَّلاةِ.
فصلُ: وإنْ ترَكَ التَّعريفَ في الحَولِ الأوَّلِ لعَجزِه عنه مثلُ أنْ يَتركَه لمَرضٍ أو حَبسٍ أو نِسيانٍ ونحوِه ففيه وَجهانِ:
أَحدُهما: أنَّ حُكمَه حُكمُ ما لو ترَكَه معَ إِمكانِه؛ لأنَّ تَعريفَه في الحَولِ سَببُ المُلكِ، والحُكمُ يَنتفِي لانتِفاءِ سَببِه، سَواءٌ انتَفَى لعُذرٍ أو غيرِ عُذرٍ.
والثانِي: أنَّه يُعرِّفُه في الحَولِ الثانِي ويَملكُه؛ لأنَّه لَم يُؤخِّر التَّعريفَ عن وَقتِ إِمكانِه، فأشبَه ما لو عرَّفَه في الحَولِ الأوَّلِ (١).
هل السَنةُ تُحسبُ مِنْ حينِ التَّعريفِ أم مِنْ وَقتِ الالتِقاطِ؟
قالَ الشافِعيةُ في الأَصحِّ: لا تَكفي في التَّعريفِ سَنةٌ مُتفرقةٌ بأنْ يُعرِّفَ شَهرينِ مثلًا ويَتركَ شَهرينِ وهكذا؛ لأنَّه إذا فعَلَ هذا لَم تَظهرْ فائِدةُ التَّعريفِ، ولأنَّ المَفهومَ مِنْ السَّنةِ في قَولِ النَّبيِّ ﷺ «عرِّفْها سَنةً» التَّوالِي، كما لو حلَفَ لا يُكلمُ زَيدًا سَنةً، وعلى هذا إذا قطَعَ التَّعريفُ مُدةً وجَبَ الاستِئنافُ من جَديدٍ ولا يَبني.
стр. 7902
وفي مُقابلِ الأَصحِّ وهو اختِيارُ النَّوويِّ أنَّه تَكفي السَّنةُ المُفرَّقةُ في التَّعريفِ؛ لإِطلاقِ الخبَرِ، وكما لو نذَرَ صَومَ سَنةٍ فإنَّه يَجوزُ تَفريقُها.
وعلى هذا لا بدَّ أنْ يُبينَ في التَّعريفِ زَمانَ الوِجدانِ، حتى يَكونَ ذلك في مُقابلةِ ما جَرى مِنْ التَّأخيرِ (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ التَّعريفَ يَجبُ حَولًا مِنْ حينِ التَقطَها فيُعرِّفُها عُقيبَ الالتِقاطِ في السَّنةِ وتَكونُ مُتواليةً في نَفسِها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بتَعريفِها حينِ سُئلَ عنها، والأَمرُ يَقتضي الفَورَ، ولأنَّ القَصدَ بالتَّعريفِ وُصولُ الخبَرِ إلى صاحِبِها، وذلك يَحصُلُ بالتَّعريفِ عُقيبِ ضَياعِها مُتواليًا؛ لأنَّ صاحِبَها في الغالِبِ إنَّما يَتوقعُها ويَطلبُها عُقيبَ ضَياعِها، فيَجبُ تَخصيصُ التَّعريفِ به (٢).
المَسألةُ الثالِثةُ: زَمانُ ووَقتُ تَعريفِ اللُّقطةِ:
نصَّ الفُقهاءُ على أنَّ زَمانَ تَعريفِ اللُّقطةِ النَّهارُ دونَ اللَّيلِ، فيُعرِّفُها المُلتقِطُ نَهارًا لا لَيلًا؛ لأنَّ النَّهارَ مَجمعُ النَّاسِ ومُلتقاهُم دونَ اللَّيلِ، ولأنَّ العادَةَ جرَت بتَعريفِ اللُّقطةِ بالنَّهارِ دونَ اللَّيلِ، ويُستحَبُّ أنْ يُكثرَ مِنه في أَدبارِ الصَّلواتِ؛ لأنَّ النَّاسَ يَجتمِعونَ لها فيتَّصلُ الخبَرُ بمالِكِها.
стр. 7903
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَكونُ ذلك في اليَومِ الذي وجَدَها والأُسبوعُ أَكثرُ؛ لأنَّ الطَّلبَ فيه أَكثرُ، ولا يَجبُ فيما بعدَ ذلك مُتواليًا.
وقد رَوى الجَوزجانِيُّ بإِسنادِه عن مُعاويةَ بنِ عبدِ اللهِ عن زَيدٍ الجُهنيِّ قالَ: «نَزلْنا مُناخَ رَكْبٍ فوجَدتُ خِرقةً فيها قَريبٌ مِنْ مِائةِ دِينارٍ، فجِئتُ بها إلى عُمرَ فقالَ: عرِّفْها ثَلاثةَ أَيامٍ على بابِ المَسجدِ ثُم أَمسكْها حتى قَرنِ السَّنةِ ولا يَفدُ مِنْ رَكبٍ إلا نَشدتَها وقُلتَ: الذَّهبُ بطَريقِ الشَّامِ، ثُم شَأنُك بها» (١).
المَسألةُ الرابِعةُ: مَكانُ تَعريفِ اللُّقطةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ مَكانَ تَعريفِ اللُّقطةِ يَكونُ في مَجامعِ النَّاسِ كالأَسواقِ وأَبوابِ المَساجدِ والجَوامعِ.
قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: التَّعريفُ عندَ جَماعةِ الفُقهاءِ فيما علِمتُ لا يَكونُ إلا في الأَسواقِ وأَبوابِ المَساجدِ ومَواضعِ العامَّةِ واجتِماعِ النَّاسِ (٢).
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا مَكانُ التَّعريفِ فالأَسواقُ وأَبوابُ المَساجدِ؛ لأنَّها مَجمعُ النَّاسِ ومَمرُّهم، فكانَ التَّعريفُ فيها أَسرعَ إلى تَشهيرِ الخبَرِ (٣).
стр. 7904
وقالَ الشِّيرازيُّ ﵀: ويَجبُ أنْ يَكونَ التَّعريفُ في أَوقاتِ اجتِماعِ النَّاسِ كأَوقاتِ الصَّلواتِ وغيرِها وفي المَواضعِ التي يَجتمعُ النَّاسُ فيها كالأَسواقِ وأَبوابِ المَساجدِ؛ لأنَّ المَقصودَ لا يَحصلُ إلا بذلك، ويُكثرُ مِنه في المَوضعِ الذي وجَدَها فيه؛ لأنَّ مَنْ ضاعَ مِنه شيءٌ يَطلبُه في المَوضعِ الذي ضاعَ فيه.
ولا يُعرِّفُها في المَساجدِ؛ لمَا رَوى جابِرٌ قالَ: سمِعَ رَسولُ اللهِ ﷺ رَجلًا يَنشدُ ضالَّةً في المَسجدِ فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : «لا وَجدْتَ». وذلك لأنَّه كانَ يَكرَه أنْ تُرفعَ فيه الأَصواتُ (١).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: التَّعريفُ أنْ يَنشُدَها في المَوضعِ الذي وجَدَها فيه وفي الأَسواقِ وأَبوابِ المَساجدِ ومَواضعِ اجتِماعِ النَّاسِ، فيَقولُ: «مَنْ ضاعَ مِنه شيءٌ؟ مَنْ ضاعَ مِنه حَيوانٌ؟ مَنْ ضاعَ مِنه دَراهمُ؟» ونحوَ
стр. 7905
ذلك، ويُكرِّرُ ذلك بحَسبِ العادَةِ، قالَ أَصحابُنا: فيُعرِّفُها أولًا في كلِّ يَومٍ ثُم في الأُسبوعِ ثُم في أَكثرَ مِنه (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَكانُ التَّعريفِ هو الأَسواقُ وأَبوابُ المَساجدِ والجَوامعِ في الوَقتِ الذي يَجتمِعونَ فيه كأَدبارِ الصَّلواتِ في المَساجدِ وكذلك في مَجامعِ النَّاسِ؛ لأنَّ المَقصودَ إِشاعةُ ذِكرِها وإِظهارُها ليَظهرَ عليها صاحِبُها، فيَجبُ تَحرِّي مَجامعِ النَّاسِ.
ولا يَنشدُها في المَسجدِ؛ لأنَّ المَسجدَ لَم يُبنَ لهذا، وقد رَوى أَبو هُريرةَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «مَنْ سمِعَ رَجلًا يَنشدُ ضالَّةً في المَسجدِ فليَقلْ: لا ردَّها اللهُ عليك، فإنَّ المَساجدَ لَم تُبنَ لهذا» (٢). وأمَرَ عُمرُ واجِدَ اللُّقطةِ بتَعريفِها على بابِ المَسجدِ (٣).
المَسألةُ الخامِسةُ: مَنْ يَتوَلى تَعريفَ اللُّقطةِ وأُجرةُ التَّعريفِ:
نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ أنَّه لا يَجبُ على الإِنسانِ أنْ يَتوَلى التَّعريفَ بنَفسِه، بل يَجوزُ أنْ يُولِّيَ غيرَه التَّعريفَ، وكذا اتَّفقُوا على أنَّ المُلتقِطَ إذا تبَرعَ بالتَّعريفِ فلا رُجوعَ له على المالِكِ، إلا أنَّهم اختلَفُوا إذا كانَت اللُّقطةُ تَحتاجُ إلى مُؤنةٍ في تَعريفِها ولَم يَتبرعْ به، هل تَكونُ الأُجرةُ على المالِكِ
стр. 7906
ربِّ اللُّقطةِ أم على المُلتقِطِ؟ أم تَكونُ عليه إذا كانَ أخَذَها للتَّملُّكِ وعلى ربِّها إنْ أخَذَها للحِفظِ؟
قالَ المالِكيةُ: المُلتقِطُ إذا كانَ مِنْ ذَوي الهَيئاتِ جازَ له أنْ يُعرِّفَها بنَفسِه أو بمَن يَثقُ بأَمانتِه، وإنْ كانَ دونَه في الأَمانةِ أو يَستأجِرُ مِنها مَنْ يُعرِّفُها، وإذا دفَعَها إلى مَنْ يَثقُ به فضاعَت فلا ضَمانَ عليه.
وأمَّا إنْ كانَ مِثلُه يَلي هذا بنفسِه فلا يَدفعُها لمَن يُعرِّفُها ولا يَستأجِرُ مَنْ يُعرِّفُها مِنها، بل يَستأجِرُ مَنْ يُعرِّفُها مِنْ مالِ نَفسِه؛ لأنَّه بالتِقاطِه كالمُلتزمِ لتَعريفِها، فإنْ استَأجَرَ وضاعَت مِنه ضمِنَها، وهذا ما مَشى عليه خَليلٌ، وقد تبِعَ فيه ابنَ الحاجِبِ التَّابعَ فيه ابنَ شاسٍ.
وظاهرُ كَلامِ اللَّخمِيِّ عن ابنِ شَعبانَ أنَّ للمُلتقِطِ أنْ يَدفعَها لمَن يُعرِّفُها بأُجرةٍ مِنها وإنْ كانَ يَلي تَعريفَها بنَفسِه إذا لَم يَلتزمْه.
قالَ المَواقُ: قالَ اللَّخمِيِّ: هو مُخيَّرٌ بينَ أَربعٍ، بينَ أنْ يُعرِّفَها بنَفسِه، أو يَدفعَها إلى السُّلطانِ إذا كانَ عَدلًا وكانَ لا يَتشاغلُ عن تَعريفِها، أو إلى مَأمونٍ يَقومُ مَقامَه فيها، أو يَستأجِرَ عليها مَنْ يُعرِّفُها.
وأَجازَ ابنُ شَعبانَ أنْ يَستأجِرَ مِنها عليها، يُريدُ إذا لَم يَلتزمْ تَعريفَها وكان مِثُله لا يَلي مثلَ ذلك.
ابنُ يُونسَ: قالَ ابنُ القاسِمِ: إذا دفَعَ المُلتقِطُ اللُّقطةَ إلى غيرِه ليُعرِّفَ بها فضاعَت فلا شيءَ على المُلتقِطِ، وقالَه ابنُ نافعٍ عن مالِكِ.
стр. 7907
قالَ ابنُ كِنانةَ: وكذلك لو دفَعَها إليه ليَعملَ بها ما شاءَ.
ابنُ يُونسَ: وهذا بخِلافِ الوَديعةِ التي لَم يَرضَ ربُّها إلا أَمانتَه فلا يَدفعُها لغيرِه إلا مِنْ عُذرٍ (١).
وقالَ العِمرانِيُّ الشافِعيُّ ﵀: وأمَّا مَنْ يَتولَّى التَّعريفَ: فإنَّ الواجِدَ يَتولَّى التَّعريفَ بنَفسِه، وإنْ تَطوَّعَ رَجلٌ بتَعريفِها جازَ، وإنْ لَم يَجدْ مَنْ يَتطوَّعُ عنه بالتَّعريفِ فعليه أنْ يَستأجِرَ مِنْ مالِه مَنْ يُعرِّفُها؛ لأنَّ هذا سَببٌ للتَّملُّكِ، والتَّملُّكُ له، فكانَت الأُجرةُ عليه.
وإنْ دفَعَها المُلتقِطُ إلى القاضِي ليُعرِّفَها القاضِي عنه أو دفَعَها إلى أَمينٍ بأَمرِ القاضِي جازَ، وإنْ دفَعَها إلى أَمينٍ ليُعرِّفَها عنه بغيرِ أَمرِ القاضِي ففيه وَجهانِ، حَكاهما المَسعوديُّ:
أحدُهما: ليسَ له ذلك؛ لأنَّها أَمانةٌ في يدِه فلَم يَكنْ له إِخراجُها مِنْ يدِه بغيرِ إِذنِ المالِكِ والقاضِي مِنْ غيرِ ضَرورةٍ كالوَديعةِ.
والثانِي: له ذلك؛ لأنَّ صاحِبَ الشَّرعِ قد جعَلَه وَليًّا على هذه اللُّقطةِ، فصارَ كتَصرُّفِ الأَبِ في مالِ الابنِ (٢).
قالَ الشافِعيةُ: المُلتقِطُ إمَّا أنْ يَأخذَ اللُّقطةَ للحِفظِ على مالِكِها أَبدًا، وإمَّا أنْ يَأخذَها ليَتملكَها.
стр. 7908
فإنْ أخَذَها ليَحفظَها على مالِكِها فإنَّ مُؤنةَ التَّعريفِ لا تَجبُ عليه، بل يُرتِّبُها القاضِي مِنْ بَيتِ المالِ، فيَرفعُ الأَمرَ إلى القاضِي ليَبذُلَ أُجرتَه مِنْ بَيتِ المالِ أو يَقترضَ على المالِكِ، أو يَأمرَ المُلتقِطَ به ليَرجعَ كما في هَربِ الجمالِ، أو أنْ يَبيعَ بَعضَها فيه؛ لأنَّ القَصدَ بأَخذِها رِعايةُ مَصلحةِ المالِكِ.
وهذا على القَولِ أنَّه يَجبُ التَّعريفُ إذا أخَذَها للحِفظِ على مالِكِها.
وأمَّا على القَولِ الآخرِ أنَّه لا يَجبُ عليه التَّعريفُ إذا أخَذَها للحِفظِ على مالِكِها فالمُلتقِطُ مُتبَرعٌ إنْ عرَّفَ، وللقاضِي أنْ يَأمرَ المَلتقِطَ بصَرفِ المُؤنةِ مِنْ مالِه ليَرجعَ على المالِكِ، أو يَبيعَ بَعضَها إنْ رآه كما لو هرَبَ الجمالُ.
وإنْ أخَذَها للتَّملُّكِ واتصَلَ الأَمرُ بالتَّملُّكِ فمُؤنةُ التَّعريفِ على المُلتقِطِ قَطعًا.
وإنْ ظهَرَ مالِكُها، فهل هي على المُلتقِطِ لقَصدِه التَّملُّكَ أم على المالِكِ لعَودِ الفائِدةِ إليه؟ فيه وَجهانِ، أَصحُّهما أَولُهما: أنَّها على المُلتقِطِ.
ولو قصَدَ الأَمانةَ أولًا ثُم قصَدَ التَّملُّكَ ففيه الوَجهانِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: للمُلتقِطِ أنْ يَتوَلى تَعريفَ اللُّقطةِ بنَفسِه، وله أنْ يَستنيبَ فيه، فإنْ وجَدَ مُتبَرعًا بذلك وإلا إنْ احتاجَ إلى أَجرٍ فهو على المُلتقِطِ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأَصحابُ الرَّأيِ، واختارَ أَبو
стр. 7909
الخَطابِ أنَّه إنْ قصَدَ الحِفظَ لصاحِبِها دونَ تَملُّكِها رجَعَ بالأَجرِ على مالِكِها، وكذلك قالَ ابنُ عَقيلٍ فيما لا يُملكُ بالتَّعريفِ؛ لأنَّه مِنْ مُؤنةِ إِيصالِها إلى صاحِبِها، فكانَ على مالِكِها كأَجرِ مَخزنِها ورَعيِها وتَجفيفِها.
ولنا أنَّ هذا أَجرٌ وَاجبٌ على المُعرِّفِ، فكانَ عليه كما لو قصَدَ تَملُّكَها، ولأنَّه لو ولِيَه بنَفسِه لَم يَكنْ له أَجرٌ على صاحِبِها، فكذلك إذا استَأجرَ عليه لا يَلزمُ صاحِبُها شيءٌ، ولأنَّه سَببٌ لمِلكِها فكانَ على المُلتقِطِ كما لو قصَدَ تَملُّكَها.
وقالَ مالِكٌ: إنْ أَعطى مِنها شيئًا لمَن عرَّفَها فلا غُرمَ عليه، كما لو دفَعَ مِنها شيئًا لمَن جفَّفَها، وقد ذكَرْنا الدَّليلَ على ذلك (١).
وقالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: وأَجرُ المُنادي عليه -أي على المُلتقِطِ- نصَّ عليه؛ لأنَّه سَببٌ فكانَت الأُجرةُ عليه، كما لو اكتَرى شَخصًا يَقطعُ له مُباحًا، فلو توَلى ذلك بنَفسِه فلا شيءَ له.
وقالَ أَبو الخَطابِ: ما لا يُملكُ بالتَّعريفِ وما يُقصدُ حِفظُه لمالِكِه يَرجعُ بالأُجرةِ عليه؛ لأنَّه مِنْ مُؤنةِ إِيصالِها إليه، فكانَ على مالِكِها كأُجرةِ مُخزِّنِها وراعِيها، ونُسبَ في «المُغني» و «الشَّرح» ما لا يُملكُ بالتَّعريفِ إلى ابنِ عَقيلٍ وما يُقصدُ حِفظُه إلى أَبي الخَطابِ، وعندَ الحَلوانِيِّ وابنِه مِنها كمُؤنةِ التَّجفيفِ، وقيلَ مِنها إنْ لَم يَملِكْ، وذكَرَه في «الفُنون» ظَاهرُ كَلامِ أَصحابِنا (٢).
стр. 7910
المَسألةُ السادِسةُ: كَيفيةُ تَعريفِ اللُّقطةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في كَيفيةِ تَعريفِ اللُّقطةِ، هل يَذكرُ جِنسَ اللُّقطةِ أو نَوعَها أو صِنفَها، أم لا يَجوزُ له أنْ يَذكرَ هذا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يَذكرَ جِنسَ اللُّقطةِ فيَقولُ: «مَنْ ضاعَ له دَنانيرُ؟»، وله أنْ يَذكرَ عِفاصَها ووِكاءَها؛ لأنَّ في ذِكرِ الجِنسِ أو النَّوعِ أو العِفاصِ أو الوِكاءِ ما يُؤدِّي إلى انتِشارِ ذلك بينَ النَّاسِ، فيَكونُ أَقربَ إلى الظَّفرِ بالمالِكِ، ولا يَستوفِيها لئلَّا يَتعمدَّها كاذبٌ، فإنْ استَوفَاها حرُمَ عليه، وهل يَضمنُها؟ قَولانِ عندَ الشافِعيةِ: أَصحُّهما: يَضمنُها؛ لأنَّه قد يَرفعُه إلى مَنْ يَلزمُه الدَّفعُ بالصِّفاتِ.
والثانِي: لا يَصيرُ ضامِنًا بذلك؛ لأنَّه لا يَجبُ عليه الدَّفعُ بمُجردِ الصِّفةِ (١).
قالَ الحَنابِلةُ: كَيفيةُ التَّعريفِ أنْ يَذكرَ جِنسَها لا غيرَ، فيَقولُ: مَنْ ضاعَ مِنه ذَهبٌ أو فِضةٌ أو دَنانيرُ أو ثِيابٌ ونحوُ ذلك؛ لقَولِ عُمرَ ﵁ لواجِدِ الذَّهبِ بطَريقِ الشامِ «ولا تَصفْها»؛ لأنَّه لو وصَفَها لعلِمَ صِفتَها مَنْ يَسمعُها فلا تَبقى صِفتُها دَليلًا على مُلكِها لمُشاركةِ غيرِ المالِكِ المالكَ في ذلك، ولأنَّه لا يَأمنُ أنْ يَدَّعيَها بعضُ مَنْ سمِعَ صِفتَها التي يَجبُ دَفعُها بها فيَأخذَها وهو لا يَملكُها، فتَضيعُ على مالِكِها، فإذا أطنَبَ في الصِّفاتِ فهو ضامِنٌ (٢).
стр. 7911
وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يُعرِّفُ جِنسَها أو قَدرَها أو صِفتَها، بل يَذكرُها بوَصفٍ عامٍّ يُلفقُ اسمَها معَ غيرِها، ويَقولُ: يا مَنْ ضاعَ له مالٌ أو شيءٌ، يَذكرُ أَمارتَه ويَأخذُه، أو يَقولُ: وجَدتُ شيئًا أو لُقطةً؛ لأنَّه إذا ذكَرَ جِنسَها انساقَ ذِهنُ بعضِ الحُذاقِ إلى قَدرِها أو ما تُجعلُ فيه أو ما تُربطُ به، وأَولى أنْ لا يَذكرَ نَوعَها (فُلوسٌ) كذَهبٍ أو فِضةٍ، ولا صِفتَها كرِيالاتٍ أو جُنيهاتٍ أو ليراتٍ (١).
الحُكمُ إذا أَتى صاحِبُ اللُّقطةِ:
صاحِبُ اللُّقطةِ إما أنْ يَأتِيَ في أَثناءِ الحَولِ وإما أنْ يَأتِيَ بعدَ الحَولِ.
أولاً: إذا أَتى صاحِبُ اللُّقطةِ في أَثناءِ الحَولِ:
إذا أَتى صاحِبُ اللُّقطةِ وعرَّفَها فهذا لا يَخلو مِنْ حالَتينِ:
الحالَةُ الأُولى: أنْ يَأتيَ ببَينةٍ ويُعرِّفَ عِفاصَها ووِكاءَها:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ صاحِبَ اللُّقطةِ إذا أَتى في أَثناءِ الحَولِ فعرَّفَ اللُّقطةَ وأَقامَ البَينةَ عليها وجَبَ دَفعُها إليه؛ لحَديثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنيِّ ﵁ قالَ: سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن اللُّقطةِ فقالَ: «عرِّفْها سَنةً، فإنْ لَم تُعترَفْ فاعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثُم كُلْها، فإنْ جاءَ صاحِبُها فأَدِّها إليه» (٢).
стр. 7912
وفي رِوايةٍ: «فإنْ جاءَ صاحِبُها فعرَفَ عِفاصَها وعَددَها ووِكاءَها فأَعطِها إياه، وإلا فهي لك» (١).
الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ يَأتيَ بعَلامةٍ ويَصفَها بصِفاتِها دونَ البَينةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ يَأتِي بعَلامةٍ ولَم يَأتِ ببَينةٍ، هل يَجبُ دَفعُ اللُّقطةِ له أم لا يَجبُ؟ وهل يَجوزُ الدَّفعُ بالعَلامةِ دونَ البَينةِ أم لا يَجوزُ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ البَينةُ، بل تَكفِي العَلامةُ، ويَجبُ على مَنْ أَتى بعَلامةٍ أنْ تُدفعَ إليه.
قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: واختلَفُوا في دَفعِ اللُّقطةِ إلى مَنْ جاءَ بالعَلامةِ دونَ بَينةٍ، فقالَ مالِكٌ: تُستحَقُّ بالعَلامةِ، قالَ ابنُ القاسِمِ: ويُجبَرُ على دَفعِها إليه، فإنْ جاءَ مُستحَقٌّ فاستَحقَّها ببِينةٍ لَم يَضمنْ المُلتقِطُ شيئًا. قالَ مالِكٌ: وكذلك اللُّصوصُ إذا وُجدَ معَهم أَمتعةٌ فجاءَ قَومٌ فادَّعَوها وليسَت لهم بَينةٌ أنَّ السُلطانَ يَتلوَّمُ في ذلك، فإنْ لَم يأتِ غيرُهم دفَعَها إليهم، وكذلك الآبِقُ، وهو قَولُ اللَّيثِ بنِ سَعدٍ والحَسنِ بنِ حيٍّ أنَّها تُدفَعُ لمَن جاءَ بالعَلامةِ، والحُجةُ لمَن قالَ بهذا القَولِ قَولُه ﷺ : «اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها وعِدتَها، فإنْ جاءَ صاحِبُها فعرَفَها فادفَعْها إليه» وهذا نصٌّ في مَوضعِ الخِلافِ يَوجبُ طَرحَ ما خالَفَه (٢).
стр. 7913
وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: إذا جاءَ طالِبُ اللُّقطةِ وأَعطى عَلامةَ العِفاصِ والوِكاءِ دُفعَت إليه بغيرِ بَينةٍ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: لا تُدفعُ إلا ببَينةٍ.
فدَليلُنا قَولُه ﷺ للذي سأَلَه عن اللُّقطةِ: «اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثُم عرِّفْها سَنةً، فإنْ جاءَ صاحِبُها فعرَّفَ عِفاصَها ووِكاءَها فادفَعْها إليه» ورُويَ: «فإنْ جاءَ باغِيها فادفَعْها إليه»، ولأنَّ البَيِّناتِ تَترتبُ في الأُصولِ على حسبِ الأَحوالِ المَشهودِ فيها وما تَدعو الحاجَةُ إليه، فيُجوزُ في الضَّرورةِ ما لا يَجوزُ في غيرِها، وفي هذا المَوضعِ تَدعو الضَّرورةُ إلى ذلك؛ لأنَّ البَينةَ لا تَقوَى على ما يَضيعُ، ولا على صِفةِ أَموالِهم في كلِّ حالٍ، فلو كلَّفنَاهم البَينةَ لأدَّى إلى تَركِ انتِفاعِ النَّاس بأَموالِهم (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ جاءَ ربُّها فوصَفَها له بصِفاتَها المَذكورةِ ولو بعدَ الحَولِ دُفعَت إليه بلا بَينةٍ، وسَواءٌ غلَبَ على ظنِّه صِدقُه أو لَم يَغلبْ؛ لأنَّ في حَديثِ أُبيِّ بنِ كعبٍ قالَ: «اعلَمْ عِدتَها، ووِعاءَها، ووِكاءَها، فإنْ جاءَ أَحدٌ يُخبرُك بعِدتِها، ووِعائِها، ووِكائِها، فأَعْطِها إياه، وإلا فاستَمتِعْ بها» رَواه أَحمدُ ومُسلمٌ والتِّرمِذيُّ.
وفي حَديثِ زَيدٍ: «فإنْ جاءَ طالِبُها يَومًا مِنْ الدَّهرِ فأدِّها إليه» وفي رِوايةٍ فيه: «فإنْ جاءَ صاحِبُها فعرَفَ عِفاصَها وعَددَها ووِكاءَها فأَعْطِها إياه،
стр. 7914
وإلا فهي لك» (١). يَعني إذا ذكَرَ صِفاتَها؛ لأنَّ ذلك هو المَذكورُ في صَدرِ الحَديثِ، ولَم يَذكرْ البَينةَ في شيءٍ مِنْ الحَديثِ، ولو كانَت شَرطًا للدَّفعِ لَم يَجزْ الإِخلالُ به، ولا أمَرَ بالدَّفعِ بدونِه، ولأنَّ إِقامةَ البَينةِ على اللُّقطةِ تَتعذرُ؛ لأنَّها إنَّما سقَطَت حالَ الغَفلةِ والسَّهوِ فتَوقيفُ دَفعِها مَنعٌ لوُصولِها إلى صاحِبِها أَبدًا، وهذا يُفوتُ مَقصودَ الالتِقاطِ ويُفضي إلى تَضييعِ أَموالِ النَّاسِ، وما هذا سَبيلُه يُسقطُ اعتِبارَ البَينةِ فيه كالإِنفاقِ على اليَتيمِ.
وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «البَينةُ على المُدعِي» يَعني إذا كانَ ثَم مُنكِرٌ؛ لقَولِه في سِياقِه: «واليَمينُ على مَنْ أَنكرَ» ولا مُنكِرَ ها هنا، على أنَّ البَينةَ تَختلفُ، وقد جعَلَ النَّبيُّ ﷺ بَينةَ مُدعي اللُّقطةِ وَصفَها، فإذا وصَفَها فقد أَقامَ بَينتَه، وقِياسُ اللُّقطةِ على المَغصوبِ غيرُ صَحيحٍ، فإنَّ النِّزاعَ ثَم في كَونِه مَغصوبًا والأَصلُ عَدمُه، وقَولُ المُنكِرِ يُعارضُ دَعواه، فاحتِيجَ إلى البَينةِ، وها هنا قد ثبَتَ كَونُ هذا المالُ لُقطةً وأنَّ له صاحِبًا غيرَ مَنْ هو في يدِه، ولا مُدعيَ له إلا الواصِفُ، وقد ترجَّحَ صِدقُه فيَنبَغي أنْ يُدفعَ إليه (٢).
وقالَ الحَنفيةُ: إذا حضَرَ رَجلٌ فادَّعى اللُّقطةَ لَم تُدفعْ إليه حتى يُقيمَ البَينةَ؛ لأنَّه مُدَّعٍ فلا يُصدَّقُ بغيرِ بَينةٍ، ولأنَّ اليدَ حقٌّ مَقصودٌ كالمُلكِ فلا يُستحقُّ إلا بحُجةٍ، وهو البَينةُ اعتِبارًا بالمُلكِ، إلا أنَّه يَحلُّ له الدَّفعُ
стр. 7915
عندَ إِصابةِ العَلامةِ؛ لقَولِه ﵊: «فإنْ جاءَ صاحِبُها وعرَّفَ عِفاصَها وعَددَها فادفَعْها إليه»، وهذا للإِباحةِ؛ عَملًا بالمَشهورِ وهو قَولُه ﵊: «البَينةُ على المُدعِي … » الحَديثُ.
فإنْ أَعطى عَلامتَها حَلَّ للمُلتقِطِ أنْ يدفَعَها إليه، ولا يُجبَرُ على ذلك في القَضاءِ، ويأَخذُ مِنه كَفيلًا إذا كانَ يَدفعُه إليه استِيثاقًا، وهذا بلا خِلافٍ؛ لأنَّه يَأخذُ الكَفيلَ لنَفسِه.
وإذا صدَّقَه قيلَ لا يُجبَرُ على الدَّفعِ كالوَكيلِ بقَبضِ الوَديعةِ إذا صدَّقَه.
وقيلَ يُجبَرُ؛ لأنَّ المالِكَ ها هنا غيرُ ظاهِرٍ، والمُودِعُ مالِكٌ ظاهِرًا.
والعَلامةُ: أنْ يُسمِّيَ وَزنَ الدَّراهمِ، وعَددَها، ووِكاءَها، ووِعاءَها.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: إذا جاءَ صاحِبُها وأَقامَ البَينةَ أنَّها مِلكُه أخَذَها؛ لقَولِه ﷺ : «مَنْ وجَدَ عَينَ مالِه فهو أَحقُّ به».
وإنْ لمْ يُقمِ البَينةَ ولكنَّه ذكَرَ العَلامةَ، بأنْ وصَفَ عِفاصَها ووِكاءَها ووَزنَها وعَددَها لَم يَجبْ الدَّفعُ إليه لأنَّه مُدَّعٍ، فلا يُصدَّقُ بغيرِ بَينةٍ، إلا أنَّه يَحلُّ للمُلتقِطِ أنْ يَدفعَ إليه، وإنْ شاءَ أخَذَ مِنه كَفيلًا؛ لأنَّ الدَّفعَ بالعَلامةِ مما قد ورَدَ به الشَّرعُ في الجُملةِ كما في اللَّقيطِ، إلا أنَّه هناك يُجبَرُ على الدَّفعِ وهنا لا يُجبَرُ؛ لأنَّه هناك يُجبَرُ على الدَّفعِ بمُجردِ الدَّعوَى فمعَ العَلامةِ أَولَى، وهنا لا عِبرةَ بمُجردِ الدَّعوَى بالإِجماعِ، فجازَ أنْ يُجبَرَ على الدَّفعِ معَ العَلامةِ، ولكنْ يَحلُّ له الدَّفعُ وله أنْ يَأخذَ كَفيلًا لجَوازِ مَجيءِ آخرَ فيَدَّعيَها ويُقيمُ البَينةَ (١).