← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

وذهَبَ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يُعرِّفُ جِنسَها أو قَدرَها أو صِفتَها، بل يَذكرُها بوَصفٍ عامٍّ يُلفقُ اسمَها معَ غيرِها، ويَقولُ: يا مَنْ ضاعَ له مالٌ أو شيءٌ، يَذكرُ أَمارتَه ويَأخذُه، أو يَقولُ: وجَدتُ شيئًا أو لُقطةً؛ لأنَّه إذا ذكَرَ جِنسَها انساقَ ذِهنُ بعضِ الحُذاقِ إلى قَدرِها أو ما تُجعلُ فيه أو ما تُربطُ به، وأَولى أنْ لا يَذكرَ نَوعَها (فُلوسٌ) كذَهبٍ أو فِضةٍ، ولا صِفتَها كرِيالاتٍ أو جُنيهاتٍ أو ليراتٍ (١). الحُكمُ إذا أَتى صاحِبُ اللُّقطةِ: صاحِبُ اللُّقطةِ إما أنْ يَأتِيَ في أَثناءِ الحَولِ وإما أنْ يَأتِيَ بعدَ الحَولِ. أولاً: إذا أَتى صاحِبُ اللُّقطةِ في أَثناءِ الحَولِ: إذا أَتى صاحِبُ اللُّقطةِ وعرَّفَها فهذا لا يَخلو مِنْ حالَتينِ: الحالَةُ الأُولى: أنْ يَأتيَ ببَينةٍ ويُعرِّفَ عِفاصَها ووِكاءَها: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ صاحِبَ اللُّقطةِ إذا أَتى في أَثناءِ الحَولِ فعرَّفَ اللُّقطةَ وأَقامَ البَينةَ عليها وجَبَ دَفعُها إليه؛ لحَديثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهَنيِّ ﵁ قالَ: سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن اللُّقطةِ فقالَ: «عرِّفْها سَنةً، فإنْ لَم تُعترَفْ فاعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثُم كُلْها، فإنْ جاءَ صاحِبُها فأَدِّها إليه» (٢).

стр. 7912

وفي رِوايةٍ: «فإنْ جاءَ صاحِبُها فعرَفَ عِفاصَها وعَددَها ووِكاءَها فأَعطِها إياه، وإلا فهي لك» (١). الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ يَأتيَ بعَلامةٍ ويَصفَها بصِفاتِها دونَ البَينةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ يَأتِي بعَلامةٍ ولَم يَأتِ ببَينةٍ، هل يَجبُ دَفعُ اللُّقطةِ له أم لا يَجبُ؟ وهل يَجوزُ الدَّفعُ بالعَلامةِ دونَ البَينةِ أم لا يَجوزُ؟ فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ البَينةُ، بل تَكفِي العَلامةُ، ويَجبُ على مَنْ أَتى بعَلامةٍ أنْ تُدفعَ إليه. قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: واختلَفُوا في دَفعِ اللُّقطةِ إلى مَنْ جاءَ بالعَلامةِ دونَ بَينةٍ، فقالَ مالِكٌ: تُستحَقُّ بالعَلامةِ، قالَ ابنُ القاسِمِ: ويُجبَرُ على دَفعِها إليه، فإنْ جاءَ مُستحَقٌّ فاستَحقَّها ببِينةٍ لَم يَضمنْ المُلتقِطُ شيئًا. قالَ مالِكٌ: وكذلك اللُّصوصُ إذا وُجدَ معَهم أَمتعةٌ فجاءَ قَومٌ فادَّعَوها وليسَت لهم بَينةٌ أنَّ السُلطانَ يَتلوَّمُ في ذلك، فإنْ لَم يأتِ غيرُهم دفَعَها إليهم، وكذلك الآبِقُ، وهو قَولُ اللَّيثِ بنِ سَعدٍ والحَسنِ بنِ حيٍّ أنَّها تُدفَعُ لمَن جاءَ بالعَلامةِ، والحُجةُ لمَن قالَ بهذا القَولِ قَولُه ﷺ : «اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها وعِدتَها، فإنْ جاءَ صاحِبُها فعرَفَها فادفَعْها إليه» وهذا نصٌّ في مَوضعِ الخِلافِ يَوجبُ طَرحَ ما خالَفَه (٢).

стр. 7913

وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: إذا جاءَ طالِبُ اللُّقطةِ وأَعطى عَلامةَ العِفاصِ والوِكاءِ دُفعَت إليه بغيرِ بَينةٍ. وقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: لا تُدفعُ إلا ببَينةٍ. فدَليلُنا قَولُه ﷺ للذي سأَلَه عن اللُّقطةِ: «اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثُم عرِّفْها سَنةً، فإنْ جاءَ صاحِبُها فعرَّفَ عِفاصَها ووِكاءَها فادفَعْها إليه» ورُويَ: «فإنْ جاءَ باغِيها فادفَعْها إليه»، ولأنَّ البَيِّناتِ تَترتبُ في الأُصولِ على حسبِ الأَحوالِ المَشهودِ فيها وما تَدعو الحاجَةُ إليه، فيُجوزُ في الضَّرورةِ ما لا يَجوزُ في غيرِها، وفي هذا المَوضعِ تَدعو الضَّرورةُ إلى ذلك؛ لأنَّ البَينةَ لا تَقوَى على ما يَضيعُ، ولا على صِفةِ أَموالِهم في كلِّ حالٍ، فلو كلَّفنَاهم البَينةَ لأدَّى إلى تَركِ انتِفاعِ النَّاس بأَموالِهم (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ جاءَ ربُّها فوصَفَها له بصِفاتَها المَذكورةِ ولو بعدَ الحَولِ دُفعَت إليه بلا بَينةٍ، وسَواءٌ غلَبَ على ظنِّه صِدقُه أو لَم يَغلبْ؛ لأنَّ في حَديثِ أُبيِّ بنِ كعبٍ قالَ: «اعلَمْ عِدتَها، ووِعاءَها، ووِكاءَها، فإنْ جاءَ أَحدٌ يُخبرُك بعِدتِها، ووِعائِها، ووِكائِها، فأَعْطِها إياه، وإلا فاستَمتِعْ بها» رَواه أَحمدُ ومُسلمٌ والتِّرمِذيُّ. وفي حَديثِ زَيدٍ: «فإنْ جاءَ طالِبُها يَومًا مِنْ الدَّهرِ فأدِّها إليه» وفي رِوايةٍ فيه: «فإنْ جاءَ صاحِبُها فعرَفَ عِفاصَها وعَددَها ووِكاءَها فأَعْطِها إياه،

стр. 7914

وإلا فهي لك» (١). يَعني إذا ذكَرَ صِفاتَها؛ لأنَّ ذلك هو المَذكورُ في صَدرِ الحَديثِ، ولَم يَذكرْ البَينةَ في شيءٍ مِنْ الحَديثِ، ولو كانَت شَرطًا للدَّفعِ لَم يَجزْ الإِخلالُ به، ولا أمَرَ بالدَّفعِ بدونِه، ولأنَّ إِقامةَ البَينةِ على اللُّقطةِ تَتعذرُ؛ لأنَّها إنَّما سقَطَت حالَ الغَفلةِ والسَّهوِ فتَوقيفُ دَفعِها مَنعٌ لوُصولِها إلى صاحِبِها أَبدًا، وهذا يُفوتُ مَقصودَ الالتِقاطِ ويُفضي إلى تَضييعِ أَموالِ النَّاسِ، وما هذا سَبيلُه يُسقطُ اعتِبارَ البَينةِ فيه كالإِنفاقِ على اليَتيمِ. وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «البَينةُ على المُدعِي» يَعني إذا كانَ ثَم مُنكِرٌ؛ لقَولِه في سِياقِه: «واليَمينُ على مَنْ أَنكرَ» ولا مُنكِرَ ها هنا، على أنَّ البَينةَ تَختلفُ، وقد جعَلَ النَّبيُّ ﷺ بَينةَ مُدعي اللُّقطةِ وَصفَها، فإذا وصَفَها فقد أَقامَ بَينتَه، وقِياسُ اللُّقطةِ على المَغصوبِ غيرُ صَحيحٍ، فإنَّ النِّزاعَ ثَم في كَونِه مَغصوبًا والأَصلُ عَدمُه، وقَولُ المُنكِرِ يُعارضُ دَعواه، فاحتِيجَ إلى البَينةِ، وها هنا قد ثبَتَ كَونُ هذا المالُ لُقطةً وأنَّ له صاحِبًا غيرَ مَنْ هو في يدِه، ولا مُدعيَ له إلا الواصِفُ، وقد ترجَّحَ صِدقُه فيَنبَغي أنْ يُدفعَ إليه (٢). وقالَ الحَنفيةُ: إذا حضَرَ رَجلٌ فادَّعى اللُّقطةَ لَم تُدفعْ إليه حتى يُقيمَ البَينةَ؛ لأنَّه مُدَّعٍ فلا يُصدَّقُ بغيرِ بَينةٍ، ولأنَّ اليدَ حقٌّ مَقصودٌ كالمُلكِ فلا يُستحقُّ إلا بحُجةٍ، وهو البَينةُ اعتِبارًا بالمُلكِ، إلا أنَّه يَحلُّ له الدَّفعُ

стр. 7915

عندَ إِصابةِ العَلامةِ؛ لقَولِه ﵊: «فإنْ جاءَ صاحِبُها وعرَّفَ عِفاصَها وعَددَها فادفَعْها إليه»، وهذا للإِباحةِ؛ عَملًا بالمَشهورِ وهو قَولُه ﵊: «البَينةُ على المُدعِي … » الحَديثُ. فإنْ أَعطى عَلامتَها حَلَّ للمُلتقِطِ أنْ يدفَعَها إليه، ولا يُجبَرُ على ذلك في القَضاءِ، ويأَخذُ مِنه كَفيلًا إذا كانَ يَدفعُه إليه استِيثاقًا، وهذا بلا خِلافٍ؛ لأنَّه يَأخذُ الكَفيلَ لنَفسِه. وإذا صدَّقَه قيلَ لا يُجبَرُ على الدَّفعِ كالوَكيلِ بقَبضِ الوَديعةِ إذا صدَّقَه. وقيلَ يُجبَرُ؛ لأنَّ المالِكَ ها هنا غيرُ ظاهِرٍ، والمُودِعُ مالِكٌ ظاهِرًا. والعَلامةُ: أنْ يُسمِّيَ وَزنَ الدَّراهمِ، وعَددَها، ووِكاءَها، ووِعاءَها. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: إذا جاءَ صاحِبُها وأَقامَ البَينةَ أنَّها مِلكُه أخَذَها؛ لقَولِه ﷺ : «مَنْ وجَدَ عَينَ مالِه فهو أَحقُّ به». وإنْ لمْ يُقمِ البَينةَ ولكنَّه ذكَرَ العَلامةَ، بأنْ وصَفَ عِفاصَها ووِكاءَها ووَزنَها وعَددَها لَم يَجبْ الدَّفعُ إليه لأنَّه مُدَّعٍ، فلا يُصدَّقُ بغيرِ بَينةٍ، إلا أنَّه يَحلُّ للمُلتقِطِ أنْ يَدفعَ إليه، وإنْ شاءَ أخَذَ مِنه كَفيلًا؛ لأنَّ الدَّفعَ بالعَلامةِ مما قد ورَدَ به الشَّرعُ في الجُملةِ كما في اللَّقيطِ، إلا أنَّه هناك يُجبَرُ على الدَّفعِ وهنا لا يُجبَرُ؛ لأنَّه هناك يُجبَرُ على الدَّفعِ بمُجردِ الدَّعوَى فمعَ العَلامةِ أَولَى، وهنا لا عِبرةَ بمُجردِ الدَّعوَى بالإِجماعِ، فجازَ أنْ يُجبَرَ على الدَّفعِ معَ العَلامةِ، ولكنْ يَحلُّ له الدَّفعُ وله أنْ يَأخذَ كَفيلًا لجَوازِ مَجيءِ آخرَ فيَدَّعيَها ويُقيمُ البَينةَ (١).

стр. 7916

وقالَ الشافِعيةُ: إذا ادَّعَى اللُّقطةَ رَجلٌ مثلًا ولَم يَصفْها بصِفاتِها السابِقةِ ولا بَينةَ له بها مما يُثبتُ بها المُلكَ كالشاهِدِ واليَمينِ ولَم يَعلمْ المُلتقِطُ أنَّها له لَم يَجزْ دَفعُها إليه؛ لحَديثِ: «لو أُعطيَ النَّاسُ بدَعواهم … »، فإنْ أَقامَ بَينةً بذلك أو علِمَ أنَّها له وجَبَ عليه دَفعُها إليه، وعليه العُهدةُ لا إنْ ألزَمَه بتَسليمِها بالوَصفِ حاكِمٌ. وإذا وصَفَها مُدَّعيها وهو واحِدٌ بما يُحيطُ بجَميعِ صِفاتِها وظنَّ مُلتقَطُها صَدقَه جازَ له الدَّفعُ إليه جَزمًا؛ عَملًا بظنِّه، بل نصَّ الشافِعيُّ على استِحبابِه، ولا يَجبُ على المَذهبِ؛ لأنَّه مُدَّعٍ يَحتاجُ إلى بَينةٍ كغيرِه، ومُتهَمٌ باحتِمالِ سَماعِه لوَصفِها مِنْ نَحوِ مالِكِها. وفي وَجهٍ: يَجبُ؛ لأنَّ إِقامةَ البَينةِ عليها قد تُعسَرُ. أمَّا إذا وصَفَها جَماعةٌ فقالَ القاضِي أَبو الطَّيبِ: أجمَعْنا على أنَّها لا تُسلَّمُ إليهم. وأمَّا إذا لَم يُظنُّ صِدقُه فإنَّه لا يَجبُ الدَّفعُ اتِّفاقًا، ولا يَجوزُ على المَشهورِ، ولو قالَ له المالِكُ تَعلمُ أنَّها لي فله أنْ يَحلفَ أنَّه لا يَعلمُ ذلك. فإنْ دفَعَ اللُّقطةَ لواصِفِها بمُجردِ الوَصفِ مِنْ غيرِ إِجبارِ حاكِمٍ يَراه فأَقامَ آخرُ بَينةً بأنَّها مِلكُه وأنَّها لا تُعلِمُ أنَّها انتقَلَت مِنه حُوِّلَت مِنْ الأَولِ إليه؛ لأنَّ البَينةَ حَجةٌ تُوجبُ الدَّفعَ فقُدِّمَت على الوَصفِ المُجردِ. فإنْ تلِفَت عندَ الواصِفِ اللُّقطةُ فلصاحِبِ البَينةِ تَضمينُ المُلتقِطِ؛ لأنَّه سلَّمَ ما لَم يَكنْ له تَسليمُه، أمَّا إذا ألزَمَه بالدَّفعِ حاكِمٌ يَراه فلا ضَمانَ عليه؛

стр. 7917

لعَدمِ تَقصيرِه، وله مُطالبةُ وتَضمينُ المَدفوعِ إليه اللُّقطةُ؛ لأنَّه أخَذَ ما لَم يَكنْ له أَخذُه والقَرارُ عليه -أي على المَدفوعِ إليه- لتَلفِه في يدِه (١). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفُوا فيما إذا جاحَدَ على اللُّقطةِ فأَخبَرَ بعَددِها وعِفاصِها ووِكائِها، هل تُدفعُ إليه بلا بَينةٍ؟ فقالَ مالِكٌ وأَحمدُ: تُدفعُ إليه بغيرِ بَينةٍ. وقالَ الشافِعيُّ وأَبو حَنيفةَ: لا يَلزمُ الدَّفعُ إليه إلا ببَينةٍ، ويَجوزُ أنْ يَدفعَ إليه بلا بَينةٍ إذا غلَبَ على ظنِّه صِدقُه (٢). إذا وصَفَ اللُّقطةَ اثنانُ: اختَلفَ الفُقهاءُ في اللُّقطةِ إذا وصَفَها اثنانِ بما يَأخُذُها به أَحدُهما، هل تُقسَّمُ بينَهما أم يُقرَعُ بينهما؟ قالَ ابنُ الحاجِبِ ﵀: وإذا وصَفَ اللُّقطةَ اثنانِ بما يَأخذُها به المُنفردُ تَحالَفا وقُسِّمَت بينَهما، فإنْ نكَلَ أَحدُهما أخَذَها الحالِفُ. ولو دفَعَها بصِفةٍ و بَينةٍ ثُم وصَفَها ثانٍ أو أَقامَ بَينةً فلا شيءَ على المُلتقِطِ، وقالَ ابنُ الماجِشونِ: إنْ لَم يُشهِدْ بالقَبضِ على الواصِفِ ضمِنَ (٣).

стр. 7918

وقالَ أَبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ ﵀: سُئلَ أَشهبُ عن الرَّجلينِ يَدَّعيانِ اللُّقطةَ عندَ الرَّجلِ قد وجَدَها فيَصفُ أَحدُهما العِفاصَ والوِكاءَ، ويَصفُ الآخرُ عَددَ الدَّنانيرِ ووَزنَها، قالَ: فهي للذي عرَّفَ العِفاصَ والوِكاءَ، وكذلك لو عرَّفَ العِفاصَ وَحدَه كانَت له أيضًا بعدَ الاستِبراءِ. قيلَ: فلو أنَّ رَجلًا ادَّعاها وَحدَه وعرَّفَ العِفاصَ؟ قالَ: فيَستبرئُ، فإنْ لَم يَأتِ أَحدٌ أُعطيَها الذي عرَّفَ العِفاصَ، وإنَّما الحَديثُ الذي جاءَ «اعرِفْ العِفاصَ والوِكاءَ» فإنْ جاءَ طالِبُها فإنَّما ذلك مِثلُ الخَليطينِ إذا كانَ الدَّلوُ والراعِي والمُراحُ وَاحدًا، فهو إذا جَمعَ الرَّاعيَ أو المُراحَ أو الدَّلوَ فهما خَليطانِ، فكذلك إذا عرَّفَ هذا بَعضًا ولَم يُعرِّفْ بَعضًا. قُلت: فلو قالَ هي في خِرقةٍ حَمراءَ وخَيطٍ أَبيضَ فوجِدَت الخِرقةَ كما قالَ والخَيطَ أَسودَ؟ قالَ: فيَستبرئُ أيضًا، ثُم يَرجعُ بعدَ ذلك، فقالَ لي: هذا قد أكذَبَ نَفسَه إذ ادَّعى المَعرفةَ بالوِكاءِ والعِفاصِ ثُم وُجدَ بعدَ ذلك على غيرِ ما قالَ، فلا يُصدَّقُ، وإنَّما يُصدَّقُ إذا أَصابَ في بَعضٍ وادَّعى الجَهالةَ في بَعضٍ فيَستبرئُ، فإنْ جاءَ أَحدٌ بأحقَّ مما ادَّعى وإلا أُعطيَها، قيلَ: فوصَفَ العِفاصَ والوِكاءَ وادَّعى أنَّها دَنانيرُ فوجدَ العِفاصَ والوِكاءَ كما قالَ ووجَدَ فيها دَراهمَ؟ قالَ: لا يُعطاها؛ لأنَّه إنَّما ادَّعى دَنانيرَ ذهَبَت مِنه لَم يدَّعِ دَراهمَ، قالَ لي: وكذلك لو قالَ خِرقةٌ حَمراءُ وخَيطٌ أَبيضُ والدَّنانيرُ هاشِميةٌ، فوُجدَت الخِرقةُ والخَيطُ كما قالَ، ووجدت الدَّنانيرُ عتق لمْ يَكنْ له شيءٌ.

стр. 7919

قالَ مُحمدُ بنُ رُشدٍ: قالَ إنَّه إذا ادَّعى اللُّقطةَ رَجلانِ، فوصَفَ أَحدُهما الِعفاصَ والوِكاءَ، ووصَفَ الآخرُ عَددَ الدَّنانيرِ ووَزنَها فإنَّها للذي عرَّفَ العِفاصَ والوِكاءَ، يُريدُ معَ يَمينِه، والاختِلافُ في هذا، وإنَّما لا اختِلافَ إذا جاءَ وَحدَه، فقيلَ إنَّها تُدفعُ إليه بالصِّفةِ دونَ يَمينٍ، وهو ظاهِرُ مَذهبِ ابنِ القاسِمِ في المُدونةِ، والوَجهُ في ذلك أنَّ الصِّفةَ في اللُّقطةِ التي لا دافِعَ لها كالبَينةِ القاطِعةِ فيما له مَنْ يَدفعُ عنه، وقيلَ: إنَّه لا يَدفعُ إليه إلا بيَمينٍ. وقالَ: إنْ وصَفَها رَجلانِ استُحلِفا، فإنْ حلَفَ أَحدُهما ونكَلَ الآخرُ فهي لمَن حلَفَ مِنهما، وإنْ حَلَفا جميعًا أو نَكَلا جميعًا قُسِّمَت بينَهما، فقولُه إنَّه يُقسَّمُ بينَهما إذا نَكلا ردٌّ لقَولِه إنَّه لا يَدفعُ إليه إذا جاءَ وَحدَه إلا بيَمينٍ، واستَحسنَ أَصبغُ في أَحدِ قَوليه إذا وصَفَ أَحدُهما العِفاصَ والوِكاءَ ووصَفَ الآخرُ عَددَ الدَّنانيرِ والدَّراهمِ، وصِفتُها أنْ تُقسَّمَ بينَهما بعدَ أَيمانِهما، كما لو اجتَمَعا جميعًا على صِفةِ العِفاصِ والوِكاءِ. والاختِيارُ أن يَصفَ مُدَّعي اللُّقطةِ العِفاصَ والوِكاءَ وما اشتَملا عليه مِنْ عَددِ الدَّنانيرِ والدَّراهمِ وصِفتَها، فإنْ وصَفَ بَعضًا وجهِلَ بَعضًا أو غلِطَ فيه ففي ذلك اختِلافٌ وتَفصيلٌ: فأمَّا جَهلُه بالعَددِ فلا يَضرُّه إذا عرَّفَ العِفاصَ والوِكاءَ، وكذلك غَلطُه فيه بالزِّيادةِ لا يَضرُّه؛ لجَوازِ أنْ يَكونَ قد اغتِيلَ في شيءٍ مِنها، واختُلفَ في غَلطِه فيه بالنُّقصانِ إذا عرَّفَ العِفاصَ والوِكاءَ على قَولينِ، وكذلك اختُلفَ في غَلطِه فيه بالنُّقصانِ إذا عرَّفَ العِفاصَ والوِكاءَ، وأمَّا إذا غلِطَ في صِفةِ الدَّنانيرِ فلا أَعلمُ خِلافًا في أنَّ لا شيءَ له.

стр. 7920

وأمَّا العِفاصَ والوِكاءَ إذا وصَفَ أَحدَهما وجهِلَ الآخرَ أو غلِطَ فيه ففي ذلك ثَلاثةُ أَقوالٍ، أَحدُها أنَّه لا شيءَ له إلا بمَعرفَتِهما جميعًا، والثانِي أنَّه يَستبرئُ أَمرَه، فإنْ لَم يَأتِ أَحدٌ بأَثبتَ مما أَتى به دُفعَت له، والثَّالثُ أنَّه إنِ ادَّعى الجَهالةَ استَبرأَ أَمرَه، وإنْ غلِطَ لَم يَكنْ له شيءٌ، وهذا أَعدلُ الأَقوالِ واللهُ أَعلمُ. ولو جهِلَ العِفاصَ والوِكاءَ جميعًا وعرَّفَ عَددَ الدَّنانيرِ وصِفتَها ووَزنَها لتَخرُجَ على قَولِ أَصبغَ الذي قالَه على طَريقِ الاستِحسانِ إذا وصَفَ أَحدَ المُدعيينَ العِفاصَ والوِكاءَ والآخرُ عددَ الدَّنانيرِ وصِفتَها ووَزنَها أن تُقسمَ بينَهما، أنْ تَكونَ له إذا جاءَ وَحدَه فوصَفَ عَددَ الدَّنانيرِ والدَّراهمِ وصِفتَها ووَزنَها وجهِلَ العِفاصَ والوِكاءَ جميعًا وباللهِ التَّوفيقُ (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ وصَفَها اثنانِ أُقرعَ بينَهما، فمَن وقَعَت له القُرعةُ حلَفَ أنَّها له وسُلِّمَت إليه، وهكذا إنْ أَقاما بَينتَينِ أُقرعَ بينَهما، فمَن وقَعَت له القُرعةُ حلَفَ ودُفعَت إليه، ذكَرَه القاضِي. وقالَ أَبو الخَطابِ: تُقسمُ بينَهما لأنَّهما تَساوَيا فيما يُستحَقُّ به الدَّفعُ فتَساوَيا فيها، كما لو كانَت في أَيدِيهما. والذي قُلنا أَصحُّ وأَشبهُ بأُصولِنا فيما إذا تَداعَيا عينًا في يدِ غيرِهما، ولأنَّهما تَداعَيا عينًا في يدِ غيرِهما وتَساوَيا في البَينةِ أو في عَدمِها، فتَكونُ لمَن وقَعَت له القُرعةُ، كما لو ادَّعيَا وَديعةً في يدِ إِنسانٍ فقالَ: هي لأَحدِكما لا

стр. 7921

أَعرِفُه عينًا، وفارَقَ ما إذا كانَت في أَيدِيهما؛ لأنَّ يدَ كلِّ واحِدٍ مِنهما على نِصفِه فرجَحَ قَولُه فيه. وإنْ وصَفَها إِنسانٌ فأَقامَ آخرُ البَينةَ أنَّها له فهي لصاحِبِ البَينةِ؛ لأنَّها أَقوَى مِنْ الوَصفِ، فإنْ كانَ الواصِفُ قد أخَذَها انتُزِعَت مِنه ورُدَّت إلى صاحِبِ البَينةِ؛ لأنَّنا تبيَّنَّا أنَّها له، فإنْ كانَت قد هلَكَت فلصاحِبِها تَضمينُ مَنْ شاءِ مِنْ الواصِفِ أو الدافِعِ إليه، وبهذا قالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، ويَتخرَّجُ أنْ لا يَلزمَ المُلتقِطَ شيءٌ، وهذا قَولُ ابنِ القاسِمِ صاحِبِ مالِكٍ وأَبي عُبيدٍ؛ لأنَّه فعَلَ ما أُمرَ به لأنَّه أَمينٌ غيرُ مُفرطٍ ولا مُقصرٍ فلا يَضمنُ، كما لو دفَعَها بأَمرِ الحاكِمِ، ولأنَّ الدَّفعَ واجِبٌ عليه فصارَ الدَّفعُ بغيرِ اختِيارِه فلَم يَضمنْها، كما لو أخَذَها كُرهًا. ولنا: إنَّه دفَعَ مالَ غيرِه إلى غيرِ مُستحِقِه اختِيارًا مِنه فضَمِنَه، كما لو دفَعَ الوَديعةَ إلى غيرِ مالِكِها إذا غلَبَ على ظنَّه أنَّه مالِكُها. فأمَّا إنْ دفَعَها بحُكمِ حاكِمٍ لَم يَملكْ صاحِبُها مُطالبةَ الدافِعِ؛ لأنَّها مَأخوذةٌ مِنه على سَبيلِ القَهرِ فلَم يَضمنْها كما لو غصَبَها، ومتى ضمِنَ الواصِفُ لَم يَرجعْ على أَحدٍ؛ لأنَّ العُدوانَ مِنه والتَّلفَ عندُه، فإنْ ضمِنَ الدافِعُ رجَعَ على الواصِفِ؛ لأنَّه كانَ سَببَ تَغريمِه، إلا أنْ يَكونَ المُلتقطُ قد أَقرَّ للواصِفِ أنَّه صاحِبُها ومالِكُها، فإنَّه لا يَرجِعُ عليه؛ لأنَّه اعتَرَفَ أنَّه صاحِبُها ومُستحِقُّها، وأنَّ صاحِبَ البَينةِ ظلَمَه بتَضمينِه، فلا يَرجِعُ به على غيرِ مَنْ ظلَمَه، وإنْ كانَت اللُّقطةُ قد تلِفَت عندَ المُلتقِطِ فضَمَّنَه إِياها رجَعَ

стр. 7922

على الواصِفِ بما غرِمَه وليسَ لمالِكِها تَضمينُ الواصِفِ؛ لأنَّ الذي قبَضَه إنَّما هو مالُ المُلتقِطِ لا مالَ صاحِبِ اللُّقطةِ، بخِلافِ ما إذا سلَّمَ العَينَ. فأمَّا إنْ وصَفَها إِنسانٌ فأخَذَها ثُم جاءَ آخرُ فوصَفَها وادَّعاها لَم يَستحقَّ شيئًا؛ لأنَّ الأَولَّ استحَقَّها لوَصفِه إِياها وعَدمِ المَنازعِ فيها وثبَتَت يدُه عليها ولَم يوجَدْ ما يَقتَضي انتِزاعَها مِنه فوجَبَ إِبقاؤُها كسائِرِ مالِه (١). ثانيًا: إذا أَتى صاحِبُ اللُّقطةِ بعدَ الحَولِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ صاحِبَ اللُّقطةِ إذا جاءَ بعدَ الحَولِ وعرَّفَ اللُّقطةَ وجَبَ دَفعُها إليه إنْ كانَت باقِيةً، وقِيمتُها إنِ استَهلكَها، واستَدلُّوا على ذلك بحَديثِ زَيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيَّ صاحبِ رَسولِ اللَّهِ أنَّه قالَ: سُئلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن اللُّقطةِ الذَّهبِ أو الوَرقِ، فقالَ: «اعرِفْ وِكاءَها وعِفاصَها ثُم عرِّفْها سَنةً فإنْ لَم تَعرفْ فاستَنفقْها، ولتَكنْ وَديعةً عندَك، فإنْ جاءَ طالِبُها يومًا مِنْ الدَّهرِ فأدِّها إليه … » (٢). قالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: قَولُه ﷺ : «ثُم عرِّفْها سَنةً فإنْ لَم يَجئْ صاحِبُها كانَت وَديعةً عندَك» وفي الرِّوايةِ الثانِيةِ: «ثُم عرِّفْها سَنةً فإنْ لَم تَعرفْ فاستَنفقْها ولتَكنْ وَديعةً عندَك، فإنْ جاءَ طالِبُها يومًا مِنْ الدَّهرِ فأدِّها إليه» مَعناه: تَكونُ أَمانةً عندَك بعدَ السَّنةِ ما لَم تَتملَّكْها، فإنْ تلِفَت بغيرِ

стр. 7923

تَفريطٍ فلا ضَمانَ عليك، وليسَ مَعناه مَنعَه مِنْ تَملُّكِها، بل له تَملُّكُها على ما ذكَرْناه للأَحاديثِ الباقِيةِ الصَّريحةِ، وهي قَولُه ﷺ : «ثُم استَنفقَ بها فاستنفَقَها»، وقد أَشارَ ﷺ إلى هذا في الرِّوايةِ الثانِيةِ بقَولِه: «فإنْ لَم تَعرِفْ فاستَنفِقْها ولتَكنْ وَديعةً عندَك» أي لا يَنقطعُ حقُّ صاحِبِها، بل متى جاءَها فأدِّها إليه إنْ كانَت باقِيةً وإلا فبَدلُها، وهذا مَعنى قولِه ﷺ : «فإنْ جاءَ صاحِبُها يومًا مِنْ الدَّهرِ فأدِّها إليه»، والمُرادُ أنَّه لا يَنقطعُ حقُّ صاحِبِها بالكُليةِ، وقد نقَلَ القاضِي وغيرُه إِجماعَ المُسلِمينَ على أنَّه إذا جاءَ صاحِبُها بعدَ التَّمليكِ ضمِنَها المُتملِّكُ، إلا دَاودَ فأسقَطَ الضَّمانَ، واللهُ أَعلمُ (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: قولُه ﷺ في حَديثِ عِياضِ بنِ حِمارٍ: «فإنْ جاءَ صاحِبُها فهو أَحقُّ بها وإلا فهو مالُ اللهِ يُؤتِيه مَنْ يَشاءُ» وهذا مَعناه انطِلاقُ يدِ المُلتقِطِ وتَصرُّفُه فيها بعدَ الحَولِ، ولكنَّه يَضمنُها إنْ جاءَ صاحِبُها، واجِبٌ ذلك بإِجماعِ المُسلِمينَ؛ لأنَّه مُستهلِكٌ مالَ غيرِه، وقد أجمَعُوا أنَّ مَنْ استَهلكَ مالَ غيرِه وأنفَقَه بغيرِ إِذنِه غرِمَه وضمِنَه، ومَن استَهلكَ لغيرِه شيئًا مِنْ المالِ ضمِنَه بأيِّ وَجهٍ استَهلكَه، وهذا مالا خِلافَ فيه (٢).

стр. 7924

وقالَ الإِمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀: أجمَعَ أَئمةُ الفَتوى على أنَّ اللُّقطةَ إذا عرَّفَها سَنةً وانتَفعَ بها وأنفَقَها بعدَ السَّنةِ ثم جاءَ صاحِبُها أنَّه يرُدُّ عليه قِيمَتَها ويَضمنُها له، وليسَ قَولُه: (فشَأنَك بها) يُبيحُ له أَخذَها ويُسقِطُ عنه ضَمانَها؛ لمَا ثبَتَ عنه ﵇ في اللُّقطةِ: «فإنْ جاءَ صاحِبُها بعدَ السَّنةِ أدِّها إليه»؛ لأنَّها وَديعةٌ عندَ مُلتقِطِها، وخرَقَ الإِجماعَ رَجلٌ نُسبَ إلى العِلمِ يُعرَفُ بداودَ بنِ عليٍّ، فقالَ: إذا جاءَ صاحِبُها بعدَ السَّنةِ لَم يَضمنْها مُلتقِطُها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﵇ أطلَقَه على مُلكِها بقَولِه: (فشَأنَك بها) فلا ضَمانَ عليه، ولا سَلفَ له في ذلك إلا اتِّباعُ الهَوى والجُرأةُ على مُخالَفةِ الجَماعةِ التي لا يَجوزُ عليها تَحريفُ التَّأويلِ ولا الخَطأُ فيه، أَعاذَنا اللهُ مِنْ اتِّباعِ الهَوى والابتِداعِ في دِينِه مما لَم يَأذنْ فيه (١). وقالَ أيضًا: قولُه: بابُ إذا جاءَ صاحِبُ اللُّقطةِ بعدَ سَنةٍ ردَّها عليه؛ لأنَّها وَديعةٌ عندَه. فيه: زَيدٌ أنَّ رَجلًا سأَلَ النَّبيَّ ﷺ عن اللُّقطةِ، فقالَ: «عرِّفْها سَنةً، ثُم اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها، ثُم استَنفِقْ بها، فإنْ جاءَ ربُّها فأدِّها إليه … » الحَديثُ، أجمَعَ أَئمةَ الفَتوَى على أنَّ صاحِبَ اللُّقطةِ إذا جاءَ بعدَ الحَولِ أنَّ الذي وجَدَها يَلزمُه ردُّها إليه؛ لقَولِه ﵇: «فإنْ جاءَ صاحِبُها فأدِّها إليه»، وقد ذكَرْنا قبلَ هذا أنَّ بعضَ مَنْ نُسبَ إلى العِلمِ وحظُّه مِنْ أنْ يوسَمَ بمُخالفَةِ الأَئمةِ خالَفَ إِجماعَهم في اتِّباعِ هذا الحَديثِ، وخالَفَ قَولَه

стр. 7925

﵇: «فأدِّها إليه»، وقالَ: لا يُؤدِّي إليه شيئًا بعدَ الحَولِ، استِدلالًا مِنه بقَولِه ﵇: «فشَأنَك بها»، قالَ: لأنَّ هذا إِطلاقٌ مِنه ﵇ -على ملكِها فلا يَلزمُه تَأديتُها، وهذا قَولٌ يُؤدِّي إلى تَناقضِ السُّننِ، وقد جلَّ الرَّسولُ عن أنْ يَتناقضَ، وقولُه ﵇: «فأدِّها إليه» فيه بَيانٌ وتَفسيرٌ لقَولِه ﵇: «فشَأنَك بها»، ولو كانَ المُرادُ بقَولِه: «فشَأنَك بها» إِطلاقَ يدِه عليها وسُقوطَ ضَمانِها عنه لبطَلَت فائِدةُ قولهِ: «فأدِّها إليه»، واستِعمالُ الحَديثَينِ لفائِدَتينِ أَولى مِنْ إِسقاطِ أَحدِهما، هذه طَريقةُ العُلماءِ في التَّأليفِ بينَ الآثارِ، والقَضاءِ بالمُجملِ على المُفسِّرِ (١). قالَ الإِمامُ القُرطبيُّ ﵀: ليسَ في قَولِه ﷺ في اللُّقطةِ بعدَ التَّعريفِ: «فاستَمتِعْ بها» أو «فشَأنَك بها» أو «فهي لك» أو «فاستَنفِقْها» أو «ثُم كُلْها» أو «فهو مالُ اللهِ يُؤتِيه مَنْ يَشاءُ» على ما في صَحيحِ مُسلمٍ وغيرِه ما يَدلُّ على التَّمليكِ وسُقوطِ الضَّمانِ عن المُلتقِطِ إذا جاءَ ربُّها، فإنَّ في حَديثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهنيِّ عن النَّبيِّ ﷺ : «فإنْ لَم تَعرِفْ فاستَنفِقْها ولتَكنْ وَديعةً عندَك، فإنْ جاءَ صاحِبُها يومًا مِنْ الدَّهرِ فأدِّها إليه» وفي رِوايةٍ: «ثُم كُلْها، فإنْ جاءَ صاحِبُها فأدِّها إليه» أخرَجَه البُخاريُّ ومُسلمٌ. وأَجمعَ العُلماءُ على أنَّ صاحِبَها متى جاءَ فهو أَحقُّ بها، إلا ما ذهَبَ إليه داودُ مِنْ أنَّ المُلتقِطَ يَملكُ اللُّقطةَ بعدَ التَّعريفِ لتلك الظَّواهرِ، ولا التِفاتَ لقَولِه لمِخالَفةِ النَّاسِ ولقَولِه ﵇: «فأدِّها إليه» (٢).

стр. 7926

وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفقُوا على أنَّ اللُّقطةَ ما لَم تَكنْ تافِهًا يَسيرًا أو شيئًا لا بَقاءَ له فإنَّها تُعرَّفُ حَولًا. وأجمَعُوا على أنَّ صاحِبَها إنْ جاءَ فهو أَحقُّ بها مِنْ مُلتقِطِها إذا ثبَتَ له أنَّه صاحِبُها. وأجمَعُوا على أنَّه إذا أكَلَها بعدَ الحَولِ مُلتقِطُها فأَرادَ صاحِبُها أنْ يُضمِّنَه أنَّ ذلك له، وأنَّه إن تَصدَّقَ بها مُلتقِطُها بعدَ الحَولِ فصاحِبُها مُخيَّرٌ بينَ التَّضمينِ وبينَ أنْ تَكونَ له على أَجرِها، فأيَّ ذلك تَخيَّرَ كانَ له ذلك بالإِجماعِ، ولا تَنطلقُ يدُ مُلتقِطِها عليها بصَدقةٍ ولا تُصرَفُ قبلَ الحَولِ إلا ضالةُ الغَنمِ (١). إذا تلِفَت اللُّقطةُ بعدَ الحَولِ بلا تَفريطٍ: قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: اللُّقطةُ في الحَولِ أَمانةٌ في يدِ المُلتقِطِ، إنْ تلِفَت بغيرِ تَفريطِه أو نقُصَت فلا ضَمانَ عليه كالوَديعةِ، ومتى جاءَ صاحِبُها فوجَدَها أخَذَها بزِيادتِها المُتصِلةِ والمُنفصِلةِ؛ لأنَّها نَماءُ مُلكِه، وإنْ أتلَفَها المُلتقِطُ أو تلِفَت بتَفريطِه ضمِنَها بمِثلِها إنْ كانَت مِنْ ذَواتِ الأَمثالِ وبقِيمتِها إنْ لَم يَكنْ لها مِثلُ، لا أَعلمُ في هذا خِلافًا. وإنْ تلِفَت بعدَ الحَولِ ثبَتَ في ذِمتِه مِثلُها أو قِيمتُها بكلِّ حالٍ؛ لأنَّها دخَلَت في ملكِه وتلِفَت مِنْ مالِه، وسَواءٌ فرَّطَ في حِفظِها أو لَم يُفرطْ، وإنْ

стр. 7927

وجَدَ العَينَ ناقِصةً وكانَ نَقصُها بعدَ الحَولِ أخَذَ العَينَ وأَرشَ نَقصَها؛ لأنَّ جَميعَها مَضمونٌ إذا تلِفَت فكذلك إذا نقُصَت، وهذا قَولُ أَكثرِ العُلماءِ الذين حكَمُوا بملكِه لها بمُضيِّ حَولِ التَّعريفِ، وأمَّا مَنْ قالَ لا يَملكُها حتى يَتملكَها لَم يُضمِّنْه إيَّاها حتى يَتملكَها، وحُكمُها قبلَ تَملكِه إيَّاها حُكمُها قبلَ مُضيِّ حَولِ التَّعريفِ، ومَن قالَ لا تُملَكُ اللُّقطةُ بحالٍ لَم يُضمِّنْه إيَّاها، وبهذا قالَ الحَسنُ والنَّخَعيُّ وأَبو مِجلزِ والحارِثُ العُكليُّ ومالِكٌ وأَبو يُوسفَ، قالُوا: لا يُضمَّنُ وإنْ ضاعَت بعدَ الحَولِ، وقد ذكَرْنا فيما تَقدمَ دَليلَ دُخولِها في ملكِه، وقالَ داودُ: إذا تَملَّكَ العَينَ وأتلَفَها لَم يَضمَنْها. وحَكى ابنُ أَبي مُوسى عن أَحمدَ أنَّه لوَّحَ إلى مِثلِ هذا القَولِ؛ لحَديثِ عِياضِ بنِ حِمارٍ عن الَّنبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «فإنْ جاءَ ربُّها وإلا فهي مالُ اللهِ يُؤتِيه مَنْ يشاءُ» فجعَلَه مُباحًا، وقَولُه في حَديثِ أُبيِّ بنِ كَعبٍ: «فإنْ جاءَ مَنْ يُعرِّفُها وإلا فهي كسَبيلِ مالِكٍ» وفي حَديثِ زَيدٍ: «فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلا فشَأنَك بها»، ورُويَ «فهي لك» ولَم يَأمرْه بردِّ بدلِها. ولنا: قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «فإنْ لم تَعرِفْ فاستَنفِقْها ولتَكنْ وَديعةً عندَك، فإنْ جاءَ طالِبُها يومًا مِنْ الدَّهرِ فادفَعْها إليه»، وقالَ الأَثرمُ: قالَ أَحمدُ: أَذهبُ إلى حَديثِ الضَّحاكِ بنِ عُثمانَ جوَّدَه ولَم يَروِه أَحدٌ مِثلَ ما رَواه: «إنْ جاءَ صاحِبُها بعدَ سَنةٍ وقد أنفَقَها ردَّها إليه»؛ لأنَّها عَينٌ يَلزمُ ردُّها لو كانَت باقِيةُ فيَلزمُه ضَمانُها إذا أتلَفَها كما قبلَ الحَولِ،

стр. 7928

ولأنَّه مالٌ مَعصومٌ فلَم يَجزْ إِسقاطُ حقِّه مِنه مُطلقًا، كما لو اضطُرَّ إلى مالِ غيرِه (١). وقالَ العِمرانِيُّ الشافِعيُّ ﵀: وإذا أَخذَ اللُّقطةَ فعرَّفَها حَولًا، فإنْ قُلْنا: لا يَملكُها إلا باختِيارِ التَّملكِ فهي أَمانةٌ في يدِه، كما كانَت قبلَ انقِضاءِ مُدةِ التَّعريفِ. وإنْ قُلْنا: إنَّه يَملكُها بمُضيِّ مُدةِ التَّعريفِ، أو قُلْنا: لا يَملكُها إلا باختِيارِ تَملُّكِها، فاختارَ تَملكَها ملكَهَا ببَدلِها في ذِمتِه، فإنْ كانَ لها مِثلٌ ثبَتَ مِثلُها في ذِمتِه، وإنْ لَم يَكنْ لها مِثلٌ ثَبتَت قِيمتُها في ذِمتِه (٢). إذا لَم يَأتِ صاحِبُ اللُّقطةِ بعدَ السَّنةِ ماذا يُفعلُ بها وما الحُكمُ إذا جاءَ بعدَ التَّصدقِ بها؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في اللُّقطةِ إذا مرَّ على تَعريفِها حَولٌ كامِلٌ ولَم يَأتِ ربُّها ماذا يُفعلُ بها؟ هل يَمتلكُها المُلتقِطُ بمُضيِّ الحَولِ؟ أم لا بدَّ مِنْ نِيةِ التَّملكِ؟ أم لا يَجوزُ له تُملُّكُها؟ أم يَتصدَّقُ بها مُطلقًا سَواءٌ كانَ غنيًّا أو فَقيرًا؟ أم يَمتلكُها إنْ كانَ فَقيرًا ويَتصدَّقُ بها إنْ كانَ غنيًّا؟ على خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ. فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ المُلتقِطَ إذا عرَّفَ اللُّقطةَ حَولًا ولَم يَحضرْ صاحِبُها مُدةَ التَّعريفِ فهو بالخِيارِ:

стр. 7929

إنْ شاءَ أمسَكَها إلى أنْ يَحضرَ صاحِبُها، وإنْ شاءَ تَصدقَ بها على الفُقراءِ. ولو أَرادَ أنْ يَنتفعَ بها فإنْ كانَ غنيًّا لا يَجوزُ أنْ يَنتفعَ بها؛ لما رُويَ عن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «وسُئلَ عن اللُّقطةِ؟ فقالَ: لا تَحلُّ اللُّقطةُ، مَنْ التَقطَ شيئًا فليُعَرِّفْه سَنةً، فإنْ جاءَه صاحِبُها فليَردَّها إليه، وإنْ لَم يَأتِ صاحِبُها فليَتصدَّقْ بها، وإنْ جاءَه فليُخيِّرْه بينَ الأَجرِ وبينَ الذي له» (١). والاستدِلالُ به مِنْ وَجهينِ: أَحدُهما: أنَّه نَفى الحِلَّ مُطلقًا، وحالَةُ الفَقرِ غيرُ مُرادةٍ بالإِجماعِ، فتَعيَّنَ حالَةُ الغِنى. والثانِي: أنَّه أمَرَ بالتَّصدقِ، ومَصرِفُ الصَّدقةِ الفَقيرُ دونَ الغَنيِّ، وإنَّ الانتِفاعَ بمالِ المُسلمِ بغيرِ إِذنِه لا يَجوزُ إلا لضَرورةٍ، ولا ضَرورةَ إذا كانَ غَنيًّا. وإذا تَصدَّقَ بها على الفُقراءِ ثُم جاءَ صاحِبُها كانَ له الخِيارُ: إنْ شاءَ أَمضى الصَّدقةَ وله ثَوابُها وتَصيرُ إِجازتُه اللاحِقةُ بمَنزلةِ الإِذنِ السابقِ.

стр. 7930

وإنْ شاءَ ضمَّنَ المُلتقِطَ أو الفَقيرَ إنْ وجَدَه؛ لأنَّ التَّصدقَ كانَ مَوقوفًا على إِجازتِه، وأيَّهما ضمَّنَ لَم يِرجعْ على صاحِبِه كما في غاصِبِ الغاصِبِ، فإذا ضمَّنَ المُلتقِطَ لا يَرجعُ المُلتقِطُ على المِسكينِ؛ لأنَّه بالتَّضمينِ ملَكَها، فظهَرَ أنَّه تَصدَّقَ بمُلكِ نفسِه، فله ثَوابُها. وإنْ ضمَّنَ المُتصدقَ عليه: لَم يَرجعْ به أيضًا على المُلتقطِ؛ لأنَّ الصَّدقةَ عقدُ تبَرُّعٍ، فإذا ضمَّنَها الذي تبَرَّعَ عليه: لمْ يَرجعْ به على المُتبَرعِ. وإن كانَ فَقيرًا فإنْ شاءَ تَصدقَ بها على الفُقراءِ وإنْ شاءَ أنفَقها على نفسِه، فإذا جاءَ صاحِبُها خيَّرَه بينَ الأَجرِ وبينَ أنْ يَضمَنَها له على ما ذكَرْنا. وكذلك إذا كانَ غَنيًّا جازَ له أنْ يَتصدقَ بها على أَبيه وابنِه وزَوجتِه إذا كانُوا فُقراءَ؛ لأنَّه لما جازَ له أنْ يَنتفعَ بها إذا كانَ فَقيرًا جازَ أنْ يَتصدقَ بها على هؤلاء (١). وقالَ المالِكيةُ: المُلتقِطُ إذا عرَّفَ اللُّقطةَ سَنةً ولَم يَأتِ صاحِبُها فهو مُخيَّرٌ بينَ أُمورٍ ثَلاثةٍ: ١ - إما أنْ يَحبسَها إلى أنْ يَظهرَ ربُّها. ٢ - وإنْ شاءَ تصدَّقَ بها عن ربِّها. ٣ - وإنْ شاءَ تَملَّكَها، ويَدخلُ فيه ما إذا تَصدَّقَ بها عن نفسِه، وإذا جاءَ

стр. 7931

ربُّها ضمِنَها له في التَّصدُّقِ بها عن ربِّها وفي التَّملُّكِ، ولا فَرقَ على المَشهورِ بينَ لُقطةِ مَكةَ وغيرِها مِنْ الأَقطارِ في هذه الأَوجهِ الثَّلاثةِ. واستدَلُّوا على ذلك ما ثبَتَ في الحَديثِ: «عرِّفْها سَنةً، فإنْ جاءَ صاحَبُها وإلا فشَأنَك بها»، وفي الصَّحيحِ: «فإنْ لَم يَعرِفْ فاستَنفِقْها»، وفي النِّسائيِّ: «فإنْ لَم يَأتِ صاحِبُها فهو مالُ للهِ يُؤتِيه مَنْ يَشاءُ»، فتَضمَّنَت هذه الأَحاديثُ أنَّ الحُكمَ فيها بعدَ الحَولِ خِلافُه قَبلُه وله أنْ يَتصرفَ فيها لنفسِه، والذي يَقتَضيه قَولُ ابنِ القاسِمِ في «المُدونة» أنَّ له أنْ يَنتفعَ بها غنيًّا كانَ أو فَقيرًا؛ لأنَّ كلَّ ما صحَّ أنْ يُملكَ بالعِوضِ صحَّ أنْ يُملكَ باللُّقطةِ كالفَقيرِ. وهذا التَّخييرُ إذا كانَ المُلتقِطُ غيرَ الإِمامِ، أما الإِمامُ فليسَ له إلا حبسُها أو بيعُها لصاحِبِها ووضعُ ثَمنِها في بيتِ المالِ، وليسَ له التَّصدقُ بها ولا تَملُّكُها لمَشقَّةِ خلاصِ ما في ذمتِه بخِلافِ غيرِه (١). وقالَ الشافِعيةُ: إذا عرَّفَ المُلتقِطُ اللُّقطةَ سَنةً ولَم يَأتِ صاحبُها فهو مُخيَّرٌ بينَ أَمرينِ: أنْ يَحفظَها على صاحِبِها إلى أنْ يَظهرَ. أو أنْ يَختارَ تملُّكَها على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ بلَفظٍ ك «تمَلكتُ ما التَقطُّه»؛ لأنَّه تملَّكَ بعوضٍ فافتَقرَ إلى اختِيارِ التملُّكِ كالبَيعِ.

стр. 7932

وقيلَ تَكفي النِّيةُ مِنْ غيرِ لَفظٍ، وقيلَ: يَملكُ اللُّقطةَ بمُضيِّ السَّنةِ وإنْ لَم يَختَرْ تَملكَها؛ لأنَّ سَببَ التَّملكِ هو التَّعريفُ، فإذا وجَدَ السَّببَ حصلَ المُلكُ كالاصطِيادِ والاحتِشاشِ وإِحياءِ المواتِ. فإنْ اختارَ تملُّكَها ملَكَها، سَواءٌ كانَ الواجِدُ غنيًّا أو فَقيرًا، وسَواءٌ كانَ مِنْ آل النَّبيِّ ﷺ أو مِنْ غيرِهم؛ لما رُويَ في حَديثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهنيِّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن اللُّقطةِ فقالَ: عرِّفْها سَنةً، فإنْ جاءَ صاحِبُها، وإلا فشَأنَك بها» أي: افعَلْ بها ما تَشاءُ، ففوَّضَ الأَمرَ إلى خِيرتِه، ورُويَ: «وإلا فاستَنفِعْ بها» ولَم يُفرِّقْ بينَ الغنيِّ والفَقيرِ. «ورَوى أُبيُّ بنُ كَعبٍ قالَ: وجَدتُ صُرةً فيها مِائةُ دِينارٍ، فأتَيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقالَ: «عرِّفْها حَولًا» ثُم أَتَيتُه، فقالَ: «عرِّفْها حَولًا» -مَرتينِ أو ثَلاثًا- إلى أنْ قالَ: «اعرِفْ عَددَها ووِعاءَها ووِكاءَها، فإنْ جاءَ صاحِبُها، وإلا فاستَمتِعْ بها». قالَ الشافِعيُّ: (وأُبيُّ بنُ كَعبٍ مِنْ أَيسرِ أَهلِ المَدينةِ، أو كأَيسرِهم). ولأنَّ مَنْ صحَّ أنْ يَملكَ بالقَرضِ صحَّ أنْ يَملكَ اللُّقطةَ كالفَقيرِ، وعَكسُه العَبدُ. فإذا تملَّكَها وظهَرَ المالِكُ واتَّفَقا على ردِّ عَينِها فذاك؛ إذ الحقُّ لهما لا يَعدُوهما، ويَجبُ على المُلتقِطِ ردُّها عليه قبلَ الطَّلبِ على الأَصحِّ، ومُؤنةُ الردِّ بعدَ التَّملُّكِ على المُلتقِطِ؛ لأنَّه قبَضَ العَينَ لغَرضِ نفسِه، وقبِلَه على المالِكِ.

стр. 7933

وإنْ أَرادَ المالِكُ اللُّقطةَ وأَرادَ المُلتقِطُ العُدولَ إلى بَدلِها أُجيبَ المالِكُ في الأَصحِّ كالقَرضِ بل أَولَى؛ لأنَّ للمالِكِ هنا سَلطنةً شَرعيةً ليسَت للمُقتَرضِ؛ لأنَّه لَم يَرضَ بتملُّكِها عليه. ومُقابلُ الأَصحِّ: المُجابُ المُلتقِطُ. فإنْ تلِفَت بعدَ التَّملُّكِ غرِمَ مِثلَها إنْ كانَت مثليَّةً أو قِيمتَها إنْ كانَت مُتقومةً يومَ التَّملكِ، وقيلَ يومَ التَّلفِ، وقيلَ يومَ المُطالبةِ. وإنْ نقَصَت بعَيبٍ طرَأَ بعدَ التَّملكِ فله أَخذُها معَ الأَرشِ في الأَصحِّ، والثانِي يَقنعُ بها بلا أَرشٍ (١).

стр. 7934

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7935

وقالَ الحَنابِلةُ: إذا عرَّفَ اللُّقطةَ حَولًا فلَم تُعرَفْ ملَكَها مُلتقِطُها، وصارَت مِنْ مالِه كسائِرِ أَموالِه، غنيًّا كانَ المُلتقِطُ أو فَقيرًا؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ في حَديثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ: «فإنْ لَم تَعرفْ فاستَنفِقْها»، وفي لَفظٍ: «وإلا فهي كسَبيلِ مالِكٍ»، وفي لَفظٍ: «ثُم كُلْها»، وفي لَفظٍ: «فانتَفِعْ بها»، وفي لَفظٍ: «فشَأنَك بها»، وفي حَديثِ أُبيِّ بنِ كَعبٍ: «فاستَنفِقْها»، وفي لَفظٍ: «فاستمتِعْ بها»، وهو حَديثٌ صَحيحٌ، ولأنَّ مَنْ ملَكَ بالفَرضِ ملَكَ باللُّقطةِ كالفَقيرِ، ومَن جازَ له الالتِقاطُ ملَكَ به بعدَ التَّعريفِ كالفَقيرِ. وتَدخلُ اللُّقطةُ في مِلكِه عندَ تَمامِ التَّعريفِ حُكمًا كالمِيراثِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «فإذا جاءَ صاحِبُها وإلا فهي كسَبيلِ مالِكٍ» وقَولُه: «فاستَنفِقْها»، ولو وُقِفَ مِلكُها على تملُّكِها لبيَّنَه له، ولَم يُجوِّزْ له التَّصرفَ قبلَه، وفي لَفظٍ: «فهي لك» وفي لَفظٍ: «كُلْها»، وهذه الأَلفاظُ كلُّها تَدلُّ على هذا، ولأنَّ الالتِقاطَ والتَّعريفَ سَببٌ للتَّمليكِ، فإذا تمَّ وجَبَ أنْ يُثبتَ به الملكُ حُكمًا كالإِحياءِ والاصطِيادِ، ولأنَّه سَببٌ يَملكُ به فلَم يَقفْ المِلكُ بعدَه على قَولِه ولا اختِيارِه كسائِرِ الأَسبابِ، وذلك لأنَّ المكلَّفَ ليسَ إليه

стр. 7936

إلا مُباشرةُ الأَسبابِ، فإذا أَتى بها ثبَتَ الحُكمُ قَهرًا وجبْرًا مِنْ اللهِ تَعالى، غيرُ مَوقوفٍ على اختِيارِ المُكلَّفِ، وأما الاقتِراضُ فهو السَّببُ في نفسِه فلَم يثبُتْ المُلكُ بدونِه. واختارَ أَبو الخَطابِّ أنَّها لا تَدخلُ في مُلكِه حتى يَختارَ. وتُملَكُ اللُّقطةُ مِلكًا مُراعى يَزولُ بمَجيءِ صاحِبِها، ويُضمَنُ له بدلُها إن تعذَّرَ ردُّها. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والظاهِرُ أنَّه يَملكُها بغيرِ عِوضٍ يثبُتُ في ذِمتِه، وإنَّما يَتجددُ وُجوبِ العِوضِ بمَجيءِ صاحِبِها كما يَتجدَّدُ زَوالُ المِلكِ عنها بمَجيئِه، وكما يَتجدَّدُ وُجوبُ نِصفِ الصَّداقِ للزَّوجِ أو بَدلِه إنْ تَعذَّرَ ثُبوتُ المِلكِ فيه بالطَّلاقِ، وهذا قَولُ بعضِ أَصحابِ الشافِعيِّ، وقالَ أَكثرُهم: لا يَملكُها إلا بعِوضٍ يَثبتُ في ذِمتِه لصاحِبِها، وهذا قَولُ القاضِي وأَصحابِه، بدَليلِ أنَّه يَملكُ المُطالبةَ به فأَشبَه الفَرضَ. ولنا: قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلا فهي مالُ اللهِ يُؤتِيه مَنْ يشاءُ» فجعَلَها مِنْ المُباحاتِ، ولأنَّه لو ماتَ لَم يُعزَلْ مِنْ تَركتِه بَدلُها، ولا يَستحقُّ أنْ يَأخذَ مِنْ الزَّكاةِ بسَببِ الغُرمِ، ولا يَلزمُه أنْ يُوصيَ به، ولا يَمتنعُ وُجوبُ الزَّكاةِ في مالِه بسَببِ الدَّينِ، ولا يَثبتُ شيءٌ مَنْ أَحكامِ الدَّينِ في حقِّه، وانتِفاءُ أَحكامِه دَليلٌ على انتِفائِه، وقالَ القاضِي: يَمنعُ ذلك وُجوبَ الزَّكاةِ، ولأنَّه لو ملَكَها بعِوضٍ لَم يَزلْ مُلكُه عنها بمَجيءِ صاحِبِها ولو وقَفَ مُلكُه لها على رِضاه بالمُعاوضةِ واختِيارِه لأَحدِهما كالقَرضِ

стр. 7937

والأَمرُ بخِلافِ ذلك، وإنَّما يَستحقُّ صاحِبُها المُطالبةَ بعدَ مَجيئِه بشَرطِ تَلفِها، فإنَّها لو كانَت مَوجودةً لأخَذَها ولَم يَستحقْ لها بَدلًا، وإنْ كانَت تالِفةً تَجدَّدَ له مِلكُ المُطالبةِ ببَدلِها كما يَتجدَّدُ له المِلكُ فيها لو كانِت مَوجودةً، وكما يَتجدَّدُ له المِلكُ في نِصفِ الصَّداقِ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، وفي بدلِه إنْ كانَ مَعدومًا، وهذا أَشبهُ بمَسألتِنا، وبه يَبطلُ ما ذكَرُوه، وأمَّا القَرضُ فإنَّه لما ثبَتَ بدَلُه في الذِّمةِ لَم يَعدِ المِلكُ له في المُقرَضِ إلا برِضا المُقرِضِ واختِيارِه (١). قالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختلَفُوا في حُكمِها بعدَ السَّنةِ، فاتَّفقَ فُقهاءُ الأَمصارِ مالِكٌ والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ وأَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأَحمدُ وأَبو عُبيدٍ وأَبو ثورٍ إذا انقَضَت كانَ له أنْ يَأكلَها إنْ كانَ فَقيرًا أو يَتصدقَ بها إنْ كانَ غنيًّا، فإنْ جاءَ صاحِبُها كانَ مُخيَّرًا بينَ أنْ يُجيزَ الصَّدقةَ فيَنزلَ على ثَوابِها أو يُضمِّنَه إِياها. واختلَفُوا في الغَنيِّ، هل له أنْ يَأكلَها أو يُنفقَها بعدَ الحَولِ؟ فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: له ذلك. وقالَ أَبو حَنيفةَ: ليسَ له أنْ يَأكلَها أو يَتصدقَ بها، ورُويَ مِثلُ قَولِه عن عليٍّ وابنِ عَباسٍ وجَماعةٍ مِنْ التابِعينَ.

стр. 7938

وقالَ الأَوزاعيُّ: إنْ كانَ مالًا كَثيرًا جعَلَه في بيتِ المالِ. ورُويَ مِثلُ قَولِ مالِكٍ والشافِعيِّ عن عُمرَ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عُمرَ وعائِشةَ. وكلُّهم مُتفِقونَ على أنَّه إنْ أكَلَها ضمِنَها لصاحِبِها إلا أَهلَ الظاهِرِ. واستدَلَّ مالِكٌ والشافِعيُّ بقَولِه ﵊: «فشَأنَك بها» ولَم يُفرقْ بينَ غنيٍّ وفَقيرٍ. ومِن الحُجةِ لهما ما رَواه البُخاريُّ والتِّرمذيُّ عن سُويدِ بنِ غَفلةَ قالَ: لقَيتُ أُويسَ بنَ كَعبٍ فقالَ: وجَدتُ صُرةً فيها مِائةُ دِينارٍ فأتَيتُ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: عرِّفْها حَولًا فعرَّفتُها، فلَم أَجدْ، ثُم أَتيتُه ثَلاثًا، فقالَ: «احفَظْ وِعاءَها ووِكاءَها، فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلا فاستَمتِعْ بها» وخرجَ التِّرمذيُّ وأَبو دَاودَ «فاستَنفِقْها». فسَببُ الخِلافِ مُعارضةُ ظاهِرِ لَفظِ حَديثِ اللُّقطةِ لأَصلِ الشَّرعِ، وهو أنَّه لا يَحلُّ مالُ امرئٍ مُسلِمٍ إلا عن طِيبِ نَفسٍ مِنه، فمَن غلَّبَ هذا الأَصلَ على ظاهِرِ الحَديثِ وهو قَولُه بعدَ التَّعريفِ «فشَأنَك بها» قالَ: لا يَجوزُ فيها تَصرُّفٌ إلا بالصَّدقةِ فقط، على أنْ يَضمنَ إنْ لَم يُجزْ صاحِبُ اللُّقطةِ الصَّدقةَ، ومَن غلَّبَ ظاهِرَ الحَديثِ على هذا الأَصلِ ورَأى أنَّه مُستَثنى عنه قالَ: تَحلُّ له بعدَ العامِ، وهي مالٌ مِنْ مالِه لا يَضمَنُها إنْ جاءَ صاحِبُها، ومَن توسَّطَ قالَ: يَتصرفُ بعدَ العامِ فيها وإنْ كانَت عَينًا على جِهةِ الضَّمانِ (١).

стр. 7939

لو جاءَ صاحِبُها بعدَما تصدَّقَ بها المُلتقِطُ: تقدَّمَ في المَسألةِ السابِقةِ أنَّ المُلتقِطَ إذا تَصدَّقَ باللُّقطةِ بعدَ الحَولِ ثُم جاءَ صاحِبُها فله أنْ يَضمنَه اتِّفاقًا إذا لَم يَرضَ بإِجازةِ الصَّدقةِ. إذا التقَطَ اللُّقطةَ اثنَانِ: قالَ الحَنفيةُ: إنْ وجَدَ اللُّقطةَ رَجلانِ عرَّفاها جميعًا واشتَرَكا في حُكمِها، ولو ضاعَت اللُّقطةُ مِنْ يدِ مُلتقِطِها فوجَدَها في يدِ آخرَ فلا خُصومةَ بينَه وبينَه؛ لأنَّ الأولَ قد ارتفَعَت يدُه. ولو كانَا يَمشيانِ فرَأى أَحدُهما لُقطةً، فقالَ صاحِبُه: هاتِها. فأخَذَها لنفسِه، فهي للآخِذِ دونَ الآمِرِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: وإذا وجَدَ رَجلانِ لُقطةً فأَخَذاها معًا كانَت بينَهما بعدَ التَّعريفِ، كما إذا أَثبَتا صَيدًا. وإنْ رأَياها معًا فبادَرَ أَحدُهما وأخَذَها كانَت لمَن أخَذَها؛ لأنَّ استِحقاقَ اللُّقطةِ بالأَخذِ دونَ الرَّؤيةِ، كما في الاصطِيادِ. فإنْ رآها أَحدُهما فقالَ لصاحِبِه: «أَعطِنيها» فأخَذَها الآخَرُ، فإنْ أخَذَها لنفسِه كانَ أَحقَّ بها؛ لأنَّ استِحقاقَها بالأَخذِ دونَ الرُّؤيةِ، وإنْ أخَذَها لصاحِبِه الذي أمَرَه بأَخذِها، فهل تَكونُ للآمرِ؟ فيه وَجهانِ؛ بناءً على القَولينِ في التَّوكيلِ في الاصطِيادِ والاحتِشاشِ.

стр. 7940

وإنَ أخَذَ رَجلٌ اللُّقطةَ فضاعَت مِنه ووجَدَها آخرُ فإنَّ الثانِي يُعرِّفُها، فإنْ جاءَ مالِكُها، وأَقامَ البَينةَ عليها وجَبَ عليه ردُّها إليه؛ لأنَّه هو المالِكُ لها، وإنْ لَم يَجدْ مالِكَها ولكنْ جاءَ المُلتقِطُ الأَولُ وأَقامَ البَينةَ على التِقاطِه لها وجَبَ على الثانِي ردُّها إليه؛ لأنَّ الأَولَ قد ثبَتَ له عليها حقٌّ بالالتِقاطِ، فوجَبَ ردُّها إليه كما لو تَحجَّرَ مَواتًا. ولو أخَذَ اللُّقطةَ اثنَانِ فتَرَكَ أَحدُهما حقَّه مِنْ الالتِقاطِ للآخرِ لَم يَسقطْ، كما لا يَجوزُ للمُلتقِطِ نقلُ حقِّه إلى غيرِه، فيُعرِّفانِها ويَتملَّكانِها بعدَ التَّعريفِ. وإنْ أَقامَ كلٌّ مِنهما بَينةً بأنَّه المُلتقطُ ولَم يَسبقْ تاريخٌ لهما تَعارَضَتا. ولو سَقطَت مِنْ المُلتقِطِ لها فالتقَطَها آخرُ فالأَولُ أَولى بها مِنه؛ لسَبقِه على الأَصحِّ، وقيلَ: للثانِي. ولو أمَرَ واحدٌ آخرَ بالتِقاطِ لُقطةٍ رَآها فأخَذَها فهي للآمِرِ إنْ قصَدَه الآخَرُ ولو معَ نفسِه، وإلا فهي له، ولا يُشكلُ هذا بما مرَّ في الوكالةِ مِنْ عَدمِ صِحتِها في الالتِقاطِ؛ لأنَّ ذلك في عُمومِ الالتِقاطِ، وهذا في خُصوصِ لُقطةٍ وُجدَت، فالأَمرُ بأَخذِها استِعانةٌ مُجردةٌ على تَناولِ شيءٍ مُعينٍ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ وجَدَ اللُّقطةَ اثنَانِ فهي بينَهما؛ لأنَّهما اشتَرَكا في السَّببِ فاشتَرَكا في الحُكمِ.

стр. 7941

وإنْ ضاعَت مِنْ واجِدِها فوجَدَها آخرُ ردَّها على الأَولِ؛ لأنَّه قد ثبَتَ له الحقُّ فيها فوجَبَ ردُّها إليه كالمِلكِ. وإنْ رَآها اثنَانِ فرفَعَها أَحدُهما فهي له؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ سبَقَ إلى ما لَم يَسبقْ إليه مُسلمٌ فهو له». وكذا إنْ رَآها أَحدُهما فأَعلَمَ صاحِبَه فأخَذَها، فهي للآخِذِ؛ لأنَّ استِحقاقَ اللُّقطةَ بالأَخذِ لا بالرُّؤيةِ كالاصطِيادِ. لو رَأى اللُّقطةَ اثنَانِ فقالَ أَحدُهما للآخرِ: «هاتِها» فأخَذَها لنفسِه، فهي للآخِذِ، وإنْ أخَذَها للآمِرِ فهي للآمِرِ، كما لو وكَّلَه في الاصطِيادِ له، وذُكرَ في «الكافِي» أنَّها لرافِعِها؛ لأنَّه لا يَصحُ التَّوكيلُ فيه. فإنْ التقَطَها اثنَانِ فعَرَّفاها حَولًا ملَكَاها جميعًا، وإنْ قُلْنا بوُقوفِ المِلكِ على الاختِيارِ فاختارَ أَحدُهما دونَ الآخرِ ملَكَ المُختارُ نِصفَها دونَ الآخرِ (١). لُقطةُ الحَرمِ والحاجّ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ لُقطةِ الحَرمِ، هل حُكمُها مُختلِفٌ عن لُقطةِ الحِلِّ؟ فلا يَجوزُ التِقاطُها للتَّملُّكِ، بل للحِفظِ فقط لصاحِبِها؟ أم هي وغيرُها سواءٌ، فيَجوزُ التِقاطُها للتَّملُّكِ وللحِفظِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا فرقَ بينَ لُقطةِ الحِلِّ والحَرمِ في شيءٍ، فيُصنَعُ بها ما

стр. 7942

يُصنَعُ بلُقطةِ الحِلِّ مِنْ التَّعريفِ والتَّملُّكِ بعدَه؛ لعُمومِ الأَحاديثِ الوارِدةِ في الالتِقاطِ مِنْ غيرِ فصلٍ بينَ لُقطةِ الحِلِّ والحَرمِ، ولأنَّه أَحدُ الحَرمينِ فأَشبَه حَرمَ المَدينةِ في الالتِقاطِ، ولأنَّها أَمانةٌ فلَم يَختلفْ حُكمُها بالحِلِّ والحَرمِ كالوَديعةِ. وقد رُويَ عن أمِّ المُؤمنينَ عائِشةَ ﵂ هذا، فعن مُعاذَةَ العَدويةِ أنَّ امرَأةً سأَلَت عائِشةَ فقالَت: «إنِّي أصَبتُ ضالَّةً في الحَرمِ وإنِّي عرَّفتُها فلَم أَجدْ أَحدًا يَعرفُها فقالَت لها عائِشةُ: استَنفِعي بها» (١). وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «إلا لمُنشدٍ» يَحتمِلُ أنْ يُريدَ: إلا لمَن عرَّفَها عامًا، لئلَّا يُظنَّ الاكتِفاءُ بتَعريفِها في المَوسمِ لكَثرةِ الناسِ فيه، وتَخصيصُها بذلك لتَأكيدِها لا لتَخصيصِها، كقَولِه ﵇: «ضالَّةُ المُسلمِ حَرقُ النَّارِ» وضالَّةُ الذِّميِّ مَقيسةٌ عليها (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيمِ إلى أنَّه لا يَجوزُ التِقاطُ لُقطةِ الحَرمِ للتَّملُّكِ، وإنَّما يَجوزُ حِفظُها

стр. 7943

لصاحِبِها، فإنِ التَقطَها عرَّفَها أَبدًا حتى يَأتِيَ صاحَبُها؛ لما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه «نَهى عن لُقطِ الحاجِّ» (١)، ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ في مَكةَ: «ولا تحِلُّ لُقطتُها إلا لمُنشِدٍ» (٢)، وفي رِوايةٍ «ولا تحِلُّ ساقِطتُها إلا لمُنشِدٍ» (٣)، ولخبَرِ الصَّحيحينِ: «إنَّ هذا البَلدَ حرَّمَه اللهُ، لا يُعضَدُ شَوكُه ولا يُنفَّرُ صَيدُه ولا يَلتقطُ لُقطتَه إلا مَنْ عرَّفَها» (٤)، فقَولُه ﷺ : «لا تِحلُّ لُقطتُه إلا لمُنشدٍ» أي: لا تَحلُّ لُقطتُها لمَن يُريدُ أنْ يُعرِّفَها سَنةً ثُم يَتملَّكُها كما في باقِي البِلادِ، بل لا تَحلُّ إلا لمَن يُعرِّفُها أبدًا ولا يَتملَّكُها. ففرَّقَ النَّبيُّ ﷺ بينَها وبينَ غيرِها، وأَخبَرَ أنَّها لا تَحلُّ إلا للتَّعريفِ لا للانتِفاعِ بها، ولَم يُوقِّتْ في التَّعريفِ بسَنةٍ كغيرِها، فدَلَّ على أنَّه أَرادَ التَّعريفَ على الدَّوامِ، وإلا فلا فائِدةَ في التَّخصيصِ. فلو كانَ حُكمُ لُقطةِ مَكةَ حُكمَ غيرِها ما كانَ لقَولِه ﷺ : «لا تَحلُّ لُقطتُها إلا لمُنشِدٍ» مَعنى تَختصُّ به مَكةُ كما تَختصُّ بسائِرِ ما وكِّدَ في هذا الحَديثِ؛ لأنَّ لُقطةَ غيرِها كذلك يَحلُّ لمُنشِدِها بعدَ الحَولِ الانتِفاعُ بها، فدَلَّ مَساقُ هذا الحَديثِ كلِّه على تَخصيصِ مَكةَ ومُخالفةِ لُقطتِها لغيرِها مِنْ البُلدانِ، كما خالَفَتها في كلِّ ما ذُكرَ في الحَديثِ، مِنْ أنَّها حَرامٌ لا تَحلُّ لأَحدٍ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بعدَ النَّبيِّ ﷺ ، وأنَّه لا يُنفَّرُ صَيدُها، ولا

стр. 7944

يُختَلى خِلاها، وغيرُ ذلك ممَّا خُصَّت به مِنْ أنَّه لَم يَستبحْ دِماءَهم ولا أَموالَهم، ولا جَرى فيهم الرِّقُ كغيرِهم. ومِن الحُجةِ أيضًا لذلك أنَّ المُلتقطَ إنَّما يَتملَّكُ اللُّقطةَ في غيرِ مَكةَ بعدَ الحَولِ؛ حِفظًا لها على ربِّها وحِرزًا لها؛ لأنَّه لا يَقدرُ على إِيصالِها إليه، ويَخشى تَلفَها، فيتَملَّكُها وتَتعلقُ قِيمتُها بذمتِه، ولُقطةُ مَكةَ يُمكنُ إِيصالُها إلى ربِّها؛ لأنَّه إنْ كانَ مِنْ أَهلِ مَكةَ فإنَّ مَعرفتَه تَقربُ، وإنْ كانَ غَريبًا لا يُقيمُ بها فإنَّه يَعودُ إليها بنفسِه، أو يَقدرُ على مَنْ يَسيرُ إلى مَكةَ مِنْ أَهلِ بلدِه فيَتعرَّفُ له ذلك؛ لأنَّها تُقصَدُ في كلِّ عامٍ مِنْ أَقطارِ الأَرضِ، فإذا كانَت اللُّقطةُ فيها مُعرَّضةً للإِنشادِ أبدًا أو شكَّ أنْ يَجدَها باغِيها ويَصلَ إليها ربُّها، فهذا الفَرقُ بينَ مَكةَ وسائِرِ البِلادِ. فالمَعنى فيه أنَّ حَرمَ مَكةَ -شرَّفَها اللهُ تَعالى- مَثابةٌ للنَّاسِ، يَعودونَ إليه المَرةَ بعدَ الأُخرى، فرُبما يَعودُ مالِكُها مِنْ أَجلِها، أو يَبعثُ في طَلبِها، فكأنَّه جعَلَ مالَه به مَحفوظًا عليه كما غَلُظَت الديَّةُ فيه. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: مَحلُّ الخِلافِ في المُتموَّلِ، أما غيرُه فيَستبدُّ به واجِدُه كما هو ظاهِرٌ، وإنْ لَم أرَ مَنْ تَعرَّضَ له … وليسَت لُقطةُ عَرفةَ ومُصلى إِبراهيمَ كلُقطةِ الحَرمِ. ويَجبُ تَعريفُها قطعًا عندَ التِقاطِها للحِفظِ؛ للخبَرِ المارِّ. ويَلزمُ المُلتقطَ الإِقامةُ للتَّعريفِ، أو دَفعُها للحاكِمِ (١).

стр. 7945

قالَ الماوِرديُّ ﵀: وفي المُنشدِ تَأويلانِ: أَحدُهما -وهو قولُ أَبي عُبيدٍ-: أنَّه صاحِبُها الطالِبُ، والناشِدُ هو المُعرِّفُ الواجِدُ لها، قالَ الشاعِرُ: يَصيخُ للنَّبأةِ أَسماعَه إِصاخةَ النَّاشِدِ للمُنشِدِ فكأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: لا يَحلُّ لأَحدٍ أنْ يَتملَّكَها إلا صاحِبُها التي هي له دونَ الواجِدِ. والتَّأويلُ الثانِي -وهو قَولُ الشافِعيِّ-: أنَّ المُنشِدَ الواجِدُ المُعرِّفُ، والناشِدُ هو المالِكُ الطالِبُ، ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ سمِعَ رَجلًا يَنشدُ ضالَّةً في المَسجدِ فقال: «أيُّها الناشِدُ غَيرُك الواجِدُ»، مَعناه: لا وجَدتَ، كأنَّه دَعا عليه، فعلى هذا التَّأويلِ مَعنى قَولِه: «لا تَحلُّ لُقطتُها إلا لمُنشِدٍ» أي: لمُعرِّفٍ يُقيمُ على تَعريفِها ولا يَتملَّكُها، فكانَ في كلا التَّأوِّيلينِ دَليلٌ على تَحريمِ تَملُّكِها، ولأنَّ مَكةَ لمَّا بايَنَت غيرَها في تَحريمِ صَيدِها وشَجرِها تَغليظًا لحُرمتِها بايَنَت غيرَها في مِلكِ اللُّقطةِ، ولأنَّ مَكةَ لا يَعودُ الخارِجُ مِنها غالبًا إلا بعدَ حَولٍ إنْ عادَ، فلَم يَنتشرْ إِنشادُها في البِلادِ كلِّها، فلذلك وجَبَ عليه إِدامةُ تَعريفِها، ولا فرقَ بينَ مكةَ وبينَ سائِرِ الحَرمِ؛ لاستِواءِ جَميعِ ذلك في الحُرمةِ (١).

стр. 7946

وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: فصلُ: وقَولُه ﷺ : «ولا يَلتقِطُ ساقِطتَها إلا مَنْ عرَّفَها» وفي لفظٍ: «ولا تَحلُّ ساقِطتُها إلا لمُنشدٍ» فيه دَليلٌ على أنَّ لُقطةَ الحَرمِ لا تُملَكُ بحالٍ، وأنَّها لا تُلتقَطُ إلا للتَّعريفِ لا للتَّمليكِ، وإلا لَم يَكنْ لتَخصيصِ مَكةَ بذلك فائِدةٌ أصلًا، وهذا هو الصَّحيحُ، والحَديثُ صَريحٌ فيه، والمُنشِدُ المُعرِّفُ، والناشِدُ الطالِبُ، ومِنه قَولُه: «إِصاخةُ الناشِدِ للمُنشِد»، وقد رَوى أَبو داودَ في سُننِه أنَّ النَّبيَّ ﷺ «نَهى عن لُقطةِ الحاجِّ»، وقالَ ابنُ وهبٍ: يَعني: يَتركُها حتى يَجدَها صاحِبُها. قالَ شَيخُنا: وهذا مِنْ خَصائصِ مَكةَ، والفَرقُ بينَها وبينَ سائِرِ الآفاقِ في ذلك أنَّ النَّاسَ يَتفرَّقونَ عنها إلى الأَقطارِ المُختلِفةِ، فلا يَتمكنُ صاحِبُ الضالَّةِ مِنْ طَلبِها والسَّؤالِ عنها بخِلافِ غَيرِها مِنْ البِلادِ (١).

стр. 7947

الرُّكنُ الثانِي: المُلتقِطُ: مَنْ يَصحُّ مِنه الالتِقاطُ ومَن لا يَصحُّ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإِنسانَ الحُرَّ المُسلِمَ البالِغَ العاقِلَ غيرَ المَحجورِ عليه لسَفهٍ يَصحُّ التِقاطُه. واختلَفُوا في الذِّميِّ والمُرتدِّ والصَّغيرِ والمَجنونِ والسَّفيهِ، هل يَصحُّ التِقاطُهم أم لا؟ وسَببُ اختِلافِهم: هل المُغلَّبُ في اللُّقطةِ الأَمانةُ والوِلايةُ فلا يَصحُّ التِقاطُهم؟ أم المُغلَّبُ فيها الاكتِسابُ فيَصحُّ التِقاطُهم؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ عندَهم والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ الالتِقاطُ مِنْ أيِّ إِنسانٍ، سَواءٌ كانَ مُسلِمًا أو كافرًا، بالِغًا أو غيرَ بالِغٍ، عاقِلًا أو مَجنونًا، حُرًّا أو عَبدًا، إلا أنَّ الحَنفيةَ استَثنَوا المَجنونَ. قالَ الحَنفيةُ: يَصحُّ التِقاطُ صَبيٍّ وعَبدٍ، ويَكونُ التَّعريفُ إلى وَليِّ الصَّبيِّ. وصحَّ أيضًا التِقاطُ الكافِرِ والمُرتدِّ، وعليه فتَثبُتُ الأَحكامُ مِنْ التَّعريفِ والتَّصدُّقِ بعدَه أو الانتِفاعِ. ويُشترطُ أنْ يَكونَ عاقِلًا، فلا يَصحُّ التِقاطُ المُجنونِ، وكذا المَعتوهُ على قَولٍ، وفائِدةُ عَدمِ صِحةِ التِقاطِ المَجنونِ ونحوِه أنَّه بعدَ الإِفاقةِ ليسَ له الأَخذُ مِمَّنْ أخَذَها مِنه (١).

стр. 7948

وقالَ الشافِعيةُ في المَذهبِ: يَصحُّ التِقاطُ الفاسِقِ والمُرتدِّ والسَّفيهِ والصَّبيِّ والمَجنونِ والذِّميِّ في دارِ الإِسلامِ -وفي مَعناه المُستأَمَنُ والمُعاهِدُ- كاصطِيادِهم واحتِطابِهم؛ لأنَّ المُغلَّبَ فيها مَعنى الاكتِسابِ؛ لأنَّه مآلُ الأَمرِ لا الأَمانةُ والوِلايةُ. وأمَّا الحَربيُّ يَجدُها في دارِ الإِسلامِ فإنَّها تُنزَعُ مِنه بلا خِلافٍ، ومَن أخَذَها مِنه كانَ له تَعريفُها وتملُّكُها، وقيلَ: تَكونُ غَنيمةً للمُسلمينَ. وأمَّا المُرتدُّ فتُردُّ لُقطتُه على الإِمامِ، وتَكونُ فيئًا إنْ ماتَ مُرتدًّا، فإنْ أَسلَمَ فحُكمُه كالمُسلِمِ. ويَنزعُ القاضِي اللُّقطةَ مِنْ الفاسِقِ -ومِثلُه الكافِرُ-، ويَضعُها عندَ عدلٍ في الأَظهرِ؛ لأنَّ مالَ وَلدِه لا يَقرُّ في يدِه فكيفَ مالُ الأَجانبِ؟ والثانِي لا؛ لأنَّ له حقَّ التَّملُّكِ -أي إنْ أمِنَت غائِلتُه- ولكنْ يُضمُّ إليه عَدلٌ مُشرفٌ، وأُجرةُ العَدلِ على القَولينِ في بَيتِ المالِ، فإنْ لَم يَكنْ فمِن الواجِدِ الفاسِقِ. والأَظهرُ أنَّه لا يُعتمَدُ تَعريفُه، بل يُضمُّ إليه عَدلٌ رَقيبٌ خَشيةً مِنْ التَّفريطِ في التَّعريفِ. والثانِي: يُعتمَدُ مِنْ غيرِ رَقيبٍ؛ لأنَّه المُلتقِطُ، ومُؤنةُ التَّعريفِ عليه على القَولينِ. ويَنزِعُ الوَليُّ وُجوبًا لُقطةَ الصَّبيِّ والمَجنونِ والسَّفيهِ لحقِّهم وحقِّ المالَكَ، كما يَنزَعُ مِنهم أُموالَهم، وتَكونُ يدُه نائِبةً عنهم كما نابَ عنهم في

стр. 7949

مالِهم، ويُعرِّفُها الوَليُّ لا مِنْ مالِ الصَّبيِّ والمَجنونِ والسَّفيهِ، بل يَرفعُ الأَمرَ إلى الحاكِمِ ليَبيعَ جُزءًا مِنْ اللُّقطةِ لمُؤنةِ التَّعريفِ. ولا يَصحُّ تَعريفُ الصَّبيِّ والمَجنونِ، وأمَّا السَّفيهُ فيَصحُّ تَعريفُه، ولا بدَّ مِنْ إِذنِ وَليِّه. ويَتملَّكُها للصَبيِّ ونَحوِه إنْ رَأى ذلك مَصلحةً؛ حيثُ يَجوزُ الاقتِراضُ له؛ لأنَّ التَّملُّكَ في مَعنى الاقتِراضِ، فإنْ لَم يرَهُ مَصلحةً له حفِظَه أَمانةً أو دفَعَه إلى القاضِي، ويَضمنُ الوَليُّ إن قصَّرَ في انتِزاعِه حتى تلِفَ في يدِ الصَّبيِّ ومَن ذُكِر معَه، أو أتلَفَه كلٌّ مِنهم لتَقصيرِه، كما لو قصَّرَ في حِفظِ ما احتَطبَه. فإنْ لَم يُقصِّرْ في انتِزاعِها ضمِنَ الصَّبيُّ ومَن ذُكِرَ معَه بالإِتلافِ لا بالتَّلفِ بلا تَقصيرٍ، ويَعرِفُ التالِفُ المَضمونَ، ويُتملَّكُّ للصَّبيِّ ونَحوِه القِيمةُ بعدَ قَبضِ الحاكِمِ لها. ولو لَم يَعلمْ بها الوَليُّ حتى بلَغَ الصَّبيُّ أو أَفاقَ المَجنونُ أو رشَدَ السَّفيهُ كانَ كما لو وجَدَها بعدَ زَوالِ الحَجرِ، سَواءٌ استَأذنَ الحاكِمَ فأَقرَّها في يدِه أم لا. والأَظهرُ بُطلانُ التِقاطِ العَبدِ إذا لَم يَأذنْ له فيه السَّيدُ ولَم يَنهَه؛ لأنَّ اللُّقطةَ أَمانةٌ ووِلايةٌ ابتداءً، وتَمليكٌ انتِهاءً، وليسَ هو مِنْ أَهلِهما. والثانِي صِحتُه، ويَكونُ لسيِّدِه كاحتِطابِه واصطِيادِه، فإنْ أذِنَ له كقَولِه: متى وجَدتَ لُقطةً فأتِني بها. صحَّ جَزمًا، وإنْ نَهاه امتنَعَ جَزمًا (١).

стр. 7950

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإنْ كانَ الَّذي وجَدَ اللُّقطةَ سَفيهًا أو طِفلًا قامَ وَليُّه بتَعريفِها، فإنْ تمَّت السَّنةَ ضمَّها إلى مالِ واجِدِها). وجُملةُ ذلك أنَّ الصَّبيَّ والمَجنونَ والسَّفيهَ إذا التَقطَ أَحدُهم لُقطةً ثبَتَت يدُه عليها؛ لعُمومِ الأَخبارِ، ولأنَّ هذا تَكسُّبٌ فصحَّ مِنه كالاصطِيادِ والاحتِطابِ، وإنْ تلِفَت في يدِه بغيرِ تَفريطٍ فلا ضمانَ عليه؛ لأنَّه أخذَ ما له أخذُهُ، وإنْ تلِفَت بتَفريطِه ضمِنَها في مالِه، وإذا علِمَ بها وَليُّه لزِمَه أَخذُها؛ لأنَّه ليسَ مِنْ أَهلِ الحِفظِ والأَمانةِ، فإنْ ترَكَها في يدِه ضمِنَها؛ لأنَّه يَلزمُه حِفظُ ما يَتعلَّقُ به حقُّ الصَّبيِّ، وهذا يَتعلَّقُ به حَقُّه، فإذا ترَكَها في يدِه كانَ مُضيِّعًا لها، وإذا أخَذَها الوَليُّ عرَّفَها؛ لأنَّ واجِدُها ليسَ مِنْ أَهلِ التَّعريفِ، فإذا انقَضَت مُدةُ التَّعريفِ دخَلَت في مِلكِ واجِدِها؛ لأنَّ سَببَ المِلكِ تمُّ شَرطُه فيثبُتُ المِلكُ له كما لو اصطادَ صَيدًا، وهذا مَذهبُ الشافِعيُّ، إلا أنَّ أَصحابَه قالُوا: إذا انقَضَت مُدةُ التَّعريفِ فكانَ الصَّبيُّ والمَجنونُ بحيثُ يُستقرَضُ لهما يَتملَّكُه لهما وإلا فلا، وقالَ بَعضُهم: يَتملَّكُه لهما بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ الظاهِرَ عَدمُ ظُهورِ صاحِبِه فيَكونُ تَملُّكُه مَصلحةً له. ولنا: عُمومُ الأَخبارِ، ولو جَرى هذا مَجرى الاقتِراضِ لمَا صحَّ التِقاطُ صَبيٍّ لا يَجوزُ الاقتِراضُ له؛ لأنَّه يَكونُ تَبرعًا بحِفظِ مالِ غيرِه مِنْ غيرِ فائِدةٍ. فصلٌ: قالَ أَحمدُ في رِوايةِ العباسِ بنِ موسَى في غُلامٍ له عَشرُ سِنينَ التقَطَ لُقطةً ثُم كبِرَ: فإنْ وجَدَ صاحِبَها دفَعَها إليه، وإلا تصدَّقَ بها، قد أَمضى
следующие страницы →