← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.

стр. 7946

وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: فصلُ: وقَولُه ﷺ : «ولا يَلتقِطُ ساقِطتَها إلا مَنْ عرَّفَها» وفي لفظٍ: «ولا تَحلُّ ساقِطتُها إلا لمُنشدٍ» فيه دَليلٌ على أنَّ لُقطةَ الحَرمِ لا تُملَكُ بحالٍ، وأنَّها لا تُلتقَطُ إلا للتَّعريفِ لا للتَّمليكِ، وإلا لَم يَكنْ لتَخصيصِ مَكةَ بذلك فائِدةٌ أصلًا، وهذا هو الصَّحيحُ، والحَديثُ صَريحٌ فيه، والمُنشِدُ المُعرِّفُ، والناشِدُ الطالِبُ، ومِنه قَولُه: «إِصاخةُ الناشِدِ للمُنشِد»، وقد رَوى أَبو داودَ في سُننِه أنَّ النَّبيَّ ﷺ «نَهى عن لُقطةِ الحاجِّ»، وقالَ ابنُ وهبٍ: يَعني: يَتركُها حتى يَجدَها صاحِبُها. قالَ شَيخُنا: وهذا مِنْ خَصائصِ مَكةَ، والفَرقُ بينَها وبينَ سائِرِ الآفاقِ في ذلك أنَّ النَّاسَ يَتفرَّقونَ عنها إلى الأَقطارِ المُختلِفةِ، فلا يَتمكنُ صاحِبُ الضالَّةِ مِنْ طَلبِها والسَّؤالِ عنها بخِلافِ غَيرِها مِنْ البِلادِ (١).

стр. 7947

الرُّكنُ الثانِي: المُلتقِطُ: مَنْ يَصحُّ مِنه الالتِقاطُ ومَن لا يَصحُّ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الإِنسانَ الحُرَّ المُسلِمَ البالِغَ العاقِلَ غيرَ المَحجورِ عليه لسَفهٍ يَصحُّ التِقاطُه. واختلَفُوا في الذِّميِّ والمُرتدِّ والصَّغيرِ والمَجنونِ والسَّفيهِ، هل يَصحُّ التِقاطُهم أم لا؟ وسَببُ اختِلافِهم: هل المُغلَّبُ في اللُّقطةِ الأَمانةُ والوِلايةُ فلا يَصحُّ التِقاطُهم؟ أم المُغلَّبُ فيها الاكتِسابُ فيَصحُّ التِقاطُهم؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ عندَهم والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَصحُّ الالتِقاطُ مِنْ أيِّ إِنسانٍ، سَواءٌ كانَ مُسلِمًا أو كافرًا، بالِغًا أو غيرَ بالِغٍ، عاقِلًا أو مَجنونًا، حُرًّا أو عَبدًا، إلا أنَّ الحَنفيةَ استَثنَوا المَجنونَ. قالَ الحَنفيةُ: يَصحُّ التِقاطُ صَبيٍّ وعَبدٍ، ويَكونُ التَّعريفُ إلى وَليِّ الصَّبيِّ. وصحَّ أيضًا التِقاطُ الكافِرِ والمُرتدِّ، وعليه فتَثبُتُ الأَحكامُ مِنْ التَّعريفِ والتَّصدُّقِ بعدَه أو الانتِفاعِ. ويُشترطُ أنْ يَكونَ عاقِلًا، فلا يَصحُّ التِقاطُ المُجنونِ، وكذا المَعتوهُ على قَولٍ، وفائِدةُ عَدمِ صِحةِ التِقاطِ المَجنونِ ونحوِه أنَّه بعدَ الإِفاقةِ ليسَ له الأَخذُ مِمَّنْ أخَذَها مِنه (١).

стр. 7948

وقالَ الشافِعيةُ في المَذهبِ: يَصحُّ التِقاطُ الفاسِقِ والمُرتدِّ والسَّفيهِ والصَّبيِّ والمَجنونِ والذِّميِّ في دارِ الإِسلامِ -وفي مَعناه المُستأَمَنُ والمُعاهِدُ- كاصطِيادِهم واحتِطابِهم؛ لأنَّ المُغلَّبَ فيها مَعنى الاكتِسابِ؛ لأنَّه مآلُ الأَمرِ لا الأَمانةُ والوِلايةُ. وأمَّا الحَربيُّ يَجدُها في دارِ الإِسلامِ فإنَّها تُنزَعُ مِنه بلا خِلافٍ، ومَن أخَذَها مِنه كانَ له تَعريفُها وتملُّكُها، وقيلَ: تَكونُ غَنيمةً للمُسلمينَ. وأمَّا المُرتدُّ فتُردُّ لُقطتُه على الإِمامِ، وتَكونُ فيئًا إنْ ماتَ مُرتدًّا، فإنْ أَسلَمَ فحُكمُه كالمُسلِمِ. ويَنزعُ القاضِي اللُّقطةَ مِنْ الفاسِقِ -ومِثلُه الكافِرُ-، ويَضعُها عندَ عدلٍ في الأَظهرِ؛ لأنَّ مالَ وَلدِه لا يَقرُّ في يدِه فكيفَ مالُ الأَجانبِ؟ والثانِي لا؛ لأنَّ له حقَّ التَّملُّكِ -أي إنْ أمِنَت غائِلتُه- ولكنْ يُضمُّ إليه عَدلٌ مُشرفٌ، وأُجرةُ العَدلِ على القَولينِ في بَيتِ المالِ، فإنْ لَم يَكنْ فمِن الواجِدِ الفاسِقِ. والأَظهرُ أنَّه لا يُعتمَدُ تَعريفُه، بل يُضمُّ إليه عَدلٌ رَقيبٌ خَشيةً مِنْ التَّفريطِ في التَّعريفِ. والثانِي: يُعتمَدُ مِنْ غيرِ رَقيبٍ؛ لأنَّه المُلتقِطُ، ومُؤنةُ التَّعريفِ عليه على القَولينِ. ويَنزِعُ الوَليُّ وُجوبًا لُقطةَ الصَّبيِّ والمَجنونِ والسَّفيهِ لحقِّهم وحقِّ المالَكَ، كما يَنزَعُ مِنهم أُموالَهم، وتَكونُ يدُه نائِبةً عنهم كما نابَ عنهم في

стр. 7949

مالِهم، ويُعرِّفُها الوَليُّ لا مِنْ مالِ الصَّبيِّ والمَجنونِ والسَّفيهِ، بل يَرفعُ الأَمرَ إلى الحاكِمِ ليَبيعَ جُزءًا مِنْ اللُّقطةِ لمُؤنةِ التَّعريفِ. ولا يَصحُّ تَعريفُ الصَّبيِّ والمَجنونِ، وأمَّا السَّفيهُ فيَصحُّ تَعريفُه، ولا بدَّ مِنْ إِذنِ وَليِّه. ويَتملَّكُها للصَبيِّ ونَحوِه إنْ رَأى ذلك مَصلحةً؛ حيثُ يَجوزُ الاقتِراضُ له؛ لأنَّ التَّملُّكَ في مَعنى الاقتِراضِ، فإنْ لَم يرَهُ مَصلحةً له حفِظَه أَمانةً أو دفَعَه إلى القاضِي، ويَضمنُ الوَليُّ إن قصَّرَ في انتِزاعِه حتى تلِفَ في يدِ الصَّبيِّ ومَن ذُكِر معَه، أو أتلَفَه كلٌّ مِنهم لتَقصيرِه، كما لو قصَّرَ في حِفظِ ما احتَطبَه. فإنْ لَم يُقصِّرْ في انتِزاعِها ضمِنَ الصَّبيُّ ومَن ذُكِرَ معَه بالإِتلافِ لا بالتَّلفِ بلا تَقصيرٍ، ويَعرِفُ التالِفُ المَضمونَ، ويُتملَّكُّ للصَّبيِّ ونَحوِه القِيمةُ بعدَ قَبضِ الحاكِمِ لها. ولو لَم يَعلمْ بها الوَليُّ حتى بلَغَ الصَّبيُّ أو أَفاقَ المَجنونُ أو رشَدَ السَّفيهُ كانَ كما لو وجَدَها بعدَ زَوالِ الحَجرِ، سَواءٌ استَأذنَ الحاكِمَ فأَقرَّها في يدِه أم لا. والأَظهرُ بُطلانُ التِقاطِ العَبدِ إذا لَم يَأذنْ له فيه السَّيدُ ولَم يَنهَه؛ لأنَّ اللُّقطةَ أَمانةٌ ووِلايةٌ ابتداءً، وتَمليكٌ انتِهاءً، وليسَ هو مِنْ أَهلِهما. والثانِي صِحتُه، ويَكونُ لسيِّدِه كاحتِطابِه واصطِيادِه، فإنْ أذِنَ له كقَولِه: متى وجَدتَ لُقطةً فأتِني بها. صحَّ جَزمًا، وإنْ نَهاه امتنَعَ جَزمًا (١).

стр. 7950

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإنْ كانَ الَّذي وجَدَ اللُّقطةَ سَفيهًا أو طِفلًا قامَ وَليُّه بتَعريفِها، فإنْ تمَّت السَّنةَ ضمَّها إلى مالِ واجِدِها). وجُملةُ ذلك أنَّ الصَّبيَّ والمَجنونَ والسَّفيهَ إذا التَقطَ أَحدُهم لُقطةً ثبَتَت يدُه عليها؛ لعُمومِ الأَخبارِ، ولأنَّ هذا تَكسُّبٌ فصحَّ مِنه كالاصطِيادِ والاحتِطابِ، وإنْ تلِفَت في يدِه بغيرِ تَفريطٍ فلا ضمانَ عليه؛ لأنَّه أخذَ ما له أخذُهُ، وإنْ تلِفَت بتَفريطِه ضمِنَها في مالِه، وإذا علِمَ بها وَليُّه لزِمَه أَخذُها؛ لأنَّه ليسَ مِنْ أَهلِ الحِفظِ والأَمانةِ، فإنْ ترَكَها في يدِه ضمِنَها؛ لأنَّه يَلزمُه حِفظُ ما يَتعلَّقُ به حقُّ الصَّبيِّ، وهذا يَتعلَّقُ به حَقُّه، فإذا ترَكَها في يدِه كانَ مُضيِّعًا لها، وإذا أخَذَها الوَليُّ عرَّفَها؛ لأنَّ واجِدُها ليسَ مِنْ أَهلِ التَّعريفِ، فإذا انقَضَت مُدةُ التَّعريفِ دخَلَت في مِلكِ واجِدِها؛ لأنَّ سَببَ المِلكِ تمُّ شَرطُه فيثبُتُ المِلكُ له كما لو اصطادَ صَيدًا، وهذا مَذهبُ الشافِعيُّ، إلا أنَّ أَصحابَه قالُوا: إذا انقَضَت مُدةُ التَّعريفِ فكانَ الصَّبيُّ والمَجنونُ بحيثُ يُستقرَضُ لهما يَتملَّكُه لهما وإلا فلا، وقالَ بَعضُهم: يَتملَّكُه لهما بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ الظاهِرَ عَدمُ ظُهورِ صاحِبِه فيَكونُ تَملُّكُه مَصلحةً له. ولنا: عُمومُ الأَخبارِ، ولو جَرى هذا مَجرى الاقتِراضِ لمَا صحَّ التِقاطُ صَبيٍّ لا يَجوزُ الاقتِراضُ له؛ لأنَّه يَكونُ تَبرعًا بحِفظِ مالِ غيرِه مِنْ غيرِ فائِدةٍ. فصلٌ: قالَ أَحمدُ في رِوايةِ العباسِ بنِ موسَى في غُلامٍ له عَشرُ سِنينَ التقَطَ لُقطةً ثُم كبِرَ: فإنْ وجَدَ صاحِبَها دفَعَها إليه، وإلا تصدَّقَ بها، قد أَمضى

стр. 7951

أَجلَ التَّعريفِ فيما تقدَّمَ مِنْ السِّنينِ، ولَم يَردْ عليه استِقبالُ أَجلِ التَّعريفِ، قالَ: وقد كنتُ سمِعتُه قبلَ هذا أو بعدَه يَقولُ في انقِضاءِ أَجلِ التَّعريفِ: إذا لَم يَجدْ صاحِبَها، أيَتصدَّقُ بمالِ الغيرِ؟ وهذه المَسألةُ قد مَضى نَحوَها فيما إذا لَم يُعرفْ المُلتقِطُ اللُّقطةَ في حَولِها، فإنَّه لا يَملكُها وإنْ عرَّفَها فيما بعدَ ذلك؛ لأنَّ التَّعريفَ بعدَه لا يُفيدُ ظاهِرًا؛ لكَونِ صاحِبُها يئِسَ مِنها وترَكَ طلبَها، وهذه المَسألةُ تَدلُّ على أنَّه إذا ترَكَ التَّعريفَ لعُذرٍ كانَ كتَركِه لغيرِ عُذرٍ؛ لكَونِ الصَّبيِّ مِنْ أَهلِ العُذرِ، وقد ذكَرْنا في هذا وَجهينِ فيما تقدَّمَ. وقالَ أَحمدُ في غُلامٍ لَم يَبلغْ أصابَ عَشرةَ دَنانيرَ فذهَبَ بها إلى مَنزِلِه فضاعَت فلمَّا بلَغَ أَرادَ ردَّها فلَم يَعرفْ صاحِبَها: تَصدقْ بها، وإنْ لَم يَجدْ عَشرةً وكانَ يَجحفُ به تَصدقْ قَليلًا قَليلًا. قالَ القاضِي: مَعنى هذا أنَّها تلِفَت بتَفريطِ الصَّبيِّ، وهو أنَّه لَم يُعلِمْ وَليَّه حتى يَقومَ بتَعريفِها. فصلٌ: فإذا وجَدَ العَبدُ لُقطةً فله أَخذُها بغيرِ إِذنِ سيدِه ويَصحُّ التِقاطُه، وبذا قالَ أَبو حَنيفةَ وهو أَحدُ قَولَي الشافِعيِّ، وقالَ في الآخرِ: لا يَصحُّ التِقاطُه؛ لأنَّ اللُّقطةَ في الحَولِ الأَولِ أَمانةُ وِلايةٍ وفي الثانِي تملُّكٌ والعَبدُ ليسَ مِنْ أَهلِ الوِلاياتِ ولا المِلكِ. ولنا: عُمومُ الخبَرِ، ولأنَّ الالتِقاطَ سَببٌ يَملكُ به الصَّبيُّ ويَصحُّ مِنه فصحَّ مِنْ العَبدِ كالاحتِطابِ والاصطِيادِ، ولأنَّ مَنْ جازَ له قَبولُ الوَديعةِ صحَّ مِنه الالتِقاطُ كالحُرِّ …

стр. 7952

فصلٌ: والذِّميُّ في الالتِقاطِ كالمُسلِمِ، ومِن أَصحابِ الشافِعيِّ مَنْ قالَ: ليسَ له الالتِقاطُ في دارِ الإِسلامِ؛ لأنَّه ليسَ مِنْ أَهلِ الأَمانةِ. ولنا: أنَّها نوعُ اكتِسابِ فكانَ مِنْ أَهلِها كالاحتِشاشِ والاحتِطابِ، وما ذكَرُوه يَبطلُ بالصَّبيِّ والمَجنونِ، فإنَّه يَصحُّ التِقاطُهما معَ عَدمِ الأَمانةِ. إذا ثبَتَ هذا فإنَّه إنْ عرَّفَ اللُّقطةَ حَولًا ملَكَها كالمُسلِمِ، وإنْ علِمَ بها الحاكِمُ أو السُّلطانُ أقرَّها في يدِه، وضمَّ إليه مُشرفًا عدلًا يُشرفُ عليه ويُعرِّفُها؛ لأنَّنا لا نَأمنُ الكافِرَ على تَعريفِها، ولا نَأمنُه أنْ يُخلَّ في التَّعريفِ بشيءٍ مِنْ الواجِبِ عليه فيه، وأَجرُ المُشرِفِ عليه، فإذا تمَّ حَولُ التَّعريفِ ملَكَها المُلتقِطُ، ويُحتمَلُ أنْ تُنزَعَ مِنْ يدِ الذِّميِّ وتوضَعُ على يدِ عدلٍ؛ لأنَّه غيرُ مَأمونٍ عليها (١). وأمَّا المالِكيةُ فقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأمَّا المُلتقِطُ فهو كلُّ حُرٍّ مُسلِمٍ بالِغٍ؛ لأنَّها وِلايةٌ (٢).

стр. 7953

الرُّكنُ الثالثُ: المُلتقَطُ: المُلتقَطُ قِسمانِ: أَحدُهما: حَيوانٌ، وثانِيهما: جَمادٌ غيرُ حَيوانٍ. القِسمُ الأَولُ: الحَيوانُ: الحَيوانُ ثَلاثةُ أَنواعٍ: نَوعٌ يَصحُ التِقاطُه بالإِجماعِ، ونَوعٌ لا يَصحُّ التِقاطُه للتَّملُّكِ عندَ عامةِ الفُقهاءِ خِلافًا للحَنفيةِ، ونَوعٌ مُختلَفٌ فيه بأيِّهما يَلحَقُ مِنهما. النَّوعُ الأَولُ: ما يَصحُّ التِقاطُه: (لُقطةُ الغنمِ، وكلُّ حَيوانٍ لا يَمتنعُ بنَفسِه): اتَّفقَ فُقهاءُ المذاهِبِ الأَربعةِ على صِحةِ التِقاطِ الغَنمِ إذا كانَت في الفَلاةِ، إلا رُوايةً عن أَحمدَ. قالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ التِقاطِ الغَنمِ جائزٌ عدا رِوايةٍ عن أَحمدَ: أنَّ التِقاطَها لا يَجوزُ (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةُ: قالَ: (وإذا وجَدَ الشاةَ بمِصرَ أو بمَهلكةٍ فهي لُقطةٌ). يَعني أنَّه يُباحُ أَخذُها والتِقاطُها، وحُكمُها إذا أخَذَها حُكمُ الذَّهبِ والفِضةِ في التَّعريفِ والمِلكِ بعدَه، هذا الصَّحيحُ مِنْ مَذهبِ أَحمدَ وقَولِ أَكثرِ أَهلِ العِلمِ.

стр. 7954

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ: أجمَعُوا على أنَّ ضالَّةَ الغَنمِ في المَوضعِ المُخوَّفِ عليها له أَكلُها. وكذلك الحُكمُ في كلِّ حَيوانٍ لا يَمتنعُ بنفسِه مِنْ صِغارِ السِّباعِ، وهي الثُّعلبُ وابنُ آوى والذِّئبُ ووَلدُ الأَسدِ ونحوُها، فما لا يَمتنعُ مِنها كفُصلانِ الإِبلِ وعُجولِ البَقرِ وأَفلاءِ الخَيلِ والدَّجاجِ والإِوزِّ ونحوَها يَجوزُ التِقاطُه، ويُروى عن أَحمدَ رِوايةٌ أُخرى، ليسَ لغيرِ الإِمامِ التِقاطُها، وقالَ اللَّيثُ بنُ سعدٍ: لا أُحبُّ أنْ يَقرَّ بها إلا أنْ يُحرزَها لصاحِبِها؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «لا يُؤوِي الضالَّةَ إلا ضالٌّ» (١)، ولأنَّه حَيوانٌ أَشبَهَ الإِبلَ. ولنا: قَولُ النَّبيِّ ﷺ لمَّا سُئلَ عن الشاةِ: «خُذْها، فإنَّما هي لك أو لأَخيك أو للذِئبِ» مُتفقٌ عليه، ولأنَّه يُخشى عليه التَّلفُ والضَّياعُ، فأَشبهَ لُقطةَ غيرِ الحَيوانِ، وحَديثُنا أخصُّ مِنْ حَديثِهم فنَخصُّه به، والقِياسُ على الإِبلِ لا يَصحُّ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّلَ مَنعَ التِقاطِها بأنَّ معَها حِذاءَها وسِقاءَها، وهذا مَعدومٌ في الغَنمِ، ثُم قد فرَّقَ النَّبيُّ ﷺ بينَهما في خبَرٍ واحدٍ فلا يَجوزُ الجَمعُ بينَ ما فرَّقَ الشارِعُ بينَهما، ولا قِياسُ ما أمَرَ بالتِقاطِه على ما منَعَ ذلك مِنه (٢).

стр. 7955

واستَدلَّ جَماهيرُ أَهلِ العِلمِ على جَوازِ التِقاطِ ضالَّةِ الغَنمِ بخبَرِ الصَّحيحينِ عن زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهنيِّ ﵁ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فسأَلَه عن اللُّقطةِ فقالَ: «اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثُم عرِّفْها سَنةً فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلا فشَأنَك بها». قالَ: فضالَّةُ الغَنمِ؟ قالَ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ». قالَ فضالَّةُ الإِبلِ؟ قالَ: «ما لك ولها، معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ وتأكُلُ الشَّجرَ حتى يَلقاها ربُّها» (١). والفَرقُ بينَها وبينَ ضالَّةِ الإِبلِ أنَّ الإِبلَ تَحفظُ نَفسَها مِنْ الوَحشِ إنْ أَرادَها، وتَعيشُ بنفسِها وتَقدرُ على الشُّربِ مِنْ الغَدِرِ (٢) والأَكلِ مِنْ الشَّجرِ، فيَبعدُ خَوفُ الهَلاكِ عليها، وربَّما يَجيءُ صاحِبُها فيَجدُها، وليسَ كذلك ضالَّةُ الغَنمِ؛ لأنَّها لا تَعيشُ بنفسِها ولا تَقدرُ على الشُّربِ مِنْ الغدِرِ ولا تَمتنعُ مِنْ الوَحشِ والحَيوانِ المُفترسِ، وكانَ الغالِبُ هَلاكَها حتى لَم تُؤخذْ (٣). هل يَجوزُ له أَكلُ ضالَّةِ الغَنمِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ ضالَّةِ الغَنمِ إذا وجَدَها مُلتقِطُها في المَوضعِ المَخوفِ أنَّ له أَكلَها. قالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: أجمَعُوا على أنَّ مُلتقِطَ ضالَّةِ الغنَمِ في المَوضعِ المَخوفِ عليها له أَكلُها (٤).

стр. 7956

وقالَ ابنُ رشدٍ ﵀: وأمَّا ضالَّةُ الغَنمِ فإنَّ العُلماءَ اتَّفقوا على أنَّ لواجدِ ضالَّةِ الغَنمِ في المَكانِ القفرِ البَعيدِ مِنْ العُمرانِ أنْ يَأكلَها؛ لقَولِه ﵊ في الشَّاةِ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ ضالَّةَ الغَنمِ في المَوضعِ المَخوفِ عليها له أكلُها (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وكذلك الحُكمُ في كلِّ حَيوانٍ لا يَمتنعُ بنفسِه مِنْ صِغارِ السِّباعِ، وهي الثَّعلبُ وابنُ آوى والذِّئبُ ووَلدُ الأَسدِ ونحوُها، فما لا يَمتنعُ مِنها كفُصلانِ الإبلِ وعُجولِ البَقرِ وأَفلاءِ الخَيلِ-أولادُها- والدَّجاجِ والإِوزِّ ونحوِها يَجوزُ التِقاطُه (٣). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا، هل هذا الحُكمُ خاصٌّ بمَن يَجدُها في الفلاةِ والصَّحراءِ والمَواضعِ المُهلِكةِ؟ أم هو عامٌّ مُطلقًا سَواءٌ كانَ في المِصرِ والعُمرانِ أو في الصَّحراءِ؟ فذهَبَ الإِمامُ مالِكٌ وأَبو عُبيدٍ وابنُ المُنذرِ إلى أنَّ هذا الحُكمَ خاصٌّ بمَن وجَدَها في مَهلكةٍ، أمَّا مَنْ وجَدَها في المِصرِ أو إلى جَنبِ قَريةٍ أو مَوضعٍ يُمكنُ ضَمُّها إليه لَم يَجزْ له أَخذُها؛ لأنَّه يَصلُ إلى حِفظِها على صاحِبِها مِنْ غيرِ مَشقةٍ عليه، فلَم يَجزْ إِتلافُها، ولها قِيمةٌ في المَوضعِ الذي

стр. 7957

وجَدَها به، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» والذِّئبُ لا يَكونُ في المِصرِ. وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: (قُلتُ): أرأَيتَ مَنْ التَقطَ شاةً في فَيافي الأَرضِ أو فيما بينَ المَنازلِ؟ (قالَ): سَألتُ مالِكًا عن ضالَّةِ الغَنمِ يَجدُها الرَّجلُ (قالَ): قالَ مالِكٌ: أمَّا ما كانَ قُربَ القُرى فلا يَأكلُها، وليَضمَّها إلى أَقربِ القُرى إليها يُعرِّفُها فيها. (قالَ): وأما ما كانَ في فَلواتِ الأَرضِ والمَهامِهِ فإنَّ تلك يَأكلُها ولا يُعرِّفُها، فإنْ جاءَ صاحِبُها فليسَ له عليه مِنْ ثَمنِها قَليلٌ ولا كَثيرٌ، وكذلك قالَ مالِكٌ، قالَ: ألا تَرى أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ في الحَديثِ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ»؟ (١) وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا فَرقَ بينَ أنْ يَجدَها بمِصرٍ أو بمَهلَكةٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «خُذْها»، ولَم يُفرقْ ولَم يَستفصلْ، ولو افتَرقَ الحالُ لسأَلَ أو استفصَلَ، ولأنَّها لُقطةٌ فاستَوَى فيها المِصرُ والصَّحراءُ كسائِرِ اللُّقطاتِ، إلا أنَّ الحَنفيةَ قَيَّدُوا ذلك بما إذا خافَ عليها التَّلفَ أو الضَّياعَ مثلَ أنْ يَكونَ البَلدُ فيها الأَسدُ أو اللُّصوصُ، أمَّا إذا كانَت مَأمونةَ التَلفِ فلا يَأخذُها (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ: وقَولُهم إنَّ الذِّئبَ لا يَكونُ إلا في الصَّحراءِ، قُلنا: كَونُها للذِّئبِ في الصَّحراءِ لا يَمنعُ كَونَها لغيرِه في المِصرِ.

стр. 7958

إذا ثبَتَ هذا فإنَّه متى عرَّفَها حَولًا كامِلًا ملَكَها، وذكَرَ القاضِي وأَبو الخَطابِ عن أَحمدَ رِوايةً أُخرى أنَّه لا يَملِكُها، ولعلَّها الرِّوايةُ التي مُنعَ مِنْ التِقاطِها فيها. ولنا: قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «هي لك أو لأَخيك»، فأَضافَها إليه بلَامِ التَّمليكِ، ولأنَّها يُباحُ التِقاطُها فمُلكَت بالتَّعريفِ كالأَثمانِ، ولأنَّ ذلك إِجماعٌ حَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ (١). ويَتخيرُ مُلتقطُها بينَ ثَلاثِ خِصالٍ: ويَتخيرُ مُلتقِطُها بينَ ثَلاثِ خِصالٍ يَفعلُ الأَحظَّ مِنها وليسَ تَشهِّيًا: الخَصلةُ الأَولى: (أكلُها في الحالِ) وهذا باتِّفاقِ المَذاهبِ الأَربعةِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ وغيرِهم. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: أَجمَعُوا على أنَّ ضالَّةَ الغَنمِ في المَوضعِ المَخوفِ عليها له أَكلُها (٢). والأَصلُ في ذلك قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ»، فجعَلَها له في الحالِ، وسوَّى بينَه وبينَ الذِّئبِ، والذِّئبُ لا يَستأنِي بأَكلِها، ولأنَّ في أَكلِها في الحالِ إِغناءً عن الإِنفاقِ عليها وحِراسةً لماليَّتِها على صاحِبِها إذا جاءَ، فإنَّه يأخُذُ قِيمتَها بكَمالِها مِنْ غيرِ نقصٍ، وفي إِبقائِها تَضييعٌ للمالِ بالإِنفاقِ عليها والغَرامةِ في عَلفِها، فكانَ أَكلُها أَولى.

стр. 7959

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا هل يَغرمُها لصاحِبها إذا أكَلَها أم لا؟ وهذا له حالَتانِ: بعدَ إِجماعِهم على أنَّ مالِكَها لو جاءَ قبلَ أنْ يَأكلَها الواجِدُ أخَذَها منه (١). الحالةُ الأُولى: أنْ يَجدَها في الصَّحراءِ أو مَهلَكةٍ: فذهَبَ جَماهيرُ أَهلِ العِلمِ الحَنفيةُ وسحنُونٌ وابنُ عبدِ البرِّ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ وغيرِهم إلى أنَّه متى أرادَ أَكلَها حفِظَ صِفتَها، فمتى جاءَ صاحِبُها غَرمَها له؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ في حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَو يا رَسولَ اللَّهِ فكيفَ تَرى في ضالَّةِ الغَنمِ؟ قالَ: «طَعامٌ مَأكولٌ لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ احبِسْ على أَخيك ضالَّتَه» (٢)، ففيه دَليلٌ على أنَّ الشَّاةَ على مِلكِ صاحِبِها، ولأنَّها لُقطةٌ لها قِيمةٌ، وتَتبعُها النَّفسُ فتَجبُ غَرامتُها لصاحِبِها إذا جاءَ كغيرِها، ولأنَّها مِلكٌ لصاحِبِها فلَم يَجزْ تَملكُها عليه بغيرِ عِوضٍ مِنْ غيرِ رِضاه، كما لو كانَت بينَ البُنيانِ، ولأنَّها عينٌ يَجبُ ردُّها معَ بَقائِها، فوجَبَ غُرمُها إذا أتلَفَها كلُقطةِ الذَّهبِ، وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «هي لك» لا يَمنعُ وُجوبَ غَرامتِها، فإنَّه قد أذِنَ في لُقطةِ الذَّهبِ والوَرِقِ بعدَ تَعريفِها في أَكلِها وإِنفاقِها وقالَ: «كسائِرِ مالِكِ» ثُم أجمَعْنا على وُجوبِ غَرامتِها، كذلك الشَّاةُ.

стр. 7960

وليسَ قولُه ﷺ : «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» على مَعنى التَّمليكِ، كما أنَّه إذا قالَ: أو للذِّئبِ لَم يُردْ به التَّمليكَ؛ لأنَّ الذِّئبَ لا يَملِكُ، وإنَّما يَأكلُها على مِلكِ صاحِبِها، فيَنزلُ على أَجرِ مُصيبِها، فكذلك الواجِدُ إنْ أكَلَها أكَلَها على مِلكِ صاحِبِها، فإنْ جاءَ ضمِنَها له. وأجمَعَ العُلماءُ أنَّ صاحِبَها لو جاءَ قبلَ أنْ يَأكلَها الواجِدُ له أَخذُها مِنه، وكذلك لو ذبَحَها أخَذَها مِنه مَذبوحةً، وكذلك لو أكَلَ بَعضَها أخَذَ ما وجَدَ مِنها، فدَلَّ على أنَّها على مِلكِ صاحِبِها في الفَلواتِ وغيرِها، ولا يَزولُ مِلكُه عنها إلا بإِجماعٍ، ولا فَرقَ بينَ قولِه في الشَّاةِ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» وبينَ قَولِه في اللُّقطةِ: «فشَأنَك بها»، بل هذا أَشبهُ بالتَّمليكِ؛ لأنَّه لَم يُشركْ معَه في لَفظِ التَّمليكِ ذِئبًا ولا غيرَه. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: وقد أجمَعَ عُلماءُ المُسلمِينَ في اللُّقطةِ أنَّ واجِدَها يَغرَمُها إذا استهلَكَها بعدَ الحَولِ إنْ جاءَ صاحِبُها طالِبًا لها، فالشَّاةُ أَولى بذلك قِياسًا ونَظرًا. وقد شبَّه بعضُ المُتأخِّرينَ مِنْ أَصحابِنا الشَّاةَ المَوجودةَ بالفَلاةِ بالرِّكازِ، وهذه غَفلةٌ شَديدةٌ؛ لأنَّ الرِّكازَ لَم يَصحْ عليه مِلكٌ لأَحدٍ قبلَ واجِدِه، والشَّاةُ مِلكُ ربِّها لها صَحيحٌ مُجتَمعٌ عليه، فلا يَزولُ مِلكُه عنها إلا بإِجماعٍ مِثلِه أو سُنةٍ لا إِشكالَ فيها، وهذا مَعدومٌ في هذه المَسألةِ فوجَبَ الضَّمانُ فيها.

стр. 7961

وقد قالَ سحنُونٌ [في المُستَخرَجة]: إنْ أكَلَ الشَّاةَ واجِدُها بالفَلاةِ أو تَصدَّقَ بها ثُم جاءَ صاحِبُها ضمِنَها له، وهذا هو الصَّحيحُ وباللهِ التَّوفيقِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّه إذا وجَدَها في الصَّحراءِ ولَم يَستطعْ نَقلَها إلى العُمرانِ جازَ له أَكلُها ولا غُرمَ عليه لصاحِبِها ولا تَعريفَ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» وفي رِوايةٍ: «خُذْها؛ فإنَّما هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» وهذا تَنبيهٌ يَدلُّ على أنَّها في حُكمِ المُتلَفةِ، وذلك يَنفي تَعلقَّ الضَّمانِ بها، ولأنَّه لما جازَ له أَخذُها ولَم يُكلَّفْ سوقَها لَم يَجزْ أنْ يُشترطَ عليه الضَّمانُ، ولأنَّ الضَّمانَ إنَّما يَكونُ فيما له قِيمةٌ حالَ وُجودِه بعدَ التَّعريفِ؛ فلَم يَبقَ إلا سُقوطُ الضَّمانِ. ولَم يُوجبْ فيها تَعريفًا ولا غُرمًا، ولأنَّه سوَّى بينَه وبينَ الذِّئبِ، والذِّئبُ لا يُعرِّفُ ولا يَغرَمُ. فإنْ تَيسرَ حَملُها وجَبَ عليه حَملُها وتَعريفُها، فإنْ حمَلَها حيَّةً وجَبَ عليه تَعريفُها، وعلى ربِّها أُجرةُ حَملِها، وإنْ حمَلَها مَذبوحةً فربُّها أحقُّ بها إنْ علِمَ قبلَ أَكلِها، وعليه أُجرةُ حَملِها (٢).

стр. 7962

قالَ ابنُ رشدٍ ﵀: وأمَّا ضالَّةُ الغَنمِ فإنَّ العُلماءَ اتَّفقُوا على أنَّ لواجِدِ ضالةِّ الغَنمِ في المَكانِ القَفرِ البَعيدِ مِنْ العُمرانِ أنْ يَأكلَها؛ لقَولِه ﵊ في الشَّاةِ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» (١). واختلَفُوا هل يَضمنُ قِيمتَها لصاحِبِها أم لا؟ فقالَ جُمهورُ العُلماءِ إنَّه يَضمنُ قِيمتَها، وقالَ مالِكٌ في أَشهرِ الأَقاويلِ عنه إنَّه لا يَضمنُ. وسَببُ الخِلافِ مُعارضةُ الظاهِرِ كما قُلنا للأَصلِ المَعلومِ مِنْ الشَّريعةِ، إلا أنَّ مالِكًا هنا غلَّبَ الظاهِرَ فجَرى على حُكمِ الظاهِرِ، ولَم يَجزْ كذلك التَّصرُفُ فيما وجَبَ تَعريفُه بعدَ العامِ لقُوةِ اللَّفظِ ههنا. وعنه رِوايةٌ أُخرى أنَّه يَضمنُ، وكذلك كلُّ طَعامٍ لا يَبقى إذا خُشيَ عليه التَّلفُ إنْ ترَكَه (٢). قالَ ابنُ بَطالٍ: والحُجةُ لمالِكٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أذِنَ في أَكلِ الشَّاةِ، وأَقامَ الذي وجَدَها مقامَ ربِّها، وقالَ: «لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» فإذا أكَلَها بإِذنِ النَّبيِّ ﷺ لَم يَجزْ أنْ يَغرمَ في حالٍ ثانٍ إلا بحُجةٍ مِنْ كِتابٍ أو سُنةٍ أو إِجماعٍ، قالُوا: وهذا أَصلٌ في كلِّ ما يوجدُ مِنْ الطَّعامِ الذي لا يَبقى ويُسرعُ إليه الفَسادُ، فلمَن وجَدَه أكلُه إذا لَم يُمكنْه تَعريفُه ولا يَضمنُه؛ لأنَّه في مَعنى الشَّاةِ، والشَّاةُ في حُكمِ المُباحِ الذي لا قِيمةَ له، ألا تَرى أنَّ النَّبيَّ ﵇ وجَدَ تَمرةً فقالَ: «لولا أنِّي أَخشى أنْ تَكونَ مِنْ

стр. 7963

الصَّدقةِ لأكَلتُها» (١). فإنَّما نبَّهَ أنَّه يَجوزُ أَكلُها مِنْ مِلكِ الغيرِ لو لَم تَكنْ مِنْ الصَّدقةِ؛ لأنَّها في مَعنى التافِهِ، فكذلك الشَّاةُ في الفلاةِ لا قِيمةَ لها (٢). الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَجدَها في البُنيانِ أو القَريةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وجَدَها في البُنيانِ أو القَريةِ هل يَجوزُ له أَكلُها أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصحِّ وابنُ المُنذرِ إلى أنَّه إذا وجَدَها في المِصرِ ليسَ له أَكلُها؛ لأنَّه يُمكنُ بيعُها بخِلافِ الصَّحراءِ، فإنَّه قد لا يَجدُ فيها مَنْ يَشتريَها بخِلافِ العُمرانِ، ويَشقُّ النَّقلُ إليه. وذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأَصحِّ إلى أنَّه لا فرقَ في إِباحةِ أَكلِها بينَ وجدانِها في الصَّحراءِ أو في المِصرِ؛ لأنَّه لمَّا جازَ أَكلُها في الصَّحراءِ أُبيحَ في المِصرِ كسائِرِ المَأكولاتِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «هي لك» ولَم يُفرقْ، ولأنَّ أكلَها معلَّلٌ بما ذكَرْنا مِنْ الاستِغناءِ عن الإِنفاقِ عليها، وهذا في المِصرِ أشدُّ مِنه في الصَّحراءِ (٣). الخَصلةُ الثانيةُ: أنْ يُمسكَها على صاحِبِها ويُنفقَ عليها مِنْ مالِه ولا يَتملكُها إلا بعدَ مدةِ التَّعريفِ كغيرِه. إلا أنَّه إنْ أَحبَّ أنْ يُنفقَ عليها مُحتسبًا بالنَّفقةِ على مالِكِها وأشهَدَ على

стр. 7964

ذلك فهل له أنْ يَرجعَ بالنَّفقةِ؟ على رِوايتينِ عندَ الحَنابِلةِ: قالَ ابنُ قُدامةَ: إِحداهما: يَرجعُ به، نصَّ عليه في رِوايةِ المَروذيِّ في طَيرةِ مَنٍّ أفرَخَت عندَ قومٍ، فقَضى أنَّ الفِراخَ لصاحِبِ الطَّيرةِ، ويَرجعُ بالعَلفِ إذا لَم يَكنْ مُتطوِّعًا، وقَضى عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ فيمَن وجَدَ ضالةً فأنفَقَ عليها وجاءَ ربُّها بأنَّه يَغرُمُ له ما أنفَقَ، وذلك لأنَّه أنفَقَ على اللُّقطةِ لحِفظِها فكانَ مِنْ مالِ صاحِبِها كمُؤنةِ الرُّطبِ والعِنبِ. والرِوايةُ الثانيةُ: لا يَرجعُ بشيءٍ، وهو قَولُ الشَّعبيِّ والشافِعيِّ، ولَم يُعجِبْ الشَّعبيَّ قَضاءُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ؛ لأنَّه أنفَقَ على مالِ غيرِه بغيرِ إِذنِه فلَم يَرجعْ، كما لو بَنى دارَه، ويُفارقُ العِنبَ والرُّطبَ، فإنَّه ربَّما كانَ تَجفيفُه والإِنفاقُ عليه في ذلك أَحظَّ لصاحِبِه؛ لأنَّ النَّفقةَ لا تَتكررُ والحَيوانُ يَتكررُ الإِنفاقُ عليه، فربَّما استَغرقَ قِيمتَه فكانَ بَيعُه أو أَكلُه أَحظَّ، فلذلك لَم يَحتسبُ المُنفِقُ عليها بما أَنْفَقَ (١).

стр. 7965

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7966

قالَ الشافِعيةُ: إنْ شاءَ عرَّفَه ويُنفقُ عليه مدةَ التَّعريفِ، ويَتملكُه بعدَ التَّعريفِ كغيرِه، فإنْ أرادَ الرُّجوعَ استَأذنَ الحاكِمُ، فإنْ لَم يَجدْه أشهَدَ (١). وقالَ الحَنفيةُ: فإنْ أنفَقَ المُلتقِطَ عليها بغيرِ إِذنِ الحاكِمِ فهو مُتبَرعٌ؛ لقُصورِ وِلايتِه عن ذِمةِ المالِكِ، وإنْ أنفَقَ بأَمرِه كانَ ذلك دَينًا على صاحِبِها؛ لأنَّ للقاضيِّ وِلايةً في مالِ الغائِبِ نظرًا له، وقد يَكونُ النَّظرُ في الإِنفاقِ (٢). الخَصلةُ الثالثةُ: أنْ يَبيعَها ويَحفظَ ثَمنَها ثُم يَتملكُ الثَّمنَ: وله أنْ يَتولى ذلك بنفسِه عندَ الحَنابِلةِ والشافِعيةِ في مُقابلِ الأَصحِّ، ولا يُشترطُ إِذنُ الإِمامِ؛ لأنَّه إذا جازَ له أَكلُها بغيرِ إِذنٍ فبَيعُها أَولى.

стр. 7967

وقالَ الشافِعيةُ في الأَصحِّ: إذا لَم يَجدْ حاكِمًا باعَه مُستقلًّا، وإنْ وجَدَه فلا بدَّ مِنْ إِذنِه. وهل يُعرِّفُها في هذه المَواضعِ؟ فعندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ كما اختارَه ابنُ قُدامةَ حيثُ قالَ: ولَم يَذكرْ أَصحابُنا لها تَعريفًا في هذه المَواضعِ، وهذا قَولُ مالكٍ؛ لحَديثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ، فإنَّه ﷺ قالَ: «خُذْها فإنَّما هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ». ولَم يَأمرْ بتَعريفِها كما أمَرَ في لُقطةِ الذَّهبِ والورِقِ. ولنا: إنَّها لُقطةٌ لها خطرٌ فوجَبَ تَعريفُها كالمَطعومِ الكِثيرِ، وإنَّما تَركَ ذِكرَ تَعريفِها لأنَّه ذكَرَها بعدَ بَيانِه التَّعريفَ فيما سِواها، فاستَغنى بذلك عن ذكرِه فيها، ولا يَلزمُ مِنْ جَوازِ التَّصرفِ فيها في الحَولِ سُقوطُ التَّعريفِ كالمَطعومِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: إنْ باعَها حفِظَ ثمَنَها وعرَّفَها -أي اللُّقطةُ التي باعَها-، وكانَ تَعريفُها بمَكانٍ يَصلحُ للتَّعريفِ، ثُم تملَّكَ الثَمنَ. وقالُوا: والتَّخييرُ بينَ هذه الخِصالِ ليسَ تَشهِّيًا، بل عليه فِعلُ الأَحظِّ قِياسًا على ما يُمكنُ تَجفيفُه. وهذا إذا أخَذَها مِنْ الصَّحراءِ، أمَّا إن أخِذِها مِنْ العُمرانِ فله الخَصلتانِ الآخرَتانِ، وهما الإِمساكُ أو البَيعُ لا الأَكلَ في الأَصحِّ كما تَقدمَ (٢).

стр. 7968

وقالَ الحَنفيةُ: يَجوزُ الالتِقاطُ في الشَّاةِ والبَقرِ والبَعيرِ، فإنْ أنفَقَ المُلتقِطُ عليها بغيرِ إِذنِ الحاكِمِ فهو مُتبَرعٌ لقُصورِ وِلايتِه عن ذِمةِ المالِكِ، وإنْ أنفَقَ بأمرِه كانَ ذلك دَينًا على صاحِبِها؛ لأنَّ للقاضِي وِلايةً في مالِ الغائِبِ نظرًا له، وقد يَكونُ النَّظرُ في الإِنفاقِ. وإذا رفَعَ ذلك إلى الحاكِمِ نظَرَ فيه، فإنْ كانَ للبَهيمةِ مَنفعةٌ آجرَها وأنفَقَ عليها من أُجرتِها؛ لأنَّ فيه إِبقاءَ الَعينِ على مِلكِه مِنْ غيرِ إِلزامِ الدَّينِ عليه. وإنْ لَم تَكنْ لها مَنفعةٌ وخافَ أنْ تَستغرقَ النَّفقةُ قيمتَها باعَها وأمَرَ بحِفظِ ثَمنِها إِبقاءً له معنًى عندَ تَعذُّرِ إِبقائِه صُورةً. وإنْ كانَ الأَصلحُ الإِنفاقُ عليها أذِنَ الحاكِمُ في ذلك وجعَلَ النَّفقةَ دَينًا على مالِكِها؛ لأنَّه نصَّبَ ناظِرًا، وفي هذا نَظرٌ مِنْ الجانِبينِ، قالُوا: إنَّما يَأمرُ بالإِنفاقِ يَومينِ أو ثَلاثةَ أَيامٍ على قدرِ ما يَرى؛ رَجاءَ أنْ يَظهرَ مالِكُها، فإذا لَم يَظهرْ يَأمرُ ببَيعِها؛ لأنَّ استِدامةَ النَّفقةِ مُستأصَلةٌ فلا نَظرَ في الإِنفاقِ مُدةً مَديدةً. وإذا حضَرَ مالِكُها فللمُلتقِطِ أنْ يَمنعَها مِنه حتى يُحضرَ النَّفقةَ؛ لأنَّه أَحيا مِلكَه بنَفقتِه فصارَ كأنَّه استَفادَ المِلكَ مِنْ جِهته فأَشبهَ المَبيعَ؛ وأَقربُ مِنْ ذلك رادُّ الآبقِ، فإنَّ له الحَبسَ لاستِيفاءِ الجُعلِ لما ذكَرْنا، ثُم لا يَسقطُ دَينُ النَّفقةِ بهَلاكِه في يدِ المُلتقِطِ قبلَ الحَبسِ، ويَسقطُ إذا هلَكَ بعدَ الحَبسِ؛ لأنَّه يَصيرُ بالحَبسِ شَبيهَ الرَّهنِ (١).

стр. 7969

النوعُ الثانِي: التِقاطُ الإِبلِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التِقاطِ الإِبلِ، هل يَجوزُ التِقاطُها مُطلقًا للحِفظِ وللتَّملكِ كما هو قَولُ الحَنفيةِ؟ أم يَجوزُ التِقاطُها للحِفظِ لا للتَّملكِ كما هو قَولُ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ إذا كانَ الحافِظُ الإِمامَ وكذا آحادُ النَّاسِ على الصَّحيحِ عندَ الشافِعيةِ؟ أم لا يَجوزُ التِقاطُها مُطلقًا لا للحِفظِ ولا للتَّملكِ كما هو مَذهبُ المالِكيةِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يَجوزُ التِقاطُ البَعيرِ للتَّملكِ. وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ -في الجُملةِ على تَفصيلٍ سَيأتي عندَهم- إلى أنَّه لا يَجوزُ التِقاطُ الإِبلِ، وكذا كلُّ حَيوانٍ يَقوَى على الامتِناعِ للتَّملُّكِ؛ لخبَرِ الصَّحيحينِ عن زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهنيِّ ﵁ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فسَألَه عن اللُّقطةِ فقالَ: «اعرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثُم عرِّفْها سَنةً، فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلا فشَأنَك بها»، قالَ: فضالَّةُ الغَنمِ؟ قالَ: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ»، قالَ فضالَّةُ الإِبلِ؟ قالَ: «ما لك ولها معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها تَردُ الماءَ وتَأكلُ الشَّجرَ حتى يَلقاها ربُّها» (١). فنَهى عن التَّعرضِ لها، وأمَرَ بتَركِ الأَخذِ، فدَلَّ على حُرمةِ الأَخذِ. وحِكمةُ النَّهيِ عن التِقاطِ الإِبلِ أنَّ بَقاءَها حيثُ ضلَّت أَقربُ إلى

стр. 7970

وجدانِ مالِكِها لها مِنْ تَطلُّبِه لها في رِحالِ النَّاسِ، وفي مَعنى الإِبلِ كلُّ ما امتنَعَ بقُوتِه عن صِغارِ السِّباعِ (١). وهذا تَفصيلُ كلِّ مَذهبٍ: قالَ الحَنفيةُ: يَجوزُ التِقاطُ البَعيرِ كما يَجوزُ التِقاطُ الشَّاةِ؛ لما رَواه الإِمامُ مالِكٌ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ أنَّ ثابتَ بنَ الضَّحاكِ الأَنصاريَّ أخبَرَه «أنَّه وجَدَ بَعيرًا بالحَرَّةِ فعقَلَه، ثُم ذكَرَه لعُمرَ بنِ الخَطابِ فأمَرَه عُمرُ أن يُعرِّفَه ثَلاثَ مَراتٍ، فقالَ له ثابتٌ: إنَّه قد شغَلَني عن ضَيعَتي، فقالَ له عُمرُ: أَرسلْه حيثُ وجَدتَه» (٢). فهذا عُمرُ بنُ الخَطابِ قد حكَمَ في الضالَّةِ بحُكمِ اللُّقطةِ، وكذلك رُويَ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ في ذلك أيضًا، وهو كما قد رَوى الطَّحاويُّ عن همَّامٍ عن نَافعٍ وابنِ سيرِينَ «أنَّ رَجلًا سألَ عبدَ اللَّهِ بنِ عمرَ فقالَ: إنِّي قد أَصَبتُ ناقَةً. فقالَ: عرِّفْها. فقالَ: عرَّفتُها فلمْ تُعرَفْ. فقالَ: ادفَعْها إلى الوَالي» (٣). ولأنَّها لُقطةٌ يُتوَّهَمُ ضَياعُها فيُستحبُّ أَخذُها وتَعريفُها صِيانةً لأَموالِ النَّاسِ كما في الشَّاةِ. ولأنَّه إذا لَم يُخشَ عليها مِنْ السِّباعِ لَم يُؤمَنْ عليها مِنْ يدٍ خائِنةٍ، فنَدبُ

стр. 7971

أَخذِها صِيانةً لها، وما لها مِنْ القوَّةِ ربَّما يَكونُ سَببًا للضَّياعِ، كما هو سَببُ الصِّيانةِ عن السِّباعِ فتَعارَضا، فأُلحِقَت بالشَّاةِ. ولأنَّ الأَخذَ حالَ خَوفِ الضَّيعةِ إِحياءٌ لمالِ المُسلِمِ فيَكونُ مُستحبًّا، وحالَ عدمِ الخَوفِ ضَربُ إِحرازٍ فيَكونُ مُباحًا كما ذكَرْنا. وأمَّا الحَديثُ فلا حُجةَ فيه؛ لأنَّ المُرادَ مِنه أنْ يَكونَ صاحِبُه قَريبًا مِنه، ألا تَرى أنَّه ﷺ قالَ: «حتى يَلقاها ربُّها»، وإنَّما يُقالُ ذلك إذا كانَ قَريبًا أو كانَ رَجاءُ اللِّقاءِ ثابتًا. والدَّليلُ عليه أنَّه لمَّا سأَلَه عن ضالَّةِ الغَنمِ قالَ: «خُذْها، فإنَّها لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» دَعاه إلى الأَخذِ ونبَّهَ على المَعنى وهو خَوفُ الضَّيعةِ، وإنَّه مَوجودٌ في الإِبلِ، والنَّصُّ الوَاردُ فيها أَولى أنْ يَكونَ وارِدًا في الإِبلِ وسائِرِ البَهائمِ دَلالةً، إلا أنَّه ﷺ فصَلَ بينَهما في الجَوابِ مِنْ حيثُ الصُّورةُ لهُجومِ الذِّئبِ على الغَنمِ إذا لَم يَلقَها رَبُّها عادةً بَعيدًا كانَ أو قَريبًا، وكذلك الإِبلُ لأنَّها تَذبُّ عن نفسِها عادةً. أو يُحملُ أنَّه كانَ في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ حينَ كانَ الخَوفُ مِنْ الافتِراسِ لا مِنْ أَخذِ النَّاسِ؛ أمَّا اليومُ كثُرَ الفَسادُ والخِيانةُ وقِلةُ الأَديانِ والأَمانةِ، فكانَ أَخذُه أَولى، فإنْ أنفَقَ عليه فسيَأتِي حُكمُه في المَسألةِ القادِمةِ (١).

стр. 7972

وقالَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ عندَهم: لا يَجوزُ التِقاطُ الإِبلِ مُطلقًا، سَواءٌ وجَدَها في مَوضعٍ آمنٍ أم لا، وسَواءٌ وجَدَها في العُمرانِ أو في الصَّحراءِ وسَواءٌ خافَ عليها هَلاكًا مِنْ جُوعٍ أو عَطشٍ أو سِباعٍ أم لا، هذا هو الصَّحيحُ المُعتمَدُ؛ لظاهِرِ نصِّ كلامِ النَّبيِّ ﷺ : «ما لك ولها، معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها تَرِدُ الماءَ وتَأكلُ الشَّجرَ حتى يَلقاها ربُّها» (١). وقِيلَ: إنْ خِيفَ عليها مِنْ خائِنً أُخذَت وعُرِّفَت، أو بِيعَت ووُقفَ ثَمنُها لصاحِبِها، وهو قَولُ الخِرشيِّ والدَّرديرِ وغيرِهما. وقِيلَ: إنْ خِيفَ عليها مِنْ السِّباعِ كانَت في حُكمِ الغَنمِ، لواجِدِها أَكلُها. وقِيلَ: بل تُؤخذُ لتُعرَّفَ؛ إذ لا مَشقةَ في حَملِها، والمُعتمَدُ هو الأَولُ. فإنْ تَجرأَ وخالَفَ الواجِبَ في التَّركِ وأَخذَ الإِبلَ إلى العُمرانِ تَعدِّيًا عُرِّفَت سَنةً، ثُم بعدَ تَعريفِها سَنةً تُركَت بمَحلِّها الذي أُخذَت مِنه، قالَ الصاويُّ: قد علِمتُ أنَّ هذا في زَمنِ العَدلِ والصَّلاحِ لا في مِثلِ زَمانِنا (٢). وقالَ الإِمامُ أَبو الوَليدِ بنُ رُشدٍ ﵀ في «المُقدِّمات» -بعد أنْ ذكَرَ عَدمَ التِقاطِ الإِبلِ-: قيلَ إنَّ ذلك في جَميعِ الزَّمانِ، وهو ظاهِرُ قَولِئ مالِكٍ في «المُدوَّنة» و «العتِبية»، وقِيلَ هو خاصٌّ بزَمنِ العَدلِ وصَلاحِ النَّاسِ، وأمَّا

стр. 7973

في الزَّمانِ الذي قد فسَدَ فيه النَّاسُ فالحُكمُ فيه أنَّها تُؤخذُ وتُعرَّفُ، فإنْ لَم يُعرفْ ربُّها بيعَت ووُقفَ ثَمنُها، فإنْ أَيسَ مِنه تَصدقَ به كما فعَلَ عُثمانُ ﵁ لمَّا دخَلَ النَّاسُ في زَمنِه مِنْ الفَسادِ، وقد رُويَ عن مالِكٍ أيضًا (١). وقالَ الدُّسوقيُّ: قالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ: وصَميمُ مَذهبِ مالِكٍ عَدمُ التِقاطِها مُطلقًا، لكنْ لا يَخفى أنَّ المَصلحةَ العامَّةَ تَقتضِي الآن ما صنَعَ عُثمانُ، كما لو قالَ في تَضمينِ الخُفراءِ، فلذا اختارَ شَيخُنا ما قالَه الشارِحُ (٢). ونصَّ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه لا يَجوزُ التِقاطُه للتملُّكِ، ويَجوزُ التِقاطُه للحِفظِ للإِمامِ وللآحادِ على الصَّحيحِ عندَ الشافِعيةِ. قالَ الشافِعيةُ: الحَيوانُ المَملوكُ المُمتنعُ كالبَعيرِ الكَبيرِ إنْ وُجدَ بمَفازةٍ فللقاضِي التِقاطُه للحِفظِ على مالِكِه لا للتَّملكِ؛ لأنَّ له وِلايةً على أَموالِ الغائِبينَ، وكانَ لعُمرَ ﵁ حَظيرةٌ يَحفظُ فيها الضَّوالَّ، وكذا لغيرِ القاضِي مِنْ الآحادِ في الأَصحِّ المَنصوصِ في الأُمِّ لئلَّا يَأخذَه خائِنٌ. ومُقابلُ الأَصحِّ: لا؛ إذ لا وِلايةَ للآحادِ على مالِ الغَيرِ. ومَحلُّ الخِلافِ إذا لَم يَعرفْ مالِكَه، فإنْ عرَّفَه وأخَذَه ليَردَّه عليه كانَ في يدِه أَمانةً جزمًا حتى يَصلَ إليه. ويُحرمُ ولا يَجوزُ التِقاطُ الإِبلِ، وكذا كلِّ حَيوانٍ مُمتنعٍ زمنَ الأمنِ مِنْ المَفازةِ للتَّملكِ؛ لنَهيه ﷺ في ضالَّةِ الإِبلِ حيثُ قالَ في حَديثِ زَيدِ

стр. 7974

ابنِ خالِدٍ: «ما لك ولها، معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها تَرِدُ الماءَ وتَأكلُ الشَّجرَ حَتى يَلقاها ربُّها» (١). فلو أخَذَه للتَّملكِ ضمِنَ قطعًا لتَعدِّيه، ولا يَبرأُ عن ضَمانِه برَدِّه إلى مَوضِعِه ورفعِ يدِه عنه كما في المَسروقِ، إلا أنْ يَردَّ على الحاكِمِ فيَبرأُ على الصَّحيحِ. وأمَّا في زَمانِ النَّهبِ والفَسادِ فيَجوزُ أَخذُه والتِقاطُه للتَّملكِ قَطعًا في الصحَّراءِ وغيرِها. وهذا إذا وجَدَ البَعيرَ نادًّا، أما لو وجَدَه وعليه أَمتعةٌ ولا يُمكنُ أَخذُ الأَمتعةِ إلا بأَخذِه، فالظاهرُ أنَّه في هذه الحالةِ يَأخذُه للتَّملكِ تِبعًا للأَمتعةِ، ولأنَّ وُجودَ الأَمتعةِ الثَّقيلةِ عليه يَمنعُه مِنْ وُرودِ الماءِ والشَّجرِ ومِن الفِرارِ مِنْ السِّباعِ. وإن وُجدَ بقَريةٍ أو بَلدةٍ أو ما قرُبَ مِنْ ذلك فالأَصحُّ جوازُ التِقاطِه للتَّملكِ؛ لأنَّه في العُمرانِ يَضيعُ بامتِدادِ اليدِ الخائِنةِ إليه، بخِلافِ المَفازةِ فإنَّ طُروقَ النَّاسِ بها لا يَعمُّ، ولأنَّها لا تَجدُ مَنْ يَكفيها، ولأنَّ سِياقَ الحَديثِ يَقتَضي المَفازةَ، بدَليلِ «دَعْها تَردُ الماءَ وتَرعى الشَّجرَ». الثانِي: المَنعُ كالمَفازةِ؛ لإِطلاقِ الحَديثِ. وخرَجَ بالمَملوكةِ غيرُه ككَلبٍ يُقتَنى فيَحلُّ التِقاطُه، وله الاختِصاصُ والانتِفاعُ به بعدَ تَعريفِه سَنةً.

стр. 7975

وهذا كلُّه في البَعيرِ الكَبيرِ، أمَّا البَعيرُ الصَّغيرُ الذي لا يَمتنعُ فيَجوزُ التِقاطُه للتَّملكِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَجوزُ التِقاطُ البَعيرِ ولا التَّعرضُ له ولا لمَا فيه قُوةٌ يَمنعُ عن نَفسِه؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ لمَّا سُئلَ عنها قالَ: «ما لك ولها، معَها حِذاؤُها وسِقاؤُها تَرِدُ الماءَ وتَأكلُ الشَّجرَ حتى يَجدَها ربُّها»، فمُنعَ مِنْ أَخذِ البَعيرِ لكَونِه معَه حِذاؤُه فيَرعى، (وسِقاؤُه) وهو ما يُوعي في بَطنِه مِنْ الماءِ، وهو لكبَرِ جُثتِه لا يَقدرُ عليه الذِّئبُ ونحوُه، فيُؤمَنُ مِنْ تلفِه غالبًا. وعن مُطرفِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الشِّخيرِ عن أَبيه قالَ: «قدِمَ على النَّبيِّ ﷺ رَهطٌ مِنْ بَني عامِرٍ، فقالُوا: يا رَسولَ اللَّهِ إنَّا نَجدُ في الطَّريقِ هَوامِي مِنْ الإِبلِ. فقالَ ﷺ : «ضالَّةُ المُسلِمِ حَرَقُ النَّارِ» (٢). لكنْ يَجوزُ للإِمامِ أَخذُه ليَحفظَه لربِّه لا على أنَّه لُقطةٌ؛ لأنَّ له نَظرًا في حِفظِ مالِ الغائِبِ، وفي أَخذِه لها لذلك مَصلحةٌ لربِّه لصِيانتَها، ولا يَلزمُ الإِمامَ تَعريفُه؛ لأنَّ عُمرَ لَم يَكنْ يَعرفُ الضَّوالَّ.

стр. 7976

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وللإِمامِ أو نائِبِه أَخذُ الضالَّةِ على وَجهِ الحِفظِ لصاحِبِها؛ لأنَّ عُمرَ ﵁ حَمى مَوضِعًا يُقالُ له النَّقيعُ لخَيلِ المُجاهِدينَ والضَّوالِّ. ولأنَّ للإِمامِ نَظرًا في حِفظِ مالِ الغائِبِ، وفي أَخذِ هذه حِفظٌ لها عن الهَلاكِ، ولا يَلزمُه تَعريفُها لأنَّ عُمرَ ﵁ لَم يَكنْ يُعرِّفِ الضَّوالَّ، ولأنَّه إذا عرَّفَ ذلك فمَن كانَت له ضالةٌ فإنَّه يَجيءُ إلى مَوضعِ الضَّوالِّ، فإذا عرَفَ ضالَّته أَقامَ البَينةَ عليها وأخَذَها، ولا يَكتَفي فيها بالصِّفةِ؛ لأنَّها ظاهِرةٌ بينَ النَّاسِ، فيَعرفُ صِفاتَها مَنْ رآها مِنْ غيرِ أَهلِها، فلا تَكونُ الصِّفةُ لها دَليلًا على مِلكِه لها، ولأنَّ الضالَّةَ قد كانَت ظاهِرةً بينَ الناسِ حينَ كانَت في يدِ مالِكِها، فلا يَختصُّ هو بمَعرفةِ صِفاتِها دونَ غيرِه، فلَم يَكنْ ذلك دَليلًا، ويُمكنُه إِقامةُ البَينةِ عليها لظُهورِها للناسِ ومَعرفةِ خُلطائِه وجِيرانِه بمِلكِه إيَّاها. وإنْ أخَذَها غيرُ الإِمامِ أو نائِبُه ليَحفظَها لصاحِبِها لَم يَجزْ له ذلك ولزَمَه ضَمانُها؛ لأنَّه لا وِلايةَ له على صاحِبِها، وهذا ظاهِرُ مَذهبِ الشافِعيِّ، ولأَصحابِه وَجهٌ أنَّ له أَخذَها لحِفظِها قِياسًا على الإِمامِ، ولا يَصحُّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ منَعَ أَخذَها مِنْ غيرِ تَفريقٍ بينَ قاصِدِ الحِفظِ وقاصِدِ الالتِقاطِ، ولا يَصحُّ القِياسُ على الإِمامِ لأنَّ له وِلايةً وهذا لا وِلايةَ له، وإنْ وجَدَها في مَوضعٍ يَخافُ عليها به مِثلُ أنْ يَجدَها بأَرضٍ مُسبعةٍ يَغلبُ على الظَّنِ أنَّ الأَسدَ يَفترسُها إنْ تُركَت به أو فَرسًا مِنْ دارِ الحَربِ يَخافُ عليها

стр. 7977

مِنْ أَهلِها أو بمَوضعٍ يَستحلُّ أَهلُه أَموالَ المُسلمينَ كوادِي التَّيمِ أو في بَريةٍ لا ماءَ بها ولا مَرعى فالأَولى جَوازُ أَخذِها للحِفظِ ولا ضَمانَ على آخذِها؛ لأنَّ فيه إِنقاذَها مِنْ الهَلاكِ، فأَشبهَ تَخليصَها مِنْ غَرقٍ أو حَريقٍ، فإذا حصَلَت في يدِه سلَّمَها إلى نائبِ الإِمامِ وبَرئَ مِنْ ضَمانِها، ولا يَملكُها بالتَّعريفِ لأنَّ الشَّرعَ لَم يردْ ذلك فيها. فصلُ: وما يَحصلُ عندَ الإِمامِ مِنْ الضَّوالِّ فإنَّه يَشهدُ عليها ويَسِمُها بأنَّها ضالَّةٌ، ثُم إنْ كانَ له حِمى تَرعَى فيه ترَكَها فيه إنْ رَأَى ذلك، وإنْ رَأَى المَصلحةَ في بَيعِها وحِفظِ ثَمنِها أو لَم يَكنْ له حِمى باعَها بعدَ أنْ يُحليَّها ويَحفظَ صِفاتِها ويَحفظَ ثَمنَها لصاحِبِها، فإنَّ ذلك أَحفظُ لها؛ لأنَّ تَركَها يُفضي إلى أنْ تَأكُلَ جَميعَ ثَمنِها (١). النوعُ الثالثُ: المُختلفُ فيه بأيِّهما يَلحقُ، هل بالإِبلِ أم بالشِّياهِ؟ ١ - التِقاطُ البَقرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التِقاطِ البَقرِ، هل يَجوزُ التِقاطُها كالشَّاةِ كما هو قَولُ الحَنفيةِ؟ أم لا يَجوزُ التِقاطُها كالبَعيرِ كما هو مَذهبُ الشافِعيةِ والحَنبليةِ؟ أم يُفرَّقُ بينَ حالَةِ الخَوفِ عليها وعَدمِ الخَوفِ كما هو مَذهبُ المالِكيةِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يَجوزُ التِقاطُ البَقرِ كما يَجوزُ التِقاطُ الشَّاةِ؛ لأنَّها لُقطةٌ يُتوهَّمُ ضَياعُها فيُستحَبُّ أَخذُها وتَعريفُها صِيانةً لأَموالِ النَّاسِ

стр. 7978

كما في الشَّاةِ، ولأنَّه إذا لَم يُخشَ عليها مِنْ السِّباعِ لَم يُؤمَنْ عليها مِنْ يدٍ خائِنةٍ، فنُدِبَ أَخذُها صِيانةً لها، وما لها مِنْ القُوةِ ربَّما يَكونُ سَببًا للضَّياعِ كما هو سَببُ الصِّيانةِ عن السِّباعِ فتَعارَضا، فأُلحِقَت بالشَّاةِ. ولأنَّ الأَخذَ حالَ خَوفِ الضَّيعةِ إِحياءٌ لمالِ المُسلِمِ فيَكونَ مُستحَبًّا، وحالَ عدمِ الخَوفِ ضَربُ إِحرازٍ فيَكونَ مُباحًا كما ذكَرْنا. فإنْ أنفَقَ المُلتقِطُ عليها بغيرِ إِذنِ الحاكِمِ فهو مُتبَرِّعٌ؛ لقُصورِ وِلايتِه عن ذِمةِ المالِكِ، وإنْ أنفَقَ بأَمرِه كانَ ذلك دَينًا على صاحِبِها؛ لأنَّ للقاضِي وِلايةً في مالِ الغائِبِ نَظرًا له، وقد يَكونُ النَّظرُ في الإِنفاقِ. وإذا رُفعَ ذلك إلى الحاكِمِ نظَرَ فيه، فإنْ كانَ للبَهيمةِ مَنفعةٌ آجرَها وأنفَقَ عليها مِنْ أُجرتِها؛ لأنَّ فيه إِبقاءَ العَينِ على مِلكِه مِنْ غيرِ إِلزامِ الدَّينِ عليه. وإنْ لَم تَكنْ لها مَنفعةٌ وخافَ أنْ تَستغرقَ النَّفقةُ قِيمتَها باعَها وأمَرَ بحِفظِ ثَمنِها؛ إِبقاءً له معنًى عندَ تَعذرِ إِبقائِه صُورةً. وإنْ كانَ الأَصلحُ الإِنفاقَ عليها أذِنَ الحاكِمُ في ذلك، وجعَلَ النَّفقةَ دَينًا على مالِكِها؛ لأنَّه نصبَ ناظرًا، وفي هذا نَظرٌ مِنْ الجانِبينِ، قالُوا: إنَّما يَأمرُ بالإِنفاقِ يَومينِ أو ثَلاثةَ أَيامٍ على قَدرِ ما يَرى؛ رَجاءَ أنْ يَظهرَ مالِكُها، فإذا لَم يَظهرْ يَأمرُ ببَيعِها؛ لأنَّ استِدامةَ النَّفقةِ مُستأصَلةٌ فلا نَظرَ في الإِنفاقِ مُدةً مَديدةً.

стр. 7979

وإذا حضَرَ مالِكُها فللمُلتقِطِ أنْ يَمنَعَها مِنه حتى يُحضرَ النَّفقةَ؛ لأنَّه أَحيا مِلكَه بنفَقتِه فصارَ كأنَّه استَفادَ المِلكَ مِنْ جِهتِه فأَشبهَ المَبيعَ؛ وأَقربُ مِنْ ذلك رادُّ الآبقِ، فإنَّ له الحَبسَ لاستِيفاءِ الجُعلِ لما ذكَرْنا، ثُم لا يَسقطُ دَينُ النَّفقةِ بهلاكِه في يدِ المُلتقطِ قبلَ الحَبسِ، ويَسقطُ إذا هلَكَ بعدَ الحَبسِ؛ لأنَّه يَصيرُ بالحَبسِ شَبيهَ الرَّهنِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ التِقاطُ البَقرِ، وأنَّ حُكمَها كحُكمِ التِقاطِ الإِبلِ؛ لما رُويَ عن مُنذرِ بنِ جَريرٍ قالَ: كُنت معَ أَبي جَريرٍ بالبَوازيجِ في السَّوادِ، فراجَعت البَقرُ فرَأى بقرَةً أَنكرَها، فقالَ: ما هذه البَقرةُ؟ قالَ: بَقرةٌ لَحقَت بالبَقرِ، فأَمرَ بها فطُرِدَت حتى توارَت، ثُم قالَ: سمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يقولً: «لا يُؤوي الضالَّةَ إلا ضالٌّ» (٢). فجَريرٌ ﵁ طرَدَ البَقرةَ ولَم يَأخذْها، ولأنَّها تَمتنعُ عن صِغارِ السِّباعِ وتُجزئُ في الأُضحيةِ والهَدي عن سَبعةٍ فأَشبهَت الإِبلَ. ولأنَّ الأَصلَ عدمُ جوازِ الالتِقاطِ؛ لأنَّه مالُ غيرِه فكانَّ الأَصلُ عدمَ جَوازِ أَخذِه كغيرِ الضالَّةِ، وإنَّما جازَ الأَخذُ لحِفظِ المالِ على صاحِبِه، وإذا كانَ مَحفوظًا لَم يَجزْ أَخذُه.

стр. 7980

قالَ الشافِعيةُ: فلو أخَذَها للتَّملكِ ضمِنَ قطعًا لتَعدِّيَه، ولا يَبرأُ عن ضَمانِها بردِّها إلى مَوضِعِها ورَفعِ يدِه عنها كما في المَسروقِ، إلا أنْ يَرُدَّ على الحاكِمِ فيَبرأُ على الصَّحيحِ. وأمَّا في زَمانِ النَّهبِ والفَسادِ فيَجوزُ أَخذُها والتِقاطُها للتَّملكِ قَطعًا في الصَّحراءِ وغيرِها. وهذا إذا وجَدَ البَقرةَ في الصَّحراءِ، أمَّا إنْ وجَدَها بقَريةٍ أو بَلدةٍ أو ما قرُبَ مِنْ ذلك فالأَصحُّ جَوازُ التِقاطِها للتَّملُّكِ؛ لأنَّها في العُمرانِ تَضيعُ بامتِدادِ اليدِ الخائِنةِ إليها بخِلافِ المَفازةِ، فإنَّ طُروقَ النَّاسِ بها لا يَعمُّ. الثانِي: المَنعُ كالمَفازةِ؛ لإِطلاقِ الحَديثِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: يَجوزُ للإِمامِ أَخذُها ليَحفظَها لربِّها لا على أنَّها لُقطةٌ؛ لأنَّ له نَظرًا في حِفظِ مالِ الغائِبِ، وفي أَخذِه لها لذلك مُصلحةٌ لربِّها لصِيانتِها، ولا يَلزمُ الإِمامَ تَعريفُه؛ لأنَّ عُمرَ لَم يَكنْ يَعرفُ الضَّوالَّ (٢). وأمَّا المالِكيةُ ففرَّقُوا بينَ أنْ يَجدَ البَقرةَ بمكانٍ يَخافُ عليها مِنْ السِّباعِ أو مِنْ الجُوعِ أو العَطشِ فحُكمُها حينَئذٍ حُكمُ الشَّاةِ في الفَيفاءِ، فله أنْ يَأكلَها

стр. 7981

حينَئذٍ ولا ضَمانَ عليه فيها كالشَّاةِ، وكذا إذا خِيفَ عليها مِنْ النَّاسِ في الفَيفاءِ وعسُرَ سوقُها إلى العُمرانِ، فله أَكلُها ولا ضَمانَ عليه، فإنْ تَيسرَ سوقُها للعُمرانِ لَم يَأكلْها وعرَّفَها، فإنْ أكَلَها ضمِنَ قِيمتَها لربِّها إذا علِمَ. وإلا بأنْ كانَت البَقرةُ في مَحلٍّ آمنٍ بالفَيفاءِ أو غيرِه تُركَت ولا يَعرضُ لها، ويَتركُها مَكانَها إلى أنْ يَأتيَها صاحِبُها كالإِبلِ، فإنْ أخَذَها عُرِّفَت كما لو كانَت في العُمرانِ، فإنْ أكَلَها ضمِنَ. قالَ ابنُ القاسِمِ: وضالَّةُ البُقرِ إنْ كانَت بمَوضعٍ يَخافُ عليها مِنْ السِّباعِ والذِّئابِ فهي كالغنَمِ، وإنْ كانَت لا تَخافُ عليها مِنْ السِّباعِ والذِّئابِ فهي كالإِبلِ (١). ٢ - التِقاطُ الخَيلِ والبِغالِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التِقاطِ الخَيلِ والبِغالِ، هل يَجوزُ التِقاطُها كالشَّاةِ أم لا يَجوزُ التِقاطُها كالبَعيرِ؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ حُكمَها كالبَعيرِ والبَقرِ، فلا يَجوزُ التِقاطُها على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ عندَهم في المَسألةِ المُتقدِّمةِ (٢).

стр. 7982

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يَجوزُ التِقاطُها كما يَجوزُ التِقاطُ الشَّاةِ؛ لأنَّها لُقطةٌ يُتوهَّمُ ضَياعُها، فيُستحبُ أَخذُها وتَعريفُها صِيانةً لأَموالِ النَّاسِ كما في الشَّاةِ. ولأنَّه إذا لَم يَخشَ عليها مِنْ السِّباعِ لَم يُؤمَنْ عليها مِنْ يدٍ خائِنةٍ، فندبَ أَخذُها صِيانةً لها، ولأنَّ الأَخذَ حالَ خَوفِ الضَّيعةِ إِحياءٌ لمالِ المُسلِمِ فيَكونَ مُستحَبًّا وحالَ عَدمِ الخَوفِ ضَربُ إِحرازٍ فيَكونَ مُباحًا كما ذكَرْنا. فإنْ أنفَقَ المُلتقِطُ عليها فهو على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ عندَهم في الإِبلِ والبَقرِ (١). وقالَ المالِكيةُ: الخَيلُ والبِغالُ إذا لَم يَخفْ عليها فهي بمَنزلةِ الإِبلِ، لا يَجوزُ التِقاطُها، وإنْ كانَ يَخافُ عليها أخَذَها (٢). ٣ - التِقاطُ الحَميرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التِقاطِ الحمُرِ الأَهليةِ، هل يَجوزُ التِقاطُها أم لا يَجوزُ التِقاطُها؟

стр. 7983

فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ التِقاطُها كالبَعيرِ والبِغالِ والخَيلِ على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ عندَهم؛ لأنَّ لها أَجسامًا عَظيمةً فأشبَهَت البِغالَ والخَيلَ، ولأنَّها مِنْ الدَّوابِّ فأشبَهَت البِغالَ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ وابنُ قُدامةَ مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّه يَجوزُ التِقاطُها كالشَّاةِ، على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ عندَ الحَنفيةِ (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والأَولى إِلحاقُها بالشَّاةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّلَ الإِبلَ بأنَّ معَها حِذاءَها وسِقاءَها، يُريدُ شِدةَ صَبْرِها عن الماءِ لكَثرةِ ما توعِي في بُطونِها مِنه، وقُوتِها على وُرودِه، وفي إِباحةِ ضالَّةِ الغَنمِ بأنَّها مُعرضةٌ لأَخذِ الذِّئبِ إِياها بقَولِه: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» والحمُرُ مُساويةٌ للشَّاةِ في عِلَّتِها، فإنَّها لا تَمتنعُ مِنْ الذِّئبِ، ومُفارقةٌ للإِبلِ في عِلَّتِها، فإنَّها لا صبْرَ لها عن الماءِ، ولهذا يُضربُ المَثلُ بقِلةِ صبْرِها عنه فيُقالُ: ما بَقيَ مِنْ مُدتِها إلا ظَمأُ حِمارٍ.

стр. 7984

وإِلحاقُ الشَّيءِ بما ساوَاه في عِلةِ الحُكمِ وفارَقَه في الصُّورةِ أَولى مِنْ إِلحاقِه بما قارَبَه في الصُّورةِ وفارَقَه في العِلَّةِ، فأمَّا غيرُ الحَيوانِ فما كانَ مِنه يَنحفظُ بنَفسِه كأَحجارِ الطَّواحينِ والكَبيرِ مِنْ الخَشبِ وقُدورِ النُّحاسِ فهو كالإِبلِ في تَحريمِ أَخذِه بل أَولى مِنه؛ لأنَّ الإِبلَ تَتعرضُ في الجُملةِ للتَّلفِ إمَّا بالأَسدِ وإمَّا بالجُوعِ والعَطشِ وغيرِ ذلك، وهذه بخِلافِ ذلك، ولأنَّ هذه لا تَكادُ تَضيعُ عن صاحِبِها ولا تَبرحُ مِنْ مَكانِها بخِلافِ الحَيوانِ، فإذا حرُمَ أَخذُ الحَيوانِ فهذه أَولى (١). وقالَ المالِكيةُ: الحَميرُ إذا لَم يُخفْ عليها فهي بمَنزلةِ الإِبلِ، لا يَجوزُ التِقاطُها وإنْ كانَ يُخافُ عليها أَخذُها (٢). ٤ - التِقاطُ الطَّيرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التِقاطِ الطَّيرِ، هل يَجوزُ التِقاطُه كالشَّاةِ أم لا يَجوزُ التِقاطُه كالإِبلِ لأنَّه يَمتنعُ بنَفسِه بطَيرانِه؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يَجوزُ التِقاطُ الطَّيرِ وسائِرِ الحَيواناتِ؛ لأنَّه مالٌ يُتوهَّمُ ضَياعُه فيُستحَبُّ أَخذُه ليُردَّ على صاحِبِه صِيانةً لأَموالِ النَّاسِ (٣).

стр. 7985

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ التِقاطُ الطَّيرِ كما لا يَجوزُ التِقاطُ البَعيرِ، على التَّفصيلِ السابِقِ عندَهم في البَعيرِ بتَمامِه (١). وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ التِقاطُ الطَّيرِ عندَ خَوفِ الخائِنِ (٢). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفُوا هل يَجوزُ التِقاطُ الإِبلِ والخَيلِ والبِغالِ والبَقرِ والحَميرِ والطَّيرِ؟ فقالَ الشافِعيُّ وأَحمدُ: لا يَجوزُ التِقاطُها، إلا أنَّ الشافِعيَّ فرَّقَ بينَ صِغارِها وكِبارِها فقالَ: يَجوزُ التِقاطُ صِغارِها. قالَ الوَزيرُ ﵀: والظاهِرُ أنَّ نُطقَ رَسولِ اللهِ ﷺ لا يَنصرفُ إلا إلى كِبارِها وهي التي تَضلُّ. وقالَ أَبو حَنيفةَ: يَجوزُ. وقالَ مالِكٌ: أمَّا الإِبلُ فلا يَجوزُ التَّعرضُ لها بحالٍ، وأمَّا البَقرَ فإنْ خافَ عليها السِّباعَ أخَذَها، وإنْ لَم يَخفْ عليها فهي بمَنزلةِ الإِبلِ، وكذلك الخَيلُ والبِغالُ والحَميرُ، وأمَّا الطَّيرُ فلَم نرَ عنه شَيئًا فيه. قالَ الوَزيرُ: فأمَّا الطَّيرُ فالذي أَرى فيه أنَّ الحَمامَ مِنه وما يَألفُ أَوكارَه
следующие страницы →