حينَئذٍ ولا ضَمانَ عليه فيها كالشَّاةِ، وكذا إذا خِيفَ عليها مِنْ النَّاسِ في الفَيفاءِ وعسُرَ سوقُها إلى العُمرانِ، فله أَكلُها ولا ضَمانَ عليه، فإنْ تَيسرَ سوقُها للعُمرانِ لَم يَأكلْها وعرَّفَها، فإنْ أكَلَها ضمِنَ قِيمتَها لربِّها إذا علِمَ.
وإلا بأنْ كانَت البَقرةُ في مَحلٍّ آمنٍ بالفَيفاءِ أو غيرِه تُركَت ولا يَعرضُ لها، ويَتركُها مَكانَها إلى أنْ يَأتيَها صاحِبُها كالإِبلِ، فإنْ أخَذَها عُرِّفَت كما لو كانَت في العُمرانِ، فإنْ أكَلَها ضمِنَ.
قالَ ابنُ القاسِمِ: وضالَّةُ البُقرِ إنْ كانَت بمَوضعٍ يَخافُ عليها مِنْ السِّباعِ والذِّئابِ فهي كالغنَمِ، وإنْ كانَت لا تَخافُ عليها مِنْ السِّباعِ والذِّئابِ فهي كالإِبلِ (١).
٢ - التِقاطُ الخَيلِ والبِغالِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التِقاطِ الخَيلِ والبِغالِ، هل يَجوزُ التِقاطُها كالشَّاةِ أم لا يَجوزُ التِقاطُها كالبَعيرِ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ حُكمَها كالبَعيرِ والبَقرِ، فلا يَجوزُ التِقاطُها على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ عندَهم في المَسألةِ المُتقدِّمةِ (٢).
стр. 7982
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يَجوزُ التِقاطُها كما يَجوزُ التِقاطُ الشَّاةِ؛ لأنَّها لُقطةٌ يُتوهَّمُ ضَياعُها، فيُستحبُ أَخذُها وتَعريفُها صِيانةً لأَموالِ النَّاسِ كما في الشَّاةِ.
ولأنَّه إذا لَم يَخشَ عليها مِنْ السِّباعِ لَم يُؤمَنْ عليها مِنْ يدٍ خائِنةٍ، فندبَ أَخذُها صِيانةً لها، ولأنَّ الأَخذَ حالَ خَوفِ الضَّيعةِ إِحياءٌ لمالِ المُسلِمِ فيَكونَ مُستحَبًّا وحالَ عَدمِ الخَوفِ ضَربُ إِحرازٍ فيَكونَ مُباحًا كما ذكَرْنا.
فإنْ أنفَقَ المُلتقِطُ عليها فهو على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ عندَهم في الإِبلِ والبَقرِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: الخَيلُ والبِغالُ إذا لَم يَخفْ عليها فهي بمَنزلةِ الإِبلِ، لا يَجوزُ التِقاطُها، وإنْ كانَ يَخافُ عليها أخَذَها (٢).
٣ - التِقاطُ الحَميرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التِقاطِ الحمُرِ الأَهليةِ، هل يَجوزُ التِقاطُها أم لا يَجوزُ التِقاطُها؟
стр. 7983
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ التِقاطُها كالبَعيرِ والبِغالِ والخَيلِ على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ عندَهم؛ لأنَّ لها أَجسامًا عَظيمةً فأشبَهَت البِغالَ والخَيلَ، ولأنَّها مِنْ الدَّوابِّ فأشبَهَت البِغالَ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ وابنُ قُدامةَ مِنْ الحَنابِلةِ إلى أنَّه يَجوزُ التِقاطُها كالشَّاةِ، على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ عندَ الحَنفيةِ (٢).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: والأَولى إِلحاقُها بالشَّاةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّلَ الإِبلَ بأنَّ معَها حِذاءَها وسِقاءَها، يُريدُ شِدةَ صَبْرِها عن الماءِ لكَثرةِ ما توعِي في بُطونِها مِنه، وقُوتِها على وُرودِه، وفي إِباحةِ ضالَّةِ الغَنمِ بأنَّها مُعرضةٌ لأَخذِ الذِّئبِ إِياها بقَولِه: «هي لك أو لأَخيك أو للذِّئبِ» والحمُرُ مُساويةٌ للشَّاةِ في عِلَّتِها، فإنَّها لا تَمتنعُ مِنْ الذِّئبِ، ومُفارقةٌ للإِبلِ في عِلَّتِها، فإنَّها لا صبْرَ لها عن الماءِ، ولهذا يُضربُ المَثلُ بقِلةِ صبْرِها عنه فيُقالُ: ما بَقيَ مِنْ مُدتِها إلا ظَمأُ حِمارٍ.
стр. 7984
وإِلحاقُ الشَّيءِ بما ساوَاه في عِلةِ الحُكمِ وفارَقَه في الصُّورةِ أَولى مِنْ إِلحاقِه بما قارَبَه في الصُّورةِ وفارَقَه في العِلَّةِ، فأمَّا غيرُ الحَيوانِ فما كانَ مِنه يَنحفظُ بنَفسِه كأَحجارِ الطَّواحينِ والكَبيرِ مِنْ الخَشبِ وقُدورِ النُّحاسِ فهو كالإِبلِ في تَحريمِ أَخذِه بل أَولى مِنه؛ لأنَّ الإِبلَ تَتعرضُ في الجُملةِ للتَّلفِ إمَّا بالأَسدِ وإمَّا بالجُوعِ والعَطشِ وغيرِ ذلك، وهذه بخِلافِ ذلك، ولأنَّ هذه لا تَكادُ تَضيعُ عن صاحِبِها ولا تَبرحُ مِنْ مَكانِها بخِلافِ الحَيوانِ، فإذا حرُمَ أَخذُ الحَيوانِ فهذه أَولى (١).
وقالَ المالِكيةُ: الحَميرُ إذا لَم يُخفْ عليها فهي بمَنزلةِ الإِبلِ، لا يَجوزُ التِقاطُها وإنْ كانَ يُخافُ عليها أَخذُها (٢).
٤ - التِقاطُ الطَّيرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التِقاطِ الطَّيرِ، هل يَجوزُ التِقاطُه كالشَّاةِ أم لا يَجوزُ التِقاطُه كالإِبلِ لأنَّه يَمتنعُ بنَفسِه بطَيرانِه؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يَجوزُ التِقاطُ الطَّيرِ وسائِرِ الحَيواناتِ؛ لأنَّه مالٌ يُتوهَّمُ ضَياعُه فيُستحَبُّ أَخذُه ليُردَّ على صاحِبِه صِيانةً لأَموالِ النَّاسِ (٣).
стр. 7985
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ التِقاطُ الطَّيرِ كما لا يَجوزُ التِقاطُ البَعيرِ، على التَّفصيلِ السابِقِ عندَهم في البَعيرِ بتَمامِه (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ التِقاطُ الطَّيرِ عندَ خَوفِ الخائِنِ (٢).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفُوا هل يَجوزُ التِقاطُ الإِبلِ والخَيلِ والبِغالِ والبَقرِ والحَميرِ والطَّيرِ؟
فقالَ الشافِعيُّ وأَحمدُ: لا يَجوزُ التِقاطُها، إلا أنَّ الشافِعيَّ فرَّقَ بينَ صِغارِها وكِبارِها فقالَ: يَجوزُ التِقاطُ صِغارِها. قالَ الوَزيرُ ﵀: والظاهِرُ أنَّ نُطقَ رَسولِ اللهِ ﷺ لا يَنصرفُ إلا إلى كِبارِها وهي التي تَضلُّ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: يَجوزُ.
وقالَ مالِكٌ: أمَّا الإِبلُ فلا يَجوزُ التَّعرضُ لها بحالٍ، وأمَّا البَقرَ فإنْ خافَ عليها السِّباعَ أخَذَها، وإنْ لَم يَخفْ عليها فهي بمَنزلةِ الإِبلِ، وكذلك الخَيلُ والبِغالُ والحَميرُ، وأمَّا الطَّيرُ فلَم نرَ عنه شَيئًا فيه.
قالَ الوَزيرُ: فأمَّا الطَّيرُ فالذي أَرى فيه أنَّ الحَمامَ مِنه وما يَألفُ أَوكارَه
стр. 7986
فإنَّه لا يُلتقَطُ، فأمَّا الضَّوارِي مِنْ الطَّيرِ التي إذا أَهملتَ التِقاطَها عادَت إلى ما كانَت عليه مِنْ التَّوحشِ مِنْ (الأَسنِ) فكانَ إِهمالُ التِقاطِها على نَحوِ الإِتلافِ أو مُؤديًا إلى نحوِ الإِتلافِ، فكانَ التِقاطُها جائِزًا بنِيَّةِ الحِفظِ لها على أَربابِها (١).
٥ - سَائرُ الحَيواناتِ التي تَعدو بنَفسِها:
نصَّ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ كلِّ حَيوانٍ مَملوكٍ بأَثرٍ يَدلُ على ذلك يَمتنعُ مِنْ صِغارِ السِّباعَ لا يَجوزُ التِقاطُه.
قالَ الشافِعيةُ: كلُّ مُمتنعٍ مِنْ صِغارِ السِّباعِ كالنَّمرِ والفَهدِ والذِّئبِ وأَرنبٍ وظَبيٍ فيَحرُمُ التِقاطُه للتَّملكِ، ويَجوزُ للحِفظِ على التَّفصيلِ السابِقِ في ضالَّةِ الإِبلِ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: الضَّوالُّ التي تَمتنعُ مِنْ صِغارِ السِّباعِ كالإِبلِ والبَقرِ والخَيلِ والبِغالِ والحُمرِ والظِّباءِ والفَهدِ ونحوِها كالنَّعامةِ والفِيلِ والزَّرافةِ والقِردِ والهِرِّ فلا يَجوزُ التِقاطُه كما لا يَجوزُ التِقاطُ الإِبلِ، على التَّفصيلِ المُتقدِّمُ في الإِبلِ عندَهم (٣).
стр. 7987
وأمَّا الحَنفيةُ فيُجوزُ عندَهم التِقاطُ سائِرِ الحَيواناتِ؛ لأنَّه مالٌ يُتوهَّمُ ضَياعُه فيُستحبُّ أَخذُه ليَردَّه على صاحِبِه صِيانةً لأَموالِ النَّاسِ (١).
النَّفقةُ على الحَيوانِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُلتقطَ إذا أنفَقَ على اللُّقطةِ التي تَحتاجُ إلى نَفقةٍ مُتبرعًا بالنَّفقةِ أنَّه لا رُجوعَ له على ربِّها.
إلا أنَّهم اختلَفُوا فيما لو أنفَقَ عليها غيرَ مُتبَرعٍ، هل يَرجعُ بالنَّفقةِ؟ أم لا بدَّ مِنْ استِئذانِ الحاكِم أو الإِشهادِ؟
قالَ المالِكيةُ: المُلتقطُ إذا أنفَقَ على اللُّقطةِ نَفقةً مِنْ عندِه -أي كلُّ النَّفقةِ أو بعضُها، وذلك كما لو أَكراها فنقَصَ الكِراءُ عن نَفقتِها وأكمَلَ المُلتقطُ نَفقتَها- ثُم جاءَ صاحِبُها فليسَ له أَخذُها مَجانًا، ولكنْ يُخيَّرُ بينَ أَمرَينِ:
الأولُ: أنْ يَفتَكَّ اللُقطةَ فيَدفعَ للمُلتقِطِ مثلَ نَفقتِه؛ لأَّنه قامَ عنه بوَاجبٍ، وسَواءٌ أنفَقَ عليها بإِذنِ السُّلطانِ أو بغيرِ إِذنِه.
والثانِي: أنْ يَتركَ اللُّقطةَ لمَن التقَطَها في نَفقتِه التي أنفَقَها عليها، وذلك لأنَّ النَّفقةَ في ذاتِ اللُّقطةِ لا في ذِمةِ ربِّها.
فإنْ أَرادَ أَخذَها بعدَ ذلك ودفَعَ مِثلَ النَّفقةِ لَم يَكنْ له ذلك، قالَه
стр. 7988
أَشهبُ؛ لأنَّه ملَّكَها للمُلتقِطِ برِضاه، وكذا عكسُه -أي إذا دفَعَ له النَّفقةَ ثُم أَرادَ أنْ يُسلِّمَها له ويَأخذَ مِنه النَّفقةَ- فليسَ له ذلك.
فلو ظهَرَ على صاحِبِها دَينٌ فإنَّ المُلتقطَ يُقدَّمُ بنَفقتِه على الغُرماءِ -كالرَّهنِ- حتى يَستوفِيَ نَفقتَه (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: قالَ مالِكٌ فيما ذكَرَ ابنُ القاسِمِ عنه: إنْ أنفَقَ المُلتقطُ على الدَّوابِّ والإِبلِ وغيرِها فله أنْ يَرجعَ على صاحِبِها بالنَّفقةِ، وسَواءٌ أنفَقَ عليها بأَمرِ السُّلطانِ أو بغَيرِ أَمرِه. قالَ: وله أنْ يحبسَ بالنَّفقةِ ما أنفَقَ عليه ويَكونُ أَحقَّ به كالرَّهنِ. قالَ: ويَرجعُ على صاحِبِ اللُّقطةِ بكِراءِ حَملِها (٢).
وجاءَ في «المُدونَة الكُبرى»: (قلتُ): فإنْ جاءَ ربُّها وقد أنفَقَ على هذه الدَّوابِّ، أيَكونُ عليه نَفقتُها؟ (قالَ) قالَ مالِكٌ: نَعم، على صاحِبِها ما أنفَقَ هذا عليها، ولا يَأخذُها حتى يُعطيَه ما أنفَقَ عليها، وقالَ مالِكٌ في الإِبلِ إذا اعتَرفَها صاحِبُها وقد كانَ أسلَمَها وقد أَنفقَ عليها أنَّ له ما أنفَقَ عليها إنْ أَرادَ صاحِبُها أنْ يَأخذَها، وإنْ أَرادَ أنْ يُسلمَها فليسَ عليه شيءٌ. (قلتُ): وكذلك البَقرُ والغَنمُ إذا التقَطَها في فَلواتِ الأَرضِ أو في غيرِ فَلواتِ الأَرضِ
стр. 7989
فأنفَقَ عليها فاعترَفَها ربُّها، أيَكونُ له نَفقتُها التي أنفَقَ عليها في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ في «المَتاع»: يَلتقطُه الرَّجلُ فيَحملُه إلى مَوضعٍ مِنْ المَواضعِ ليُعرِّفَه فيُعرِّفُه ربُّه، قالَ مالِكٌ: أَراه لصاحِبِه، ويَدفعُ إلى هذا الكِراءَ الذي حمَلَه له، فكذلك الغَنمُ والبَقرُ إذا التَقطَها رَجلٌ فأنفَقَ عليها ثُم أَتى ربُّها، فإنَّه يَغرمُ ما أنفَقَ عليها المُلتقطُ، إلا أنْ يَشاءَ ربُّها أنْ يُسلمَها. (قلتُ) أرَأيتَ ما أنفَقَ هذا المُلتقِطُ على هذه الأَشياءِ التي التقَطَها بغيرَ أَمرِ السُّلطانِ، أيَكونُ ذلك على ربِّ هذه الأَشياءِ إنْ أَرادَ أَخذَها في قولِ مالِكٍ؟ (قالَ): نَعم، إذا أَرادَ صاحِبُها أَخذَها لَم يَكنْ له أنْ يَأخذَها حتى يَغرمَ لهذا ما أنفَقَ عليها بأَمرِ السُّلطانِ أو بغيرِ أَمرِ السُّلطانِ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا أنفَقَ على اللُّقطةِ فليسَ له حقُّ الرُّجوعِ إلا إذا استَأذنَ الحاكِمُ.
وقالَ الحَنفيةُ: إذا أنفَقَ المُلتقِطُ على اللُّقطةِ بغيرِ إِذنِ الحاكِمِ فهو مُتبَرِّعٌ؛ لقُصورِ وِلايتِه عن ذِمةِ المالِكِ، وإنْ أنفَقَ بأَمرِه كانَ ذلك دَينًا على صاحِبِها؛ لأنَّ للقاضِي وِلايةً في مالِ الغائِبِ نظرًا له، وقد يَكونُ النَّظرُ في الإِنفاقِ.
وإذا رفَعَ ذلك إلى الحاكِمِ نظَرَ فيه، فإنْ كانَ للبَهيمةِ مَنفعةٌ آجرَها وأنفَقَ عليها مِنْ أُجرتِها؛ لأنَّ فيه إِبقاءَ العَينِ على مِلكِه مِنْ غيرِ إِلزامِ الدَّينِ عليه.
стр. 7990
وإنْ لَم تَكنْ لها مَنفعةٌ وخافَ أنْ تَستغرقَ النَّفقةُ قِيمتَها باعَها وأمَرَ بحِفظِ ثَمنِها؛ إِبقاءً له معنًى عندَ تَعذرِ إِبقائِه صُورةً.
وإنْ كانَ الأَصلحُ الإِنفاقَ عليها أَذنَ الحاكِمُ في ذلك وجعَلَ النَّفقةَ دَينًا على مالِكِها؛ لأنَّه نصَبَ ناظِرًا، وفي هذا نَظرٌ من الجانِبينِ، قالُوا: إنَّما يَأمرُ بالإِنفاقِ يَومينِ أو ثَلاثةَ أَيامٍ على قَدرِ ما يَرى رَجاءَ أنْ يَظهرَ مالِكُها، فإذا لَم يَظهرْ يَأمرُ ببَيعِها؛ لأنَّ استِدامةَ النَّفقةِ مُستأصَلةٌ فلا نَظرَ في الإِنفاقِ مدةً مَديدةً.
وإذا حضَرَ مالِكُها فللمُلتقِطِ أنْ يَمنعَها مِنه حتى يُحضرَ النَّفقةَ؛ لأنَّه أَحيا مِلكَه بنفَقتِه فصارَ كأنَّه استَفادَ المِلكَ مِنْ جِهتهِ فأَشبهَ المَبيعَ؛ وأَقربُ مِنْ ذلك رادُّ الآبقِ، فإنَّ له الحَبسَ لاستِيفاءِ الجُعلِ لمَا ذكَرْنا، ثُم لا يَسقطُ دَينُ النَّفقةِ بهَلاكِه في يدِ المُلتقطِ قبلَ الحَبسِ، ويَسقطُ إذا هلَكَ بعدَ الحَبسِ؛ لأنَّه يَصيرُ بالحَبسِ شَبيهَ الرَّهنِ (١).
قالَ الشافِعيةُ: إنْ أنفَقَ على اللُّقطةِ مُدةَ التَّعريفِ، فإنْ أَرادَ الرُّجوعَ استَأذنَ الحاكِمُ فإنْ لَم يَجدْه أشهَدَ (٢).
وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: وقالَ الشافِعيُّ فيما رَواه عنه الرَّبيعُ في البُويطيِّ: إذا أنفَقَ على الضَّوالِّ مَنْ أخَذَها فهو مُتطوعٌ، فإنْ أَرادَ أنْ يَرجعَ
стр. 7991
على صاحِبِها فليذهَبْ إلى الحاكِمِ حتى يَفرضَ له النَّفقةَ ويوكِلَ غيرَه بأنْ يَقبضَ تلك النَّفقةَ مِنه ويُنفقَ عليها، ولا يَكونُ للسُّلطانِ أنْ يَأذنَ له أنْ يَنفقَ عليها إلا اليَومَ واليَومينِ، فإنْ جاوزَ ذلك أَمرَ بَبيعِها. وقالَ المُزنِيُّ عنه: إذا أمَرَ الحاكِمُ بالنَّفقةِ كانَت دَينًا، وما ادَّعى قُبلَ مِنه إذا كانَ مِثلَه قَصدًا، وقالَ المُزنِيُّ: لا يُقبلُ قَولُه وليسَ بالأَمينِ (١).
وعندَ الحَنابِلةِ: إنْ أحَبَّ أنْ يُنفقَ على اللُّقطةِ مُحتسِبًا بالنَّفقةِ على مالِكِها وأشهَدَ على ذلك فهل له أنْ يَرجعَ بالنَّفقةِ؟ على رِوايتينِ:
قالَ ابنُ قُدامةَ: إِحداهما: يَرجعُ به، نصَّ عليه في رِوايةِ المَروذيِّ في طَيرةِ مَنٍّ أفرَخَت عندَ قِومٍ، فقَضى أنَّ الفِراخَ لصاحِبِ الطَّيرةِ ويَرجعُ بالعَلفِ إذا لَم يَكنْ مُتطوعًا، وقَضى عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ فيمَن وجَدَ ضالَّةً فأنفَقَ عليها وجاءَ ربُّها بأنَّه يَغرمَ له ما أنفَقَ، وذلك لأنَّه أنفَقَ على اللُّقطةِ لحِفظِها فكانَ مِنْ مالِ صاحِبِها كمُؤنةِ الرُّطبِ والعِنبِ.
والرِّوايةُ الثانيةُ: لا يَرجعُ بشيءٍ، وهو قَولُ الشَّعبيِّ والشافِعيِّ، ولَم يُعجبِ الشَّعبيَّ قَضاءُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ؛ لأنَّه أنفَقَ على مالِ غيرِه بغيرِ إِذنِه فلَم يَرجعْ، كما لو بَنى دارَه، ويُفارقُ العِنبَ والرُّطبَ، فإنَّه ربَّما كانَ تَجفيفُه والإِنفاقُ عليه في ذلك أَحظَّ لصاحِبِه؛ لأنَّ النَّفقةَ لا تَتكررُّ
стр. 7992
والحَيوانُ يَتكرَّرُ الإِنفاقُ عليه، فربَّما استَغرقَ قِيمتَه فكانَ بَيعُه أو أَكلُه أَحظَّ، فلذلك لَم يَحتسبْ المُنفقُ عليها بما أنفَقَ (١) ..
وقالَ الإِمامُ ابنُ رشدٍ ﵀: واختلَفُوا، هل يَرجعُ المُلتقِطُ بما أنفَقَ على اللُّقطةِ على صاحِبِها أم لا؟
فقالَ الجُمهورُ: مُلتقطُ اللُّقطةِ مُتطوعٌ بحِفظِها، فلا يَرجعُ بشيءٍ مِنْ ذلك على صاحِبِ اللُّقطةِ.
وقال الكُوفيونَ: لا يَرجعُ بما أنفَقَ إلا أنْ تَكونَ النَّفقةُ عن إِذنِ الحاكِمِ، وهذه المَسألةُ هي مِنْ أَحكامِ الالتِقاطِ (٢).
стр. 7993
القِسمُ الثانِي: الجَمادُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يَجوزُ التِقاطُ غيرِ الحَيوانِ، وهو الجَمادُ كالنُّقودِ والثِّيابِ والطَّعامِ وغيرِها، وحُكمُها كما مرَّ بالتَّفصيلِ أنَّه يَجبُ تَعريفُها حَولًا ثُم يَتملكُها بعدَ الحَولِ، وإنْ جاءَ صاحِبُها فيَدفعُها إليه عِنْدَ عامَّةِ الفُقهاءِ، وقد تَقدمَ بيَانُ كلِّ هذا مُفصَّلًا.
التِقاطُ ما يُسرعُ إليه الفَسادُ كالطَّعامِ:
نصَّ الفُقهاءُ على أنَّ المُلتقطَ إذا التقَطَ ما يُسرعُ إليه الفَسادُ مِنْ الطَّعامِ وغيرِه أنَّه يُعرِّفُه في المَكانِ الذي وجَدَه فيه، فإنْ خشِيَ عليه الفَسادَ أكَلَه أو باعَه وحفِظَ ثَمنَه.
قالَ الحَنفيةُ: إنْ كانَت اللُّقطةُ شَيئًا لا يَبقى كالأَطعمةِ المُعدَّةِ للأَكلِ كاللَّحمِ واللَّبنِ والفَواكهِ الرَّطبةِ ونحوِها عرَّفَه إلى أنْ يَخافَ فَسادَه، ثُم يَتصدقُ به خَوفًا مِنْ الفَسادِ، وفيه نَظرٌ لصاحِبِها دُنيا وأُخرى، وله أنْ يَنتفعَ بها لو فَقيرًا، فإنْ جاءَ صاحِبُها بعدَما تَصدقَ بها فهو بالخِيارِ، إنْ شاءَ أَمضى الصَّدقةَ وله ثَوابُها، وإنْ شاءَ ضمَّنَ المُلتقِطَ، وإنْ شاءَ ضمَّنَ المِسكينَ إذا هلَكَ في يدِه، وإذا كان قائِمًا أخَذَه.
قالَ القاضِي أَبو جَعفرَ: إنْ تصدَّقَ بإِذنِ القاضِي ليسَ له أنْ يُضمِّنَه. اه.
وأيُّهما ضمَّنَ المُلتقطَ أو المِسكينَ لا يَرجعُ واحِدٌ مِنهما على صاحِبِه بشيءٍ، ذكَرَه قاضِيخانُ وغيرُه (١).
стр. 7994
أما المالِكيةُ فقد جاءَ في «المُدونة» (في لُقطةِ الطَّعامِ):
قلتُ: أرَأَيتَ إنْ التقَطتُ ما لا يَبقى في أَيدي النَّاسِ مِنْ الطَّعامِ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: يَتصدقُ به أَعجبُ إليَّ. قلتُ: وإنْ كانَ شيئًا تافِهًا؟ قالَ: التافِهُ وغيرُ التافِهِ يَتصدقُ به أَعجبُ إلى مالِكٍ. قلتُ: فإنْ أكَلَه وأَتى صاحِبَه أو تَصدَّقَ به، أيَضمنُه؟ قالَ: لا يَضمنُه، مثلُ قَولِ مالِكٍ في الشَّاةِ يَجدُها في فَيافي الأَرضِ إلا أنْ يَجدَها مِنْ غيرِ فَيافي الأَرضِ. قلتُ: وهل كانَ مالِكٌ يُوقِّتُ في الطَّعامِ الذي كانَ يَخافُ عليه الفَسادَ وَقتًا في تَعريفِه؟ قالَ: لَم يَكنْ مالِكٌ يُوقِّتُ فيه وَقتًا (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه مُخيَّرٌ بينَ أَمرينِ إنْ كانَ يُسرِعُ فَسادُه ولا يُمكنُ تَجفيفُه، وإلا جفَّفَه.
قالَ الشافِعيةُ: إنِ التقَطَ ما يُسرِعُ فَسادُه كهَريسةٍ وعِنبٍ لا يَتزبَّبُ ورُطبٍ لا يَتتمَّرُ وكذا البُقولِ الرَّطبةِ والشِّواءِ تَخيرَ آخِذُه بينَ خَصلتينِ:
فإنْ شاءَ باعَه استِقلالًا إنْ لَم يَجدْ حاكِمًا وبإِذنِه إنْ وجَدَه، وعرَّفَ المَبيعَ بعدَ بيعِه ليَتملكَ ثَمنَه بعدَ التَّعريفِ، ولا يُعرِّفُ الثَّمنَ.
وإنْ شاءَ تَملكَه في الحالِ وأكَلَه وغرِمَ قِيمتَه، سَواءٌ أوجَدَه في مَفازةٍ أم عُمرانٍ؛ لأنَّه مُعرضٌ للهَلاكِ فيَتخيرُ فيه كالشَّاةِ. والبَيعُ أَولى بالاتِّفاقِ.
стр. 7995
وقِيلَ إنْ وجَدَه في عُمرانٍ وجَبَ البَيعُ؛ لأنَّه مُتيسرٌ فيه فلا يَجوزُ الأَكلُ في هذه الحالَةِ بل يَتعينُ البَيعُ.
فإذا أكَلَه وجَبَ التَّعريفُ في العُمرانِ بعدَه، وإنْ كانَ في الصَّحراءِ فالظاهِرُ أنَّه لا يَجبُ.
وإنْ أمكَنَ بَقاءُ ما يُسرعُ فَسادُه بعِلاجٍ فيه كرَطبٍ يُمكنُ تَجفيفُه ولَبنٍ يَصيرُ أَقطًا فإنْ كانَت الغِبطةُ في بَيعِه بِيعَ جَميعُه بإذنِ الحاكِمِ إن وجَدَه وإلا استِقلالًا، أو كانَت الغِبطةُ في تَجفيفِه وتبَرَّعَ به الواجِدُ له أو غيرُه جفَّفَه؛ لأنَّه مالُ غيرِه فرُوعيَ فيه المَصلحةُ كوَليِّ اليَتيمِ، وإلا بِيعَ بَعضُه بقَدرٍ ما يُساوي التَّجفيفَ لتَجفيفِ الباقِي طَلبًا للأَحظِّ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: ما يُخشى فَسادُه بتَبقيَتِه كطَبيخٍ وبِطيخٍ وفَاكهةٍ وخَضرواتٍ ونَحوِها فيَلزمُ المُلتقطَ فِعلُ الأَحظِّ:
مِنْ أكلِه وعليه قِيمتُه.
ومِن بَيعِه ولو بلا إِذنِ حاكِمٍ وحِفظِ ثَمنِه؛ لأنَّ في كلٍّ مِنهما حِفظًا لمالِيَّتِه على ربِّه وكالحَيوانِ ولا يَجوزُ إِبقاؤُه لأنَّه يَتلفُ، فإنْ ترَكَ المُلتقطُ ما يَخشى فَسادَه بلا أَكلٍ ولا بَيعٍ حتى تلِفَ ضمِنَه؛ لأنَّه مُفرِّطٌ في حِفظِه فهو كالوَديعةِ.
فإنِ استَويا في نَظرِ المُلتقطِ خُيِّرَ بينَهما، فأيُّهما فعَلَ جازَ له.
стр. 7996
وقَيدَه -أي ما ذُكرَ مِنْ البَيعِ والأَكلِ- جَماعةٌ بعدَ تَعريفِه بقدرِ ما يَخافُ معَه فَسادَه، ثُم هو بالخِيارِ بينَ أَكلِه وبَيعِه.
ومتى أَرادَ بَيعَه أو أَكلَه، حفِظَ صِفاتَه ثُم عرَّفَه عامًا على ما نَذكُرُه.
فإنْ تلِفَ الثَّمنُ قبلَ تَملكِه مِنْ غيرِ تَفريطٍ أو نَقصٍ أو تلِفَت العَينُ أو نقَصَت مِنْ غيرِ تَفريطٍ فلا ضَمانَ عليه، وإنْ تلِفَ أو نقَصَ بتَفريطٍ أو تلِفَت اللُّقطةُ بتَفريطِه فعليه ضَمانُه، وكذلك إنْ تلِفَ بعدَ تَملكِه أو نقَصَ.
وأمَّا إنْ كانَ يُمكنُ تَجفيفُه كالعِنبِ فيَفعلُ المُلتقطُ ما يَرى الحَظَّ فيه لمالِكِه مِنْ الأَكلِ بقِيمتِه والبَيعِ معَ حِفظِ ثَمنِه والتَّجفيفِ؛ لأنَّه أَمانةٌ بيدِه وفِعلُ الأَحظِّ في الأَمانةِ مُتعيَّنٌ.
وغَرامةُ التَّجفيفِ إنِ احتِيجَ إليها مِنه فيَبيعُ المُلتقطُ بعضَه في تَجفيفِه؛ لأنَّه مِنْ مَصلحتِه، فإنْ أنفَقَ مِنْ مالِه رجِعَ به في الأَصحِّ، قالَه في «المُبدِع»، وإنْ تعذَّرَ بَيعُه ولَم يُمكنْ تَجفيفُه تَعيَّن أَكلُه (١).
حُكمُ مَنْ ترَكَ دابَّةً بمَهلكةٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ ترَكَ دابَّةً بمَهلكةٍ فأخَذَها إِنسانٌ فأطعَمَها وسَقاها وخلَّصَها، هل يَملُكُها بذلك أم لا؟
стр. 7997
فذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ ترَكَ دابَّةً بمَهلكةٍ أو فَلاةٍ لانقِطاعِها بعَجزِها عن مَشيٍ أو عجَزَ مالِكُها عن علفِها بأنْ لَم يَجدْ ما يُعلفُها فترَكَها فأخَذَها إِنسانٌ فأطعَمَها وسَقاها وخلَّصَها ملَكَها؛ لما رَواه أَبو داودَ وغيرُه عن الشَّعبيِّ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ وجَدَ دابَّةً قد عجَزَ عنها أَهلُها أنْ يَعلِفُوها فسَيَّبُوها، فأخَذَها فأَحيَاها، فهي له». قالَ عُبيدُ اللهِ-رَاوي الحّديثِ عن الشِّعبيِّ-: فقُلتُ: عمَّن؟ قالَ: عن غيرِ واحِدٍ مِنْ أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ .
وفي رِوايةٍ: «مَنْ ترَكَ دابَّةً بمَهلَكٍ، فأَحياها رَجلٌ فهي لمَن أَحياها» (١).
ولأنَّ في الحُكمِ بمِلكِها إِحياءَها وإِنقاذَها مِنْ الهَلاكِ، وحِفظًا للمالِ عن الضَّياعِ، ومُحافظةً على حُرمةِ الحَيوانِ، وفي القَولِ بأنَّها لا تُملكُ تَضييعٌ لذلك كلِّه مِنْ غيرِ مَصلحةٍ تَحصُلُ، ولأنَّها تُركَت رَغبةً عنها وعَجزًا عن أَخذِها فملَكَها آخذُها كالسَّاقِطِ مِنْ السُّنبلِ وسائِرِ ما يَنبذُه الناسُ رَغبةً عنه (٢).
وقالَ المالِكيةُ: مَنْ ترَكَ دابَّةً بفَلاةٍ أو بمَضيعةٍ فأخَذَها إِنسانٌ فإنَّه يَردُّها على صاحِبِها فإنْ أنفَقَ عليها شيئًا أخَذَه مِنه، وهل له أَجرُه؟ في رِوايةِ
стр. 7998
ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ: ليسَ له عليه أَجرٌ وله النَّفقةُ. وفي رِوايةِ ابنِ وَهبٍ عن مالِكٍ: يَأخُذُها، يَدفعُ إليه أَجرَه وما أنفَقَ عليها (١).
ورَوى وَهبٌ عن مالِكٍ فيمَن ترَكَ دابَّةً وقد قامَت عليه بمَضيعةٍ لا يَأكلُ ولا يَشربُ: فمَن أخَذَها فأَحياها فإنَّه يَأخذُها ويُدفعُ إليه أَجرُه وما أنفَقَ عليها.
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ مَنْ ترَكَ دابةً وسيَّبَها في فَلاةٍ أو في مَضيعةٍ أو ترَكَها صاحَبُها لعدَمِ قُدرتِه على علفِها فمرَّ بها إِنسانٌ فأخَذَها وأَحياها وأنفَقَ عليها حتى عادَت إلى حالِها فهي على مِلكِ صاحِبِها، ولا رُجوعَ للمُنفقِ على صاحِبِها بما أنفَقَ عليها؛ لأنَّ الفُقهاءَ لَم يَختلِفوا أنَّه لو أَيسَ مِنْ حَياةِ عَبدِه فخَلَّاه ثُم وجَدَه في يدِ غيرِه فهو أَحقُّ به، كذلك غيرُه (٢).
قالَ الإِمامُ مُحمدُ بنُ الحَسنِ الشَّيبانِيُّ ﵀: وذكَرَ عن الشَّعبيِّ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ ترَكَ دابَّةً بمَهلكةٍ فهي لمَن أَحياها»، وبظاهِرِ هذا الحَديثِ أخَذَ بَعضُ العُلماءِ فقالُوا: إذا ترَكَ الغَازيُّ دابَّتَه في هَزيمةٍ فأخَذَها مُسلِمٌ آخرُ وأخرَجَها فهو أَحقُّ بها؛ لأنَّ الأوَّلَ ترَكَها مُعرِضًا عنها، وإنَّما كانَ مالِكًا لها لكَونِه مُحرزًا لها بيدِه، فإذا زالَ ذلك التَحقَت بالصَّيودِ فهي لمَن أخَذَها وأَحياها، ولَسنا نأخُذُ به، فإنَّ هذا تَسييبُ أَهلِ
стр. 7999
الجاهِليةِ، وقد نَفاه الشَّرعُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ الآيةُ [المائدة: ١٠٣]، وليسَ التَّسييبُ في الدَّوابِّ نَظيرَ الإِعتاقِ في العَبيدِ، فبالإِعتاقِ تَحدثُ فيه صِفةُ المالِكيةِ فتَنتفي المَملوكيةُ، وبالتَّسييبِ لا تُحذفُ صِفةُ المالِكيةِ في الدَّوابِّ، وإذا بقيَت مَملوكةً كانَت لصاحِبِها، وحُرمةُ المِلكِ باعتِبارِ حُرمةِ المالِكِ، فلا يَملكُها أَحدٌ بالأَخذِ.
وذُكرَ عن الشَّعبيِّ أنَّه قالَ: يَأخذُها صاحِبُها ولا نَفقةً له على الذي أَحياها إنْ كانَ أنفَقَ مِنْ مالِه، وبهذا تبيَّنَ أنَّ الحَديثَ الأَولَ وَهمٌ، فالشَّعبيُّ هو الذي رَواه، وما كانَ يُفتي بخِلافِ ما يَروي عن النَّبيِّ ﷺ ، ثُم مِثلُ هذا الحَديثِ الشاذِّ لا يَكونُ مَعمولًا به؛ إذ كانَ مخالِفًا للأُصولِ، فكانَ الرُّجوعُ إلى المَقامِ المُتفقِ على قُبولِه -وهو قَولُه ﷺ : «لا يَحلُّ مالُ امرئٍ مُسلِمٍ إلا بطِيبةِ نَفسٍ مِنه» - أَولى، وكذلك قَولُه ﵇: «مَنْ وجَدَ عينَ مالِه فهو أَحقُّ به» دَليلٌ على صِحةِ ما قُلنا، وكانَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ ﵀ يَقولُ: يَأخذُها صاحِبُها ويَردُّ على المُنفقِ ما أنفَقَ عليه مِنْ مالِه، وقالَ الشَّعبيُّ: ليسَ عليه شيءٌ مِنْ النَّفقةِ إنْ كانَ أنفَقَ بغيرِ ما أنفَقَ عليه مِنْ مالِه، وقالَ الشَّعبيُّ: ليسَ عليه شيءٌ مِنْ النَّفقةِ إنْ كانَ أنفَقَ بغيرِ إِذنِه. وبقَولِ الشَّعبيِّ نأخُذُ؛ لأنَّه مُتبرِّعٌ بالإِنفاقِ على مِلكِ الغَيرِ بغَيرِ إِذنِه، وهو يُريدُ أنْ يُلزمَه دَينًا في ذِمتِه لنَفسِه، وليسَ لأَحدٍ هذه الوِلايةُ على غَيرِه، فأمَّا عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ فكانَ يَقولُ: دَلالةُ الإِذنِ في الإِنفاقِ مِنْ صاحِبِها مَعلومٌ بطَريقِ الظاهِرِ؛ لأنَّه لو تَمكنَ مِنْ إِخراجِها أنفَقَ عليها مِنْ مالِ نفسِه، فإذا عجَزَ عن ذلك كانَ مُستعينًا بكلِّ
стр. 8000
مَنْ يَقوى على ذلك راضيًا بأنْ يُنفقَ عليها مِنْ مالِه، ودَلالةُ الإِذنِ كصَريحِ الإِذنِ، ولكنَّا نَقولُ: هذه الاستِعانةُ والرِّضا يُحتمَلُ أنْ يَكونَ مِنه على وَجهِ التَّبرعِ، ويُحتملُ أنْ يَكونَ على وَجهِ الرُّجوعِ عليه بما يُنفقُ، والمُحتملُ لا يَصلحُ حُجةً لإِيجابِ الدَّينِ له في ذِمتِه، وهو نَظيرُ المُودَعِ يُنفقُ على الوَديعةِ في حالِ غَيبةِ صاحِبِها بغيرِ أَمرِ القاضِي، فإنَّه لا يَرجعُ على صاحِبِها بما أنفَقَ لهذا المَعنى، كذا هذا، واللهُ المُوفِّقُ (١).
وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: في لُقطةِ «التاترَخانيَّة»: مَنْ ترَكَ دابَّةً لا قِيمةَ لها مِنْ الهُزالِ ولَم يُبحْها وَقتَ التَّركِ، فأخَذَها رَجلٌ وأصلَحَها، فالقِياسُ أنْ تَكونَ للآخِذِ كقُشورِ الرُّمانِ المَطروحةِ، وفي الاستِحسانِ تَكونُ لصاحِبِها.
قالَ مُحمدٌ: لأنَّا لو جَوَّزنا ذلك في الحَيوانِ لجَوَّزنا في الجارِيةِ تُرمى في الأَرضِ مَريضةً لا قِيمةَ لها، فيَأخذُها رَجلٌ ويُنفقُ عليها فيَطؤُها مِنْ غَيرِ شِراءٍ ولا هِبةٍ ولا إِرثٍ ولا صَدقةٍ، أو يَعتقُها مِنْ غيرِ أنْ يَملكَها، وهذا أَمرٌ قَبيحٌ. اه مُلخصًا.
ومُقتضاه أنَّ غيرَ الحَيوانِ كالقُشورِ يَكونُ طَرحُه إِباحةً بدُونِ تَصريحٍ، وأنَّه يَملكُه الآخِذُ، بخِلافِ الحَيوانِ فلا يَملكُه إلا بالتَّصريحِ بالإِباحةِ (٢).
وقالَ الإِمامُ الماوِرديُّ ﵀: إذا ترَكَ الرَّجلُ الدابَّةَ أو البَعيرَ حَسرًا في الصَّحراءِ لعَجزِه عن السَّيرِ وعَجزِ المالِكِ عن حَملِه أو المُقامِ عليه فمرَّ به
стр. 8001
رَجلٌ فأَحياه بمُقامِه عليه ومُراعاتِه حتى عادَ إلى حالِه في السَّيرِ والعَملِ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِه.
فحُكيَ عن اللَّيثِ بنِ سَعدٍ والحَسنِ بنِ صالِحٍ أنَّه يَكونُ لآخِذِه ومُحْييه دونَ تارِكِه، إلا أنْ يَكونَ تارِكُه ترَكَه ليَعودَ إليه فيَكونُ التارِكُ أَحقَّ به.
وقالَ أَحمدُ بنُ حَنبلٍ وإِسحاقُ بنُ راهَويهِ: إنَّ آخِذَه المُحيي له أَحقُّ مِنْ تارِكِه بكلِّ حالٍ، سَواءٌ ترَكَه ليَعودَ إليه أم لا.
وقالَ مالِكٌ: هو على مِلكِ تارِكِه دُونَ آخِذِه، لكنْ لآخِذِه الرُّجوعُ بما أنفَقَ.
ومَذهبُ الشافِعيِّ ﵀ أنَّه على مِلكِ تارِكِه، وليسَ لواجِدِه الرُّجوعُ بنَفقتِه؛ لقَولِه ﷺ : «لا يَحلُّ مالُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلا بطِيبِ نَفسٍ مِنه»، ولأنَّه لو عالَجَ عَبدًا قد أشرَفَ على الهَلاكِ بالمَرضِ حتى ولو استنقَذَ مالًا مِنْ غَرقٍ أو حَريقٍ لَم يَملكْه، فكذا البَهيمةُ.
وحُكيَ عن الحَسنِ البَصريِّ أنَّ مَنْ أخرَجَ مَتاعًا قد غرِقَ مِنْ البَحرِ فقد ملَكَه على صاحِبِه، وهذا شاذٌّ مِنْ القَولِ مَدفوعٌ بالخبَرِ والإِجماعِ، ولكنْ لو وجَدَ في البَحرِ قِطعةَ عَنبَرٍ في المَوضعِ الذي يَجوزُ أنْ يُوجدَ فيه كانَت مِلكًا لواجِدِها في البَرِّ كانَت لُقطةً؛ لعِلمِنا بحُصولِ اليدِ عليها قبلَه، إلا أنْ يَكونَ على الساحِلِ نَضبَ الماءُ عنها، فتَكونُ مِلكًا لواجِدِها؛ لجَوازِ أنْ يَكونَ الماءُ قد أَلقاها حينَ نضِبَ، وهكذا لو صادَ سَمكةً مِنْ البَحرِ فوجَدَ في جَوفِها قِطعةَ عَنبَرٍ كانَت للصَّيادِ إذا كانَ بَحرًا قد يَجوزُ أنْ يُوجدَ فيه العَنبَرُ،
стр. 8002
فأمَّا الأَنهارُ وما لا يَكونُ مِنْ البِحارِ فإنَّها تَكونُ لُقطةً، وهكذا الياقُوتُ والمُرجانُ، إلا أنْ يَكونَ مَصنوعًا أو مَثقوبًا فيَكونُ لُقطةً، فأمَّا اللُّؤلؤُ فلا يَكونُ في البَحرِ إلا معَ صدَفِه، فإنْ وجِدَ فيه كانَ مِلكًا لواجِدِه، وإنْ وجِدَ خارِجًا عن صدَفِه كانَ لُقطةً (١).
حُكمُ الاتجارِ باللُّقطةِ:
الأَصلُ في اللُّقطةِ كما تقدَّمَ أنَّها أَمانةٌ في يدِ المُلتقِطِ، لا يَجوزُ له أنْ يَتصرفَ فيها في أَثناءِ الحَولِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ كالوَديعةِ؛ لأنَّه إذا تصرَّفَ فيها عرَّضَها للخَطرِ والضَّياعِ، فلا يَجوزُ لمَن وجَدَ لُقطةً مِنْ الأَموالِ أنْ يُتاجرَ فيها أَثناءَ حَولِ التَّعريفِ ولا قبلَ إِدخالِها في مِلكِه بعدَ التَّعريفِ.
وقد جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: «التِّجارَةُ في اللُّقطةِ والعارِيةِ»
(قلتُ): أرأَيتَ رَجلًا حُرًّا وجَدَ لُقطةً أو مُكاتِبًا أو عَبدًا تاجِرًا أيتَّجرُ بها في السَّنةِ التي يُعرِّفُها في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالِكٌ في الوَديعةِ: لا يتَّجرُ فيها، فأَرى اللُّقطةَ بمَنزلةِ الوَديعةِ في السَّنةِ التي يُعرِّفُها فيها، أنَّه لا يتَّجرُ بها ولا بعدَ السَّنةِ أيضًا؛ لأنَّ مالِكًا قالَ: إذا مضَت السَّنةُ لَم آمُرْه بأَكلِها (٢).
وعليه إذا اتَّجرَ في اللُّقطةِ خِلالَ حَولِ التَّعريفِ فإنَّها تَدخُلُ في ضَمانِه، فإذا حصَلَ أيُّ خُسرانٍ لها أو تَلفٍ ولو بلا تَعدٍّ مِنه ضمِنَها؛ لأنَّه باستِعمالِها فقد حصَلَ التَّعدي فيَضمَنُها.
стр. 8003
كتاب اللقيط
стр. 8004
كتاب اللقيط
تَعريفُ اللَّقيطِ:
اللَّقيطُ لُغةً: اللَّقيطُ الطِّفلُ الذي يُوجدُ مَرميًّا على الطُّرقِ لا يُعرفُ أَبوه ولا أمُّه.
وهو فَعيلٌ مِنْ اللَّقْطِ، وهو اللِّقاءُ بمَعنى المَفعولِ وهو المَلقوطُ.
ومَعناه العُثورُ على الشَّيءِ مُصادفةً مِنْ غيرِ طَلبٍ ولا قَصدٍ، قالَ الراجِزُ يَصفُ ماءً آجِنًا:
ومَنهلٍ وردْتُه التِقاطًا … أَخضرَ مِثلَ الزَّيتِ لمَّا شاطا
أي: وردْتُه مِنْ غيرِ طِلبٍ ولا قَصدٍ، شاطَ الزَّيتُ إذا نضَجَ حتى احترَقَ، وكذلك اللَّقيطُ يُوجدُ مِنْ غيرِ طَلبٍ.
ويُقالُ للصبيِّ الضائِعِ: لَقيطٌ ومَلقوطٌ ومَنبوذٌ ودَعِيٌّ، وهذه الأَسماءُ مَأخوذةٌ مِنْ طَرفَيْ حالِه، فالمَنبوذُ: مِنْ نَبْذِه وطَرحِه، واللَّقيطُ والدَّعيُّ:
стр. 8005
مِنْ لَقْطِه وادِّعائِه، ولمْ يُسمُّوه نَبيذًا؛ لئلا يَلتبسَ بالمَشروبِ سَفهًا، وتَسميتُه لَقيطًا حَقيقةٌ شَرعيةٌ (١).
اللَّقيطُ شَرعًا:
قالَ الحَنفيةُ: اللَّقيطُ اسمٌ لحيٍّ مَولودٍ طرَحَه أَهلُه خَوفًا من العَيلةِ أو فِرارًا مِنْ تُهمةِ الزِّنا (٢).
وقالَ المالِكيةُ: اللَّقيطُ: صَغيرٌ آدمِيٌّ لمْ يُعلمْ أَبوه ولا رِقُّه، فأما وَلدُ الزَّانيةِ المَعلومةِ ومَن عُلمَ رِقُّه وكذا مَنْ ضلَّ عن أَهلِه فلُقطةٌ وليسَ بلَقيطٍ، يَجري عليه أَحكامُ اللُّقطةِ.
وقيلَ: اللَّقيطُ ما التُقطَ صَغيرًا في الشَّدائدِ والجَلاءِ وشِبهِ ذلك، والمَنبوذُ ما دامَ مَطروحًا ولا يُسمى لَقيطًا إلا بعدَ أَخذِه.
وقيلَ: المَنبوذُ ما وُجدَ بفَورِ وِلادتِه واللَّقيطُ بخِلافِه.
والمُرادُ بالطِّفلِ الصَّغيرِ: الذي لا يَقدرُ على القِيامِ بمِصالحِ نَفسِه مِنْ نَفقةٍ وغِطاءٍ ونَحوِهما (٣).
стр. 8006
وقالَ الشافِعيةُ: اللَّقيطُ شَرعًا: طِفلٌ يُنبذُ بنَحوِ شارِعٍ لا يُعرفُ له مُدَّعٍ.
ونَبذُه في الغالِبِ إما لكَونِه مِنْ فاحِشةٍ خَوفًا مِنْ العارِ أو للعَجزِ عن مُؤنتِه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: اللَّقيطُ طِفلٌ لا يُعرفُ نَسبُه ولا رِقُّه، نُبذَ في شارِعٍ أو بابِ مَسجدٍ ونَحوِه، أو ضلَّ الطَّريقَ ما بينَ وِلادتِه إلى سنِّ التَّمييزِ، وقيلَ: المُميِّزُ لَقيطٌ إلى البُلوغِ (٢).
حُكمُ الالتِقاطِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ مُضيِّعَ الطِّفلِ آثمٌ وأنَّ مُحرزَه غانِمٌ؛ لمَا في إِحرازِه مِنْ إِحياءِ النَّفسِ فإنَّه على شَرفِ الهَلاكِ، وإِحياءُ الحَيِّ بدَفعِ سَببِ الهَلاكِ عنه، قالَ تعالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
واتَّفقُوا على أنَّ التِقاطَه إما أنْ يَكونَ فَرضًا على الكِفايةِ وإما أنْ يَكونَ فَرضَ عَينٍ.
فإذا علِمَ أنَّه يَهلكُ إنْ لمْ يَأخذْه بأنْ كانَ في مَفازةٍ أو بِئرٍ أو مَسبعةٍ ففَرضُ عَينٍ عليه أنْ يَأخذَه دَفعًا للهَلاكِ عنه.
стр. 8007
وأما إنْ كانَ بمِصرٍ أو قَريةٍ وخشِيَ عليه وكانوا جَماعةً ففَرضُ كِفايةٍ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقولِه: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]، وقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، فإنَّه بإِحيائِها يَسقطُ فَرضُ الكِفايةِ عن الناسِ جَميعًا، فإِحياؤُهم بالعِصمةِ مِنْ عَذابِ اللهِ لهم.
وقالَ ﷺ : «الراحِمونَ يَرحمُهم الرَّحمنُ، ارحَمُوا أَهلَ الأَرضِ يَرحَمكم مَنْ في السَّماءِ» (١)، وقالَ: «مَنْ لا يَرحمُ لَا يُرحمُ» (٢)، وقالَ: «لَا تُنزعُ الرَّحمةُ إلا مِنْ شَقيٍّ» (٣).
ولأنَّ فيه إِحياءَ نَفسِه فكانَ واجِبًا، كإِطعامِه إذا اضطَرَّ وإِنجائِه مِنْ الغَرقِ، ووُجوبُه على الكِفايةِ إذا قامَ به واحدٌ سقَطَ عن الباقينَ؛ لأنَّ بالواحِدِ يَحصلُ الغَرضُ مِنْ ذلك، فإنْ ترَكَه الجَماعةُ أَثِموا كلُّهم إذا عَلِموا فترَكُوه معَ إِمكانِ أَخذِه.
ورَوى مالكٌ عَنْ ابنِ شِهابٍ عن سُنينٍ أَبِي جَميلةَ -رَجلٌ مِنْ بَني سُلَيمٍ- أنَّه وجَدَ مَنبوذًا في زَمنِ عُمرَ بنِ الخَطابِ، قالَ: فجِئْت إِلى عُمرَ بْنِ الخَطابِ فقالَ: ما حمَلَكَ على أَخذِ هذه النَّسمةِ؟ فقالَ: وجَدْتُها ضائِعةً
стр. 8008
فأخَذْتُها، فقالَ له عَريفُه: يا أَميرَ الْمُؤمِنينَ، إنَّه رَجلٌ صالِحٌ، فقالَ عُمرُ: كذلك؟ قالَ: نَعم، فقالَ عُمرُ بنُ الخَطابِ: اذهَبْ فهو حُرٌّ، ولك وَلاؤُه، وعلينا نَفقَتُه (١).
فإنْ غلَبَ على ظَنِّه عَدمُ الهَلاكِ بأنْ كانَ في مِصرٍ أو قَريةٍ فأَخذُه مَندوبٌ؛ لمَا فيه مِنْ السَّعي في إِحياءِ نَفسٍ مُحتَرمةٍ، قالَ اللهَ ﵎: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وعن عَليٍّ ﵁ أنَّه قالَ للمُلتقِطِ: لأنْ أَكونَ وَليتُ منه مثلَ ما وَليتَ أنت كانَ أَحبَّ إليَّ مِنْ كذا وكذا (٢).
وقالَ المالِكيةُ: ومَن أخَذَه بنِيةِ أنَّه يُربِّيه لمْ يَحلَّ له ردُّه، وأما إنْ أخَذَه بنِيةِ أنْ يَدفعَه إلى السُّلطانِ فلا شَيءَ عليه في ردِّه إلى مَوضعِ أَخذِه إنْ كانْ مَوضعًا لا يُخافُ عليه فيه الهَلاكُ لكَثرةِ الناسِ (٣).
стр. 8009
الأَحقُّ برِعايةِ وإِمساكِ اللَّقيطِ:
نصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ المُلتقِطَ أَحقُّ بإِمساكِ اللَّقيطِ مِنْ غيرِه، وليسَ لأَحدٍ ولو كانَ الإِمامَ الأَعظمَ أنْ يَنتزعَه منه إلا بسَببٍ يُوجبُ ذلك؛ لأنَّ يدَه سبَقَت إليه فهو أَحقُّ به باعتِبارِ يدِه، ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ سبَقَ إلى ما لمْ يَسبقْ إليه مُسلِمٌ فهو أَحقُّ به»، ولأنَّ اللَّقيطَ في حَديثِ أَبِي جَميلةَ -رَجلٍ مِنْ بَني سُلَيمٍ- أنَّه وجَدَ مَنبوذًا في زَمنِ عُمرَ بنِ الخَطابِ، قالَ: فجِئْت إِلى عُمرَ بْنِ الخَطابِ فقالَ: ما حمَلَكَ على أَخذِ هذه النَّسمةِ؟ فقالَ: وجَدْتُها ضائِعةً فأخَذْتُها، فقالَ له عَريفُه: يا أَميرَ الْمُؤمِنينَ، إنَّه رَجلٌ صالِحٌ، فقالَ عُمرُ: كذلك؟ قالَ: نعم، فقالَ عُمرُ بنُ الخَطابِ: اذهَبْ فهو حُرٌّ، ولك وَلاؤُه، وعلينا نَفقَتُه (١)، وهذا إذا لمْ تُوجدْ يدٌ هي أَولى مِنْ يدِه أو يُوجدْ سَببٌ شَرعيٌّ.
وعليه إذا انتزَعَه إِنسانٌ منه فاختصَمَ الأَولُ والثانِي إلى القاضِي فإنَّ القاضِي يَدفعُه إلى الأَولِ (٢).
стр. 8010
قالَ الحَنفيةُ: لو دفَعَه إلى غيرِه باختيارِه جازَ، وليسَ له أنْ يَأخذَه مِنْ الثانِي؛ لأنَّه رضِيَ بإِسقاطِ حَقِّه وأبطَلَ حَقَّ نَفسِه عن اختيارٍ (١).
الأَسبابُ التي تُوجبُ نَزعَ اللَّقيطِ مِمَّنْ التقَطَه:
١ - قالَ المالِكيةُ: إذا خشِيَ على الطِّفلِ الضَّياعَ مِنْ عندِه فإنَّه يَدفعُ لمَن يُشفقُ عليه. (٢)
٢ - قالَ الحَنفيةُ: ويَنبغي أنْ يُنتزعَ منه إذا لمْ يَكنْ أَهلًا لحِفظِه (٣).
٣ - إذا كانَ المُلتقِطُ كافِرًا فإنَّه يُنزعُ منه عندَ الجُمهورِ خِلافًا للحَنفيةِ إذا كانَ اللَّقيطُ مُسلِمًا، كما سيَأتي تَفصيلُه.
٤ - إذا كانَ المُلتقِطُ فاسِقًا نُزعَ منه عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ كما سيَأتي.
إذا استَوَى اثنانِ في أَخذِه:
إذا ازدحَمَ اثنانِ أو أَكثرُ في أَخذِ اللَّقيطِ وكلٌّ منهم يُريدُ أنْ يَأخذَ اللَّقيطَ عندَه فلا يَخلو حالُهم مِنْ أنْ يَستووا في الكَفاءةِ والحِفظِ والرِّعاية والغِنى والإِسلامِ فعندَئذ يُقرعُ بينَهما عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ، وقالَ الحَنفيةُ: يَكونُ الرَّأيُ فيه للقاضِي، وأما إنْ كانَ أَحدُهما
стр. 8011
غَنيًّا والآخرُ فَقيرًا فيُقدمُ الغَنيُّ عندَ الجُمهورِ، وكذا الأَصلحُ للطِّفلِ، ويَستوي في هذا الرَّجلُ والمَرأةُ.
قالَ المالِكيةُ: إذا ازدحَمَ اثنانِ أو أَكثرُ قُدمَ الأَكفأُ منهم والأَقوى على كَفالتِه، وهو مَنْ لا يَخشى الوَلدُ عندَه ضَيعةً، فإنْ عُدمَ ذلك كلُّه أُقرعَ بينهم، فأيُّهم خرَجَ له أخَذَه (١).
وقالَ الحَنفيةُ: المُلتقِطُ إذا كانَ مُتعدِّدًا فإنْ أمكَنَ التَّرجيحُ اختصَّ به الراجِحُ، وإذا استوَيا في صِفاتِ التَّرجيحِ كلِّها بأنْ كانَا مُسلِمينِ أو كافِرينِ فالرَّأيُ للقاضِي، ويَنبغي أنْ يُرجِّحَ ما هو أَنفعُ للَّقيطِ، بأنْ يُقدمَ العَدلَ على الفاسِقِ والغَنيَّ على الفَقيرِ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا التَقطَه اثنانِ معًا وهما أَهلٌ لحِفظِه وحِفظِ مالِه فالأَصحُّ أنَّه يُقدمُ غَنيٌّ على فَقيرٍ ولو كانَ بَخيلًا؛ لأنَّه أَرفقُ به غالبًا، وقد يُواسيه بمالِه، ولا عِبرةَ بتَفاوتِهما في الغِنى إلا إنْ تميَّزَ أَحدُهما بنحوِ سَخاءٍ وحُسنِ خُلقٍ، ويُقدمُ عَدلٌ ولو فَقيرًا على مَستورٍ احتِياطًا للَّقيطِ، ولا تُقدمُ امرَأةٌ على رَجلٍ وإنْ كانَت أَصبَرَ منه في التَّربيةِ إلا مُرضِعةً في رَضيعٍ.
فإنِ استوَيا في الصِّفاتِ المُعتبَرةِ وتشاحَّا أُقرعَ بينهما؛ إذ لا مُرجِّحَ،
стр. 8012
ولعَدمِ مَيلِه إليهما طَبعًا، ولا يُتركُ في يدِهما لتَعذرِ أو تَعسرِ الاجتِماعِ على الحَضانةِ. (١)
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا التَقطَه اثنانِ وكانَ كلُّ واحدٍ منهما مِمَّنْ يُقرُّ في يدِه لو انفرَدَ إلا أنَّ أَحدَهما أَحظُّ للَّقيطِ مِنْ الآخرِ بأنْ يَكونَ أَحدُهما مُوسرًا والآخرُ مُعسرًا فالمُوسرُ أَحقُّ؛ لأنَّ ذلك أَحظُّ للطِفلِ، وكذلك إنْ كانَ أَحدُهما مُقيمًا والآخرُ مُسافرًا؛ لأنَّه أَرفقُ بالطِّفلِ.
فإنْ تساوَيا في كَونِهما مُسلِمينِ عَدلينِ حُرَّينِ مُقيمَينِ فهما سَواءٌ فيه، فإنْ رضِيَ أَحدُهما بإِسقاطِ حَقِّه وتَسليمِه إلى صاحِبِه جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ له فلا يُمنعُ مِنْ الإِيثارِ به، وإنْ تشاحَّا أُقرعَ بينهما؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، ولأنَّه لا يُمكنُ كَونُه عندَهما؛ لأنَّه لا يُمكنُ أنْ يَكونَ عندَهما في حالةٍ واحدةٍ، وإنْ تهايَآه فجُعلَ عندَ كلِّ واحدٍ يَومًا أو أَكثرَ مِنْ ذلك أضَرَّ بالطِّفلِ؛ لأنَّه تَختلفُ عليه الأَغذيةُ والأُنسُ والأُلفُ، ولا يُمكنُ دَفعُه إلى أَحدِهما دونَ الآخرِ بغيرِ قُرعةٍ؛ لأنَّ حَقَّهما مُتساوٍ فتَعيُّنُ أَحدِهما بالتَّحكمِ لا يَجوزُ، فتعيَّنَ الإِقراعُ بينَهما كما يُقرعُ بينَ الشُّركاءِ في تَعيينِ السِّهامِ في القِسمةِ، وبينَ النِّساءِ في البِدايةِ بالقِسمةِ، وبينَ العَبيدِ في الإِعتاقِ، والرَّجلُ والمَرأةُ سَواءٌ، ولا تُرجحُ المَرأةُ ها هنا كما تُرجحُ في حَضانةِ وَلدِها على أَبيه؛ لأنّها رُجِّحَت لشَفقتِها على وَلدِها وتَولِّيها
стр. 8013
لحَضانتِه بنَفسِها والأَبُ يَحضنُه بأَجنبيةٍ، فكانَت أُمُّه أَحظَّ له وأَرفقَ به، أما ها هنا فإنَّها أَجنبيةٌ مِنْ اللَّقيطِ، والرَّجلُ يَحضنُه بأَجنبيةٍ فاستوَيا.
فإنْ كانَ أَحدُهما مَستورَ الحالِ والآخرُ ظاهِرَ العَدالةِ احتمَلَ أنْ يُرجَّحَ العَدلُ؛ لأنَّ المانِعَ مِنْ الالتِقاطِ مُنتفٍ في حَقِّه بغيرِ شكٍّ، والأَمرُ مَشكوكٌ فيه، فيَكونُ الحَظُّ للطِّفلِ في تَسليمِه إليه أَتمَّ، ويَحتملُ أنْ يَتساوَيا؛ لأنَّ احتِمالَ وُجودِ المانِعِ لا يُؤثرُ في المَنعِ فلا يُؤثرُ في التَّرجيحِ (١).
حُكمُ التِقاطِ الكافِرِ الذِّميِّ أو غيرِه:
الطِّفلُ اللَّقيطُ إما أنْ يَكونَ مَحكومًا بإِسلامِه وإما أنْ يُحكمَ بكُفرِه.
أَولاً: اللَّقيطُ إذا كانَ مُسلمًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ اللَّقيطُ مُسلِمًا فهل يَجوزُ للكافِرِ أنْ يَلتقطَه وهل يُقرُّ في يدِه أم لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ اللَّقيطَ إذا كانَ مَحكومًا بإِسلامِه فإنَّه لا يَصحُّ التِقاطُ الكافِرِ له؛ لأنَّ القِيامَ بأَمرِ اللَّقيطِ وِلايةٌ، ولا وِلايةَ لكافِرٍ على مُسلِمٍ، ولأنَّه لا يُؤمنُ أنْ يَفتنَه ويُعلِّمَه الكُفرَ، بل الظاهِرُ أنَّه يُربِّيه على دينِه ويَنشأُ على ذلك كوَلدِه، فإنِ التَقطَه لمْ يُقرَّ في يدِه، ويُنتزعُ منه خَشيةَ أنْ يُربِّيَه على دينِه أو يَطولَ الأَمدُ فيَسترقَّه (٢).
стр. 8014
وقالَ الحَنفيةُ: يَصحُّ التِقاطُ الكافِرِ للمُسلمِ، ولو وجَدَه مُسلِمٌ وكافِرٌ فتنازَعا قُضيَ به للمُسلِمِ؛ لأنَّه أَنفعُ للَّقيطِ؛ لأنَّه يُعلِّمُه أَحكامَ الإِسلامِ، ولأنَّه مَحكومٌ له بالإِسلامِ فكانَ المُسلمُ أَولى بحِفظِه.
وهذا إذا لمْ يَعقلِ الأَديانَ، وإلا نُزعَ مِنْ الكافِرِ ولو كانَ هو المُلتقِطَ وحدَه (١).
وكذا المُرتَدُّ عندَ الحَنفيةِ يَصحُّ التِقاطُه؛ حيثُ قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: ولمْ أرَ حُكمَ التِقاطِ المُرتَدِّ لَقيطًا أو لُقطةً، والظاهِرُ أنَّ مَشايخَنا إنما لمْ يُقيِّدوا المُلتقِطَ بشَيءٍ لإِطلاقِه عندَنا (٢).
ثانيًا: اللَّقيطُ إذا كانَ كافِرًا:
نصَّ جَماهيرُ أَهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ -فيما يُفهمُ مِنْ نُصوصِهم- والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ اللَّقيطَ إذا كانَ كافرًا أو مَحكومًا بكُفرِه فإنَّه يَجوزُ للكافِرِ التِقاطُه؛ لأنَّ الذين كفَرُوا بَعضُهم أَولياءُ بَعضٍ، ويُقرُّ في يدِه لثُبوتِ وِلايتِه عليه؛ لأنَّ الكافِرَ يَلي على مَنْ هو مِنْ أَهلِ دِينِه (٣).
стр. 8015
إذا كانَ اللَّقيطُ مَحكومًا بكُفرِه وتنازَعَه مُسلِمٌ وكافِرٌ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في اللَّقيطِ إذا كانَ مَحكومًا بكُفرِه وتنازَعَه مُسلِمٌ وكافِرٌ، فأيُّهما يُقرُّ في يدِه؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لو التقَطَ اللَّقيطَ الكافرَ مُسلِمٌ وكافِرٌ فهما سَواءٌ؛ لاستِوائِهما في الالتِقاطِ، وللكافِرِ على الكافِرِ الوِلايةُ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ وبعضُ الحَنابِلةِ كالإِمامِ ابنِ قُدامةَ وغيرِه إلى أنَّه يُقدمُ المُسلِمُ على الكافِرِ، قالَ الحارثِيُّ: وهو الصَّحيحُ بلا تَرددٍ؛ لأنَّه عندَ المُسلِمِ يَنشأُ على الإِسلامِ ويَتعلمُ شرائِعَ الدِّينِ، فيَفوزُ بسَعادةِ الدُّنيا والآخِرةِ ويَنجو مِنْ النارِ ويَتخلصُ مِنْ الجِزيةِ والصَّغارِ، حتى وإنْ كانَ المُسلِمُ فَقيرًا والكافِرُ غَنيًّا، فالمُسلِمُ أَولى مِنْ الكافِرِ؛ لأنَّ النَّفعَ الحاصِلَ له بإِسلامِه أَعظمُ مِنْ النَّفعِ الحاصِلِ له بيَسارِه معَ كُفرِه.
وفي قَولٍ عندَ الشافِعيةِ يُقدمُ الكافِرُ؛ لأنَّه على دِينِه (١).
стр. 8016
التِقاطُ الفاسِقِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الفاسِقِ إذا التَقطَ صَبيًّا مُسلِمًا، هل يُقرُّ في يدِه أم يُنزعُ منه؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشترطُ في المُلتقِطِ أنْ يَكونَ عَدلًا ولو ظاهِرًا، فلا يَصحُّ التِقاطُ الفاسِقِ ويُنزعُ منه؛ لأنَّ الحَضانةَ وِلايةٌ والفاسِقُ ليسَ مِنْ أَهلِ الوِلايةِ، فيُنتزعُ منه لأنَّه ليسَ في حِفظِ اللَّقيطِ إلا الوِلايةُ، ولا وِلايةَ لفاسِقٍ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وفارَقَ اللُّقطةَ مِنْ أَوجهٍ:
أَحدُها: أنَّ في اللَّقطةِ مَعنى الكَسبِ، وليسَ ها هنا إلا الوِلايةِ.
والثانِي: أنَّ اللُّقطةَ لو انتزَعْناها منه ردَّدْناها إليه بعدَ الحَولِ، فاحتَطْنَا عليها معَ بَقائِها في يديه، وها هنا لا تُردُّ إليه بعدَ الانتِزاعِ منه بحالٍ، فكانَ الانتِزاعُ أَحوطَ.
والثالِثُ: أنَّ المَقصود ثَم حِفظُ المالِ، ويُمكنُ الاحتِياطُ عليه بأنْ يَستظهرَ عليه في التَّعريفِ أو يَنصبَ الحاكِمُ مَنْ يُعرِّفَها، وها هنا المَقصودُ حِفظُ الحُريةِ والنَّسبِ، ولا سَبيلَ إلى الاستِظهارِ عليه؛ لأنَّه قد يَدَّعي رِقَّه في بعضِ البُلدانِ أو في بعضِ الزَّمانِ، ولأنَّ اللُّقطةَ إنما يُحتاجُ إلى حِفظِها والاحتِياطُ عليها عامًا واحدًا، وهذا يَحتاجُ إلى الاحتِياطِ عليه في جَميعِ زَمانِه.
стр. 8017
وأما على ظاهِرِ قَولِ الخِرقيِّ فلا يُنزعُ منه؛ لأنَّه قد ثبَتَت له الوِلايةُ بالتِقاطِه إيَّاه وسَبقِه إليه، وأمكَنَ حِفظُ اللَّقيطِ في يديه بالإِشهادِ عليه، وضَمِّ أَمينٍ يُشارفُه إليه ويُشيعُ أَمرَه فيُعرفُ أنَّه لَقيطٌ، فيَنحفظُ بذلك مِنْ غيرِ زَوالِ وِلايتِه؛ جَمعًا بينَ الحَقينِ كما في اللُّقطةِ، وكما لو كانَ الوَصيُّ خائِنًا، وما ذُكرَ مِنْ التَّرجيحِ للُّقطةِ فيُمكنُ مُعارضتُه بأنَّ اللَّقيطَ ظاهِرٌ مَكشوفٌ لا تَخفى الخيانَةُ فيه، واللُّقطةُ مَستورةٌ خَفيةٌ تتطرَّقُ إليها الخيانَةُ ولا يُعلمُ بها؛ ولأنَّ اللُّقطةَ يُمكنُ أَخذُ بَعضِها وتَنقيصُها وإِبدالُها، ولا يُتمكنُ مِنْ ذلك في اللَّقيطِ، ولأنَّ المالَ مَحلُّ الخيانَةِ، والنُّفوسُ إلى تَناولِه وأَخذِه داعيةٌ بخِلافِ النُّفوسِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى صِحةِ التِقاطِ الفاسِقِ، فلا يُشترطُ عندَهم إِسلامٌ ولا عَدالةٌ في المُلتقِطِ (٢).
стр. 8018
الحُكمُ بإِسلامِ اللَّقيطِ:
اللَّقيطُ لا يَخلو إما أنْ يُوجدَ في دارِ الإِسلامِ وإما أنْ يُوجدَ في دارِ الكُفرِ:
أَولاً: أنْ يُوجدَ اللَّقيطُ في دارِ الإِسلامِ:
اللَّقيطُ في دارِ الإِسلامِ له ضَربانِ: إما أنْ يُوجدَ في قَريةٍ مِنْ قُرى أَهلِ الذِّمةِ أو في بَيعةٍ أو كَنيسةٍ، وإما أنْ يُوجدَ في بَلدِ المُسلِمينَ.
الضَّربُ الأَولُ: أنْ يُوجدَ في قَريةٍ مِنْ قُرى أَهلِ الذِّمةِ أو في بَيعةٍ أو كَنيسةٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في اللَّقيطِ يُوجدُ في قَريةٍ مِنْ قُرى أَهلِ الذِّمةِ ليسَ فيها مُسلِمٌ أو يُوجدُ في بَيعةٍ أو كَنيسةٍ، هل يُحكمُ بإِسلامِه أم لا؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ.
قالَ الحَنفيةُ: اللَّقيطُ إذا وُجدَ في قَريةٍ مِنْ قُرى أَهلِ الذِّمةِ -الخاضِعةِ لحُكمِ الإِسلامِ- ليسَ فيها مُسلِمٌ أو في بَيعةٍ أو كَنيسةٍ يَكونُ ذِميًّا؛ تَحكيمًا للظاهِرِ؛ لأنَّ المَوجودَ في مَكانٍ هو في أَيدي أَهلِ الذِّمةِ، وتَصرُّفُهم في أَيديهم، واللَّقيطُ الذي هو في يدِ الذِّميِّ وتَصرُّفِه يَكونُ ذِميًّا، وهذا إذا كانَ الواجِدُ له ذِميًّا بلا خَلافٍ عندَهم، وأما إنْ كانَ الواجِدُ له مُسلِمًا فعلى أَقوالٍ في المَذهبِ:
الأَولُ وهو رِوايةُ الأَصلِ: أنَّه يُحكمُ بكُفرِه كذلك على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ تَغليبًا للمَكانِ لأنَّ المَكانَ إليه أَسبقُ مِنْ يدِ الواجِدِ والحُكمُ للسابِقِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ أَهلَ الذِّمةِ يَضعونَ أَولادَهم في مَساجدِ المُسلِمينَ
стр. 8019
وأنَّ المُسلِمينَ لا يَضعونَ أَولادَهم في البِيعِ والكَنائسِ، والحُكمُ بالظاهِرِ واجِبٌ عندَ تَعذُّرِ الوُقوفِ على الحَقيقةِ.
ولأنَّ اللَقيطَ في حُكمِ المُباحِ، فمَن سبَقَت يدُه إليه صارَ مُحرِزًا له، وكانَ الحُكمُ ليدِه؛ إذ ليسَ للمَكانِ يَدٌ مُعتبَرةٌ، ألَا تَرى أنَّ المُباحَ يُملكُ بالإِحرازِ باليَدِ دونَ المَكانِ.
والرِّوايةُ الثانِيةُ وهي رِوايةُ ابنِ سِماعةَ عن مُحمَّدٍ: أنَّه اعتبَرَ حالَ الواجِدِ مِنْ كَونِه مُسلِمًا أو ذِميًّا، فإنْ كانَ الواجِدُ في هذه الأَماكنِ مُسلِمًا فاللَّقيطُ مُسلِمٌ، وإنْ كانَ الواجِدُ ذِميًّا فاللَّقيطُ ذِميٌّ؛ لأنَّ اليَدَ أَقوى مِنْ المَكانِ.
والرِّوايةُ الثالِثةُ: أنَّه يُعتبرُ الحُكمُ بالزِّيِّ والسِيما، فإنْ كانَ عليه سِيما المُسلِمينَ فمُسلِمٌ، وإلا فكافِرٌ، والأَصلُ فيه قَولُه تعالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] فإذا كانَ في عُنقِه صَليبٌ وعليه ثَوبُ دِيباجٍ ووَسطَ رَأسِه مُحرزٌ فالظاهِرُ أنَّه مِنْ أَولادِ النَّصارى، فلا يُحكمُ له بإِسلامِه، وإلا حُكمَ بإِسلامِه.
وفي رِوايةٍ: يُحكمُ بإِسلامِه نَظرًا للصَّغيرِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: اللَّقيطُ إذا وُجدَ في بِلادِ المُسلِمينَ فإنَّه يُحكمُ بإِسلامِه بلا خِلافٍ؛ لأنَّه الأَصلُ والغالِبُ، وسَواءٌ التَقطَه مُسلِمٌ أو كافِرٌ.
стр. 8020
وكذا يُحكمُ بإِسلامِه إذا وُجدَ في قَريةٍ ليسَ فيها مِنْ المُسلِمينَ سِوى بَيتَينِ أو ثَلاثةٍ تَغليبًا للإِسلامِ، بشَرطِ أنْ يَكونَ الذي التَقطَه مُسلِمًا، فإنِ التَقطَه ذِميٌّ فإنَّه يُحكمُ بكُفرِه على المَشهورِ، والبَيتُ كالبَيتَينِ على ظاهِرِ «المُدوَّنة».
وأما إنْ كانَ فيها أَكثرُ مِنْ ثَلاثةِ بُيوتٍ فيُحكمُ بإِسلامِه قَطعًا وإنِ التَقطَه كافِرٌ، وكذا لو كانَ المُسلِمونَ مُساوينَ أو أَكثرَ أو قَريبًا مِنْ التَّساوي، فيُحملُ اللَّقيطُ على الإِسلامِ وإنِ التَقطَه مُشرِكٌ.
وإذا وُجدَ في قَريةٍ مِنْ قُرى الشِّركِ أو في مَوضعٍ مِنْ مَواضِعهم كالبَيعةِ والكَنيسةِ -ولو كانَت بينَ قُرى المُسلِمينَ- فإنَّه يَكونُ مُشرِكًا، سَواءٌ التَقطَه مُسلِمٌ أو كافِرٌ تَغليبًا للدارِ، والحُكمُ للغالِبِ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ، وقيلَ: إنِ التَقطَه مُسلِمٌ فمُسلِمٌ وإنِ التَقطَه كافِرٌ فكافِرٌ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا وُجدَ لَقيطٌ بدارِ الإِسلامِ بأنْ سكَنَها المُسلِمونَ وإنْ كانَ فيها أَهلُ ذِمةٍ أو مُعاهدونَ، أو وُجدَ لَقيطٌ بدارٍ فتَحَها المُسلِمونَ وأقرُّوها بيَدِ الكُفارِ صُلحًا على وَجهِه وإنْ لمْ يَملِكُوها، أو وُجدَ بدارٍ أقَرَّها المُسلِمونَ بيدِ كفارٍ بعدَ مِلكِها عَنوةً بجِزيةٍ، أو وُجدَ اللَّقيطُ بدارٍ كانَ المُسلِمونَ يَسكنونَها ثُم جَلاهم الكُفارُ عنها، وفيها مُسلِمٌ في الصُّورِ الأَربعِ