التِقاطُ الفاسِقِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الفاسِقِ إذا التَقطَ صَبيًّا مُسلِمًا، هل يُقرُّ في يدِه أم يُنزعُ منه؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشترطُ في المُلتقِطِ أنْ يَكونَ عَدلًا ولو ظاهِرًا، فلا يَصحُّ التِقاطُ الفاسِقِ ويُنزعُ منه؛ لأنَّ الحَضانةَ وِلايةٌ والفاسِقُ ليسَ مِنْ أَهلِ الوِلايةِ، فيُنتزعُ منه لأنَّه ليسَ في حِفظِ اللَّقيطِ إلا الوِلايةُ، ولا وِلايةَ لفاسِقٍ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وفارَقَ اللُّقطةَ مِنْ أَوجهٍ:
أَحدُها: أنَّ في اللَّقطةِ مَعنى الكَسبِ، وليسَ ها هنا إلا الوِلايةِ.
والثانِي: أنَّ اللُّقطةَ لو انتزَعْناها منه ردَّدْناها إليه بعدَ الحَولِ، فاحتَطْنَا عليها معَ بَقائِها في يديه، وها هنا لا تُردُّ إليه بعدَ الانتِزاعِ منه بحالٍ، فكانَ الانتِزاعُ أَحوطَ.
والثالِثُ: أنَّ المَقصود ثَم حِفظُ المالِ، ويُمكنُ الاحتِياطُ عليه بأنْ يَستظهرَ عليه في التَّعريفِ أو يَنصبَ الحاكِمُ مَنْ يُعرِّفَها، وها هنا المَقصودُ حِفظُ الحُريةِ والنَّسبِ، ولا سَبيلَ إلى الاستِظهارِ عليه؛ لأنَّه قد يَدَّعي رِقَّه في بعضِ البُلدانِ أو في بعضِ الزَّمانِ، ولأنَّ اللُّقطةَ إنما يُحتاجُ إلى حِفظِها والاحتِياطُ عليها عامًا واحدًا، وهذا يَحتاجُ إلى الاحتِياطِ عليه في جَميعِ زَمانِه.
стр. 8017
وأما على ظاهِرِ قَولِ الخِرقيِّ فلا يُنزعُ منه؛ لأنَّه قد ثبَتَت له الوِلايةُ بالتِقاطِه إيَّاه وسَبقِه إليه، وأمكَنَ حِفظُ اللَّقيطِ في يديه بالإِشهادِ عليه، وضَمِّ أَمينٍ يُشارفُه إليه ويُشيعُ أَمرَه فيُعرفُ أنَّه لَقيطٌ، فيَنحفظُ بذلك مِنْ غيرِ زَوالِ وِلايتِه؛ جَمعًا بينَ الحَقينِ كما في اللُّقطةِ، وكما لو كانَ الوَصيُّ خائِنًا، وما ذُكرَ مِنْ التَّرجيحِ للُّقطةِ فيُمكنُ مُعارضتُه بأنَّ اللَّقيطَ ظاهِرٌ مَكشوفٌ لا تَخفى الخيانَةُ فيه، واللُّقطةُ مَستورةٌ خَفيةٌ تتطرَّقُ إليها الخيانَةُ ولا يُعلمُ بها؛ ولأنَّ اللُّقطةَ يُمكنُ أَخذُ بَعضِها وتَنقيصُها وإِبدالُها، ولا يُتمكنُ مِنْ ذلك في اللَّقيطِ، ولأنَّ المالَ مَحلُّ الخيانَةِ، والنُّفوسُ إلى تَناولِه وأَخذِه داعيةٌ بخِلافِ النُّفوسِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى صِحةِ التِقاطِ الفاسِقِ، فلا يُشترطُ عندَهم إِسلامٌ ولا عَدالةٌ في المُلتقِطِ (٢).
стр. 8018
الحُكمُ بإِسلامِ اللَّقيطِ:
اللَّقيطُ لا يَخلو إما أنْ يُوجدَ في دارِ الإِسلامِ وإما أنْ يُوجدَ في دارِ الكُفرِ:
أَولاً: أنْ يُوجدَ اللَّقيطُ في دارِ الإِسلامِ:
اللَّقيطُ في دارِ الإِسلامِ له ضَربانِ: إما أنْ يُوجدَ في قَريةٍ مِنْ قُرى أَهلِ الذِّمةِ أو في بَيعةٍ أو كَنيسةٍ، وإما أنْ يُوجدَ في بَلدِ المُسلِمينَ.
الضَّربُ الأَولُ: أنْ يُوجدَ في قَريةٍ مِنْ قُرى أَهلِ الذِّمةِ أو في بَيعةٍ أو كَنيسةٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في اللَّقيطِ يُوجدُ في قَريةٍ مِنْ قُرى أَهلِ الذِّمةِ ليسَ فيها مُسلِمٌ أو يُوجدُ في بَيعةٍ أو كَنيسةٍ، هل يُحكمُ بإِسلامِه أم لا؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ.
قالَ الحَنفيةُ: اللَّقيطُ إذا وُجدَ في قَريةٍ مِنْ قُرى أَهلِ الذِّمةِ -الخاضِعةِ لحُكمِ الإِسلامِ- ليسَ فيها مُسلِمٌ أو في بَيعةٍ أو كَنيسةٍ يَكونُ ذِميًّا؛ تَحكيمًا للظاهِرِ؛ لأنَّ المَوجودَ في مَكانٍ هو في أَيدي أَهلِ الذِّمةِ، وتَصرُّفُهم في أَيديهم، واللَّقيطُ الذي هو في يدِ الذِّميِّ وتَصرُّفِه يَكونُ ذِميًّا، وهذا إذا كانَ الواجِدُ له ذِميًّا بلا خَلافٍ عندَهم، وأما إنْ كانَ الواجِدُ له مُسلِمًا فعلى أَقوالٍ في المَذهبِ:
الأَولُ وهو رِوايةُ الأَصلِ: أنَّه يُحكمُ بكُفرِه كذلك على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ تَغليبًا للمَكانِ لأنَّ المَكانَ إليه أَسبقُ مِنْ يدِ الواجِدِ والحُكمُ للسابِقِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ أَهلَ الذِّمةِ يَضعونَ أَولادَهم في مَساجدِ المُسلِمينَ
стр. 8019
وأنَّ المُسلِمينَ لا يَضعونَ أَولادَهم في البِيعِ والكَنائسِ، والحُكمُ بالظاهِرِ واجِبٌ عندَ تَعذُّرِ الوُقوفِ على الحَقيقةِ.
ولأنَّ اللَقيطَ في حُكمِ المُباحِ، فمَن سبَقَت يدُه إليه صارَ مُحرِزًا له، وكانَ الحُكمُ ليدِه؛ إذ ليسَ للمَكانِ يَدٌ مُعتبَرةٌ، ألَا تَرى أنَّ المُباحَ يُملكُ بالإِحرازِ باليَدِ دونَ المَكانِ.
والرِّوايةُ الثانِيةُ وهي رِوايةُ ابنِ سِماعةَ عن مُحمَّدٍ: أنَّه اعتبَرَ حالَ الواجِدِ مِنْ كَونِه مُسلِمًا أو ذِميًّا، فإنْ كانَ الواجِدُ في هذه الأَماكنِ مُسلِمًا فاللَّقيطُ مُسلِمٌ، وإنْ كانَ الواجِدُ ذِميًّا فاللَّقيطُ ذِميٌّ؛ لأنَّ اليَدَ أَقوى مِنْ المَكانِ.
والرِّوايةُ الثالِثةُ: أنَّه يُعتبرُ الحُكمُ بالزِّيِّ والسِيما، فإنْ كانَ عليه سِيما المُسلِمينَ فمُسلِمٌ، وإلا فكافِرٌ، والأَصلُ فيه قَولُه تعالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] فإذا كانَ في عُنقِه صَليبٌ وعليه ثَوبُ دِيباجٍ ووَسطَ رَأسِه مُحرزٌ فالظاهِرُ أنَّه مِنْ أَولادِ النَّصارى، فلا يُحكمُ له بإِسلامِه، وإلا حُكمَ بإِسلامِه.
وفي رِوايةٍ: يُحكمُ بإِسلامِه نَظرًا للصَّغيرِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: اللَّقيطُ إذا وُجدَ في بِلادِ المُسلِمينَ فإنَّه يُحكمُ بإِسلامِه بلا خِلافٍ؛ لأنَّه الأَصلُ والغالِبُ، وسَواءٌ التَقطَه مُسلِمٌ أو كافِرٌ.
стр. 8020
وكذا يُحكمُ بإِسلامِه إذا وُجدَ في قَريةٍ ليسَ فيها مِنْ المُسلِمينَ سِوى بَيتَينِ أو ثَلاثةٍ تَغليبًا للإِسلامِ، بشَرطِ أنْ يَكونَ الذي التَقطَه مُسلِمًا، فإنِ التَقطَه ذِميٌّ فإنَّه يُحكمُ بكُفرِه على المَشهورِ، والبَيتُ كالبَيتَينِ على ظاهِرِ «المُدوَّنة».
وأما إنْ كانَ فيها أَكثرُ مِنْ ثَلاثةِ بُيوتٍ فيُحكمُ بإِسلامِه قَطعًا وإنِ التَقطَه كافِرٌ، وكذا لو كانَ المُسلِمونَ مُساوينَ أو أَكثرَ أو قَريبًا مِنْ التَّساوي، فيُحملُ اللَّقيطُ على الإِسلامِ وإنِ التَقطَه مُشرِكٌ.
وإذا وُجدَ في قَريةٍ مِنْ قُرى الشِّركِ أو في مَوضعٍ مِنْ مَواضِعهم كالبَيعةِ والكَنيسةِ -ولو كانَت بينَ قُرى المُسلِمينَ- فإنَّه يَكونُ مُشرِكًا، سَواءٌ التَقطَه مُسلِمٌ أو كافِرٌ تَغليبًا للدارِ، والحُكمُ للغالِبِ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ، وقيلَ: إنِ التَقطَه مُسلِمٌ فمُسلِمٌ وإنِ التَقطَه كافِرٌ فكافِرٌ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا وُجدَ لَقيطٌ بدارِ الإِسلامِ بأنْ سكَنَها المُسلِمونَ وإنْ كانَ فيها أَهلُ ذِمةٍ أو مُعاهدونَ، أو وُجدَ لَقيطٌ بدارٍ فتَحَها المُسلِمونَ وأقرُّوها بيَدِ الكُفارِ صُلحًا على وَجهِه وإنْ لمْ يَملِكُوها، أو وُجدَ بدارٍ أقَرَّها المُسلِمونَ بيدِ كفارٍ بعدَ مِلكِها عَنوةً بجِزيةٍ، أو وُجدَ اللَّقيطُ بدارٍ كانَ المُسلِمونَ يَسكنونَها ثُم جَلاهم الكُفارُ عنها، وفيها مُسلِمٌ في الصُّورِ الأَربعِ
стр. 8021
يُمكنُ أنْ يُولدَ للمُسلِمِ ذلك اللَّقيطُ ولو كانَ المُسلِمُ أَسيرًا مُنتشِرًا أو تاجِرًا أو مُجتازًا أو نَفاه حُكمَ بإِسلامِ اللَّقيطِ في المَسائلِ الأَربعِ تَغليبًا للإِسلامِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الإِسلامُ يَعلو ولا يُعلى عليه».
وأما إذا كانَ جَميعُ مَنْ في القَريةِ كُفارًا بعدَ أنْ أَجلوا المُسلِمينَ منها فهو كافِرٌ على الصَّحيحِ؛ لأنَّه لا يُحتملُ أنْ يَكونَ ابنَ مُسلِمٍ.
وقيلَ: إنَّه مُسلِمٌ؛ لأنَّ الدارَ دارُ إِسلامٍ، ويُحتملُ أنْ يَكونَ بقِيَ فيها مُسلِمٌ أخفَى نَفسَه وهذا ابنُه.
وإذا وُجدَ اللَّقيطُ بدارِ الإِسلامِ ولا مُشركَ فيها كالحَرمِ فهو مُسلِمٌ ظاهِرًا وباطنًا وإلا ففي الظاهِرِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ وُجدَ اللَّقيطُ في دارِ الإِسلامِ في بلدٍ كلُّ أَهلِها أَهلُ ذِمةٍ فكافِرٌ؛ لأنَّ تَغليبَ حُكمِ الإِسلامِ إنما يَكونُ معَ الاحتِمالِ، وهذه لا مُسلِمَ فيها يُحتملُ كَونُه منه.
وقالَ القاضِي وابنُ عَقيلٍ: هو مُسلِمٌ؛ لأنَّ الدارَ للمُسلِمينَ، ولاحتِمالِ كَونِه مِنْ مُسلِمٍ يَكتمُ إِيمانَه.
وإنْ وُجدَ اللَّقيطُ في بَلدِ الإِسلامِ الذي كلُّ أَهلِه أَهلُ ذِمةٍ وكانَ فيها
стр. 8022
مُسلِمٌ -ولو واحِدًا- فاللَّقيطُ مُسلِمٌ إنْ أمكَنَ كَونُ اللَّقيطِ مِنْ المُسلِمِ بها؛ تَغليبًا للإِسلامِ ولظاهِرِ الدارِ (١).
الضَّربُ الثانِي: أنْ يُوجدَ اللَّقيطُ في بَلدِ المُسلِمينَ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلِمينَ على أنَّ اللَّقيطَ إذا وُجدَ في بَلدٍ مِنْ بِلادِ المُسلِمينَ الذي يَقطنُها المُسلِمونَ أنَّه مُسلِمٌ، وسَواءٌ كانَ أَكثرُ ساكِنِيها مُسلِمينَ أو كُفَّارًا؛ تَغليبًا للإِسلامِ ولظاهِرِ الدارِ، ولأنَّه يُحتملُ أنَّه مُسلِمٌ، ويُحتملُ أنَّه كافِرٌ، فغُلِّبَ الإِسلامُ تَغليبًا للدارِ؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «الإِسلامُ يَعلو ولا يُعلى عليه»، سَواءٌ كانَ الذي وجَدَه مُسلِّمٌ أو ذِميٌّ؛ لأنَّ المَوجودَ في مَكانٍ هو في أَيدي أَهلِ الإِسلامِ وتَصرُّفِهم في أَيديهم، واللَّقيطُ الذي هو في يَدِ المُسلِمِ وتَصرُّفُه يَكونُ مُسلِمًا ظاهِرًا.
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: «أجمَعَ عَوامُّ أَهلِ العِلمِ على أنَّ الطِّفلَ إذا وُجدَ في بِلادِ المُسلِمينَ في أيِّ مَكانٍ وُجدَ مَيتًا، أنْ غَسلَه ودَفنَه يَجبُ في مَقابرِ المُسلِمينَ، وقد مَنعوا أنْ يُدفنُ أَطفالُ المُشرِكينَ في مَقابرِ المُسلِمينَ» (٢).
стр. 8023
ثانيًا: أنْ يُوجدَ اللَّقيطُ في قُرى الشِّركِ:
اللَّقيطُ الذي يُوجدُ في دارِ الكُفرِ والشِّركِ: لا يَخلو حالُ هذه الدارِ مِنْ أَمرينِ، أَحدُهما: إما ألَّا يَكونَ فيها مُسلِمٌ، فإذا التَقطَه كافِرٌ فاللَّقيطُ كافِرٌ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأَربعةِ.
وإنْ كانَ المُلتقِطُ له مُسلِمًا فكافِرٌ أَيضًا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ في الصَّحيحِ عندَهم والمالِكيةِ في المَشهورِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ.
وفي قَولٍ للحَنفيةِ ومُقابلِ المَشهورِ للمالِكيةِ أنَّه إنِ التَقطَه مُسلِمٌ فمُسلِمٌ تَغليبًا لليَدِ.
والثانِي: أنْ يَكونَ في دارِ الكُفارِ مُسلِمٌ واحدٌ أو أَكثرُ، فاختَلفَ الفُقهاءُ في اللَّقيطِ إذا وُجدَ فيها، هل يُحكمُ بإِسلامِه أم كُفرِه تَغليبًا للدارِ؟
فالصَّحيحُ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ في المَشهورِ أنَّه يُحكمُ بكُفرِه تَغليبًا للدارِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ والمالِكيةُ في مُقابلِ المَشهورِ والشافِعيةُ في الأَصحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا وُجدَ مُسلِمٌ أو أَكثرُ في بِلادِ الكُفرِ فإنَّه يُحكمُ بإِسلامِه تَغليبًا للإِسلامِ.
قالَ الحَنفيةُ: اللَّقيطُ إذا وُجدَ في بِلادِ الكُفارِ فكافِرٌ تَحكيمًا للظاهِرِ، وهذا إذا كانَ الواجِدُ له ذِميًّا بلا خِلافٍ عندَهم.
وأما إنْ كانَ الواجِدُ له مُسلِمًا فعلى أَقوالٍ في المَذهبِ أَصحُّها في
стр. 8024
المَذهبِ أنَّه يُحكمُ بكُفرِه تَغليبًا للمَكانِ؛ لأنَّ المَكانَ إليه أَسبقُ مِنْ يَدِ الواجِدِ، والحُكمُ للسابِقِ.
والرِّوايةُ الثانِيةُ وهي رِوايةُ ابنِ سِماعةَ عن مُحمَّدٍ: أنَّه اعتَبرَ حالَ الواجِدِ مِنْ كَونِه مُسلِمًا أو ذِميًّا، فإنْ كانَ الواجِدُ في هذه الأَماكنِ مُسلِمًا فاللَّقيطُ مُسلِمٌ، وإنْ كانَ الواجِدُ ذِميًّا فاللَّقيطُ ذِميٌّ؛ لأنَّ اليدَ أَقوى مِنْ المَكانِ.
والرِّوايةُ الثالِثةُ: أنَّه يُعتبَرُ الحُكمُ بالزِّيِّ والسِّيما، فإنْ كانَ عليه سِيما المُسلِمينَ فمُسلِمٌ، وإلا فكافِرٌ، والأَصلُ فيه قَولُه تعالَى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١] فإذا كانَ في عُنقِه صَليبٌ وعليه ثَوبُ دِيباجٍ ووَسطَ رَأسِه مُحرزٌ فالظاهِرُ أنَّه مِنْ أَولادِ النَّصارى، فلا يُحكمُ له بإِسلامِه، وإلا حُكمَ بإِسلامِه.
وفي رِوايةٍ: يُحكمُ بإِسلامِه نَظرًا للصَّغيرِ.
قالَ في «الدُّرِّ المُختارِ»: «المَسألةُ رُباعيةٌ؛ لأنَّه إما أنْ يَجدَه مُسلِمٌ في مَكانِنا فمُسلِمٌ، أو كافِرٌ في مَكانِهم فكافِرٌ، أو كافِرٌ في مَكانِنا أو عَكسُه -أي مُسلِمٌ في مَكانِهم- فظاهِرُ الرِّوايةِ اعتِبارُ المَكانِ لسَبقِه» (١).
стр. 8025
قالَ المالِكيةُ: إذا وُجدَ اللَّقيطُ في بِلادِ الشِّركِ أو قَريةٍ مِنْ قُرى الشَّركِ أو في مَوضعٍ مِنْ مَواضِعهم كالبَيعةِ والكَنيسةِ ولو كانَت بينَ قُرى المُسلِمينَ فإنَّه يَكونُ مُشرِكًا، سَواءٌ التَقطَه مُسلِمٌ أو كافِرٌ تَغليبًا للدارِ، والحُكمُ للغالِبِ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ.
وقيلَ: إنِ التَقطَه مُسلِمٌ فمُسلِمٌ، وإنِ التَقطَه كافِرٌ فكافِرٌ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إنْ وُجدَ اللَّقيطُ بدارِ كُفارٍ وهي دارُ الحَربِ فكافِرٌ ذلك اللَّقيطُ إنْ لمْ يَسكنْها مُسلِمٌ؛ لأنَّ الإِسلامَ إنما يَعلو إذا احتُمِلَ، ولا احتِمالَ هنا؛ إذ لا مُسلِمَ يُحتملَ إِلحاقُه به، ثُم إنْ كانَ أَهلُ البُقعةِ مِلَلًا جُعلَ مِنْ أَقربِهم إلى الإِسلامِ.
وإنْ سكَنَها مُسلِمٌ كأَسيرٍ وتاجِرٍ يُمكنُ أنْ يَكونَ وَلدَه فمُسلِمٌ في الأَصحِّ؛ تَغليبًا للإِسلامِ، فإنْ أنكَرَه ذلك المُسلِمُ قُبلَ في نَفيِ نَسبِه دونَ إِسلامِه.
والثانِي: كافِرٌ؛ تَغليبًا للدارِ؛ لأنَّه يُحتملُ أنَّه ابنُ مُسلِمٍ ويُحتملُ أنَّه ابنُ كافِرٍ فغُلبَ الكُفرُ؛ لأنَّ الدارَ دارُ كُفرٍ، والكُفارُ فيها أَكثرُ، ولأنَّ الظاهِرَ مِنْ الأَسيرِ أنَّه لا يَتمكَّنُ مِنْ الوَطءِ بنِكاحٍ ولا بغيرِه.
стр. 8026
ولو وُجدَ اللَّقيطُ ببَريِّةٍ فمُسلِمٌ إذا كانَت بَريِّةَ دارِنا أو بَريةً لا يدَ لأَحدٍ عليها، أما بَريِّةُ دارِ الحَربِ لا يَطرقُها مُسلِمٌ فلا.
ووَلدُ الذِّميةِ مِنْ الزِّنا ليسَ بمُسلِمٍ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: اللَّقيطُ إذا وُجدَ في دارِ الكُفرِ فلا يَخلو مِنْ حالتَينِ:
الأُولى: إما ألَّا يُوجدَ في الدارِ مُسلِمٌ فلَقيطُها كافِرٌ؛ لأنَّ الدارَ لهم وهم منها.
والثانيةُ: أنْ يُوجدَ فيها مُسلِمونَ كُثرٌ فاللَّقيطُ مُسلِمٌ تَغليبًا للإِسلامِ، وإنْ كانَ المُسلِمونَ فيها قِلةً كتاجِرٍ وأَسيرٍ فوَجهانِ، أَصحُّهما أنَّه يُحكمُ بكُفرِه تَغليبًا للدارِ، والوَجهُ الثانِي: يُحكمُ بإِسلامِه تَغليبًا للإِسلامِ (٢).
الحُكمُ بحُريةِ اللَّقيطِ:
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعَ عَوامُ أَهلِ العِلمِ على أنَّ اللَّقيطَ حرٌّ، وروَيْنا هذا القَولَ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ، وعليِّ بنِ أَبي طالِبٍ، وبه قالَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ والشَّعبيُّ والنَّخَعيُّ والحَكمُ وحَمادٌ ومالِكٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وإِسحاقُ ومَن تبِعَهم مِنْ أَهلِ العِلمِ (٣).
стр. 8027
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: اللَّقيطُ حُرٌّ في قَولِ عامَّةِ أَهلِ العِلمِ إلا النَّخعيَّ، قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ عَوامُّ أَهلِ العِلمِ على أنَّ اللَّقيطَ حُرٌّ.
روَيْنا هذا القَولَ عن عُمرَ وعَليٍّ ﵄، وبه قالَ عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ والشِّعبيِّ والحكمُ وحَمادٌ ومالِكٌ والثَّوريُّ وإِسحاقُ وأَصحابُ الرَّأي ومَن تبِعَهم.
وقالَ النَّخَعيُّ: إنِ التَقطَه للحِسبةِ فهو حُرٌّ وإنْ كانَ أرادَ أنْ يَستَرقَّه فذلك له.
وذلك قَولٌ شَذَّ فيه عن الخُلفاءِ والعُلماءِ، ولا يَصحُّ في النَّظرِ؛ فإنَّ الأَصلَ في الآدميِّينَ الحُريةُ، فإنَّ اللهَ تعالَى خلَقَ آدمَ وذُريتَه أَحرارًا، وإنما الرِّقُّ للعارِضِ، فإذا لمْ يُعلمْ ذلك العارِضُ فله حُكمُ الأَصلِ (١).
مِيراثُ اللَّقيطِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ اللَّقيطَ حُرٌّ كما تقدَّمَ، وأنَّ وَلاءَه للمُسلِمينَ لا لمُلتقِطِه، فمِيراثُه للمُسلِمينَ وجِنايتُه عليهم في بَيتِ المالِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (ووَلاؤُه لسائِرِ المُسلِمينَ، يَعني مِيراثُه لهم، فإنَّ اللَّقيطَ حُرُّ الأَصلِ ولا وَلاءَ عليه، وإنما يَرثُه المُسلِمونَ؛ لأنَّهم خوَّلوا كلَّ مالٍ لا مالكَ له ولأنَّهم يَرثونَ مالَ مَنْ لا وارِثَ له غيرَ اللَّقيطِ فكذلك اللَّقيطُ … ) وهو قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأَكثرِ أَهلِ العِلمِ.
стр. 8028
وقالَ شُريحٌ وإِسحاقُ: عليه الوَلاءُ لمُلتَقطِه؛ لمَا رَوى واثلةُ بنُ الأَسقعِ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «المَرأةُ تَحوزُ ثَلاثةَ مَواريثَ: عَتيقَها ولَقيطَها ووَلدَها الذي لاعَنَت عليه» أخرَجَه أَبو داودَ والتِّرمذيُّ وقالَ حَديثٌ حَسنٌ.
وقالَ عُمرُ لأَبي جَميلةَ في لُقطتِه: «هو حُرٌّ ولك وَلاؤُه وعلينا نَفقتُه».
ولنا: قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «إنما الوَلاءُ لمن أَعتقَ»، ولأنَّه لمْ يَثبتْ عليه رِقٌّ ولا على آبائِه فلمْ يَثبتْ عليه وَلاءٌ كالمَعروفِ نَسبُه، ولأنَّه إنْ كانَ ابنَ حُرَّينِ فلا وَلاءَ عليه، وإنْ كانَ ابنَ مُعتَقينِ فلا يَكونُ عليه وَلاءٌ لغيرِ مُعتِقِهِما، وحَديثُ واثلةَ لا يَثبتُ، قالَه ابنُ المُنذرِ، وخبَرُ عُمرَ قالَ ابنُ المُنذرِ: أَبو جَميلةَ رَجلٌ مَجهولٌ لا تَقومُ بحَديثِه حُجةٌ، ويُحتملُ أنَّ عُمرَ ﵁ عَنى بقَولِه: «لك وَلاؤُه» أي لك وِلايتُه -القيامُ به وحِفظُه-، لذلك ذكَرَه عُقيبَ قَولِ عَريفِه إنَّه رَجلٌ صالِحٌ، وهذا يَقتضي تَفويضَ الوِلايةِ إليه لكَونِه مَأمونًا عليه دونَ المِيراثِ.
إذا ثبَتَ هذا فإنَّ حُكمَ اللَّقيطِ في المِيراثِ حُكمُ مَنْ عُرفَ نَسبُه وانقرَضَ أَهلُه، يُدفعُ إلى بَيتِ المالِ إذا لمْ يَكنْ له وارثٌ.
فإنْ كانَ له زَوجةٌ فلها الرُّبعُ والباقي لبَيتِ المالِ، وإنْ كانَت امرَأةً لها زَوجٌ فله النِّصفُ والباقي لبَيتِ المالِ، وإنْ كانَت له بِنتٌ أو ذو رَحمٍ كبِنتِ بِنتٍ أخَذَت جَميعَ المالِ؛ لأنَّ الردَّ وذا الرَّحمِ مُقدمٌ على بَيتِ المالِ (١).
стр. 8029
وجاءَ في المُوطَّأِ (١٤١٧): «قالَ يَحيى: قالَ مالِكٌ: عن ابنِ شِهابٍ عن سُنينٍ أَبي جَميلةَ -رَجلٌ مِنْ بَني سُليم- أنَّه وجَدَ مَنبوذًا في زَمانِ عُمرَ بنِ الخَطابِ قالَ: فجِئتُ به إلى عُمرَ بنِ الخَطابِ، فقالَ: ما حمَلَك على أَخذِ هذه النَّسمةِ؟ فقالَ: وجَدتُها ضائِعةً فأخَذتُها. فقالَ له عَريفُه: يا أَميرَ المُؤمِنينَ إنَّه رَجلٌ صالِحٌ. فقالَ له عُمرُ: أكذلك؟ قالَ: نَعم. فقالَ عُمرُ بنُ الخَطابِ: اذهبْ فهو حُرٌّ، ولك وَلاؤُه وعلينا نَفقتُه.
س ٧ - ١٥٩ قالَ يَحيى: سمِعتُ مالِكًا يَقولُ: الأَمرُ عندَنا في المَنبوذِ أنَّه حُرٌّ وأنَّ وَلاءَه للمُسلِمينَ، هم يَرثونَه ويَعقلونَ عنه» (١).
النَّفقةُ على اللَّقيطِ:
اللَّقيطُ لا يَخلو حالُه مِنْ حالَتينِ: إما أنْ يُوجَدَ معه مالٌ أو لا يُوجدُ.
الحالَةُ الأُولى: أنْ يُوجدَ معه مالٌ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ اللَّقيطَ إذا وُجدَ معه أَثناءَ الالتِقاطِ أو وُهبَ له بعدَ ذلك أو تُصدِّقَ عليه أنَّه يُنفقُ عليه مِنْ هذا المالِ، وذلك لأنَّ الطِّفلَ يَملكُ وله يَدٌ صَحيحةٌ؛ بدَليلِ أنَّه يَرثُ ويُورثُ، ويَصحُّ أنْ يَشتريَ له وليُّه ويَبيعَ، ومَن له مِلكٌ صَحيحٌ فله يَدٌ صَحيحةٌ كالبالِغِ، ولأنَّ الطِّفلَ إذا
стр. 8030
كانَ له أَبوانِ مُوسِرانِ وله مالٌ كانَت نَفقتُه في مالِه، فلأنْ تَكونَ نَفقةُ مَنْ لا يُعرفُ أَبواه في مالِه أَولى (١).
الحالَةُ الثانِيةُ: ألَّا يُوجدَ معه مالٌ:
وهذه الحالَةُ لا تَخلو مِنْ صُورتَينِ:
الأُولى: أنْ يُوجدَ في بَيتِ المالِ مالٌ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّه إذا لمْ يَكنْ معَ اللَّقيطِ مالٌ ولا وُهبَ له أو تُصدِّقَ أو وُقفَ عليه فإنَّ نَفقتَه واجِبةٌ في بَيتِ مالِ المُسلِمينَ إذا كانَ فيه مالٌ؛ لمَا رَوى الإِمامُ مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ، عن سُنينٍ أَبي جَميلةَ -رَجلٌ مِنْ بَني سُلَيمٍ- أنَّه وَجدَ مَنبوذًا في زَمنِ عُمرَ بنِ الخَطابِ، قالَ: فجِئْتُ إِلَى عُمرَ بنِ الخطَّابِ فقالَ: ما حمَلَكَ على أَخذِ هذه النَّسمةِ؟ فقالَ: وجَدتُها ضائِعةً فأخَذتُها. فقالَ له عَريفُه: يا أَميرَ المُؤمِنينَ، إنَّه رَجلٌ صالِحٌ. فقالَ عُمرُ: كذلك؟ قالَ: نَعم، فقالَ عُمرُ بنُ الخَطابِ: اذهبْ فهو حُرٌّ، ولك وَلاؤُه وعلينا نَفقتُه (٢)، ولأنَّه لو كانَ بالِغًا مُعسِرًا كانَت نَفقتُه في بَيتِ المالِ، فاللَّقيطُ بذلك أَحقُّ (٣).
стр. 8031
الحالَةُ الثانِيةُ: ألَّا يُوجدَ في بَيتِ المالِ شَيءٌ أو كانَ مُعطَّلًا:
إذا لمْ يَكنْ في بَيتِ المالِ شَيءٌ أو كانَ فيه شَيءٌ ولكنِ احتِيجَ إليه لمَا هو أَهمُّ مِنْ ذلك أو كانَ بَيتُ المال مُعطَّلًا فإنَّه يَجبُ على المُسلِمينَ الإِنفاقُ عليه، كما لو اضُطرَّ بالِغٌ إلى طَعامٍ فإنَّه يَجبُ بَذلُ ما يَحتاجُ إليه مِنْ الطَّعامِ، ويَجبُ على مَنْ علِمَ به، فإنْ قامَ به بعضُهم سقَطَ الفَرضُ عن الباقِينَ، وإنْ ترَكُوا الإِنفاقَ عليه أثِمُوا جَميعًا، وهل يَكونُ يَجبُ ذلك عليهم على وَجهِ الإِنفاقِ أو على وَجهِ القَرضِ؟ قَولانِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ أَصحُّهما: يَجبُ عليهم ذلك، ويَكونُ قَرضًا لهم عليه، وسيَأتي بَيانُه (١).
وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ نَفقتَه لا تَجبُ على المُلتقِطِ، قالَ أَبو بَكرِ بنُ المُنذرِ ﵀: «أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ على أنَّ نَفقةَ اللَّقيطِ غيرُ واجِبةٍ على المُلتقِطِ كوُجوبِ نَفقةِ وَلدٍ إنْ كانَ له» (٢)، وذلك لأنَّ أَسبابَ وُجوبِ النَّفقةِ مِنْ القَرابةِ والزَّوجيةِ والمِلكِ والوِلايةِ مُنتفِيةٌ،
стр. 8032
والالتِقاطُ إنما هو تَخليصٌ له مِنْ الهَلاكِ وتبَرُّعٌ بحِفظِه، فلا يُوجبُ ذلك النَّفقةَ كما لو فعَلَه غيرُ اللَّقيطِ (١).
الرُّجوعُ على اللَّقيطِ بما أنفَقَ عليه:
المُلتقِطُ أو غيرُه إذا أنفَقَ على اللَّقيطِ فهذا لا يَخلو مِنْ حالتَينِ:
الأُولى: أنْ يُنفقَ عليه مُتبرِّعًا بالنَّفقةِ:
إذا أنفَقَ المُلتقِطُ أو غيرُه على اللَّقيطِ مُتبَرِّعًا بالنَّفقةِ فلا رُجوعَ عليه باتِّفاقِ المَذاهبِ الأَربعةِ.
الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ يُنفقَ عليه بنِيةِ الرُّجوعِ:
إذا أنفَقَ المُلتقِطُ أو غيرُه على اللَّقيطِ بنِيةِ الرُّجوعِ فلا يَخلو مِنْ أَحدِ أَمرينِ:
الأَولُ: أنْ يُنفقَ عليه بإِذنِ الحاكِمِ:
إذا أنفَقَ المُلتقِطُ على اللَّقيطِ بأَمرِ الحاكِمِ لزِمَ اللَّقيطَ ذلك إذا كانَت النَّفقةُ قَصدًا بالمَعروفِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ في الصَّحيحِ والحَنابِلةِ في قَولٍ.
وفي قَولٍ للشافِعيةِ وقَولٍ عندَ الحَنابِلةِ: إنْ تعذَّرَ الإِنفاقُ عليه مِنْ بَيتِ المالِ اقترَضَ الحاكِمُ على بَيتِ المالِ، فإنْ تعذَّرَ على الحاكِمِ الاقتِراضُ فعلى مَنْ علِمَ حالَه الإِنفاقُ عليه مَجانًا؛ للأَمرِ بالتَّعاونِ على البِرِّ والتَّقوى
стр. 8033
وبالعَدلِ والإِحسانِ، ولأنَّه إِحياءُ مَعصومٍ وإِنقاذٌ له مِنْ التَّلفِ فوجَبَ كإِنقاذِ الغَريقِ، ولا يَرجعُ المُنفقُ بما أنفَقَه عليه؛ لأنَّها فَرضُ كِفايةٍ، إذا قامَ بها البعضُ سقَطَت عن الباقِينَ لحُصولِ المَقصودِ، وإنْ ترَكَ الكلُّ أثِمُوا، ولأنَّها وجَبَت للمُواساةِ فهي كنَفقةِ القَريبِ وقِرى الضَّيفِ (١).
قالَ الحَنفيةُ: فإذا ادَّعى بعدَ بُلوغِه أنَّه أنفَقَ عليه كذا وصدَّقَه اللَّقيطُ في ذلك رجِعَ عليه به، وإنْ كذَّبَه فالقَولُ قَولُ اللَّقيطِ، وعلى المُدَّعي البَينةُ؛ لأنَّه يَدَّعي لنَفسِه دَينًا في ذِمتِه، وهو ليسَ بأَمينٍ في ذلك، وإنما يَكونُ أَمينًا فيما يَنفي به الضَّمانَ عن نَفسِه، فلهذا كانَ عليه إِثباتُ ما يدَّعيه بالبَينةِ، وشَهادةُ اللَّقيطِ بعدما أدرَكَ جائِزةٌ إذا كانَ عَدلًا؛ لأنَّه حُرٌّ مُسلِمٌ فيَكونُ مَقبولَ الشَّهادةِ في الأَمورِ كلِّها إذا ظهَرَت عَدالتُه (٢).
الثانِي: أنْ يُنفقَ عليه مُحتسِبًا الرُّجوعَ بغيرِ إِذنِ الحاكِمِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أنفَقَ المُلتقِطُ على اللَّقيطِ مُحتسِبًا الرُّجوعَ عليه بغير إِذنِ الحاكِمِ، هل يَرجعُ عليه أم لا؟
стр. 8034
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ أنَّه لا يَرجعُ على المُلتقِطِ بشَيءٍ كما لو تبَرَّعَ به؛ لأنَّه غيرُ مَجبورٍ على ما صنَعَ شرعًا، والمُتطوِّعُ مَنْ يَكونُ مُخيَّرًا غيرَ مُجبَرٍ على إِيجادِ شَيءٍ شَرعًا، ولو أنفَقَ على وَلدٍ له أبٌ مَعروفٌ بغيرِ إِذنِ أَبيه كانَ مُتطوِّعًا في ذلك، فكذلك إذا أنفَقَ على اللَّقيطِ، وهذا لأنَّه بالالتِقاطِ يَثبتُ له مِنْ الحَقِّ بقَدرِ ما يَنتفعُ به اللَّقيطُ، وهو الحِفظُ والتَّربيةُ، ولمْ يَثبتْ له عليه وِلايةُ إِلزامِ شَيءٍ في ذِمتِه؛ لأنَّ ذلك لا يَنفعُه، ولأنَّه ليسَ بينَهما سَببٌ مُثبِتٌ للوِلايةِ، ولهذا لا يَرجعُ بالنَّفقةِ عليه، ولأنَّ الغالِبَ مِنْ أَحوالِ الناسِ أنَّهم بمِثلِ هذا يَتبَرَّعونَ، وفي الرُّجوعِ لا يَطمَعونَ، ومُطلَقُ الفِعلِ مَحمولٌ على ما هو المُعتادُ (١).
إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: يَثبتُ للمُلتقِطِ الرُّجوعُ على أَبي الطِّفلِ المُلتقَطِ بالنَّفقةِ التي أنفَقَها عليه إنْ كانَ أَبوه طرَحَه عَمدًا بإِقرارٍ أو ببَينةٍ، بشَرطِ أنْ يَثبتَ الإِنفاقُ ويَحلِفَ أنَّها كانَت على وَجهِ السَّلفِ لا على وَجهِ الهِبةِ، ويُشترطُ أنْ يَكونَ الأَبُ مُوسِرًا حينَ الإِنفاقِ، ويَرجعُ عليه حينَئذٍ بنَفقةِ المِثلِ، أما لو تاهَ منه أو هرَبَ أو نحوُ ذلك فأنفَقَ عليه شَخصٌ نَفقةً فإنَّه
стр. 8035
لا رُجوعَ له على أَبيه ولو مُوسِرًا؛ لأنَّ النَّفقةَ حينَئذٍ على وَجهِ الهِبةِ، وإذا تَنازَعا في قَدرِ النَّفقةِ فلا بدَّ مِنْ الإِثباتِ، وإلا فالقَولُ قَولُ أَبيه بيَمينٍ؛ لأنَّه غارِمٌ، واعتمَدَ الباتُّ على ظنٍّ قَويٍّ ولو اختلَفا في طَرحِه عَمدًا، فادَّعى المُلتقَطُ أنَّ أَباه طرَحَه عَمدًا وأنكَرَ ذلك الأَبُ، فالظاهِرُ أنَّ القَولَ للأَبِ؛ لمَا جُبلَ عليه مِنْ الشَّفقةِ، وكذلك لو اختلَفا في يُسرِ الأَبِ وَقتَ الإِنفاقِ عليه (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إنْ أنفَقَ عليه بنِيةِ الرُّجوعِ بغيرِ أَمرِ الحاكِمِ تُؤدَّى إليه نَفقتُه مِنْ بَيتِ مالِ المُسلِمينِ؛ لأنَّه أدَّى ما وجَبَ على غيرِه، فكانَ له الرُّجوعُ على مَنْ كانَ الوُجوبُ عليه، كالضامِنِ إذا قَضى عن المَضمونِ عنه (٢).
стр. 8036
دَعوى نَسبِ اللَّقيطِ:
اللَّقيطُ إذا ادُّعيَ نَسبُه فهذا له أَحوالٌ عِدةٌ:
الحالِةُ الأُولى: أنْ يَدَّعيَه رَجلٌ (المُلتقِطُ أو غيرُه):
اللَّقيطُ إذا ادَّعاه رَجلٌ سَواءٌ كانَ المُلتقِطُ أو غيرُه فهو لا يَخلو مِنْ صُورتَينِ:
الصُّورةُ الأُولى: أنْ يَدَّعيَه مُسلِمٌ، سَواءٌ كانَ المُلتقِطُ أو غيرُه:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ على أنَّ اللَّقيطَ إذا ادَّعاه رَجلٌ سَواءٌ كانَ المُلتقِطُ أو غيرُه وأتى ببَينةٍ عليه فإنَّه يَلحقُ به.
وكذا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ في قَولٍ -وهو قَولُ أَشهبَ- والشافِعيةِ والحَنابِلةِ أنَّ اللَّقيطَ إذا ادَّعاه رَجلٌ مُسلِمٌ حُرٌّ لَحقَ نَسبُه به إذا أمكَنَ أنْ يَكونَ منه؛ لأنَّ الإِقرارَ مَحضُ نَفعٍ للطِّفلِ لاتِّصالِ نَسبِه، ولا مَضرَّةَ على غيرِه فيه فقُبلَ كما لو أقَرَّ له بمالٍ، ولمَا فيه مِنْ نَفعِ الصَّغيرِ؛ لأنَّ الناسَ يَتشرَّفونَ بالأَنسابِ ويُعيَّرونَ بعَدمِها، ثم إنْ كانَ المُقرُّ به مُلتقطَه أُقرَّ في يَدِه، وإنْ كانَ غيرَه فله أنْ يَنتزعَه مِنْ المُلتقِطِ؛ لأنَّه قد ثبَتَ أنَّه أَبوه فيَكونُ أَحقَّ بوَلدِه كما لو قامَت به بَينةٌ (١).
стр. 8037
وقد نصَّ المالِكيةُ في المَذهبِ عندَهم وهو قَولُ مالِكٍ وابنُ القاسِمِ إلى أنَّه لا يَلحقُه إلا ببَينةٍ أو بوَجهٍ مِثلِ ألَّا يَعيشَ له وَلدٌ فيَقولُ: «طرَحْتُه لذلك»، ويُعلمُ ذلك مِنْ قَولِه فيَلحقُه، أما بغيرِ هذين فلا يَلحقُه.
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى» في الرَّجلِ يَدَّعي المَلقوطُ أنَّه ابنُه:
قلْتُ: أرأَيْتَ إنِ التقَطَت لَقيطًا فجاءَ رَجلٌ فادَّعى أنَّه وَلدُه، أيُصدقُ أم لا؟ قالَ: بَلغَني عن مالِكٍ أنَّه قالَ: لا يُصدَّقُ إلا أنْ يَكونَ لذلك وَجهٌ، مِثلُ أنْ يَكونَ رَجلًا لا يَعيشُ له وَلدٌ فيَسمعُ قَولَ الناسِ أنَّه إذا طُرحَ عاشَ فيَطرحُ وَلدَه فالتُقطَ ثُم جاءَ يَدَّعيه فإنْ جاءَ مِنْ مِثلِ هذا ما يُعلِمُ أنَّ الرَّجلَ كانَ لا يَعيشُ له وَلدٌ وقد سمِعَ منه ما يُستدلُّ به على صِدقِ قَولِه أُلحقَ به اللَّقيطُ، وإلا لمْ يَلحقْ به اللَّقيطُ، ولمْ يُصدقْ مُدَّعي اللَّقيطِ إلا ببَينةٍ أو بوَجهِ ما ذكَرْتُ لك أو ما أشبَهَه.
قالَ سحنُونٌ: وقالَ غيرُه: إذا عُلمَ أنَّه لَقيطٌ لمْ تَثبتْ فيه دَعوى لأَحدٍ إلا ببَينةٍ تَشهدُ.
قلْتُ لابنِ قاسِمٍ: أرأَيْتَ الذي هو في يَدِه إنْ أقَرَّ أو جحَدَ، أيَنفعُ إِقرارُه أو جُحودُه؟ قالَ: لمْ أَسمعْ فيه شَيئًا، وأَراه شاهِدًا، وشَهادةُ واحدٍ في الأَنسابِ لا تَجوزُ، وهي غيرُ تامَّةٍ عندَ مالِكٍ، ولا يَمينَ معَ الشاهِدِ الواحِدِ في الأَنسابِ.
قلْتُ: أرأَيْتَ الذي التَقطَه لو ادَّعاه هو لنَفسِه، أيَثبتُ نَسبُه منه؟ قالَ: لمْ
стр. 8038
أَسمعْ مِنْ مالِكٍ فيه شَيئًا، إلا أنَّه هو وغيرُه فيه سَواءٌ، لا يَثبتُ نَسبُ الوَلدِ منه بقَولِه إذا عُرفَ أنَّه التقَطَه (١).
الصُّورةُ الثانِيةُ: أنْ يَدعيَه كافِرٌ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأَربعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ اللَّقيطَ إذا ادَّعاه ذِميٌّ أُلحقَ به؛ لأنَّه أقَرَّ بنَسبٍ مَجهولِ النَّسبِ يُمكنُ أنْ يَكونَ منه، وليسَ في إِقرارِه إِضرارٌ بغيرِه، فيَثبتُ إِقرارُه كالمُسلمِ، ولأنَّه كالمُسلمِ في الجِهاتِ التي يَثبتُ منها النَّسبُ مِنْ الوَطءِ بالنِّكاحِ في المِلكِ والشُّبهةِ، فكانَ كالمُسلمِ في لُحوقِ النَّسبِ به.
إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: لا يَثبتُ هذا إلا ببَينةٍ، كما لو ادَّعاه مُسلِمٌ كما في المَسألةِ السابِقةِ (٢).
إلا أنَّهم اختلَفُوا، هل يَلحقُه في الدِّينِ أم في النَّسبِ فقط؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَلحقُه في النَّسبِ فقط لا في الدِّينِ، ولا حَقَّ له في حَضانتِه؛ لأنَّ اللَّقيطَ حُكمَ بإِسلامِه فلا يُقبلُ قَولُ الذِّميِّ في كُفرِه، كما لو كانَ مَعروفَ النَّسبِ،
стр. 8039
ولأنَّها دَعوى تُخالفُ الظاهِرَ فلمْ تُقبلْ بمُجرَّدِها كدَعوى الرِّقِّ، أما بمُجرَّدِ النَّسبِ بدُونِ اتِّباعِه في الدِّينِ فمَصلحةٌ عاريةٌ عن الضَّررِ، فقُبِلَ قَولُه فيه، ولا يَجوزُ قَبولُه فيما هو أَعظمُ الضَّررِ والخِزي في الدُّنيا والآخِرةِ، ولأنَّ الإِسلامَ ثبَتَ بالدارِ وإِبطالُه إِضرارٌ به، وليسَ مِنْ ضَرورةِ كَونِ الأَبِ كافِرًا كُفرُ الوَلدِ لاحتِمالِ إِسلامِ الأمِّ، قالَ الحَنفيةُ: إلا أنْ يَلتقطَه مِنْ بَيعةٍ أو كَنيسةٍ أو قَريةٍ مِنْ قُراهم فيَكونُ ذِميًّا (١).
وقالَ الشافِعيةُ في قَولٍ: يَتبعُه في دينِه؛ لأنَّ كلَّ ما لحِقَ به نَسبُه لحِقَ به في دينِه كالبَينةِ، إلا أنْ يُحالَ بَينَه وبَينَه، وهذا إذا ادَّعاه ولمْ يُثبتْ نَسبَه ببَينةٍ، فإنْ أثبَتَ نَسبَه ببَينةٍ لحِقَه في الكُفرِ (٢).
وقالَ المالِكيةُ: يَتبعُه على دينِه إلا أنْ يُسلمَ على ذلك ويَعقلَ الإِسلامَ فيَكونُ مُسلِمًا (٣).
стр. 8040
الحالِةُ الثانِيةُ: أنْ يَدَّعيَه اثنانِ فأَكثرُ:
إذا ادَّعى المُلتقَطَ اثنانِ فهذا لا يَخلو مِنْ صُورتَينِ:
الصُّورةُ الأُولى: أنْ يَدَّعيَه مُسلِمانِ:
إذا ادَّعى اللَّقيطِ اثنانِ مِنْ المُسلِمينَ وكانَ معَ أَحدِهما بَينةٌ فهو لصاحِبِ البَينةِ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأَربعةِ.
إلا أنَّهم اختلَفوا فيما لو لمْ يَكنْ معَهما بَينةٌ أو كانَ معَهما بَينتانِ وتعارَضَتا، هل يُلحقُ بها أم يُعرضُ على القافَةِ؟
قالَ الحَنفيةُ: إنِ ادَّعاه اثنانِ ووصَفَ أَحدُهما عَلامةً في جَسدِه فهو أَولى به؛ لأنَّ العَلامةَ تَدلُّ على سَبقِ اليَدِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ الإِنسانِ يَعرفُ عَلامةَ وَلدِه.
وإنْ لمْ يَصفْ أَحدُهما عَلامةً فهو ابنُهما لاستِوائِهما في النَّسبِ، وإنْ سبَقَت دَعوةُ أَحدِهما فهو ابنُه؛ لأنَّه ثبَتَ حَقُّه في زَمانٍ لا مُنازِعَ له فيه إلا إذا أقامَ الآخرُ البَينةَ؛ لأنَّ البَينةَ أَقوى.
وإنْ أَقاما جَميعًا البَينةَ قُضيَ به لهما، ولو كانَ المُدَّعِي أَكثرُ مِنْ اثنَينِ فعن أَبي حَنيفةَ أنَّه جوَّزَه إلى خَمسةٍ.
وقالَ أَبو يُوسفَ: يَثبتُ مِنْ اثنَينِ ولا يَثبتُ مِنْ أَكثرَ مِنْ ذلك، وعندَ مُحمَّدٍ يَثبتُ مِنْ ثَلاثةٍ ولا يَثبتُ مِنْ أَكثرَ مِنْ ذلك (١).
стр. 8041
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ اللَّقيطَ إنِ ادَّعاه اثنانِ وكانَ معَ أَحدِهما بَينةٌ فإنَّه يُحكمُ به لصاحِبِ البَينةِ؛ لأنَّ البَينةَ أَقوى مِنْ الدَّعوى.
وإنْ لمْ يَكنْ لأَحدِهما بَينةٌ أو كانَت لهما بَينةٌ وتعارَضَتا فإنَّهما تَسقطانِ، ويَكونُ كما لو لمْ يَكنْ هناك بَينةٌ ويُعرضُ على القافَةِ -وهم قَومٌ يَعرفونَ الأَنسابَ بالشَّبهِ، ولا يَختصُّ ذلك بقَبيلةٍ مُعيَّنةٍ، بل مَنْ عُرفَت منه مَعرفةُ ذلك وتكرَّرَت منه الإِصابةُ فهو قائِفٌ- فإنْ ألحَقَته بأَحدِهما أُلحقَ به، وإنْ ألحَقَته بهما لحِقَ بهما عندَ الحَنابِلةِ، وقالَ الشافِعيةُ: يُنتظرُ بُلوغُ اللَّقيطِ، وأُمرَ بالانتِسابِ بعدَ بُلوغِه إلى مَنْ يَميلُ طَبعُه الجِبليُّ إليه منهما.
وإنْ ذكَرَ أَحدُهما عَلامةً في اللَّقيطِ ولمْ يَذكرِ الآخرُ لمْ يُقدمِ الواصِفُ له بذلك عندَ الشافِعيةِ، وتُقدمُ عندَ الحَنابِلةِ والحَنفيةِ، كما تقدَّمَ وستَأتي مُفصَّلةً في المَسألةِ التي تَليها.
قالَ الشافِعيةُ: لو استَلحقَ اللَّقيطَ اثنانِ أَهلانِ للالتِقاطِ، بأنِ ادَّعى كلٌّ منهما نَسبَه منه، فإنْ لمْ يَكنْ لواحدٍ منهما بَينةٌ أو كانَ لكلٍّ منهما بَينةٌ وتعارَضَتا عُرضَ اللَّقيطُ معَ المُدعيَينِ على القائِفِ، فيَلحقُ مَنْ ألحَقَه به؛ لأنَّ في إِلحاقِه أَثرًا في الانتِسابِ عندَ الاشتِباه، فإنْ كانَ لأَحدِهما بَينةٌ قُضيَ بها، فإنَّها تُقدمُ على إِلحاقِ القائِفِ.
стр. 8042
فإنْ لمْ يَكنْ قائِفٌ أو كانَ ولكنْ تَحيَّرَ أو نَفاه عنهما أو ألحَقَه بهما انتُظرَ بُلوغُه، وأُمرَ بالانتِسابِ بعدَ بُلوغِه إلى مَنْ يَميلُ طَبعُه الجِبلِّيُّ إليه منهما، فلا يَكفي فيه مُجرَّدُ التَّشهي، فمَن انتسَبَ إليه منهما لحِقَ به؛ لمَا رَوى البَيهقيُّ بسَندٍ صَحيحٍ «أنَّ رَجلَينِ ادَّعيا رَجلًا لا يَدرى أيّهما أَبوه، فقالَ عُمرُ ﵁: اتَّبعْ أيَّهما شئْتَ»، ولأنَّ طَبعَ الوَلدِ يَميلُ إلى والِدِه ويَجدُ به ما لا يَجدُه بغيرِه فلا يَكفي انتِسابُه وهو صَبيٌّ -ولو مُميِّزًا-، ويُنفقانِ عليه مدَّة الانتِظارِ، والقَرارُ على مَنْ لحِقَه النَّسبُ، لكن إنما يَرجعُ الآخَرُ إذا أنفَقَ بإِذنِ الحاكِمِ.
وإذا انتسَبَ إلى أَحدِهما وألحَقَه القائِفُ بالآخَرِ قُدمَ القائِفَ؛ لأنَّه حُجةٌ أو حُكمٌ، أو ألحَقَه القائِفُ بأَحدِهما وأقامَ الآخرُ بَينةً قُدمَت؛ لأنَّها حُجةٌ في كلِّ خُصومةٍ، ولو كانا وَلديْنِ فانتسَبَ كلُّ واحدٍ منهما لواحدٍ دامَ الإِشكالُ، فإنْ رجَعَ أَحدُهما إلى الآخرِ قُبلَ قَولُه بعدَ بُلوغِه.
ولو أقاما على نَسبِه بَينتَينِ مُتعارِضتينِ سقَطَتا في الأَظهرِ، وعُرضَ على القائِفِ كما مرَّ؛ إذ لا يُمكنُ العَملُ بالبَينتينِ؛ لاستِحالةِ كَونِ الوَلدِ منهما، ولا يُرجحُ بَينةً بيَدٍ؛ لأنَّ اليَدَ إنما تَدلُّ على المِلكِ لا على النَّسبِ.
والثانِي: لا يَسقطانِ، وتُرجحُ إِحداهما بقَولِ القائِفِ (١).
стр. 8043
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا ادَّعاه اثنانِ فكانَ لأَحدِهما به بَينةٌ فهو ابنُه، وإنْ أَقاما بَينتَينِ تعارَضَتا وسقَطَتا، ولا يُمكنُ استِعمالُهما ها هنا.
وإذا لمْ تَكنُ به بَينةٌ أو تعارَضَت به بَينتانِ وسقَطَتا فإنَّا نُريه القافَةَ معهما أو معَ عَصبتِهما عند فَقدِهما، فنُلحِقُه بمَن ألحَقَتْه به منهما، وهذا قَولُ أَنسٍ وعَطاءٍ ويَزيدَ بنِ عبدِ المَلكِ والأَوزاعيِّ واللَّيثِ والشافِعيِّ وأَبي ثَورٍ.
وقالَ أَصحابُ الرَّأيِ: لا حُكمَ للقافَةِ، ويُلحقُ بالمُدَّعيَينِ جَميعًا؛ لأنَّ الحُكمَ بالقافَةِ تَعويلٌ على مُجرَّدِ الشَّبهِ والظَّنِّ والتَّخمينِ، فإنَّ الشَّبهَ يُوجدُ بينَ الأَجانبِ ويُنفى بينَ الأَقاربِ، ولهذا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ رَجلًا أتاه فقالَ: يا رَسولَ اللهِ ﷺ إنَّ امرأَتي ولَدَتْ غُلامًا أَسودَ! فقالَ: «هل لك مِنْ إِبلٍ؟» قالَ: نَعم. قالَ: «فما أَلوانُها؟» قالَ: حُمرٌ. قالَ: «فهل فيها مِنْ أَورقَ؟» قالَ: نعم. قالَ: «أنَّى أتاها ذلك؟» قالَ: لعلَّ عِرقًا نزَعَ. قالَ: «وهذا لعلَّ عِرقًا نزَعَ» مُتفَقٌ عليه.
قالوا: ولو كانَ الشَّبهُ كافيًا لاكتُفيَ به في وَلدِ المُلاعنةِ، وفيما إذا أقَرَّ أَحدُ الوَرثةِ بأخٍ فأنكَرَه الباقُونَ.
ولنا: ما رُويَ عن عائِشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخَلَ عليها يَومًا مَسرورًا تَبرقُ أَساريرُ وَجهُه، فقالَ: «ألمْ تَريْ أنَّ مُحرزًا المُدلِجيِّ نظَرَ آنفًا إلى زَيدٍ وأُسامةَ وقد غطَّيا رُؤوسَهما وبدَت أَقدامُهما»، فقالَ: «إنَّ هذه الأَقدامَ بعضُها مِنْ بعضٍ» مُتفَقٌ عليه، فلولا جَوازُ الاعتِمادِ على القافَةِ لمَا سُرَّ به النَّبيُّ ﷺ ولا اعتمَدَ عليه، ولأنَّ عُمرَ ﵁ قَضى به
стр. 8044
بحَضرةِ الصَّحابةِ فلمْ يُنكرْه مُنكِرٌ فكانَ إَجماعًا، ويَدلُّ على ذلك قَولُ النَّبيِّ ﷺ في وَلدِ المُلاعنةِ «أَنظِروها، فإنْ جاءَت به أَحمشَ الساقَينِ كأنَّه وَحرةٌ فلا أَراه إلا قد كذَبَ عليها، وإنْ جاءَت به أَكحلَ جَعدًا جَماليًّا سابِغَ الأَليتينِ خَدلَّجَ الساقَينِ فهو للذي رُميَت به، فأتَت به على النَّعتِ المَكروهِ، فقالَ النَّبيُّ: ﷺ «لولا الأَيمانُ لكانَ لي ولها شَأنٌ» فقد حكَمَ به النَّبيُّ ﷺ للذي أشبَهَه منهما، وقَولُه: «لولا الأَيمانُ لكانَ لي ولها شَأنٌ» يَدلُّ على أنَّه لمْ يَمنعْه مِنْ العَملِ بالشَّبهِ إلا الأَيمانُ، فإذا انتَفى المانِعُ يَجبُ العَملُ به لوُجودِ مُقتضِيه.
وكذلك قَولُ النَّبيِّ ﷺ في ابنِ أَمةِ زَمعةَ حينَ رَأى به شَبهًا بَينًا بعُتبةَ بنِ أَبي وَقاصٍ: «احتَجِبي منه يا سَودةُ» فعمِلَ بالشَّبهِ في حَجبِ سَودةَ عنه.
فإنْ قيلَ: فالحَديثانِ حُجةٌ عليكم؛ إذ لمْ يَحكمِ النَّبيُّ ﷺ بالشَّبهِ فيهما، بل أُلحقَ الوَلدُ بزَمعةَ وقالَ لعَبدِ بنِ زَمعةَ: «هو لك يا عَبدُ بنَ زَمعةَ، الوَلدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجرُ»، ولمْ يَعملْ بشَبهِ وَلدِ المُلاعنةِ في إِقامةِ الحَدِّ عليها لشَبهِه بالمَقذوفِ.
قُلْنا: إنما لمْ يَعملْ به في ابنِ أَمةِ زَمعةَ لأنَّ الفِراشَ أَقوى، وتَركُ العَملِ بالبَينةِ لمُعارَضةِ ما هو أَقوى منه لا يُوجبُ الإِعراضَ عنه إذا خلَت عن المُعارضِ، وكذلك تَركُ إِقامةِ الحَدِّ عليها مِنْ أَجلِ أَيمانِها بدَليلِ قَولِه: «لولا الأَيمانُ لكانَ لي ولها شَأنٌ» على أنَّ ضَعفَ الشَّبهِ عن إِقامةِ الحَدِّ لا
стр. 8045
يُوجبُ ضَعفَه عن إِلحاقِ النَّسبِ، فإنَّ الحَدَّ في الزِّنا لا يَثبتُ إلا بأَقوى البَيناتِ وأَكثرِها عَددًا وأَقوى الإِقرارِ، حتى يُعتبَرُ فيه تَكرارُه أَربعَ مَراتٍ ويُدرأُ بالشُّبهاتِ، والنَّسبُ يَثبتُ بشَهادةِ امرَأةٍ واحدَةٍ على الوِلادةِ، ويَثبتُ بمُجردِ الدَّعوى، ويَثبتُ معَ ظُهورِ انتِفائِه حتى لو أنَّ امرَأةً أتَت بوَلدٍ وزَوجُها غائِبُ عنها منذُ عِشرينَ سَنةً لحِقَه وَلدُها، فكيفَ يُحتجُّ على نَفيه بعَدمِ إِقامةِ الحَدِّ؟ ولأنَّه حُكمٌ بظَنٍّ غالِبٍ ورَأيٍ راجِحٍ مِمَّنْ هو مِنْ أَهلِ الخِبرةِ فجازَ كقَولِ المُقوِّمينَ، وقَولُهم إنَّ الشَّبهَ يَجوزُ وُجودُه وعَدمُه، قُلْنا: الظاهِرُ وُجودُه، ولهذا قالَ النَّبيُّ ﷺ حينَ قالَت أمُّ سَلمةَ: أوتَرى ذلك المَرأةُ؟ قالَ: «فمِن أَينَ يَكونُ الشَّبهُ؟».
والحَديثُ الذي احتجُّوا به حُجةٌ عليهم؛ لأنَّ إِنكارَ الرَّجلِ وَلدَه لمُخالفةِ لَونِه وعَزمَه على نَفيه لذلك يَدلُّ على أنَّ العادَةَ خِلافُه، وأنَّ في طِباعِ الناسِ إِنكارَه، وأنَّ ذلك إنما يُوجدُ نادِرًا، وإنما ألحَقَه النَّبيُّ ﷺ به لوُجودِ الفِراشِ، وتَجوزُ مُخالفةُ الظاهِرِ لدَليلٍ، ولا يَجوزُ تَركُه مِنْ غيرِ ذلك، ولأنَّ ضَعفَ الشَّبهِ عن نَفي النَّسبِ لا يَلزمُ منه ضَعفُه عن إِثباتِه، فإنَّ النَّسبَ يُحتاطُ لإِثباتِه ويَثبتُ بأَدنى دَليلٍ، ويَلزمُ مِنْ ذلك التَّشديدُ في نَفيه، وأنَّه لا يَنتفي إلا بأَقوى الأَدلةِ، كما أنَّ الحَدَّ لمَّا انتَفى بالشَّبهِ لمْ يَثبتْ إلا بأَقوى دَليلٍ، فلا يَلزمُ حينَئذٍ مِنْ المَنعِ مِنْ نَفيه بالشَّبهِ في الخبَرِ المَذكورِ ألَّا يَثبتَ به النَّسبُ في مَسألتِنا.
فإنْ قيلَ: فهاهنا إذا علِمْتُم بالقيافَةِ فقد نَفيْتُم النَّسبَ عمَّن لمْ تَلحقْه القافَةُ به.
стр. 8046
قُلْنا: إنما انتفَى النَّسبُ ها هنا لعَدمِ دَليلِه؛ لأنَّه لمْ يُوجدْ إلا مُجرَّدُ الدَّعوى، وقد عارَضَها مِثلُها فسقَطَ حُكمُها، وكانَ الشَّبهُ مُرجِّحًا لأَحدِهما فانتَفَت دِلالةٌ أُخرى، فلزِمَ انتِفاءُ النَّسبِ لانتِفاءِ دَليلِه، وتَقديمُ اللِّعانِ لا يَمنعُ العَملَ به عند عَدمِه، كاليَدِ تُقدمُ عليها البَينةُ ويُعملُ بها …
وإذا ادَّعاه اثنانِ فألحَقَتْه القافَةُ بهما لحِقَ بهما، وكانَ ابُنهما يَرثُهما مِيراثَ ابنٍ ويَرثانِه جَميعًا مِيراثَ أَبٍ واحدٍ، وهذا يُروى عن عُمرَ وعَليٍّ ﵄ وهو قَولُ أَبي ثَورٍ.
وقالَ أَصحابُ الرَّأي: يُلحقُ بهما بمُجرَّدِ الدَّعوى.
وقالَ الشافِعيُّ: لا يُلحقُ بأَكثرَ مِنْ واحدٍ، فإذا ألحَقَتْه بهما سقَطَ قَولُهما ولمْ يُحكمْ لهما، واحتجَّ برِوايةٍ عن عُمرَ ﵁ أنَّ القافَةَ قالَت: قد اشتَرَكا فيه فقالَ عُمرُ: «والِ أيَّهما شئْتَ»، ولأنَّه لا يُتصوَّرُ كَونُه مِنْ رَجلينِ، فإذا ألحَقَتْه القافَةُ بهما تَبيَّنَّا كَذبَهما فسقَطَ قَولُهما، كما لو ألحَقَتْه بأُمَّينِ، ولأنَّ المُدَّعيَينِ لو اتفَقا على ذلك لمْ يَثبتْ، ولو ادَّعاه كلُّ واحدٍ منهما وأقامَ بَينةً سقَطَتا، ولو جازَ أنْ يُلحقَ بهما لثبَتَ باتِّفاقِهما وأُلحقَ بهما عندَ تَعارُضِ بَيِّنتَيهما.
ولنا: ما رَوى سَعيدٌ في سُننِه ثنا سُفيانٌ عن يَحيى عن سَعيدٍ عن سُليمانَ ابنِ يَسارٍ عن عُمرَ في امرأةٍ وطِئَها رَجلانِ في طُهرٍ، فقالَ القائِفُ: قد اشتَرَكا فيه جَميعًا. فجعَلَه بينَهما، وبإِسنادِه عن الشِّعبيِّ قالَ: وعليٌّ يَقولُ هو ابنُهما وهما أَبواه يَرثُهما ويَرثانِه، ورواه الزُّبيرُ بنُ بَكارٍ بإِسنادِه
стр. 8047
عن عُمرَ، وقالَ الإِمامُ أَحمدُ: حَديثُ قَتادةَ عن سَعيدٍ عن عُمرَ جعَلَه بينَهما، وقابُوسُ عن أَبيه عن عَليٍّ جعَلَه بينَهما، ورَوى الأَثرمُ بإِسنادِه عن سَعيدِ بنِ المُسيَّبِ في رَجلَينِ اشتَرَكا في طُهرِ امرَأةٍ فحمَلَت فولَدَت غُلامًا يُشبهُهما، فرُفعَ ذلك إلى عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁، فدعا القافَةَ فنظَرُوا فقالُوا: نَراه يُشبهُهما، فألحَقَه بهما وجعَلَه يَرثُهما ويَرثانِه، قالَ سَعيدٌ: عصبَتُه الباقِي منهما، وما ذكَرُوه عن عُمرَ لا نَعلمُ صِحتَه، وإنْ صَحَّ فيُحتملُ أنَّه ترَكَ قَولَ القافَةِ لأَمرٍ آخرَ، إما لعَدمِ ثِقتِهما، وإما لأنَّه ظهَرَ له مِنْ قَولِهما واختِلافِه ما يُوجبُ تَركَه، فلا يَنحصرُ المانِعُ مِنْ قَبولِ قَولِهما في أنَّهما اشتَرَكا فيه.
قالَ أَحمدُ: إذا ألحَقَتْه القافَةُ بهما ورِثَهما وورِثاه، فإنْ ماتَ أَحدُهما فهو للباقِي منهما ونَسبُه مِنْ الأَولِ قائِمٌ لا يُزيلُه شَيءٌ.
ومَعنى قَولِه: «هو للباقِي منهما» -واللهُ أَعلمُ- أنَّه يَرثُه مِيراثَ أبٍ كامِلٍ كما أنَّ الجَدةَ إذا انفرَدَت أخَذَت ما يَأخذُه الجَداتُ، والزَّوجةُ تَأخذُ وحدَها ما يَأخذُه جَميعُ الزَّوجاتِ (١).
وأما المالِكيةُ: فكما تقدَّمَ عنهم أنَّه لا يُدفعُ إليه إلا بَبينةٍ لا بالدَّعوى.
стр. 8048
إذا أَتى أَحدُ المُدَّعيَينِ بعَلامةٍ ولمْ يَأتِ الآخرُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أَتى أَحدُ المُدَّعيَينِ بعَلامةٍ ولمْ يَأتِ الآخرُ، هل يُلحقُ نَسبُه به أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُلحقُ به.
قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ ﵀: إنْ كانا مُسلِمينِ حُرَّينِ فإنْ وصَفَ أَحدُهما عَلامةً في جَسدِه فالواصِفُ أَولى به عندَنا.
وعندَ الشافِعيِّ ﵀ يَرجعُ إلى القائِفِ فيُؤخذُ بقَولِه.
والصَّحيحُ قَولُنا؛ لأنَّ الدَّعوتَينِ متى تَعارضَتا يَجبُ العَملُ بالرَّاجحِ منهما، وقد ترجَّحَ أَحدُهما بالعَلامةِ؛ لأنَّه إذا رضِيَ العَلامةَ ولمْ يَصفِ الآخرُ دلَّ على أنَّ يَدَه عليه سابِقةٌ، فلا بدَّ لزَوالِها مِنْ دَليلٍ، والدَّليلُ على جَوازِ العَملِ بالعَلامةِ قَولُه تعالَى عزَّ شَأنُه خَبرًا عن أَهلِ تلك المَرأةِ: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف: ٢٦، ٢٨]، حَكى اللهُ تعالَى عن الحُكمِ بالعَلامةِ عن الأُممِ السالِفةِ في كِتابِه العَزيزِ ولمْ يُغيِّرْ عليهم، والحَكيمُ إذا حَكى عن مُنكرٍ غيَّرَه، فصارَ الحُكمُ بالعَلامةِ شَريعةً لنا مُبتدأَةً، وكذا عندَ اختِلافِ الزَّوجينِ في مَتاعِ البَيتِ يُميِّزُ ذلك بالعَلامةِ، كذا ههنا (١).
стр. 8049
وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: اللَّقيطُ لو ادَّعاه اثنانِ ووصَفَ أَحدُهما عَلامةً مَستورةً في جَسدِه قُدمَ في ذلك وحُكمَ له، وهذا مَذهبُ أَحمدَ وأَبي حَنيفةَ.
وقالَ الشافِعيُّ: لا يُحكمُ بذلك، كما لو ادَّعيا عَينًا سِواه ووصَفَ أَحدُهما فيه عَلاماتٍ خَفيةً.
والمُرجِّحونَ له بذلك فرَّقوا بينَهما بأنَّ ذلك نَوعُ التِقاطٍ فقُدمَ بالصِّفةِ كلُقطةِ المالِ، وقد دلَّ عليها النَّصُّ الصَّحيحُ الصَّريحُ، وقِياسُ اللَّقيطِ على لُقطةِ المالِ أَولى مِنْ قِياسِه على دَعوى غيرِه مِنْ الأَعيانِ، على أنَّ في دَعوى العَينِ إذا وصَفَها أَحدُهما بما يَدلُّ ظاهِرًا على صِدقِه نَظرًا، وقياسُ المَذهبِ في مَسألةِ تَداعي الزَّوجينِ تَرجيحُ الواصِفِ إذًا.
وقد جَرى لنا نَظيرُ هذه المَسألةِ سَواءٌ، وهو أنَّ رَجلَينِ تَداعَيا صرَّةً فيها دَراهمُ فسأَلَ وَليُّ الأَمرِ أَحدَهما عن صِفتِها فوصَفَها بصِفاتٍ خَفيَّةٍ فسأَلَ الآخرَ فوصَفَها بصِفاتٍ أُخرى، فلمَّا اعتُبِرَت طابَقَت صِفاتِ الأَولِ لها وظهَرَ كَذبُ الآخرِ، فعلِمَ وَليُّ الأَمرِ والحاضِرونَ صِدقَه في دَعواه وكِذبَ صاحِبِه فدفَعَها إلى الصادِقِ، وهذا قد يَقوى بحيثُ يُفيدُ القَطعَ، وقد يَضعفُ وقد يَتوسَّطُ (١).
وأما الشافِعيةُ فقالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ ﵀: «وإنِ ادَّعى رَجلانِ نَسبَ لَقيطٍ، وذكَرَ أَحدُهما في اللَّقيطِ عَلامةً، مِنْ خالٍ في بَدنِه، أو شامَةٍ، وما أشبَهَ ذلك، ولمْ يَذكرِ الآخرُ ذلك لمْ يُقدمِ الواصِفُ له بذلك».
стр. 8050
وقالَ أَبو حَنيفةَ: «يُقدمُ الواصِفُ له بذلك».
دَليلُنا: أنَّ مَعرفةَ العَلامةِ هو وَصفٌ للمُدَّعى، والمُدَّعي لا يُقدمُ بوَصفٍ ما ادَّعاه، كما لو ادَّعيا مِلكَ عَينٍ ووصَفَها أَحدُهما (١).
الصُّورةُ الثانِيةُ: أنْ يَدَّعيَه مُسلِمٌ وذِميٌّ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لو ادَّعى مُسلمٌ وذِميٌّ نَسبَ لَقيطٍ فجاءَ أَحدُهما ببَينةٍ ولمْ يَأتِ الآخرُ فإنه يُقدمُ صاحِبُ البَينةِ، سَواءٌ كانَ المُسلمَ أو الذميَّ.
إلا أنَّ العُلماءَ اختلَفُوا فيما لو ادَّعى مُسلِمٌ وذِميٌّ في نَسبِ اللَّقيطِ، ولمْ يَأتْ أَحدُهما ببَينةٍ ولا بعَلامةٍ، هل يُقدمُ المُسلِمُ على الكافِرِ الذِّميِّ أم حُكمُ الذِّميِّ حُكمُ المُسلِمِ فلا تُقدمُ دَعوى أَحدِهما على الآخرِ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا ادَّعى نَسبَ اللَّقيطِ مُسلِمٌ وذِميٌّ فلا يُقدمُ أَحدُهما على الآخرِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما لو انفَردَ بالدَّعوى قُبلَت دَعواه، فإذا اجتَمَعا تَساوَيا كالحُرَّينِ المُسلِمينِ، ولأنَّ المُسلِمَ يُساوي الذِّميَّ في السَّببِ الذي يُلحقُ به النَّسبَ وهو الفِراشُ أو شَبهُه، فساواه في تَداعي النَّسبِ كالمُسلِمينَ (٢).
стр. 8051
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لو ادَّعاه رَجلانِ أنَّه ابنُهما ولا بَينةَ لهما وكانَ أَحدُهما مُسلِمًا والآخرُ ذِميًّا فالمُسلِمُ أَولى ويُقضى له به؛ لأنَّه أَنفعُ للَّقيطِ (١).
الحالَةُ الثالِثةُ: أنْ تَدَّعيَه امرَأةٌ:
المَرأةُ إذا ادَّعَت نَسبَ وَلدٍ لَقيطٍ وأتَت ببَينةٍ على أنَّه وَلدُها فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه يَلحقُها في النَّسبِ، إلا أنَّهم اختلَفُوا فيما لو ادَّعت ذلك بدونِ بَينةٍ، هل يُقبلُ قَولُها في ذلك ويَلحقُها نَسبُه أم لا؟ فهذا لا يَخلو مِنْ أَحدِ أَمرينِ:
الأَمرُ الأَولُ: أنْ تَكونَ بلا زَوجٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ غيرِ المُتزوِّجةِ إذا ادَّعَت نَسبَ وَلدٍ لَقيطٍ ولمْ تأتِ ببَينةٍ هل يَلحقُها في النَّسبِ أم لا؟
فذهَبَ أَشهبُ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ دَعواها تُقبلُ ويَلحقُها نَسبُه؛ لأنَّها أَحدُ الأَبوينِ فثبَتَ النَّسبُ بدَعواها كالأَبِ، ولأنَّه يُمكنُ أنْ يَكونَ منها كما يَكونُ وَلدُ الرَّجلِ بل أَكثرُ؛ لأنَّها تَأتي به مِنْ زَوجٍ ووَطءٍ بشُبهةٍ، ويَلحقُها وَلدُها مِنْ الزِّنا دونَ الرَّجلِ، ولأنَّ في قِصةِ داودَ وسُليمانَ ﵉ حينَ تحاكَمَ إليهما امرَأتانِ كانَ لهما ابنانِ فذهَبَ الذِّئبُ بأَحدِهما فادَّعَت كلُّ واحدةٍ منهما أنَّ الباقِيَ ابنُها
стр. 8052
وأنَّ الذي أخَذَه الذِّئبُ ابنُ الأُخرى فحكَمَ به داودُ للكُبرى وحكَمَ به سُليمانُ للأُخرى بمُجرَّدِ الدَّعوى منهما.
ولأنَّ المَرأةَ كالرَّجلِ في الجِهاتِ التي يُلحقُ منها النَّسبُ، وتَزيدُ عليه في أنَّها يَلحقُها وَلدُها الذي زَنَت به، فإذا لحِقَ الرَّجلَ النَّسبُ بالإِقرارِ فالمَرأةُ أَولى.
فإنْ قيلَ: إنما قُبلَ الإِقرارُ بالنَّسبِ مِنْ الزَّوجِ لمَا فيه مِنْ المَصلحةِ بدَفعِ العارِ عن الصَّبيِّ وصِيانتِه عن النِّسبةِ إلى كَونِه وَلدَ زِنا، ولا يَحصلُ هذا بإِلحاقِ نَسبِه بالمَرأةِ، بل إِلحاقُها بها دونَ زَوجِها تَطرُّقٌ للعارِ إليه وإليها، قُلْنا: بل قَبلْنا دَعواه لأنَّه يَدَّعي حَقًّا لا مُنازعَ له فيه ولا مَضرَّةَ على أَحدٍ فيه، فقُبلَ قَولُه فيه كدَعوى المالِ، وهذا مُتحقِّقٌ في دَعوى المَرأةِ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في الأَصحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا تُقبلُ دَعواها إلا إذا أقامَت البَينةُ؛ لأنَّ الأُمَّ يُمكنُها إِقامةُ البَينةِ على أنَّ الوَلدَ منها قَطعًا، فلمْ يُقبلْ قَولُها بمُجرَّدِ الدَّعوى، والأبُ لا يُمكنُه إِقامةُ البَينةِ على أنَّ الوَلدَ منه قَطعًا، فمَسَّت الحاجَةُ إلى إِثباتِ النَّسبِ مِنْ جِهتِه بمُجرَّدِ الدَّعوى.
وحَكاه ابنُ المُنذرِ ﵀ إِجماعًا فقالَ: «وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ، على أنَّ امرَأةً لو ادَّعَت اللَّقيطَ أنَّه ابنُها أنَّ قَولَها لا يُقبلُ».
стр. 8053
هذا قَولُ الثَّوريِّ والشافِعيِّ ويَحيى بنِ آدمَ وأَبي ثَورٍ وأَصحابِ الرَّأي (١).
الأَمرُ الثانِي: أنْ تَكونَ مُتزوِّجةً:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ المُتزوِّجةِ إذا ادَّعَت نَسبَ لَقيطٍ هل يَلحقُ بها أم لا؟
فذهَبَ جَماهيرُ أَهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةِ في الأَصحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تُقبلُ دَعواها إلا إذا صدَّقَها زَوجُها على ذلك أو أقامَت البَينةَ؛ لأنَّ فيه حَملَ النَّسبِ على الغيرِ؛ لأنَّه إذا أقَرَّت بالنَّسبِ فكأنَّها تُقرُّ بحَقٍّ عليها وعلى غيرِها إذا كانَت فِراشًا لزَوجٍ، وبطَلَ إِقرارُها في حَقِّ الزَّوجِ فيَبطلُ جميعُه؛ لأنَّ الإِقرارَ الواحدَ إذا بطَلَ بعضُه بطَلَ كلُّه.
وقد حَكى ابنُ المُنذرِ الإِجماعَ عليه فقالَ ﵀: وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ على أنَّ امرَأةً لو ادَّعَت اللَّقيطَ أنَّه ابنُها أنَّ قَولَها لا يُقبلُ.
стр. 8054
هذا قَولُ الثَّوريِّ والشافِعيِّ ويَحيى بنِ آدمَ وأَبي ثورٍ وأَصحابِ الرَّأيِّ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأَصحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ وأَشهبُ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّ دَعواها تُقبلُ ويَلحقُها نَسبُه؛ لأنَّها أَحدُ الأَبويِن فثبَتَ النَّسبُ بدَعواها كالأَبِ، ولأنَّه يُمكنُ أنْ يَكونَ منها كما يَكونُ وَلدُ الرَّجلِ بل أَكثرُ؛ لأنَّها تَأتي به مِنْ زَوجٍ ووَطءٍ بشُبهةٍ، ويَلحقُها وَلدُها مِنْ الزِّنا دونَ الرَّجلِ، ولأنَّ في قِصةِ داودَ وسُليمانَ ﵉ حينَ تحاكَمَ إليهما امرَأتانِ كانَ لهما ابنانِ فذهَبَ الذِّئبُ بأَحدِهما فادَّعَت كلُّ واحدةٍ منهما أنَّ الباقِيَ ابنُها وأنَّ الذي أخَذَه الذِّئبُ ابنُ الأُخرى فحكَمَ به داودُ للكُبرى وحكَمَ به سُليمانُ للأُخرى بمُجرَّدِ الدَّعوى منهما.
ولأنَّ المَرأةَ كالرَّجلِ في الجِهاتِ التي يَلحقُ منها النَّسبُ، وتَزيدُ عليه في أنَّها يَلحقُها وَلدُها الذي زَنَت به، فإذا لحِقَ الرَّجلَ النسبُ بالإِقرارِ فالمرأةُ أَولى.
إلا أنَّه لا يُلحقُ النَّسبُ بزَوجِها على الأَصحِّ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّه ألحَقْنا الوَلدَ بإِقرارِها ولمْ يُوجدْ مِنْ الزَّوجِ إِقرارٌ كما لو أقَرَّ الزَّوجُ بأنَّه ابنُه لمْ يَلحقْها.
стр. 8055
ومُقابلُ الأَصحِّ عندَ الشافِعيةِ يَلحقُه (١).
وفي رِوايةٍ ثالِثةٍ عن الإِمامِ أَحمدَ نقَلَها الكَوسجُ عنه أنَّ المَرأةَ إذا ادَّعَت وَلدًا إنْ كانَ لها إِخوةٌ أو نَسبٌ مَعروفٌ لا تُصدقُ إلا ببَينةٍ، وإنْ لمْ يَكنْ لها دافِعٌ لم يُحلْ بينَها وبينَه؛ لأنَّه إذا كانَ لها أَهلٌ ونَسبٌ مَعروفٌ لمْ تَخفَ وِلادتُها عليهم، ويَتضرَّرونَ بإِلحاقِ النَّسبِ بها لمَا فيه مِنْ تَعييرِهم بوِلادتِها مِنْ غيرِ زَوجِها، وليسَ كذلك إذا لمْ يَكنْ لها أَهلٌ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُحتملُ ألَّا يَثبتَ النَّسبُ بدَعواها بحالٍ، وهذا قَولُ الثَّوريِّ والشافِعيِّ وأَبي ثَورٍ وأَصحابِ الرَّأي، قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ على أنَّ النَّسبَ لا يَثبتُ بدَعوى المَرأةِ؛ لأنَّها يُمكنُها إِقامةُ البَينةِ على الوِلادةِ فلا يُقبلُ قَولُها بمُجرَّدِه، كما لو علَّقَ زَوجُها طَلاقَها بوِلادتِها.
ولنا: إنَّها أَحدُ الوالِدَينِ فأشبَهَت الأَبَ، وإِمكانُ البَينةِ لا يَمنعُ قَبولَ القَولِ كالرَّجلِ، فإنَّه تُمكنُه إِقامةُ البَينةِ أنَّ هذا وُلدَ على فِراشِه (٢).