وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لو ادَّعاه رَجلانِ أنَّه ابنُهما ولا بَينةَ لهما وكانَ أَحدُهما مُسلِمًا والآخرُ ذِميًّا فالمُسلِمُ أَولى ويُقضى له به؛ لأنَّه أَنفعُ للَّقيطِ (١).
الحالَةُ الثالِثةُ: أنْ تَدَّعيَه امرَأةٌ:
المَرأةُ إذا ادَّعَت نَسبَ وَلدٍ لَقيطٍ وأتَت ببَينةٍ على أنَّه وَلدُها فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه يَلحقُها في النَّسبِ، إلا أنَّهم اختلَفُوا فيما لو ادَّعت ذلك بدونِ بَينةٍ، هل يُقبلُ قَولُها في ذلك ويَلحقُها نَسبُه أم لا؟ فهذا لا يَخلو مِنْ أَحدِ أَمرينِ:
الأَمرُ الأَولُ: أنْ تَكونَ بلا زَوجٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ غيرِ المُتزوِّجةِ إذا ادَّعَت نَسبَ وَلدٍ لَقيطٍ ولمْ تأتِ ببَينةٍ هل يَلحقُها في النَّسبِ أم لا؟
فذهَبَ أَشهبُ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ دَعواها تُقبلُ ويَلحقُها نَسبُه؛ لأنَّها أَحدُ الأَبوينِ فثبَتَ النَّسبُ بدَعواها كالأَبِ، ولأنَّه يُمكنُ أنْ يَكونَ منها كما يَكونُ وَلدُ الرَّجلِ بل أَكثرُ؛ لأنَّها تَأتي به مِنْ زَوجٍ ووَطءٍ بشُبهةٍ، ويَلحقُها وَلدُها مِنْ الزِّنا دونَ الرَّجلِ، ولأنَّ في قِصةِ داودَ وسُليمانَ ﵉ حينَ تحاكَمَ إليهما امرَأتانِ كانَ لهما ابنانِ فذهَبَ الذِّئبُ بأَحدِهما فادَّعَت كلُّ واحدةٍ منهما أنَّ الباقِيَ ابنُها
стр. 8052
وأنَّ الذي أخَذَه الذِّئبُ ابنُ الأُخرى فحكَمَ به داودُ للكُبرى وحكَمَ به سُليمانُ للأُخرى بمُجرَّدِ الدَّعوى منهما.
ولأنَّ المَرأةَ كالرَّجلِ في الجِهاتِ التي يُلحقُ منها النَّسبُ، وتَزيدُ عليه في أنَّها يَلحقُها وَلدُها الذي زَنَت به، فإذا لحِقَ الرَّجلَ النَّسبُ بالإِقرارِ فالمَرأةُ أَولى.
فإنْ قيلَ: إنما قُبلَ الإِقرارُ بالنَّسبِ مِنْ الزَّوجِ لمَا فيه مِنْ المَصلحةِ بدَفعِ العارِ عن الصَّبيِّ وصِيانتِه عن النِّسبةِ إلى كَونِه وَلدَ زِنا، ولا يَحصلُ هذا بإِلحاقِ نَسبِه بالمَرأةِ، بل إِلحاقُها بها دونَ زَوجِها تَطرُّقٌ للعارِ إليه وإليها، قُلْنا: بل قَبلْنا دَعواه لأنَّه يَدَّعي حَقًّا لا مُنازعَ له فيه ولا مَضرَّةَ على أَحدٍ فيه، فقُبلَ قَولُه فيه كدَعوى المالِ، وهذا مُتحقِّقٌ في دَعوى المَرأةِ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في الأَصحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا تُقبلُ دَعواها إلا إذا أقامَت البَينةُ؛ لأنَّ الأُمَّ يُمكنُها إِقامةُ البَينةِ على أنَّ الوَلدَ منها قَطعًا، فلمْ يُقبلْ قَولُها بمُجرَّدِ الدَّعوى، والأبُ لا يُمكنُه إِقامةُ البَينةِ على أنَّ الوَلدَ منه قَطعًا، فمَسَّت الحاجَةُ إلى إِثباتِ النَّسبِ مِنْ جِهتِه بمُجرَّدِ الدَّعوى.
وحَكاه ابنُ المُنذرِ ﵀ إِجماعًا فقالَ: «وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ، على أنَّ امرَأةً لو ادَّعَت اللَّقيطَ أنَّه ابنُها أنَّ قَولَها لا يُقبلُ».
стр. 8053
هذا قَولُ الثَّوريِّ والشافِعيِّ ويَحيى بنِ آدمَ وأَبي ثَورٍ وأَصحابِ الرَّأي (١).
الأَمرُ الثانِي: أنْ تَكونَ مُتزوِّجةً:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ المُتزوِّجةِ إذا ادَّعَت نَسبَ لَقيطٍ هل يَلحقُ بها أم لا؟
فذهَبَ جَماهيرُ أَهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةِ في الأَصحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تُقبلُ دَعواها إلا إذا صدَّقَها زَوجُها على ذلك أو أقامَت البَينةَ؛ لأنَّ فيه حَملَ النَّسبِ على الغيرِ؛ لأنَّه إذا أقَرَّت بالنَّسبِ فكأنَّها تُقرُّ بحَقٍّ عليها وعلى غيرِها إذا كانَت فِراشًا لزَوجٍ، وبطَلَ إِقرارُها في حَقِّ الزَّوجِ فيَبطلُ جميعُه؛ لأنَّ الإِقرارَ الواحدَ إذا بطَلَ بعضُه بطَلَ كلُّه.
وقد حَكى ابنُ المُنذرِ الإِجماعَ عليه فقالَ ﵀: وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ على أنَّ امرَأةً لو ادَّعَت اللَّقيطَ أنَّه ابنُها أنَّ قَولَها لا يُقبلُ.
стр. 8054
هذا قَولُ الثَّوريِّ والشافِعيِّ ويَحيى بنِ آدمَ وأَبي ثورٍ وأَصحابِ الرَّأيِّ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأَصحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ وأَشهبُ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّ دَعواها تُقبلُ ويَلحقُها نَسبُه؛ لأنَّها أَحدُ الأَبويِن فثبَتَ النَّسبُ بدَعواها كالأَبِ، ولأنَّه يُمكنُ أنْ يَكونَ منها كما يَكونُ وَلدُ الرَّجلِ بل أَكثرُ؛ لأنَّها تَأتي به مِنْ زَوجٍ ووَطءٍ بشُبهةٍ، ويَلحقُها وَلدُها مِنْ الزِّنا دونَ الرَّجلِ، ولأنَّ في قِصةِ داودَ وسُليمانَ ﵉ حينَ تحاكَمَ إليهما امرَأتانِ كانَ لهما ابنانِ فذهَبَ الذِّئبُ بأَحدِهما فادَّعَت كلُّ واحدةٍ منهما أنَّ الباقِيَ ابنُها وأنَّ الذي أخَذَه الذِّئبُ ابنُ الأُخرى فحكَمَ به داودُ للكُبرى وحكَمَ به سُليمانُ للأُخرى بمُجرَّدِ الدَّعوى منهما.
ولأنَّ المَرأةَ كالرَّجلِ في الجِهاتِ التي يَلحقُ منها النَّسبُ، وتَزيدُ عليه في أنَّها يَلحقُها وَلدُها الذي زَنَت به، فإذا لحِقَ الرَّجلَ النسبُ بالإِقرارِ فالمرأةُ أَولى.
إلا أنَّه لا يُلحقُ النَّسبُ بزَوجِها على الأَصحِّ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّه ألحَقْنا الوَلدَ بإِقرارِها ولمْ يُوجدْ مِنْ الزَّوجِ إِقرارٌ كما لو أقَرَّ الزَّوجُ بأنَّه ابنُه لمْ يَلحقْها.
стр. 8055
ومُقابلُ الأَصحِّ عندَ الشافِعيةِ يَلحقُه (١).
وفي رِوايةٍ ثالِثةٍ عن الإِمامِ أَحمدَ نقَلَها الكَوسجُ عنه أنَّ المَرأةَ إذا ادَّعَت وَلدًا إنْ كانَ لها إِخوةٌ أو نَسبٌ مَعروفٌ لا تُصدقُ إلا ببَينةٍ، وإنْ لمْ يَكنْ لها دافِعٌ لم يُحلْ بينَها وبينَه؛ لأنَّه إذا كانَ لها أَهلٌ ونَسبٌ مَعروفٌ لمْ تَخفَ وِلادتُها عليهم، ويَتضرَّرونَ بإِلحاقِ النَّسبِ بها لمَا فيه مِنْ تَعييرِهم بوِلادتِها مِنْ غيرِ زَوجِها، وليسَ كذلك إذا لمْ يَكنْ لها أَهلٌ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُحتملُ ألَّا يَثبتَ النَّسبُ بدَعواها بحالٍ، وهذا قَولُ الثَّوريِّ والشافِعيِّ وأَبي ثَورٍ وأَصحابِ الرَّأي، قالَ ابنُ المُنذرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أَهلِ العِلمِ على أنَّ النَّسبَ لا يَثبتُ بدَعوى المَرأةِ؛ لأنَّها يُمكنُها إِقامةُ البَينةِ على الوِلادةِ فلا يُقبلُ قَولُها بمُجرَّدِه، كما لو علَّقَ زَوجُها طَلاقَها بوِلادتِها.
ولنا: إنَّها أَحدُ الوالِدَينِ فأشبَهَت الأَبَ، وإِمكانُ البَينةِ لا يَمنعُ قَبولَ القَولِ كالرَّجلِ، فإنَّه تُمكنُه إِقامةُ البَينةِ أنَّ هذا وُلدَ على فِراشِه (٢).
стр. 8056
إنِ ادَّعَته امرَأتانِ:
الكَلامُ فيما لو ادَّعَت امرَأتانِ اللَّقيطَ مُتفرِّعٌ على قَبولِ قَولِها في الدَّعوى.
قالَ الحَنفيةُ: لو ادَّعى اللَّقيطَ امرَأتانِ وأقامَت إِحداهما البَينةَ فهي أَولى به.
وإنْ أقامَتا جَميعًا البَينةَ فهو ابنُهما عندَ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّ إِثباتَ النَّسبِ لا يَقتضي إِثباتَ الوِلادةِ، وإنما تَتعلقُ به أَحكامٌ أُخرُ، مِنْ تَحريمِ المُصاهرةِ، وحَقِّ الحَضانةِ، ووُجوبِ الإِرثِ.
وعندَ أَبي يُوسفَ: لا يَكونُ لواحدةٍ منهما؛ لاستِحالةِ أنْ تَلدَ امرَأتانِ وَلدًا واحدًا.
وعن مُحمَّدٍ رِوايتانِ: في رِوايةِ أَبي حَفصٍ يُجعلُ ابنُهما، وفي رِوايةِ أَبي سُليمانَ لا يُجعلُ ابنَ واحدةٍ منهما (١).
وأما الشافِعيةُ فقالَ العِمرانِيُّ ﵀: وإنِ ادَّعَت امرَأتانِ وِلادةَ لَقيطٍ، ولا بَينةَ لواحدةٍ منهما:
فإنْ قُلْنا: لا تُقبلُ دَعوى المَرأةِ في النَّسبِ بكلِّ حالٍ لمْ تُقبلْ دَعوى واحدةٍ منهما.
стр. 8057
فإنْ قُلْنا: تُقبلُ دَعوتُها إذا لمْ تَكنْ فِراشًا، ولا تُقبلُ إذا كانَت فِراشًا، فإنْ كانَتا فِراشَينِ لرَجلَينِ لمْ تُقبلْ دَعوتُهما، وإنْ كانَت إِحداهما فِراشًا دونَ الأُخرى قُدمَت دَعوةُ مَنْ ليسَت بفِراشٍ.
وإنْ كانَتا ليسَتا بفِراشٍ، أو قُلْنا: تُقبلُ دَعوةُ المَرأةِ بكلِّ حالٍ، فهل تُعرضانِ على القافَةِ معَ الوَلدِ؟ فيه وَجهانِ، حَكاهما الشَّيخُ أَبو إِسحاقَ:
أَحدُهما: لا يُعرضانِ؛ لأنَّ الأُمَّ يُمكنُ مَعرفتُها يَقينًا مِنْ طَريقِ المُشاهدَةِ، فلمْ يُرجعْ فيه إلى القافَةِ.
والثانِي: أنَّهما تُعرضانِ معَ الوَلدِ على القافَةِ، ولمْ يَذكرِ ابنُ الصَّباغِ غيرَه؛ لأنَّهما أَحدُ الأَبوينِ، فعُرضَتا معَ الوَلدِ على القافَةِ، كالرَّجلَينِ.
وإنْ أقامَت إِحداهما بَينةً بالوِلادةِ: رَجلينِ، أو رَجلًا وامرَأتينِ، أو أَربعَ نِسوةٍ حُكمَ بثُبوتِ النَّسبِ منها؛ لأنَّ البَينةَ أَقوى مِنْ الدَّعوى، فإنْ كانَت فِراشًا لزَوجٍ أو سَيدٍ لَحقَ به الوَلدُ؛ لأنَّ البَينةَ قد شَهدَت بوِلادتِها له، فلحِقَ صاحِبَ الفِراشِ، ويُخالفُ إذا ألحَقْناه بها بإِقرارِها؛ لأنَّا لا نُلحقُه بغيرِ المُقِرِّ.
وإنْ أقامَت كلُّ واحدةٍ منهما بَينةً بالوِلادةِ، فإنْ قُلْنا: إنَّهما تَسقطانِ كانَ كما لو لمْ تَكنْ بَينةٌ، وقد مَضى. وإنْ قُلْنا: تُستعملانِ، فلا يَجيءُ الوَقفُ ولا القِسمةُ.
قالَ الشيخُ أَبو حامِدٍ وابنُ الصَّباغِ: ولا تَجيءُ ها هنا القُرعةُ؛ لأنَّ معنا ما هو أَقوى مِنْ القُرعةِ، وهو القافَةُ، فنَعرضُه عليها، فإنْ ألحَقْتَه بإِحداهما قوَّيْنا بَينتَها بذلك، وألحَقْناه بها وبزَوجِها، ولا يَنتفي عنه إلا باللِّعانِ، وإنْ
стр. 8058
ألحَقَتْه القافَةُ بها أو نفَتْه عنهما أو أشكَلَ عليها الأَمرُ أو لمْ يَكنْ قافَةٌ تُرِكَ الوَلدُ حتى يَبلغَ ويَنتسبَ إلى إِحداهما، وتَكونُ نَفقتُه عليهما.
فإذا انتسَبَ إلى إِحداهما رجَّحْنا به بَينتَها ولحِقَها ولحِقَ زَوجَها، وانتَفى عنه باللِّعانِ.
فإنْ ماتَت إِحدى المَرأتَينِ، أو ماتَ زَوجُها قبلَ بُلوغِ اللَّقيطِ عُزلَ مِنْ مِيراثِ المَيتِ مِيراثُ ابنٍ، فإنْ بلَغَ وانتسَبَ إلى المَيتةِ أُخذَ ما عُزلَ له مِنْ ميراثِها، أو مِنْ ميراثِ زَوجِها.
وإنِ انتسَبَ إلى الحيَّةِ رُدَّ المَعزولُ على وَرثةِ المَيتةِ.
[فَرعٌ: ادَّعاءُ رَجلٍ وامرَأةٍ لَقيطًا].
ذكَرَ الطَّبريُّ: إذا اجتمَعَ رَجلٌ وامرَأةٌ وللرَّجلِ زَوجةٌ غيرُ هذه المَرأةِ وللمَرأةِ زَوجٌ غيرُ هذا الرَّجلِ فادَّعى كلُّ واحدٍ منهما بُنوَّةَ اللَّقيطِ وأقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَينةً قالَ أَبو العَباسِ ابنِ سُريجٍ: ففيه أَربعةُ أَقوالٍ:
أَحدُها: أنَّ بَينةَ الرَّجلِ أَولى؛ لأنَّا لو ألحَقْناه بالمَرأةِ لالتَحقَ بزَوجِها مِنْ غيرِ أنْ يَدَّعيَه.
والثانِي: أنَّ بَينةَ المَرأةِ أَولى؛ لأنَّ خُروجَ الوَلدِ منها يُعرفُ بالمُشاهدَةِ والقَطعِ، وخُروجُ الوَلدِ مِنْ الزَّوجِ لا يُعلمُ إلا بغَلبةِ الظَّنِّ.
والثالِثُ: أنَّهما يَتعارضانِ؛ لأنَّه ليسَت إِحداهما بأَولى مِنْ الأُخرى.
والرابِعُ: أنَّه يُعرَضُ معَهما على القافَةِ (١).
стр. 8059
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: «إنِ ادَّعت امرَأتانِ نَسبَ وَلدٍ فذلك مَبنيٌّ على قَبولِ دَعوتِهما، فإنْ كانَتا مِمَّنْ لا تُقبلُ دَعوتُهما لمْ تُسمعْ دَعوتُهما، وإنْ كانَت إِحداهما مِمَّنْ تُسمعُ دَعوتُهما دونَ الأُخرى فهو ابنٌ لها، كالمُنفردَةِ به، وإنْ كانَتا جَميعًا مِمَّنْ تُسمعُ دَعوتُهما فهما في إِثباتِه بالبَينةِ، أو كَونِه يُرى القافَةَ معَ عَدمِها كالرَّجلينِ.
قالَ أَحمدُ في رِوايةِ بَكرِ بنِ مُحمَّدٍ في يَهوديةٍ ومُسلِمةٍ ولدَتا فادَّعَت اليَهوديةُ وَلدَ المُسلمةِ فتَوقفَ، فقيلَ: يُرى القافَةَ. فقالَ: ما أَحسنَه! ولأنَّ الشَّبهَ يُوجدُ بينَها وبينَ ابنِها كوُجودِه بينَ الرَّجلِ وابنِه بل أَكثرُ؛ لاختِصاصِهما بحَملِه وتَغذيتِه، والكافرَةُ والمُسلِمةُ والحُرةُ والأَمةُ في الدَّعوى واحدةٌ كما قُلْنا في الرَّجلِ، وهذا قَولُ أَصحابِ الشافِعيِّ على الوَجهِ الذي يَقولونَ فيه بقَبولِ دَعوتِهما، وإنْ ألحَقَتْه القافَةُ بأُمَّينِ لمْ يلحَقْ بهما وبطَلَ قَولُ القافَةِ؛ لأنَّنا نَعلمُ خَطأَه يَقينًا.
وقالَ أَصحابُ الرَّأيِ: يُلحقُ بهما بمُجرَّدِ الدَّعوى؛ لأنَّ الأُمَّ أَحدُ الأَبوينِ فجازَ أنْ يُلحقَ باثنَينِ كالآباءِ.
ولنا: إنَّ كَونَه منهما مُحالٌ يَقينًا فلمْ يَجزِ الحُكمُ به، كما لو كانَ أَكبَرَ منهما أو مِثلَهما، وفارَقَ الرَّجلَينِ، فإنَّ كَونَه منهما مُمكِنٌ، فإنَّه يَجوزُ اجتِماعُ النُّطفتَينِ لرَجلَينِ في رَحمِ امرَأةٍ، فيُمكنُ أنْ يُخلقَ منهما وَلدٌ كما يُخلقُ مِنْ نُطفةِ الرَّجلِ والمَرأةِ، ولذلك قالَ القائِفُ لعُمرَ: «قد اشتَرَكا فيه»،
стр. 8060
ولا يَلزمُ مِنْ إِلحاقِه بمَن يُتصورُ كَونُه منه إِلحاقُه بمَن يَستحيلُ كَونُه منه، كما لمْ يَلزمْ مِنْ إِلحاقِه بمَن يُولدُ مِثلُه لمِثلِه إِلحاقُه بأَصغرَ منه» (١).
إِسلامُ الصَّغيرِ استِقلالاً عن أَبويه:
الصَّغيرُ إذا كانَ أَحدُ أَبويه مُسلِمًا فهو مُسلِمٌ بالإِجماعِ تَغليبًا للإِسلامِ، ولا يَضرُّ ما يَطرأُ بعدَ العُلوقِ منهما مِنْ رَدةٍ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفُوا فيما لو كانَ الأَبوانِ كافرَينِ وأسلَمَ ابنُهما الصَّغيرُ المُميِّزُ استِقلالًا عنهما، هل يَصحُّ إِسلامُه أم لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على عَدمِ صِحةِ إِسلامِ غيرِ المُميِّزِ؛ لأنَّ الطِّفلَ الذي لا يَعقلُ لا يَتحققُ فيه اعتِقادُ الإِسلامِ، وكَلامُه لا عِبْرَة به، فلا يَدلُّ على إِرادتِه وقَصدِه.
فذهَبَ الشافِعيةُ في الأَصحِّ وبعضُ المالِكيةِ وأَحمدُ في رِوايةٍ وزُفرُ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنَّه لا يَصحُّ إِسلامُ الصَّبيِّ استِقلالًا في أَحكامِ الدُّنيا؛ لأنَّه غيرُ مُكلَّفٍ، فأشبَهَ غيرَ المُميِّزِ والمَجنونَ، وهما لا يَصحُّ إِسلامُهما اتِّفاقًا؛ ولأنَّ نُطقَه بالشاهدَتَينِ إما خَبَرٌ وإما إِنشاءٌ، فإنْ كانَ خَبرًا فخبَرُه غيرُ مَقبولٍ، وإنْ كانَ إِنشاءً فهو كعُقودِه وهي باطِلةٌ، وأما في أَحكامِ الآخرةِ فيَصحُّ ويَكونُ مِنْ الفائِزينَ اتِّفاقًا (٢).
стр. 8061
وذهَبَ جمُهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأَصحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصحُّ إِسلامُه استِقلالًا، فيُورَّثُ مِنْ قَريبِه المُسلِمِ (١).
وقد بيَّنَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ قَولَ الشافِعيةِ وقَولَ الجُمهورِ حيثُ قالَ ﵀: إِسلامُ الصَّبيِّ يَحصلُ بخَمسةِ أَشياءَ مُتفَقٍ على بعضِها ومُختلَفٍ في بعضِها:
الأَولُ: إِسلامُه بنَفسِه إذا عقَلَ الإِسلامَ: فيَصحُّ عندَ الجُمهورِ، وهو مَذهبُ أَبي حَنيفةَ ومالِكٍ وأَحمدَ وأَصحابِهم.
والذين قالوا بصِحةِ إِسلامِه قالوا يَصحُّ باطِنًا وظاهِرًا، حتى لو رجَعَ عنه أُجبِرَ عليه، ولو أقامَ على رُجوعِه كانُ مُرتدًّا، ومَنصوصٌ عن الشافِعيِّ أنَّه لا يَصحُّ إِسلامُه، ولأَصحابِه وَجهانِ آخرانِ:
أَحدُهما: أنَّه يُوقفُ إِسلامُه، فإنْ بلَغَ واستمَرَّ على حُكمِ الإِسلامِ تيقَّنَّا أنَّه كانَ مُسلِمًا مِنْ يَومئذٍ، وإنْ وصَفَ الكُفرَ تبيَّنَّا أنَّه كانَ لَغوًا، وقد عبَّرَ عن هذا بصِحةِ إِسلامِه ظاهِرًا لا باطِنًا.
стр. 8062
والوَجهُ الثانِي: أنَّه يَصحُ إِسلامُه، حتى يُفرقَ بينَه وبينَ زَوجتِه الكافرَةِ، ويُورَّثُ مِنْ قَريبِه المُسلِمِ، وهو اختِيارُ الإِصطخرِيِّ.
قالُوا: وعلى هذا لو ارتدَّ صحَّت رِدتُه، ولكن لا يُقتلُ حتى يَبلغَ، فإنْ رجَعَ إلى الإِسلامِ وإلا قُتلَ، وأما على مَنصوصِ الشافِعيِّ فقد يُقالُ: يُحالُ بينَه وبينَ أَبويه وأَهلِه الكُفارِ لئلا يَفتِنوه، فإنْ بلَغَ ووصَفَ الكُفرَ هُدِّدَ وطُولبَ بالإِسلامِ، فإنْ أصَرَّ رُدَّ إليهم، وهل هذه الحَيلولةُ مُستحبَّةٌ أو واجِبةٌ؟ فيه وَجهانِ، أَصحُّهما أنَّها مُستحبَّةٌ، فيُتلطَّفُ بوالِدَيه ليُؤخذَ منهما، فإنْ أبَيا فلا حَيلولةَ.
هذا في أَحكامِ الدُّنيا، فأما ما يَتعلقُ بالآخرَةِ فقالَ الأُستاذُ أَبو إِسحاقَ: إذا أضمَرَ كما أظهَرَ كانَ مِنْ الفائِزينَ بالجَنةِ، ويُعبَّرُ عن هذا بصِحةِ إِسلامِه باطِنًا لا ظاهِرًا.
قالَ في «النِّهاية»: وفي هذا إِشكالٌ؛ لأنَّ مَنْ حُكمَ له بالفَوزِ لإِسلامِه كيفَ لا نَحكمُ بإِسلامِه؟ وأُجيبَ عنه بأنَّه قد نَحكمُ له بالفَوزِ في الآخِرةِ وإنْ لمْ تَجرِ عليه أَحكامُ الإِسلامِ في الدُّنيا كمَن لمْ تَبلغْه الدَّعوةُ.
والذين قالوا لا يَصحُّ إِسلامُه احتَجُّوا بقَولِ ﷺ : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن الصَّبيِّ حتى يَبلغَ، وعن المَجنونِ حتى يُفيقَ، وعن النائِمِ حتى يَستيقظَ»، وهو حَديثٌ حَسنٌ، قالوا: ولأنَّه قَولٌ تَثبتُ به الأَحكامُ في حَقِّه فلمْ يَصحَّ منه كالهِبةِ والبَيعِ والعِتقِ والإِقرارِ، قالوا: ولأنَّه غيرُ مُكلَّفٍ فلمْ يَصحَّ إِسلامُه كالمَجنونِ والنائِمِ.
стр. 8063
قالوا: ولأنَّه قبلَ البُلوغِ في حُكمِ الطِّفلِّ الذي لا يَعقلُ ما يَقولُ، ولهذا كانَت أَقوالُه هَدرًا.
قالوا: ولأنَّه لو صَحَّ إِسلامُه لصَحَّت رِدتُه.
قالَ المُصحِّحونَ لإِسلامِه: هو مِنْ أَهلِ قَولِ لا إِلهَ إلا اللهُ، وقد حرَّمَ اللهُ على النارِ مَنْ قالَ: «لا إلهَ إلا اللهُ»، ومَن قالَ: «لا إلهَ إلا اللهُ» دخَلَ الجَنةَ.
قالوا: وهو مَولودٌ على الفِطرةِ التي فطَرَ اللهُ عليها عِبادَه، فإذا تَكلمَ بكَلمةِ الإِسلامِ فقد نطَقَ بمُوجبِ الفِطرةِ، فعمِلَت الفِطرةُ والكَلمةُ عَملَهما.
قالوا: وقد أشارَ النَّبيُّ ﷺ إلى هذا المَعنى بقَولِه: «كلُّ مَولودٍ يُولدُ على الفِطرةِ» وفي لَفظٍ: «على هذه المِلةِ، فأَبواه يُهوِّدانِه ويُنصِّرانِه ويُمجِّسانِه، حتى يُعربَ عنه لِسانُه، فإما شاكِرًا وإما كَفورًا»، فجعَلَ الغايَةَ إِعرابَ لسانِه عنه، أي بَيانَ لسانِه عنه، فإذا أعرَبَ لسانُه عنه صارَ إما شاكِرًا وإما كَفورًا بالنَّصِّ، ولأنَّه إذا بلَغَ سِنَّ التَّمييزِ وعقَلَ ما يَقولُ صارَ له إِرادةٌ واختيارٌ ونُطقٌ يَترتبُ عليه به الثَّوابُ وإن تأخَّرَ ترتَّبَ عليه العِقابُ إلى ما بعدَ البُلوغِ، فلا يَلزمُ مِنْ انتِفاءِ صِحةِ أَسبابِ العِقابِ انتِفاءُ صِحةِ أَسبابِ الثوابِ، فإنَّ الصَّبيَّ يَصحُّ حَجُّه وطَهارتُه وصَلاتُه وصِيامُه وصَدقتُه وذِكرُه ويُثابُ على ذلك، وإنْ لمْ يُعاقبْه على تَركِه، فبابُ الثَّوابِ لا يَعتمدُ على البُلوغِ، ولمْ يَقمْ دَليلٌ شَرعيٌّ على إِهدارِ أَقوالِ الصَّبيِّ بالكُليةِ، بل الأَدلةُ الشَّرعيةُ تَقتضي اعتبارَ أَقوالِه في الجُملةِ.
стр. 8064
وقد أمَرَ اللهُ تعالَى بابتِلاءِ اليَتامى -وهو اختِبارُهم في عُقودِهم ومُعاملاتِهم- ولهذا كانَ قَولُ الجُمهورِ أنَّ ذلك يَحصلُ بإِذنِه له في العَقدِ، ولا يَحتاجُ إلى أنْ يَأذنَ له في المُراوضةِ ثم بعَقدِ وَليِّه.
وقد ذهَبَ عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ وأَهلُ المَدينةِ وأَحمدُ في إِحدى الرِّواياتِ إلى قَبولِ شَهادةِ الصِّبيانِ بعضُهم على بعضٍ في جِراحاتِهم إذا كانُوا مُنفرِدينَ.
وقد ذهَبَ جَماعةٌ مِنْ الفُقهاءِ إلى صِحةِ وَصيةِ الصَّبيِّ وطَلاقِه وظِهارِه وإِيلائِه، ولمْ يَزلِ الصِّبيانُ يَذهبونَ في حَوائجِ أَوليائِهم وغيرِهم ويَقبلونَ قَولَهم في ثُبوتِ الأَسبابِ التي تَقتضِي الحِلَّ والحُرمةَ، ويَعتمدونَ في وَطءِ الفَرجِ في الأَمةِ والزَّوجةِ على قَولِ الصَّبيِّ، فلمْ يُهدرِ الشارِعُ أَقوالَ الصَّبيِّ كلَّها.
بل إذا تأمَّلْنا الشَّرعَ رأَيْنا اعتِبارَه لأَقوالِه أَكثرَ مِنْ إِهدارِه لها، وإنما تُهدرُ فيما فيه عليه ضَررٌ، كالإِقرارِ بالحُدودِ والحُقوقِ، فأما ما هو نَفعٌ مَحضٌ له في الدُّنيا والآخِرةِ كالإِسلامِ فاعتِبارُ قَولِه فيه أَولى مِنْ إِهدارِه؛ إذ أنَّ أُصولَ الشَّرعِ تَشهدُ باعتِبارِ قَولِه فيه.
وأَيضًا فإنَّ الإِسلامَ عِبادةٌ مَحضةٌ وطاعَةٌ للهِ وقُربةٌ له، فلمْ يَكنِ البُلوغُ شَرطًا في صِحتِها كحَجِّه وصَومِه وصَلاتِه وقِراءتِه، وإنَّ اللهَ تعالَى دعا عِبادَه إلى دارِ السَّلامِ وجعَلَ طَريقَها الإِسلامَ، وجعَلَ مَنْ لمْ يُجبْ دَعوتَه في الجَحيمِ والعَذابِ الأَليمِ، فكيفَ يَجوزُ مَنعُ الصَّبيِّ مِنْ إِجابةِ دَعوةِ اللهِ معَ
стр. 8065
مُسارعتِه ومُبادرتِه إليها وسُلوكِه طَريقَها وإِلزامُه بطَريقِ أَهلِ الجَحيمِ والكَونِ معَهم والحُكمُ عليه بالنارِ وسَدِّ طَريقِ النَّجاةِ عليه معَ فِرارِه إلى اللهِ منها؟ هذا مِنْ أَمحلِ المُحالِ، ولأنَّ هذا إِجماعُ الصَّحابةِ، فإنَّ عَليًّا ﵁ أسلَمَ صَبيًّا وكانَ يَفتخرُ بذلك ويَقولُ:
سبقْتُكمُ إلى الإِسلامِ طُرًّا … صَبيًّا ما بلَغْتُ أَوانَ حُلْمي
فكيفَ يُقالُ إنَّ إِسلامَه كان باطِلًا لا يَصحُّ، ولهذا قالَ غيرُ واحدٍ مِنْ التابِعينَ ومَن بعدَهم: أَولُ مَنْ أسلَمَ مِنْ الرِّجالِ أَبو بَكرٍ، ومِن الصِّبيانِ عليٌّ، ومِن النِّساءِ خَديجةُ، ومِن العَبيدِ بِلالٌ، ومِن المَوالي زَيدٌ.
وقالَ عُروةُ بنُ الزُّبيرِ: أسلَمَ عَليٌّ والزُّبيرُ وهما ابنا ثَماني سِنينَ، وبايعَ عَبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ وعُمرُه سَبعُ سِنينَ أو ثَمانٍ، فضحِكَ النَّبيُّ ﷺ لمَّا رآه.
وقالَ ابنُ عَباسٍ ﵄: كنَّا أنا وأُمي مِنْ المُستضعَفينِ بمَكةَ، وماتَ النَّبيُّ ﷺ ولمْ يَحتلمْ، ولمْ يَردَّ النَّبيُّ ﷺ على أَحدٍ مِنْ الصِّبيانِ إِسلامَه قط، بل كانَ يَقبلُ إِسلامَ الصَّغيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والعَبدِ والذِّكرِ والأُنثى، ولمْ يَأمرْ هو ولا أَحدٌ مِنْ خُلفائِه ولا أَحدٌ مِنْ أَصحابِه صَبيًّا أسلَمَ قبلَ البُلوغِ عندَ البُلوغِ أنْ يُجدِّدَ إِسلامَه، ولا عُرفَ هذا في الإِسلامِ قطُّ.
وأما قَولُه ﷺ : «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ» فلمْ يُردْ به النَّبيُّ ﷺ أنَّه لا يَصحُّ إِسلامُه ولا ذكِرُه ولا قِراءتُه ولا صَلاتُه
стр. 8066
ولا صِيامُه، فإنَّه لمْ يُخبِرْ أنَّ قَلمَ الثَّوابِ مَرفوعٌ عنه، وإنما مُرادُه بهذا الحَديثِ: رُفعَ قَلمُ التَّأثيمِ، وأنَّه لا يُكتبُ عليه ذَنبٌ، والإِسلامُ أَعظمُ الحَسناتِ، وهو له لا عليه، فكيفَ يُفهمُ مِنْ رَفعِ القَلمِ عن الصَّبيِّ بُطلانُه وعَدمُ اعتِبارِه والإِسلامُ له لا عليه ويَسعدُ به في الدُّنيا والآخرةِ؟ … (١).
стр. 8067
كتاب الغصب
стр. 8068
كتاب الغصب
تَعريفُ الغَصبِ:
الغَصبُ لُغةً: أَخذُ الشَّيءِ ظُلمًا وقَهرًا على سَبيلِ التَّغلُّبِ، سَواءٌ كانَ مالًا أو غيرَه، قالَ تَعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف: ٧٩] أي: ظُلمًا، والاغتِصابُ مِثلُه، يُقالُ: غصَبَه منه وغصَبَه عليه، والشَّيءُ غصْبٌ ومَغصوبٌ، ويُستَعملُ في كلِّ شيءٍ، يُقالُ: غصَبتُ وَلدَه وزَوجتَه، ويُقالُ: اغتُصِبَت فُلانةُ نَفسُها، إذا وُطئَت مَقهورةً غيرَ طائِعةٍ (١).
والغَصبُ اصطِلاحًا:
تعَدَّدت عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الغَصبِ:
стр. 8069
فقالَ الحَنفيةُ: الغَصبُ عِبارةٌ عن أَخذِ مالٍ مُتقوَّمٍ مُحتَرمٍ قابِلٍ للنَّقلِ بغيرِ إِذنِ المالكِ على وَجهٍ يُزيلُ يدَه عنه.
واشتَرطَ أَبو حَنيفةَ وأَبو يُوسفَ كَونَ المَغصوبِ قابِلًا للنَّقلِ والتَّحويلِ، على وَجهٍ يَتضمَّنُ تَفويتَ يَدِ المالِكِ، ولم يَشتَرطْ ذلك مُحمدٌ، ويَظهرُ في غَصبِ العَقارِ على ما سيَأتي بَيانُه، فلو استَخدمَ مَملوكَ غيرِه بغيرِ أمرِه، أو أرسَلَه في حاجَتِه، أو ركِبَ دابَّتَه أو حمَلَ عليها أو ساقَها فهلَكَت كانَ غاصِبًا؛ لأنَّه أثبَتَ اليَدَ المُبطِلةَ المُفوِّتةَ، ولو جلَسَ على بِساطِ الغيرِ أو هبَّت الرِّيحُ بثَوبِ إِنسانٍ فألقَتْه في حِجرِه لا يَكونُ غاصِبًا ما لم يَنقُلْه أو يُمسِكْه (١).
وقالَ المالِكيةُ: أخْذُ مالِ غيرٍ، مَنفعةً، قَهرًا تَعدِّيًا بلا حَرابةً.
ف «أخْذُ»: جِنسٌ يَشمَلُ الغَصبَ وغيرَه، كأخْذِ إِنسانٍ مالَه من مُودَعٍ أو مَدينٍ أو غيرِ ذلك، والمُتبادَرُ من المالِ الذَّواتُ، فخرَجَ التَّعدِّي، وهو الانتِفاعُ بمِلكِ الغيرِ بغيرِ حَقٍّ دونَ قَصدِ تَملُّكِ الرَّقبةِ، كسُكنى دارٍ ورُكوبِ دابةٍ مَثلًا، أو هو إِتلافُ المُتمَلَّكِ أو بَعضِه دونَ قَصدِ تَملُّكِه.
وقَولُنا: «قَهرًا» حالٌ مُقارِنةٌ لعامِلِها خرَجَ بها السَّرقةُ ونَحوُها؛ إذْ لا قَهرَ حالَ الأخْذِ، وإنْ حصَلَ القَهرُ بعدَه، كما خرَجَ المَأخوذُ اختِيارًا كعاريةٍ وسَلفٍ وهِبةٍ.
стр. 8070
وقَولُنا: «تَعدِّيًا» خَرجَ به المَأخوذُ قَهرًا بحقٍّ كالدَّينِ من مَدينٍ مُماطِلٍ أو مِنْ غاصِبٍ، وكالزَّكاةِ كُرهًا من مُمتنعٍ ونَحوِ ذلك، كأخْذِ الأبِ الغَنيِّ والجَدِّ من مالِ وَلدِه قَهرًا عنه فلا يُسمَّى غَصبًا.
ولمَّا كانَت هذه القُيودُ تَشمَلُ الحِرابةَ قُلنا: «بلا حِرابةٍ» لإِخراجِها؛ لأنَّ حَقيقتَها غيرُ حَقيقةِ الغَصبِ من حيثُ تَرتُّبُ بَعضِ الأَحكامِ على الحَرابةِ دونَ الغَصبِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: الغَصبُ هو الاستِيلاءُ على حَقِّ الغيرِ عُدوانًا (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: استِيلاءُ غيرِ حَربيٍّ عُرفًا على حَقِّ غيرِه قَهرًا بغيرِ حَقٍّ (٣).
الفَرقُ بينَ الغَصبِ والتَّعدِّي:
الغَصبُ كما تقدَّمَ هو الاستِيلاءُ على حَقِّ الغيرِ عُدوانًا وقَهرًا.
والتَّعدِّي هو التَّصرفُ في الشَّيءِ بغيرِ إِذنِ رَبِّه دونَ قَصدِ تَملُّكِه.
فالفَرقُ بينَهما أنَّ الغَصبَ يُقصدُ به تَملُّكُ العَينِ المَغصوبةِ، أمَّا التَّعدِّي
стр. 8071
فهو أنْ يَنتفعَ بمِلكِ الغيرِ بغيرِ حَقٍّ دونَ قَصدِ تَملُّكِ الرَّقبةِ، كسُكنى دارٍ ورُكوبِ دابةٍ مَثلًا أو كإِتلافِ المُتمَلَّكِ أو بَعضِه دونَ قَصدِ تَملُّكِه (١).
الفَرقُ بينَ المُختلِسِ والخائِنِ والسارِقِ والمُكابِرِ والغاصِبِ:
المُختلِسُ: هو الذي يَخطِفُ المالَ بحَضرةِ صاحِبِه في غَفلتِه ويَذهبُ بسُرعةٍ جَهرةً، سَواءٌ كانَ مَجيئُه سِرًّا أو جَهرًا.
والخائِنُ: هو الذي يَأتي جَهرةً ويَذهبُ جَهرةً.
والسارِقُ: هو الذي يَأتي خُفيةً ويأخُذُ المالَ من حِرزِ مِثلِه على وَجهِ الخُفيةِ والاستِتارِ ويَذهبُ خُفيةً.
وهؤلاء الثَّلاثةُ ليس معهم قَهرٌ حالَ الأخذِ، وإنْ كانَ معهم تَعدٍّ، بخِلافِ الغَصبِ ففيه قَهرٌ.
والمُكابِرُ: هو الآخِذُ للمالِ من صاحِبِه بقُوةٍ من غيرِ حَرابةٍ، سَواءٌ ادَّعى أنَّه مِلكُه أو اعتَرفَ بأنَّه غاصِبٌ.
والمُحارِبُ: هو الذي يأخُذُ المالَ على وَجهٍ يَتعذَّرُ معه الغَوثُ، وأَحكامُه مُخالِفةٌ لأَحكامِ الغاصِبِ من حيثُ الجُملةُ؛ لأنَّ المُحاربَ يُقتَّلُ أو يُصلَّبُ أو يُقطَّعُ من خِلافٍ أو يُنفَى من الأرضِ، وليس كذلك الغاصِبُ (٢).
стр. 8072
وقالَ الإِمامُ أبو جَعفرٍ الطَّبريُّ ﵀: أجمَعَ جَميعُ الخاصةِ والعامةِ على أنَّ اللهَ حرَّمَ أخْذَ مالِ امرِئٍ مُسلمٍ أو مُعاهَدٍ بغيرِ حَقٍّ إذا كانَ المَأخوذُ منه مالُه غيرَ طَيِّبِ النَّفسِ بأنْ يُؤخذَ منه ما أُخذَ.
وأَجمَعوا جَميعًا على أنَّ آخِذَه على السَّبيلِ التي وَصَفنا بفِعلِه آثِمٌ، وبأخْذِه ظالِمٌ، وأَجمَعت الحُجةُ التي وَصَفناها جَميعًا على أنَّ آخِذَه على السَّبيلِ التي وَصَفنا إنْ كانَ أخَذَه من حِرزٍ مُستَخفيًا بأخْذِه وبلَغَ المَأخوذُ ما يَجبُ فيه القَطعُ يُسمَّى بما أخَذَ سارِقًا، وإنْ كانَ أخَذَه مُكابَرةً من صاحِبِه في صَحراءَ يُسمَّى مُحارِبًا، وإنْ أخَذَ ما أخَذَ على السَّبيلِ التي وَصَفنا اختِلاسًا من يَدِ صاحِبِه يُسمَّى مُختلِسًا، وإنْ أخَذَه على هذه السَّبيلِ ممَّا كانَ مُؤتَمنًا عليه يُسمَّى خائِنًا، وإنْ أخَذَه على ما ذَكَرنا قَهرًا للمَأخوذِ منه وقَسرًا بغَلبةِ مِلكٍ أو فَضلِ قُوةٍ يُسمَّى غاصِبًا (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: فَصلٌ: الفَرقُ بينَ السارِقِ وبينَ المُختلِسِ والمُنتهِبِ والغاصِبِ …
وأمَّا قَطعُ يَدِ السارِقِ في ثَلاثةِ دَراهمَ وتَركُ قَطعِ المُختلِسِ والمُنتهِبِ والغاصِبِ فمِن تَمامِ حِكمةِ الشارِعِ أيضًا، فإنَّ السارِقَ لا يُمكنُ الاحتِرازُ منه، فإنَّه يَنقُبُ الدُّورَ ويَهتِكُ الحِرزَ ويَكسِرُ القُفلَ، ولا يُمكنُ لصاحِبِ المَتاعِ الاحتِرازُ بأكثَرَ من ذلك، فلو لم يُشرَعْ قَطعُه لسرَقَ الناسُ بَعضُهم بَعضًا وعَظُمَ الضَّررُ واشتَدَّت المِحنةُ بالسُّراقِ، بخِلافِ المُنتهبِ
стр. 8073
والمُختلِسِ، فإنَّ المُنتهبَ هو الذي يأخُذُ المالَ جَهرةً بمَرًاى من الناسِ، فيُمكنُهم أنْ يَأخذوا على يَدَيه ويُخلِّصوا حَقَّ المَظلومِ أو يَشهَدوا له عندَ الحاكِمِ، وأمَّا المُختلِسُ فإنَّه إنَّما يأخُذُ المالَ على حينِ غَفلةٍ من مالِكِه وغيرِه، فلا يَخلو من نَوعِ تَفريطٍ يُمكِّنُ به المُختلِسَ من اختِلاسِه، وإلا فمع كَمالِ التَّحفظِ والتَّيقظِ لا يُمكنُه الاختِلاسُ، فليس كالسارِقِ، بل هو بالخائِنِ أشبَهُ، وأيضًا المُختلِسُ إنَّما يأخُذُ المالَ من غيرِ حِرزِ مِثلِه غالِبًا، فإنَّه الذي يُغافِلُك ويَختلِسُ مَتاعَك في حالِ تَخلِّيكَ عنه وغَفلتِك عن حِفظِه، وهذا يُمكنُ الاحتِرازُ منه غالِبًا، فهو كالمُنتهِبِ، وأمَّا الغاصِبُ فالأمرُ فيه ظاهِرٌ، وهو أوْلى بعَدمِ القَطعِ من المُنتهِبِ، ولكنْ يَسوغُ كَفُّ عُدوانِ هؤلاء بالضَّربِ والنَّكالِ والسِّجنِ مُدةً طَويلةً والعُقوبةِ بأخذِ المالِ كما سَيأتي.
فإنْ قيلَ: فقد ورَدَت السُّنةُ بقَطعِ جاحِدِ العاريةِ، وغايَتُه أنَّه خائِنٌ، والمُعيرُ سلَّطَه على قَبضِ مالِه، والاحتِرازُ منه مُمكنٌ بألَّا يَدفعَ إليه المالَ، فبطَلَ ما ذَكَرتم من الفَرقِ …
قيلَ: لقد صَحَّ الحَديثُ بأنَّ امرأةً كانَت تَستعيرُ المَتاعَ وتَجحَدُه فأمَرَ بها النَّبيُّ ﷺ فقُطِعت يَدُها، فاختَلفَ الفُقهاءُ في سَببِ القَطعِ، هل كانَ لسَرقتِها؟ وعرَّفَها الراوي بصِفتِها؛ لأنَّ المَذكورَ هو سَببُ القَطعِ كما يَقولُ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ ومالِكٌ؟ أو كانَ السَّببُ المَذكورُ هو سَببَ القَطعِ كما يَقولُ أَحمدُ ومَن وافَقَه؟ ونحن في هذا المَقامِ لا ننتَصرُ لمَذهبٍ مُعيَّنٍ ألبَتةَ،
стр. 8074
فإنْ كانَ الصَّحيحُ قَولَ الجُمهورِ اندفَعَ السُّؤالُ، وإنْ كانَ الصَّحيحُ هو القَولَ الآخَرَ فمُوافَقتُه للقياسِ والحِكمةِ والمَصلحةِ ظاهِرةٌ جِدًّا، فإنَّ العاريةَ من مَصالحِ بَني آدَمَ التي لا بدَّ لهم منها ولا غِنى لهم عنها، وهي واجِبةٌ عندَ حاجةِ المُستعيرِ وضَرورتِه إليها إمَّا بأُجرةٍ أو مَجانًا، ولا يُمكنُ المُعيرَ كلَّ وَقتٍ أنْ يُشهدَ على العاريةِ، ولا يُمكنُ الاحتِرازُ بمَنعِ العاريةِ شَرعًا وعادةً وعُرفًا، ولا فَرقَ في المَعنى بينَ مَنْ تَوصَّل إلى أخْذِ مَتاعِ غيرِه بالسَّرقةِ وبينَ مَنْ توصَّلَ إليه بالعاريةِ وبجَحْدِها، وهذا بخِلافِ جاحِدِ الوَديعةِ، فإنَّ صاحِبَ المَتاعِ فرَّطَ حيثُ ائتَمَنه (١).
حُكمُ الغَصبِ:
الغَصبُ مُحرَّمٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ.
أمَّا بالكِتابِ؛ فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، اشتَمَلت الآيةُ على تَحريمِ التَّسالُبِ والتَّناهُبِ، وإنَّما التِّجارةُ هي التي تَكونُ صادِرةً عن تَراضٍ.
وقَولُه تَعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقَولُه تَعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والسَّرقةُ نَوعٌ من الغَصبِ.
стр. 8075
وأمَّا بالسُّنةِ فكَثيرٌ:
عن سَعيدِ بنِ زَيدٍ ﵁ قال: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ ظلَمَ من الأرضِ شَيئًا طُوِّقَه من سَبعِ أرضينَ» (١).
وفي رِوايةٍ أنَّ أروى بِنتَ أُوَيسٍ ادَّعَت على سَعيدِ بنِ زَيدٍ أنَّه أخَذَ شَيئًا من أرضِها، فخاصَمَته إلى مَروانَ بنِ الحَكمِ، فقالَ سَعيدٌ: «أنا كُنْتُ آخُذُ من أرضِها شَيئًا بَعدَ الذي سمِعتُ من رَسولِ اللهِ ﷺ ؟! قالَ: وما سمِعتَ من رَسولِ اللهِ ﷺ ؟ قالَ: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: مَنْ أخَذَ شِبرًا من الأرضِ ظُلمًا، طُوِّقَه إلى سَبعِ أرضينَ. فقالَ له مَروانُ: لا أَسألُك بَيَّنةً بعدَ هذا. فقالَ: اللَّهمَّ إنْ كانَت كاذِبةً فعَمِّ بَصرَها، واقتُلْها في أَرضِها. قالَ: فما ماتَت حتى ذهَبَ بَصرُها، ثم بَيْنا هي تَمشي في أرضِها إذْ وقَعَت في حُفرةٍ فماتَت» (٢).
وعن مُحمدِ بنِ إِبراهيمَ: أنَّ أبا سَلمةَ حدَّثَه: أنَّه كانَت بينَه وبينَ أُناسٍ خُصومةٌ، فذُكِرَ ذلك لعائِشةَ ﵂، فقالَت: يا أبا سَلمةَ، اجتنِبِ الأرضَ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «من ظلَمَ قيدَ شِبْرٍ من الأَرضِ طُوِّقَه من سَبعِ أرضينَ» (٣).
стр. 8076
وقالَ النَّبيِّ ﷺ في حَجةِ الوَداعِ: «إنَّ دِماءَكم وأَموالَكم وأَعراضَكم عليكم حَرامٌ، كحُرمةِ يَومِكم هذا، في بَلدِكم هذا، في شَهرِكم هذا … » (١).
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لا يَحلُّ مالُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا بطِيبِ نَفسٍ منه» (٢).
وعن يَعلى بنِ مُرةَ الثَّقفيِّ قالَ: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ أخَذَ أرضًا بغيرِ حَقِّها، كُلِّف أنْ يَحملَ تُرابَها إلى المَحشرِ» (٣).
وأمَّا الإِجماعُ فقد أَجمَعت الأُمةُ على تَحريمِ الغَصبِ.
قالَ الإِمامُ الماوَرديُّ ﵀: أَجمَع المُسلِمونَ على تَحريمِ الغَصبِ، وأنَّ مَنْ فعَلَه مُستحِلًّا كانَ كافِرًا، ومَن فعَلَه غيرَ مُستَحِلٍّ كانَ فاسِقًا (٤).
وقالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ ﵀: أجمَعَت الأُمةُ على تَحريمِ الغَصبِ، قالَ الصَّيمَريُّ: ومَن غصَبَ شَيئًا واعتقَدَ إِباحتَه كفَرَ بذلك، وإنِ اعتقَدَ تَحريمَه فسَقَ بفِعلِه ولم تُقبَلْ شَهادتُه (٥).
стр. 8077
وقالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على تَحريمِ أَموالِ المُسلِمينَ والمُعاهَدينَ بغيرِ حَقٍّ، فالأَموالُ مُحرَّمةٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والاتِّفاقِ، إلا بطِيبِ نَفسِ المالِكينَ من التِّجاراتِ والهِباتِ والعَطايا وغيرِ ذلك ممَّا دَلَّ على إِباحتِه الكِتابُ والسُّنةُ والاتِّفاقُ (١).
وقالَ الإِمامُ اللَّخميُّ ﵀: أخْذُ الأَموالِ من غيرِ رِضا أَربابِها، من غَصبٍ أو تَعدٍّ أو خِيانةٍ أو اختِلاسٍ أو انتِهابٍ أو سَرقةٍ، مُحرَّمٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ (٢).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: قد تَظاهرَت نُصوصُ الكِتابِ والسُّنةِ، وإِجماعُ الأُمةِ على تَحريمِ الغَصبِ (٣).
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على تَحريمِ الغَصبِ في الجُملةِ، وإنِ اختَلَفوا في فُروعٍ منه (٤).
ونقَلَ غيرُهم الإِجماعَ على تَحريمِ الغَصبِ، وأنَّ تَحريمَه مما لا يَخفى على أحدٍ من المُسلِمينَ، وأنَّ حُرمتَه من المَعلومِ من الدِّينِ بالضَّرورةِ.
تَأديبُ الغاصِبِ:
قالَ المالِكيةُ: يُؤدَّبُ الغاصِبُ المُميِّزُ ولو صَبيًّا بما يَراه الحاكِمُ لحَقِّ اللهِ ليَتَناهى الناسُ عن حُرماتِ اللهِ تَعالى -ولو عَفا عنه المَغصوبُ منه-
стр. 8078
بضَربٍ أو سَجنٍ أو بهما، أو مع نَفيٍ؛ فإنَّ الغاصِبَ قد يَكونُ مَشهورًا بذلك ذا بَغيٍ وطُغيانٍ، وقد لا يَكونُ كذلك، وقد يَكونُ كَبيرًا، وقد يَكون صغيرًا، فالحاكِمُ له النَّظرُ في ذلك.
وقيلَ: إنَّ الصَّبيَّ المُميِّزَ لا يُؤدَّبُ؛ لحَديثِ: «رُفعَ القَلمُ عن ثَلاثةٍ»، فذكَرَ فيهم الصَّبيَّ حتى يَحتلِمَ، ويُرَدُّ بأنْ تَأديبَه لإِصلاحِ حالِه، كما يُؤدَّبُ للتَّعليمِ، وكما تُؤدَّبُ الدَّابةُ، لذلك فإنَّ الصَّبيَّ إذا قصَدَ التَّخليطَ في القُرآنِ أو غيرِه عَمدًا ولم يَمتثِلْ بمُجردِ النَّهيِ فلا شَكَّ أنَّه يُؤدَّبُ لصَلاحِ حالِه، فكذا إذا غصَبَ.
ويُؤدَّبُ مَنْ ادَّعى الغَصبَ أو السَّرقةَ أو نَحوَهما على صالِحٍ مَشهورٍ بذلك لا يُشارُ إليه بهذا.
وفي «النَّوادِر»: إنَّما يُؤدَّبُ المُدَّعي على غيرِ المُتَّهمِ بالسَّرقةِ إذا كانَ على وَجهِ المُشاتَمةِ، أمَّا على وَجهِ الظُّلامةِ فلا.
وأمَّا مَستورُ الحالِ -وهو الذي لا يُعرفُ بخَيرٍ ولا بشَرٍّ- فلا أدَبَ على المُدَّعي.
وأمَّا مَنْ يُشارُ إليه بذلك ولم يُشتَهَرْ به فلا أدَبَ على المُدَّعي عليه ويَحلِفُ ليَبرأَ، فإنْ نكَلَ حلَفَ المُدَّعي واستحَقَّ، فإنِ اشتُهِرَ بالعَداءِ بينَ الناسِ فإنَّه يَحلِفُ ويُهدَّدُ ويُضرَبُ ويُسجَنُ، فإنِ استمَرَّ على جُحودِه تُركَ وإنِ اعتَرفَ بعدَ التَّهديدِ، فهل يُؤخَذُ بإِقرارِه أو لا؟ في ذلك ثَلاثةُ أَقوالٍ:
قيلَ: يُؤخذُ بإِقرارِه مُطلَقًا، وقيلَ: إنْ عيَّنَ الشَّيءَ المُدَّعى به أُخذَ
стр. 8079
بإِقرارِه وإلا فلا، والثالِثُ هو المُعتمَدُ وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ في «المُدوَّنة»: إنَّه لا يُؤخَذُ بإِقرارِه ولو عيَّنَ الشَّيءَ؛ لأنَّه مُكرَهٌ (١).
وُجوبُ رَدِّ المَغصوبِ إلى صاحِبِه وضَمانِه:
المَغصوبُ لا يَخلو من حالاتٍ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ المَغصوبُ باقيًا بحالِه كما هو:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ المَغصوبَ في يَدِ الغاصِبِ مَضمونٌ عليه إلى أنْ يَردَّه على مالِكِه، ويَجبُ عليه رَدُّه إلى مالِكه إنْ كانَ باقيًا بعَينِه؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَأخذُ أحَدُكم مَتاعَ أَخيه لاعِبًا أو جادًّا فإذا أخَذَ أحَدُكم عَصا أَخيه فليَرُدَّها» (٢)، فإنْ ردَّه كما غصَبَه سقَطَ عنه الضَّمانُ، ولزِمَ المالِكَ قَبولُه.
قالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه يَجبُ على الغاصِبِ رَدُّ المَغصوبِ إنْ كانَت عَينُه قائِمةً، ولم يُخَفْ من نَزعِها إِتلافُ نَفسٍ (٣).
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَنْ غصَبَ شَيئًا لزِمَه رَدُّه ما كانَ باقيًا بغيرِ خِلافٍ نَعلمُه؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «على اليَدِ ما أخَذَت حتى
стр. 8080
تُؤدِّيَه» (١)، ولأنَّ حَقَّ المَغصوبِ منه مُعلَّقٌ بعَينِ مالِه وماليَّتِه، ولا يَتحقَّقُ ذلك إلا برَدِّه (٢).
وقالَ أيضًا: المَغصوبُ متى كانَ باقيًا وجَبَ رَدُّه لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «على اليَدِ ما أخَذَت حتى تَرُدَّه» رَواه أبو داودَ وابنُ ماجَه والتِّرمذيُّ، وقالَ: الحَديثُ حَسنٌ، ورَوى عبدُ اللهِ بنُ السائِبِ بنِ يَزيدَ عن أَبيه عن جَدِّه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا يَأخُذْ أَحدُكم مَتاعَ صاحِبِه لاعِبًا أو جادًّا، ومَن أخَذَ عَصا أَخيه فليَرُدَّها» رَواه أَبو داودَ، يَعني أنَّه يَقصدُ المَزحَ مع صاحِبِه بأخْذِ مَتاعِه وهو جادٌّ في إِدخالِ الغَمِّ والغَيظِ عليه، ولأنَّه أَزالَ يَدَ المالِكِ عن مِلكِه بغيرِ حَقٍّ فلزِمَه إِعادتُها.
وأجمَعَ العُلماءُ على وُجوبِ رَدِّ المَغصوبِ إذا كانَ باقيًا بحالِه لم يَتغيَّرْ ولم يَشتغِلْ بغيرِه، فإنْ غصَبَ شَيئًا فبَعَّدَه لزِمَه رَدُّه، وإنْ غرِمَ عليه أَضعافَ قيمَتِه؛ لأنَّه جَنى بتَبعيدِه فكانَ ضَررُ ذلك عليه (٣).
وقالَ الإِمامُ ابنُ القَطانِ الفاسيُّ ﵀: واتَّفقَ الجَميعُ على أنَّ على الغاصِبِ رَدَّ ما في يَدِه لغيرِه إذا كانَ بحالتِه لم يَنتقِصْ عن هَيئتِه بنَقصٍ دخَلَه (٤).
стр. 8081
الحالةُ الثانيةُ: أنْ تَنقُصَ قيمةُ المَغصوبِ بدونِ حُدوثِ شَيءٍ فيه:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ -إلا أَبا ثَورٍ- على أنَّ العَينَ المَغصوبةَ إذا نقَصَت قيمَتُها من حينِ الغَصبِ إلى حينِ الرَّدِّ لكَسادِها لا لنَقصٍ حدَثَ فيها كانَت قيمَتُها يَومَ الغَصبِ ألفَ دِينارٍ، ويَومَ الرَّدِّ خَمسَمِئةٍ فإنَّه لا يَجبُ على الغاصِبِ ضَمانُ ما نقَصَ من قيمَتِه؛ لأنَّ الغاصِبَ يَضمَنُ ما غصَبَ، والقيمةُ لا تَدخلُ في الغَصبِ؛ لأنَّه لا حَقَّ للمَغصوبِ منه في القيمةِ مع بَقاءِ العَينِ، وإنَّما حَقُّه في العَينِ، والعَينُ باقيةٌ كما كانَت فلم يَلزَمْه شَيءٌ.
قالَ العِمرانِيُّ ﵀: وبهذا قالَ مالِكٌ وأَبو حَنيفةَ وجَميعُ العُلماءِ إلا أَبا ثَورٍ، فإنَّه قالَ: يَجبُ عليه رَدُّها ورَدُّ ما نقَصَ من قيمَتِها لرُخصِها.
دَليلُنا: أنَّه رَدَّ العَينَ ولم يَنقُصْ منها عَينٌ ولا أثَرٌ فلم يَجِبْ عليه ضَمانُ شَيءٍ من قيمَتِها، كما لو لم تَنقُصْ قيمَتُها في السُّوقِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وليس على الغاصِبِ ضَمانُ نَقصِ القيمةِ الحاصِلِ بتَغيرِ الأَسعارِ، نَصَّ عليه أَحمدُ، وهو قَولُ جُمهورِ العُلماءِ.
وحُكيَ عن أبي ثَورٍ أنَّه يَضمنُه؛ لأنَّه يَضمنُه إذا تلِفَت العَينُ فيَلزمُه إذًا رَدُّها كالسِّمَنِ.
ولنا: أنَّه رَدَّ العَينَ بحالِها لم يَنقُصْ منها عَينٌ ولا صِفةٌ فلم يَلزَمْه شَيءٌ كما لو لم تَنقُصْ، ولا نُسلِّمُ بأنَّه يَضمَنُها مع تَلفِ العَينِ.
стр. 8082
وإنْ سلَّمنا فلأنَّه وجَبَت قيمةُ العَينِ أكثَرَ ما كانَت قيمَتُها فدخَلَت في التَّقويمِ، بخِلافِ ما إذا رَدَّها؛ فإنَّ القيمةَ لا تَجبُ، ويُخالِفُ السِّمَنَ فإنَّه من عَينِ المَغصوبِ، والعِلمُ بالصِّناعةِ صِفةٌ فيها، وههنا لم تَذهَبْ عَينٌ ولا صِفةٌ، ولأنَّه لا حَقَّ للمَغصوبِ منه في القيمةِ مع بَقاءِ العَينِ، وإنَّما حَقُّه في العَينِ، وهي باقيةٌ كلُّها كما كانَت، ولأنَّ الغاصِبَ يَضمَنُ ما غصَبَ، والقيمةُ لا تَدخلُ في الغَصبِ، بخِلافِ زِيادةِ العَينِ، فإنَّها مَغصوبةٌ وقد ذهَبَت (١).
والمَشهورُ عندَ المالِكيةِ أنَّ النَّقصَ لأجْلِ الأَسواقِ في بابِ الغَصبِ غيرُ مُعتبَرٍ بخِلافِه في بابِ التَّعدِّي فإنَّه مُعتبَرٌ، والمَعنى أنَّ مَنْ غصَبَ دابةً مَثلًا ثم وجَدَها رَبُّها وقد نقَصَت أَسواقُها فإنَّه يَأخُذُها ولا شَيءَ له على الغاصِبِ، وسَواءٌ طالَ زَمانُها عندَ الغاصِبِ أو لا، فإنْ زادَت للأَسواقِ عندَ الغاصِبِ فلا كَلامَ لرَبِّها من بابِ أوْلى، وإنْ كانَت نقَصَت في بَدنِها فلرَبِّها أنْ يُغرِّمَ الغاصِبَ قيمَتَها يَومَ الغَصبِ بخِلافِ بابِ التَّعدِّي، فإنَّ رَبَّها إذا وجَدَها وقد نقَصَت في أَسواقِها فله أنْ يُضمِّنَ المُتعدِّيَ قيمَتَها يَومَ تَعدَّى عليها؛ لأنَّه حبَسَها عن أَسواقِها.
ومِن «المُدوَّنة»: ما اغتَصَبه غاصِبٌ فأدرَكَه رَبُّه بعَينِه لم يَتغيَّرْ في بَدنِه فليس له غيرُه، ولا يُنظرُ إلى نَقصِ قيمَتِه باختِلافِ سُوقِه طالَ زَمانُ ذلك سِنينَ أو كانَ ساعةً واحِدةً، إنَّما يُنظرُ إلى تَغيُّرِ بَدنِه.
стр. 8083
قالَ مالِكٌ: وهو بخِلافِ المُتعدِّي في حَبسِ الدابةِ من مُكتَرٍ أو مُستعيرٍ يَأتي بها أحسَنَ حالًا، فرَبُّها مُخيَّرٌ في أخذِ الكِراءِ أو أنْ يُضمِّنَه القيمةَ يَومَ التَّعدِّي؛ لأنَّه حبَسَها عن أَسواقِها، إلا في الحَبسِ اليَسيرِ لا تَتغيرُ في مِثلِه في سُوقٍ أو بدنٍ.
قالَ ابنُ القاسِمِ: كلُّ ما أَصلُه أَمانةٌ فتَعدَّى فيه بإِكراهٍ أو ركِبَه من وَديعةٍ أو عاريةٍ أو كِراءٍ فهذا سَبيلُه، وهو بخِلافِ الغاصِبِ.
ابنُ يُونسَ: القِياسُ أنَّه لا فَرقَ بينَهما في هذا الوَجهِ، ولا يَكونُ الغاصِبُ أحسَنَ حالًا من المُتعدِّي، وكما كانَ يَضمَنُ في النَّقضِ اليَسيرِ فكذلك يَجبُ أنْ يَضمنَ في نَقصِ السُّوقِ.
وقد نَحا ابنُ القاسِمِ إلى المُساواةِ بينَهما لولا خَوفُ مُخالفةِ الإِمامِ مالِكٍ (١).
الحالةُ الثالِثةُ: أنْ تَنقُصَ العَينُ المَغصوبةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في العَينِ المَغصوبةِ إذا حدَثَ بها عَيبٌ عندَ الغاصِبِ ولم تَتلَفْ بالكُليةِ، هل يَردُّه الغاصِبُ وأَرشَ نَقصِه أو يَكونُ صاحِبُه مُخيَّرًا بينَ تَسليمِه للغاصِبِ وأخْذِ قيمَتِه وبينَ إِمساكِه وأخْذِ أَرشِه؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ المَغصوبَ المَنقولَ غيرَ الرِّبويِّ إذا نقَصَ في يَدِ
стр. 8084
الغاصِبِ فعليه ضَمانُ النُّقصانِ؛ لأنَّه دخَلَ في ضَمانِه بجَميعِ أَجزائِه، فما تَعذَّرَ رَدُّ عَينِه منها وجَبَ رَدُّ قيمَتِه.
وضَمانُ النُّقصانِ من حيثُ فَواتُ الجُزءِ لا من حيثُ السِّعرُ؛ لأنَّه عِبارةٌ عن فُتورِ الرَّغباتِ دونَ فَواتِ الجُزءِ، وأمَّا الرِّبويُّ فلا يُمكنُ فيه ضَمانُ النُّقصانِ مع استِردادِ الأَصلِ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى الرِّبا.
وأمَّا إذا تَغيَّر في يَدِ الغاصِبِ تَغيُّرًا يَسيرًا كما لو خرَقَ الثَّوبَ خَرقًا يَسيرًا فإنَّه يَضمَنُ نُقصانَه فقط، والثَّوبُ لمالِكِه؛ لأنَّ العَينَ قائِمةٌ من كلِّ وَجهٍ، وإنَّما دخَلَه عَيبٌ فيَضمَنُ العَيبَ.
وأمَّا إنْ كانَ التَّغيُّرُ كَثيرًا بأنْ خرَقَه خَرقًا كَثيرًا بحيث يُبطلُ عامَّةَ منافِعِه فلمالِكِه الخيارُ بينَ أنْ يُضمِّنَه جَميعَ قيمَتِه؛ لأنَّه استِهلاكٌ له من هذا الوَجهِ، وإذا ضمِنَ قيمَتَه ملَكَه؛ لأنَّ صاحِبَه لمَّا ملَكَ القيمةَ ملَكَ الغاصِبُ بدَلَها، حتى لا يَجتمعَ في مِلكِ المَغصوبِ منه البَدَلانِ.
وإنْ شاءَ صاحِبُ الثَّوبِ ضمَّنَه النُّقصانَ؛ لأنَّه لم يَستهلِكْه استِهلاكًا تامًّا ولا اتَّصلَ بزِيادةٍ، والمُماثلةُ فيه غيرُ مُعتبَرةٍ، فلهذا جازَ أنْ يُضمِّنَه النُّقصانَ ويأخُذَه، ولأنَّه تعَيَّب من وَجهٍ؛ لبَقاءِ العَينِ وبَعضِ المَنافعِ.
واختَلفَ المُتأخِّرونَ في الخَرقِ الفاحِشِ، قالَ بَعضُهم: هو ما أوجَبَ نُقصانَ رُبعِ القيمةِ، وما دونَه يَسيرٌ، وقالَ بعضُهم: ما أوجَبَ نُقصانَ نِصفِ القيمةِ، وقيلَ: ما لا يَصلحُ الباقي بعدَه لثَوبٍ.
стр. 8085
وفي «الهِداية» إِشارةُ الكِتابِ إلى أنَّ الفاحِشَ ما يَبطُلُ به عامَّةُ المنافِعِ، والصَّحيحُ أنَّه ما يَفوتُ به بعضُ العَينِ وبعضُ المَنفعةِ، واليَسيرُ ما لا يَفوتُ به شَيءٌ من المَنفَعةِ، وإنَّما يَدخلُ فيه النُّقصانُ.
وفي «المُحيط»: الفاحِشُ ما يَستنكِفُ أَوساطُ الناسِ من لُبسِه مع ذلك (١).
وقالَ المالِكيةُ: مَنْ غصَبَ شَيئًا فتَعيَّب عندَ الغاصِبِ بأمرٍ سَماويٍّ قَليلًا كانَ أو كَثيرًا فإنَّ رَبَّه يُخيَّرُ بينَ أنْ يُضمِّنَ الغاصِبَ قيمَتَه يَومَ الغَصبِ أو يَأخُذَه مَعيبًا ولا شَيءَ له.
وكذا إذا نقَصَ بسَببِ جِنايةِ الغاصِبِ أو أجنَبيٍّ، إلا أنَّ الغاصِبَ إذا جَنى على الشَّيءِ المَغصوبِ أو جَنى عليه أجنَبيٌّ فإنَّ المالِكَ يُخيَّرُ في جِنايةِ الغاصِبِ بينَ أخذِ قيمَتِه يَومَ الغَصبِ أو أخذِ المَعيبِ مع ما نقَصَه بحُكمِ التَّعدِّي، وهو أَرشُ النَّقصِ.
وفي جِنايةِ الأَجنبيِّ فإنَّ المالِكَ يُخيَّرُ بينَ تَضمينِ الغاصِبِ القيمةَ، وأنْ يَتَّبعَ الغاصِبَ الجانِيَ بأَرشِ الجِنايةِ، أو أخذِ شَيئِه ويَتَّبعَ الجانِيَ بأَرشِ الجِنايةِ، وليس له أَخذُ شَيئِه واتِّباعُ الغاصِبِ بأَرشِ الجِنايةِ (٢).
стр. 8086
وقالَ القاضِي عَبدُ الوَهابِ المالِكيُّ ﵀: الجِنايةُ على ضَربَينِ:
جِنايةٌ تُبطِلُ يَسيرًا من المَنفعةِ وجُلُّها من السِّلعةِ باقٍ فهذا يَجبُ فيه ما نقَصَ: وذلك بأنْ تُقوَّمَ وَقتَ الجِنايةِ صَحيحةً وتُقوَّمَ بالجِنايةِ، فيَلزمَ الجانِيَ ما بينَ القيمَتينِ، وإنَّما قُلنا ذلك لأنَّ الذي يَلزمُه بَدلُ ما أتلَفَ، والإِتلافُ إنَّما يَكونُ لهذا القَدرِ من المَنافعِ، فلم يَضمَنْ ما زادَ عليه.
والضَّربُ الآخَرُ: جِنايةٌ تُبطِلُ الغَرضَ المَقصودَ من الشَّيءِ، والذي له يُرادُ، وإنْ بَقيَت فيه مَنافعُ تابِعةٌ غيرُ مَقصودةٍ: فهذا يَكونُ صاحِبُه مُخيَّرًا إنْ شاءَ أخَذَ ما بينَ قيمَتِه صَحيحًا ومَعيبًا، وإنْ شاءَ أسلَمَه وأخَذَ قيمَتَه، مِثلَ أنْ يَكونَ لرَجلٍ عَبدٌ يُريدُه لبَعضِ المَنافعِ، فيَتَعدَّى عليه رَجلٌ يَقطعُ يَدَه أو يُعميه، فيَبطلَ عليه الغَرضُ الذي له يُرادُ في العادةِ، وكذلك المَركوبُ الذي يُرادُ للجَمالِ والرُّكوبِ تُقطَعُ أُذنُه أو ذَنَبُه فيَبطُلُ الغَرضُ المَقصودُ منه، وإنْ كانَ يَبقى فيه استِعمالُه في الحَملِ ونَقلِ التُّرابِ أو ما أشبَهَ ذلك، وإنَّما قُلنا ذلك لأنَّه قد أتلَفَ على المالِكِ المَنفَعةَ المَقصودةَ من السِّلعةِ فلزِمَه قيمَتُها اعتِبارًا بإِتلافِ عَينِها؛ لأنَّ بَقاءَ العَينِ مع إِتلافِ الغَرضِ المَقصودِ منها مَنعٌ من الانتِفاعِ بها فيما يُقصَدُ منها، فكانَ كإِتلافِ عَينِها (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ العَينَ المَغصوبةَ إذا حصَلَ بها عَيبٌ عندَ الغاصِبِ بأنْ كانَ ثَوبًا فخرَقَه أو طَعامًا سَوَّسَ أو بِناءً خُرِّبَ ونَحوَ
стр. 8087
ذلك، فإنَّه يَجبُ عليه رَدُّه على صاحِبِه، ويَغرَمُ قيمةَ أَرشِ النَّقصِ الذي حدَثَ عندَه؛ لأنَّها جِنايةٌ على مالٍ، أَرشُها دونَ قيمَتِها، فلم يَملِكِ المُطالَبةَ بجَميعِ قيمَتِها، كما لو كانَ الشِّقُ يَسيرًا، ولأنَّها جِنايةٌ تَنْقُصُ بها القيمةُ فأشبَهَ ما لو لم يَتلَفْ غَرضُ صاحِبِها، وفي الشاةِ تَلفُ جَميعِها؛ لأنَّ الاعتِبارَ في الإِتلافِ بالمَجنيِّ عليه لا بغَرضِ صاحِبِه؛ لأنَّ هذا إنْ لم يَصلُحْ لهذا صلَحَ لغيرِه (١).
الحالةُ الرابِعةُ: أنْ تَتلفَ العَينُ المَغصوبةُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ العَينَ المَغصوبةَ -غيرَ العَقارِ- إذا تلِفَت عندَ الغاصِبِ فإنَّه يَضمنُها، وهي لا تَخلو إمَّا أنْ تَكونَ من ذَواتِ الأَمثالِ، أو من غيرِ ذَواتِ الأَمثالِ:
أ- أنْ تَكونَ العَينُ المَغصوبةُ التالِفةُ من ذَواتِ الأَمثالِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ العَينَ المَغصوبةَ إذا تلِفَت عندَ الغاصِبِ بأيِّ سَببٍ كانَ فإنَّه يَجبُ عليه مِثلُها إنْ كانَت من ذَواتِ الأَمثالِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ولأنَّه لمَّا تَعذَّرَ رَدُّ العَينِ وجَبَ رَدُّ ما يَقومُ مَقامَها في الماليةِ، ولأنَّ المِثلَ أقرَبُ إليه من القيمةِ، وهو مُماثِلٌ له من طَريقِ الصُّورةِ والمُشاهدةِ والمَعنى، والقيمةُ مُماثِلةٌ عن طَريقِ الظَّنِّ والاجتِهادِ، فكانَ ما طَريقُه
стр. 8088
المُشاهَدةُ مُقدَّمًا، كما يُقدَّمُ النَّصُّ على القياسِ؛ لكَونِ النَّصِّ طَريقُه الإِدراكُ بالسَّماعِ، وكَونِ القياسِ طَريقُه الظَّنُّ والاجتِهادُ.
قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: كلُّ مَطعومٍ من مَأكولٍ أو مَشروبٍ فمُجمَعٌ على أنَّه يَجبُ على مُستهلِكِه مِثلُه لا قيمَتُه (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: واتَّفقَ مالِكٌ والكُوفيُّونَ والشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ فيمَن استَهلَك ذَهبًا أو وَرِقًا أو طَعامًا مَكيلًا أو مَوزونًا فعليه مِثلُ ما استَهلَك في صِفتِه ووَزنِه وكَيلِه، وقالَ مالِكٌ: وفَرَّقَ بينَ الذَّهبِ والفِضةِ والطَّعامِ وبينَ الحَيوانِ والعُروضِ العَملُ المَعمولُ به. قالَ ابنُ المُنذرِ: ولا أعلَمُ في هذه المَسألةِ خِلافًا (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ المَكيلَ والمَوزونَ إذا غُصبَ وتلِفَ ضُمنَ بمِثلِه إذا وُجدَ مِثلُه، إلا في إحدى الرِّوايتَينِ عن أَحمدَ أنَّه يَضمنُه بقيمَتِه (٣).
стр. 8089
وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ عليه رَدَّ مِثلِه إذا كانَ المِثلُ مَوجودًا (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما تَتماثَلُ أَجزاؤُه وتَتقارَبُ صِفاتُه كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ والحُبوبِ والأَدهانِ ضُمِنَ بمِثلِه بغيرِ خِلافٍ (٢).
وقالَ أيضًا: وأمَّا سائِرُ المَكيلِ والمَوزونِ فظاهِرُ كَلامِ أَحمدَ أنَّه يُضمَنُ بمِثلِه أيضًا، فإنَّه قالَ في رِوايةِ حَربٍ وإِبراهيمَ بنِ هانِئٍ: ما كانَ من الدَّراهمِ والدَّنانيرِ وما يُكالُ ويُوزنُ فعليه مِثلُه دونَ القيمةِ. فظاهِرُ هذا وُجوبُ المِثلِ في كلِّ مَكيلٍ ومَوزونٍ، إلا أنْ يَكونَ ممَّا فيه صِناعةٌ كمَعمولِ الحَديدِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ من الأَوانِي والآلاتِ ونَحوِها، والحُليِّ من الذَّهبِ والفِضةِ وشِبهِهما، والمَنسوجِ من الحَريرِ والكَتَّانِ، والقُطنِ والصُّوفِ والشَّعرِ والمَغزولِ من ذلك، فإنَّه يَضمنُ بقيمَتِه؛ لأنَّ الصِّناعةَ تُؤثِّرُ في قيمَتِه، وهي مُختلفةٌ، فالقيمةُ فيه أحصَرُ، فأشبَهَ غيرَ المَكيلِ والمَوزونِ.
وذكَرَ القاضِي أنَّ النَّقرةَ والسَّبيكةَ من الأَثمانِ، وتُضمَنُ العِنبُ والرُّطبُ والكُمِّثْرى بقيمَتِها، وظاهِرُ كَلامِ أَحمدَ يَدلُّ على ما قُلنا، وإنَّما خرَجَ منه ما فيه الصِّناعةُ لمَا ذَكَرنا، ويَحتملُ أنْ يَضمنَ النَّقرةَ بقيمَتِها لتَعذُّرِ وُجودِ مِثلِها، إلا بتَكسيرِ الدَّراهمِ المَضروبةِ وسَبكِها، وفيه إِتلافٌ، فعلى هذا إنْ كانَ المَضمونُ بقيمَتِه من جِنسِ الأَثمانِ وجَبَت قيمَتُه من غالِبِ نَقدِ البَلدِ،
стр. 8090
فإنْ كانَت من غيرِ جِنسِه وجَبَت بكلِّ حالٍ، وإنْ كانَت من جِنسِه فكانَت مَوزونةً وجَبَت قيمَتُه، وإنْ كانَت أقَلَّ أو أكثَرَ قُوِّم بغيرِ جِنسِه؛ لئلَّا يُؤدِّيَ إلى الرِّبا، وقالَ القاضِي: إنْ كانَت فيه صِناعةٌ مُباحةٌ فزادَت قيمَتُه من أَجلِها جازَ تَقويمُه بجِنسِه؛ لأنَّ ذلك قيمَتُه، والصِّناعةُ لها قيمةٌ، وكذلك لو كسَرَ الحُليَّ وجَبَ أَرشُ كَسرِها، ويُخالِفُ البَيعَ؛ لأنَّ الصِّناعةَ لا يُقابِلُها العِوضُ في العُقودِ ويُقابِلُها في الإِتلافِ، ألَا تَرى أنَّها لا تَنفرِدُ بالعَقدِ وتَنفرِدُ بضَمانِها بالإِتلافِ؟
قالَ بعضُ أَصحابِ الشافِعيِّ: هذا مَذهبُ الشافِعيِّ، وذكَرَ بعضُهم مِثلَ القَولِ الأولِ، وهو الذي ذكَرَه أَبو الخَطابِ؛ لأنَّ القيمةَ مَأخوذةٌ على سَبيلِ العِوضِ، فالزِّيادةُ فيه رِبًا كالبَيعِ والنَّقصِ، وقد قالَ أَحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ: إذا كسَرَ الحُلِيَّ يُصلحُها أحَبُّ إلَيَّ.
قالَ القاضِي: وهذا مَحمولٌ على أنَّهما تَراضَيا بذلك، لا أنَّه على طَريقِ الوُجوبِ، وهذا فيما إذا كانَت الصِّناعةُ مُباحةً، فإنْ كانَت مُحرَّمةً كالأَوانِي وحُليِّ الرِّجالِ لم يَجزْ ضَمانُه بأكثَرَ من وَزنِه وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّ الصِّناعةَ لا قيمةَ لها شَرعًا فهي كالمَعدومةِ (١).
قالَ المالِكيةُ: الغاصِبُ إذا غصَبَ مِثليًّا مَكيلًا أو مَوزونًا أو مَعدودًا فعيَّبَه أو أتلَفَه فإنَّه يَضمَنُ مِثلَه، ولو كانَ المِثليُّ وَقتَ الغَصبِ غاليًا ووَقتَ القَضاءِ به رَخيصًا على المَشهورِ.