وقالَ القاضِي عَبدُ الوَهابِ المالِكيُّ ﵀: الجِنايةُ على ضَربَينِ:
جِنايةٌ تُبطِلُ يَسيرًا من المَنفعةِ وجُلُّها من السِّلعةِ باقٍ فهذا يَجبُ فيه ما نقَصَ: وذلك بأنْ تُقوَّمَ وَقتَ الجِنايةِ صَحيحةً وتُقوَّمَ بالجِنايةِ، فيَلزمَ الجانِيَ ما بينَ القيمَتينِ، وإنَّما قُلنا ذلك لأنَّ الذي يَلزمُه بَدلُ ما أتلَفَ، والإِتلافُ إنَّما يَكونُ لهذا القَدرِ من المَنافعِ، فلم يَضمَنْ ما زادَ عليه.
والضَّربُ الآخَرُ: جِنايةٌ تُبطِلُ الغَرضَ المَقصودَ من الشَّيءِ، والذي له يُرادُ، وإنْ بَقيَت فيه مَنافعُ تابِعةٌ غيرُ مَقصودةٍ: فهذا يَكونُ صاحِبُه مُخيَّرًا إنْ شاءَ أخَذَ ما بينَ قيمَتِه صَحيحًا ومَعيبًا، وإنْ شاءَ أسلَمَه وأخَذَ قيمَتَه، مِثلَ أنْ يَكونَ لرَجلٍ عَبدٌ يُريدُه لبَعضِ المَنافعِ، فيَتَعدَّى عليه رَجلٌ يَقطعُ يَدَه أو يُعميه، فيَبطلَ عليه الغَرضُ الذي له يُرادُ في العادةِ، وكذلك المَركوبُ الذي يُرادُ للجَمالِ والرُّكوبِ تُقطَعُ أُذنُه أو ذَنَبُه فيَبطُلُ الغَرضُ المَقصودُ منه، وإنْ كانَ يَبقى فيه استِعمالُه في الحَملِ ونَقلِ التُّرابِ أو ما أشبَهَ ذلك، وإنَّما قُلنا ذلك لأنَّه قد أتلَفَ على المالِكِ المَنفَعةَ المَقصودةَ من السِّلعةِ فلزِمَه قيمَتُها اعتِبارًا بإِتلافِ عَينِها؛ لأنَّ بَقاءَ العَينِ مع إِتلافِ الغَرضِ المَقصودِ منها مَنعٌ من الانتِفاعِ بها فيما يُقصَدُ منها، فكانَ كإِتلافِ عَينِها (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ العَينَ المَغصوبةَ إذا حصَلَ بها عَيبٌ عندَ الغاصِبِ بأنْ كانَ ثَوبًا فخرَقَه أو طَعامًا سَوَّسَ أو بِناءً خُرِّبَ ونَحوَ
стр. 8087
ذلك، فإنَّه يَجبُ عليه رَدُّه على صاحِبِه، ويَغرَمُ قيمةَ أَرشِ النَّقصِ الذي حدَثَ عندَه؛ لأنَّها جِنايةٌ على مالٍ، أَرشُها دونَ قيمَتِها، فلم يَملِكِ المُطالَبةَ بجَميعِ قيمَتِها، كما لو كانَ الشِّقُ يَسيرًا، ولأنَّها جِنايةٌ تَنْقُصُ بها القيمةُ فأشبَهَ ما لو لم يَتلَفْ غَرضُ صاحِبِها، وفي الشاةِ تَلفُ جَميعِها؛ لأنَّ الاعتِبارَ في الإِتلافِ بالمَجنيِّ عليه لا بغَرضِ صاحِبِه؛ لأنَّ هذا إنْ لم يَصلُحْ لهذا صلَحَ لغيرِه (١).
الحالةُ الرابِعةُ: أنْ تَتلفَ العَينُ المَغصوبةُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ العَينَ المَغصوبةَ -غيرَ العَقارِ- إذا تلِفَت عندَ الغاصِبِ فإنَّه يَضمنُها، وهي لا تَخلو إمَّا أنْ تَكونَ من ذَواتِ الأَمثالِ، أو من غيرِ ذَواتِ الأَمثالِ:
أ- أنْ تَكونَ العَينُ المَغصوبةُ التالِفةُ من ذَواتِ الأَمثالِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ العَينَ المَغصوبةَ إذا تلِفَت عندَ الغاصِبِ بأيِّ سَببٍ كانَ فإنَّه يَجبُ عليه مِثلُها إنْ كانَت من ذَواتِ الأَمثالِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ولأنَّه لمَّا تَعذَّرَ رَدُّ العَينِ وجَبَ رَدُّ ما يَقومُ مَقامَها في الماليةِ، ولأنَّ المِثلَ أقرَبُ إليه من القيمةِ، وهو مُماثِلٌ له من طَريقِ الصُّورةِ والمُشاهدةِ والمَعنى، والقيمةُ مُماثِلةٌ عن طَريقِ الظَّنِّ والاجتِهادِ، فكانَ ما طَريقُه
стр. 8088
المُشاهَدةُ مُقدَّمًا، كما يُقدَّمُ النَّصُّ على القياسِ؛ لكَونِ النَّصِّ طَريقُه الإِدراكُ بالسَّماعِ، وكَونِ القياسِ طَريقُه الظَّنُّ والاجتِهادُ.
قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: كلُّ مَطعومٍ من مَأكولٍ أو مَشروبٍ فمُجمَعٌ على أنَّه يَجبُ على مُستهلِكِه مِثلُه لا قيمَتُه (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: واتَّفقَ مالِكٌ والكُوفيُّونَ والشافِعيُّ وأَبو ثَورٍ فيمَن استَهلَك ذَهبًا أو وَرِقًا أو طَعامًا مَكيلًا أو مَوزونًا فعليه مِثلُ ما استَهلَك في صِفتِه ووَزنِه وكَيلِه، وقالَ مالِكٌ: وفَرَّقَ بينَ الذَّهبِ والفِضةِ والطَّعامِ وبينَ الحَيوانِ والعُروضِ العَملُ المَعمولُ به. قالَ ابنُ المُنذرِ: ولا أعلَمُ في هذه المَسألةِ خِلافًا (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ المَكيلَ والمَوزونَ إذا غُصبَ وتلِفَ ضُمنَ بمِثلِه إذا وُجدَ مِثلُه، إلا في إحدى الرِّوايتَينِ عن أَحمدَ أنَّه يَضمنُه بقيمَتِه (٣).
стр. 8089
وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ عليه رَدَّ مِثلِه إذا كانَ المِثلُ مَوجودًا (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ما تَتماثَلُ أَجزاؤُه وتَتقارَبُ صِفاتُه كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ والحُبوبِ والأَدهانِ ضُمِنَ بمِثلِه بغيرِ خِلافٍ (٢).
وقالَ أيضًا: وأمَّا سائِرُ المَكيلِ والمَوزونِ فظاهِرُ كَلامِ أَحمدَ أنَّه يُضمَنُ بمِثلِه أيضًا، فإنَّه قالَ في رِوايةِ حَربٍ وإِبراهيمَ بنِ هانِئٍ: ما كانَ من الدَّراهمِ والدَّنانيرِ وما يُكالُ ويُوزنُ فعليه مِثلُه دونَ القيمةِ. فظاهِرُ هذا وُجوبُ المِثلِ في كلِّ مَكيلٍ ومَوزونٍ، إلا أنْ يَكونَ ممَّا فيه صِناعةٌ كمَعمولِ الحَديدِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ من الأَوانِي والآلاتِ ونَحوِها، والحُليِّ من الذَّهبِ والفِضةِ وشِبهِهما، والمَنسوجِ من الحَريرِ والكَتَّانِ، والقُطنِ والصُّوفِ والشَّعرِ والمَغزولِ من ذلك، فإنَّه يَضمنُ بقيمَتِه؛ لأنَّ الصِّناعةَ تُؤثِّرُ في قيمَتِه، وهي مُختلفةٌ، فالقيمةُ فيه أحصَرُ، فأشبَهَ غيرَ المَكيلِ والمَوزونِ.
وذكَرَ القاضِي أنَّ النَّقرةَ والسَّبيكةَ من الأَثمانِ، وتُضمَنُ العِنبُ والرُّطبُ والكُمِّثْرى بقيمَتِها، وظاهِرُ كَلامِ أَحمدَ يَدلُّ على ما قُلنا، وإنَّما خرَجَ منه ما فيه الصِّناعةُ لمَا ذَكَرنا، ويَحتملُ أنْ يَضمنَ النَّقرةَ بقيمَتِها لتَعذُّرِ وُجودِ مِثلِها، إلا بتَكسيرِ الدَّراهمِ المَضروبةِ وسَبكِها، وفيه إِتلافٌ، فعلى هذا إنْ كانَ المَضمونُ بقيمَتِه من جِنسِ الأَثمانِ وجَبَت قيمَتُه من غالِبِ نَقدِ البَلدِ،
стр. 8090
فإنْ كانَت من غيرِ جِنسِه وجَبَت بكلِّ حالٍ، وإنْ كانَت من جِنسِه فكانَت مَوزونةً وجَبَت قيمَتُه، وإنْ كانَت أقَلَّ أو أكثَرَ قُوِّم بغيرِ جِنسِه؛ لئلَّا يُؤدِّيَ إلى الرِّبا، وقالَ القاضِي: إنْ كانَت فيه صِناعةٌ مُباحةٌ فزادَت قيمَتُه من أَجلِها جازَ تَقويمُه بجِنسِه؛ لأنَّ ذلك قيمَتُه، والصِّناعةُ لها قيمةٌ، وكذلك لو كسَرَ الحُليَّ وجَبَ أَرشُ كَسرِها، ويُخالِفُ البَيعَ؛ لأنَّ الصِّناعةَ لا يُقابِلُها العِوضُ في العُقودِ ويُقابِلُها في الإِتلافِ، ألَا تَرى أنَّها لا تَنفرِدُ بالعَقدِ وتَنفرِدُ بضَمانِها بالإِتلافِ؟
قالَ بعضُ أَصحابِ الشافِعيِّ: هذا مَذهبُ الشافِعيِّ، وذكَرَ بعضُهم مِثلَ القَولِ الأولِ، وهو الذي ذكَرَه أَبو الخَطابِ؛ لأنَّ القيمةَ مَأخوذةٌ على سَبيلِ العِوضِ، فالزِّيادةُ فيه رِبًا كالبَيعِ والنَّقصِ، وقد قالَ أَحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ: إذا كسَرَ الحُلِيَّ يُصلحُها أحَبُّ إلَيَّ.
قالَ القاضِي: وهذا مَحمولٌ على أنَّهما تَراضَيا بذلك، لا أنَّه على طَريقِ الوُجوبِ، وهذا فيما إذا كانَت الصِّناعةُ مُباحةً، فإنْ كانَت مُحرَّمةً كالأَوانِي وحُليِّ الرِّجالِ لم يَجزْ ضَمانُه بأكثَرَ من وَزنِه وَجهًا واحِدًا؛ لأنَّ الصِّناعةَ لا قيمةَ لها شَرعًا فهي كالمَعدومةِ (١).
قالَ المالِكيةُ: الغاصِبُ إذا غصَبَ مِثليًّا مَكيلًا أو مَوزونًا أو مَعدودًا فعيَّبَه أو أتلَفَه فإنَّه يَضمَنُ مِثلَه، ولو كانَ المِثليُّ وَقتَ الغَصبِ غاليًا ووَقتَ القَضاءِ به رَخيصًا على المَشهورِ.
стр. 8091
وقالَ اللَّخميُّ ﵀: بل عليه قيمَتُه يَومَ الغَصبِ؛ لأنَّ الغاصِبَ أحَقُّ بالحَملِ عليه، تَخريجًا على القَولِ بأنَّ الغاصِبَ يُغرَّمُ أَعلى القِيَمِ (١).
الحُكمُ إذا انقطَعَ المِثليُّ في أَيدي الناسِ:
قالَ الحَنفيةُ: إذا غصَبَ مِثليًّا في حِينِه وأَوانِه، وانقطَعَ عن أَيدي الناسِ، ولم يَقدِرْ على مِثلِه:
فيَجبُ عليه قيمَتُه يَومَ يَختَصِمون عندَ الإِمامِ أَبي حَنيفةَ؛ لأنَّ المِثلَ ثابِتٌ في ذِمتِه بعدَ انقِطاعِه، بدِلالةِ أنَّه لو لم يُطالِبْه به حتى وُجدَ المِثلُ كانَ له أنْ يُطالِبَه به، وإنَّما يَنتقِلُ من المِثلِ إلى القيمةِ يَومَ الخُصومةِ، فوجَبَ أنْ تُعتبَرَ قيمَتُه يَومَئذٍ.
وقالَ الإِمامُ أَبو يُوسفَ: يَجبُ عليه قيمَتُه يَومَ الغَصبِ؛ لأنَّه لَمَّا انقَطعَ التحَقَ بما لا مِثلَ له، فتُعتبَرُ قيمَتُه يَومَ انعِقادِ السَّببِ؛ إذْ هو المُوجبُ، أَصلُه إذا غصَبَ ما لا مِثلَ له.
وقالَ مُحمدٌ وزُفرُ: آخِرُ ما انقطَعَ عن أَيدي الناسِ؛ لأنَّ المِثلَ كانَ في ذِمتِه إلى أنْ يَنقطِعَ، فلمَّا انقطَعَ سقَطَت المُطالَبةُ بالمِثلِ، وصارَ كأنَّه غصَبَ في ذلك الوَقتِ ما لا مِثلَ له (٢).
стр. 8092
وقالَ المالِكيةُ في المَشهورِ: المَغصوبُ منه إذا تَعذَّرَ عليه وُجودُ المِثلِ فإنَّه يَجبُ عليه أنْ يَصبِرَ لوُجودِ الشَّيءِ المَغصوبِ، بأنْ كانَ للمِثلِ إبَّانٌ فانقطَعَ، فيَجبُ عليه أنْ يَصبِرَ إلى أنْ يُوجَدَ.
وقالَ أشهَبُ: رَبُّه مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَصبِرَ حتى يُوجدَ المِثليُّ وبينَ أنْ يَأخُذَه بالقيمةِ الآنَ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا تَعذَّرَ وُجودُ المِثلِ في البَلدِ أو حَوالَيه فعليه قيمةُ المِثلِ؛ لأنَّه لمَّا تَعذَّرَ المِثلُ أشبَهَ ما لا مِثلَ له بالكُليةِ.
وقيلَ: قيمةُ المَغصوبِ.
ولو وُجدَ المِثلُ بعدَ أخذِ القِيمةِ فليسَ لأَحدِهما رَدُّها وطَلبُه في الأَصحِّ.
وللمَغصوبِ منه أنْ يَصبِرَ حتى يُوجدَ المِثلُ، ولا يُكلَّفُ أخْذَ القيمةِ؛ لأنَّها لم تَتعيَّنْ بخِلافِ غيرِها من الدُّيونِ إذا دفَعَها وهي في ذِمتِه وامتنَعَ صاحِبُ الحَقِّ من قَبضِها حيثُ يُجبَرُ.
والأصَحُّ أنَّ المُعتبَرَ أَقصى قِيَمِ المِثلِ من وَقتِ الغَصبِ إلى تَعذُّرِ المِثلِ؛ لأنَّ وُجودَ المِثلِ كبَقاءِ عَينِ المَغصوبِ؛ لأنَّه كانَ مَأمورًا برَدِّه كما كانَ مَأمورًا برَدِّ المَغصوبِ، فإذا لم يَفعَلْ غرِمَ أَقصى قيمةِ المُدَّتَينِ، كما أنَّ المُتقوَّماتِ تُضمَنُ بالأَقصى لهذا المَعنى.
стр. 8093
ومُقابِلُ الأصَحِّ أحَدَ عَشرَ وَجهًا، قيلَ: تُضمَنُ قيمةُ يَومِ المُطالَبةِ، وقيلَ: قيمةُ يَومِ التَّلفِ، وقيلَ: قيمةُ يَومِ فَقدِ المِثلِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إنْ كانَ المَغصوبُ من المِثليَّاتِ فتلِفَ وجَبَ عليه رَدُّ مِثلِه، فإنْ فُقدَ المِثلُ في البَلدِ أو حَولَه لعُدمٍ أو بُعدٍ أو غَلاءٍ فعلى الغاصِبِ قيمَتُه؛ لأنَّها أحَدُ البَدلَينِ، فوجَبَ عندَ تَعذُّرِ أصلِه كالآخَرِ، وتَكونُ يَومَ انقِطاعِ المِثلِ؛ لأنَّ القيمةَ وجَبَت في الذِّمةِ حينَ انقِطاعِ المِثلِ فاعتُبِرت القيمةُ حينَئذٍ كتَلفِ المُتقوَّمِ.
وقالَ القاضِي: تَجبُ قيمَتُه يَومَ انقِطاعِ البَدلِ؛ لأنَّ الواجِبَ المِثلُ إلى حينِ قَبضِ البَدلِ؛ بدَليلِ أنَّه لو وُجدَ المِثلُ بعدَ فَقدِه لكانَ الواجِبُ دونَ القيمةِ.
ولو قدِرَ الغاصِبُ على المِثلِ بعدَ تَعذُّرِه قبلَ أَداءِ القيمةِ لا بعدَه لزِمَه المِثلُ؛ لأنَّه الأَصلُ، وقد قدِرَ عليه قبلَ أَداءِ البَدلِ، حتى ولو كانَ ذلك بعدَ الحُكمِ عليه بأَداءِ القيمةِ، كالمَأمورِ بالتَّيممِ عندَ ضِيقِ الوَقتِ وفَقدِ الماءِ إذا قدِرَ عليه قبلَ انقِضاءِ الصَّلاةِ.
وإنْ قدِرَ على المِثلِ بعدَ أَداءِ القيمةِ لم يَردَّ القيمةَ ليأخُذَ المِثلَ؛ لأنَّه استقَرَّ البَدلُ، كمَن وجَدَ الماءَ بعدَ الصَّلاةِ (٢).
стр. 8094
ب- أنْ تَكونَ العَينُ المَغصوبةُ التالِفةُ من غيرِ ذَواتِ الأَمثالِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ -إلا العَنبريَّ- على أنَّ العَينَ المَغصوبةَ إذا كانَت من غيرِ ذَواتِ الأَمثالِ، وجَبَ على الغاصِبِ قيمَتُها، قالَ العِمرانِيُّ ﵀: وهو قَولُ جَميعِ العُلماءِ (١)؛ لمَا رُويَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ أعتَقَ شِركًا له في عَبدٍ، فكانَ له مالٌ يَبلغُ ثَمنَ العَبدِ، قُوِّم العَبدُ قيمةَ عَدلٍ، فأعطَى شُركاءَه حِصَصَهم، وعتَقَ عليه، وإلا فقد عتَقَ منه ما عتَقَ» (٢)، فأمَرَ بتَقويمِ نَصيبِ الشَّريكِ وهو مُتلَفٌ بالعِتقِ، ولم يأمُرْه بمِثلِه من عَبدٍ.
ولأنَّ الأَشياءَ التي لا تَتساوَى أَجزاؤُها، وتَتبايَنُ صِفاتُها، لا يُمكنُ إِيجابُ المِثلِ فيها لاختِلافِها، فكانَت القيمةُ فيها أوْلى.
وأمَّا القَصعةُ -الآتي ذِكرُها- فمَحمولةٌ على أنَّه جوَّزَ ذلك بالتَّراضي، وقد عُلِمَ أنَّها تَرضى بذلك.
وحُكيَ عن عُبيدِ اللهِ بنِ الحَسنِ العَنبَريِّ: أنَّه قالَ: يَجبُ عليه مِثلُه من طَريقِ الضَّرورةِ؛ لمَا رُويَ عَنْ جَسرةَ بِنتِ دِجَاجةَ، قالَت: قالَت عائِشةُ: «مَا رَأيتُ صَانِعًا طَعامًا مِثلَ صَفيةَ، صنَعَت لرَسولِ اللهِ ﷺ طَعامًا فبعَثَت به فأخَذَني أَفكَلٌ فكسَرتُ الإِناءَ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما كَفارةُ ما صنَعتُ؟ قالَ: إِناءٌ مِثلُ إِناءٍ، وطَعامٌ مِثلُ طَعامٍ» (٣). و (الأَفكَلُ): الرِّعدةُ من الغَيرةِ.
стр. 8095
وعن أنَسٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ عندَ بَعضِ نِسائِه، فأرسَلَت إِحدى أُمهاتِ المُؤمِنينَ مع خادِمٍ بقَصعةٍ فيها طَعامٌ، فضرَبَت بيَدِها فكسَرَت القَصعةَ، فضَمَّها وجعَلَ فيها الطَّعامَ، وقال: كُلوا، وحبَسَ الرَّسولَ والقَصعةَ حتى فرَغوا، فدفَعَ القَصعةَ الصَّحيحةَ وحبَسَ المَكسورةَ» (١).
و «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ استَسلَفَ بَعيرًا ورَدَّ مِثلَه» (٢).
متى تُعتبَرُ القيمةُ فيما هو مُتقوَّمٌ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في المَغصوبِ المُقوَّمِ إذا تلِفَ، هل تُعتبَرُ قيمَتُه يَومَ غَصبِه أو وَقتَ تَلفِه أو أَعلى قيمةٍ له من يَومِ الغَصبِ إلى يَومِ التَّلفِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ وأَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجبُ عليه قيمَتُه يَومَ غَصبِه.
قالَ الحَنفيةُ: تُعتبَرُ قيمةُ المَغصوبِ يَومَ الغَصبِ، ولا يُنظَرُ إلى زِيادةِ قيمةِ المَغصوبِ بعدَ القَبضِ في السِّعرِ ولا إلى نُقصانِها؛ لأنَّ الغَصبَ هو سَببُ الضَّمانِ، وبه يَدخلُ في ضَمانِه، ولا فَصلَ في ذلك بينَ ما يَكونُ الهَلاكُ بفِعلِه أو بفِعلِ غيرِه (٣).
стр. 8096
وقالَ المالِكيةُ في المَشهورِ: مَنْ غصَبَ شَيئًا من المُقوَّماتِ كحَيوانٍ فأتلَفَه فإنَّه يُغرَّمُ قيمَتَه يَومَ غَصبِه.
وقالَ أشهَبُ: تَلزمُه أَعلى قيمةٍ مَضَت عليه من غَصبِه إلى يَومِ تَلفِه (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ (وأشهَبُ من المالِكيةِ وأَحمدُ في رِوايةٍ) إلى أنَّ المَغصوبَ المُتقوَّمَ يُضمَنُ بأَقصى قيمةٍ من وَقتِ الغَصبِ إلى وَقتِ التَّلفِ؛ لأنَّه في حالِ زِيادةِ القيمةِ الغاصِبُ مُطالَبٌ بالرَّدِّ، فإذا لم يَردَّ ضمِنَ بَدلَه، بخِلافِ ما لو رَدَّه بعدَ الرُّخصِ، فإنَّه لا يَضمَنُ شَيئًا؛ لأنَّه مع بَقاءِ العَينِ يُمكنُ تَوقُّعُ الزِّيادةِ في المُستقبلِ، فلم تُغيَّرْ بالكُليةِ.
ولا فَرقَ في اختِلافِ القيمةِ بينَ تَغيُّرِ السِّعرِ أو تَغيُّرِ المَغصوبِ في نَفسِه، ولا عِبرةَ بالزِّيادةِ بعدَ التَّلفِ.
وفي الإِتلافِ للمُتقوَّمِ بلا غَصبٍ يُضمَنُ بقيمةِ يَومِ التَّلفِ؛ لأنَّه لم يَدخُلْ في ضَمانِه قبلَ ذلك، وما بعدَ التَّلفِ فلا وُجودَ له، وهو مَعدومٌ؛ لأنَّ ضَمانَ الزائِدِ في المَغصوبِ إنَّما كانَ لتَعدِّيه، وهنا لا عُدوانَ، وتُعتبَرُ
стр. 8097
القيمةُ في مَوضعِ الإِتلافِ إلا إذا كانَ لا يَصلُحُ -كالمَفازةِ- فيُعتبَرُ بأقرَبِ البِلادِ (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَغصوبَ المُتقوَّمَ إذا تلِفَ فإنَّه تُضمَنُ قيمَتُه يَومَ تَلفِه في بَلدِ غَصبِه؛ لأنَّ ذلك زَمنُ الضَّمانِ ومَوضِعُه.
وفي قَولٍ مُخرَّجٍ عندَهم -وهي رِوايةٌ مَنسوبةٌ للإِمامِ أَحمدَ أنْ يَضمنَه بقيمَتِه يَومَ غَصبِه؛ لأنَّه الوَقتُ الذي أَزالَ يَدَه فيه فلزِمَته القيمةُ كما لو أتلَفَه.
وعن الإِمامِ أَحمدَ رِوايةٌ أنَّه يَضمَنُ بأكثَرِ القيمَتينِ من وَقتِ غَصبِه إلى وَقتِ تَلفِه.
قالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: وعنه أنَّه يَضمَنُ المَغصوبَ بمِثلِه مُطلقًا، وقاله ابنُ أبي موسى واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ، واحتَجَّ بعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١]، ولخَبَرِ القَصعةِ، وعنه مع قيمَتِه، وعنه غيرُ حَيوانٍ بمِثلِه، ذكَرَه جَماعةٌ، وفي «الواضِح» و «المُوجَز» فيَنقُصُ عنه عَشرةَ دَراهمَ (٢).
стр. 8098
ضابِطُ المِثليِّ والمُتقوَّمِ:
قالَ الحَنفيةُ: المِثليُّ هو كلُّ مَكيلٍ أو مَوزونٍ أو عَدديٍّ مُتقارِبٍ، والقيمَيُّ هو ما ليس بمَكيلٍ ولا مَوزونٍ كالحَيوانِ، والعَدديُّ هو المُتفاوِتُ والمَذروعُ (١).
وقالَ المالِكيةُ: المِثليُّ: هو كلُّ مَكيلٍ أو مَوزونٍ أو مَعدودٍ لا تَختلِفُ أَعيانُ عَددِه كالجَوزِ والبَيضِ.
وما عَداهم هو مُتقوَّمٌ كالثِّيابِ وسائِرِ العُروضِ والرَّقيقِ والحَيوانِ (٢).
والصَّحيحُ عندَ الشافِعيةِ: أنَّ المِثليَّ ما حصَرَه كَيلٌ أو وَزنٌ، وجازَ السَّلمُ فيه كماءٍ وتُرابٍ ونُحاسٍ وتِبْرٍ ومِسكٍ وكافُورٍ وقُطنٍ وعِنبٍ ودَقيقٍ.
وقالَ القاضِي أَبو الطَّيبِ: وما له مِثلٌ هو ما جمَعَ ثَلاثةَ أَوصافٍ:
أَحدُها: أنْ يَكونَ مَكيلًا، أو مَوزونًا.
الثانِي: أنْ يَكونَ ممَّا يُضبَطُ بالصِّفةِ.
الثالِثُ: أنْ يَجوزَ بَيعُ بعضِه ببعضٍ، وذلك كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ والحُبوبِ والأَدهانِ والتَّمرِ والزَّبيبِ والمِلحِ.
стр. 8099
قالَ الشَّيخُ أَبو حامِدٍ: والقُطنُ من ذَواتِ الأَمثالِ؛ لأنَّ أَجزاءَه تَتساوَى ولا تَختلِفُ في العادةِ.
قالَ الصَّيمَريُّ: والغَزلُ والرَّصاصُ والنُّحاسُ والحَديدُ من ذَواتِ الأَمثالِ، واللَّبنُ من ذَواتِ الأَمثالِ، وما طُبخَ وتَعقَّدَت أَجزاؤُه لا مِثلَ له؛ لأنَّه لا يَجوزُ بَيعُ بعضِه ببَعضٍ، وكذلك الجَواهرُ واللُّؤلؤُ لا مِثلَ لها؛ لأنَّها لا تُضبَطُ بالصِّفةِ، والحَيوانُ والثِّيابُ ليسَت من ذَواتِ الأَمثالِ؛ لأنَّها ليسَت بمَكيلةٍ ولا مَوزونةٍ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: المِثليُّ هو كلُّ مَكيلٍ أو مَوزونٍ لا صِناعةَ فيه مُباحةً يَصحُّ السَّلمُ فيه بمِثلِه، وما عَداه فقِيَميٌّ.
قالَ الرُّحَيبانِيُّ ﵀: ضُمِنَ (مَغصوبٌ) (مِثليٌّ) أي: ضمِنَه الغاصِبُ أو مَنْ تلِفَ بيَدِه (وهو) -أي: المِثليُّ- (الفُلوسُ وكلُّ مَكيلٍ) من حَبٍّ وثَمرٍ ومائِعٍ وغيرِها (أو مَوزونٍ) كحَديدٍ ونُحاسٍ ورَصاصٍ وذَهبٍ وفِضةٍ وحَريرٍ وكَتَّانٍ وقُطنٍ ونَحوِها (لا صِناعةَ فيه) -أي: المَكيلِ- بخِلافِ نَحوِ هَريسةٍ، أو المَوزونِ بخِلافِ حُليٍّ وأَسطالٍ ونَحوِها (مُباحةً) خرَجَ أَواني الذَّهبِ والفِضةِ، فتُضمنُ بمِثلِها لتَحريمِ صِناعتِها ويَأتي، (يَصحُّ السَّلمُ فيه) بخِلافِ نَحوِ جَوهرٍ ولُؤلُؤٍ (بمِثلِه) -مُتعلِّقُ «يَضمَنُ» - نَصًّا؛ لأنَّ المِثلَ أقرَبُ إليه من القيمةِ لمُماثلَتهِ له من طَريقِ الصُّورةِ والمُشاهدةِ، والمُعيَّنُ
стр. 8100
بخِلافِ القيمةِ، فإنَّها مُماثِلةٌ من طَريقِ الظَّنِّ والاجتِهادِ، وسَواءٌ تَماثَلَت أَجزاءُ المِثليِّ أو تَفاوَتَت كالأَثمانِ، ولو كانت دَراهمَ مَغشوشةً رائِجةً، وكالحُبوبِ والأَدهانِ ونَحوِها (١).
غَصبُ العَقارِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في العَقارِ هل يُتصوَّرُ غَصبُه أو لا؟ وعليه إذا غصَبَه إِنسانٌ وتلِفَ تَحتَ يَدَيه بلا تَعدٍّ ولا تَفريطٍ، هل يَضمنُه أو لا؟
فذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ ومُحمدٌ من الحَنفيةِ إلى أنَّه يَصحُّ غَصبُ العَقارِ، وهو مَضمونٌ في يَدِه إذا تلِفَ بتَعدٍّ منه أو بغيرِ تَعدٍّ ضمِنَه.
لمَا رُويَ عن سَعيدِ بنِ زَيدٍ ﵁ قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ ظلَمَ من الأرضِ شَيئًا طُوِّقه من سَبعِ أَرضينَ» (٢).
وفي رِوايةٍ: «مَنْ أخَذَ شِبرًا من الأرضِ ظُلمًا، طُوِّقه إلى سَبعِ أَرضينَ» (٣).
وعن مُحمدِ بنِ إِبراهيمَ: أنَّ أبا سَلمةَ حدَّثَه: أنَّه كانَت بينَه وبينَ أُناسٍ خُصومةٌ، فذُكرَ لعائِشةَ ﵂، فقالَت: يا أَبا سَلمةَ، اجتنِبِ الأرضَ، فإنَّ
стр. 8101
النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ ظلَمَ قيدَ شِبرٍ من الأرضِ طُوِّقه من سَبعِ أَرضينَ» (١). فأخبَرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّه يُغصَبُ ويُظلَمُ فيه.
وعن الأشعَثِ بنِ قَيسٍ أنَّ رَجلًا من كِندةَ ورَجلًا من حَضرَموتَ اختَصَما إلى رَسولِ اللِه ﷺ في أرضٍ باليَمنِ، فقالَ الحَضرَميُّ: يا رَسولَ اللهِ، أرضي اغتصَبَها هذا وأَبوه. فقالَ الكِنديُّ: يا رَسولَ اللهِ، أرضي ورِثتُها من أَبي. فقالَ الحَضرَميُّ: يا رَسولَ اللهِ، استَحلِفْه أنَّه ما يَعلَمُ أنَّها أرضي وأرضُ والِدي اغتَصَبها أَبوه. فتَهيَّأ الكِنديُّ لليَمينِ، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّه لا يَقتطِعُ عبدٌ أو رَجلٌ بيَمينِه مالًا، إلا لَقيَ اللهَ يَومَ يَلقاه وهو أجذَمُ»، فقالَ الكِنديُّ: هي أرضُه وأرضُ والِدِه (٢).
ولأنَّ كلَّ مَعنًى يُضمَنُ به ما يُنقلُ ويُحوَّلُ من الأَعيانِ فإنَّه يُضمَنُ به ما لا يُنقلُ منها ولا يُحوَّلُ، كالقَبضِ في البَيعِ، ولأنَّ العَقارَ والنَّخلَ والشَّجرَ أَعيانٌ تُضمنُ بالقَبضِ في عَقدٍ، فوجَبَ أنْ تُضمَنَ بالغَصبِ، ولأنَّه سَببٌ للضَّمانِ فوجَبَ أنْ يُضمنَ به العَقارُ كالإِتلافِ، ولأنَّ حَقَّ الغَصبِ فيما يُنقَلُ ويُحوَّلُ مَوجودٌ في العَقارِ فتَعلَّقَ به الضَّمانُ.
ولأنَّه يُمكنُ الاستِيلاءُ عليه على وَجهٍ يَحولُ بينَه وبينَ مالِكِه، مِثلَ أنْ يَسكنَ الدارَ ويَمنعَ مالِكَها من دُخولِها، فأشبَهَ ما لو أخَذَ الدابةَ والمَتاعَ.
стр. 8102
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا ما تلِفَ من الأرضِ بفِعلِه أو بسَببِ فِعلِه كهَدمِ حِيطانِها وتَغريقِها وكَشطِ تُرابِها وإِلقاءِ الحِجارةِ فيها أو نَقصٍ يَحصُلُ بغَرسِه أو بِنائِه فيَضمَنُه بغيرِ اختِلافٍ في المَذهبِ ولا بينَ العُلماءِ؛ لأنَّ هذا إِتلافٌ، والعَقارُ يُضمَنُ بالإِتلافِ من غيرِ اختِلافٍ، ولا يَحصُلُ الغَصبُ من غيرِ استِيلاءٍ (١).
وذهَبَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ وأَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُتصوَّرُ غَصبُ العَقارِ؛ لأنَّ الغَصبَ بإِزالةِ يَدِ المالِكِ بفِعلٍ في العَينِ، وهذا لا يُتصوَّرُ في العَقارِ؛ لأنَّ يدَ المالِكِ لا تَزولُ إلا بالنَّقلِ والتَّحويلِ، وذا لا يُتصوَّرُ في العَقارِ، وإنَّما يُتصوَّرُ فيه مَنعُ المالِكِ عنه، ومَنعُ المالِكِ تَصرفٌ فيه لا في العَقارِ، فصارَ كما إذا بَعَّدَ المالِكَ عن مَواشيه حتى تلِفَت بذلك.
ولأنَّ العَقارَ في المَكانِ الذي كانَت يدُ صاحِبِه ثابِتةً عليه فلا يُضمَنُ، والغَصبُ إنَّما يَتحقَّقُ في النَّقلِ والتَّحويلِ.
وعليه إذا تلِفَ تحتَ يَدِه بلا تَعدٍّ ولا تَفريطٍ فلا ضَمانَ عليه، ولا
стр. 8103
يَضمنُه إلا أنْ يَنهدمَ بفِعلِه، أمَّا إنِ انهَدَم البِناءُ بآفَةٍ سَماويةٍ أو بذَهابِ تُرابِه أو بغَلبةِ السَّيلِ على الأرضِ فلا ضَمانَ عليه.
وإنْ تلِفَ العَقارُ بفِعلِه أو نقَصَ من سُكناه في الدارِ وزرَعَه في الأرضِ ضمِنَ اتِّفاقًا؛ لأنَّه تلِفَ بفِعلِه، والعَقارُ يُضمَنُ بالإِتلافِ (١).
زَوائدُ المَغصوبِ:
المَغصوبُ إذا زادَ عندَ الغاصِبِ إمَّا أنْ يَزيدَ زيادةً مُتَّصلةً كالسِّمَنِ وتَعليمِ صَنعةٍ وإمَّا أنْ يَزيدَ زيادةً مُنفصِلةً كالثَّمرِ والوَلدِ.
أولاً: ضَمانُ الزيادةِ المُتصِلةِ:
المَغصوبُ إذا زادَ زيادةً مُتَّصلةً كالسِّمَنِ أو تَعليمِ صَنعةٍ أو ما أشبَهَ ذلك فإنَّ للمالِكِ أخذَه ولا شَيءَ للغاصِبِ، ولا أُجرةَ له لمَا عمِلَ من ذلك؛ لأنَّ المالِكَ لم يَأذَنْ للغاصِبِ فيه.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما إذا زادَ هذه الزِّيادةَ ثم تلِفَت، بأنْ حصَلَ للحَيوانِ هُزالٌ أو عادَ لمَا عليه قبلَ السِّمَنِ، هل يَضمنُ هذه الزِّيادةَ التي فاتَت أو لا؟
ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ زَوائدَ المَغصوبِ المُتَّصلةَ مَضمونةٌ على الغاصِبِ ضَمانَ الغَصبِ؛ لأنَّه مالُ المَغصوبِ منه حصَلَ في يَدِه
стр. 8104
بالغَصبِ فيَضمَنُه بالتَّلفِ كالأصلِ؛ لأنَّها زيادةٌ في العَينِ المَغصوبةِ فضمِنَها الغاصِبُ، كما لو طالَبَ برَدِّها فلم يَرُدَّها، ولأنَّ استِدامةَ الغَصبِ كابتِدائِه، والغاصِبُ في كلِّ حالٍ مَأمورٌ برَدِّ العَينِ المَغصوبةِ، فإذا لم يَردَّها كانَ بمَنزِلةِ المُبتدئِ للغَصبِ، فعلى هذا يَردُّ الأصلَ وأَرشَ ما نقَصَ عندَه.
فلو غصَبَ دابةً وهي تُساوي مِئةً، فسَمِنت في يَدِه، وبلَغَت قيمَتُها ألفًا ثم هزَلَت، وعادَت إلى مِئةٍ، لزِمَه رَدُّها، ويَردُّ معها تِسعَمِئةٍ، لأَجلِ نَقصِ السِّمَنِ.
وأمَّا إنْ غصَبَها وهي تُساوي مِئةً ثم زادَ السِّعرُ فأصبَحَت تُساوي ألفًا، ثم نقَصَ السِّعرُ فصارَت تُساوي مِئةً فلا يَلزمُه شَيءٌ إلا أنْ تَتلَفَ أو تَموتَ فيَلزمَه أَقصى القيمةِ عندَ الشافِعيةِ كما تقدَّمَ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ زَوائدَ المَغصوبِ المُتصلةَ كالسِّمَنِ والجَمالِ وتَعليمِ صَنعةٍ غيرِ مَضمونةٍ على الغاصِبِ، وهي أَمانةٌ في يَدِه إنْ تلِفَت من غيرِ تَعدٍّ ولا تَفريطٍ فلا ضَمانَ عليه، إلا أنْ يُطالَبَ برَدِّها فيَمتنِعَ من رَدِّها.
قالَ الحَنفيةُ: زَوائدُ الغَصبِ ومَنافِعُه المُتَّصلةُ كالسِّمَنِ والجَمالِ أَمانةٌ في يَدِ الغاصِبِ، إنْ هلَكَت فلا ضَمانَ عليه إلا إذا تَعدَّى في الزِّيادةِ بأنْ أتلَفَها
стр. 8105
أو أكَلَها أو باعَها، أو أنْ يَطلُبَها رَبُّها فيَمنعَه إياها فيَضمَنَ، والدَّليلُ على أنَّها غيرُ مَضمونةٍ أنَّ الغَصبَ إنَّما هو إِثباتُ اليَدِ على مالِ الغيرِ على وَجهٍ يُزيلُ يَدَ المالِكِ على ما ذَكَرناه، ويَدُ المالِكِ ما كانَت ثابِتةً على هذه الزِّيادةِ حتى يُزيلَها الغاصِبُ.
فإنِ استَهلَكه بعدَ الزِّيادةِ نَحوَ أنْ يَبيعَه ويُسلِّمَه إلى المُشتَري فهلَكَ في يَدِ المُشتَري فالمَغصوبُ منه بالخيارِ، إنْ شاءَ ضمَّنَ الغاصِبَ قيمَتَه وَقتَ الغَصبِ وجازَ البَيعُ والثَّمنُ للغاصِبِ، وإنْ شاءَ ضمَّنَ المُشتَريَ قيمَتَه وَقتَ القَبضِ وبطَلَ البَيعُ، وله أنْ يَرجعَ على الغاصِبِ بالثَّمنِ، وليس له أنْ يُضمِّنَ الغاصِبَ وَقتَ التَّسليمِ في قَولِ أَبي حَنيفةَ.
هذا لو غصَبَ شاةً فسمِنَت ثم ذبَحَها ضمِنَ قيمَتَها يَومَ الغَصبِ.
وإنْ غصَبَ عَبدًا أو أَمةً قيمَتُها ألفٌ مَثلًا فازدادَت عندَه زِيادةً مُتَّصلةً كالسِّمَنِ والجَمالِ حتى صارَت قيمَتُها ألفَينِ فقتَلَها هو أو غيرُه خَطًا فالمالِكُ مُخيَّرٌ، إنْ شاءَ ضمَّنَ الغاصِبَ ألفًا قيمَتَه يَومَ الغَصبِ حالَّةً في مالِه، وإنْ شاءَ ضمَّنَ عاقِلةَ القاتِلِ ألفَينِ قيمَتَه يَومَ القَتلِ في ثَلاثِ سِنينَ (١).
وقالَ المالِكيةُ: زَوائدُ المَغصوبِ المُتَّصلةُ كالسِّمَنِ أو تَعليمِ صَنعةٍ أو زيادةِ تَسوُّقٍ أو ما أشبَهَ ذلك غيرُ مَضمونةٍ على الغاصِبِ؛ لأنَّه ضامِنٌ لها
стр. 8106
يَومَ الغَصبِ، وما طرَأَ على أَبعاضِها أو ثَمنِها من نُقصانٍ أو زِيادةٍ فلا حُكمَ له؛ لأنَّه طارِئٌ على عَينٍ مَضمونةٍ، ولأنَّ رُجوعَ العَينِ المَغصوبةِ إلى مالِكِها على الصِّفةِ التي غُصِبت يُوجبُ القَبولَ فوجَبَ سُقوطُ الضَّمانِ، أصلُه ما لم تَزِدْ عندَه، واعتِبارًا بزِيادةِ الأَسواقِ (١).
ثانيًا: زَوائِدُ المَغصوبِ المُنفصِلةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ زَوائدِ المَغصوبِ المُنفصِلةِ كالوَلدِ والثَّمرةِ والبَيضِ وما أشبَهَ ذلك، هل هي أَمانةٌ في يَدِ الغاصِبِ أو مَضمونةٌ عليه كالأَصلِ؟
على الخِلافِ السابِقِ نَفسِه في الزَّوائدِ المُتَّصلةِ.
فالحَنفيةُ والمالِكيةُ يَرَوْن أنَّها أَمانةٌ في يَدِ الغاصِبِ لا تُضمَنُ إلا بالتَّعدِّي أو التَّفريطِ أو بالمَنعِ إذا طلَبَها المالِكُ.
قالَ الحَنفيةُ: زَوائدُ الغَصبِ ومَنافعُه المُنفصِلةُ كوَلدِ المَغصوبةِ وثَمرةِ البُستانِ المَغصوبِ أَمانةٌ في يَدِ الغاصِبِ، إنْ هلَكَت فلا ضَمانَ عليه إلا إذا تَعدَّى في الزِّيادةِ، بأنْ أتلَفَها أو أكَلَها أو باعَها، أو أنْ يَطلُبَها رَبُّها فيَمنعَه إياها فيَضمنَ، والدَّليلُ على أنَّها غيرُ مَضمونةٍ أنَّ الغَصبَ إنَّما هو إِثباتُ اليَدِ على مالِ الغيرِ على وَجهٍ يُزيلُ يَدَ المالِكِ على ما ذَكَرناه، ويَدُ المالِكِ ما كانَت ثابِتةً على هذه الزِّيادةِ حتى يُزيلَها الغاصِبُ.
стр. 8107
ولو اعتُبِرت ثابِتةً على الوَلدِ لا يُزيلُها؛ إذ الظاهِرُ عَدمُ المَنعِ، حتى لو منَعَ الوَلدَ بعدَ طَلبِه يَضمنُه، وكذا إذا تَعدَّى فيه: وذلك بأنْ أتلَفَه أو ذبَحَه وأكَلَه أو باعَه وسلَّمَه كما تقدَّمَ (١).
قالَ المالِكيةُ: وَلدُ المَغصوبةِ الحادِثُ بعدَ الغَصبِ غيرُ مَضمونٍ على الغاصِبِ؛ لأنَّ الغَصبَ لم يَتناوَلِ الوَلدَ الحادِثَ فأشبَهَ وَلدَ المُودَعةِ وأشبَهَ العاريةَ، ولأنَّه نَماءٌ حادِثٌ كالسِّمَنِ.
وكذا الحَملُ غيرُ مَضمونٍ؛ لأنَّه نَماءٌ من جِسمِها بحالِ الغَصبِ فلم يُضمَنْ على الغاصِبِ كالسِّمَنِ (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الزِّيادةَ المُنفصِلةَ كالوَلدِ والثَّمرةِ والبَيضِ مَضمونةٌ كالأصلِ، سَواءٌ تلِفَت بتَعَدٍّ منه أو بتَفريطٍ أو بغيرِ تَعدٍّ أو تَفريطٍ وسَواءٌ طلَبَها منه فمنَعَها أو لم يَطلُبْها فهي مَضمونةٌ على أيِّ حالٍ.
قالَ الشافِعيةُ: زَوائِدُ المَغصوبِ المُنفصِلةُ كالوَلدِ والثَّمرةِ والبَيضِ، أو المُتَّصلةُ كالسِّمَنِ وتَعلُّمِ الصَّنعةِ مَضمونةٌ على الغاصِبِ كالأصلِ، سَواءٌ طالَبَه المالِكُ بالرَّدِّ أو لم يُطالِبْه؛ لأنَّ وَلدَ المَغصوبةِ في يَدِ الغاصِبِ كالأُمِّ،
стр. 8108
بدَليلِ أنَّه لو ادَّعاه لقُبِلَ قَولُه لمَكانِ يَدِه، فوجَبَ أنْ يَكونَ ضامِنًا له باليَدِ كأُمِّه، ولأنَّ ضَمانَ الغَصبِ أَقوى من ضَمانِ الصَّيدِ، ثم ثبَتَ أنَّ وَلدَ الصَّيدِ مَضمونٌ على المُحرِمِ فوَلدُ الغَصبِ أوْلى أنْ يَكونَ مَضمونًا، ويَتحرَّرُ من اعتِلالِه قياسانِ: أَحدُهما: أنَّ ما ضُمِنَت به الأُمُّ من التَّعدِّي ضُمنَ به الوَلدُ كالصَّيدِ على المُحرِمِ، والثانِي: أنَّ ما ضُمنَ به وَلدُ الصَّيدِ ضُمنَ به وَلدُ المَغصوبةِ كما لو مُنعَ.
ولأنَّه مُتَّصلٌ بالمَغصوبِ صَحَّ أنْ يَكونَ مَضمونًا كالسِّمَنِ، ولأنَّ ما ضُمنَ بالجِنايةِ ضُمنَ بالغَصبِ كالمُنفصِلِ، ولأنَّ ما صَحَّ أنْ يُضمنَ بالغَصبِ في خارِجِ وِعائِه، صَحَّ أنْ يُضمَنَ به في وِعائِه، كالدَّراهمِ في كِيسٍ والحُليِّ في حُقٍّ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: زَوائِدُ الغَصبِ في يَدِ الغاصِبِ مَضمونةٌ ضَمانَ الغَصبِ مِثلَ السِّمَنِ وتَعلُّمِ الصِّناعةِ وغيرِها، وثَمرةِ الشَّجرةِ ووَلدِ الحَيوانِ مَتى تلِفَ شَيءٌ منه في يَدِ الغاصِبِ ضمِنَه، سَواءٌ تلِفَ مُنفرِدًا أو تلِفَ مع أَصلِه؛ لأنَّه مالُ المَغصوبِ منه حصَلَ في يَدِه بالغَصبِ فيَضمَنُه بالتَّلفِ كالأصلِ (٢).
стр. 8109
إذا تغيَّرَ المَغصوبُ حتى زالَ اسمُه عنه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ العَينِ المَغصوبةِ إذا تغيَّرَت بفِعلٍ حتى زالَ اسمُها عنها، وأعظَمُ مَنافعِها، كمَن غصَبَ شاةً فطبَخَها أو شَواها، أو حِنطةً فطَحَنها، أو حَديدًا فاتَّخذَه سَيفًا، أو حِنطةً فزرَعَها، هل يَزولُ مِلكُ صاحِبِها عنها ويَملكُها الغاصِبُ ويَضمنُها أو تَظلُّ على مِلكِ صاحِبِها ويَضمنُها الغاصِبُ مع أَرشِ النَّقصِ أو صاحِبُها مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَأخذَها ولا شَيءَ له وبينَ أنْ يُغرِّمَه قيمَتَها أكثَرَ ما كانَت؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إذا تغيَّرَت العَينُ المَغصوبةُ بفِعلِ الغاصِبِ حتى زالَ اسمُها وأعظَمُ منافِعِها كمَن غصَبَ شاةً فذبَحَها وشَواها أو طبَخَها أو غصَبَ حِنطةً فطحَنَها أو حَديدًا فاتَّخَذه سَيفًا أو صُفرًا عمِلَه آنيةً زالَ مِلكُ المَغصوبِ منه عنها، وملَكَها الغاصِبُ وضمِنَها، وذلك لحُدوثِ صَنعةٍ مُتقوَّمةٍ صَيَّرَت حَقَّ المالِكِ هالِكًا من وَجهٍ، بحيث تَبدَّلَ الاسمُ وفاتَ مُعظمُ المَقاصدِ، وحَقُّ الغاصِبِ في الصَّنعةِ قائِمٌ من كلِّ وَجهٍ؛ فيَترجَّحُ على الأصلِ الذي هو فائِتٌ من وَجهٍ، ولا نَجعَلُه سَببًا للمِلكِ من حيثُ إنَّه مَحظورٌ، بل من حيثُ إنَّه إِحداثُ صَنعةٍ.
والصَّحيحُ أنَّ الغاصِبَ لا يَملكُ المَغصوبَ إلا عندَ أَداءِ الضَّمانِ أو عندَ القَضاءِ بالضَّمانِ أو بتَراضي الخَصمَينِ على الضَّمانِ، فإذا وُجدَ شَيءٌ من هذه الثَّلاثةِ ثبَتَ المِلكُ وإلا فلا، وبعدَ وُجودِ شَيءٍ من هذه الثَّلاثةِ إذا ثبَتَ المِلكُ لا يَحلُّ للغاصِبِ تَناوُلُه إلا أنْ يَجعلَه صاحِبُه في حِلٍّ، ولم يَحلَّ
стр. 8110
له الانتِفاعُ بها حتى يُؤدِّيَ بدَلَها؛ لمَا رُويَ عن عاصِمِ بنِ كُلَيبٍ، عن أَبيه: أنَّ رَجلًا من الأَنصارِ أخبَرَه قالَ: خرَجْنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ في جِنازةٍ، فلمَّا رجَعْنا لقِينا داعيَ امرأةٍ من قُريشٍ فقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ فُلانةَ تَدعوكَ ومَن معك إلى طَعامٍ، فانصرَفَ فانصَرَفنا معه، فجلَسنا مَجالِسَ الغِلمانِ من آبائِهم بينَ أَيديهم، ثم جِيءَ بالطَّعامِ فوضَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَدَه، ووضَعَ القَومُ أَيديَهم، ففطِنَ له القَومُ وهو يَلوكُ لُقمتَه لا يُجيزُها، فرَفَعوا أَيديَهم، وغَفَلوا عنَّا، ثم ذَكَروا فأخَذوا بأيدينا، فجعَلَ الرَّجلُ يَضربُ اللُّقمةَ بيَدِه حتى تَسقُطَ، ثم أَمسَكوا بأَيدينا يَنظُرونَ ما يَصنعُ رَسولُ اللهِ ﷺ ، فلفَظَها فأَلقاها، فقالَ: أجِدُ لَحمَ شاةٍ أُخِذَت بغيرِ إِذنِ أهلِها. فقامَت المَرأةُ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّه كانَ في نَفسي أنْ أجمَعَك ومَن معك على طَعامٍ، فأرسَلتُ إلى البَقيعِ فلم أجِدْ شاةً تُباعُ، وكانَ عامِرُ بنُ أَبي وَقاصٍ ابتاعَ شاةً أمسِ من البَقيعِ، فأرسَلتُ إليه أنِ ابتُغِيَ لي شاةٌ في البَقيعِ فلم تُوجَدْ، فذُكِر لي أنَّكَ اشتَرَيتَ شاةً، فأرسِلْ بها إلَيَّ، فلم يَجِدْه الرَّسولُ، ووَجَد أهلَه، فدَفَعوها إلى رَسولي، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أطعِموها الأُسارَى» (١)، ففي هذا الحَديثِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ بإِطعامِ الشاةِ الأُسارى، وهُم ممَّن تَجوزُ الصَّدقةُ عليهم بمِثلِها، ولم يأمُرْ بحَبسِها للذي ذُبِحت وهي على مِلكِه ليأخُذَها وهي كذلك، وفي ذلك ما قد
стр. 8111
دَلَّ على ارتِفاعِ مِلكِه عنها وعلى وُقوعِ مِلكِ مَنْ أحدَثَ فيها ما أحدَثَ من الذَّبحِ والشَّيِّ عليها، ولأنَّ في إِباحةِ الانتِفاعِ قبلَ أَداءِ البَدلِ فَتْحَ بابِ الغَصبِ؛ فيُحرمُ الانتِفاعُ قبلَ إِرضاءِ المالِكِ بأَداءِ البَدلِ أو إِبرائِه، حَسمًا لمادةِ الفَسادِ.
وقيلَ: إنَّه يَحلُّ له الانتِفاعُ إذا قَضى القاضِي بالضَّمانِ، ثم إذا أدَّى البَدلَ يَحلُّ له الانتِفاعُ؛ لأنَّ حَقَّ المالِكِ صارَ مُستوفًى بالبَدلِ، فجُعلَ مُبادَلةً بالتَّراضي، وكذا إذا أبرَأَه لسُقوطِ حَقِّه، وكذا إذا ضمِنَه الحاكِمُ أو ضمِنَه المالِكُ لوُجودِ الرِّضا منه؛ لأنَّه لا يَقضي الحاكِمُ إلا بطَلبِه.
وأمَّا إذا تَغيَّرت العَينُ المَغصوبةُ بنَفسِها كأنْ صارَ العِنبُ زَبيبًا بنَفسِه أو الرُّطبُ تَمرًا بنَفسِه فإنَّ المالِكَ فيه بالخيارِ: إنْ شاءَ أخَذَه وإنْ شاءَ ترَكَه وضمِنَه.
وكذا إذا لم يَزُلِ اسمُها -كما لو ذبَحَ الشاةَ- فإنَّه يُقالُ: شاةٌ حَيةٌ وشاةٌ مَذبوحةٌ.
وكذا إذا بَقيَت أعظَمُ مَنافعِها، كمَن غصَبَ فِضةً أو ذَهبًا فضرَبَها دَراهمَ أو دَنانيرَ لم يَزُلْ مِلكُ مالِكِها عنها عندَ الإِمامِ أَبي حَنيفةَ، فيَأخُذُهما ولا شَيءَ للغاصِبِ.
وقالَ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ: يَملكُهما الغاصِبُ وعليه مِثلُهما (١).
стр. 8112
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لو غصَبَ حِنطةً فطحَنَها أو شاةً فذبَحَها وشَواها أو حَديدًا فعمِلَه سَكاكينَ وأَوانِيَ أو خَشبةً فنَجَرها بابًا أو تابوتًا أو ثَوبًا فقطَعَه وخاطَه لم يَملِكْها، ولم يَزُلْ مِلكُ صاحِبِها عنها، ويأخُذُه وأَرشَ نَقصِه ولا شَيءَ للغاصِبِ في زِيادتِه؛ لمَا رُويَ عن عُمارةَ بنِ حارِثةَ الضَّمريِّ عن عَمرِو بنِ يَثرِبيِّ الضَّمريِّ، قالَ: «شهِدتُ خُطبةَ النَّبيِّ ﷺ بمِنًى، فكانَ فيما خطَبَ به قالَ: «ولا يَحلُّ لأحدٍ من مالِ أَخيه إلا ما طابَت به نَفسُه». فلمَّا سمِعَه قالَ ذلك، قالَ: يا رَسولَ اللهِ، أرأيتَ لو لقِيتُ غَنمَ ابنِ عَمِّي، فأخَذتُ منه شاةً، فاجتَزَرتُها، فعلَيَّ في ذلك شَيءٌ؟ قالَ: «إنْ لَقيتَها نَعجةً تَحمِلُ شَفرةً وزِنادًا بخَبتِ الجَميشِ فلا تَمسَّها». قيلَ: هي أرضٌ بينَ مَكةَ والجارِ، أرضٌ ليس بها أَنيسٌ» (١). الجَميشُ: صَحراءُ بينَ مَكةَ والحِجازِ قَليلةُ الساكِنِ، يُريدُ أنْ إذا لقِيتَها بهذا المَوضعِ المُهلِكِ ومعها شَفرةٌ وهي السِّكينُ وزِنادٌ، وهي المِقدَحةُ، فلا تَتعرَّضْ لها (٢).
ولأنَّ عَينَ مالِ المَغصوبِ منه قائِمةٌ فلزِمَ رَدُّها إليه، كما لو ذبَحَ الشاةَ ولم يَشوِها، ولأنَّه لو فعَلَه بمِلكِه لم يَزُلْ عنه، فإذا فعَلَه بمِلكِ غيرِه لم يَزُلْ
стр. 8113
عنه، كما لو ذبَحَ الشاةَ أو ضرَبَ النَّقرةَ دَراهمَ، ولأنَّه لا يُزيلُ المِلكَ إذا كانَ بغيرِ فِعلِ آدَميٍّ فلم يُزِلْه إذا فعَلَه آدَميٌّ كالذي ذَكَرناه.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإذا ثبَتَ هذا فإنَّه لا شَيءَ للغاصِبِ بعَملِه، سَواءٌ زادَت العَينُ أو لم تَزِدْ، وهذا مَذهبُ الشافِعيِّ، وذَكَر أبو الخَطابِ أنَّ الغاصِبَ يُشارِكُ المالِكَ بالزِّيادةِ؛ لأنَّها حصَلَت بمَنافِعِه، ومَنافِعُه أُجريَت مُجرى الأَعيانِ، فأشبَهَ ما لو غصَبَ ثَوبًا فصبَغَه، والمَذهبُ الأولُ، ذَكَره أبو بَكرٍ والقاضِي؛ لأنَّ الغاصِبَ عمِلَ في مِلكِ غيرِه بغيرِ إِذِنه فلم يَستحِقَّ لذلك عِوضًا، كما لو غَلى زَيتًا فزادَت قيمَتُه، أو بَنى حائِطًا لغيرِه أو زرَعَ حِنطةَ إِنسانٍ في أرضِه وكسائِرِ عَملِ الغاصِبِ، فأمَّا صَبغُ الثَّوبِ فإنَّ الصَّبغَ عَينُ مالٍ لا يَزولُ مِلكُ صاحِبِه عنه بجَعلِه في مِلكِ غيرِه، وهذا حُجةٌ عليه؛ لأنَّه إذا لم يَزُلْ مِلكُه عن صَبغِه بجَعلِه في مِلكِ غيرِه وجَعلِه كالصِّفةِ فلَأنْ يَكونَ لا يَزولُ مِلكُ غيرِه بعَملِه فيه أوْلى، فإنِ احتَجَّ بأنَّ مَنْ زرَعَ في أرضِ غيرِه يُردُّ عليه نَفقتُه، قُلنا: الزَّرعُ مِلكٌ للغاصِبِ؛ لأنَّه عَينُ مالِه، ونَفقتُه عليه تَزدادُ به قيمَتُه، فإذا أخَذَه مالِكُ الأرضِ احتسَبَ له بما أنفَقَ على مِلكِه، وفي مَسألتِنا عَملُه في مِلكِ المَغصوبِ منه بغيرِ إِذنِه فكانَ مُلغًى على أنَّنا نَقولُ: إنَّما تَجبُ قيمةُ الزَّرعِ على إحدى الرِّوايتَينِ (١).
وفي قَولٍ للشافِعيةِ أنَّ المَغصوبَ منه له أنْ يَتركَ الدَّقيقَ للغاصِبِ ويُطالبَه بمِثلِ الحِنطةِ؛ لأنَّها أقرَبُ إلى حَقِّه من الدَّقيقِ.
стр. 8114
والصَّحيحُ القَولُ الأولُ، أنَّ مِلكَ المَغصوبِ منه لا يَزولُ عنه، ويَلزمُ الغاصِبَ أنْ يَردَّه ناقِصًا، وما نقَصَ من قيمَتِه؛ لأنَّ عَينَ مالِه باقيةٌ فلا يَملِكُ المُطالَبةَ بغيرِها، كالشاةِ إذا ذبَحَها (١).
وقالَ المالِكيةُ: مَنْ غصَبَ مِنْ شَخصٍ نَقرةً -وهي القِطعةُ المُذابةُ من الذَّهبِ أو الفِضةِ- فسبَكَها أو صاغَها حُليًّا أو دَراهِمَ فإنَّه يُقضَى لصاحِبِها بمِثلِها صِفةً ووَزنًا، ولا يُقضَى لصاحِبِها بعَينِها حينَئذٍ؛ لدُخولِ الصَّنعةِ فيها؛ لأنَّ القاعِدةَ أنَّ المِثليَّ إذا دخَلَته صَنعةٌ فإنَّه يُقضَى فيه بالقيمةِ ويَلحقُ بالمُقوَّماتِ، وكالصياغةِ النُّحاسُ يُضربُ فُلوسًا، فإنَّه يَلزمُه، مِثلَ النُّحاسِ؛ لأنَّ مُطلَقَ الصِّياغةِ هنا مُفوِّتٌ.
وكذلك مَنْ غصَبَ طِينًا مَعلومَ القَدرِ والصِّفةِ فضرَبَه لَبِنًا، فإنَّه يُغرَّمُ لصاحِبِه مِثلَه إنْ علِمَ وإلا فقيمَتُه؛ لأنَّ المِثليَّ الجُزافَ يُضمنُ بالقيمةِ؛ لأنَّ الطِّينَ ممَّا يُكالُ بالقُفةِ ونَحوِها.
وكذلك مَنْ غصَبَ قَمحًا فطحَنَه، فإنَّه يُغرَّمُ لصاحِبِه مِثلَه، قالَه ابنُ القاسِمِ، وقالَ أشهَبُ: رَبُّه مُخيَّرٌ، إنْ شاءَ أخَذَ المِثليَّ أو أخَذَه مَطحونًا بلا غَرامةٍ، واختارَه جَماعةٌ، والقَولانِ لمالِكٍ.
وكذلك مَنْ غصَبَ شَيئًا من الحُبوبِ فزرَعَه، فإنَّه يَلزمُه لصاحِبِه مِثلُه.
ومَن غصَبَ بَيضةً فحضَّنَها تحتَ دَجاجتِه فخرَجَ منها دَجاجةٌ فعليه بَيضةٌ مِثلُها، والدَّجاجةُ للغاصِبِ، إلا أنْ يَكونَ الغاصِبُ غصَبَ ما يَبيضُ
стр. 8115
من دَجاجةٍ أو غيرِها فباضَت وحضَنَت بَيضَها، فإنَّ الدَّجاجةَ والفَراريجَ لمُستحِقِّها كما لو ولَدَت، فلو حضَّنَ بَيضَها تحتَ دَجاجةٍ غيرِها أو حضَّنَ تحتَها غيرَ بَيضِها فلا شَيءَ من الفَراريجِ للمُستحِقِّ، وليس له إلا دَجاجتُه وأُجرةُ مِثلِها فيما حضَنَته من بَيضِ غيرِها.
قالَ المَواقُ ﵀: من «المُدوَّنة»: قالَ مالِكٌ: إنْ عمِلَ الغاصِبُ من الخَشبةِ بابًا أو غصَبَ تُرابًا يَعملُ منه بَلاطًا أو غصَبَ حِنطةً فزرَعَها وحصَدَ منها حَبًّا كَثيرًا أو غصَبَ سَويقًا فلَتَّه بسَمنٍ أو غصَبَ فِضةً فصاغَها حُليًّا أو ضرَبَها دَراهمَ فعليه في هذا كلِّه مِثلُ ما غصَبَ في صِفتِه ووَزنِه وكَيلِه أو عليه القيمةُ فيما لا يُكالُ ولا يُوزنُ، وكذلك في السَّرقةِ.
المازِريُّ: قالَ ابنُ القاسِمِ: مَنْ غصَبَ قَمحًا فطحَنَه ضَمِنَ مِثلَه، ولا يُمكَّنُ رَبُّ القَمحِ من أخْذِ الدَّقيقِ، خِلافًا لأشهَبَ.
واتَّفَقا إنْ طحَنَ القَمحَ سَويقًا ولَتَّه فليس لرَبِّ القَمحِ أخْذُه (١).
الاتِّجارُ بالمالِ المَغصوبِ والرِّبحُ الحاصِلُ منه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الغاصِبِ إذا غصَبَ نُقودًا أو عُروضًا وتاجَرَ بها وحصَلَ رِبحٌ، هل يَكونُ الرِّبحُ كلُّه له كما أنَّ الضَّمانَ عليه، أو يَكونُ الرِّبحُ لرَبِّ المالِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلكِه أو يَقتَسِمانِه بينَهما، أو يَجبُ التَّصدُّقُ به أو
стр. 8116
يَكونُ الرِّبحُ لبَيتِ المالِ (أو الرِّبحُ للغاصِبِ لكنَّه لا يَطيبُ له)؟ على أَقوالٍ، وهذا الخِلافُ جارٍ في الوَديعةِ وكذا في كلِّ مالٍ تصرَّفَ فيه إِنسانٌ بغيرِ حَقٍّ من المالِكِ، هل يَكونُ له رِبحُه أو لا؟ وهذا بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه ضامِنٌ للمالِ المَغصوبِ على أي حالٍ، وإنَّما الخِلافُ في الرِّبحِ الحاصِلِ.
القَولُ الأولُ: أنَّ الرِّبحَ الحاصِلَ من التِّجارةِ بعدَ البَيعِ للغاصِبِ؛ لأنَّه ضامِنٌ للمالِ المَغصوبِ حتى يُؤدِّيَه إلى صاحِبِه، وشَرطُ الطِّيبِ الضَّمانُ وقد وُجدَ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ «نَهى عن رِبحِ ما لم يَضمَنْ» وهذا رِبحٌ مَضمونٌ، ولأنَّه إذا رَدَّ المالَ فقد طابَ له الرِّبحُ وليس عليه أنْ يَتصدَّقَ به.
وهذا مَذهبُ المالِكيةِ وأَبي يُوسفَ من الحَنفيةِ وأَحمدَ في رِوايةٍ، وهو قَولُ شُريحٍ القاضِي والحَسنِ البَصريِّ والشَّعبيِّ ويَحيى الأَنصاريِّ ورَبيعةَ والثَّوريِّ واللَّيثِ.
قالَ الإِمامُ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: وأصَحُّ هذه الأَقوالِ قَولُ مَنْ رأى أنَّ الرِّبحَ للغاصِبِ والمُتعدِّي، والحُجةُ له أنَّ العَينَ قد صارَت في ذِمتِه، وهو وغيرُه من مالِه سَواءٌ؛ إذْ لا غرَضَ للناسِ في أَعيانِ الدَّنانيرِ والدَّراهمِ، وإنَّما غَرضُهم في تَصرُّفِهم فيها، ولو غصَبَها من رَجلٍ ثم أَرادَ أنْ يَدفعَ إليه غيرَها مِثلَها وهي قائِمةٌ بيَدِه، لكانَ له ذلك على أصلِ قَولِ مالِكٍ، فإذا كانَ له أنْ يَدفعَ إليه غيرَها فرِبحُها له، وحَديثُ البابِ حُجةٌ لذلك، ألَا تَرى أنَّ الأَجيرَ حيثُ قالَ له من أجرِه: «كلُّ ما تَرى من الإبِلِ والبَقرِ والغَنمِ والرَّقيقِ من
стр. 8117
أَجرِك، قالَ له: أتَستَهزئُ بي؟» (١) فدَلَّ هذا أنَّ السُّنةَ كانَت عندَهم أنَّ الرِّبحَ للمُتعدِّي العامِلِ، وأنَّه لا حَقَّ فيه لرَبِّ رأسِ المالِ، وأخبَرَ بذلك النَّبيُّ ﷺ فأقَرَّه ولم يَنسَخْه.
وقد رُويَ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ما يَدلُّ على أنَّ الرِّبحَ له بالضَّمانِ، رَوى مالِكٌ في المُوطَّأِ: «أنَّ أبا موسى أسلَفَ عبدَ اللهِ وعُبيدَ اللهِ ابنَيْ عُمرَ من بَيتِ المالِ، فاشتَريا به مَتاعًا وحَمَلاه إلى المَدينةِ، فرَبِحا فيه، فقالَ عُمرُ: أدِّيا المالَ ورِبحَه. فقالَ عُبيدُ اللهِ: ما يَنبَغي لك هذا، لو هلَكَ المالُ أو نقَصَ ضَمِنَّاه. فقالَ رَجلٌ: لو جعَلتَه قِراضًا يا أَميرَ المُؤمِنينَ. قالَ: نَعَمْ. فأخَذَ منهما نِصفَ الرِّبحِ»، فلم يُنكِرْ عُمرُ قَولَ ابنِه: لو هلَكَ المالُ أو نقَصَ ضَمِنَّاه، فلذلك طابَ له رِبحُه، ولا أنكَرَه أحدٌ من الصَّحابةِ بحَضرتِه (٢).
стр. 8118
القَولُ الثانِي: أنَّ الرِّبحَ للغاصِبِ لكنْ لا يَطيبُ له، ويَجبُ عليه أنْ يَتصدَّقَ به إذا اشتَرى بعَينِ النُّقودِ، ويَردُّ رأسَ مالِ الغَصبِ إلى صاحِبِه، وهو قَولُ الإِمامِ أَبي حَنيفةَ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ وزُفرَ وأَحمدَ في رِوايةٍ؛ لأنَّ الرِّبحَ هنا خَبيثٌ لحُصولِه بسَببٍ خَبيثٍ، فكانَ سَبيلُه التَّصدُّقَ به (١).
القَولُ الثالِثُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ للمالِك وليس للغاصِبِ على الصَّحيحِ عندَ الحَنابِلةِ وهو قَولُ ابنِ عُمرَ وأَبي قِلابةَ وإِسحاقَ (٢).
قالَ الحَنابِلةُ: إنِ اتَّجرَ الغاصِبُ بعَينِ المالِ المَغصوبِ بأنْ كانَ نَقدًا فاتَّجرَ به أو غصَبَ عُروضًا فباعَها واتَّجرَ بثَمنِها أو اشتَرى في ذِمتِه ثم نقَدَها منه وحصَلَ رِبحٌ فالرِّبحُ والسِّلعُ المُشتراةُ للمالِك، نقَلَه الجَماعةُ؛ لأنَّه لمَّا تعيَّنَ جَعلُ الرِّبحِ للغاصِبِ أو المَغصوبِ منه فجَعْلُه للمالِك أوْلى؛ لأنَّه في مُقابَلةِ مالِه الذي فاتَه بمَنعِه، ولم يُجعَلْ للغاصِبِ شَيءٌ مَنعًا للغَصبِ.
стр. 8119
قالَ البُهوتيُّ ﵀: وسَواءٌ قُلنا بصِحةِ الشِّراءِ أو ببُطلانِه، وهذه المَسألةُ مُشكِلةٌ جِدًّا على قَواعدِ المَذهبِ؛ لأنَّ تَصرفاتِ الغاصِبِ غيرُ صَحيحةٍ، فكيف يَملِكُ المالِكُ الرِّبحَ والسِّلعَ؟ لكنَّ نُصوصَ أَحمدَ مُتَّفقةٌ على أنَّ الرِّبحَ للمالِك، فخرَّجَ الأَصحابُ ذلك على وُجوهٍ كلُّها ضَعيفةٌ، فبَناه ابنُ عَقيلٍ على صِحةِ تَصرُّفِ الغاصِبِ وتَوقُّفِه على الإِجازةِ، وتَبِعَه في «المُغني» وبَناه في «التَّلخيص» على أنَّها صَحيحةٌ لا تَتوقَّفُ على الإِجازةِ؛ لأنَّ ضَررَ الغَصبِ يَطولُ بطُولِ الزَّمانِ فيَشقُّ اعتِبارُه.
وخَصَّ ذلك بما طالَ زَمنُه، وحمَلَه القاضِي في بَعضِ كُتبِه على أنَّ الغاصِبَ اشتَرى في الذِّمةِ ثم نقَدَ فيه دَراهمَ الغَصبِ، وصرَّحَ بذلك أَحمدُ في رِوايةِ المَروَزيِّ، فيُحملُ مُطلَقُ كَلامِه على مُقيَّدِه، وحمَلَه ابنُ رَجبٍ في «فَوائد القَواعدِ» على أنَّ النُّقودَ لا تَتعيَّنُ بالتَّعيينِ، فيَصيرُ كما لو اشتَرى في ذِمتِه.
وحمَلَه في «المُبدع» على ما إذا تعذَّرَ رَدُّ المَغصوبِ إلى مالِكِه ورَدُّ الثَّمنِ إلى المُشتَري (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا غصَبَ أَثمانًا فاتَّجرَ بها أو عُروضًا فباعَها واتَّجرَ بثَمنِها فقالَ أَصحابُنا: الرِّبحُ للمالِك والسِّلعُ المُشتَراةُ له.
стр. 8120
وقالَ الشَّريفُ أبو جَعفَرٍ وأبو الخَطابِ: إنْ كانَ الشِّراءُ بعَينِ المالِ فالرِّبحُ للمالِك.
قالَ الشَّريفُ: وعن أَحمدَ أنَّه يَتصدَّقُ به.
وإنِ اشتَراه في ذِمتِه ثم نقَدَ الأَثمانَ فقالَ أَبو الخَطابِ: يَحتملُ أنْ يَكونَ الرِّبحُ للغاصِبِ، وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ في أحدِ قَولَيه؛ لأنَّه اشتَرى لنَفسِه في ذِمتِه.
فكانَ الشِّراءُ له والرِّبحُ له، وعليه بَدلُ المَغصوبِ، وهذا قياسُ قَولِ الخِرقيِّ.
ويَحتملُ أنْ يَكونَ الرِّبحُ للمَغصوبِ منه؛ لأنَّه نَماءُ مِلكِه، فكانَ له كما لو اشتَرى له بعَينِ المالِ، وهذا هو ظاهِرُ المَذهبِ، وإنْ حصَلَ خُسرانٌ فهو على الغاصِبِ؛ لأنَّه نَقصٌ حصَلَ في المَغصوبِ، وإنْ دفَعَ المالَ إلى مَنْ يُضاربُ به فالحُكمُ في الرِّبحِ على ما ذَكَرناه.
وليس على المالِك من أَجرِ العامِلِ شَيءٌ؛ لأنَّه لم يَأذَنْ له في العَملِ في مالِه، وأمَّا الغاصِبُ فإنْ كانَ المُضارِبُ عالِمًا بالغَصبِ فلا أجرَ له؛ لأنَّه مُتعَدٍّ بالعَملِ ولم يَغرَّه أحدٌ، وإنْ لم يَعلَمْ بالغَصبِ فعلى الغاصِبِ أجرُ مِثلِه؛ لأنَّه استَعمَله عَملًا بعِوضٍ لم يَحصُلْ له فلزِمَه أجرُه كالعَقدِ الفاسِدِ (١).
стр. 8121
القَولُ الرابِعُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ لبَيتِ المالِ، وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أَحمدَ (١).
القَولُ الخامِسُ للشافِعيةِ حيثُ قالوا: لو اتَّجرَ الغاصِبُ بالمَغصوبِ أو بمالِ الغيرِ في يَدِه وَديعةً أو رَهنًا أو سَومًا أو عاريةً بغيرِ إِذنِ المالِك فإنْ باعَ أو اشتَرى بعَينِه بطَلَ ولا يَملِكُ العِوضَ، وإذا تَسلَّمَ وفاتَ غُرمُ المِثلِ أو القيمةِ، وما حصَلَ من الرِّبحِ إنْ أمكَنَ رَدُّه إلى صاحِبِ كلِّ عَقدٍ رَدَّه، وإلا فهو مالٌ ضائِعٌ.
ولو أسلَمَ أو اشتَرى في الذِّمةِ وسلَّمَ المَغصوبَ صَحَّ العَقدُ وفسَدَ التَّسليمُ، ولا تَبرأُ ذِمتُه من الثَّمنِ، ويَملِكُ الغاصِبُ ما أخَذَ وأَرباحَه (٢).
وقال العِمرانِيُّ ﵀: وإنْ غصَبَ من رَجلٍ دَراهمَ أو دَنانيرَ فاتَّجرَ في ذِمتِه ونقَدَ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ وربِحَ ففيه قَولانِ:
أَحدُهما: قالَ في القَديمِ: (يَكونُ الرِّبحُ للمَغصوبِ منه؛ لأنَّه نَماءُ مالِه، فهو كثَمرةِ الشَّجرةِ، ولأنَّا لو جَعَلنا ذلك مِلكًا للغاصِبِ لأدَّى ذلك إلى ارتِفاقِ الغاصِبِ بمالِ المَغصوبِ منه بغيرِ إِذنِه، فجُعلَ ذلك مِلكًا للمَغصوبِ منه بغيرِ إِذنِه؛ ليَنحَسِمَ البابُ).
стр. 8122
والثانِي: قالَ في الجَديدِ: (هو مِلكٌ للغاصِبِ؛ لأنَّ ذلك ليس بمُتولَّدٍ من مالِ المَغصوبِ منه، وإنَّما هو نَماءُ مِلكِ الغاصِبِ، فهو كما لو غصَبَ من رَجلٍ أرضًا وزرَعَ فيها زَرعًا) (١).
القَولُ السادِسُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ بينَهما -المالِك والغاصِبُ- فيَقتسِمانه بينَهما كالمُضاربةِ، وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أَحمدَ، وهو اختِيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ وقالَ: هو أصَحُّ الأَقوالِ.
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ بعدَما ذكَرَ قِصةَ عُمرَ ﵁ مع ابنَيه: فعمِلَ عُمرُ بذلك، وهذا أحسَنُ الأَقوالِ التي تنازَعَها الفُقهاءُ في مَسألةِ التِّجارةِ بالوَديعةِ وغيرِها من مالِ الغيرِ، فإنَّ فيها أربَعةَ أَقوالٍ في مَذهبِ أَحمدَ وغيرِه.
هل الرِّبحُ لبَيتِ المالِ بِناءً، أو الرِّبحُ للعامِلِ لأنَّ المِلكَ حصَلَ له باشتِراءِ الأَعيانِ في الذِّمةِ، أو يَتصدَّقان بالرِّبحِ لأنَّه خَبيثٌ، أو يَقتَسِمان بينَهما كالمُضارَبةِ؟ وهذا الرابِعُ الذي فعَلَه عُمرُ (٢).
وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ أيضًا عن المالِ المَغصوبِ من الإبِلِ وغيرِها إذا نَمَت عندَ الغاصِبِ ثم تابَ، كيف يَتخلَّصُ من المالِ، وهل هو حَرامٌ أو لا؟
стр. 8123
فأَجابَ: أعدَلُ الأَقوالِ في ذلك أنْ يَجعلَ نَماءَ المالِ بينَ المالِك والعامِلِ، كما لو دفَعَه إلى مَنْ يَقومُ عليه بجُزءٍ من نَمائِه، ثم إنَّ الأصلَ ونَصيبَ المالِك إذا تعذَّرَ دَفعُه إلى مالِكِه صرَفَه في مَصالحِ المُسلِمينَ (١).
أُجرةُ المَغصوبِ في مُدةِ الغَصبِ:
إذا غصَبَ الغاصِبُ شَيئًا وكانَ له أجرٌ فهذا لا يَخلو من حالتَينِ: إمَّا أنْ يَستعمِلَه في تلك المُدةِ وإمَّا لا؟
الحالةُ الأُولى: أنْ يَستخدمَ العَينَ المَغصوبةَ في مُدةِ الغَصبِ:
اختَلفَ العُلماءُ فيما لو غصَبَ الغاصِبُ دارًا أو دابَّةً أو سَيارةً أو ثَوبًا وانتفَعَ به بسُكنى أو برُكوبٍ أو بلُبسٍ، هل تَلزمُه أُجرةُ المِثلِ للمُدةِ التي قامَت في يَدِه أو يَردُّه فقط بلا أُجرةٍ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجبُ عليه أُجرةُ المِثلِ للمُدةِ التي قامَت العَينُ في يَدِه فيها إذا استَوفَى المَنفَعةَ أو لم يَستَوفِها إذا كانَت تَصحُّ إجارَتُه كما سيَأتي.
قالَ الشافِعيةُ: وتُضمَنُ بأُجرةِ المِثلِ مَنفعةُ الدارِ والعَبدِ ونَحوِهما من كلِّ ما له مَنفعةٌ يُستأجَرُ عليها بالتَّفويتِ بالاستِعمالِ، والفَواتُ هو ضَياعُ المَنفعةِ من غيرِ انتِفاعٍ، كإِغلاقِ الدارِ في يَدٍ عاديةٍ؛ لأنَّ المَنافعَ مُتقوَّمةٌ فكانَت مَضمونةً بالغَصبِ كالأَعيانِ، سَواءٌ أكانَ مع ذلك أَرشُ نَقصٍ أم لا، فلو كانَ للمَغصوبِ أُجرةٌ مُتفاوِتةٌ في المُدةِ ضمِنَ كلَّ مُدةٍ بما يُقابِلُها.
стр. 8124
وإنْ كانَ للمَغصوبِ صَنائعُ وجَبَ أُجرةُ أَعلاها إنْ لم يُمكِنْ جَمعُها، وإلا فأُجرةُ الجَميعِ كخياطةٍ وحِراسةٍ وتَعليمِ قُرآنٍ.
أمَّا ما لا مَنفعةَ له أو كانَت مما لا يَجوزُ استِئجارُه لها كحَبةِ حِنطةٍ وكَلبٍ وآلةِ لَهوٍ فلا أُجرةَ له، ولو اصطادَ الغاصِبُ بالكَلبِ شَيئًا فهو له، كما لو اصطادَ بشَبكةٍ أو قَوسٍ غصَبَهما ونصَبَهما؛ لأنَّه آلةٌ فقط، بخِلافِ ما لو غصَبَ رَقيقًا واصطادَ له، فإنَّه يَضمَنُ صَيدَه إنْ وضَعَ يَدَه عليه؛ لأنَّه على مِلكِ مالِكِه وأُجرتَه أيضًا؛ إذْ ربَّما استَعمَله مالِكُه في غيرِ ذلك (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: متى كانَ للمَغصوبِ أجرٌ فعلى الغاصِبِ أجرُ مِثلِه مُدةَ مُقامِه في يَدِه، سَواءٌ استَوفَى المَنافعَ أو ترَكَها تَذهبُ؛ لأنَّ كلَّ ما ضمِنَه بالإِتلافِ في العَقدِ الفاسِدِ جازَ أنْ يَضمنَه بمُجردِ الإِتلافِ كالأَعيانِ، ولأنَّه أتلَفَ مُتقوَّمًا فوجَبَ ضَمانُه كالأَعيانِ، أو نَقولُ: مالٌ مُتقوَّمٌ مَغصوبٌ، فوجَبَ ضَمانُه كالعَينِ، وأمَّا حَديثُ: «الخَراجُ بالضَّمانِ» فوارِدٌ في البَيعِ ولا يَدخلُ فيه الغاصِبُ؛ لأنَّه لا يَجوزُ له الانتِفاعُ بالمَغصوبِ بالإِجماعِ، ولا يُشبهُ الزِّنا لأنَّها رَضيَت بإِتلافِ مَنافعِها بغيرِ عِوضٍ ولا عَقدٍ يَقتَضي العِوضَ، فكانَ بمَنزِلةِ مَنْ أعارَه دارَه، ولو أكرَهَها عليه لزِمَه مَهرُها.
وهذا فيما له مَنافعُ تُستَباحُ بعَقدِ الإِجارةِ كالعَقارِ والثِّيابِ والدَّوابِّ ونَحوِها.
стр. 8125
فأمَّا الغَنمُ والشَّجرُ والطَّيرُ ونَحوُها فلا شَيءَ فيها؛ لأنَّه لا مَنافعَ لها يَستحِقُّ بها عِوضًا، ولو غصَبَ جاريةً ولم يَطأَها ومَضَت عليها مُدةٌ يُمكِنُ الوَطءُ فيها لم يَضمَنْ مَهرَها؛ لأنَّ مَنافعَ البُضعِ لا تَتلَفُ إلا بالاستِيفاءِ بخِلافِ غيرِها، ولأنَّها لا تُقدَّرُ بزَمنٍ فيَكونُ مُضيُّ الزَّمانِ يُتلِفُها بخِلافِ المَنفعةِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَلزمُه الأُجرةُ مُدةَ مُقامِها عندَه وإنِ استَعمَلها؛ لأنَّ المَنافعَ لا تُضمَنُ بالغَصبِ إلا أنْ يَنقُصَ باستِعمالِه فيَغرَمَ النُّقصانَ.
فإذا غصَبَ دارًا فسكَنَها أو عَبدًا فاستَعمَله أو دابةً فركِبَها فلا أُجرةَ للمالِك، سَواءٌ استَوفاها أو لم يَستَوفِها؛ لأنَّها حصَلَت على مِلكِ الغاصِبِ لحُدوثِها في إِمكانِه -أي: تَصرُّفِه وقُدرتِه وكَسبِه-؛ إذْ هي لم تَكُنْ حادِثةً في يَدِ المالِكِ؛ لأنَّها أَعراضٌ لا تَبقَى فيَملكُها دَفعًا لحاجَتِه، والإِنسانُ لا يَضمنُ مِلكَه، كيف وهو لا يَتحقَّقُ غَصبُها وإِتلافُها لأنَّه لا بَقاءَ لها، ولأنَّها لا تُماثِلُ الأَعيانَ لسُرعةِ فَنائِها وبَقاءِ الأَعيانِ؟ ولا نُسلِّمُ بأنَّها مُتقوَّمةٌ في ذاتِها، بل تُقوَّمُ ضَرورةً عندَ وُرودِ العَقدِ، ولم يُوجَدِ العَقدُ، إلا أنَّ ما انتقَصَ باستِعمالِه مَضمونٌ عليه لاستِهلاكِه بَعضَ أَجزاءِ العَينِ.