القَولُ الرابِعُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ لبَيتِ المالِ، وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أَحمدَ (١).
القَولُ الخامِسُ للشافِعيةِ حيثُ قالوا: لو اتَّجرَ الغاصِبُ بالمَغصوبِ أو بمالِ الغيرِ في يَدِه وَديعةً أو رَهنًا أو سَومًا أو عاريةً بغيرِ إِذنِ المالِك فإنْ باعَ أو اشتَرى بعَينِه بطَلَ ولا يَملِكُ العِوضَ، وإذا تَسلَّمَ وفاتَ غُرمُ المِثلِ أو القيمةِ، وما حصَلَ من الرِّبحِ إنْ أمكَنَ رَدُّه إلى صاحِبِ كلِّ عَقدٍ رَدَّه، وإلا فهو مالٌ ضائِعٌ.
ولو أسلَمَ أو اشتَرى في الذِّمةِ وسلَّمَ المَغصوبَ صَحَّ العَقدُ وفسَدَ التَّسليمُ، ولا تَبرأُ ذِمتُه من الثَّمنِ، ويَملِكُ الغاصِبُ ما أخَذَ وأَرباحَه (٢).
وقال العِمرانِيُّ ﵀: وإنْ غصَبَ من رَجلٍ دَراهمَ أو دَنانيرَ فاتَّجرَ في ذِمتِه ونقَدَ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ وربِحَ ففيه قَولانِ:
أَحدُهما: قالَ في القَديمِ: (يَكونُ الرِّبحُ للمَغصوبِ منه؛ لأنَّه نَماءُ مالِه، فهو كثَمرةِ الشَّجرةِ، ولأنَّا لو جَعَلنا ذلك مِلكًا للغاصِبِ لأدَّى ذلك إلى ارتِفاقِ الغاصِبِ بمالِ المَغصوبِ منه بغيرِ إِذنِه، فجُعلَ ذلك مِلكًا للمَغصوبِ منه بغيرِ إِذنِه؛ ليَنحَسِمَ البابُ).
стр. 8122
والثانِي: قالَ في الجَديدِ: (هو مِلكٌ للغاصِبِ؛ لأنَّ ذلك ليس بمُتولَّدٍ من مالِ المَغصوبِ منه، وإنَّما هو نَماءُ مِلكِ الغاصِبِ، فهو كما لو غصَبَ من رَجلٍ أرضًا وزرَعَ فيها زَرعًا) (١).
القَولُ السادِسُ: أنَّ الرِّبحَ يَكونُ بينَهما -المالِك والغاصِبُ- فيَقتسِمانه بينَهما كالمُضاربةِ، وهو رِوايةٌ عن الإِمامِ أَحمدَ، وهو اختِيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ وقالَ: هو أصَحُّ الأَقوالِ.
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ بعدَما ذكَرَ قِصةَ عُمرَ ﵁ مع ابنَيه: فعمِلَ عُمرُ بذلك، وهذا أحسَنُ الأَقوالِ التي تنازَعَها الفُقهاءُ في مَسألةِ التِّجارةِ بالوَديعةِ وغيرِها من مالِ الغيرِ، فإنَّ فيها أربَعةَ أَقوالٍ في مَذهبِ أَحمدَ وغيرِه.
هل الرِّبحُ لبَيتِ المالِ بِناءً، أو الرِّبحُ للعامِلِ لأنَّ المِلكَ حصَلَ له باشتِراءِ الأَعيانِ في الذِّمةِ، أو يَتصدَّقان بالرِّبحِ لأنَّه خَبيثٌ، أو يَقتَسِمان بينَهما كالمُضارَبةِ؟ وهذا الرابِعُ الذي فعَلَه عُمرُ (٢).
وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ أيضًا عن المالِ المَغصوبِ من الإبِلِ وغيرِها إذا نَمَت عندَ الغاصِبِ ثم تابَ، كيف يَتخلَّصُ من المالِ، وهل هو حَرامٌ أو لا؟
стр. 8123
فأَجابَ: أعدَلُ الأَقوالِ في ذلك أنْ يَجعلَ نَماءَ المالِ بينَ المالِك والعامِلِ، كما لو دفَعَه إلى مَنْ يَقومُ عليه بجُزءٍ من نَمائِه، ثم إنَّ الأصلَ ونَصيبَ المالِك إذا تعذَّرَ دَفعُه إلى مالِكِه صرَفَه في مَصالحِ المُسلِمينَ (١).
أُجرةُ المَغصوبِ في مُدةِ الغَصبِ:
إذا غصَبَ الغاصِبُ شَيئًا وكانَ له أجرٌ فهذا لا يَخلو من حالتَينِ: إمَّا أنْ يَستعمِلَه في تلك المُدةِ وإمَّا لا؟
الحالةُ الأُولى: أنْ يَستخدمَ العَينَ المَغصوبةَ في مُدةِ الغَصبِ:
اختَلفَ العُلماءُ فيما لو غصَبَ الغاصِبُ دارًا أو دابَّةً أو سَيارةً أو ثَوبًا وانتفَعَ به بسُكنى أو برُكوبٍ أو بلُبسٍ، هل تَلزمُه أُجرةُ المِثلِ للمُدةِ التي قامَت في يَدِه أو يَردُّه فقط بلا أُجرةٍ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجبُ عليه أُجرةُ المِثلِ للمُدةِ التي قامَت العَينُ في يَدِه فيها إذا استَوفَى المَنفَعةَ أو لم يَستَوفِها إذا كانَت تَصحُّ إجارَتُه كما سيَأتي.
قالَ الشافِعيةُ: وتُضمَنُ بأُجرةِ المِثلِ مَنفعةُ الدارِ والعَبدِ ونَحوِهما من كلِّ ما له مَنفعةٌ يُستأجَرُ عليها بالتَّفويتِ بالاستِعمالِ، والفَواتُ هو ضَياعُ المَنفعةِ من غيرِ انتِفاعٍ، كإِغلاقِ الدارِ في يَدٍ عاديةٍ؛ لأنَّ المَنافعَ مُتقوَّمةٌ فكانَت مَضمونةً بالغَصبِ كالأَعيانِ، سَواءٌ أكانَ مع ذلك أَرشُ نَقصٍ أم لا، فلو كانَ للمَغصوبِ أُجرةٌ مُتفاوِتةٌ في المُدةِ ضمِنَ كلَّ مُدةٍ بما يُقابِلُها.
стр. 8124
وإنْ كانَ للمَغصوبِ صَنائعُ وجَبَ أُجرةُ أَعلاها إنْ لم يُمكِنْ جَمعُها، وإلا فأُجرةُ الجَميعِ كخياطةٍ وحِراسةٍ وتَعليمِ قُرآنٍ.
أمَّا ما لا مَنفعةَ له أو كانَت مما لا يَجوزُ استِئجارُه لها كحَبةِ حِنطةٍ وكَلبٍ وآلةِ لَهوٍ فلا أُجرةَ له، ولو اصطادَ الغاصِبُ بالكَلبِ شَيئًا فهو له، كما لو اصطادَ بشَبكةٍ أو قَوسٍ غصَبَهما ونصَبَهما؛ لأنَّه آلةٌ فقط، بخِلافِ ما لو غصَبَ رَقيقًا واصطادَ له، فإنَّه يَضمَنُ صَيدَه إنْ وضَعَ يَدَه عليه؛ لأنَّه على مِلكِ مالِكِه وأُجرتَه أيضًا؛ إذْ ربَّما استَعمَله مالِكُه في غيرِ ذلك (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: متى كانَ للمَغصوبِ أجرٌ فعلى الغاصِبِ أجرُ مِثلِه مُدةَ مُقامِه في يَدِه، سَواءٌ استَوفَى المَنافعَ أو ترَكَها تَذهبُ؛ لأنَّ كلَّ ما ضمِنَه بالإِتلافِ في العَقدِ الفاسِدِ جازَ أنْ يَضمنَه بمُجردِ الإِتلافِ كالأَعيانِ، ولأنَّه أتلَفَ مُتقوَّمًا فوجَبَ ضَمانُه كالأَعيانِ، أو نَقولُ: مالٌ مُتقوَّمٌ مَغصوبٌ، فوجَبَ ضَمانُه كالعَينِ، وأمَّا حَديثُ: «الخَراجُ بالضَّمانِ» فوارِدٌ في البَيعِ ولا يَدخلُ فيه الغاصِبُ؛ لأنَّه لا يَجوزُ له الانتِفاعُ بالمَغصوبِ بالإِجماعِ، ولا يُشبهُ الزِّنا لأنَّها رَضيَت بإِتلافِ مَنافعِها بغيرِ عِوضٍ ولا عَقدٍ يَقتَضي العِوضَ، فكانَ بمَنزِلةِ مَنْ أعارَه دارَه، ولو أكرَهَها عليه لزِمَه مَهرُها.
وهذا فيما له مَنافعُ تُستَباحُ بعَقدِ الإِجارةِ كالعَقارِ والثِّيابِ والدَّوابِّ ونَحوِها.
стр. 8125
فأمَّا الغَنمُ والشَّجرُ والطَّيرُ ونَحوُها فلا شَيءَ فيها؛ لأنَّه لا مَنافعَ لها يَستحِقُّ بها عِوضًا، ولو غصَبَ جاريةً ولم يَطأَها ومَضَت عليها مُدةٌ يُمكِنُ الوَطءُ فيها لم يَضمَنْ مَهرَها؛ لأنَّ مَنافعَ البُضعِ لا تَتلَفُ إلا بالاستِيفاءِ بخِلافِ غيرِها، ولأنَّها لا تُقدَّرُ بزَمنٍ فيَكونُ مُضيُّ الزَّمانِ يُتلِفُها بخِلافِ المَنفعةِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَلزمُه الأُجرةُ مُدةَ مُقامِها عندَه وإنِ استَعمَلها؛ لأنَّ المَنافعَ لا تُضمَنُ بالغَصبِ إلا أنْ يَنقُصَ باستِعمالِه فيَغرَمَ النُّقصانَ.
فإذا غصَبَ دارًا فسكَنَها أو عَبدًا فاستَعمَله أو دابةً فركِبَها فلا أُجرةَ للمالِك، سَواءٌ استَوفاها أو لم يَستَوفِها؛ لأنَّها حصَلَت على مِلكِ الغاصِبِ لحُدوثِها في إِمكانِه -أي: تَصرُّفِه وقُدرتِه وكَسبِه-؛ إذْ هي لم تَكُنْ حادِثةً في يَدِ المالِكِ؛ لأنَّها أَعراضٌ لا تَبقَى فيَملكُها دَفعًا لحاجَتِه، والإِنسانُ لا يَضمنُ مِلكَه، كيف وهو لا يَتحقَّقُ غَصبُها وإِتلافُها لأنَّه لا بَقاءَ لها، ولأنَّها لا تُماثِلُ الأَعيانَ لسُرعةِ فَنائِها وبَقاءِ الأَعيانِ؟ ولا نُسلِّمُ بأنَّها مُتقوَّمةٌ في ذاتِها، بل تُقوَّمُ ضَرورةً عندَ وُرودِ العَقدِ، ولم يُوجَدِ العَقدُ، إلا أنَّ ما انتقَصَ باستِعمالِه مَضمونٌ عليه لاستِهلاكِه بَعضَ أَجزاءِ العَينِ.
стр. 8126
وهذا فيما عَدا ثَلاثةَ مَواضعَ فيَجبُ فيها أُجرةُ المِثلِ على اختيارِ المُتأخِّرينَ وعليه الفَتوى، وهي:
أنْ يَكونَ وَقفًا أو ليَتيمٍ أو مُعدًّا للاستِغلالِ بأنْ بَناه أو اشتَراه لذلك (١).
وأمَّا المالِكيةُ فعندَهم تَفصيلٌ، والمَشهورُ عندَهم أنَّ مَنْ غصَبَ عَبدًا أو دابَّةً أو دارًا أو غيرَ ذلك فاستَعمَله بنَفسِه أو كَراهُ فإنَّه يَضمَنُ للمالِكِ ما استغَلَّه، وسَواءٌ هلَكَ المَغصوبُ أو لا، فيأخُذُ المَغصوبُ منه الغَلةَ وقيمةَ الرَّقبةِ.
وقيلَ: يَضمَنُ غَلةَ الرِّباعِ والغَنمِ والبَقرِ والإبِلِ دونَ العَبيدِ والدَّوابِّ، وهو مَذهبُ «المُدوَّنة».
وعن مالِكٍ عَدمُ الضَّمانِ مُطلَقًا.
وعنه: إنْ تَولَّى استِخدامَ الرَّقيقِ واستِعمالَ الدَّوابِّ بنَفسِه لم يَضمَنْ، بخِلافِ ما كَراه من غيرِه.
قالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: إذا انتَفعَ الغاصِبُ بالمَغصوبِ إمَّا بنَفسِه -مِثلَ أنْ يَسكنَ الدارَ أو يَركبَ الدابَّةَ أو يَستخدِمَ العَبدَ أو يَزرعَ الأرضَ- أو بأنْ يُؤاجرَ ذلك يأخُذُ غَلَّتَه فقد اختُلفَ فيه: ففرَّقَ ابنُ القاسِمِ بينَ العَقارِ وبينَ الحَيوانِ فقالَ في الرَّبعِ إنْ سكَنَه بنَفسِه أو زرَعَ الأرضَ لزِمَه
стр. 8127
أُجرةُ المِثلِ، وإنْ كانَ أكراها من غيرِه لزِمَ غُرمُ ما كَراها به إنْ كانَ بقَدرِ أُجرةِ المِثلِ، وإنْ كانَ دونَ ذلك لزِمَه تَمامُ الأُجرةِ.
وفي الدَّوابِّ والرَّقيقِ لا رُجوعَ للمالِكِ على الغاصِبِ، لا فيما انتفَعَ به بنَفسِه ولا فيما كَراه واغتَلَّه.
وقيلَ: لا فَرقَ بينَ ذلك كلِّه، ويَرجعُ المالِكُ عليه بكِراءٍ وغَلَّةِ ما اغتَلَّه، ولا يَرجعُ عليه بما ركِبَ بنَفسِه أو استَخدَمَ.
وقيلَ عن مالِكٍ: إنَّ المالِكَ لا يَرجعُ بشَيءٍ أصلًا، لا مِنْ أُجرةٍ ولا مِنْ كِراءٍ، لا فيما انتفَعَ الغاصِبُ بنَفسِه ولا فيما كَراه في كلِّ شَيءٍ من الرِّباعِ والحَيوانِ وغيرِها، وأنَّ المَنافعَ بالضَّمانِ.
فوَجهُ التَّفريقِ بينَ الحَيوانِ والرِّباعِ أنَّ الحَيوانَ غيرُ مَأمونٍ؛ لأنَّ التَّغيُّرَ يُسرعُ إليه، والتَّلفُ غالِبًا يَجوزُ عليه، فيُمكنُ أنْ يَتلَفَ باستِعمالِه فيَلزمُه قيمَتُه فكانَ الخَراجُ له، وليس كذلك الرِّباعُ لأنَّها مَأمونةٌ في الغالِبِ، ولأنَّ الحَيوانَ مُحتاجٌ إلى نَفقةٍ ومُؤنةٍ، والغاصِبُ لا يَرجعُ بما أنفَقَ عليه، فكانَت المَنافِعُ غيرَ مَضمونةٍ عليه، والرِّباعُ يَرجعُ بما أنفَقَ فيها أو عَمَرَه فيأخُذُ منه قيمةَ ما انتفَعَ وأُجرةَ ما اغتَلَّ.
ووَجهُ التَّفريقِ بينَ انتِفاعِه بنَفسِه وبينَ ما كَراه واغتَلَّه في الحَيوانِ والرَّقيقِ أنَّ ما أَكراه عِوضًا في مَنافعِ مِلكِ الغيرِ، فكانَ كالعَينِ القائِمةِ فلزِمَه رَدُّها، وما سكَنَ بنَفسِه لم يأخُذْ عليه عِوضًا يَستحِقُّ رَدَّه عليه، ولأنَّه إنْ
стр. 8128
تلِفَ ذلك في استِخدامِه أو رُكوبِه غرِمَ القيمةَ ولم يأخُذْ شَيئًا يُغرَمُ منه، فإنْ أكراه ثم تلِفَ فقد اعتاضَ الكِراءَ الذي يُغرَّمُ منه.
ووَجهُ القَولِ بأنَّ المَنافعَ غيرُ مَضمونةٍ أصلًا قَولُه ﷺ : «الخَراجُ بالضَّمانِ»، ولأنَّ الغاصِبَ لمَّا كانَ ضامِنًا للعينِ بقيمَتِها يَومَ الغَصبِ لم يَكُنْ لمَنافعِها حُكمٌ في الضَّمانِ؛ لأنَّها مُتابِعةٌ للعَينِ، فأمَّا إنِ اختارَ المالِكُ أخْذَ العَينِ ولا يَرجعُ بشَيءٍ أو ضمَّنَه قيمَتَها يَومَ الغَصبِ، ولأنَّ الضَّمانَ بالجِنايةِ آكَدُ من الضَّمانِ بالاستِخدامِ وغيرِه، وقد بيَّنَّا أنَّ الغاصِبَ لو جَنى على بَعضِ أَطرافِ المَغصوبِ لم يَكُنْ للمالِكِ إلا أخْذُه ناقِصًا بالأَرشِ، أو إِسلامُه والرُّجوعُ بالقيمةِ يَومَ الغَصبِ، فكانَ بألَّا يَرجعَ في المَنافعِ أوْلى.
ووَجهُ القَولِ بأنَّه يَرجعُ عليه في كلِّ ذلك قَولُه ﷺ : «لا يَحلُّ مالُ امِرئٍ مُسلمٍ إلا عن طِيبِ نَفسٍ منه» (١)، ولأنَّه انتفَعَ بمِلكِ غيرِه من غيرِ مِلكٍ ولا شُبهةٍ، فلزِمَه قيمةُ ما انتفَعَ به، أصلُه إذا ابتدَأَ الاستِخدامَ والسُّكنى من غيرِ غَصبٍ (٢).
стр. 8129
الحالةُ الثانيةُ: ألَّا يَستخدمَ المَغصوبَ في مُدةِ الغَصبِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن غصَبَ دارًا أو عَبدًا أو دابَّةً أو سَيارةً أو ثَوبًا أو غيرَ ذلك فلم يَنتفِعْ به بسُكنى ولا استِخدامٍ ولا رُكوبٍ ولا لُبسٍ ولا غيرِ ذلك، ولا أَكراه ولا أغَلَّه، هل تَجبُ عليه أُجرةُ المِثلِ للمُدةِ التي قامَت في يَدِه أو لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ وأَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجبُ عليه شَيءٌ ولا يُطالَبُ بأُجرةِ المُدةِ التي بَقيَت غَصبًا في يَدِه؛ لأنَّها مَنافِعُ لم تُستَوفَ من المَغصوبِ فلم يَضمَنْها الغاصِبُ، أصلُه مَنافعُ البُضعِ، وهو أنْ يَحبسَ حُرةً لا يُمكنُها التَّزويجُ ويأخُذَ بَدلَ بُضعِها حتى مَضَت مُدةٌ من الزَّمانِ، فإنَّه لا يَضمَنُ مَهرَ مِثلِها، ولأنَّها مَنافعُ تَلِفَت في يَدِ الغاصِبِ من غيرِ أنْ يَنتفعَ بها أو يأخُذَ لها بَدلًا فلم يَضمَنْها كبُضعِ الأَمةِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وبعضُ المالِكيةِ كمُطرِّفٍ وابنِ الماجِشونِ وابنِ عبدِ الحَكمِ وأصبَغَ وابنِ حَبيبٍ إلى أنَّه يَجبُ عليه أُجرةُ المِثلِ للمُدةِ التي قامَت العَينُ في يَدِه فيها، استَوفَى المَنفعةَ أو لم يَستَوفِها
стр. 8130
إذا كانَت تَصحُّ إِجارتُها؛ لأنَّ المَنافعَ مُتقوَّمةٌ فكانَت مَضمونةً بالغَصبِ كالأَعيانِ.
قالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ ﵀: مَنْ غصَبَ عَينًا لغيرِه، وهو مِنْ أهلِ الضَّمانِ في حَقِّه، وأَقامَت في يَدِه مُدةً لمِثلِها أُجرةٌ، فإنْ كانَ لمِثلِ تلك العَينِ مَنفعةٌ تُملَكُ بالإِجارةِ، كسُكنى الدارِ وزِراعةِ الأرضِ وخِدمةِ العَبدِ والجاريةِ وما أشبَهَ ذلك وجَبَ على الغاصِبِ أُجرةُ مِثلِها لتلك المُدةِ، سَواءٌ انتفَعَ بها أو لم يَنتفِعْ بها، وإنْ كانَت المَنفعةُ لا تُستباحُ بالإِجارةِ كمَنفَعةِ وَطءِ الجاريةِ لم يَجِبْ عليه ضَمانُها؛ لأنَّ الغَصبَ لا يَمنعُ المالِكَ من المُعاوَضةِ على بُضعِها، وهو عَقدُ النِّكاحِ، ويَمنعُه من إِجارتِها، هذا مَذهبُنا، وبه قالَ أَحمدُ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: (لا يَجبُ عليه ضَمانُ أُجرةِ المَنافعِ بحالٍ).
دَليلُنا: أنَّ ما صَحَّ أنْ يُملَكَ بالمُسمَّى في العَقدِ الصَّحيحِ، وبالمِثلِ في العَقدِ الفاسِدِ، وهو ممَّا يُطلَبُ بعَقدِ المُغابَنةِ ضُمِنَ بالغَصبِ كالأَعيانِ.
فقَولُنا: (وهو ممَّا يُطلبُ بعَقدِ المُغابَنةِ) احتِرازٌ من مَنفعةِ الاستِمتاعِ (١).
وقد تَقدَّمَ قَولُهم مُفصَّلًا في الحالةِ الأُولى السابِقةِ.
стр. 8131
حُكمُ تَفويتِ مَنافعِ الإِنسانِ وتَعطيلِها:
الغاصِبُ إذا فوَّتَ مَنافعَ إِنسانٍ فهذا لا يَخلو من ثَلاثِ حالاتٍ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَحبِسَه ولا يَستخدِمَه:
اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ مَنْ فوَّتَ مَنفعةَ إِنسانٍ مُدةً من الزَّمنِ لمِثلِها أُجرةٌ بأنْ حبَسَه مُدَّةً من الزَّمنِ حتى فاتَه عَملٌ مِنْ تِجارةٍ أو صِناعةٍ أو نَحوِها، هل يَضمَنُ له أُجرةَ مُقامِه عندَه أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في أحدِ الوَجهَينِ إلى أنَّ الإِنسانَ إذا حبَسَ إِنسانًا حُرًّا مُدةً لمِثلِها أُجرةٌ أنَّه لا يَلزمُه أُجرةُ تلك المُدةِ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ من الحابِسِ إِتلافُ مَنافعِه ولا إِثباتُ يَدِه عليه، بل مَنافعُ المَحبوسِ في يَدِه كثِيابِ بَدنِه، وكما لا يَضمنُ ثِيابَ بَدنِه بالحَبسِ فكذلك مَنافعُه.
وذهَبَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في الوَجهِ الثانِي إلى أنَّ مَنافعَ الحُرِّ تُضمَنُ بالفَواتِ، فمَن حبَسَ إِنسانًا مُدةً لمِثلِها أجرٌ يَلزمُه أجْرُ تلك المُدةِ؛ لأنَّه فوَّتَ مَنفعتَه، وهي مالٌ يَجوزُ أخْذُ العِوضِ عنها فضُمِنت بالغَصبِ كمَنافعِ العَبدِ.
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَستخدمَه كُرهًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا غصَبَ إِنسانٌ حُرًّا فاستَعمَله كُرهًا، هل يَجبُ عليه أُجرةُ تلك المَنفعةِ أو لا؟
стр. 8132
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ استعمَلَ إِنسانًا كُرهًا فإنَّه يَضمَنُ له أُجرةَ تلك المُدةِ؛ لأنَّه استَوفَى مَنافِعَه، وهي مُتقوَّمةٌ فلزِمَه ضَمانُها كمَنافعِ العَبدِ.
وقالَ الحَنفيةُ: يأثَمُ ويُؤدَّبُ على ما صنَعَ ولكنَّه لا يَضمَنُ شَيئًا.
الحالةُ الثالِثةُ: أنْ يَمنعَه عن العَملِ من غيرِ حَبسٍ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الإِنسانَ إذا منَعَ غيرَه عن العَملِ من غيرِ حَبسٍ لم يَضمَنْ مَنافِعَه ولا أُجرةَ له؛ لأنَّه لو فعَلَ ذلك بالعَبدِ لم يَضمَنْ مَنافعَه فالحُرُّ أوْلى (١).
تَصرُّفاتُ الغاصِبِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَصرفاتِ الغاصِبِ ببَيعٍ أو غيرِه، هل هي باطِلةٌ ولا يَترتَّبُ عليها شَيءٌ من آثارِها من انتِقالِ المِلكِ وغيرِه أو صَحيحةٌ مَوقوفةٌ على إِجازةِ المالِكِ كالفُضوليِّ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في الجَديدِ وهو المَذهبُ عندَهم والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ تَصرفاتِ الغاصِبِ بعَينِ المَغصوبِ بأنْ باعَ أو اشتَرى
стр. 8133
بعَينِ المالِ المَغصوبِ أنَّ تَصرُّفَه باطِلٌ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا بَيعَ إلَّا فيما تَملِكُ» (١).
وأمَّا إنِ اشتَرى في ذِمتِه ثم نقَدَ من عَينِ المالِ المَغصوبِ فصَحيحٌ.
وفي قَولٍ عندَهما أنَّ تَصرفَه صَحيحٌ ومَوقوفٌ على إِذنِ المالِكِ كالفُضوليِّ.
قالَ الشافِعيةُ في المَذهبِ: إذا تَصرفَ الغاصِبُ بعَينِ المالِ المَغصوبِ فتَصرفُه باطِلٌ، فلو اتَّجرَ الغاصِبُ بالمَغصوبِ فباعَ أو اشتَرى بعَينِه بطَلَ ولا يَملِكُ العِوضَ، وإذا تسلَّمَ وفاتَ غَرمَ المِثلَ أو القيمةَ، وما حصَلَ من الرِّبحِ إنْ أمكَنَ رَدُّه إلى صاحِبِ كلِّ عَقدٍ رَدَّه، وإلا فهو مالٌ ضائِعٌ.
وأمَّا إنْ باعَ سلَمًا أو اشتَرى في الذِّمةِ وسلَّمَ المَغصوبَ فيه فالعَقدُ صَحيحٌ والتَّسليمُ فاسِدٌ، فلا تَبرأُ ذِمتُه ممَّا التزَمَ، ويَملِكُ الغاصِبُ ما أخَذَ وأرباحُه له.
والقَديمُ أنَّ بَيعَه والشِّراءَ بعَينِه يَنعقِدُ مَوقوفًا على إِجازةِ المالِكِ، فإنْ أَجازَ فالرِّبحُ له، وكذا إذا التزَمَ في الذِّمةِ وسلَّمَ المَغصوبَ تَكونُ الأَرباحُ للمالِكِ (٢).
стр. 8134
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: تَصرفاتُ الغاصِبِ الحُكميَّةُ أو غيرِه ممَّن يَعلمُ بالحالِ وهي ما لها حُكمٌ من صِحةٍ أو فَسادٍ -أي: ما تُوصفُ تارةً بالصِّحةِ وتارةً بالفَسادِ- كالحَجِّ من المالِ المَغصوبِ وسائِرِ العِباداتِ التي تَتعلَّقُ بالمَغصوبِ إذا فعَلَها عالِمًا ذاكِرًا، كالصَّلاةِ بثَوبٍ مَغصوبٍ أو في مَكانٍ مَغصوبٍ، والوُضوءِ من ماءٍ مَغصوبٍ وإِخراجِ زَكاتِه من مالٍ مَغصوبٍ، وكذا العُقودُ كالبَيعِ والإِجارةِ والهِبةِ ونَحوِها للمَغصوبِ، والإِنكاحِ كأنْ أنكَحَ الغاصِبُ أو غيرُه الأَمةَ المَغصوبةَ تَحرُمُ ولا تَصحُّ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ عمِلَ عَملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» أي مَردودٌ.
وكذا تَحرمُ التَّصرفاتُ غيرُ الحُكميةِ في المَغصوبِ، كإِتلافِ المَغصوبِ واستِعمالِه.
ولكنْ إنِ اشتَرى الغاصِبُ أو غيرُه في ذِمتِه ثم نقَدَ عَينَ المالِ المَغصوبِ أو ثَمنَها -ولو مِنْ وَديعةٍ عندَه- أو قارَضَ بهما -أي: بالوَديعةِ والغَصبِ- ولو كانَ الشِّراءُ بغيرِ نِيةِ نَقدِ الثَّمنِ من الغَصبِ أو الوَديعةِ، فالعَقدُ -أي: الشِّراءُ- صَحيحٌ؛ لأنَّه تَصرُّفٌ في ذِمتِه، وهي قابِلةٌ له، والإِقباضُ فاسِدٌ -أي: غَيرُ مُبْرِئٍ؛ لعَدمِ إِذنِ المالِكِ فيه، والرِّبحُ والسِّلعُ في المُضاربةِ وغيرِها المُشتراةِ للمالِكِ.
وفي رِوايةٍ أنَّ تَصرفاتِ الغاصِبِ تَقعُ صَحيحةً وتَقفُ على إِجازةِ المالِكِ كالفُضوليِّ.
стр. 8135
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: تَصرفاتُ الغاصِبِ كتَصرفاتِ الفُضوليِّ على ما ذَكَرنا من الرِّوايتَينِ، إحداهما: بُطلانُها.
والثانية: صِحتُها ووُقوفُها على إِجازةِ المالِكِ.
وذَكَر أَبو الخَطابِ أنَّ في تَصرفاتِ الغاصِبِ الحُكميةِ رِوايةً أنَّها تَقعُ صَحيحةً، وسَواءٌ في ذلك العِباداتُ كالطَّهارةِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ أو العُقودِ والإِجارةِ والنَّكاحِ، وهذا يَنبَغي أنْ يَتقيَّدَ في العُقودِ بما لم يُبطِلْه المالِكُ، فأمَّا ما اختارَ المالِكُ إِبطالَه وأخْذَ المَعقودِ عليه فلم نَعلَمْ فيه خِلافًا.
وأمَّا ما لم يُدرِكْه المالِكُ فوَجهُ التَّصحيحِ فيه أنَّ الغاصِبَ تَطولُ مُدتُه وتَكثرُ تَصرفاتُه، ففي القَضاءِ ببُطلانِها ضَررٌ كَثيرٌ، وربَّما عادَ الضَّررُ على المالِكِ، فإنَّ الحُكمَ بصِحتِها يَقتَضي كَونَ الرِّبحِ للمالِكِ، وكَونَ العِوضِ بنَمائِه زيادَتُه له، والحُكمُ ببُطلانِه يَمنعُ ذلك (١).
وقالَ الحَنفيةُ: إذا باعَ الغاصِبُ المَغصوبَ من رَجلٍ لم يَنفُذْ تَصرفُه، ويَتوقَّفُ على إِجازةِ المالِكِ، فإنْ أجازَ المالِكُ بَيعَه صَحَّت الإِجازةُ إذا استَجمَعَت الإِجازةُ شَرائِطَها، وهي:
قيامُ البائِعِ والمُشتَري والمَعقودِ عليه، وأنْ تَكونَ الإِجازةُ قبلَ الخُصومةِ عندَ أبي حَنيفةَ، ولا يُشتَرطُ قيامُ الثَّمنِ في ظاهِرِ الرِّوايةِ إذا كانَ
стр. 8136
البَيعُ بالدَّراهمِ أو بالدَّنانيرِ، وإنْ كانَ المالِكُ قد خاصَمَ الغاصِبَ في المَغصوبِ وطلَبَ من القاضِي أنْ يَقضيَ له بالمِلكِ ثم أَجازَ البَيعَ فعلى قَولِ أَبي حَنيفةَ لا تَصحُّ إِجازتُه، هكذا ذكَرَ شَمسُ الأئِمةِ الحَلوانِيُّ وشَيخُ الإِسلامِ خواهر زاده، وذكَرَ شَمسُ الأئِمةِ السَّرخَسيُّ في شَرحِه أنَّ الإِجازةَ صَحيحةٌ في ظاهِرِ الرِّوايةِ، فإنْ كانَ لا يَعلمُ قيامَ المَبيعِ وَقتَ الإِجازةِ بأنْ كانَ قد أبَقَ من يَدِ المُشتَري ذكَرَ في ظاهِرِ الرِّوايةِ أنَّ الإِجازةَ صَحيحةٌ، فإنْ كانَ الغاصِبُ قد قبَضَ الثَّمنَ وهلَكَ في يَدِه ثم أجازَ المالِكُ البَيعَ هلَكَ الثَّمنُ على مِلكِ المَغصوبِ منه؛ اعتِبارًا للإِجازةِ في الانتِهاءِ بالإِذنِ في الابتِداءِ، كذا في «المُحيط»، ولو ملَكَ الغاصِبُ المَغصوبَ من جِهةِ المَغصوبِ منه ببَيعٍ أو هِبةٍ أو إِرثٍ بعدَما باعَه من غيرِه بطَلَ البَيعُ بطَريانِ المِلكِ الباتِّ على المِلكِ المَوقوفِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: الغاصِبُ أو المُشتَري منه إذا باعَ الشَّيءَ المَغصوبَ فإنَّ للمالِكِ أنْ يُجيزَ ذلك البَيعَ؛ لأنَّ غايَتَه أنَّه بَيعُ فُضوليٍّ، وله أنْ يَردَّه، وسَواءٌ قبَضَ المُشتَري المَبيعَ أو لا، وسَواءٌ علِمَ المُشتَري أنَّه غاصِبٌ أو لا، كانَ المالِكُ حاضِرًا أو لا، قَرُب المَكانُ بحيث لا ضَررَ على المُشتَري في الصَّبرِ إلى أنْ يَعلمَ ما عندَه أو لا، ومِثلُ البَيعِ الهِبةُ وسائِرُ العُقودِ.
فإنْ أَمضى المالِكُ البَيعَ رجَعَ بالثَّمنِ على الغاصِبِ إنْ قبَضَه من
стр. 8137
المُشتَري وكانَ مَليئًا، وإنْ لم يَقبِضْه أو قبَضَه وكانَ مُعدِمًا رجَعَ على المُشتَري.
وقيلَ: لا رُجوعَ له على المُشتَري حيثُ كانَ الغاصِبُ قبَضَه ولو مُعدِمًا؛ بِناءً على أنَّ الإِجازةَ للعَقدِ والقَبضِ معًا لا للعَقدِ فقط (١).
وقالَ الحَطابُ ﵀: ص: (ولرَبِّه إِمضاءُ بَيعِه)، ش: قالَ في «المُدوَّنة»: ومَن غصَبَ عَبدًا أو أَمةً ثم باعَها ثم استحَقَّها رَجلٌ وهي بحالِها فليس له تَضمينُ الغاصِبِ القيمةَ وإنْ حالَت الأَسواقُ، وإنَّما له أنْ يأخُذَها أو يأخُذَ الثَّمنَ من الغاصِبِ، كما لو وجَدَها بيَدِ الغاصِبِ وقد حالَت أَسواقُها، فإنْ أجازَ رَبُّها البَيعَ بعدَ أنْ هلَكَ الثَّمنُ بيَدِ الغاصِبِ فإنَّ الغاصِبَ يَغرَمُه، وليس الرِّضا ببَيعِه يُوجبُ حُكمَ الأَمانةِ في الثَّمنِ. انتهى.
وقالَ اللَّخميُّ: إذا باعَ الغاصِبُ العَبدَ ثم أتى صاحِبُه ولم يَتغيَّرْ سُوقُه ولا بَدنُه كانَ بالخيارِ، بينَ أنْ يُجيزَ البَيعَ أو يأخُذَه ويَرجعَ المُشتَري بالثَّمنِ.
ثم قالَ: وإنْ كانَ العَبدُ قائِمَ العَينِ وأَجازَ المَغصوبُ منه البَيعَ لزِمَ المُشتَري، إلا أنْ يَكونَ المَغصوبُ منه فاسِدَ الذِّمةِ بحَرامٍ أو بغيرِه.
واختُلفَ إذا كانَ المُشتَري قد دفَعَ الثَّمنَ إلى الغاصِبِ والغاصِبُ فَقيرٌ وقد أَجازَ المُستحِقُّ البَيعَ فقيلَ: لا شَيءَ له على المُشتَري.
стр. 8138
وقيلَ يأخُذُ منه الثَّمنَ، وهذا على القَولِ بأنَّ العَقدَ بَيعٌ، فيَكونُ قد أَجازَ البَيعَ دونَ القَبضِ، وعلى القَولِ بأنَّ البَيعَ التَّقابضُ لا يَكونُ له على المُشتَري شَيءٌ. انتهى.
ونقَلَ في «النَّوادِر» القَولَينِ وضَعَّف الثانِي وأنكَرَه، انظُرْه في كِتابِ الاستِحقاقِ.
تَنبيهٌ: قالَ اللَّخميُّ: وإنْ علِمَ المُشتَري أنَّ البائعَ منه غاصِبٌ وأحَبَّ المُبتاعُ رَدَّ البَيعِ قبلَ قُدومِ المَغصوبِ منه لم يَكُنْ له ذلك إذا كانَ قَريبَ الغَيبةِ، وله ذلك إذا كانَت الغَيبةُ بَعيدةً؛ لأنَّ عليه في وَقفِه في ضَمانِه حتى يَقدَمَ ضَررًا. انتهى. فيَكونُ بمَنزِلةِ بَيعِ الفُضوليِّ (١).
اليَدُ المُترتبةُ على يَدِ الغاصِبِ:
الغاصِبُ إذا غصَبَ شَيئًا ثم جاءَ آخَرُ وغصَبَه منه أو أعارَه منه أو أودَعَه عندَه أو أجَّرَه إياه، هل تَكونُ يَدُه كيَدِ الغاصِبِ الأولِ يَدَ ضَمانٍ فيَكونُ للمالِكِ أنْ يُضمِّنَ أيَّهما شاءَ، أو يُضمِّنَ الأولَ ثم يَرجعَ الأولُ على الثانِي أو يُضمِّنَ الثانِي فقط؟ ويَندرِجُ تحتَ هذا عِدةُ مَسائلَ:
المَسألةُ الأُولى: الغاصِبُ إذا غصَبَه غاصِبٌ آخَرُ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الإِنسانَ إذا غصَبَ شَيئًا ثم غصَبَه منه آخَرُ فتلِفَ عندَه أنَّ المالِكَ بالخيارِ، إنْ شاءَ ضمَّنَ
стр. 8139
الأولَ، وإنْ شاءَ ضمَّنَ الثانِيَ، فإنْ ضمَّنَ الأولَ فله أنْ يَرجعَ على الثاني، وإنْ ضمَّنَ الثانِي فلا رُجوعَ على أحدٍ؛ لأنَّه غاصِبٌ.
قالَ الحَنفيةُ: لو غصَبَ من إِنسانٍ شَيئًا فجاءَ آخَرُ وغصَبَه منه فهلَكَ في يَدِه فالمالِكُ بالخيارِ، إنْ شاءَ ضمَّنَ الأولَ وإنْ شاءَ ضمَّنَ الثانِيَ.
وإنْ أرادَ المالِكُ أنْ يأخُذَ بعضَ الضَّمانِ من الأولِ وبَعضَه من الثانِي فله ذلك.
أمَّا تَضمينُ الأولِ فلوُجودِ فِعلِ الغَصبِ منه، وهو تَفويتُ يَدِ المالِكِ.
وأمَّا تَضمينُه الثانِي فلأنَّه فوَّتَ يَدَ الغاصِبِ الأولِ، ويَدُه يَدُ المالِكِ من وَجهٍ؛ لأنَّه يَحفظُ مالَه ويَتمكَّنُ من رَدِّه على المالِكِ، ويَستقرُّ بهما الضَّمانُ في ذِمتِه، فكانَت مَنفعةُ يَدِه عائِدةً إلى المالِكِ، فأشبَهَت يَدَ المُودَعِ، وقد وُجدَ من كلِّ واحِدٍ منهما سَببُ وُجوبِ الضَّمانِ، إلا أنَّ المَضمونَ واحِدٌ، فخيَّرْنا المالِكَ لتَعيُّنِ المُستحَقِّ، فإنِ اختارَ أنْ يُضمِّنَ الأولَ رجَعَ بالضَّمانِ على الثاني؛ لأنَّه ملَكَ المَغصوبَ من وَقتِ غَصبِه، فتَبيَّنَ أنَّ الثانِي غصَبَ مِلكَه، وإنِ اختارَ تَضمينَ الثانِي لا يَرجعُ على أحدٍ؛ لأنَّه ضمِنَ بفِعلِ نَفسِه، وهو تَفويتُ يَدِ المالِكِ من وَجهٍ على ما بيَّنَّا، وكذلك إنِ استَهلكَه الغاصِبُ الثاني.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ومَتى اختارَ تَضمينَ أَحدِهما، هل يَبرأُ الآخَرُ عن الضَّمانِ بالاختيارِ نَفسِه؟ ذكَرَ في «الجامِع» أنَّه يَبرأُ، حتى لو أَرادَ تَضمينَه بعدَ ذلك لم يَكُنْ له ذلك.
стр. 8140
ورَوى ابنُ سَماعةَ ﵀ في نَوادرِه عن مُحمدٍ أنَّه لا يَبرأُ ما لم يَرضَ مَنْ اختارَ تَضمينَه أو يُقضَى به عليه.
وَجهُ رِوايةِ «النَّوادِر» أنَّ عندَ وُجودِ الرِّضا أو القَضاءِ بالضَّمانِ صارَ المَغصوبُ مِلكًا للذي ضمِنَه؛ لأنَّه باعَه منه فلا يَملِكُ الرُّجوعَ بعدَ تَمليكِه، كما لو باعَه من الأولِ.
فأمَّا قبلَ وُجودِ الرِّضا أو القَضاءِ فلم يُوجَدْ منه التَّمليكُ من أَحدِهما فله أنْ يَملكَه من أيِّهما شاءَ.
وَجهُ رِوايةِ «الجامِع» ما ذَكَرنا أنَّه باختيارِه تَضمينَ الغاصِبِ الآخَرِ أظهَرَ أنَّه راضٍ بأخذِ الأولِ، وأنَّه بمَنزِلةِ المُودَعِ، وباختيارِ تَضمينِ الأولِ أظهَرَ أنَّ الثانِي ما أتلَفَ عليه شَيئًا؛ لأنَّه لم يُفوِّتْ يَدَه، واللهُ أعلَمُ (١).
وكذلك الحُكمُ عندَ المالِكيةِ أنَّ غاصِبَ الغاصِبِ كالغاصِبِ، فإنْ تلِفَ المَغصوبُ عندَه فللمالِكِ تَضمينُ أيِّهما شاءَ، ويَستقِرُّ الضَّمانُ على الثاني؛ لأنَّه المُباشِرُ للتَّلفِ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: كلُّ يَدٍ تَرتَّبَت على يَدِ الغاصِبِ فهي يَدُ ضَمانٍ، فإذا غصَبَ الغاصِبُ شَيئًا فغصَبَه منه آخَرُ يَتخيَّرُ المالِكُ عندَ التَّلفِ بينَ مُطالبةِ
стр. 8141
الغاصِبِ الأولِ وبين مُطالبةِ الغاصِبِ الثاني، فإنْ ضمَّنَ الأولَ رجَعَ الأولُ على الثاني، وإنْ ضمَّنَ الثانِي لم يَرجِعْ على أحدٍ لأنَّه غاصِبٌ.
ولو أبرَأَ المالِكُ الغاصِبَ الأولَ لم يَبرأِ الثاني، وإن أبرَأَ الثانِي بَرِئَ الأولُ؛ لأنَّ الثانِي هو الذي يَتقرَّرُ عليه الضَّمانُ.
ولو انتزَعَ المَغصوبَ من الغاصِبِ ليَردَّه على مالِكِه فتلِفَ عندَه يَضمنُه في الأصَحِّ؛ بِناءً على الأصَحِّ أنَّه ليس للآحادِ الانتِزاعُ، فإنَّ القاضِي نائِبُ الغائبِينَ، وليس هو بمُؤتمَنٍ شَرعًا، أمَّا القاضِي أو نائِبُه فيُستَثنَوْن من هذا، ولا ضَمانَ عليهم.
وفي مُقابلِ الأصَحِّ أنَّه إنِ انتزَعَ المَغصوبَ من الغاصِبِ ليَردَّه على مالِكِه فتلِفَ فلا ضَمانَ عليه (١).
وكذلك نَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّ اليَدَ المُترتِّبةَ على الغَصبِ يَدُ ضَمانٍ، فقالوا: إذا غصَبَ عَينًا ثم غصَبَها آخَرُ فتلِفَت عندَ الغاصِبِ الثانِي فللمالِكِ تَضمينُ أيِّهما شاءَ قيمَتَها وأُجرَتَها مُدَّةَ مُقامِها في يَدِ الغاصِبِ الثاني، فإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ الأولَ رجَعَ على الثاني، وإنْ ضمَّنَ الثانِي لم يَرجِعْ على أحدٍ؛ لأنَّه غاصِبٌ تلِفَ المَغصوبُ في يَدِه فاستقَرَّ الضَّمانُ عليه، كالغاصِبِ إذا تلِفَ تحتَ يَدِه (٢).
стр. 8142
المَسألةُ الثانيةُ: إذا باعَ الغاصِبُ المَغصوبَ:
الغاصِبُ إذا باعَ العَينَ المَغصوبةَ فلا يَخلو من أنْ يَكونَ المُشتَري عالِمًا بالغَصبِ فيَكونَ حُكمُه حُكمَ الغاصِبِ عندَ عامةِ العُلماءِ، وللمالِكِ تَضمينُ أيِّهما شاءَ، فإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ رجَعَ على المُشتَري وإنْ ضمَّنَ المُشتَريَ لا يَرجعُ على الغاصِبِ، على تَفصيلٍ عندَهم يأتي.
وإنْ لم يَعلَمِ المُشتَري بالغَصبِ فاختَلَفوا فيه:
قالَ الحَنفيةُ: ولو باعَ الغاصِبُ المَغصوبَ من الثانِي فهلَكَ في يَدِه يَتخيَّرُ المالِكُ، فيُضمِّنُ أيَّهما شاءَ، فإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ جازَ بَيعُه والثَّمنُ له.
وإنْ ضمَّنَ المُشتَريَ بطَلَ البَيعُ ولا يَرجعُ بالضَّمانِ على البائِعِ، ولكنَّه يَرجعُ بالثَّمنِ عليه لمَا ذَكَرنا.
وكذلك لو استَهلَكه المُشتَري (١).
قالَ البَغداديُّ ﵀: ولو باعَ الغاصِبُ المَغصوبَ فالمالِكُ مُخيَّرٌ في تَضمينِ مَنْ شاءَ، فإنْ ضمَّنَ المُشتَريَ رجَعَ بما ضمِنَ على البائِعِ، هذه في المَأذونِ من «الهِداية»، وفي «الخُلاصة»: لو باعَ الغاصِبُ فالمالِكُ بالخيارِ يُضمِّنُ أيَّهما شاءَ، فإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ جازَ بَيعُه والثَّمنُ له، وإنْ ضمَّنَ المُشتَريَ رجَعَ على البائِعِ بالثَّمنِ وبطَلَ البَيعُ ولا يَرجعُ بما ضمِنَ عليه (٢).
стр. 8143
وقالَ المالِكيةُ: مَنْ اشتَرى من الغاصِبِ ما غصَبَه وهو غيرُ عالِمٍ بالغَصبِ فأتلَفَه عَمدًا كما لو أكَلَ الطَّعامَ أو لبِسَ الثَّوبَ حتى أَبلاه فإنَّه يَضمَنُ لمالِكِه مِثلَ المِثليِّ وقيمةَ المُقوَّمِ يَومَ وَضْعِ يَدِه عليه.
لكنْ إذا هلَكَ عندَه ما اشتَراه من الغاصِبِ بأمرٍ سَماويٍّ -أي: لا دَخلَ لأحدٍ فيه- فإنَّه لا ضَمانَ عليه للمالِكِ، وكذلك لا شَيءَ عليه من الغَلَّةِ وإلا فهو ضامِنٌ للغاصِبِ.
وأمَّا إنْ جَنى على المَغصوبِ بالخَطأِ بعدَما اشتَراه من الغاصِبِ ولم يَعلَمْ بالغَصبِ جِنايةَ خَطأٍ وأتلَفَه أو عيَّبَه، هل يَضمَنُ في التَّلفِ قيمةَ المُقوَّمِ ومِثلَ المِثليِّ ويَصيرُ كالعَمدِ لأنَّهما في أَموالِ الناسِ سَواءٌ، فيَكونُ غَريمًا ثانيًا للمالِكِ، أو لا ضَمانَ في الجِنايةِ الخَطأِ فهي كالسَّماويِّ، أي: فلا يَكونُ غَريمًا ثانيًا للمالِكِ؟ تَأويلانِ في المَذهبِ.
أمَّا لو علِمَ المُشتَري بأنَّ بائِعَه غاصِبٌ فإنَّ حُكمَه حُكمُ الغاصِبِ، للمالِكِ أنْ يَتبَعَ أيَّهما شاءَ ويَردَّ الغَلةَ وغيرَ ذلك، فإنْ رجَعَ على الغاصِبِ لا يَرجعُ على المُشتَري، وإنْ رجَعَ على المُشتَري يَرجعُ على الغاصِبِ بثَمنِه (١).
وقالَ الشافِعيةُ: الأَيدي المُترتِّبةُ على يَدِ الغاصِبِ أَيدي ضَمانٍ، فإذا باعَ الغاصِبُ الشَّيءَ المَغصوبَ لعالِمٍ بالغَصبِ فتلِفَ عندَه فالمالِكُ مُخيَّرٌ
стр. 8144
بينَ تَضمينِ الغاصِبِ أو المُشتَري؛ لثُبوتِ يَدِ كلٍّ منهم على مالِ الغيرِ من غيرِ استِحقاقٍ.
وكذا إنْ جهِلَ المُشتَري أنَّه غاصِبٌ، فللمالِكِ أنْ يُضمِّنَ أيَّهما شاءَ؛ لأنَّ الجَهلَ ليس مُسقِطًا للضَّمانِ بل للإِثمِ، فيُطالِبُ المالِكُ مَنْ شاءَ منهما (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ باعَ الغاصِبُ العَينَ المَغصوبةَ فلا يَخلو المُشتَري من أنْ يَكونَ عالِمًا بالغَصبِ أو غيرَ عالِمٍ، والمَرجعُ في ذلك إليه؛ لأنَّ ذلك ممَّا يَخفَى، فإنْ كانَ عالِمًا فحُكمُه حُكمُ الغاصِبِ، وللمالِكِ تَضمينُ أيِّهما شاءَ، فإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ رجَعَ على الآخَرِ ولا يَرجعُ الآخَرُ عليه؛ لأنَّه المُتلِفُ، ويَستقِرُّ الضَّمانُ على المُشتَري؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما غاصِبٌ؛ لأنَّ الغَصبَ الاستِيلاءُ على مالِ الغيرِ قَهرًا بغيرِ حَقٍّ وقد وُجدَ منهما، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَلزمُ رَدُّها إذا كانَت في يَدِه؛ لأنَّ يَدَه عليها بغيرِ حَقٍّ، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «على اليَدِ ما أخَذَت حتى تُؤدِّيَ» ويَلزمُ المُشتَريَ كلُّ ما يَلزمُ الغاصِبَ من النَّقصِ وغيرِه لأنَّه غاصِبٌ.
وإنْ لم يَعلَمِ المُشتَري بالغَصبِ فللمالِكِ أيضًا مُطالبةُ أيِّهما شاءَ برَدِّها؛ لأنَّ الغاصِبَ أخَذَها بغيرِ حَقٍّ ولأنَّ المُشتَريَ أخَذَ مالَ غيرِه بغيرِ حَقٍّ.
стр. 8145
إلا أنَّ المالِكَ إذا ضمَّنَ المُشتَريَ يَرجعُ المُشتَري على الغاصِبِ (١).
وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن رَجلٍ غصَبَ عَينًا فباعَها من رَجلٍ عالِمٍ بالغَصبِ، فجاءَ صاحِبُ العَينِ فأخَذَها من يَدِ المُشتَري، فهل للمُشتَري أنْ يَرجعَ على الغاصِبِ الذي اشتَراها منه مع عِلمِه بالغَصبِ بالثَّمنِ الذي بذَلَه له أو المُشتَري لا يَرجعُ على الغاصِبِ بشَيءٍ والذي نقَدَه للغاصِبِ يَذهبُ مَجانًا؟ فكيفَ الحُكمُ في ذلك؟
فأَجابَ: الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ، بل للمُشتَري أنْ يَرجعَ على الغاصِبِ بالثَّمنِ الذي قبَضَه منه، سَواءٌ كانَ عالِمًا بالغَصبِ أو لم يَكُنْ عالِمًا، فإنَّ الثَّمنَ قبَضَه بغيرِ حَقٍّ، ولو كانَ برِضاه فإنَّهما لو تَبايَعا ما لا يَحلُّ بَيعُه من خَمرٍ أو خِنزيرٍ برِضاهما لوجَبَ أنْ يَردَّ المَبيعَ فيُتلِفَ الخَمرَ والخِنزيرَ ويَردَّ على المُشتَري الثَّمنَ، فكيف إذا باعَه مالَ الغيرِ؟ وبأيِّ وَجهٍ بَقيَ الثَّمنُ في يَدِ الغاصِبِ؟ فلا حَقَّ له فيه، وإنَّما هو مِلكُ المُشتَري واللهُ أعلَمُ (٢).
المَسألةُ الثالِثةُ: إذا أجَّرَ الغاصِبُ العَينَ المَغصوبةَ:
قالَ الكاسانِيُّ: ولو آجَرَ الغاصِبُ المَغصوبَ أو رهَنَه من إِنسانٍ فهلَكَ في يَدِه يَتخيَّرُ المالِكُ، فإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ لا يَرجعُ على المُستأجِرِ والمُرتَهَنِ؛ لأنَّه تبيَّنَ أنَّه آجَرَ ورهَنَ مِلكَ نَفسِه، إلا أنَّه في الرَّهنِ يَسقطُ دَينُ
стр. 8146
المُرتَهَنِ على ما هو حُكمُ هَلاكِ الرَّهنِ، وإنْ ضمَّنَ المُستأجِرَ أو المُرتهَنَ يَرجعُ على الغاصِبِ بما ضمِنَ، والمُرتهَنُ يَرجعُ بدَينِه أيضًا.
أمَّا رُجوعُ المُرتهَنِ بالضَّمانِ فلا شَكَّ فيه؛ لصَيرورتِه مَغرورًا، وأمَّا رُجوعُ المُستأجِرِ فلأنَّه -وإنِ استَفادَ مِلكَ المَنفعةِ- بعِوضٍ، وهو الأُجرةُ، فيَتحقَّقُ الغَررُ فأشبَهَ المُودَعَ.
ولو استَهلَكَه المُستأجِرُ أو المُرتهَنُ يَتخيَّرُ المالِكُ، إلا أنَّه إنْ ضمَّنَ الغاصِبَ يَرجعُ على المُستأجِرِ والمُرتهَنِ؛ لأنَّه تبيَّنَ أنَّه آجَرَ مِلكَ نَفسِه ورهَنَ مِلكَ نَفسِه فاستَهلَكَه المُستأجِرُ والمُرتهَنُ، وإنْ ضمَّنَ المُستأجِرَ أو المُرتهَنَ لم يَرجِعْ على أحدٍ؛ لأنَّه ضمِنَ بفِعلِ نَفسِه (١).
وجاءَ في «دُرر الحُكام»: إذا أجَّرَ الغاصِبُ المالَ المَغصوبَ من آخَرَ وكانَ المَأجورُ في يَدِ المُستأجِرِ عَينًا كانَ المَغصوبُ منه مُخيَّرًا، إنْ شاءَ أجازَ إنْ كانَت شَرائِطُ الإِجازةِ مَوجودةً وأخَذَ بَدلَ الإِيجارِ، وإنْ شاءَ فسَخَ الإِجارةَ واستَردَّ المَأجورَ من المُستأجِرِ.
وإذا تلِفَ المَأجورُ كانَ المَغصوبُ منه مُخيَّرًا، إنْ شاءَ ضمَّنَ الغاصِبَ قيمَتَه يَومَ غَصبِه، وعلى هذا التَّقديرِ ليس للغاصِبِ الرُّجوعُ على المُستأجِرِ، إلا إذا كانَ تلِفَ المَأجورُ بتَعدِّي المُستأجِرِ أو تَقصيرِه، وإنْ شاءَ ضمَّنَ المُستأجِرَ قيمَتَه يَومَ قَبضِه، وعلى هذا التَّقديرِ يُنظرُ، فإذا لم يَكُنِ المُستأجِرُ
стр. 8147
عالِمًا بأنَّ المُؤجِّرَ غاصِبٌ كانَ له الرُّجوعُ بالشَّيءِ الذي ضمِنَه على مُؤجِّرِه، وإذا كانَ عالِمًا بأنَّ المُؤجِّرَ غاصِبٌ فليسَ له الرُّجوعُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو أجَّرَ العَينَ المَغصوبةَ غرِمَ المُستأجِرُ أُجرةَ المِثلِ للمالِكِ ولم يَرجِعْ بها على الغاصِبِ؛ لأنَّه شرَعَ فيه على أنْ يَضمنَها ويَستَردَّ الأُجرةَ المُسمَّاةَ (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا أجَّرَ الغاصِبُ المَغصوبَ فالإِجارةُ باطِلةٌ على إِحدى الرِّواياتِ كالبَيعِ، ولمالِكِه تَضمينُ أيِّهما شاءَ أَجرَ مِثلِها، فإنْ ضمَّنَ المُستأجِرَ لم يَرجعْ بذلك؛ لأنَّه دخَلَ في العَقدِ على أنَّه يَضمنُ المَنفعةَ، إلا أنْ يَزيدَ أَجرُ المِثلِ على المُسمَّى في العَقدِ فيَرجعَ بالزِّيادةِ ويَسقطَ عنه المُسمَّى في العَقدِ، وإنْ كانَ دفَعَه إلى الغاصِبِ رجَعَ به، وإنْ تلِفَت العَينُ في يَدِ المُستأجِرِ فلمالِكِها تَغريمُ مَنْ شاءَ منهما قيمَتَها، فإنْ غرِمَ المُستأجِرُ فله الرُّجوعُ بذلك على الغاصِبِ؛ لأنَّه دخَلَ معه على أنَّه لا يَضمنُ العَينَ، ولم يَحصُلْ له بَدلٌ في مُقابلةِ ما غرِمَ، هذا إذا لم يَعلَمْ بالغَصبِ، وإنْ علِمَ لم يَرجِعْ على أحدٍ؛ لأنَّه دخَلَ على بَصيرةٍ وحصَلَ التَّلفُ في يَدِه فاستقَرَّ الضَّمانُ عليه، فإنْ غرِمَ الغاصِبُ الأجرَ والقيمةَ رجَعَ بالأجرِ على المُستأجِرِ على كلِّ حالٍ، ويَرجعُ بالقيمةِ إنْ كانَ المُستأجِرُ عالِمًا بالغَصبِ، وإلا فلا.
стр. 8148
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا قَولُ الشافِعيِّ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ في الفَصلِ كلِّه، وحُكيَ عن أَبي حَنيفةَ أنَّ الأجرَ للغاصِبِ دونَ صاحِبِ الدارِ، وهذا فاسِدٌ لأنَّ الأجرَ عِوضُ المَنافعِ المَملوكةِ لرَبِّ الدارِ، فلم يَملِكْها الغاصِبُ كعِوضِ الأَجزاءِ (١).
المَسألةُ الرابِعةُ: إذا أودَعَ الغاصِبُ المَغصوبَ عندَ آخَرَ فتلِفَ:
الغاصِبُ إذا أودَعَ المَغصوبَ عندَ آخَرَ فإنْ كانَ يَعلَمُ بالغَصبِ فتلِفَت عندَه فالضَّمانُ عليه عندَ أكثَرِ الفُقهاءِ؛ لأنَّه قبَضَ مالَ غيرِه بغيرِ إِذنِه، وإنْ لم يَعلَمْ فلا ضَمانَ عليه عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ، وعندَ الحَنفيةِ المالِكُ مُخيَّرٌ في أنْ يُضمِّنَ أيَّهما شاءَ، فإنْ ضمَّنَ المُودَعَ رجَعَ على الغاصِبِ لأنَّه غَرَّه.
قالَ الحَنفيةُ: ولو أودَعَ الغاصِبُ المَغصوبَ فهلَكَ في يَدِ المُودَعِ يَتخيَّرُ المالِكُ في تَضمينِ أيِّهما شاءَ، أمَّا الغاصِبُ فظاهِرٌ، وأمَّا المُودَعُ فلقَبضِه منه بلا رِضا مالِكِه.
فإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ لا يَرجعُ بالضَّمانِ على أحدٍ؛ لأنَّه تبيَّنَ أنَّه أودَعَ مِلكَ نَفسِه وإنْ ضمَّنَ المُودَعَ يَرجعُ على الغاصِبِ؛ لأنَّه غَرَّه بالإِيداعِ فيَرجعُ عليه بضَمانِ الغَررِ، وهو ضَمانُ الالتِزامِ في الحَقيقةِ.
ولو استَهلكَه المُودَعُ فالجَوابُ على القَلبِ من الأولِ أنَّه إنْ ضمَّنَ الغاصِبَ فالغاصِبُ يَرجعُ بالضَّمانِ على المُودَعِ؛ لأنَّه تبيَّنَ أنَّه استَهلكَ
стр. 8149
مالَه، وإنْ ضمَّنَ المُودَعَ لم يَرجِعْ على الغاصِبِ؛ لأنَّه ضمِنَ بفِعلِ نَفسِه فلا يَرجعُ على أحدٍ (١).
وقالَ في «دُرر الحُكام»: مَثلًا لو أودَعَ الغاصِبُ المالَ المَغصوبَ عندَ شَخصٍ فهلَكَ ولو بلا تَعدٍّ ولا تَقصيرٍ فللمَغصوبِ منه الخيارُ، إنْ شاءَ ضمَّنَه للغاصِبِ وليسَ لهذا أنْ يَرجعَ على المُستودَعِ؛ لأنَّ الغاصِبَ بصِفتِه مالِكًا بالضَّمانِ وَقتَ الغَصبِ بطَريقِ الاستِنادِ يَكونُ كأنَّه أودَعَ مالَه، وتَكونُ أَمانةً بيَدِ المُستودَعِ ما لم تَهلِكْ بشَيءٍ أوقَعَه المُستودَعُ فيها كالتَّعدِّي والتَّقصيرِ، وفي تلك الحالةِ يَرجعُ الغاصِبُ أيضًا على المُستودَعِ، وإنْ شاءَ ضمَّنَه للمُستودَعِ، وفي هذا التَّقديرِ يَرجعُ المُستودَعُ على المُودِعِ إذا لم يَعلَمْ أنَّ المُودِعَ غاصِبٌ، وعلى تَقديرِ عِلمِه بأنَّه غاصِبٌ قالَ بعضُ الفُقهاءِ بجَوازِ رُجوعِه، وقالَ بعضٌ آخَرُ بعَدمِ جَوازِه، ويُبنَى حَقُّ تَضمينِه الغاصِبَ على المادةِ (٨٩١)، وتَضمينُه المُستودَعَ يَنجُمُ من أجلِ أخذِه المالَ المَذكورَ بدونِ رِضا مالِكِه، أي: المَغصوبِ منه (٢).
وقالَ المالِكيةُ: إذا أُودِعَ المَغصوبُ فلا ضَمانَ على المُودَعِ إلا أنْ يَتعدَّى؛ لأنَّ يَد المُودَعِ كصُندوقِه (٣).
стр. 8150
وقالَ الشافِعيةُ: كلُّ يَدٍ تَرتَّبت على يَدِ الغاصِبِ فهي يَدُ ضَمانٍ، فإذا أودَعَ الغاصِبُ العَينَ المَغصوبةَ عندَ من يَعلمُ بالغَصبِ فهو كغاصِبِ الغاصِبِ، فيَتخيَّرُ المالِكُ عندَ التَّلفِ بينَ مُطالبةِ الغاصِبِ أو المُودَعِ، فإنْ تلِفَ المَغصوبُ في يَدِه فقَرارُ الضَّمانِ عليه، فإذا غرِمَ لا يَرجعُ على الأولِ وإذا غرِمَ الأولُ رجَعَ عليه.
أمَّا إذا جهِلَ المُودَعُ أنَّه غاصِبٌ استقَرَّ الضَّمانُ على الغاصِبِ على المَذهبِ؛ لأنَّه دخَلَ على أنَّ يَدَه نائِبةٌ عن يَدِ الغاصِبِ، فإنْ غرَّمَ المالِكُ الغاصِبَ لم يَرجِعْ على المُودَعِ بلا خِلافٍ، وإنْ ضمَّنَ المالِكُ المُودَعَ رجَعَ المُودَعُ على الغاصِبِ على الصَّحيحِ من المَذهبِ.
وفي وَجهٍ يَستقِرُّ الضَّمانُ على المُودَعِ، وفي وَجهٍ لا يُطالَبُ المُودَعُ أَصلًا (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ أودَعَ المَغصوبَ أو وكَّلَ رَجلًا في بَيعِه ودفَعَه إليه فتلِفَ في يَدِه فللمالِكِ تَضمينُ أيِّهما شاءَ، أمَّا الغاصِبُ فلأنَّه حالَ بينَ المالِكِ وبينَ مِلكِه وأثبَتَ اليَدَ العاديةَ عليه، والمُستودَعُ والوَكيلُ لإِثباتِهما أيديَهما على مِلكِ مَعصومٍ بغيرِ حَقٍّ، فإنْ غرَّمَ الغاصِبَ وكانا غيرَ عالِمَينِ
стр. 8151
بالغَصبِ استقَرَّ الضَّمانُ عليه ولم يَرجِعْ على أحدٍ، وإنْ غرَّمَهما رجَعا على الغاصِبِ بما غرِما من القيمةِ والأجرِ؛ لأنَّهما دخَلا على ألَّا يَضمَنا شَيئًا من ذلك، ولم يَحصُلْ لهما بَدلٌ عما ضَمِنا، وإنْ علِما أنَّها مَغصوبةٌ استقَرَّ الضَّمانُ؛ لأنَّ التَّلفَ حصَلَ تحتَ أيديهما من غيرِ تَغريرٍ بهما، فاستقَرَّ الضَّمانُ عليهما، فإنْ غرِما شَيئًا لم يَرجِعا به، وإنْ غرِمَ الغاصِبُ رجَعَ عليهما؛ لأنَّ التَّلفَ حصَلَ في أَيديهما، وإنْ جرَحَها الغاصِبُ ثم أودَعَها أو رَدَّها إلى مالِكِها فتلِفَت بالجُرحِ استقَرَّ الضَّمانُ على الغاصِبِ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه هو المُتلِفُ فكانَ الضَّمانُ عليه، كما لو باشَرَها بالإِتلافِ في يَدِه (١).
المسألةُ الخامِسةُ: إذا أعارَ الغاصِبُ المَغصوبَ عندَ آخَرَ فتلِفَ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّ الغاصِبَ إذا أعارَ المَغصوبَ فتلِفَ عندَ الآخَرِ فإنَّ المالِكَ مُخيَّرٌ بينَ تَضمينِ الاثنَينِ، الغاصِبِ والمُستَعيرِ، ويَستقِرُّ الضَّمانُ على المُستَعيرِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ، وعندَ الحَنفيةِ إذا ضمَّنَ أَحدَهما لا يَرجعُ على الآخَرِ.
قالَ الحَنفيةُ: لو أَعارَه الغاصِبُ فهلَكَ في يَدِ المُستعيرِ يَتخيَّرُ المالِكُ، وأيَّهما ضمَّنَ لا يَرجعُ بالضَّمانِ على صاحِبِه.
أمَّا الغاصِبُ فلا شَكَّ فيه؛ لأنَّه أعارَ مِلكَ نَفسِه فهلَكَ في يَدِ المُستَعيرِ، وأمَّا المُستَعيرُ فلأنَّه استَفادَ مِلكَ المَنفَعةِ فلم يَتحقَّقِ الغَررُ (٢).
стр. 8152
وفي «دُرر الحُكامِ»: لو أعارَ الغاصِبُ المالَ المَغصوبَ لآخَرَ وسلَّمَه إياه وكانَ المَغصوبُ مَوجودًا في يَدِ المُستعيرِ فالمَغصوبُ منه مُخيَّرٌ، إنْ شاءَ أجازَ الإِعارةَ، وفي هذه الحالِ يَخرجُ الغاصِبُ من الوَسطِ، وإنْ شاءَ لم يُجِزْ واستَردَّه من المُستعيرِ، وله تَضمينُ بَدلِ المالِ المَغصوبِ يَومَ غَصبِه؛ بِناءً على المادةِ (١٦٣٥) بعَدِّهِ مُستهلِكًا بإِعارتِه وتَسليمِه، وإذا ضمَّنَ المُستعيرَ فليسَ له الرُّجوعُ على الغاصِبِ؛ لأنَّ قَبضَ ذلك الشَّخصِ هو لنَفسِه (رَد المُحتار). كذلك إذا ضمَّنَ الغاصِبَ فليسَ للغاصِبِ الرُّجوعُ على المُستعيرِ، انظُرْ شَرحَ المادةِ (٦٥٨)، غيرَ أنَّه إذا تلِفَ بالتَّعدِّي كما لو أتلَفَه المُستعيرُ ففي هذه الصُّورةِ يَكونُ قَرارُ الضَّمانِ على المُستعيرِ، يَعني إذا ضمَّنَ صاحِبُ المالِ الغاصِبَ فله الرُّجوعُ على المُستعيرِ أيضًا (١).
وأمَّا المالِكيةُ فقالَ القَرافِيُّ ﵀: قالَ سحنُونٌ: إذا كانَ المُعيرُ غاصِبًا لا يُضمِّنُه المالِكُ النَّقصَ، بل له أنْ يُضمِّنَه الجَميعَ ولا شَيءَ له على المُستعيرِ، وإنْ كانَ الغاصِبُ عَديمًا بِيعَ الثَّوبُ في القيمةِ واتَّبعَ المُستعيرَ بالأقَلِّ من تَمامِ القيمةِ وما نقَصَ من لُبسِ الثَّوبِ، إلا أنْ يَكونَ قد كانَ للغاصِبِ مالٌ وَقتَ لِباسِ المُستعيرِ ثم زالَ المالُ فلا يَضمَنُ المُستعيُر شَيئًا؛ لاتِّباعِه الغاصِبَ بالقيمةِ، وإنْ شاءَ المُستحِقُّ أخْذَ الثَّوبِ أو ما نقَصَه اللُّبسُ من المُستعيرِ، فذلك له في عَدمِ الغاصِبِ (٢).
стр. 8153
وقالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: إذا أعارَ الغاصِبُ العَينَ المَغصوبةَ فتلِفَت عندَ المُستعيرِ فالمالِكُ مُخيَّرٌ بينَ تَضمينِ الغاصِبِ وتَضمينِ المُستعيرِ، ويَستقِرُّ الضَّمانُ على المُستعيرِ؛ لأنَّ يَدَه يَدُ ضَمانٍ عندَهم.
قالَ الشافِعيةُ: الأَيدي المُترتبةُ على يَدِ الغاصِبِ يَدُ ضَمانٍ، فإذا أعارَ الغاصِبُ العَينَ المَغصوبةَ فتلِفَت عندَ المُستعيرِ فالمالِكُ مُخيَّرٌ بينَ تَضمينِ أيِّهما شاءَ، سَواءٌ علِمَ المُستعيرُ بالغَصبِ أو لم يَعلَمْ؛ لأنَّ يَدَه يَدُ ضَمانٍ، فإذا علِمَ أثِمَ وترتَّبَ عليه الضَّمانُ، وإذا لم يَعلَمْ تَرتَّب عليه الضَّمانُ ولا إِثمَ عليه؛ لأنَّ الجَهلَ ليسَ مُسقِطًا للضَّمانِ بل للإِثمِ، فيُطالِبُ المالِكُ مَنْ شاءَ منهما؛ لأنَّه دخَلَ على الضَّمانِ فلم يَغرَّه الغاصِبُ؛ لأنَّ العاريةَ مَضمونةٌ، فإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ رجَعَ على المُستعيرِ لأنَّه ضامِنٌ، وإنْ ضمَّنَ المُستعيرَ لا يَرجعُ على الغاصِبِ لأنَّه دخَلَ على الضَّمانِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ أعارَ العَينَ المَغصوبةَ فتلِفَت عندَ المُستعيرِ فللمالِكِ تَضمينُ أيِّهما شاءَ أجرَها وقيمَتَها، فإنْ غرَّمَ المُستعيرَ مع عِلمِه بالغَصبِ لم يَرجِعْ على أحدٍ، وإنْ غرَّمَ الغاصِبَ رجَعَ على المُستعيرِ، وإنْ لم يَكُنْ علِمَ بالغَصبِ فغرَّمَه لم يَرجِعْ بقيمةِ العَينِ؛ لأنَّه قبَضَها على أنْ تَكونَ مَضمونةً عليه، وهل يَرجعُ بما غرِمَ من الأجرِ؟ فيه وَجهانِ:
стр. 8154
أَحدُهما: يَرجعُ؛ لأنَّه دخَلَ على أنَّ المَنافعَ له غيرُ مَضمونةٍ عليه.
والثانِي: لا يَرجعُ؛ لأنَّه انتفَعَ بها فقد استَوفَى بَدلَ ما غرِمَ، وكذلك الحُكمُ فيما تلِفَ من الأَجزاءِ بالاستِعمالِ، وإذا كانَت العَينُ وَقتَ القَبضِ أكثَرَ قيمةً من يَومِ التَّلفِ فضمِنَ الأكثَرَ يَنبَغي أنْ يَرجعَ بما بينَ القيمَتَينِ؛ لأنَّه دخَلَ على أنَّه لا يَضمنُه، ولم يَستَوفِ بَدلَه، فإنْ رَدَّها المُستعيرُ على الغاصِبِ فللمالِكِ أنْ يُضمِّنَه أيضًا؛ لأنَّه فوَّتَ المِلكَ على مالِكِه بتَسليمِه إلى غيرِ مُستحِقِّه، ويَستقرُّ الضَّمانُ على الغاصِبِ إنْ حصَلَ التَّلفُ في يَدَيه، وكذلك الحُكمُ في المُودَعِ وغيرِه (١).
المَسألةُ السادِسةُ: إذا وهَبَ العَينَ المَغصوبةَ:
لو وهَبَ الغاصِبُ العَينَ المَغصوبةَ فتلِفَت عندَ المَوهوبِ له فللمالِكِ تَضمينُ أيِّهما شاءَ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ، إلا أنَّهم اختَلَفوا فيمَن يَستقرُّ عليه الضَّمانُ، وهل هناك فَرقٌ بينَ إذا كانَ عالِمًا بالغَصبِ أو جاهِلًا أو لا؟
قالَ الحَنفيةُ: لو وهَبَ الغاصِبُ المَغصوبَ لآخَرَ وسلَّمَه إياه فإذا كانَ مَوجودًا في يَدِ ذلك الشَّخصِ عَينًا كانَ المَغصوبُ منه مُخيَّرًا، إنْ شاءَ أجازَ الهِبةَ والتَّسليمَ وإنْ شاءَ فسَخَ الهِبةَ واستَردَّه من المَوهوبِ له، وإنْ شاءَ ضمَّنَ بدَلَه للغاصِبِ، باعتِبارِ أنَّ تَسليمَه لآخَرَ استِهلاكٌ.
стр. 8155
وإذا تلِفَ في يَدِ المَوهوبِ له كانَ المَغصوبُ منه مُخيَّرًا، إنْ شاءَ ضمَّنَ الغاصِبَ وإنْ شاءَ ضمَّنَ المَوهوبَ له، فإنْ ضمَّنَ المَوهوبَ له فليس له الرُّجوعُ ببَدلِ الضَّمانِ على الغاصِبِ؛ لأنَّ قَبضَ ذلك الشَّخصِ المالَ المَذكورَ قد كانَ لنَفسِه.
والحُكمُ في الصَّدقةِ على هذا المِنوالِ أيضًا.
قالَ الطَّحاويُّ: قالَ أَصحابُنا: إذا غصَبَ ثَوبًا فوهَبَه لغيرِه فخرَقَه ثم جاءَ المَغصوبُ، فإنْ شاءَ ضمَّنَ الغاصِبَ وإنْ شاءَ ضمَّنَ المَوهوبَ له، فأيَّهما ضمَّنَ لم يَرجِعْ على الآخَرِ (١).
قالَ المالِكيةُ: وارِثُ الغاصِبِ ومَن وهَبَه الغاصِبُ شَيئًا إنْ علِما بالغَصبِ فحُكمُهما حُكمُ الغاصِبِ في غَرامةِ قيمةِ المُقوَّمِ ومِثلِ المِثليِّ، وللمُستحِقِّ الرُّجوعُ بالغَلةِ على أيِّهما شاءَ، ويَرجعُ على الوارِثِ والمَوهوبِ له بالغَلَّةِ؛ لأنَّهما لمَّا علِما خُوطِبا بالرَّدِّ، فلمَّا لم يَفعَلا تَرتَّب عليهما بسَببِ ذلك حُكمُ التَّعدِّي.
وإنْ لم يَعلَمِ المَوهوبُ له بالغَصبِ بُدئَ بالغاصِبِ في الغَرامةِ إنْ كانَ حَيًّا مُوسِرًا، ومِن تَركتِه إنْ كانَ مَيتًا مُوسِرًا، فيُغرَّمُ قيمةَ المُقوَّمِ إنْ فاتَت السِّلعةُ ويُغرَّمُ مِثلَ المِثليِّ.
стр. 8156
ويَرجعُ المالِكُ على الغاصِبِ المَليءِ بالغَلَّةِ التي استغَلَّها المَوهوبُ من الشَّيءِ المَغصوبِ، ولا يَرجعُ الغاصِبُ بشَيءٍ من ذلك على المَوهوبِ له، وإذا رجَعَ عليه بغَلَّةِ مَوهوبِه فأَوْلى ما استغَلَّه هو، والرُّجوعُ على الغاصِبِ بغَلةِ مَوهوبِه مَحلُّه إذا كانَت السِّلعةُ قائِمةً أو فاتَت ولم يَختَرْ تَضمينَه القيمةَ؛ إذْ لا يَجمعُ بينَ القيمةِ والغلَّةِ.
فإنْ كانَ الغاصِبُ مُعسِرًا ولم يَقدِرْ عليه فإنَّ المُستحِقَّ يَرجعُ بالغَلَّةِ على المَوهوبِ؛ لأنَّه المُستهلِكُ لذلك، ولا يَرجعُ المَوهوبُ له على الغاصِبِ بشَيءٍ من ذلك؛ لأنَّه يَقولُ: «وهَبتُك شَيئًا»، فاستُحِقَّ، فإنْ كانا عَديمَينِ اتَّبَع أوَّلَهما يَسارًا، ومَن غُرِّمَ منهما لا يَرجعُ على صاحِبِه.
ويَرجعُ على المَوهوبِ بما استغَلَّه فقط إنْ كانَت السِّلعةُ قائِمةً أو فاتَت واختارَ أخْذَ الغَلَّةِ، وإنِ اختارَ تَضمينَه أخَذَ القيمةَ فقط، ولا شَيءَ له من الغَلَّةِ؛ لأنَّه لا يَجمعُ له بينَهما (١).
وقالَ القَرافيُّ ﵀: إذا وهَبَ الغاصِبُ لكَ طَعامًا أو إِدامًا فأكَلتَه أو ثَوبًا فلبِستَه حتى أبلَيتَه رجَعَ مُستحِقُّه على الغاصِبِ المَليءِ؛ لأنَّه المُتعدِّي المُسلَّطُ، وإنْ كانَ مُعدِمًا أو مَعجوزًا عنه فعليكَ؛ لأنَّك المُنتفِعُ بمالِه، ولا تَرجعُ أنتَ على الواهِبِ بشَيءٍ لعَدمِ انتِفاعِه وانتِفاعِك، وكذلك لو أعارَك الغاصِبُ فنقَصَت بلُبسِك لا تَرجعُ على المُعيرِ …
стр. 8157
قالَ ابنُ يُونسَ: قالَ أشهَبُ: إذا وهَبَك الغاصِبُ فأبلَيتَ أو أكَلتَ اتَّبعَ أيَّكما شاءَ؛ لوُجودِ سَببِ الضَّمانِ في حَقِّكما، قالَ ابنُ القاسِمِ: إنْ كانَ الواهِبُ غيرَ غاصِبٍ لم يَتبَعْ غيرَ المَوهوبِ المُنتفِعِ، وهو خِلافُ ما له في كِتابِ الاستِحقاقِ في مُكري الأرضِ يُحابي في كِرائِها ثم يَطرأُ أَخوه، وسَواءٌ بينَ المُتعدِّي وغيرِه، وهو أصلُه في «المُدوَّنة» أنْ يَبدأَ بالرُّجوعِ على الواهِبِ، فإنْ أُعدِمَ فعلى المَوهوبِ، إلا أنْ يَكونَ الواهِبُ عالِمًا بالغَصبِ فكالغاصِبِ في جَميعِ الأُمورِ، ويَرجعُ على أيِّهما شاءَ، وقَولُ أشهَبَ أقيَسُ، ولا يَكونُ المَوهوبُ أحسَنَ حالًا من المُشتَري، ووَجهُ التَّبدِئةِ بالغاصِبِ: أنَّ الظالِمَ أحَقُّ أنْ يُحمَلَ عليه، والفَرقُ بينَ المَوهوبِ والمُشتَري أنَّ المُشتَري إذا غُرِّمَ رجَعَ بالثَّمنِ، والمَوهوبُ لا يَرجعُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو وهَبَ الغاصِبُ المَغصوبَ من شَخصٍ فقَرارُ الضَّمانِ على المَوهوبِ له على الأظهَرِ؛ لأنَّه -وإنْ كانَت يَدُه ليسَت يَدَ ضَمانٍ- أخَذَه للتَّملُّكِ.
ومُقابِلُ الأظهَرِ القَرارُ على الغاصِبِ؛ لأنَّ يَدَ الاتِّهابِ ليسَت يَدَ ضَمانٍ (٢).
стр. 8158
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ وهَبَ المَغصوبُ لعالِمٍ بالغَصبِ استقَرَّ الضَّمانُ على المُتَّهبِ، فمهما غرِمَ من قيمةِ العَينِ أو أجزائِها لم يَرجِعْ به على أحدٍ؛ لأنَّ التَّلفَ حصَلَ في يَدَيه ولم يَغرَّه أحدٌ، وكذلك أجرُ مُدةِ مُقامِه في يَدَيه وأرشُ نَقصِه إنْ حصَلَ.
وإنْ لم يَعلَمْ فلصاحِبِها تَضمينُ أيِّهما شاءَ، فإنْ ضمَّنَ المُتَّهبَ رجَعَ على الغاصِبِ بقيمةِ العَينِ والأَجزاءِ؛ لأنَّه غَرَّه؛ لأنَّ المُتَّهَبَ دخَلَ على أنْ تَسلَمَ له العَينُ فيَجبُ أنْ يَرجعَ بما غرِمَ من قيمَتِها.
وإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ ففي رُجوعِه على المُتهَبِ وَجهانِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا فيما إذا وهَبَ الغاصِبُ ما غصَبَ فتلِفَ في يَدِ المَوهوبِ له، فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأَحمدُ: يُضمِّنُ أيَّهما شاءَ، إلا أنَّه إنْ ضمَّنَ المَوهوبَ له رجَعَ على الغاصِبِ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: أيَّهما ضمَّنَ لم يَرجِعْ على الآخَرِ (٢).
المَسألةُ السابِعةُ: إذا قدَّمَ الغاصِبُ الطَّعامَ المَغصوبَ للمَغصوبِ منه ليَأكُلَه أو وهَبَه له:
قالَ الحَنفيةُ: لو غصَبَ طَعامًا فأكَلَه المالِكُ وهو يَعرِفُه أو لا يَعرِفُه أو أطعَمَه إياه الغاصِبُ وهو لا يَعرِفُه أو كانَ ثَوبًا فألبَسَه إياه وهو لا يَعرِفُه فقد
стр. 8159
بَرئَ منه الغاصِبُ؛ لأنَّه قد سلَّمَ له بالأكلِ واللُّبسِ، فلو ضمِنَ الغاصِبُ لسلِمَ له العِوضُ والمُعوَّضُ، وهذا لا يَصحُّ، قالَ الحَداديُّ: ويَنبَغي على قَولِ أَبي يُوسفَ ومُحمدٍ أنَّه إذا غصَبَ حِنطةً فطحَنَها وأطعَمَها المَغصوبَ منه ألَّا يَبرأَ؛ لأنَّه قد ملَكَها بالطَّحنِ، فبانَ أنَّه أطعَمَ مِلكَ نَفسِه فيَكونُ مُتبَرِّعًا بذلك.
وفي البَزدَويِّ الكَبيرِ: مَنْ غصَبَ طَعامًا فأطعَمَه المالِكَ من غيرِ أنْ يَعلَمَه بَرئَ منه عندَنا؛ لأنَّه أَداءٌ حَقيقةً، فإنَّ عَينَ مالِه وصَلَ إليه، فجَهلُه به لا يُبطِلُ قَبضَه له، أي: جَهلُه بأنَّه مِلكُه لا يُبطِلُ حُكمًا شَرعيًّا، ألَا تَرى أنَّ مَنْ اشتَرى عَبدًا فقالَ البائِعُ للمُشتَري: «أعتِقْ عَبدي هذا»، وأَشارَ إلى المَبيعِ فأعتَقَه المُشتَري ولم يَعلَمْ بأنَّه عَبدُه صَحَّ إِعتاقُه، ويُجعَلُ قَبضًا ويَلزمُه الثَّمنُ؛ لأنَّه أعتَقَ مِلكَه، وجَهلُه بأنَّه مِلكُه لا يَمنعُ صِحةَ ما وُجدَ منه، كذا هذا (١).
وقالَ المالِكيةُ: مَنْ غصَبَ طَعامًا فقدَّمَه لرَبِّه ضِيافةً فأكَلَه فإنَّ الغاصِبَ يَبرأُ من ذلك، وسَواءٌ علِمَ مالِكُه أنَّه له أو لا؛ لأنَّ رَبَّه باشَرَ إِتلافَه، والمُباشِرُ مُقدَّمٌ على المُتسبِّبِ إذا ضعُفَ السَّببُ كما مَرَّ، بل لو أكرَهَ الغاصِبُ رَبَّه على أَكلِه لبَرِئَ الغاصِبُ.
وكذلك لو دخَلَ المالِكُ دارَ الغاصِبِ فأكَلَه بغيرِ إِذنِ الغاصِبِ لبَرِئَ الغاصِبُ، ثم إنَّ هذه المَسألةَ مُقيَّدةٌ بما إذا كانَ ذلك الطَّعامُ يُناسِبُ حالَ
стр. 8160
مالِكِه، وإلا يَضمَنْه الغاصِبُ لرَبِّه ويَسقُطْ عنه من قيمَتِه الذي انتفَعَ به رَبُّه، أنْ لو كانَ ذلك من الطَّعامِ الذي شأنُه أكلُه، كما إذا كانَ الطَّعامُ يُساوي عَشرةَ دَنانيرَ ويَكفي مالِكَه من الطَّعامِ الذي يَليقُ به بنِصفِ دِينارٍ، فإنَّ الغاصِبَ يَغرَمُ له تِسعةً ونِصفًا، ويَنبَغي إذا أكَلَه بغيرِ إِذنِ الغاصِبِ أنْ يُقيَّدَ بما إذا أكَلَه قبلَ فَوتِه، وأمَّا إنْ أكَلَه بعدَما فاتَ عندَ الغاصِبِ ولزِمَته القيمةُ فإنَّه يَرجعُ عليه بقيمَتِه؛ لأنَّه قد أكَلَ ما هو مِلكٌ للغاصِبِ، ويَرجعُ رَبُّه على الغاصِبِ بقيمَتِه، وقد تَختلِفُ القيمَتانِ (١).
وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: وإذا أتلَفَ القابِضُ من الغاصِبِ نُظرَ، إنِ استقَلَّ بالإِتلافِ فقَرارُ الضَّمانِ عليه.
وإنْ حمَلَه الغاصِبُ عليه بأنْ غصَبَ طَعامًا فقدَّمَه إليه ضيافةً فأكَلَه فالقَرارُ على الآكِلِ إنْ كانَ عالِمًا، وكذا إنْ كانَ جاهِلًا على الأظهَرِ المَشهورِ في الجَديدِ، فعلى هذا إنْ ضمَّنَه لم يَرجِعْ على الغاصِبِ، وإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ رجَعَ عليه، وعلى القَولِ الآخَرِ بالعَكسِ، هذا إذا قدَّمَه إليه وسكَتَ، فإنْ قالَ: «هو مِلكي»، فإنْ ضمَّنَ الآكِلَ ففي رُجوعِه على الغاصِبِ القَولانِ، وإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ فالمَذهبُ أنَّه لا يَرجعُ قَطعًا؛ لأنَّه مُعتَرِفٌ بأنَّه مَظلومٌ فلا يَرجعُ على غيرِ ظالِمِه.
وقالَ المُزنِيُّ: يَرجعُ عليه، وغلَّطَه الأَصحابُ (٢).