← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ما يُستحبُّ أن يتَّصفَ به المؤذِّنُ: ١ - يُستحبُّ أن يَكونَ المؤذِّنُ طاهِرًا مِنْ الحَدثِ الأصغَرِ والأكبرِ؛ لأنَّ الأذانَ ذِكرٌ مُعَظَّمٌ، فالإتيانُ به معَ الطَّهارةِ أقرَبُ إلى التَّعظيمِ. ٢ - ويُستحبُّ أن يَكونَ عَدلًا؛ لأنَّه أَمينٌ على المَواقيتِ، ويَصحُّ أذانُ الفاسِقِ معَ الكَراهةِ عندَ الجُمهورِ، وفي وَجهٍ عندَ الحَنابلَةِ لا يُعتَدُّ بأذانِه، والوَجهُ الآخَرُ أنَّه يُعتَدُّ بأذانِه؛ لأنَّه تَصحُّ صَلاتُه بالنَّاسِ، فكَذا أذانُه (١). ٣ - ويُستحبُّ أن يَكونَ صَيِّتًا؛ أَي حَسنَ الصَّوتِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ لِعَبد اللهِ بنِ زَيدٍ: «فَقُم معَ بِلَالٍ فَأَلقِ عليه ما رَأَيتَ، فَليُؤذِّن بِه فإنَّه أَندَى صَوتًا مِنْكَ» (٢)، ولأنَّه أبلَغُ في الإعلامِ، وهذا معَ كَراهةِ التَّمطيطِ والتَّطريبِ. ٤ - ويُستحبُّ أن يَجعلَ أُصبُعَيهِ في أُذُنَيهِ حالَ الأذانِ؛ لِما رَوى أبو جُحَيفَةَ أنَّ بِلالًا أذَّنَ ووضعَ أُصبُعَيهِ في أُذُنَيهِ (٣). ويُستحبُّ أن يؤذِّنَ قائِمًا، قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ

стр. 842

عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّ السُّنةَ أن يُؤذِّنَ قائِمًا، وقالَ النَّبيُّ ﷺ لِبِلالٍ: «قُم فَأَذِّن» (١). ما يُشرعُ له الأذانُ مِنْ الصَّلواتِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الأذانَ والإقامةَ مَشروعانِ لِلصَلواتِ الخَمسِ ولا يُشرعانِ لغيرِها. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الأذانُ والإقامَةُ مَشروعانِ لِلصَلواتِ الخَمسِ بالنُّصوصِ الصَّحيحةِ والإجماع، ولا يُشرعُ الأذانُ ولا الإقامَةُ لغيرِ الخَمسِ بلا خِلافٍ، سَواءٌ كانَت مَنذورةً أو جِنازةً أو سُنَّةً، وسَواءٌ سُنَّ لها الجَماعةُ كالعِيدَينِ والكُسوفِ والاستِسقاءِ، أم لا كالضُّحى (٢). ويُستدَلُّ على ذلك بما رَواه مُسلِمٌ عن جابرِ بنِ سَمُرةَ ﵁ قالَ: «صلَّيتُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ العِيدَينِ غيرَ مرَةٍ، ولا مرَّتينِ، بِغيرِ أَذَانٍ ولا إِقامَةٍ» (٣). أمَّا عن كَيفيَّةِ النِّداءِ لِهذه الصَّلواتِ التي لا أذانَ لها فقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ السُّنةَ في صَلاتَيِ العِيدَينِ وصَلاتَيِ الكُسوفِ والاستِسقاءِ النِّداءُ بقَولهِ: «الصَّلاةُ جامِعةٌ». وأجمَعوا على أنَّ الصَّلاةَ على الجَنائزِ لا يُسنُّ لها أذانٌ ولا نِداءٌ (٤).

стр. 843

ويُستدَلُّ لِلأوَّلِ بما ثَبتَ في الصَّحيحَينِ عن عَبد اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ قالَ: «لمَّا كَسَفتِ الشَّمسُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ نُودِيَ: أنِ: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ» (١). الأذانُ لِلفَوائتِ: ذَهب المالِكيَّةُ في المَشهورِ عندَهم إلى كَراهةِ الأذانِ لِلفَوائتِ دونَ الإقامَةِ، فالفَوائتُ يُقامُ لها ولا يُؤذَّنُ؛ لِقَولهِ ﷺ : «مَنْ نامَ عَنْ صَلاةٍ أَوْ نَسيَها فَليُصلِّها إذا ذكرَها»، ولم يَأمُر أن يُؤذَّنَ لها، وفي حَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا حُبس يومَ الخَندقِ عن الظُّهرِ والعَصرِ، والمَغربِ والعِشاءِ، صلَّاها بإقامَةٍ لكلِّ صَلاةٍ، ولم يُؤذِّن لها، ولأنَّ الأذانَ دُعاءٌ إلى الصَّلاةِ وإيذانٌ بوُجوبِها ولأنَّ سُنَّتَه الجَماعةُ الرَّاتبَةُ، وكلُّ ذلك مَعدومٌّ في الفَوائتِ، ولأنَّ الأذانَ عَلَمٌ على الوقتِ، فسقطَ بفَواتهِ، ولأنَّه لو أُذِّنَ لها لالتَبَسَ بصَلاةِ الوقتِ، ولأنَّه لمَّا لم يكن مِنْ سُنَّتِها أن يُؤذَّنَ لها على المَنابرِ وإنَّما يُفعَلُ عندَهم كما يُفعَلُ لِلإقامَةِ، دلَّ ذلك على أنَّه ليس بسُنَّتِها بوَجهٍ (٢). وذَهب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في المُعتمَدِ عندَهم والحَنابلَةُ إلى أنَّه يُشرعُ لِمَنْ فاتَتهُ صَلاةٌ أن يُؤذِّنَ لها ويُقيمَ؛ لمَا رَواه مُسلِمٌ عن أبي قَتادةَ الأنصاريِّ ﵁، وفيه قالَ: فمالَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن الطَّريقِ فوضعَ رَأسَه ثم قالَ: «احفَظُوا عَلَينَا صَلاتنَا»، فكانَ أوَّلُ مَنْ استَيقظَ رَسولَ اللهِ

стр. 844

ﷺ والشَّمسُ في ظَهرهِ قالَ: فقُمنا فَزِعينَ، ثم قالَ: «اركَبُوا»، فرَكِبنا فسِرنا حتى إذا ارتَفَعَتِ الشَّمسُ نزلَ ثم دَعا بمِيضَأَةٍ كانَت معِيَ فيها شَيءٌ مِنْ ماءٍ، قالَ: فتَوضَّأَ مِنها وُضوءًا دون وُضوءٍ، قالَ: وبَقيَ فيها شَيءٌ مِنْ ماءٍ، ثم قالَ لِأبي قَتادةَ: «احفَظ عَلَينَا مِيضَأَتَكَ؛ فَسَيكونُ لها نَبَأٌ»، ثم أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلاةِ فَصلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ رَكعتَينِ، ثم صلَّى الغَدَاةَ، فَصَنَعَ كَما كانَ يَصنَعُ كلَّ يَومٍ (١). أمَّا إذا تَعدَّدتِ الفَوائتُ فعندَ الحَنفيَّةِ الأَولَى أن يُؤذِّنَ ويُقيمَ لكلِّ صَلاةٍ، وإن أذَّنَ لِلأُولى وأَقامَ لِلثَّانيةِ فلا بَأسَ، وهو مَذهبُ الحَنابلَةِ والمُعتَمدُ عندَ الشَّافعيَّةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ: وإن كَثُرتِ الفَوائتُ أذَّنَ وأَقامَ لِلأُولى فَقط، ثم أَقامَ لِلَّتي بعدَها، فإن لم يُؤذِّن فلا بَأسَ (٢). الأذانُ للصَّلاتَينِ المَجموعَتَينِ: إذا جَمعَ بينَ صَلاتَينِ في وقتِ أَوَّلِهما كمَن جَمعَ العَصرَ معَ الظُّهرِ في وقتِ الظُّهرِ بعَرَفةَ فإنَّه يُؤذِّنُ لِلأُولَى ويُقيمُ، ثم يُقيمُ لِلثَّانيةِ، وهَذا عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابلَةِ؛ لِما رَواه مُسلِمٌ عن جَابرِ بنِ عَبد اللهِ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى الظُّهرَ وَالعَصرَ بِعَرفةَ بِأَذَانٍ وَإِقامَتَينِ» (٣).

стр. 845

وقالَ الإمامُ مالِكٌ: يُؤذِّنُ ويُقيمُ لِلأُولى ويُؤذِّنُ ويُقيمُ لِلثَّانيةِ؛ لأنَّ الثَّانيةَ منهما صَلاةٌ يُشرعُ لها الأذانُ، وهي مَفعولَةٌ في وقتِها، فيؤذِّنُ لها كالأُولى. أمَّا إذا جَمعَ بينهما في وقتِ الثَّانيةِ كمَن جمعَ بينَ المَغربِ والعِشاءِ بمُزدَلِفةَ فإنَّه يؤذِّنُ لِلأُولى ويُقيمُ لكلِّ واحدةٍ منهما، وهذا هو الصَّحيحُ عندَ الشَّافعيَّةِ والحَنابلَةِ، وبه قالَ عَبدُ المَلكِ بنُ الماجِشونِ المالِكيُّ والطَّحاويُّ الحَنفيُّ؛ لمَا رَواه جابِرٌ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «أَتى المُزدَلِفَةَ فَصلَّى بها المَغربَ وَالعِشاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقامَتَينِ» (١). وقالَ الإمامُ مالِكٌ: يُؤذِّنُ ويُقيمُ لِلأُولى ويُؤذِّنُ ويُقيمُ لِلثَّانيةِ. وعندَ الحَنفيَّةِ: يَكتَفي بأذانٍ واحدٍ وإقامَةٍ واحدةٍ. ولِلإمامَينِ الشافِعيِّ وأحمدَ قَولٌ بأنَّه يُصلِّي كلَّ واحدةٍ بإقامَتِها بلا أذانٍ (٢)؛ لمَا رَواه ابنُ عمرَ ﵄ قالَ: «جَمعَ النَّبيُّ ﷺ بينَ المَغربِ وَالعِشاءِ بِجَمعٍ، كلُّ واحدةٍ مِنهُمَا بِإِقامَةٍ» (٣). الأذانُ في جامِعٍ صُلِّيت فيه جَماعةٌ: لو أُقيمَت جَماعةٌ في مَسجدٍ فحَضرَ قَومٌ لم يُصَلُّوا فالصَّحيحُ عندَ الشَّافعيَّةِ أنَّه يُسنُّ لهم الأذانُ، والأَولى ألَّا يَرفَعوا الصَّوتَ؛ لخَوفِ اللَّبسِ، سواءٌ كانَ المَسجدُ مَطروقًا أو غيرَ مَطروقٍ.

стр. 846

وعندَ الحَنابلَةِ يَستَوي الأمرانِ، فإن شاؤُوا أذَّنوا وأقاموا؛ لِما رُويَ عن أنَس بنِ مالِكٍ ﵁: «أَنَّه دخلَ مَسجدًا قَدْ صَلوا فيه، فَأَمرَ رَجلًا فَأَذَّنَ وَأَقامَ، فَصلَّى بِهم في جَمَاعَةٍ» (١)، وإن شاؤُوا صَلوا مِنْ غيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، فإنَّ عُروةَ قالَ: إذا انتَهيتَ إلى مَسجدٍ قد صلَّى فيه ناسٌ أذَّنوا وأَقاموا، فإنَّ أذانَهم وإقامَتهم تُجزِئُ عمَّن جاءَ بعدَهم، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا أذَّنَ فالمُستحَبُّ أن يُخفِيَ ذلكَ، ولا يَجهَرَ به لِيَغُرَّ النَّاسَ بالأذانِ في غيرِ مَحَلِه. أمَّا الحَنفيَّةُ فقد فَصَّلوا في ذلك فقالوا: إن كانَ المَسجدُ له أَهلٌ مَعلومونَ وصلَّى فيه غيرُ أَهلِه بأذانٍ وإقامَةٍ لا يُكرَهُ لِأهلِه أن يُعيدوا الأذانَ والإقامةَ إذا صَلوا، وإن صلَّى فيه أهلُه بأذانٍ وإقامَةٍ أو بَعضُ أهلِه يُكرَهُ لغيرِ أهلِه وللِباقينَ مِنْ أهلِه أن يُعيدوا الأذانَ والإقامةَ إذا صَلوا، وإن كانَ المَسجدُ ليس له أهلٌ مَعلومونَ بِأن كانَ على الطَّريقِ لا يُكرهُ تَكرارُ الأذانِ والإقامَةِ فيه (٢). أخذُ الأُجرةِ على الأذانِ والإقامَةِ: اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ أَخذِ الأُجرةِ على الأذانِ والإقامَةِ، هَلْ يَجوزُ أخذُ الأُجرةِ عليهما أو لا؟ على قولَينِ: فذَهب مُتقدِّمو الحَنفيَّةِ -أبو حَنيفَةَ وأبو يوسُفَ ومحمَّدٌ- والشَّافعيَّةُ في قَولٍ والحَنابلَةُ في المَذهبِ (والظَّاهريَّةُ) إلى أنَّه لا يَجوزُ أخذُ الأُجرةِ

стр. 847

على الأذانِ؛ لحَديثِ عُثمانَ بنِ أَبِي العاصِ ﵁: قُلتُ: يا رسُولَ اللَّهِ اجعَلني إمَامَ قَومِي، فقالَ: «أنتَ إمَامُهم، واقتَدِ بأَضعَفِهم، واتَّخِذ مُؤذّنًا لا يأخُذُ على أَذَانِه أجرًا» (١)، فلَو كانَ أخذُ الأَجرِ على الأذانِ جائِزًا لَمَا مَنعَه أن يَتَّخِذَ مَنْ يأخُذُ عليه أجرًا، ولأنَّه قُربَةٌ لِفاعِلِه لا يَصحُّ إلا مِنْ مُسلِمٍ، فلم يَستأجِرهُ عليه، كالإمامَةِ. قالَ الحَنفيَّةُ: والأَصلُ فيه أنَّ كلَّ شَيءٍ جازَ أن يُستأجَرَ الكافِرُ عليه جازَ أن يُستأجَرَ عليه المُسلِمُ، وما لا فلا، فكلُّ طاعَةٍ يَختَصُّ بها المُسلمُ فالاستِئجارُ عليها باطِلٌ. وذَهب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ وأحمدُ في رِوايةٍ ومُتأخِرو الحَنفيَّةِ -وعليه الفَتوَى- إلى أنَّه يَجوزُ أخذُ الأجرةِ على الأذانِ؛ لأنَّه عمَلٌ مَعلومٌ يَجوزُ أخذُ الرِّزقِ عليه؛ فجازَ أخذُ الأجرةِ عليهِ، كسائرِ الأعمالِ، ولأنَّ كلَّ ما جازَ أن يُتبَرَّعَ به عن الآخَرينَ جازَ أخذُ الأجرةِ عليه كبِناءِ المَساجِدِ، ولأنَّ الإمامَ الأعلى يَأخُذُ رِزقَهُ مِنْ بَيتِ المالِ ونِيابَتُه أفضَلُ مِنْ نِيابَةِ المُؤذِّنينَ. وسَواءٌ كانَتِ الأُجرةُ مِنْ بَيتِ المالِ كما فعلَ عمرُ، أو مِنْ آحادِ النَّاسِ على المَشهورِ عندَ المالِكيَّةِ، ومنعَها ابنُ حَبيبٍ مِنْ آحادِ النَّاسِ على الأذانِ.

стр. 848

قالَ القُرطُبيُّ ﵀: وقدِ استَدلَّ عُلماؤُنا على جَوازِ أخذِ الأُجرةِ بحَديثِ أبي مَحذورةَ، وفيه نَظرٌ، أخرَجهُ النَّسائيُّ وابنُ ماجَه وغيرُهما، قالَ: خرَجتُ في نَفَرٍ، فَكُنَّا بِبعضِ الطَّرِيقِ، فَأَذَّنَ مُؤذِّنُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلاةِ عندَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعنَا صَوتَ المُؤذِّنِ وَنَحنُ عنه مُتنَكِّبُونَ فَصَرَخنَا نَحكِيهِ نَهزَأُ بِه، فَسمِع رَسولُ اللَّهِ ﷺ فَأَرسَل إِلَينَا قَومًا فَأَقعَدُونَا بينَ يَديهِ، فقالَ: «أَيُّكُم الذي سَمِعتُ صَوتَه قد ارتَفَعَ»، فَأَشَارَ إليَّ القَومُ كلُّهم وَصَدَقُوا؛ فَأَرسَل كلَّهُم وَحَبَسَنِي، وقالَ لي: «قُم فَأَذِّن»، فَقُمتُ ولا شَيءَ أَكرَهُ إليَّ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ولا ممَّا يَأمُرُنِي بِه، فَقُمتُ بينَ يَدي رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، أَلقَى عَلَيَّ رَسولُ اللَّهِ التَّأذِينَ هو بِنَفسِهِ، فقال: «قُلِ: اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، أشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ»، ثم قالَ لي: «ارفَع مِنْ صَوتِكَ، أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، أَشهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفلَاحِ، حَيَّ على الفلَاحِ، اللهُ أَكبَرُ، الله أَكبَرُ، لَا إِلَهَ إلا اللهُ». ثم دَعانِي حين قَضيتُ التَّأذِينَ فَأَعطَانِي صُرَّةً فيها شَيءٌ من فِضَّةٍ، ثم وضعَ يَدهُ على نَاصِيَةِ أبي مَحذُورةَ ثم أمَرَّهَا على وَجهِهِ ثم على ثَديَيهِ ثم على كَبِدِه، ثم بلغَت يَدُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ سُرَّةَ أبي مَحذُورةَ، ثم قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «بارَكَ اللهُ لكَ وَبارَكَ عَلَيكَ»، فقُلتُ: يا

стр. 849

رَسولَ اللَّهِ أَمَرتَنِي بِالتَّأذِينِ بِمَكَّةَ، قال: «نَعم، قد أَمَرتُكَ»، فَذَهب كلُّ شَيءٍ كان لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ من كَراهيةٍ، وَعادَ ذلك كُلُّه مَحبَّةً لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقدِمتُ على عَتَّابِ بن أَسِيدٍ عامِلِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَأَذَّنتُ معَه بِالصَّلاةِ عن أَمرِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ » (١) لَفظُ ابنِ ماجَه (٢). ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ على جَوازِ أخذِ الرِّزقِ عليهِ؛ لأنَّ بالمُسلِمينَ حاجَةً إليهِ، وقد لا يُوجَدُ مُتطوِّعٌ به، وإذا لم يُدفعِ الرِّزقُ فيه يُعطَّلُ، ويَرزُقُهُ الإمامُ مِنْ الفَيءِ؛ لأنَّه المُعَدُّ لِلمَصالِحِ، فهو كأرزاقِ القُضاةِ والغُزاةِ وإن وُجِدَ مُتطوِّعٌ به لم يُرزَق غيرُه؛ لعَدمِ الحاجَةِ إليه (٣).

стр. 850

شُروطُ الصَّلاةِ: تَقسيماتُ الشُّروطِ عندَ الفُقهاءِ: قسَّم الفُقهاءُ شُروطَ الصَّلاةِ إلى: شُروطِ وُجوبٍ وشُروطِ صحَّةٍ، وزادَ المالِكيَّةُ قِسمًا ثالِثًا هو: شُروطُ وُجوبٍ وصحَّةٍ معًا. والشَّرطُ هوَ: ما يَلزمُ مِنْ عَدمِه عدمُ المَشروطِ، ولا يَلزمُ مِنْ وُجودِه وُجودٌ ولا عدمَ. شُروطُ وُجوبِ الصَّلاةِ: أ- الإسلامُ: تَجِبُ الصَّلاةُ على كلِّ مُسلِمٍ، ذَكَرٍ وأُنثى، ولا تَجِبُ على الكافرِ الأصليِّ؛ لأنَّها لا تَصحُّ منهُ حالَ كُفرِهِ؛ لأنَّها لَو وجبَت عليه حالَ كُفرِهِ لوجبَ عليه قَضاؤُها؛ لأنَّ وُجوبَ الأَداءِ يَقتَضي وُجوبَ القَضاءِ، واللَّازِمُ مُنتَفٍ، ويَترتَّبُ على هذا أنَّنا لا نَأمُرُ الكافِرَ بالصَّلاةِ في كُفرِهِ، ولا بقَضائِها إذا أسلَمَ بلا خِلافٍ؛ لأنَّه أسلَمَ خَلقٌ كَثيرونَ في عَهدِ النَّبيِّ ﷺ ومن بَعده، فلم يُؤمَر أَحدٌ بقَضاءِ الصَّلاةِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقَد يُؤدِّي إيجابُ ذلك إلى التَّنفيرِ؛ فخَفَّفَ عنه ذلك تَرغيبًا. وقد صرَّح الشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ بأنَّ الصَّلاةَ لا تَجبُ على الكافرِ الأصليِّ وُجوبَ مُطالَبةٍ بها في الدُّنيا؛ لِعدمِ صحَّتِها منه، لكِن تَجِبُ عليه وُجوبَ عِقابٍ عليها في الآخِرةِ؛ لتَمكُّنهِ مِنْ فِعلِها بالإسلامِ.

стр. 851

أمَّا المُرتدُّ فقدِ اختَلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ الصَّلاةِ عليهِ. فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ مِنْ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابلَةِ في المَذهبِ إلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَجِبُ على المُرتدِّ؛ فلا يَقضي ما فاتَه إذا رَجعَ إلى الإسلامِ؛ لأنَّه بالردَّةِ يَصيرُ كالكافرِ الأصليِّ. وقد ذَهب الشَّافعيَّةُ والإمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ إلى وُجوبِ قَضاءِ الصَّلاةِ على المُرتدِّ بعدَ إسلامِه؛ تَغليظًا عليه، ولأنَّه التَزمَها بالإسلامِ فلا تَسقطُ عنه بالجُحودِ، كحقِّ الآدَميِّ إذا أقَرَّ بمالٍ ثم ارتَدَّ؛ فلا يسقطُ عنهَ (١). ب- العَقلُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترطُ لوُجوبِ الصَّلاةِ أن يَكونَ المَرءُ عاقِلًا، فلا تَجِبُ على المَجنونِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثةٍ: عَنِ النَّائِمِ حتى يَستَيقِظَ، وعنِ الصَّبِيِّ حتى يَحتَلِمَ، وعنِ المَجنُونِ حتى يَعقِلَ» (٢)، ولأنَّ مدَّتَه تَتَطاوَلُ فيَشُقُّ إيجابُ القَضاءِ عليه فعُفِيَ عنهُ. إلَّا أنَّهم قد اختَلَفوا فيمَن غُطِّيَ عَقلُه أو سُتِرَ بمرَضٍ أو إغماءٍ أو دَواءٍ مُباحٍ:

стр. 852

فذَهب الحَنفيَّةُ إلى التَّفريقِ بينَ أن يَكونَ زَوالُ العَقلِ بآفَةٍ سَماويَّةٍ أو بصُنعِ العَبد، فإن كانَ بآفَةٍ سَماويَّةٍ كأن جُنَّ أو أُغمِيَ عليه، ولو بفَزَعٍ مِنْ سَبُعٍ أو آدَميٍّ، نُظِرَ، فإن كانَت فَترَةُ الإغماءِ يَومًا ولَيلَةً فإنَّه يجِبُ عليه قَضاءُ الخَمسِ، وإن زادَت على ذلك فلا قَضاءَ عليه لِلحَرجِ، ولَو أَفاقَ في زَمنِ السادِسةِ -إلَّا أن تَكونَ إفاقَتُه في وَقتٍ مَعلومٍ- فيجبُ عليه قَضاءُ ما فاتَ إن كانَ أقلَّ مِنْ يَومٍ ولَيلَةٍ، مثلَ أن يَخِفَّ عنه المَرضُ عندَ الصُّبحِ مَثلًا فيفيقَ قَليلًا ثم يُعاوِدَهُ فيُغمَى عليه، فتُعتبَرُ هذه الإفاقَةُ، ويَبطُلَ ما قبلَها مِنْ حُكمِ الإغماءِ إذا كانَ أقَلَّ مِنْ يَومٍ ولَيلَةٍ، وإن لم يَكن لإفاقَتِه وقتٌ مَعلومٌ بل يُفيقُ بَغتةً فيَتكلَّمُ بكَلامِ الأصحَّاءِ ثم يُغمَى عليه فلا عِبرةَ بهذه الإفاقَةِ. وإن كانَ زَوالُ العَقلِ بصُنعِ الآدَميِّ، كما لو زالَ عَقلُه ببَنجٍ أو خَمرٍ أو دَواءٍ لزِمه قَضاءُ ما فاتَه وإن طالَتِ المدَّةُ. وعندَ مُحمَّدٍ يسقطُ القَضاءُ بالبَنجِ والدَّواءِ؛ لأنَّه مُباحٌ؛ فصارَ كالمَريضِ، قالَ ابنُ عابِدينَ: والظَّاهرُ أنَّ عَطفَ الدَّواءِ على البَنجِ عَطفُ تَفسيرٍ، وأنَّ المُرادَ شُربُ البَنجِ لأجلِ الدَّواءِ، أمَّا لو شرِبه لِلسُّكرِ فيَكونُ مَعصيةً بصُنعِه كالخَمرِ، وأنَّه لو شرِب الخَمرَ على وَجهٍ مُباحٍ كإكراهٍ يَكونُ كالبَنجِ، فيَجري فيه الخِلافُ. أمَّا النَّومُ فلا يُسقِطُ القَضاءَ؛ لأنَّه لا يَمتَدُّ يَومًا ولَيلَةً في الأغلَبِ، فلا حَرجَ في القَضاءِ بخِلافِ الإغماءِ ممَّا يَمتدُّ عادَةً (١).

стр. 853

وذهَبَ المالِكيُّةُ إلى سُقوطِ وُجوبِ الصَّلاةِ على مَنْ زالَ عَقلُه بجُنونٍ أو إغماءٍ، إلا إذا زالَ عُذرُه المُسقِطُ لِلصَّلاةِ، وقد بَقيَ مِنْ الوقتِ الضَّروريِّ ما يَسعُ رَكعةً بعدَ تَقديرِ تَحصيلِ الطَّهارةِ المائِيَّةِ أو التُّرابيَّةِ، فإذا كانَتِ البقِيةُ لا تَسَعُ رَكعةً؛ سقطَت عنه الصَّلاةُ. أمَّا مَنْ زالَ عَقلهُ بسُكرٍ حَرامٍ فإنَّه تَجِبُ عليه الصَّلاةُ مُطلَقًا، وكَذا النَّائِمُ والسَّاهي تَجِبُ عليهما الصَّلاةُ، فمَتى تَنبَّه السَّاهي أو استَيقظَ النَّائمُ وجبَت عليهما الصَّلاةُ على كلِّ حالٍ، سَواءٌ أكانَتِ البقيَّةُ مِنْ الوقتِ تَسعُ رَكعةً معَ فِعلِ ما يَحتاجُ إليه مِنْ الطُّهرِأو لا، بل ولو خَرجَ الوقتُ ولم يَبقَ منه شَيءٌ (١). أمَّا الشافِعيَّةُ فقالوا: لا تَجِبُ الصَّلاةُ على مَنْ زالَ عَقلُه بجُنونٍ أو إغماءٍ أو عَتهٍ أو سُكرٍ أو مرَضٍ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثةٍ: … وعنِ المَجنُونِ حتى يُفِيقَ» (٢)، فنَصَّ على المَجنونِ؛ وقِيسَ عليه كلُّ مَنْ زالَ عَقلُه بسَببٍ مُباحٍ يُعذَرُ فيه، وسَواءٌ قَلَّ زَمنُ ذلك أو طالَ، إلا إذا زالَت هَذهِ الأسبابُ، وقد بَقيَ مِنْ الوقتِ الضَّروريِّ قَدرُ زَمنِ تَكبيرةٍ فأكثرَ؛ لأنَّ القَدرَ الذي يتعلَّقُ به الإيجابُ يَستويِ فيه الرَّكعةُ وما دُونَها، ولا تَلزمُه بإدراكِ ما دون تَكبيرةٍ، لكِن يُسنُّ لِلمُغمَى عليه والمَجنونِ ونحوِهما القَضاءُ. وأمَّا إن زالَ عَقلُه بمُحَرمٍ كمَن شرِب المُسكِرَ أو تَناولَ دَواءً مِنْ غيرِ

стр. 854

حاجةٍ فزالَ عَقلُه وجبَ عليه القَضاءُ إذا أفاقَ؛ لأنَّه زالَ عَقلُه بمُحَرمٍ فلم يسقُط عنه الفَرضُ. قالوا: وأمَّا النَّاسي لِلصَّلاةِ أو النَّائمُ عَنها والجاهِلُ لوُجوبِها فلا يجبُ عليهم الأَداءُ؛ لِعَدمِ تَكليفِهم، ويجبُ عليهم القَضاءُ؛ لحَديثِ: «مَنْ نَسيَ صَلاةً أو نَامَ عنها فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصلِّيَهَا إذا ذكرَهَا» رَواه مُسلمٌ، ويُقاسُ على النَّاسي والنَّائمِ الجاهِلُ إذا كانَ قَريبَ عَهدٍ بالإسلامِ (١). أمَّا الحَنابلَةُ فإنَّهم قَصَروا عدَمَ وُجوبِ الصَّلاةِ على المَجنونِ الذي لا يُفيقُ؛ لحَديثِ عائِشِةَ مَرفوعًا: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثةٍ … » الحَديثَ، ولأنَّه ليس مِنْ أَهلِ التَّكليفِ أشبهَ الطِّفلَ ومِثلَه الأَبلَه الذي لا يُفيقُ. أمَّا مَنْ تَغَطَّى عَقلُه بمرَضٍ أو إغماءٍ أو دَواءٍ مُباحٍ فإنَّه تَجبُ عليه الصَّلواتُ الخَمسُ؛ لأنَّ ذلك لا يُسقِطُ الصَّومَ، فكَذا الصَّلاةُ، فهو كالنَّائمِ، ولأنَّ عمَّارًا تَغشَّى ثَلاثًا، ثم أَفاقَ فقالَ: «هَلْ صلَّيتُ؟ قالُوا: مَا صلَّيتَ مُنذُ ثَلاث، ثم توضَّأَ وَصلَّى تلك الثَلاث» (٢)، وعن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ وسَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ نحوَهُ، ولم يُعرَف لهم مُخالِفٌ، فكانَ كالإجماعِ، ولأنَّ مدَّةَ الإغماءِ لا تَطولُ في الأغلَبِ، ولا تَثبُتُ عليه الوِلايَةُ بخِلافِ الجُنونِ.

стр. 855

وكَذا مَنْ تَغطَّى عَقلُه بمُحرَّمٍ، كمُسكرٍ، فيَقضي؛ لأنَّ سُكرَهُ مَعصيةٌ، فلا يُناسِبُ إسقاطَ الواجِبِ عنه. وكَذا تَجِبُ الصَّلواتُ الخَمسُ عن النَّائمِ، بمَعنى: يَجبُ عليه قَضاؤها إذا استيقَظَ؛ لحَديثِ: «مَنْ نَامَ عن صَلَاةٍ أو نَسيَهَا … »، ولو لم تَجِب عليه حالَ نَومِه لم يَجِب عليه قَضاؤُها، كالمَجنونِ، ومِثلُه السَّاهِي (١). ج- البُلوغُ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ البُلوغَ شَرطٌ مِنْ شُروطِ وُجوبِ الصَّلاةِ، فلا تَجِبُ الصَّلاةُ على صَبِيٍّ ولا صَبِيَّةٍ لم يَبلُغا، ولا يَلزمُهما قَضاؤُها بعدَ البُلوغِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلاثةٍ: عن الصَّبِيِّ حتى يَبلُغَ … » الحَديثَ (٢)، ولأنَّنا لَو أَوجَبنا القَضاءَ شَقَّ ذلكَ؛ لأنَّ زَمنَ الصِّغَرِ يَطولُ، فعُفِيَ عنه. لكِن يجبُ على وَلِيِّهِ أن يَأمُرَهُ بالصَّلاةِ إذا بَلغَ سَبعَ سَنواتٍ ويَضربُه على تَركِها إذا بَلغَ عَشرَ سَنواتٍ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مُرُوا أَولَادَكُم بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبنَاءُ سَبعِ سِنِينَ، وَاضرِبُوهُم عليها وَهُمْ أَبنَاءُ عَشرٍ، وَفَرِّقُوا بينَهُم في المَضَاجِعِ» (٣)، وقد حَمَلَ جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابلَةُ الأَمرَ لِلوُجوبِ، وحَمَلَه المالِكيَّةُ على النَّدبِ (٤).

стр. 856

شُروطُ صحَّةِ الصَّلاةِ: أ- الطَّهارةُ الحَقيقيَّةُ: وهي طَهارةُ البَدنِ والثَّوبِ والمَكانِ عن النَّجاسَةِ الحَقيقيَّةِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وإذا وجبَ تَطهيرُ الثَّوبِ فتَطهيرُ البَدنِ أَولى، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا أَقبَلَتِ الحَيضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ، وإذا أَدبَرَت فَاغسِلِي عَنكِ الدَّمَ وَصَلِّي» (١)، فثَبت الأَمرُ باجتنابِ النَّجاسةِ، والأَمرُ بالشَّيءِ نَهيٌ عن ضِدِه، والنَّهيُ في العِباداتِ يَقتَضي الفَسادَ. وأمَّا طَهارةُ مَكانِ الصَّلاةِ، فلقولِه تَعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقولِه تَعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، فهي تَدلُّ بدِلالةِ النَّصِّ على طَهارَةِ المَكانِ، كما استُدلَّ بها على وُجوبِ طَهارةِ البَدنِ، كما سبقَ (٢). ب- الطَّهارَةُ الحُكميَّةُ: وهي طَهارةُ أعضاءِ الوُضوءِ عن الحَدثِ، وطَهارةُ جَميعِ الأعضاءِ عن الجَنابةِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا

стр. 857

وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَا تُقبَلُ صَلاةٌ بِغيرِ طُهُورٍ ولا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ» رَواه مُسلِمٌ. قالَ الشِّيرازيُّ ﵀: الطَّهارةُ عن الحَدثِ شَرطٌ في صحَّةِ الصَّلاةِ. قالَ النَّوويُّ ﵀: هذا مُجمَعٌ عليه ولا تَصحُّ صَلاةٌ بغيرِ طَهورٍ إمَّا بالماءِ وإمَّا بالتَّيَمُّمِ بشَرطِهِ، سَواءٌ صَلاةُ الفَرضِ والنَّفلِ وصَلاةُ الجِنازةِ وسُجودُ التِّلاوةِ والشُّكرِ، هذا مَذهبُنا، وبه قالَ العُلماءُ كافَّةً (١). وقالَ ابنُ عَبد البَّرِ ﵀: وقد أجمَعوا أنَّ مِنْ شَرطِ الصَّلاةِ طَهارَةُ الثِّيابِ والماءِ والبَدنِ (٢)، وقد سبقَ بَيانُ ذلك في الطَّهارَةِ. ج- سَترُ العَورةِ: أَجمعَ العُلماءُ على أنَّ سَترَ العَورةِ فَرضٌ واجِبٌ بالجُملَةِ على الآدَميينَ، وأنَّه لا يَجوزُ لِأحَدٍ أن يُصلِّيَ عُريانًا وهو قادِرٌ على ما يَسترُ به عورَتَه مِنْ الثِّيابِ، وإن لم يَستُر عَورتَه، وكانَ قادِرًا على سَترِها لم تُجزِئهُ صَلاتُه. واختَلَفوا هل سَترُها شَرطٌ في الصَّلاةِ أو لا؟ فذَهب الجُمهورُ الحَنفيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابلَةُ وبَعضُ المالِكيَّةِ إلى أنَّ سَترَ العَورةِ شَرطٌ مِنْ شُروطِ صِحةِ الصَّلاةِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا

стр. 858

زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، أَي: عندَ كلِّ صَلاةٍ، ولِما رَوَت عائِشةُ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يَقبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» (١). واحتَجوا بالإجماعِ على إفسادِ مَنْ تركَ ثَوبَه وهو قادِرٌ على الاستتار به وصلَّى عُريانًا. إلَّا أنَّ الإمامَ أبا حَنيفَةَ ﵀ قالَ: إن ظَهَرَ رُبُعُ العُضوِ -أَيَّ عُضوٍ كانَ، سَواءٌ أكانَ مِنْ العَورةِ المُخفَّفةِ أو المُغلَّظةِ- صحَّت صَلاتُه، وإن زادَ لم يَصحَّ، وقالَ الكَرخِيُّ: إن ظَهرَ مِنْ السَّوأتَينِ قَدرُ دِرهمٍ بطَلت، وإن كانَ أقلَّ لم تبطُل (٢). وقالَ الإمامُ أَحمدُ ﵀: إن ظَهرَ شَيءٌ يَسيرٌ صَحَّت صَلاتُه، سَواءٌ من العَورةِ المُخفَّفةِ أوالمُغلَّظةِ، وإن كانَ كَثيرًا بطَلتِ الصَّلاةُ، ويُفرَّقُ بينَهما ما لم يُعَدَّ في الغالِبِ يَسيرًا (٣). وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: إنِ انكَشَفَ شَيءٌ مِنْ عَورةِ المُصلِّي لم تَصحَّ صَلاتُه، سَواءٌ أَكَثُرَ المُنكشِفُ أم قَلَّ، وسَواءٌ في هذا الرَّجلُ والمَرأةُ، وسَواءٌ المُصلِّي في حَضرَةِ النَّاسِ والمُصلِّي في الخَلوةِ، وسَواءٌ صَلاةُ النَّفلِ والفَرضِ والجِنازةِ والطَّوافِ وسُجودِ التِّلاوةِ والشُّكرِ؛ لأنَّه ثَبت وُجوبُ

стр. 859

السَّترِ بحَديثِ عائِشةَ، ولا فَرقَ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ بالاتِّفاقِ، وإذا ثَبتَ السَّترُ اقتَضى جَميعَ العَورةِ فلا يُقبلُ تَخصُّصُ البَعضِ إِلَّا بدَليلٍ ظاهِرٍ (١). أمَّا المالكِيَّةُ فالصَّحيحُ عندَهم أنَّه يجِبُ سَترُ العَورةِ المُغلَّظةِ مع القُدرةِ على السَّترِ، وهو واجِبُ شَرطٍ، فإن لم يَستطِع صلَّى عُريانًا. وأمَّا غيرُ المُغلَّظةِ فسَترُها واجِبٌ غيرُ شَرطٍ، فإن صلَّى مَكشوفَ العَورةِ عالِمًا عامِدًا كانَ عاصِيًا آثِمًا، إلَّا أنَّ الفَرضَ قَدْ سَقطَ عنه. والرَّاجحُ أنَّ مَنْ صلَّى مَكشوفَ العَورةِ المُغلَّظةِ ناسِيًا أعادَ أَبدًا وُجوبًا، خِلافًا لمَن جَعلَ النِّسيانَ مُسقِطًا للإعادَةِ. قالَ القاضِي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: اختَلفَ أصحابُنا في سِترِ العَورةِ في الصَّلاةِ، فمنهم مَنْ يَقولُ: إنَّها مِنْ شُروطِ صحَّتِها معَ الذِّكرِ والقُدرةِ، فإن لم يقدِر عليها صلَّى عُريانًا وأَجزَأَتهُ، وكذلكَ إن نَسيَ، وإن صلَّى مَكشوفَ العَورةِ عالِمًا بأنَّ له مَا يَستُرُها، قادِرًا على ذلكَ، فإنَّ صَلاتَه باطِلَةٌ. ومنهم مَنْ يَقولُ: إنَّها واجِبةٌ مُفترَضَةٌ ولَيسَت مِنْ شُروطِ الصِّحَةِ، فإن صلَّى مَكشوفَ العَورةِ عالِمًا عامِدًا كانَ عاصِيًا آثِمًا، إلَّا أنَّ الفَرضَ قد سَقطَ عنه. فَوَجهُ الأَوَّلِ: قولُه تَعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، قِيلَ: اللِّباسُ في الصَّلاةِ والطَّوافِ، وقولُه ﷺ : «صَلُّوا كَما رَأَيتُموني أُصَلِّي»، وقد

стр. 860

صلَّى بالسُّترةِ، وقولُه ﷺ : «لا يَقبَلُ اللهُ صَلاةَ حائِضٍ إلا بِخِمارٍ»، والاتِّفاقُ على أَنَّه مَأمورٌ بسَترِ العَورةِ مَحظورٌ عليه كَشفُها في غير الصَّلاةِ، ومُؤكَّدٌ وُجوبُها في الصَّلاةِ، والقولُ بأنَّه ليس مِنْ شُروطِ الصِّحةِ يَنفي ذلكَ. ووَجهُ الثَّاني: قُولهُ ﵇: «لا تَتِمُّ صَلاةُ أحَدِكم حتى يَتوضَّأَ كما أَمرَهُ اللهُ»، إلى أَنْ قالَ: «ثم يَستَقبِلَ القِبلَةَ فيُكبِّرَ»، فأخبَرَ عمَّا تَتِمُّ بهِ الصَّلاةُ، ولم يَذكُر ما تَنازَعناهُ، ولأنَّ صفَةَ الشَّيءِ بأنَّه شَرطٌ في بعضِ العِباداتِ أو فَرضٌ مِنْ فُروضِها يُفيدُ اختِصاصَه به، وأنَّه يجبُ بوُجوبِها، ويسقطُ وُجوبُه بسُقوطِ وُجوبِ ما أُضيفَ إليه، كالوُضوءِ للصَّلاةِ والتَّيمُّمِ والنَّيَّةِ، وكالصَّومِ في الاعتِكافِ والإحِرامِ في الحَجِّ وسائرِ فُروضِ العِباداتِ، ووَجَدنا سَترَ العَورةِ لا يَختَصُّ وُجوبُه بالصَّلاةِ؛ لأنَّه يَلزمُه سَترُها في غيرِها، فعُلم أنَّه ليس مِنْ شَرطِها، ولأنَّ كلَّ ما كانَ مِنْ فُروضِ الصَّلاةِ، فلا بدَّ عندَ عدمهِ من بَدلٍ يَقومُ مَقامَه عندَ العَجزِ عنه في أَداءِ العِباداتِ، كالوُضوءِ وغيرِهِ، وفي الاتِّفاقِ على أنَّ مَنْ لم يَجِد ما يَسترُ عَورتهُ، وخافَ ذَهابَ الوقتِ أن يُصلِّيَ عُريانًا، دَليلٌ على أنَّ السُّترةَ ليست مِنْ شُروطِ الصَّلاةِ، ولا يَدخلُ عليه التَّيمُّمُ؛ لأنَّه إذا عجَزَ عنه لم يُصلِّ إلا في الوقتِ؛ لأنَّ منه بَدلًا يَقومُ مَقامَه، وهو الوقتُ الذي يُقتضى فيه (١).

стр. 861

حَدُّ العَورَةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حَدِّ العَورةِ مِنْ الرَّجلِ، هَلْ هي ما بينَ السُّرَّةِ إلى الرُّكبةِ أو القُبُلُ والدُّبُرُ فقَط؟ فذَهب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ عَورةَ الرَّجلِ ما بينَ السُّرةِ والرُّكبةِ، فيَجوزُ لِلرَّجلِ أن يَنظرَ إلى الرَّجلِ إلى سائرِ جَسَدهِ إلا ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبةِ إلا عندَ الضَّرورةِ؛ لِما رَواه الإمامُ أحمدُ في مُسنَدِه عن جَرهَدٍ: أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رَآهُ قد كَشَفَ عن فَخِذِهِ، فقالَ: «يا جَرهَدُ غَطِّ فَخِذَكَ فإنَّ الفَخِذَ عَورةٌ» (١). ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذَا زَوَّجَ أَحدُكُم عَبدَهُ أَمَتَه أَوْ أَجِيرَهُ، فلَا يَنظر إلى شَيءٍ مِنْ عَورتِه؛ فَإِنَّ مَا تحتَ السُّرَّةِ إلى الرُّكبَةِ عَورةٌ» (٢)، وهَذا نَصٌّ، والحُرُّ والعَبدُ في هذا سَواءٌ؛ لِتَناولِ النَّصِّ لهما جَميعًا. وذَهب الحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ العَورةَ هي القُبُلُ والدُّبُرُ؛ لِما رَواه أنَسُ بنُ مالِكٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ يومَ خَيبَرَ، حسَر الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ، حتى إنِّي لَأَنظُرُ إلى بَيَاضِ فَخِذِ النَّبيِّ ﷺ » (٣). ولِما رَوَت عائِشةُ ﵂ أنَّها قالَت: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ مُضطَجِعًا في بَيتِي كاشِفًا عن فَخِذَيهِ أو سَاقَيهِ، فَاستَأذَنَ أبو بَكرٍ فَأَذِنَ له

стр. 862

وهو على تلك الحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثم استَأذَنَ عمرُ فَأَذِنَ له وهو كَذلك فَتَحَدَّثَ، ثم استَأذَنَ عُثمانُ … الحَديثَ» (١)، وهَذا يَدلُّ على أنَّه ليس بعَورةٍ، ولأنَّه ليس بمَخرَجٍ لِلحَدثَ، فلم يكن عَورةً، كالسَّاقِ، وعليه يَجوزُ أن يَنظرَ الرَّجلُ إلى غيرِ القُبُلِ والدُّبُرِ مِنْ الرَّجلِ. ولَه أن يَنظرَ إلى السُّرَّةِ عندَ الجُمهورِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابلَةِ وهو الصَّحيحُ عندَ الشَّافعيَّةِ، وفي قَولٍ للشَّافعيَّةِ هي عَورةٌ، والدَّليلُ على أنَّها ليست مِنْ العَورةِ ما رُويَ عن ابنِ عمرَ ﵄ أنَّه كانَ إذا ائتَزرَ أبدَى عن سُرَّتهِ، وقالَ أبو هُريرةَ لِلحَسَنِ ﵁: أَرِني المَوضعَ الذي كانَ يُقبِّله رَسولُ اللهِ ﷺ مِنكَ، فأبدَى عن سُرَّتِه فقبَّلها أبو هُريرةَ ﵁، والتَّعامُلُ الظَّاهرُ فيما بينَ النَّاسِ أنَّهم إذا ائتَزَروا في الحَمَّاماتِ أبدَوا عن السُّرَّةِ من غيرِ نَكيرِ مُنكِرٍ دَليلٌ على أنَّه ليس بعَورةٍ. ثم اختَلَفوا هَلْ له أن يَنظرَ إلى الرُّكبةِ أو لا؟ فذَهب الحَنفيَّةُ والشَّافعيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ أن يَنظرَ إلى الرُّكبَةِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «الرُّكبَةُ مِنْ العَورةِ» (٢)، ولأنَّ الرُّكبةَ عُضوٌ مُركَّبٌ مِنْ عَظمِ السَّاقِ والفَخِذِ على وَجهٍ يَتعَذَّرُ تَميِيزهُ، والفَخِذُ مِنْ العَورةِ، والسَّاقُ ليست مِنْ العَورةِ، فعندَ الاشتباهِ يجبُ العَملُ بالاحتِياطِ، وذلكَ فيما قُلنا بخِلافِ السُّرَّةِ؛ لأنَّه اسمٌ لمَوضعٍ مَعلومٍ لا اشتباهَ فيه، وقد رُويَ

стр. 863

عن سيِّدِنا عمرَ ﵁ أنَّه كانَ إذا ائتَزرَ أبدَى سُرَّتَه، ولو كانَت عَورةً لمَا احتُملَ منه كَشفُها. وذَهب المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ في الصَّحيحِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الرُّكبةَ ليست مِنْ العَورةِ؛ لأنَّ الرُّكبةَ حَدٌّ، فلم تكُن مِنْ العَورةَ، كالسُّرَّةِ (١). عَورةُ المَرأةِ الحُرَّةِ: أمَّا عَورةُ المَرأةِ الحُرةِّ فقالَ أبو حَنيفَةَ: كلُّها عَورةٌ إلا الوَجهَ والكَفَّينِ والقَدمَينِ، وقد رُويَ عنه أنَّ قَدمَيها عَورةٌ. وقالَ المالكيَّةُ والشَّافعيَّةُ وأَحمدُ في رِوايةٍ: كلُّها عَورةٌ إلا وَجهَها وكَفَّيها. وذَهب الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَرأةَ كلَّها عَورةٌ إلَّا وَجهَها (٢).

стр. 864

قالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ ﵀: جَميعُ بَدنِ المَرأةِ عَورةٌ إلَّا وَجهَها وكَفَّيها، خِلافًا لمَن قالَ: لا يَجوزُ لها كَشفُ الوَجهِ واليَدينِ، وهو أَحمدُ بنُ حَنبَلٍ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، قِيلَ: الوَجهُ والكَفَّانِ، ولأنَّ كَشفَ ذلك يَلزمُها في الإحرامِ، فلَو كانَ عَورةً لم يَجُز لها كَشفُه كبقيَّةِ بَدنِها. ولا يَجوزُ لها كَشفُ ما عدا ذلك مِنْ بَدنِها ولا تُجزِئُها الصَّلاةُ مع كَشفِها على المَذَهبينِ، خِلافًا لِأبي حَنيفَةَ في قَولهِ: إنَّ العَورةَ مُخفَّفةٌ ومُغلَّظةٌ، فالمُغلَّظةُ القُبُلُ والدُّبُرُ، فإنِ انكَشفَ منهما أكثرُ مِنْ قَدرِ الدِّرهمِ بطَلتِ الصَّلاةُ، والمُخفَّفةُ ما عَداهُما فإنِ انكَشفَ منها أقَلُّ مِنْ الرُّبُعِ جازَ؛ لِقَولهِ تَعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، ولقولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. وحَديثِ أُمِّ سَلمةَ أنَّها قالَت: يا رَسولَ اللهِ، تُصلِّي المَرأةُ بخِمارٍ ودِرعٍ إذا لم يَكنُ عليها إِزارٌ، فقالَ: «نَعم إذا كانَ سابِغًا يُغطِّي قَدمَيها» (١). ولأنَّ كلَّ عُضوٍ انكَشَفَ رُبُعُهُ منعَ صحَّةَ الصَّلاةِ، فكَذلكَ إذا انكشَفَ أقَلُّ مِنْ رُبُعِه، كالعَورةِ المُغلَّظةِ، ولأنَّه كَشفَ من عَورتِه ما قدَر على سُترتِه

стр. 865

كالرُّبُعِ، ولأنَّ تَقديرَهم ذلك بالرُّبعِ وبِقدرِ الدِّرهمِ دَعوى لا يُفصِّلونَ فيمَن زادَ فيها أو نَقصَ عنها (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإذا انكشفَ مِنْ المَرأةِ الحُرةِ شَيءٌ سِوى وَجهِها أعادَتِ الصَّلاةَ. لا يَختلفُ المَذهبُ في أنَّه يَجوزُ لِلمَرأةِ كَشفُ وَجهِها في الصَّلاةِ، وأنَّه ليس لها كَشفُ ما عدا وَجهِها وكَفَّيها، وفي الكَفَّينِ رِوايتانِ، واختَلفَ أهلُ العِلمِ، فأَجمعَ أكثرُهم على أنَّ لها أن تُصلِّيَ مَكشوفَةَ الوَجهِ، وأَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ لِلمَرأةِ الحُّرةِ أن تُخمِّرَ رَأسَها إذا صلَّت، وعلى أنَّها إذا صلَّت وجَميعُ رَأسِها مَكشوفٌ أنَّ عليها الإعادَةَ. وقالَ أبو حَنيفَةَ: القَدَمانِ ليستا من العَورةِ؛ لأنَّهما تَظهرانِ غالبًا؛ فهُما كالوَجهِ، وإنِ انكشَفَ من المَرأةِ أقَلُّ مِنْ رُبُعِ شَعرِها أو رُبُعِ فَخِذِها أو رُبُعِ بَطنِها لم تبطُل صَلاتُها. وقالَ مالِكٌ والأوزاعيُّ والشَّافعِيُّ: جَميعُ المَرأةِ عَورةٌ إلا وَجهَها وكفَّيها، وما سِوى ذلك يَجبُ سَترُه في الصَّلاةِ؛ لأنَّ ابنَ عبَّاسٍ قالَ في قولِه تَعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]: المَقصودُ الوَجهُ والكفَّانِ. ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى المُحرِمةَ عن لُبسِ القُفَّازَينِ والنِّقابِ، ولو كانَ الوَجهُ والكَفَّانِ عَورةً، لَمَا حَرُمَ سَترُهما، ولأنَّ الحاجَةَ تَدعو إلى كَشفِ الوَجهِ لِلبَيعِ والشِّراءِ، وكَشفِ الكَفَّينِ لِلأخذِ والإعطاءِ.

стр. 866

وقالَ بَعضُ أصحابِنا: المَرأةُ كلُّها عَورةٌ؛ لأنَّه قد رُويَ في حَديثٍ عن النَّبيِّ ﷺ : «المَرأةُ عَورةٌ» رَواهُ التِّرمِذيُّ، وقالَ: حَديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، لكِن رُخِّصَ لها في كَشفِ وَجِهِها وكَفَّيها؛ لِما في تَغطيتِهما مِنْ المَشقَّةِ، وأُبيحَ النَّظرُ إلى الوَجهِ لِأَجلِ الخِطبةِ؛ لأنَّه مَجمَعُ المَحاسِنِ، وهَذا قولُ أبي بَكرٍ الحارِثِ بنِ هِشامٍ، قالَ: المَرأةُ كلُّها عَورةٌ حتى ظُفرِها. والدَّليلُ على وُجوبِ تَغطيةِ القَدمَينِ ما رَوَت أُمُّ سَلمةَ قالَت: سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ أَتُصَلِّي المَرأَةُ في دِرعٍ وَخِمَارٍ ليس عليها إزَارٌ، قالَ: «إذا كانَ الدِّرعُ سَابِغًا يُغَطِّي قَدمَيهَا» (١)، رَواه أبو دَاودَ، وقالَ: وقفَه جَماعةٌ على أُمِّ سَلمةَ، ورَوى ابنُ عمرَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَنظرُ اللهُ إلى مَنْ جَرَّ ثَوبَه خُيَلاءَ. فقالَت أُمُّ سَلمةَ: فكَيفَ يَصنَعُ النِّساءُ بِذُيولِهنَّ؟ قالَ: يُرخينَ شِبرًا، فقالَت: إذَن تَنكَشفُ أقدامُهنَّ، قالَ: فليُرخِينَهُ ذِراعًا لا يَزِدنَ عَليهِ» رَواه التِّرمِذيُّ، وقالَ حَديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، وهَذا يَدلُّ على وُجوبِ تَغطيَةِ القَدمَينِ، ولأنَّه مَحَلٌ لا يجبُ كَشفُه في الإحرامِ، فلَم يَجُز كَشفُه في الصَّلاةِ، كالسَّاقَينِ. وما ذَكَروهُ مِنْ تَقديرِ البُطلانِ بزِيادةٍ على رُبُعِ العُضوِ فتَحَكُّمٌ لا دَليلَ عليه، والتَّقديرُ: لا يُصارُ إليه بمُجرَّدِ الرَّأيِ، وقد ثَبت وُجوبُ تَغطيةِ الرَّأسِ بقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَقبَلُ اللهُ صَلاةَ حائِضٍ إلا بِخِمَارٍ» أخرَجهُ التِّرمذيُّ وقالَ: حَديثٌ حَسَنٌ.

стр. 867

وأمَّا الكَفَّانِ فقد ذَكرنا فيهما رِوايتَينِ؛ إحداهُما: لا يَجبُ سَترُهما؛ لِما ذكَرنا. والأُخرى: يجبُ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «المَرأةُ عَورةٌ»، وهَذا عامٌّ إلا ما خصَّهُ الدَّليلُ، وقولُ ابنِ عَباسٍ: الوَجهُ والكَفَّانِ، قد رَوى أبو حَفصٍ عن عَبد اللهِ بنِ مَسعودٍ خِلافَه، قالَ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ [النور: ٣١]، المَقصودُ الثِّيابُ. ولا يَجبُ كَشفُ الكَفَّينِ في الإحرامِ إنَّما يَحرمُ أن تَلبَسَ فيهما شَيئًا مَصنوعًا على قَدرِهما، كما يَحرمُ على الرَّجلِ لُبسُ السَّراويلِ والذي يَسترُ به عَورتَه … فَصلٌ: فإنِ انكَشَفَ من المَرأةِ شَيءٌ يَسيرٌ من غيرِ الوَجهِ والكَفَّينِ فلا أَعلَمُ فيها قَولًا صَحيحًا صَريحًا، وظاهرُ قولِ الخرقِيِّ أنَّه إذا انكَشَفَ من المَرأةِ شَيءٌ سِوى وَجهِها وكفَّيها فهذا يَقتَضي بُطلانَ الصَّلاةِ بانكِشافِ اليَسيرِ؛ لأنَّه شَيءٌ يُمكِنُ حَملُه على الكَثيرِ؛ لِما قرَّرْناه في عَورةِ الرَّجلِ أنَّه يُعفى فيها عن اليَسيرِ، فكَذا ههُنا، ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ من اليَسيرِ، فعُفيَ عنه قِياسًا على يَسيرِ عَورةِ الرَّجلِ. فَصلٌ: ويُكرَهُ أن تَنتَقبَ المَرأةُ وهيَ تُصلِّي؛ لِأنَّ الوَجهَ مَحلُّ مُباشَرةِ المُصلَّى بجَبهتِها وأَنفِها، ويَجري مَجرى تَغطيةِ الفَمِ لِلرَّجلِ، وقد نَهى النَّبيُّ ﷺ عنه. قالَ ابنُ عَبد البرِّ: وقد أَجمَعوا على أنَّ على المَرأةِ أن تَكشِفَ وَجهَها في الصَّلاةِ وفي الإحرامِ.

стр. 868

فَصلٌ: وصَلاةُ الأَمَةِ مَكشوفَةُ الرَّأسِ جائِزةٌ، لا نَعلمُ أَحدًا خالَفَ في هذا إلا الحَسنَ، فإنَّه مِنْ بينَ أهلِ العِلمِ أَوجَبَ عليها الخِمارَ إذا تَزوَّجَت أو اتَّخذَها الرَّجلُ لِنَفسِهِ، واستَحبَّ لها عَطاءٌ أن تَتقنَّعَ إذا صلَّت. وذلكَ لأنَّ عمرَ ﵁ ضَربَ أَمةً لِآلِ أَنسٍ رَآها مُتَقنِّعةً، فقالَ: اكشِفي رَأسَكِ ولا تَشَبَّهي بالحَرائرِ، وهَذا يَدلُّ على أنَّ هذا كان مَشهورًا بينَ الصَّحابةِ، لا يُنكَرُ، حتى إنَّ عمرَ أنكَرَ مُخالفَتَه، وقالَ أبو قِلابَةَ: إنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ كانَ لا يَدعُ أمَةً تَتَقنَّعُ في خِلافَتهِ، وقال: إنَّما القِناعُ لِلحَرائرِ (١). د- استِقبالُ القِبلَةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ استِقبالَ القِبلةِ مع القُدرةِ شَرطٌ مِنْ شُروطِ صحَّةِ الصَّلاةِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، يَعني: نحوَهُ، كما تَقولُ العَرَبُ: هَؤلاءِ القَومُ يُشاطِرونَنا إذا كانَت بُيوتُهم تُقابِلُ بُيوتَهم. وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ أَوَّلَ ما قَدِمَ المَدِينَةَ نزلَ على أَجدَادِه -أو قالَ: أَخوَالِه- مِنْ الأَنصَارِ، وَأَنَّه صلَّى قِبَلَ بَيتِ المَقدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهرًا أو سَبعَةَ عَشَرَ شَهرًا، وَأَنَّه صلَّى أَوَّلَ صَلاةٍ صلَّاهَا صَلاةَ العَصرِ، وَصلَّى معه قَومٌ فَخرَج رَجلٌ ممَّن صلَّى معه، فَمرَ على أَهلِ مَسجدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فقالَ: أَشهَدُ بِاللَّهِ لقد صلَّيتُ معَ رَسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كما هُمْ قِبَلَ البَيتِ» (٢).

стр. 869

قالَ أهلُ اللُّغةِ: أصلُ القِبلةِ: الجِهَةُ، وسُمِّيَتِ الكَعبةُ قِبلةً؛ لأنَّ المُصلِّيَ يُقابِلُها وتُقابِلُه (١). هـ- العِلمُ بدُخولِ الوقتِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ العِلمَ بدُخولِ وقتِ الصَّلاةِ شَرطٌ مِنْ شُروطِ صِحَّةِ الصَّلاةِ؛ لِقَولهِ تَعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أَي: فَرضًا مُؤقتًا، فلا يَجوزُ أَداءُ الفَرضِ قبلَ وقتِهِ، ولقولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، ولحَديثِ جِبريلَ المُتقدِّمِ في المَواقيتِ. ثم اختَلَفوا في جَوازِ الصَّلاةِ وصحَّتِها بغَلَبةِ الظَّنِّ، فقالَ أبو حَنيفَةَ والشَّافِعيُّ وأَحمدُ: تَصحُّ الصَّلاةُ بذلكَ، فإن بانَ أنَّها قبلَ الوقتِ قَضى. وقالَ مالِكٌ: لا تَصحُّ الصَّلاةُ إلا بالدُّخولِ فيها معَ اليَقينِ بدُخولِ وقتِها (٢).

стр. 870

تَقسيمُ أقوالِ الصَّلاةِ وأفعالِها: قسَّم الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ أقوالَ الصَّلاةِ وأفعالَها إلى ثَلاثَةِ أشياءَ: أَركانٍ، وواجِباتٍ، وسُنَنٍ. فالأركانُ هي التي لا تَصحُّ الصَّلاةُ بِدونِها بِلا عُذرٍ، وتَركُها يُوجِبُ البُطلانَ، سَواءٌ أكانَ عَمدًا أم سَهوًا أم جَهلًا. والواجِباتُ عندَ الحَنفيَّةِ: هيَ ما لا تفسُدُ الصَّلاةُ بتَركِه، وتُعادُ وُجوبًا إن تَركَه عمْدًا بلا عُذرٍ، أو سَهوًا ولم يَسجُد لِلسَّهوِ، فَتَركُ الواجِبِ عندَهم عَمدًا يُوجِبُ الإعادةَ، وسَهوًا يُوجِبُ سُجودَ السَّهوِ، وإن لم يُعِدها يكن آثِمًا فاسِقًا، ويَستَحِقُّ تاركُه -أَيِ: الوَاجِبِ- العِقابَ بتَركهِ، لكِن لا يكفرُ جاحِدُهُ. ومَذهبُ الحَنابِلةِ كمَذهبِ الحَنفيَّةِ في حالَةِ تَركِ الواجِبِ سَهوًا، فإن تَركَ الواجِبَ سَهوًا أو جَهلًا يَجبُ عليه سُجودُ السَّهوِ عندَهم ويُخالِفونَهم في حالةِ التَركِ عَمدًا، فلَو تَركَ واجِبًا مِنْ واجَباتَ الصَّلاةِ عَمدًا تبطُلُ صَلاتُه عندَهم. والسُّننُ: هيَ التي لا يُوجِبُ تَركُها البُطلانَ، ولو عَمدًا، ويُباحُ فيها السُّجودُ لِلسَّهوِ عندَ الحَنابلَةَ، وعندَ الحَنفيَّةِ إن تركَها عَمدًا فقد أسَاءَ، والإساءَةُ هُنا أَفحَشُ من الكَراهَةِ. وقد قسَّم الحَنابِلةُ السُّننَ إلى قِسمَينِ: سُننِ أقوالٍ، وسُننِ أفعالٍ، وتُسمَّى هَيئاتٍ.

стр. 871

وزادَ الحَنفيَّةُ قِسمًا رابِعًا، وهو الآدابُ، وهوَ -في الصَّلاةِ- ما فعلَه الرَّسولُ ﷺ مرَّةً أو مرَّتَينِ ولم يُواظِب عليه، كالزِّيادةِ في تَسبيحاتِ الرُّكوعِ والسُّجودِ (١). أمَّا المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ فقد قَسَّموا أقوالَ الصَّلاةِ وأفعالَها إلى أركانٍ وسُنَنٍ، من حيثُ الجُملةُ، وزادَ المالِكيَّةُ الفَضائِلَ (المَندوباتِ). والسُّننُ عندَ الشَّافِعيِّةِ على ضَربَينِ هُما: أبعاضٌ: وهي السُّننُ المَجبورَةُ بسُجودِ السَّهوِ، سَواءٌ تركَها المُصلِّي عَمدًا أو سَهوًا، وسُمِّيت أبعاضًا لِتَأكُّدِ شَأنِها بالجَبرِ تَشبِيهًا بالبعضِ حَقيقَةً. وهَيئاتٌ: وهي السُّننُ التي لا تُجبَرُ بسُجودِ السَّهوِ (٢). أركانُ الصَّلاةِ عندَ الفُقهاءِ: ١ - النِّيَّةُ: النِّيةُ: هي العَزمُ على فِعلِ العِبادةِ تَقرُّبًا إلى اللهِ تَعالى، ولا خِلافَ بينَ فُقهاءِ الأمَّةِ على أنَّ النِّيةَ فَرضٌ مِنْ فُروضِ الصَّلاةِ، وأنَّ الصَّلاةَ لا تَنعقِدُ إلا بها، وقد نقلَ ابنُ المُنذرِ والنَّوويُّ وابنُ قُدامةَ وابنُ هُبيرةَ وغيرُهم كَثيرونَ الإجماعَ على أنَّ الصَّلاةَ لا تَصحُّ إلا بنيَّةٍ، لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا

стр. 872

لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، والإخلاصُ: عمَلُ القَلبِ، وهو النِّيةُ وإرادةُ اللهِ وَحدَه دونَ غيرِه، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما الأَعمَالُ بِالنِّياتِ» (١). ومَعنى النِّيةِ: القَصدُ. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمعَ كلُّ مَنْ يُحفَظُ عنه من أهلِ العِلمِ على أنَّ الصَّلاةَ لا تُجزِئُ إلا بنيَّةٍ. واختَلَفوا في الوقتِ الذي يجبُ أنَّ يُحدِثَ فيه النِّيةَ لِلصَلاةِ، فكان الشافِعيُّ يَقولُ: «يَكونُ مع التَّكبيرِ، لا يَتقدَّمُ التَّكبيرَ، ولا يَكونُ بعدَه». وحُكِيَ عن النُّعمانِ أنَّه قالَ: إذا كبَّر ولا نيَّةَ له إلا أنَّ النِّيةَ قد تَقدَّمت، فالصَّلاةُ جائِزةٌ. قالَ أَبو بَكرٍ: بقولِ الشافِعيِّ أَقُولُ؛ لأنَّه مُوافِقٌ لِلسُّنةِ (٢). ولا بدَّ في النِّيةِ مِنْ تَعيينِ الفَريضةِ ونَوعيةِ الصَّلاةِ: هل هي ظُهرٌ أو عَصرٌ (٣)؛ لأنَّ المُصلِّي لا يَخلو إمَّا أن يَكونَ مُنفرِدًا، وإمَّا أن يَكونَ إمامًا، وإمَّا أن يَكونَ مُقتَدِيًا، فإن كانَ مُنفرِدًا إن كانَ يُصلِّي التَّطوُّعَ تَكفيه نيَّةُ الصَّلاةِ للهِ تَعالى، لأنَّه ليس لِصَلاةِ التَّطوُّعِ صِفةٌ زائِدةٌ على أصلِ

стр. 873

الصَّلاةِ لِيَحتَاجَ إلى أن يَنوِيَها، فكانَ شَرطُ النِّيةِ فيها لِتَصيرَ للهِ تَعالى، وإنَّها تَصيرُ للهِ تَعالى بِنيَّةِ مُطلَقِ الصَّلاةِ؛ ولهذا يَتأَدَّى صَومُ النَّفلِ في خارِجِ رَمضانَ بمُطلَقِ النِّيةِ. وإن كانَ يُصلِّي الفَرضَ لا يَكفيه نيَّةُ مُطلَقِ الصَّلاةِ؛ لأنَّ الفَرضيَّةَ صِفةٌ زائِدةٌ على أصلِ الصَّلاةِ، فلا بدَّ أن يَنوِيَها، فيَنويَ فَرضَ الوقتِ، أو ظُهرَ الوقتِ، أو نحوَ ذلك، ولا تَكفيهِ نيَّةُ مُطلَقِ الفَرضِ؛ لأنَّ غيرَها مِنْ الصَّلواتِ المَفروضةِ مَشروعةٌ في الوقتِ؛ فلا بدَّ مِنْ التَّعيينِ. وكذا يَنبَغي أن يَنويَ صَلاةَ الجمُعةِ، وصَلاتَيِ العِيدَينِ، وصَلاةَ الجِنازةِ، وصَلاةَ الوِترِ؛ لأنَّ التَّعيينَ يَحصلُ بهذا. وإن كانَ إمامًا فكذلك الجَوابُ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابلَةُ: لا يُشترَطُ تَعيينُ كَونِ الصَّلاةِ حاضِرةً، أو قَضاءً؛ لأنَّه إذا صلَّى في الغَيمِ، فبانَ بعدَ الوقتِ، فصَلاتُه صَحِيحةٌ، وقد نَواها أداءً (٢). ٢ - تَكبيرةُ الإحرامِ: تَكبيرةُ الإحرامِ هي: قولُ المُصلِّي لِافتِتاحِ الصَّلاةِ: «اللهُ أكبَرُ»، أو كلِّ ذِكرٍ يَصيرُ به شارِعًا في الصَّلاةِ (٣).

стр. 874

وسُمِّيتِ التَّكبيرةُ التي يَدخلُ بها الصَّلاةَ تَكبيرةَ الإحرامِ؛ لأنَّها تُحرِّمُ الأشياءَ المُباحةَ التي تُنافِي الصَّلاةَ (١). ويُسمِّيها الحَنفيَّةُ في الأغلَبِ تَكبيرةَ الافتِتاحِ، أو التَّحريميةَ (٢). والتَّحريمُ: جَعلُ الشَّيءِ مُحَرمًا، والهاءُ لِتَحقِيقِ الاسمِيَّةِ (٣). والحِكمةُ مِنْ افتِتاحِ الصَّلاةِ بالتَّكبيرةِ هي تنَبُّهُ المُصلِّي إلى عِظَمِ مَقامِ مَنْ قامَ لِأداءِ عِبادَتِه مِنْ وَصفِه بأنواعِ الكَمَالِ، وأنَّ كلَّ ما سِواهُ حَقيرٌ، وأنَّه جلَّ عن أن يَكونَ له شَبيهٌ مِنْ مَخلوقٍ فَانٍ، فيَخضَعُ قَلبُه وتَخشَعُ جَوارِحُه ويَخلو قَلبُه مِنْ الأغيارِ؛ فيَمتَلئُ بالأنوارِ (٤). وقدِ اتَّفق الأئمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ تَكبيرةَ الإحرامِ فَرضٌ مِنْ فُروضِ الصَّلاةِ، ورُكنٌ مِنْ أركانِها، لا تَصحُّ الصَّلاةُ إلا بها؛ لقولِه ﷺ : «مِفتَاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ، وَتَحرِيمُهَا التَّكبيرُ، وَتَحلِيلُهَا التَّسليمُ» (٥). وفي الصَّحيحَينِ في حَديثِ المُسيءِ صَلاتَه: «إذَا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فَأَسبِغِ الوُضُوءَ، ثم استَقبِلِ القِبلَةَ وَكَبِّر» (٦).

стр. 875

قالَ النَّوويُّ: وهو أحسَنُ الأدلَّةِ؛ لأنَّه ﵊ لم يَذكُر له في هذا الحَديثِ إلا الفَرضَ (١). وقدَّمنا أنَّ النِّيةَ فَرضٌ مِنْ فُروضِ الصَّلاةِ، ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أفضليَّةِ اقتِرانِ تَكبيرةِ الإحرامِ بالنِّيةِ. قالَ القُرطُبيُّ: اتَّفقتِ الأمَّةُ على وُجوبِ النِّيةِ عندَ تَكبيرةِ الإحرامِ، إلا أنَّ الفُقهاءَ قد اختَلَفوا في جَوازِ تَقديمِ النِّيةِ على التَّكبيرِ (٢). فذَهب الحَنفيَّةُ والحَنابلَةُ والمالِكيَّةُ في أحَدِ القولَينِ إلى جَوازِ تَقديمِ النِّيةِ على التَّكبيرةِ في الجُملةِ، وقالوا: لو نوَى عندَ الوُضوءِ أنَّه يُصلِّي الظُّهرَ مَثَلًا، ولم يَشتَغِل بعدَ النِّيةِ بعمَلٍ يدلُّ على الإعراضِ، كأكلٍ وشُربٍ وكَلامٍ، ونحوِها، ثم انتَهى إلى مَحَلِّ الصَّلاةِ ولم تَحضُره النِّيةُ، جازَت صَلاتُه بالنِّيةِ السابقةِ؛ لأنَّ الصَّلاةَ عِبادةٌ، فجَازَ تَقديمُ نيَّتِها عليها، كالصَّومِ، وتَقديمُ النِّيةِ على الفِعلِ لا يُخرِجُه عن كَونِه مُستَوِيًا، ولا يَخرُجُ الفاعِلُ عن كَونِه مُخلِصًا، بدَليلِ الصَّومِ والزَّكاةِ إذا دَفَعَها إلى وَكيلِه، كسائرِ الأفعالِ في أثناءِ العِبادةِ. وهذا ما يُعبِّرُ عنه الحَنفيَّةُ بالمُقارَنةِ الحُكمِيَّةِ.

стр. 876

وذَهب الشافِعيَّةُ والمالِكيَّةُ في القولِ الآخَرِ إلى وُجوبِ اقتِرانِ النِّيةِ بالتَّكبيرِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، فقولُه تَعالَى: ﴿مُخْلِصِينَ﴾، حال لهم في وقتِ العِبادةِ، فإنَّ الحالَ وَصفُ هَيئةِ الفاعِلِ وقتَ الفِعلِ، والإخلاصُ هو النِّيةُ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّما الأَعمَالُ بِالنِّياتِ». ولأنَّ النِّيةَ شَرطٌ، لم يَجُز أن تَخلُوَ العِبادةُ منها، كسائرِ الشُّروطِ. قالَ القاضي عَبدُ الوهَّابِ ﵀: يجبُ في نيَّةِ الصَّلاةِ أن تَكونَ مُقارِنةً لِتَكبِيرةِ الإحرامِ، سَواءٌ ابتَدَأَها مع التَّكبيرِ، أو سبقَ بها واستَصحَبَها ذاكِرًا إلى أن كبَّر، فأمَّا إن نوَى ثم نَسيَ حتى كبَّر، لا يُجزِئُه، خِلافًا لِأبِي حَنيفَةَ في قولِه: إن عَزَبَت نيَّتُه عن قُربٍ مِنْ التَّكبيرِ أجزَأَه؛ لِأَّنها تَكبيرةٌ عَزَبت عن مُقارَنةِ النِّيةِ، كالَّتي تَعزُبُ عن بُعدٍ وتُفارِقُ الوُضوءَ؛ لأنَّها في الصَّلاةِ أضيَقُ (١). واختارَ النَّوويُّ -تَبَعًا لِإمامِ الحَرمَينِ والغَزاليِّ- الاكتِفاءَ بالمُقارنَةِ العُرفيَّةِ عندَ العَوامِّ؛ بحيثُ يُعَدُّ مُستَحضِرًا لِلصَّلاةِ اقتِداءً بالأوَّلينَ في تَسامُحِهم بذلك. أمَّا إذا تَأخرَتِ النِّيةُ عن تَكبيرةِ الإحرامِ فلا تُجزِئُ التَّكبيرةُ، وتَكونُ الصَّلاةُ باطِلةً؛ لأنَّ الصَّلاةَ عِبادةٌ، وهي لا تَتجَزَّأُ، ولو جازَ تَأخيرُ النِّيةِ لَوقعَ البَعضُ الذي لا نيَّةَ فيه غيرَ عِبادةٍ، وما فيه نيَّةٌ عِبادةً، فيَلزمُ التَّجزُّؤُ، وبهذا قالَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ (٢).

стр. 877

٣ - القيامُ لِلقادِرِ في الفَرضِ: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ القيامَ في الصَّلاةِ المَفروضةِ فَرضٌ على المُطيقِ له، وأنَّه متى أخَلَّ به مع القُدرةِ عليه لم تَصحَّ صَلاتُه؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولقولِ النَّبيِّ ﷺ لِعِمرانَ بنِ حُصَينٍ: «صَلِّ قائِمًا، فَإِنْ لم تَستَطِع فَقاعِدًا، فَإِنْ لم تَستَطِع فعلَى جَنبٍ» (١). وقد نقلَ النَّوويُّ وغيرُه الإجماعَ على ذلك. وقالَ ابنُ عَبد البرِّ ﵀: ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ أنَّ مَنْ صلَّى جالسًا فَريضةً وهو قادِرٌ على القِيامِ، أنَّ ذلك لا يُجزِئُه، وأنَّ القِيامَ فَرضٌ على كلِّ مَنْ قدَر عليه، وكذلك الرُّكوعُ والسُّجودُ (٢). كما أجمَعوا على أنَّ مَنْ لا يُطيقُ القيامَ له أن يُصلِّيَ جالسًا؛ لحَديثِ عِمرانَ السابقِ (٣)، ولقولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولمَا رَوى أنَسٌ ﵁ قالَ: «سقطَ النَّبيُّ ﷺ عن

стр. 878

فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيمَنُ، فَدَخَلنَا عليه نَعُودُهُ، فَحَضرَتِ الصَّلاةُ، فَصلَّى بِنَا قاعِدًا، فَصلَّينَا وَراءَهُ قُعُودًا» (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: يُشترَطُ في القِيامِ: الانتِصابُ، فلو انحَنَى مُتخشِّعًا وكانَ قَريبًا إلى حَدِّ الرُّكوعِ، لم تَصحَّ صَلاتُه، ولو لم يقدِر على القيامِ إلا بمُعِينٍ، ثم لا يَتأَذَّى بالقيامِ، لزِمه أن يَستَعينَ بمَن يُقيمُه، فإن لم يَجِد مُتبرِّعًا لزِمه أن يَستَأجِرَه بأُجرةِ المِثلِ، إن وجدَها، ولو قدَر على القِيامِ دونَ الرُّكوعِ والسُّجودِ لِعِلَّةٍ بظَهرِه، لزِمه ذلك؛ لِقُدرَتِه على القِيامِ، و لوِ احتَاجَ في القِيامِ إلى شَيءٍ بحيثُ لو نُحِّيَ سقطَ، صحَّت صَلاتُه مع الكَراهةِ، ومَن عجَز عن الانتِصابِ، وصارَ في حَدَّ الرَّاكعينَ، كمَن تَقَوَّسَ ظَهرُه لِكِبَرٍ أو زَمانةٍ، لزِمه القِيامُ على تلك الحالِ، فإذا أرادَ الرُّكوعَ زادَ في الانحِناءِ إن قدَر عليه (٢). وقالَ الحَنابلَةُ: إن أمكَنَه القيامُ إلا أنَّه يَخشَى تَباطُؤَ بُرئِه أو زِيادةَ مرَضِه، أو يَشُقُّ عليه مَشقَّةً شَديدةً فله أن يُصلِّيَ قاعِدًا، وبهذا قالَ مالِكٌ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى جالسًا لمَّا جُحشَ شِقُّه الأيمَنُ، والظَّاهرُ أنَّ مَنْ جُحشَ شِقُّه لا يَعجِزُ عن القِيامِ بالكلِّيَّةِ. فإن قدَر على القيامِ بأن يتَّكئَ على عَصًا، أو يَستنِدَ على حائِطٍ، أو يَعتمِدَ على أحَدِ جانِبَيه، لزِمه ذلك؛ لأنَّه قادِرٌ على القِيامِ مِنْ غيرِ ضَرَرٍ؛ فلزِمه، كما لو قدَر بغيرِ هذه الأشياءِ، وإن قدَر على القِيامِ إلا أنَّه يَكونُ على

стр. 879

هَيئةِ الرَّاكعِ، كالأحدَبِ، لزِمه ذلك؛ لأنَّه قِيامٌ مِثلُه، وإن قدَر على القِيامِ أوِ القُعودِ في أثنائِها انتقلَ إليها وأتَمَّهَا. وأمَّا إن قدَر على القِيامِ وعجَز عن الرُّكوعِ والسُّجودِ أَومَأَ بالرُّكوعِ أو السُّجودِ، أَومَأَ بالرُّكوعِ قائِمًا، وبالسُّجودِ قاعِدًا، وهذا قولُ الشافِعيِّ أيضًا، وقالَ أبو حَنيفَةَ: يَسقطُ القيامُ عنه (١). ويُقسِّمُ المالِكيَّةُ رُكنَ القِيامِ إلى رُكنَينِ: القِيامِ بتَكبيرةِ الإحرامِ، والقِيامِ لِقِراءةِ الفاتِحةِ، قالوا: المُرادُ بالقِيامِ القِيامُ استِقلالًا، فلا يُجزِئُ إيقاعُ تَكبيرةِ الإحرامِ في الفَرضِ لِلقادِرِ على القِيامِ جالسًا أو مُنحَنِيًا، ولا قائِمًا مُستَنِدًا لِعُمُدٍ، وحيثُ لو أُزِيلَ لَسقطَ (٢). وقالَ الحَنفيَّةُ: إنَّ القيامَ رُكنٌ ويسقطُ عن العاجِزِ عنه حَقيقةً أو حُكمًا، والعَجزُ الحُكميُّ هو: كما لو حصَل له به ألَمٌ شَديدٌ، أو خافَ زِيادةَ المرَضِ بجُرحِهِ إذا قامَ، أو يَسلُسُ بَولُه، أو يَبدُو رُبُعُ عَورتِه، أو يَضعُفُ عن القِراءةِ أصلًا، أمَّا لو قدَر على بعضِ القِراءةِ إذا قامَ فإنَّه يَلزمُه أن يَقرأَ مِقدارَ قُدرَتِه، والبقيةَ قاعِدًا، أو عن صَومِ رَمضانَ، أي أنَّه لو صامَ رَمضانَ صلَّى قاعِدًا، وإن أفطَرَ صلَّى قائِمًا، يَصومُ ويُصلِّي قاعِدًا، فَيَتحَتَّمُ عليه القُعودُ في هذه المَسائِلِ؛ لِعَجزِه عن القِيامِ حُكمًا؛ إذ لو قامَ لزِمَ فَوتُ الطَّهارةِ أو السَّتْرِ أو القِراءةِ أو الصَّومِ بلا خِلافِ (٣).

стр. 880

إلا أنَّ الحَنفيَّةَ قالوا أيضًا: مَنْ كانَ قادِرًا على القِيامِ إلا أنَّه لا يقدِرُ على الرُّكوعِ والسُّجودِ سقطَ عنه القِيامُ. قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وإن كانَ قادِرًا على القِيامِ دونَ الرُّكوعِ والسُّجودِ يُصلِّي قاعِدًا بالإيماءِ، وإن صلَّى قائِمًا بالإيماءِ أجزَأَه ولا يُستحبُّ له ذلك. وقالَ زُفَرُ والشافِعيُّ: لا يُجزِئُه، إلا أن يُصلِّيَ قائِمًا، واحتَجَّا بما رَوَينا عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ لِعِمرانَ بنِ حُصَينٍ ﵁: «فإن لم تَستَطِع فقاعِدًا»، علَّق الجَوازَ قاعِدًا بشَرطِ العَجزِ عن القِيامِ، ولا عَجزَ، ولأنَّ القِيامَ رُكنٌ، لا يَجوزُ تَركُه مع القُدرةِ عليه، كما لو كانَ قادِرًا على القِيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ. والإيماءُ حالةَ القِيامِ مَشروعٌ في الجُملةِ، بأن كانَ الرَّجلُ في طِينٍ ورَدغَةٍ، راجِلًا، أو في حالةِ الخَوفِ مِنْ العَدُوِّ، وهو راجِلٌ، فإنَّه يُصلِّي قائِمًا بالإيماءِ، كذا ههنا. ولنا: أنَّ الأغلَبَ أنَّ مَنْ عجَز عن الرُّكوعِ والسُّجودِ كانَ عن القِيامِ أعجَزَ؛ لأنَّ الانتِقالَ مِنْ القُعودِ إلى القِيامِ أشَقُّ مِنْ الانتِقالِ مِنْ القيامِ إلى الرُّكوعِ، والأغلَبُ مُلحَقٌ بالمُتَيَقَّنِ في الأحكامِ، فصارَ كأنَّه عجَز عن الأمرَينِ، إلا أنَّه متى صلَّى قائِمًا جازَ؛ لأنَّه تكلَّف فِعلًا ليس عليه، فصارَ كما لو تكلَّف الرُّكوعَ جازَ، وإن لم يكن عليه، كَذَا ههنا. ولأنَّ السُّجودَ أصلٌ، وسائِرَ الأركانِ كالتَّابِعِ له؛ لِهذا كانَ السُّجودُ
следующие страницы →