ويَرجعُ المالِكُ على الغاصِبِ المَليءِ بالغَلَّةِ التي استغَلَّها المَوهوبُ من الشَّيءِ المَغصوبِ، ولا يَرجعُ الغاصِبُ بشَيءٍ من ذلك على المَوهوبِ له، وإذا رجَعَ عليه بغَلَّةِ مَوهوبِه فأَوْلى ما استغَلَّه هو، والرُّجوعُ على الغاصِبِ بغَلةِ مَوهوبِه مَحلُّه إذا كانَت السِّلعةُ قائِمةً أو فاتَت ولم يَختَرْ تَضمينَه القيمةَ؛ إذْ لا يَجمعُ بينَ القيمةِ والغلَّةِ.
فإنْ كانَ الغاصِبُ مُعسِرًا ولم يَقدِرْ عليه فإنَّ المُستحِقَّ يَرجعُ بالغَلَّةِ على المَوهوبِ؛ لأنَّه المُستهلِكُ لذلك، ولا يَرجعُ المَوهوبُ له على الغاصِبِ بشَيءٍ من ذلك؛ لأنَّه يَقولُ: «وهَبتُك شَيئًا»، فاستُحِقَّ، فإنْ كانا عَديمَينِ اتَّبَع أوَّلَهما يَسارًا، ومَن غُرِّمَ منهما لا يَرجعُ على صاحِبِه.
ويَرجعُ على المَوهوبِ بما استغَلَّه فقط إنْ كانَت السِّلعةُ قائِمةً أو فاتَت واختارَ أخْذَ الغَلَّةِ، وإنِ اختارَ تَضمينَه أخَذَ القيمةَ فقط، ولا شَيءَ له من الغَلَّةِ؛ لأنَّه لا يَجمعُ له بينَهما (١).
وقالَ القَرافيُّ ﵀: إذا وهَبَ الغاصِبُ لكَ طَعامًا أو إِدامًا فأكَلتَه أو ثَوبًا فلبِستَه حتى أبلَيتَه رجَعَ مُستحِقُّه على الغاصِبِ المَليءِ؛ لأنَّه المُتعدِّي المُسلَّطُ، وإنْ كانَ مُعدِمًا أو مَعجوزًا عنه فعليكَ؛ لأنَّك المُنتفِعُ بمالِه، ولا تَرجعُ أنتَ على الواهِبِ بشَيءٍ لعَدمِ انتِفاعِه وانتِفاعِك، وكذلك لو أعارَك الغاصِبُ فنقَصَت بلُبسِك لا تَرجعُ على المُعيرِ …
стр. 8157
قالَ ابنُ يُونسَ: قالَ أشهَبُ: إذا وهَبَك الغاصِبُ فأبلَيتَ أو أكَلتَ اتَّبعَ أيَّكما شاءَ؛ لوُجودِ سَببِ الضَّمانِ في حَقِّكما، قالَ ابنُ القاسِمِ: إنْ كانَ الواهِبُ غيرَ غاصِبٍ لم يَتبَعْ غيرَ المَوهوبِ المُنتفِعِ، وهو خِلافُ ما له في كِتابِ الاستِحقاقِ في مُكري الأرضِ يُحابي في كِرائِها ثم يَطرأُ أَخوه، وسَواءٌ بينَ المُتعدِّي وغيرِه، وهو أصلُه في «المُدوَّنة» أنْ يَبدأَ بالرُّجوعِ على الواهِبِ، فإنْ أُعدِمَ فعلى المَوهوبِ، إلا أنْ يَكونَ الواهِبُ عالِمًا بالغَصبِ فكالغاصِبِ في جَميعِ الأُمورِ، ويَرجعُ على أيِّهما شاءَ، وقَولُ أشهَبَ أقيَسُ، ولا يَكونُ المَوهوبُ أحسَنَ حالًا من المُشتَري، ووَجهُ التَّبدِئةِ بالغاصِبِ: أنَّ الظالِمَ أحَقُّ أنْ يُحمَلَ عليه، والفَرقُ بينَ المَوهوبِ والمُشتَري أنَّ المُشتَري إذا غُرِّمَ رجَعَ بالثَّمنِ، والمَوهوبُ لا يَرجعُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لو وهَبَ الغاصِبُ المَغصوبَ من شَخصٍ فقَرارُ الضَّمانِ على المَوهوبِ له على الأظهَرِ؛ لأنَّه -وإنْ كانَت يَدُه ليسَت يَدَ ضَمانٍ- أخَذَه للتَّملُّكِ.
ومُقابِلُ الأظهَرِ القَرارُ على الغاصِبِ؛ لأنَّ يَدَ الاتِّهابِ ليسَت يَدَ ضَمانٍ (٢).
стр. 8158
وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ وهَبَ المَغصوبُ لعالِمٍ بالغَصبِ استقَرَّ الضَّمانُ على المُتَّهبِ، فمهما غرِمَ من قيمةِ العَينِ أو أجزائِها لم يَرجِعْ به على أحدٍ؛ لأنَّ التَّلفَ حصَلَ في يَدَيه ولم يَغرَّه أحدٌ، وكذلك أجرُ مُدةِ مُقامِه في يَدَيه وأرشُ نَقصِه إنْ حصَلَ.
وإنْ لم يَعلَمْ فلصاحِبِها تَضمينُ أيِّهما شاءَ، فإنْ ضمَّنَ المُتَّهبَ رجَعَ على الغاصِبِ بقيمةِ العَينِ والأَجزاءِ؛ لأنَّه غَرَّه؛ لأنَّ المُتَّهَبَ دخَلَ على أنْ تَسلَمَ له العَينُ فيَجبُ أنْ يَرجعَ بما غرِمَ من قيمَتِها.
وإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ ففي رُجوعِه على المُتهَبِ وَجهانِ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا فيما إذا وهَبَ الغاصِبُ ما غصَبَ فتلِفَ في يَدِ المَوهوبِ له، فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأَحمدُ: يُضمِّنُ أيَّهما شاءَ، إلا أنَّه إنْ ضمَّنَ المَوهوبَ له رجَعَ على الغاصِبِ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: أيَّهما ضمَّنَ لم يَرجِعْ على الآخَرِ (٢).
المَسألةُ السابِعةُ: إذا قدَّمَ الغاصِبُ الطَّعامَ المَغصوبَ للمَغصوبِ منه ليَأكُلَه أو وهَبَه له:
قالَ الحَنفيةُ: لو غصَبَ طَعامًا فأكَلَه المالِكُ وهو يَعرِفُه أو لا يَعرِفُه أو أطعَمَه إياه الغاصِبُ وهو لا يَعرِفُه أو كانَ ثَوبًا فألبَسَه إياه وهو لا يَعرِفُه فقد
стр. 8159
بَرئَ منه الغاصِبُ؛ لأنَّه قد سلَّمَ له بالأكلِ واللُّبسِ، فلو ضمِنَ الغاصِبُ لسلِمَ له العِوضُ والمُعوَّضُ، وهذا لا يَصحُّ، قالَ الحَداديُّ: ويَنبَغي على قَولِ أَبي يُوسفَ ومُحمدٍ أنَّه إذا غصَبَ حِنطةً فطحَنَها وأطعَمَها المَغصوبَ منه ألَّا يَبرأَ؛ لأنَّه قد ملَكَها بالطَّحنِ، فبانَ أنَّه أطعَمَ مِلكَ نَفسِه فيَكونُ مُتبَرِّعًا بذلك.
وفي البَزدَويِّ الكَبيرِ: مَنْ غصَبَ طَعامًا فأطعَمَه المالِكَ من غيرِ أنْ يَعلَمَه بَرئَ منه عندَنا؛ لأنَّه أَداءٌ حَقيقةً، فإنَّ عَينَ مالِه وصَلَ إليه، فجَهلُه به لا يُبطِلُ قَبضَه له، أي: جَهلُه بأنَّه مِلكُه لا يُبطِلُ حُكمًا شَرعيًّا، ألَا تَرى أنَّ مَنْ اشتَرى عَبدًا فقالَ البائِعُ للمُشتَري: «أعتِقْ عَبدي هذا»، وأَشارَ إلى المَبيعِ فأعتَقَه المُشتَري ولم يَعلَمْ بأنَّه عَبدُه صَحَّ إِعتاقُه، ويُجعَلُ قَبضًا ويَلزمُه الثَّمنُ؛ لأنَّه أعتَقَ مِلكَه، وجَهلُه بأنَّه مِلكُه لا يَمنعُ صِحةَ ما وُجدَ منه، كذا هذا (١).
وقالَ المالِكيةُ: مَنْ غصَبَ طَعامًا فقدَّمَه لرَبِّه ضِيافةً فأكَلَه فإنَّ الغاصِبَ يَبرأُ من ذلك، وسَواءٌ علِمَ مالِكُه أنَّه له أو لا؛ لأنَّ رَبَّه باشَرَ إِتلافَه، والمُباشِرُ مُقدَّمٌ على المُتسبِّبِ إذا ضعُفَ السَّببُ كما مَرَّ، بل لو أكرَهَ الغاصِبُ رَبَّه على أَكلِه لبَرِئَ الغاصِبُ.
وكذلك لو دخَلَ المالِكُ دارَ الغاصِبِ فأكَلَه بغيرِ إِذنِ الغاصِبِ لبَرِئَ الغاصِبُ، ثم إنَّ هذه المَسألةَ مُقيَّدةٌ بما إذا كانَ ذلك الطَّعامُ يُناسِبُ حالَ
стр. 8160
مالِكِه، وإلا يَضمَنْه الغاصِبُ لرَبِّه ويَسقُطْ عنه من قيمَتِه الذي انتفَعَ به رَبُّه، أنْ لو كانَ ذلك من الطَّعامِ الذي شأنُه أكلُه، كما إذا كانَ الطَّعامُ يُساوي عَشرةَ دَنانيرَ ويَكفي مالِكَه من الطَّعامِ الذي يَليقُ به بنِصفِ دِينارٍ، فإنَّ الغاصِبَ يَغرَمُ له تِسعةً ونِصفًا، ويَنبَغي إذا أكَلَه بغيرِ إِذنِ الغاصِبِ أنْ يُقيَّدَ بما إذا أكَلَه قبلَ فَوتِه، وأمَّا إنْ أكَلَه بعدَما فاتَ عندَ الغاصِبِ ولزِمَته القيمةُ فإنَّه يَرجعُ عليه بقيمَتِه؛ لأنَّه قد أكَلَ ما هو مِلكٌ للغاصِبِ، ويَرجعُ رَبُّه على الغاصِبِ بقيمَتِه، وقد تَختلِفُ القيمَتانِ (١).
وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: وإذا أتلَفَ القابِضُ من الغاصِبِ نُظرَ، إنِ استقَلَّ بالإِتلافِ فقَرارُ الضَّمانِ عليه.
وإنْ حمَلَه الغاصِبُ عليه بأنْ غصَبَ طَعامًا فقدَّمَه إليه ضيافةً فأكَلَه فالقَرارُ على الآكِلِ إنْ كانَ عالِمًا، وكذا إنْ كانَ جاهِلًا على الأظهَرِ المَشهورِ في الجَديدِ، فعلى هذا إنْ ضمَّنَه لم يَرجِعْ على الغاصِبِ، وإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ رجَعَ عليه، وعلى القَولِ الآخَرِ بالعَكسِ، هذا إذا قدَّمَه إليه وسكَتَ، فإنْ قالَ: «هو مِلكي»، فإنْ ضمَّنَ الآكِلَ ففي رُجوعِه على الغاصِبِ القَولانِ، وإنْ ضمَّنَ الغاصِبَ فالمَذهبُ أنَّه لا يَرجعُ قَطعًا؛ لأنَّه مُعتَرِفٌ بأنَّه مَظلومٌ فلا يَرجعُ على غيرِ ظالِمِه.
وقالَ المُزنِيُّ: يَرجعُ عليه، وغلَّطَه الأَصحابُ (٢).
стр. 8161
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا غصَبَ طَعامًا فأطعَمَه غيرَه فللمالِكِ تَضمينُ أيِّهما شاءَ؛ لأنَّ الغاصِبَ حالَ بينَه وبينَ مالِه، والآكِلُ أتلَفَ مالَ غيرِه بغيرِ إِذنِه، وقبَضَه عن يَدِ ضامِنِه بغيرِ إِذنِ مالِكِه، فإنْ كانَ الآكِلُ عالِمًا بالغَصبِ استقَرَّ الضَّمانُ عليه؛ لكَونِه أتلَفَ مالَ غيرِه بغيرِ إِذنٍ عالِمًا من غيرِ تَغريرٍ، فإذا ضمَّنَ الغاصِبَ رجَعَ عليه.
وإنْ ضمَّنَ الآكِلَ لم يَرجِعْ على أحدٍ، وإنْ لم يَعلَمِ الآكِلُ بالغَصبِ نظَرنا، فإنْ كانَ الغاصِبُ قالَ له: «كُلْه فإنَّه طَعامي»، استقَرَّ الضَّمانُ عليه؛ لاعتِرافِه بأنَّ الضَّمانَ باقٍ عليه، وأنَّه لا يَلزمُ الآكِلَ شَيءٌ، وإنْ لم يَقُلْ ذلك ففيه رِوايتانِ:
إِحداهما: يَستقِرُّ الضَّمانُ على الآكِلِ، وبه قالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ في الجَديدِ؛ لأنَّه ضمِنَ ما أتلَفَ فلم يَرجِعْ به على أحَدٍ.
والثانيةُ: يَستقِرُّ الضَّمانُ على الغاصِبِ لأنَّه غَرَّ الآكِلَ وأطعَمَه على أنَّه لا يَضمَنُه، وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ، وأيُّهما استقَرَّ عليه الضَّمانُ فغرِمَه لم يَرجِعْ على أحدٍ، فإنْ غَرمَه صاحِبُه رجَعَ عليه.
وإنْ أطعَمَ المَغصوبَ لمالِكِه فأكَلَه عالِمًا بأنَّه طَعامُه بَرئَ الغاصِبُ، وإنْ لم يَعلَمْ، وقالَ له الغاصِبُ: «كُلْه فإنَّه طَعامي»، استقَرَّ الضَّمانُ على الغاصِبِ.
وإنْ كانَت له بيِّنةٌ بأنَّه طَعامُ المَغصوبِ منه، وإنْ لم يَقُلْ ذلك بل قدَّمَه إليه وقالَ: «كُلْه»، أو قالَ: «قد وهَبتُك إياه»، أو سكَتَ، فظاهِرُ كَلامِ أَحمدَ أنَّه لا يَبرأُ؛ لأنَّه قالَ في رِوايةِ الأثرَمِ في رَجلٍ له قِبَلَ رَجلٍ تَبِعةٌ فأوصَلَها إليه على سَبيلِ صَدقةٍ أو هَديةٍ فلم يَعلَمْ، فقالَ: كيف هذا؟ هذا يَرى أنَّه هَديةٌ،
стр. 8162
يَقولُ له: «هذا لك عِندي»، وهذا يَدلُّ على أنَّه لا يَبرأُ ههنا بأكلِ المالِكِ طَعامَه بطَريقِ الأَوْلى؛ لأنَّه ثَمَّ رَدَّ إليه يَدَه وسُلطانَه، وههنا بالتَّقديمِ إليه لم تَعُدْ إليه اليَدُ والسُّلطانُ، فإنَّه لا يَتمكَّنُ من التَّصرفِ فيه بكلِّ ما يُريدُ من أخذِه وبَيعِه والصَّدقةِ به، فلم يَبْرَأِ الغاصِبُ كما لو علَفَه لدوابِّه، ويَتخرَّجُ أنْ يَبرأَ بِناءً على ما مَضى إذا أطعَمَه لغيرِ مالِكِه، فإنَّه يَستقِرُّ الضَّمانُ على الآكِلِ في إحدى الرِّوايتَينِ فيَبرأُ ههنا بطَريقِ الأَولى.
قالَ ابنُ قُدامةَ: وإنْ وهَبَ المَغصوبَ لمالِكِه أو أَهداه إليه فالصَّحيحُ أنَّه يَبرأُ؛ لأنَّه قد سلَّمَه إليه تَسليمًا صَحيحًا تامًّا وزالَت يَدُ الغاصِبِ، وكَلامُ أَحمدَ في رِوايةِ الأثرَمِ وارِدٌ فيما إذا أَعطاه عِوضَ حَقِّه على سَبيلِ الهَديةِ فأخَذَه المالِكُ على هذا الوَجهِ، لا على سَبيلِ العِوضِ فلم تَثبُتِ المُعاوَضةُ، ومَسألتُنا فيما إذا رَدَّ إليه عَينَ مالِه وأعادَ يَدَه التي أزالَها، وإنْ باعَه إياه وسلَّمَه إليه بَرئَ من الضَّمانِ؛ لأنَّه قبَضَه بالابتِياعِ، والابتِياعُ يُوجبُ الضَّمانَ، وإنْ أقرَضَه إياه بَرئَ أيضًا لذلك، وإنْ أعارَه إياه بَرئَ أيضًا؛ لأنَّ العاريةَ تُوجِبُ الضَّمانَ، وإنْ أودَعَه إياه أو آجَرَه إياه أو رهَنَه أو أسلَمَه عندَه ليُقصِّرَه أو يُعلِّمَه لم يَبْرَأْ من الضَّمانِ، إلا أنْ يَكونَ عالِمًا بالحالِ؛ لأنَّه لم يَعُدْ إليه سُلطانُه، إنَّما قبَضَه على أنَّه أَمانةٌ، وقالَ بعضُ أَصحابِنا: يَبرأُ لأنَّه عادَ إلى يَدِه وسُلطانِه، وهذا أحدُ الوَجهَينِ لأَصحابِ الشافِعيِّ، والأولُ أَولى، فإنَّه لو أباحَه إياه فأكَلَه لم يَبْرَأْ فههنا أَولى (١).
стр. 8163
ضَمانُ إِتلافِ الخَمرِ والخِنزيرِ أو غَصبِهما:
الإِنسانُ إذا أتلَفَ لغيرِه خَمرًا أو خِنزيرًا أو غصَبَهما فهذا لا يَخلو من حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: إذا أتلَفَ الخَمرَ أو الخِنزيرَ أو غصَبَهما من مُسلمٍ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ المُسلمَ أو الذِّميَّ إذا أتلَفَ خَمرًا أو خِنزيرًا لمُسلمٍ فإنَّه لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّهما ليسا بمُتقوَّمَينِ في حَقِّ المُسلمِ؛ لأنَّ المُسلمَ مَمنوعٌ من تَملُّكِه وتَمليكِه؛ لحَديثِ جابِرٍ ﵁ أنَّه رَوى أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «ألَا إنَّ اللهَ ورَسولَه حَرَّما بَيعَ الخَمرِ والمَيتةِ والخِنزيرِ والأَصنامِ» (١) وما حُرِّم بَيعُه لا لحُرمتِه لم تَجِبْ قيمَتُه كالمَيتةِ.
وكذا إذا غصَبَ خَمرًا لمُسلمٍ أو خِنزيرًا له فهلَكَ في يَدِه أنَّه لا يَضمَنُ، سَواءٌ كانَ الغاصِبُ مُسلمًا أو ذِميًّا؛ لأنَّ الخَمرَ ليسَت بمالٍ مُتقوَّمٍ في حَقِّ المُسلمِ وكذا الخِنزيرُ، فلا يُضمَنانِ بالغَصبِ (٢).
الحالةُ الثانيةُ: إذا أتلَفَ الخَمرَ والخِنزيرَ أو غصَبَهما من ذِميٍّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُسلمِ إذا أتلَفَ أو استهلَكَ الخَمرَ أو الخِنزيرَ لذِميٍّ هل يَضمَنُهما أو لا؟
стр. 8164
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ المُسلمَ إذا أتلَفَ الخَمرَ أو الخِنزيرَ للذِّميِّ ضمِنَهما؛ لأنَّ الخَمرَ لهم كالخَلِّ لنا، ولأنَّ الخِنزيرَ في حَقِّهم كالشاةِ لنا، ونحن أُمِرنا بأنْ نَتركَهم وما يَدينونَ، ولقَولِ عُمرَ لمَّا سألَ عُمَّالَه ماذا يُصنَعُ بما يَمرُّ به أهلُ الذِّمةِ من الخُمورِ، فقالوا: نُعشِّرُها، قالَ: «لا تَفعَلوا، ووَلُّوهم بَيعَها وخُذوا العُشرَ من أَثمانِها»، فلولا أنَّها مُتقوَّمةٌ وأنَّ بَيعَها جائِزٌ لهم لَمَا أمَرَهم بذلك من غيرِ إِنكارٍ فكانَ إِجماعًا، ولأنَّه أتلَفَ عليه ما يَعتقِدُه مالًا له ظُلمًا، فوجَبَ أنْ يَضمنَ قيمَتَه، أصلُه إذا أتلَفَ عليه ما يَصحُّ تَمليكُه في حَقِّ المُسلمِ، ولأنَّ حِفظَ مالِه والكَفَّ عن إِتلافِه عليه مُستحَقٌّ علينًا كاستِحقاقِه في حِفظِ نَفسِه، فلَمَّا كانَت نَفسُه مَضمونةً بالإِتلافِ فكذلك مالُه.
إلا أنَّه إذا أتلَفَه مُسلمٌ تَجبُ قيمةُ الخَمرِ وإنْ كانَ مِثليًّا عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ؛ لأنَّ المُسلمَ مَمنوعٌ من تَمليكِه وتَملُّكِه بخِلافِ الذِّميِّ.
وقالَ الحَنفيةُ: أمَّا إذا أتلَفَه ذِميٌّ لذِميٍّ فإنَّه يَجبُ مِثلُه؛ لأنَّ الذِّميَّ غيرُ مَمنوعٍ من تَمليكِه وتَملُّكِه (١).
стр. 8165
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ وعبدُ المَلكِ بنُ الماجِشونِ من المالِكيةِ إلى أنَّ المُسلمَ إذا أتلَفَ الخَمرَ أو الخِنزيرَ للذِّميِّ فلا ضَمانَ عليه فيهما؛ لأنَّ ما لم يَكُنْ مَضمونًا في حَقِّ المُسلمِ لم يَكُنْ مَضمونًا في حَقِّ الذِّميِّ كالمُرتدِّ، ولأنَّها غيرُ مُتقوَّمةٍ فلا تُضمَنُ كالمَيتةِ، والدَّليلُ أنَّها غيرُ مُتقوَّمةٍ في حَقِّ المُسلمِ فكذلك في حَقِّ الذِّميِّ، فإنَّ تَحريمَها ثبَتَ في حَقِّهما، وخِطابُ النَّواهي يَتوجَّهُ إليهما، فما ثبَتَ في حَقِّ أَحدِهما ثبَتَ في حَقِّ الآخَرِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ: ولا نُسلِّمُ بأنَّها مَعصومةٌ، بل مَتى أُظهِرت حَلَّت إِراقَتُها، ثم لو عصَمَها ما لزِمَ تَقويمُها، فإنَّ نِساءَ أهلِ الحَربِ وصِبيانَهم مَعصومونَ غيرُ مُتقوَّمينَ، وقَولُهم: إنَّها مالٌ عندَهم يَنتقِضُ بالعَبدِ المُرتدِّ، فإنَّه مالٌ عندَهم، وأمَّا حَديثُ عُمرَ فمَحمولٌ على أنَّه أَرادَ تَركَ التَّعرُّضِ لهم، وإنَّما أمَرَ بأخذِ عُشرِ أَثمانِها؛ لأنَّهم تَبايَعوا وتَقابَضوا فحكَمْنا لهم بالمِلكِ ولم نَنقُضْه، وتَسميتُها أَثمانًا مَجازٌ، كما سَمَّى اللهُ تَعالى ثَمنَ يُوسفَ ثَمنًا، فقالَ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، وأمَّا قَولُ الخِرقيِّ: ويُنهَى عن التَّعرُّضِ لهم فيما لا يُظهِرونَه، فلِأَنَّ كلَّ ما اعتَقَدوا حِلَّه في دِينِهم ممَّا لا أذَى للمُسلِمينَ فيه من الكُفرِ وشُربِ الخَمرِ واتِّخاذِه ونِكاحِ ذَواتِ المَحارمِ لا يَجوزُ لنا التَّعرُّضُ لهم فيه إذا لم يُظهِروه؛ لأنَّنا التَزَمنا بإِقرارِهم عليه في دارِنا فلا نَتعرَّضُ لهم فيما التَزَمنا بتَركِه، وما أَظهَروه من ذلك تعيَّنَ إِنكارُه عليهم، فإنْ كانَ خَمرًا جازَت إِراقتُه، وإنْ
стр. 8166
أظهَروا صَليبًا أو طُنبورًا جازَ كَسرُه، وإنْ أظهَروا كُفرَهم أُدِّبوا على ذلك، ويُمنَعونَ من إِظهارِ ما يَحرُمُ على المُسلِمينَ (١).
ضَمانُ كَسرِ الصَّليبِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ المُسلمَ إذا كانَ معه صَليبٌ فأتلَفَه إِنسانٌ فلا ضَمانَ عليه.
أمَّا إنْ كانَ الصَّليبُ لأهلِ الذِّمةِ فإنْ أظهَروه وجَبَت إِزالَتُه، ولا ضَمانَ على مُتلِفِه.
وإنْ كانَ على وَجهٍ يُسرُّونَه عن المُسلِمينَ ولا يُظهِرونَه فإنْ غصَبَه غاصِبٌ وجَبَ رَدُّه عندَهم جَميعًا.
إلا أنَّهم اختَلَفوا فيما لو أتلَفَه مُتلِفٌ، هل يَجبُ عليه ضَمانُه أو لا؟
فقالَ الحَنفيةُ: لو أتلَفَ مُسلمٌ صَليبًا على نَصرانِيٍّ يَضمَنُ قيمَتَه صَليبًا؛ لأنَّه مُقَرٌّ على ذلك، فصارَ كالخَمرِ التي هُمْ مُقَرُّونَ عليها.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولو غصَبَ مُسلمٌ من نَصرانِيٍّ صَليبًا له فهلَكَ في يَدِه يَضمَنُ قيمَتَه صَليبًا؛ لأنَّه مُقَرٌّ على ذلك (٢).
стр. 8167
وقالَ ابنُ بَطالٍ المالِكيُّ: وأمَّا الساعةَ فلو كُسِر صَليبٌ لأهلِ الكِتابِ المُعاهَدينَ بينَ أظهُرِنا لكانَ ذلك تَعدِّيًا؛ لأنَّهم على ذلك يُؤدُّونَ الجِزيةَ، وإنْ كسَرَه لأهلِ الحَربِ كانَ مَشكورًا، وكذلك قَتلُ الخِنزيرِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُسلمَ إذا أتلَفَ صَليبًا فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه لا يَحلُّ بَيعُه فلم يَضمَنْه كالمَيتةِ، والدَليلُ على أنَّه لا يَحلُّ بَيعُه قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ اللهَ حَرَّمَ بَيعَ الخَمرِ والمَيتةِ والخِنزيرِ والأَصنامِ» مُتَّفقٌ عليه.
قالَ الشافِعيةُ: الأَصنامُ والصُّلبانُ لا يَجبُ في إِبطالِها شَيءٌ؛ لأنَّ مَنفعتَها مُحرمةٌ لا تُقابَلُ بشَيءٍ.
والأصَحُّ أنَّها لا تُكسَرُ الكَسرَ الفاحِشَ؛ لإِمكانِ إِزالةِ الهَيئةِ المُحرمةِ مع بَقاءِ بَعضِ الماليةِ، إلا للإِمامِ فله ذلك زَجرًا وتَأديبًا، بل تُفصَّلُ لتَعودَ كما قبلَ التأليفِ؛ لزَوالِ الاسمِ بذلك.
ومُقابِلُ الأصَحِّ: تُكسَرُ وتُرضَّضُ حتى تَنتَهيَ إلى حَدٍّ لا يُمكِنُ فيه إعادَتُها صَنمًا أو صَليبًا أو غيرَ ذلك من المُحرَّماتِ (٢).
قالَ البُهوتيُّ ﵀: ومَن أتلَفَ مِزمارًا ونَحوَه بأنْ حَرَقه وأَلقاه في نَحوِ بَحرٍ أو كسَرَ مِزمارًا أو طُنبورًا أو صَليبًا أو كسَرَ إِناءَ ذَهبٍ أو فِضةٍ لم
стр. 8168
يَضمَنْه، وأمَّا إذا أتلَفَه فإنَّه يَضمَنُه بوَزنِه ذَهبًا أو فِضةً بلا صِناعةٍ كما تقدَّمَ، قالَ الحارِثيُّ: لا خِلافَ فيه. انتَهى (١).
وقد عَنونَ الإِمامُ البُخاريُّ ﵀ في صَحيحِه بابًا بعُنوانِ: بَابُ كَسرِ الصَّليبِ وقَتلِ الخِنزيرِ:
حدَّثَنا علِيُّ بنُ عبدِ اللهِ: حدَّثَنا سُفيانُ: حدَّثَنا الزُّهريُّ قالَ: أخبَرَني سَعيدُ ابنُ المُسيِّبِ: سمِعَ أبا هُرَيرةَ ﵁، عن رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تَقومُ الساعةُ حتى يَنزِلَ فيكم ابنُ مَريمَ حَكمًا مُقسِطًا، فيَكسِرَ الصَّليبَ، ويَقتلَ الخِنزيرَ، ويَضعَ الجِزيةَ، ويَفيضَ المالُ حتى لا يَقبَلَه أحدٌ» (٢).
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وفي إِيرادِه هنا إِشارةٌ إلى أنَّ مَنْ قتَلَ خِنزيرًا أو كسَرَ صَليبًا لا يَضمَنُ؛ لأنَّه فعَلَ مَأمورًا به، وقد أخبَرَ ﵊ بأنَّ عيسى ﵇ سيَفعَلُه، وهو إذا نزَلَ كانَ مُقرِّرًا لشَرعِ نَبيِّنا ﷺ ، ولا يَخفَى أنَّ مَحلَّ جَوازِ كَسرِ الصَّليبِ إذا كانَ مع المُحارِبينَ أو الذِّميِّ إذا جاوَزَ به الحَدَّ الذي عُوهِدَ عليه، فإذا لم يَتجاوَزْ وكسَرَه مُسلمٌ كانَ مُتعدِّيًا؛ لأنَّهم على تَقريرِهم على ذلك يُؤدُّونَ الجِزيةَ، وهذا هو السِّرُّ في تَعميمِ عيسى كَسرَ كلِّ صَليبٍ؛ لأنَّه لا يَقبلُ الجِزيةَ، وليس ذلك منه نَسخًا لشَرعِ نَبيِّنا مُحمدٍ ﷺ ، بل الناسِخُ هو شَرعُنا على لِسانِ نَبيِّنا؛ لإِخبارِه بذلك وتَقريرِه (٣).
стр. 8169
حُكمُ من ظفِرَ بحَقٍّ له عندَ آخَرَ:
مَنْ كانَ له حَقٌّ عندَ آخَرَ فهذا لا يَخلو من حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ مُقِرًّا بالحَقِّ باذِلًا له:
إذا كانَ صاحِبُ الحَقِّ مُقِرًّا بالحَقِّ باذِلًا له فهذا ممَّا لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ على أنَّه لا يَجوزُ للإِنسانِ أنْ يأخُذَ حقَّه منه إنْ ظفِرَ به.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا كانَ لرَجلٍ على غيرِه حَقٌّ وهو مُقرٌّ به باذِلٌ له لم يَكُنْ له أنْ يأخُذَ من مالِه إلا ما يُعطيه بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العِلمِ، فإنْ أخَذَ من مالِه شَيئًا بغيرِ إِذنِه لزِمَه رَدُّه إليه وإنْ كانَ قَدرَ حَقِّه؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَملكَ عليه عَينًا من أَعيانِ مالِه بغيرِ اختيارِه لغيرِ ضَرورةٍ، وإنْ كانَت من جِنسِ حَقِّه؛ لأنَّه قد يَكونُ للإِنسانِ غَرضٌ في العَينِ، فإنْ أتلَفَها أو تلِفَت فصارَت دَينًا في ذِمتِه، وكانَ الثابِتُ في ذِمتِه من جِنسِ حَقِّه تَقاصَّا في قياسِ المَذهبِ وفي المَشهورِ من مَذهبِ الشافِعيِّ، وإنْ كانَ مانِعًا له لأمرٍ يُبيحَ المَنعَ كالتَّأجيلِ والإِعسارِ لم يَجزْ أخذُ شَيءٍ من مالِه بغيرِ خِلافٍ، وإنْ أخَذَ شَيئًا لزِمَه رَدُّه إنْ كانَ باقِيًا أو عِوضَه إنْ كانَ تالِفًا، ولا يَحصُلُ التَّقاصُّ ههنا؛ لأنَّ الدَّينَ الذي له لا يَستحِقُّ أخذَه في الحالِ بخِلافِ التي قبلَها (١).
وقالَ الزَّركَشيُّ: إذا لم يَمنَعْه من حَقِّه فإنَّه ليس له الأخذُ اتِّفاقًا (٢).
стр. 8170
وقالَ الإِمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: مَنْ وجَبَ له حَقٌّ على رَجلٍ وهو غيرُ مُمتنِعٍ من دَفعِه لم يَجزْ لصاحِبِ الحَقِّ أنْ يأخُذَ من مالِه حَقَّه بغيرِ إِذنِه؛ لأنَّ الخيارَ فيما يُقضَى به الدَّينُ إلى مَنْ عليه الدَّينُ، ولا يَجوزُ أنْ يأخُذَ إلا ما يُعطيه، وإنْ أخَذَ بغيرِ إِذنِه لزِمَه رَدُّه، فإنْ تلِفَ ضمِنَه؛ لأنَّه أخَذَ مالَ غيرِه بغيرِ حَقٍّ (١).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَظفرَ بحَقِّه من غاصِبٍ له أو جاحِدٍ له أو غيرِ ذلك، وهو عاجِزٌ عن أخذِه:
اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيمَن له حَقٌّ عندَ غيرِه وهو عاجِزٌ عن أخذِه كمَن له وَديعةٌ عندَ آخَرَ فجحَدَها فهل يَجوزُ له إذا ظفِرَ بمالٍ لمَن عليه الحَقُّ أنْ يأخُذَه أو لا؟ وهل يَجوزُ أنْ يأخُذَ إذا كانَ من جِنسِ حَقِّه ولا يَجوزُ من غيرِه أو لا يَجوزُ مُطلَقًا؟ على أَقوالٍ:
القَولُ الأولُ: أنَّه يَجوزُ لمَن ظفِرَ بحَقِّه أنْ يأخُذَه سَواءٌ كانَ من جِنسِ حَقِّه أو من غيرِه، وسَواءٌ علِمَ المَأخوذَ منه أو لم يَعلَمْ.
ذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمَدِ من المَذهبِ (٢) والشافِعيةُ (٣) والحَنابِلةُ في
стр. 8171
قَولٍ (١) وهو الذي عليه الفَتوَى عندَ الحَنفيةِ في هذه الأَزمانِ (٢) إلى أنَّه يَجوزُ للإِنسانِ إذا كانَ له حَقٌّ عندَ غيرِه وجحَدَه أو عجَزَ عن أخذِه ووجَدَ مالًا له أنَّ له الأخْذَ منه، سَواءٌ كانَ من جِنسِ حَقِّه أو لا، وسَواءٌ علِمَ المانِعُ الحَقَّ أو لم يَعلَمْ، واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي:
١ - بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
٢ - وبما رَواه الشَّيخانِ وغيرُهما عن عائِشةَ ﵂ قالَت: دخَلَت هِندُ بِنتُ عُتبةَ امرأةُ أَبي سُفيانَ على رَسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أَبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ، لا يُعطيني من النَّفقةِ ما يَكفيني ويَكفي بَنيَّ إلا ما أخَذتُ من مالِه بغيرِ عِلمِه، فهل علَيَّ في ذلك من جُناحٍ؟ فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «خُذي من مالِه بالمَعروفِ ما يَكفيكِ ويَكفي بَنيكِ» (٣).
٣ - وبحَديثِ عُقبةَ بنِ عامِرٍ ﵁ قالَ: قُلنا للنَّبيِّ ﷺ : إنَّك تَبعَثُنا، فنَنزِلُ بقَومٍ لا يَقرُونَنا، فما تَرى فيه؟ فقالَ لنا: «إنْ نزَلتُم بقَومٍ،
стр. 8172
فأُمرَ لكم بما يَنبَغي للضَّيفِ فاقبَلوا، فإنْ لم يَفعَلوا، فخُذوا منهم حَقَّ الضَّيفِ» (١).
قالَ المالِكيةُ في المَذهبِ: من جُحدَ حَقُّه عندَ رَجلٍ مُلِدٍّ أو مُنكِرٍ أو ظالِمٍ سَواءٌ كانَت وَديعةً أو غيرَها ثم قدِرَ على مالِ الآخِذِ أو الجاحِدِ جازَ له أنْ يأخُذَ منه بقَدرِ حَقِّه بشَرطَينِ:
الأولُ: ألَّا تَكونَ في عُقوبةٍ، فإنْ كانَت عُقوبةً من ضَربٍ أو حَبسٍ أو قَطعٍ أو قَتلٍ لا يَستَوفيها بنَفسِه، بل لا بدَّ من الحاكِمِ، فلا يَجرَحُ مَنْ جرَحَه ولا يَضرِبُ مَنْ ضرَبَه ولا يُؤدِّبُ مَنْ شتَمَه ولا يَحُدُّ من قذَفَه ولا يَقتصُّ ممَّن جَنى عليه.
والثانِي: أنْ يأمَنَ وُقوعَ فِتنةٍ من قِتالٍ أو ضَربٍ أو جَرحٍ أو نَحوِ ذلك، وأنْ يأمَنَ على نَفسِه الرَّذيلةَ بألَّا يُنسَبَ إلى الخيانةِ أو السَّرقةِ أو الغَصبِ لأخذِ حَقِّه؛ لأنَّ حِفظَ العِرضِ واجِبٌ كالنَّفسِ.
وكذا إذا كانَ شَخصانِ لكلٍّ منهما حَقٌّ على الآخَرِ فجحَدَ أحَدُهما حَقَّ صاحِبِه، فاللآخَرِ جَحدُ ما يُعادِلُه، وله أنْ يَحلِفَ ويَتحاشى، وذلك لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ولحَديثِ هِندَ السابِقِ، ولا فَرقَ بينَ أخذِ العَينِ والمِثلِ والقيمةِ على المَذهبِ.
стр. 8173
وأَجابوا عن حَديثِ: «أدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنك ولا تَخُنْ مَنْ خانَك»، بأنَّ مَعنى «لا تَخُنْ» أي: لا تَخُنْ مَنْ خانَك بعدَ أنِ انتصَرتَ منه في خيانَتِه لكَ، والنَّهيُ إنَّما وقَعَ على الابتِداءِ أو ما يَكونُ في مَعنى الابتِداءِ، كأنَّه يَقولُ: ليسَ لك أنْ تَخونَه وإنْ كانَ قد خانَكَ، كما مَنْ لم يَكُنْ له أنْ يَخونَك أولًا، وأمَّا مَنْ عاقَبَ بمِثلِ ما عُوقِبَ به وأخَذَ حَقَّه فليسَ بخائِنٍ، وإنَّما الخائِنُ مَنْ أخَذَ ما ليسَ له أو أكثَرَ ممَّا له (١).
وأمَّا الشافِعيةُ فقالَ منهم الإِمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: فَصلٌ: ومَن وجَبَ له حَقٌّ على رَجلٍ وكانَ مُمتنِعًا من أَدائِه فإنْ لم يَقدِرْ على أخذِه بالحاكِمِ، فله أنْ يأخُذَ مِنْ مالِه؛ لقَولِه ﷺ : «لا ضَررَ ولا ضِرارَ»، وفي مَنعِه من أخذِ مالِه في هذه الحالِ إِضرارٌ به.
وإنْ كانَ يَقدِرُ على أخذِه بالحاكِمِ بأنْ تَكونَ له عليه بَيِّنةٌ ففيه وَجهانِ:
أَحدُهما: أنَّه لا يَجوزُ أنْ يأخُذَه؛ لأنَّه يَقدِرُ على أخذِه بالحاكِمِ فلم يَجزْ أنْ يأخُذَه بنَفسِه.
والثانِي: وهو المَذهبُ أنَّه يَجوزُ؛ لأنَّ هِندَ قالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أَبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ، وإنَّه لا يُعطيني ما يَكفيني ووَلدي إلا ما آخُذُه سِرًّا.
стр. 8174
فقالَ ﵇: «خُذي ما يَكفيكِ ووَلَدَك بالمَعروفِ» (١). فأذِنَ لها في الأخذِ مع القُدرةِ على الأخذِ بالحاكِمِ، ولأنَّ عليه في المُحاكَمةِ مَشقةً فجازَ له أخذُه، فإنْ كانَ الذي قدِرَ عليه من جِنسِ حَقِّه أخَذَ قَدرَ حَقِّه، وإنْ كانَ من غيرِ جِنسِه أخَذَه ولا يَجوزُ أنْ يَتملَّكَه؛ لأنَّه من غيرِ جِنسِ مالِه، فلا يَجوزُ أنْ يَتملَّكَه ولكنْ يَبيعُه ويَصرِفُ ثَمنَه في حَقِّه، وفي كَيفيةِ البَيعِ وَجهانِ:
أَحدُهما: أنَّه يُواطِئُ رَجلًا ليُقرَّ له بحَقِّه وأنَّه مُمتنِعٌ من أَدائِه فيَبيعُ الحاكِمُ المالَ عليه.
والثانِي: وهو المَذهبُ أنَّه يَبيعُ المالَ بنَفسِه؛ لأنَّه يَتعذَّرُ عليه أنْ يُثبتَ الحَقَّ عندَ الحاكِمِ، وأنَّه مُمتنِعٌ من بَيعِه، فملَكَ بَيعَه بنَفسِه، فإنْ تلِفَت العَينُ قبلَ البَيعِ ففيه وَجهانِ:
أَحدُهما: أنَّها تَتلَفُ من ضَمانِ مَنْ عليه الحَقُّ ولا يَسقُطُ دَينُه لأنَّها مَحبوسةٌ لاستِيفاءِ حَقِّه منها، فكانَ هَلاكُها من ضَمانِ المالِكِ كالرَّهنِ.
والوَجهُ الثانِي: أنَّها تَتلَفُ من ضَمانِ صاحِبِ الحَقِّ؛ لأنَّه أخَذَها بغيرِ إِذنِ المالِكِ فتَلِفَت من ضَمانِه بخِلافِ الرَّهنِ، فإنَّه أخَذَه بإِذنِ المالِكِ فتَلِفَ من ضَمانِه (٢).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: وفي هذا الحَديثِ -أي: حَديثِ هِندَ- فَوائدُ، منها: أنَّ مَنْ له على غيرِه حَقٌّ وهو عاجِزٌ عن استِيفائِه يَجوزُ له أنْ
стр. 8175
يأخُذَ من مالِه قَدرَ حَقِّه بغيرِ إِذنِه، وهذا مَذهبُنا، ومنَعَ ذلك أَبو حَنيفةَ ومالِكٌ ﵄ (١).
وهذا القَولُ الذي يُجيزُ للإِنسانِ إذا ظفِرَ بحَقِّه ولو من غيرِ جِنسِه أنْ يأخُذَه هو ما عليه الفَتوَى عندَ مُتأخِّري الحَنفيةِ، قالَ الإِمامُ ابنُ عابدينَ ﵀:
تَنبيهٌ: قالَ الحَمَويُّ في شَرحِ «الكَنز» نَقلًا عن العَلَّامةِ المَقدِسيِّ عن جَدِّه الأشقَرِ عن «شَرح القُدوري» للأخصَبِ: إنَّ عَدمَ جَوازِ الأخذِ من خِلافِ الجِنسِ كانَ في زَمانِهم؛ لمُطاوَعتِهم في الحُقوقِ، والفَتوَى اليَومَ على جَوازِ الأخذِ عندَ القُدرةِ من أيِّ مالٍ كانَ، لا سيَّما في ديارِنا لمُداوَمتِهم العُقوقَ.
قالَ الشاعِرُ:
عَفاءٌ على هذا الزَّمانِ فإنَّه زَمانُ عُقوقٍ لا زَمانُ حُقوقِ
وكلُّ رَفيقٍ فيه غيرُ مُرافِقٍ وكلُّ صَديقٍ فيه غيرُ صَدوقِ (٢)
وقالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: بابُ المُودَعِ يَجحَدُ الوَديعةَ ويَقعُ بيَدِ رَبِّ المالِ مِثلُه من مالِ المُودَعِ:
قالَ أبو بَكرٍ: وإذا أودَعَ الرَّجلُ الرَّجلَ مِئةَ دِرهمٍ فجحَدَها المُودَعُ ثم أودَعَ المُودَعُ الجاحِدُ رَبَّ الوَديعةِ الأُولى مِئةً مِثلَها.
стр. 8176
فقالَ الشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ: له أنْ يأخُذَها من مالِه.
والجَوابُ عندَهم: في الحِنطةِ والشَّعيرِ وما يُكالُ أو يُوزَنُ مِثلُه إذا أودَعَه مِثلَها، فلَه أنْ يأخُذَ ذلك قِصاصًا.
وقالَ مالِكٌ: لا يَجحَدُه ولا يأخُذُها.
وفي قَولِ الشافِعيِّ: إنْ وصَلَ إلى سِلعةٍ من السِّلعِ، فله أنْ يَبيعَها ويَقتَضيَ من ثَمنِها مالَه.
وليسَ له إِمساكُ ذلك في قَولِ أَصحابِ الرأيِ.
قالَ أبو بَكرٍ: قَولُ الشافِعيِّ صَحيحٌ استِدلالًا بخَبَرِ عائِشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لهِندَ: «خُذي ما يَكفيكِ ووَلدَكِ بالمَعروفِ» (١).
وعلى رِوايةِ الحَنابِلةِ القائِلةِ بالجَوازِ قالَ الزَّركَشيُّ: (وعلى القَولِ الآخَرِ) وإنْ وجَدَ جِنسَ حَقِّه أخَذَ منه قَدرَ حَقِّه، ولا يأخُذُ من غيرِه مع قُدرتِه عليه، وإنْ لم يَجِدْ إلا من غيرِ جِنسِ حَقِّه أخَذَ منه قيمةَ حَقِّه، مُتحرِّيًا للعَدلِ في ذلك، جزَمَ به أَبو البَركاتِ، وأَبو الخَطابِ في «الهِداية» وغيرُهما، وهو أحدُ احتِمالَيْ أَبي مُحمدٍ كما في الرَّهنِ.
(والاحتِمالُ الثاني) ليسَ له ذلك؛ لإِفضائِه إلى بَيعِ مالِ غيرِه من نَفسِه بغيرِ إِذنٍ له في ذلك، وهذه المَسألةُ تُلقَّبُ بمَسألةِ الظَّفَرِ (٢).
стр. 8177
القَولُ الثانِي: أنَّه لا يَجوزُ لمَن ظفِرَ بحَقِّه أنْ يأخُذَ منه شَيئًا، وهو قَولٌ للمالِكيةِ اختارَه خَليلٌ، وهو رِوايةُ ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ (١) وللحَنابِلةِ في المَذهبِ (٢)، واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه أَحمدُ وأَبو داودَ وغيرُهما عن يُوسفَ بنِ ماهَكَ المَكيِّ، قالَ: كُنْتُ أكتُبُ لفُلانٍ نَفقةَ أَيتامٍ كانَ وَليَّهم فغالَطوه بألفِ دِرهمٍ، فأَداها إليهم فأدرَكتُ لهم من مالِهم مِثلَيْها، قالَ: قُلتُ: أقبِضُ الألفَ الذي ذَهَبوا به منك؟ قالَ: لا، حدَّثَني أَبي أنَّه سمِعَ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنَك، ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ» (٣).
جاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى» فيمَن استَودَع رَجلًا مالًا أو أقرَضَه فجحَدَه ثم استَودَعه الجاحِدُ مِثلَه:
(قُلتُ): أرأيتَ لو أنَّ رَجلًا استَودَعتُه ألفَ دِرهمٍ أو أقرَضتُه إياها قَرضًا أو بِعتُه بها سِلعةً فجحَدَني ذلك ثم إنَّه استَودَعَني بعدَ ذلك ألفَ دِرهمٍ أو
стр. 8178
باعَني بها بَيعًا، فأرَدتُ أنْ أجحَدَه لمَكانِ حَقِّي الذي كانَ جحَدَني ويَستوفيها من حَقِّي الذي لي عليه؟ (قالَ): سُئلَ مالِكٌ عنها غيرَ مَرةٍ فقالَ: لا يَجحَدُه. (قالَ): فقُلتُ: لِمَ قالَ ذلك مالِكٌ؟ (قالَ) ظَنَنْتُ أنَّه قالَه للحَديثِ الذي جاءَ: «أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنَك ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ» (١).
وقالَ ابنُ بَطَّالٍ: اختَلفَ العُلماءُ في الذي يَجحَدُ وَديعةَ غيرِه، ثم يَجِدُ المُودِعُ له مالًا، هل يأخُذُه عِوضًا من حَقِّه أو لا؟
اختَلفَ قَولُ مالِكٍ في ذلك، فرَوى ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ أنَّه لا يَفعلُ، واحتَجَّ بما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنَك، ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ» (٢).
وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ منهم ابنُ قُدامةَ: مَسألةٌ: قالَ: (ومَن كانَ له على أحَدٍ حَقٌّ فمنَعَه منه وقدِرَ له على مالٍ لم يأخُذْ منه مِقدارَ حَقِّه؛ لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنَك ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ» رَواه التِّرمذيُّ (٣).
وجُملتُه أنَّه إذا كانَ لرَجلٍ على غيرِه حَقٌّ وهو مُقِرٌّ به باذِلٌ له لم يَكُنْ له أنْ يأخُذَ من مالِه إلا ما يُعطيه بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العِلمِ، فإنْ أخَذَ من مالِه شَيئًا بغيرِ إِذنِه لزِمَه رَدُّه إليه، وإنْ كانَ قَدرَ حَقِّه؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَملكَ عليه
стр. 8179
عَينًا من أَعيانِ مالِه بغيرِ اختِيارِه لغيرِ ضَرورةٍ، وإنْ كانَت من جِنسِ حَقِّه؛ لأنَّه قد يَكونُ للإِنسانِ غَرضٌ في العَينِ، فإنْ أتلَفَها أو تلِفَت فصارَت دَينًا في ذِمتِه وكانَ الثابِتُ في ذِمتِه من جِنسِ حَقِّه تَقاصَّا في قياسِ المَذهبِ وفي المَشهورِ من مَذهبِ الشافِعيِّ، وإنْ كانَ مانِعًا له لأمرٍ يُبيحُ المَنعَ كالتأجيلِ والإِعسارِ لم يَجزْ أخذُ شَيءٍ من مالِه بغيرِ خِلافٍ، وإنْ أخَذَ شَيئًا لزِمَه رَدُّه إنْ كانَ باقيًا أو عِوضَه إنْ كانَ تالِفًا، ولا يَحصُلُ التَّقاصُّ ههنا؛ لأنَّ الدَّينَ الذي له لا يَستحِقُّ أخْذَه في الحالِ بخِلافِ التي قبلَها.
وإنْ كانَ مانِعًا له بغيرِ حَقٍّ وقدِرَ على استِخلاصِه بالحاكِمِ أو السُّلطانِ لم يَجزْ له الأخذُ أيضًا بغيرِه؛ لأنَّه قدِرَ على استِيفاء حَقِّه بمَن يَقومُ مَقامَه فأشبَهَ ما لو قدِرَ على استِيفائِه من وَكيلِه.
وإنْ لم يَقدِرْ على ذلك لكَونِه جاحِدًا له ولا بَيِّنةَ له به أو لكَونِه لا يُجيبُه إلى المُحاكَمةِ ولا يُمكنُه إِجبارُه على ذلك أو لنَحوِ هذا فالمَشهورُ في المَذهبِ أنَّه ليسَ له أخْذُ قَدرِ حَقِّه، وهو إِحدى الرِّوايتَينِ عن مالِكٍ، قالَ ابنُ عَقيلٍ: جعَلَ أَصحابُنا المُحدِّثونَ لجَوازِ الأخْذِ وَجهًا في المَذهبِ أخْذًا من حَديثِ هِندَ حينَ قالَ لها النَّبيُّ ﷺ : «خُذي ما يَكفيكِ ووَلدَك بالمَعروفِ»، وقالَ أَبو الخَطابِ: ويَتخرَّجُ لنا جَوازُ الأخْذِ.
فإنْ كانَ المَقدورُ عليه من جِنسِ حَقِّه أُخذَ بقَدرِه، وإنْ كانَ من غيرِ جِنسِه تَحرَّى واجتهَدَ في تَقويمِه، مَأخوذٌ من حَديثِ هِندَ ومِن قَولِ أَحمدَ في
стр. 8180
المُرتهَنِ يُركَبُ ويُحلَبُ بقَدرِ ما يُنفَقُ، والمَرأةُ تأخُذُ مُؤنتَها، وبائِعُ السِّلعةِ يأخُذُها من مالِ المُفلِسِ بغيرِ رِضًا.
وقالَ الشافِعيُّ: إنْ لم يَقدِرْ على استِخلاصِ حَقِّه بعَينِه فله أخْذُ قَدرِ حَقِّه من جِنسِه أو من غيرِ جِنسِه، وإنْ كانَت له بَيِّنةٌ وقدِرَ على استِخلاصِه ففيه وَجهانِ، والمَشهورُ من مَذهبِ مالِكٍ أنَّه إنْ لم يَكُنْ لغيرِه عليه دَينٌ فله أنْ يأخُذَ بقَدرِ حَقِّه، وإنْ كانَ عليه دَينٌ لم يَجُزْ؛ لأنَّهما يَتحاصَّانِ في مالِه إذا أفلَسَ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: له أنْ يأخُذَ بقَدرِ حَقِّه إنْ كانَ عَينًا أو وَرِقًا أو من جِنسِ حَقِّه، وإنْ كانَ المالُ عَرضًا لم يَجُزْ؛ لأنَّ أخْذَ العَرضِ عن حَقِّه اعتِياضٌ، ولا تَجوزُ المُعاوَضةُ إلا برِضًا من المُتعاوِضَينِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
واحتَجَّ من أَجازَ الأخْذَ بحَديثِ هِندَ حين جاءَت إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أَبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ وليسَ يُعطيني من النَّفقةِ ما يَكفيني ووَلدي، فقالَ: «خُذي ما يَكفيكِ ووَلدَك بالمَعروفِ» مُتَّفقٌ عليه، وإذا جازَ لها أنْ تأخُذَ من مالِه ما يَكفيها بغيرِ إِذنِه جازَ للرَّجلِ الذي له الحَقُّ على الرَّجلِ.
ولنا: قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنك ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ» رَواه التِّرمذيُّ وقالَ: حَديثٌ حَسنٌ، ومَتى أخَذَ منه قَدرَ حَقِّه من مالِه بغيرِ عِلمِه فقد خانَه، فيَدخلُ في عُمومِ الخَبَرِ، وقالَ ﷺ : «لا يَحلُّ
стр. 8181
مالُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا عن طِيبِ نَفسٍ منه»، ولأنَّه إنْ أخَذَ من غيرِ جِنسِ حَقِّه كانَ مُعاوَضةً بغيرِ تَراضٍ، وإنْ أخَذَ من جِنسِ حَقِّه فليسَ له تَعيينُ الحَقِّ بغيرِ رِضا صاحِبِه، فإنَّ التَّعيينَ إليه، ألَا تَرى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَقولَ: «اقضِني حَقِّي من هذا الكِيسِ دَونَ هذا»؟ ولأنَّ كلَّ ما لا يَجوزُ له تَملُّكُه إذا لم يَكُنْ له دَينٌ لا يَجوزُ له أخْذُه إذا كانَ له دَينٌ، كما لو كانَ باذِلًا له.
وأمَّا حَديثُ هِندَ، فإنَّ أَحمدَ اعتذَرَ عنه بأنَّ حَقَّها واجِبٌ عليه في كلِّ وَقتٍ، وهذا إِشارةٌ منه إلى الفَرقِ بالمَشقةِ في المُحاكمةِ في كلِّ وَقتٍ، والمُخاصَمةُ في كلِّ يَومٍ تَجبُ فيه النَّفقةُ بخِلافِ الدَّينِ.
وفرَّقَ أبو بَكرٍ بينَهما بفَرقٍ آخَرَ، وهو أنَّ قيامَ الزَّوجيةِ كقيامِ البَيِّنةِ، فكأنَّ الحَقَّ صارَ مَعلومًا يُعلَمُ قيامُ مُقتَضيه، وبينَهما فَرقانِ آخَرانِ:
أَحدُهما: أنَّ للمَرأةِ من التَّبسُّطِ في مالِه بحُكمِ العادةِ ما يُؤثِّرُ في إِباحةِ أخْذِ الحَقِّ وبَذلِ اليَدِ فيه بالمَعروفِ، بخِلافِ الأجنَبيِّ.
الثانِي: أنَّ النَّفقةَ تُرادُ لإِحياءِ النَّفسِ وإِبقاءِ المُهجةِ، وهذا ممَّا لا يُصبَرُ عنه ولا سَبيلَ إلى تَركِه، فجازَ أخْذُ ما تَندفِعُ به هذه الحاجةُ بخِلافِ الدَّينِ، حتى نَقولَ: لو صارَت النَّفقةُ ماضيةً لم يَكُنْ لها أخْذُها، ولو وجَبَ لها عليه دَينٌ آخَرُ لم يَكُنْ لها أخْذُه.
فعلى هذا إنْ أخَذَ شَيئًا لزِمَه رَدُّه إنْ كانَ باقيًا، وإنْ كانَ تالِفًا وجَبَ مِثلُه إنْ كانَ مِثليًّا أو قيمَتُه إنْ كانَ مُتقوَّمًا، فإنْ كانَ من جِنسِ دَينِه تَقاصَّا وتَساقَطا في قياسِ المَذهبِ، وإنْ كانَ من غيرِ جِنسِه لزِمَه غُرمُه، ومَن جوَّزَ من
стр. 8182
أَصحابِنا الأخذَ فإنَّه قالَ: إنْ وجَدَ من جِنسِ حَقِّه جازَ له الأخْذُ منه بقَدرِ حقِّه من غيرِ زيادةٍ، وليسَ له الأخذُ من غيرِ جِنسِ حَقِّه مع قُدرتِه على أخذِه من جِنسِه، وإنْ لم يَجِدْ إلا من غيرِ جِنسِ حَقِّه فيَحتملُ ألَّا يَجوزَ له تَملُّكُه؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَبيعَه من نَفسِه، وهذا يَبيعُه من نَفسِه وتَلحَقُه فيه تُهمةٌ، ويَحتملُ أنْ يَجوزَ له ذلك، كما قالوا: الرَّهنُ يُنفَقُ عليه إذا كانَ مَركوبًا أو مَحلوبًا يُركَبُ ويُحلَبُ بقَدرِ النَّفقةِ، وهي من غيرِ الجِنسِ، واختَلفَ أَصحابُ الشافِعيِّ، فمنهم مَنْ جوَّزَ له هذا ومنهم مَنْ قالَ: يُواطئُ رَجلًا يَدَّعي عليه عندَ الحاكِمِ دَينًا فيُقرُّ له بمِلكِ الشَّيءِ الذي أخَذَه، فيَمتنِعُ مَنْ عليه الدَّعوى من قَضاءِ الدَّينِ، ليَبيعَ الحاكِمُ الشَّيءَ المَأخوذَ ويَدفعَه إليه (١).
القَولُ الثالِثُ: يَجوزُ للإِنسانِ إذا ظفِرَ بجِنسِ حقِّه أنْ يأخُذَه، وإنْ كانَ من غيرِ جِنسِه فلا يَجوزُ له أخْذُه، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ المُتقدِّمينَ إلا إذا كانَ حقُّه دَراهمَ فأخَذَ دَنانيرَ أو خِلافَ ذلك فيَجوزُ اتِّفاقًا.
نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّ الإِنسانَ إذا كانَ له حَقٌّ عندَ غيرِه وظفِرَ بجِنسِ حَقِّه جازَ له أنْ يأخُذَه، وإنْ ظفِرَ بغيرِ جِنسِ حَقِّه كمَن له دَنانيرُ فوجَدَ عُروضًا له لا يَجوزُ له أخْذُها، أمَّا إنْ كانَ حَقُّه دَراهمَ فأخَذَ دَنانيرَ، أو كانَ دَنانيرَ فأخَذَ دَراهمَ جازَ له قياسًا عندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ، واستِحسانًا عندَ أبي حَنيفةَ، وَجهُ الاستِحسانِ اتِّحادُهما في الثَّمنيَّةِ، ولهذا يُضمَّ أَحدُهما إلى
стр. 8183
الآخَرِ في الزَّكاةِ مع أنَّهما مُختلِفانِ في الصُّورةِ حَقيقةً وهو ظاهِرٌ، وحُكمًا لأنَّه لا يَجري بينَهما رِبا الفَضلِ.
وهذا بخِلافِ العُروضِ؛ لأنَّ الأَغراضَ تَتعلَّقُ بصُورِها وأَعيانِها (١).
قالَ الإِمامُ السَّرخَسيُّ: وإذا جحَدَ المُستودَعُ ما عندَه من الوَديعةِ ثم أودَعَ من مالِه عندَ المُودِعِ مِثلَ ذلك وسِعَه إِمساكُه قِصاصًا بما ذهَبَ به من وَديعتِه؛ لأنَّ المالَ صارَ دَينًا له على المُستودَعِ بجُحودِه، وصاحِبُ الحَقِّ متى ظفِرَ بجِنسِ حَقِّه من مالِ المَدينِ يَكونُ له أنْ يأخُذَه، والأصلُ فيه قَولُ رَسولِ اللهِ ﷺ لهِندَ: «خُذي من مالِ أَبي سُفيانَ ما يَكفيك ووَلدَك بالمَعروفِ».
(وقيلَ) في تأويلِ قَولِه ﷺ : لصاحِبِ الحَقِّ اليَدُ واللِّسانُ: المُرادُ أخْذُ جِنسِ حَقِّه إذا ظفِرَ به، وكذلك إنْ كانَ المالُ دَينًا عليه وأنكَرَه ثم أودَعَه مِثلَه.
فأمَّا إذا أودَعَه شَيئًا من غيرِ جِنسِ حَقِّه لم يَسَعْه إِمساكُه عنه؛ لأنَّ هذا بَيعٌ عندَ اختِلافِ الجِنسِ، فلا يَنفرِدُ هو به، والأولُ استِيفاءٌ، وصاحِبُ الحَقِّ يَنفرِدُ بالاستِيفاءِ، وحُكيَ عن ابنِ أَبي لَيلَى ﵀ التَّسويةُ بينَهما للمُجانَسةِ من حيثُ الماليةُ، ولكنَّه بَعيدٌ، فالوَديعةُ عَينٌ لا يَكونُ له أنْ يَحبسَها باعتبارِ
стр. 8184
صِفةِ الماليةِ إذا لم يَثبُتْ له حَقُّ تَملُّكِ العَينِ، ولا يَدخلُ عليه المَرهونُ؛ لأنَّ المُرتهَنَ هناك يَحبِسُ المَرهونَ بإِيجابِ الراهِنِ مِلكَ اليَدِ له في العَينِ، وإنْ كانَ عندَ الهَلاكِ يَصيرُ مُستوفيًا دَينَه باعتِبارِ الماليةِ.
ثم عندَ المُجانَسةِ إذا طلَبَ الثانِي يَمينَ المُودَعِ الأولِ كانَ له أنْ يَحلفَ باللهِ: «لا يَلزَمُني تَسليمُ شَيءٍ إليك».
فإنْ قالَ للقاضي: «حَلِّفْه باللهِ: ما استَودَعتُه كذا»، فله ذلك، إلا أنْ يُؤديَ المُدَّعى عليه فيَقولَ: قد يُودِعُ الرَّجلُ غيرَه شَيئًا ثم لا يَلزمُه تَسليمُ شَيءٍ إليه، فإنْ أدَّى بهذه الصِّفةِ، فقد طلَبَ من القاضِي أنْ يَنظُرَ له فيُجيبَه إلى ذلك.
فأمَّا إذا لم يَذكُرْ هذا فإنَّ القاضِي يُحلِّفُه كما طلَبَ الخَصمُ: «باللهِ ما أودَعَه ما يَدَّعي»، ثم لا يَنبَغي له أنْ يَحلِفَ على ذلك؛ لأنَّه يَكونُ كاذِبًا في يَمينِه، ولا رُخصةَ في اليَمينِ الكاذِبةِ، فطَريقُ التَّخلُّصِ له أنْ يُعرِّضَ للقاضي بما ذَكَرنا، أو يَحلِفَ: «ما استَودَعتَني شَيئًا إلا كذا وكذا»، فيَستَثنيَ ذلك بكَلامِه ويُخفيَه من خَصمِه ومن القاضِي، ويَسعُه ذلك لأنَّه مَظلومٌ دافِعٌ للضَّررِ عن نَفسِه غيرُ قاصِدٍ إلى الإِضرارِ بغيرِه، إلا أنَّ مُجردَ نيَّتِه لا تَكفي لذلك؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى إِخراجِه من جُملةِ ما يَتناوَلُه كَلامُه لولا الاستِثناءُ، وذلك يَحصلُ بالنِّيةِ؛ لأنَّ الاستِثناءَ بَيانُ أنَّ كَلامَه عِبارةٌ عمَّا وَراءَ المُستَثنَى، فلا يَحصُلُ ذلك إلا بما يَصلُحُ أنْ يَكونَ ناسِخًا أو مُعارِضًا، ومُجردُ النِّيةِ لا تَصلحُ لذلك، فلهذا شُرِط التَّكلمُ بالاستِثناءِ.
стр. 8185
وَجهُ ذلك ما لو قرَّبَ إِنسانٌ أُذُنَه من فَمِه سمِعَ ذلك وفهِمَه (١).
وقالَ ابنُ عابدِين أيضًا: قَولُه: (يَعني بلا أمْرِه)؛ لأنَّ للدائِنِ أنْ يأخُذَ بيَدِه إذا ظفِرَ بجِنسِ حَقِّه بغيرِ رِضا المَدينِ، فكانَ للقاضي أنْ يُعيِّنَه «زَيلَعي».
قَولُه: (وكذا لو كانَ) أي: كلٌّ مِنْ مالِه ودَينِه، وفي نُسخٍ «كانا» بضَميرِ التَّثنيةِ.
قَولُه: (استِحسانًا)، والقياسُ ألَّا يَجوزَ؛ لأنَّ هذا الطَّريقَ غيرُ مُتعيَّنٍ لقَضاءِ الدَّينِ فصارَ كالعُروضِ.
قَولُه: (لاتِّحادِهما في الثَّمنيةِ) بَيانٌ لوَجهِ الاستِحسانِ، ولهذا يُضمُّ أَحدُهما إلى الآخَرِ في الزَّكاةِ مع أنَّهما مُختلِفانِ في الصُّورةِ حَقيقةً وهو ظاهِرٌ، وحُكمًا لأنَّه لا يَجري بينَهما رِبا الفَضلِ، فبالنَّظرِ للاتِّحادِ يَثبُتُ للقاضي وِلايةُ التَّصرفِ، وبالنَّظرِ للاختِلافِ يُسلبُ عن الدائِنِ وِلايةُ الأخْذِ عَملًا بالشَّبَهَينِ بخِلافِ العُروضِ؛ لأنَّ الأَغراضَ تَتعلَّقُ بصُورِها وأَعيانِها.
أَقولُ: ورأيتُ في الحَظرِ والإِباحةِ من «المُجتَبى» رامِزًا ما نَصُّه: وجَدَ دَنانيرَ مَدينِه وله عليه دِرهمٌ، له أنْ يأخُذَه لاتِّحادِهما جِنسًا في الثَّمنيةِ. اه.
стр. 8186
ومِثلُه في «شَرح تَلخيصِ الجامِعِ الكَبير للفارِسي» في بابِ اليَمينِ في المُساومةِ: تَنبيهٌ: قالَ الحَمَويُّ في شَرحِ «الكَنز» نَقلًا عن العَلَّامةِ المَقدِسيِّ عن جَدِّه الأشقَرِ عن «شَرح القُدوري» للأخصَبِ: إنَّ عَدمَ جَوازِ الأخْذِ من خِلافِ الجِنسِ كانَ في زَمانِهم؛ لمُطاوَعتِهم في الحُقوقِ، والفَتوى اليَومَ على جَوازِ الأخْذِ عندَ القُدرةِ من أيِّ مالٍ كانَ، لا سيَّما في دِيارِنا؛ لمُداوَمتِهم العُقوقَ.
قالَ الشاعِرُ:
عَفاءٌ على هذا الزَّمانِ فإنَّه … زَمانُ عُقوقٍ لا زَمانُ حُقوقِ
وكلُّ رَفيقٍ فيه غيرُ مُرافِقٍ … وكلُّ صَديقٍ فيه غيرُ صَدوقِ (١)
القَولُ الرابِعُ: جَوازُ الأخْذِ ولو قدِرَ على أخْذِه بالحاكِمِ في الحَقِّ الثابِتِ بإِقرارٍ أو بَيِّنةٍ أو كانَ سَببُ الحَقِّ ظاهِرًا، وإلا فلا يَجوزُ، وهو اختِيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميةَ وتِلميذِه ابنِ القَيمِ (٢).
قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ومَن كانَ له عندَ إِنسانٍ حَقٌّ ومنَعَه إياه جازَ له الأخْذُ من مالِه بغيرِ إِذنِه إذا كانَ سَببُ الحَقِّ ظاهِرًا لا يَحتاجُ إلى إِثباتٍ، مِثلَ استِحقاقِ المَرأةِ النَّفقةَ على زَوجِها، واستِحقاقِ الأَقاربِ النَّفقةَ على أَقاربِهم، واستِحقاقِ الضَّيفِ الضِّيافةَ على مَنْ نزَلَ به، وإنْ كانَ سَببُ الحَقِّ خَفيًّا يَحتاجُ إلى إِثباتٍ لم يَجُزْ، وهذه الطَّريقةُ المَنصوصُ عليها عن الإِمامِ أَحمدَ، وهو أعدَلُ الأَقوالِ (٣).
وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن الرَّجلِ يَكونُ له على الرَّجلِ دَينٌ فيَجحَدُه أو يَغصِبُه شَيئًا ثم يُصيبُ له مالًا من جِنسِ مالِه، فهل له أنْ يأخُذَ منه مِقدارَ حَقِّه؟
فأَجابَ:
وأمَّا إذا كانَ لرَجلٍ عندَ غيرِه حَقٌّ من عَينٍ أو دَينٍ فهل يأخُذُه أو نَظيرَه بغيرِ إِذنِه؟ هذانِ نَوعانِ: أَحدُهما: أنْ يَكونَ سَببُ الاستِحقاقِ ظاهِرًا لا يَحتاجُ إلى إِثباتٍ، مِثلَ استِحقاقِ المَرأةِ النَّفقةَ على زَوجِها واستِحقاقِ الوَلدِ أنْ يُنفقَ عليه والِدُه واستِحقاقِ الضَّيفِ الضِّيافةَ على مَنْ نزَلَ به،
стр. 8187
فهنا له أنْ يأخُذَ بدونِ إِذنِ مَنْ عليه الحَقُّ بلا رَيبٍ، كما ثبَتَ في الصَّحيحَينِ «أنَّ هِندَ بِنتَ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ قالَت: يا رَسولَ اللهِ: إنَّ أَبا سُفيانَ رَجلٌ شَحيحٌ، وإنَّه لا يُعطيني من النَّفقةِ ما يَكفيني وبَنِيَّ. فقالَ: خُذي ما يَكفيك ووَلدَكِ بالمَعروفِ»، فأذِنَ لها أنْ تأخُذَ نَفقتَها بالمَعروفِ بدونِ إِذنِ وَليِّه.
وهكذا مَنْ علِمَ أنَّه غصَبَ منه مالَه غَصبًا ظاهِرًا يَعرِفُه الناسُ، فأخَذَ المَغصوبَ أو نَظيرَه من مالِ الغاصِبِ، وكذلك لو كانَ له دَينٌ عندَ الحاكِمِ وهو يُماطِلُه فأخَذَ من مالِه بقَدرِه، ونَحوُ ذلك.
стр. 8188
والثانِي: ألَّا يَكونَ سَببُ الاستِحقاقِ ظاهِرًا، مِثلَ أنْ يَكونَ قد جحَدَ دَينَه أو جحَدَ الغَصبَ ولا بَيِّنةَ للمُدَّعي، فهذا فيه قَولانِ: أَحدُهما: ليس له أنْ يأخُذَ، وهو مَذهبُ مالِكٍ وأَحمدَ.
والثانِي: له أنْ يأخُذَ، وهو مَذهبُ الشافِعيِّ، وأمَّا أَبو حَنيفةَ ﵀ تَعالى فيُسوِّغُ الأخْذَ من جِنسِ الحَقِّ؛ لأنَّه استِيفاءٌ، ولا يَسوغُ الأخْذُ من غيرِ الجِنسِ؛ لأنَّه مُعاوَضةٌ، فلا يَجوزُ إلا برِضا الغَريمِ.
والمُجوِّزونَ يَقولونَ: إذا امتنَعَ من أَداءِ الواجِبِ عليه ثبَتَت المُعاوَضةُ بدونِ إِذنِه للحاجةِ، لكنْ مَنْ منَعَ الأخْذَ مع عَدمِ ظُهورِ الحَقِّ استدَلَّ بما في السُّننِ عن أَبي هُرَيرةَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنك ولا تَخُنْ مَنْ خانَك».
وفي المُسندِ عن بَشيرِ بنِ الخَصاصيةِ أنَّه قالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لنا جِيرانًا لا يَدَعون لنا شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا أخَذوها، فإذا قدِرْنا لهم على شَيءٍ أنأخُذُه؟ قالَ: «لا، أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنك ولا تَخُنْ مَنْ خانَك».
وفي السُّننِ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قيلَ له: إنَّ أهلَ الصَّدقةِ يَعتَدونَ علينا، أفنَكتُمُ من أَموالِنا بقَدرِ ما يَعتَدونَ علينا؟ قالَ: «لا»، رَواه أَبو داودَ وغيرُه، فهذه الأَحاديثُ تُبيِّنُ أنَّ حَقَّ المَظلومِ في الأمرِ نَفسِه إذا كانَ سَببُه ليس ظاهِرًا وأخَذَه خِيانةً لم يَكُنْ له ذلك، وإنْ كانَ هو يَقصِدُ أخْذَ نَظيرِ حَقِّه، لكنَّه خانَ الذي ائتَمَنه، فإنَّه لمَّا سلَّمَ إليه مالَه فأخَذَ بعضَه بغيرِ إِذنِه والاستِحقاقُ ليس ظاهِرًا كانَ خائِنًا، وإذا قالَ: أنا مُستحِقٌّ لمَا أخَذتُه في
стр. 8189
الأمرِ نَفسِه لم يَكُنْ ما ادَّعاه ظاهِرًا مَعلومًا، وصارَ كما لو تزوَّجَ امرأةً فأنكَرَت نِكاحَه ولا بَيِّنةَ له، فإذا قهَرَها على الوَطءِ من غيرِ حُجةٍ ظاهِرةٍ فإنَّه ليس له ذلك، ولو قُدِّرَ أنَّ الحاكِمَ حكَمَ على رَجلٍ بطَلاقِ امرأتِه ببَيِّنةٍ اعتقَدَ صِدقَها وكانَت كاذِبةً في الباطِنِ لم يَكُنْ له أنْ يَطأَها؛ لمَا هو الأمرُ عليه في الباطِنِ.
فإنْ قيلَ: لا رَيبَ أنَّ هذا يَمنعُ منه ظاهِرًا وليس له أنْ يُظهرَ ذلك قُدامَ الناسِ؛ لأنَّهم مَأمورونَ بإِنكارِ ذلك؛ لأنَّه حَرامٌ في الظاهِرِ، لكنَّ الشأنَ إذا كانَ يَعلمُ سِرًّا فيما بينَه وبينَ اللهِ، قيلَ: فِعلُ ذلك سِرًّا يَقتَضي مَفاسِدَ كَثيرةً مَنهيٌّ عنها، فإنْ فعَلَ ذلك في مَظنَّةِ الظُّهورِ والشُّهرةِ وفيه ألَّا يَتشبَّهَ به مَنْ ليسَ حالُه كحالِه في الباطِنِ، فقد يَظنُّ الإِنسانُ خَفاءَ ذلك فيَظهرُ مَفاسِدُ كَثيرةٌ، ويَفتحُ أيضًا بابَ التأويلِ، وصارَ هذا كالمَظلومِ الذي لا يُمكنُه الانتِصارُ إلا بالظُّلمِ، كالمُقتَصِّ الذي لا يُمكِنُه الاقتِصاصُ إلا بعُدوانٍ، فإنَّه لا يَجوزُ له الاقتِصاصُ، وذلك أنَّ الخيانةَ نَفسَها مُحرمةُ الجِنسِ، فلا يَجوزُ استِيفاءُ الحَقِّ بها؛ كما لو جرَّعَه خَمرًا أو تلَوَّط به أو شهِدَ عليه بالزُّورِ لم يَكُنْ له أنْ يَفعلَ ذلك، فإنَّ هذا مُحرَّمُ الجِنسِ، والخِيانةُ من جِنسِ الكَذبِ.
فإنْ قيلَ: هذا ليسَ بخِيانةٍ بل هو استِيفاءُ حَقٍّ، والنَّبيُّ ﷺ نَهى عن خِيانةِ مَنْ خانَ، وهو أنْ يأخُذَ من مالِه مالًا يَستحِقُّ نَظيرَه.
قيلَ: هذا ضَعيفٌ لوُجوهٍ:
أَحدُها: أنَّ الحَديثَ فيه «أنَّ قَومًا لا يَدَعون لنا شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا
стр. 8190
أخَذوها، أفنَأخُذُ من أَموالِهم بقَدرِ ما يَأخُذونَ؟ فقالَ: لا، أَدِّ الأَمانةَ إلى مَنْ ائتَمَنك، ولا تَخُنْ مَنْ خانَك»، وكذلك قَولُه في حَديثِ الزَّكاةِ: «أفنَكتُم من أَموالِنا بقَدرِ ما يأخُذونَ منا؟ فقالَ: لا».
الثانِي: أنَّه قالَ: «ولا تَخُنْ مَنْ خانَك»، ولو أَرادَ بالخِيانةِ الأخذَ على طَريقِ المُقابَلةِ لم يَكُنْ فَرقٌ بينَ مَنْ خانَه ومَن لم يَخُنْه، وتَحريمُ مِثلِ هذا ظاهِرٌ لا يَحتاجُ إلى بَيانٍ وسُؤالٍ، وقد قالَ: «ولا تَخُنْ مَنْ خانَك»، فعُلمَ أنَّه أَرادَ أنَّك لا تُقابِلُه على خيانَتِه فتَفعَلُ به مِثلَ ما فعَلَ بك، فإذا أودَعَ الرَّجلَ مالًا فخانَه في بعضِه ثم أودَعَ الأولُ نَظيرَه ففعَلَ به مِثلَ ما فعَلَ فهذا هو المُرادُ بقَولِه: «ولا تَخُنْ مَنْ خانَك».
الثالِثُ: أنَّ كَونَ هذا خِيانةً لا رَيبَ فيه، وإنَّما الشأنُ في جَوازِه على وَجهِ القِصاصِ؛ فإنَّ الأُمورَ منها ما يُباحُ فيه القِصاصُ كالقتل وقطعِ الطريق وأخذ المال، ومنها ما لا يُباحُ فيه القِصاصُ كالفَواحشِ والكَذبِ ونَحوِ ذلك، قالَ تَعالى في الأولِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقالَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فأَباحَ العُقوبةَ والاعتِداءَ بالمِثلِ، فلمَّا قالَ ههنا: «ولا تَخُنْ مَنْ خانَك» عُلمَ أنَّ هذا ممَّا لا يُباحُ فيه العُقوبةُ بالمِثلِ (١).
стр. 8191
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀ بعدَ أنْ ذكَرَ هذه الأَقوالَ التي حَكاها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ: والخامِسُ: أنَّه إنْ كانَ سَببُ الحَقِّ ظاهِرًا كالنِّكاحِ والقَرابةِ وحَقِّ الضَّيفِ جازَ للمُستحِقِّ الأخْذُ بقَدرِ حَقِّه، كما أذِنَ فيه النَّبيُّ لهِندَ أنْ تأخُذَ من مالِ أَبي سُفيانَ ما يَكفيها ويَكفي بَنِيها، وكما أذِنَ لمَن نزَلَ بقَومٍ ولم يُضيِّفوه أنْ يُعقِبَهم في مالِهم بمِثلِ قِراه، كما في الصَّحيحَينِ عن عُقبةَ بنِ عامِرٍ قالَ: قُلتُ للنَّبيِّ: إنَّك تَبعثُنا فنَنزلُ بقَومٍ لا يَقرونَنا، فما تَرى؟ فقالَ لنا: «إنْ نَزَلتُم بقَومٍ فأمَروا لكم بما يَنبَغي للضَّيفِ فاقبَلوا، وإنْ لم يَفعَلوا فخُذوا منهم حَقَّ الضَّيفِ الذي يَنبَغي لهم»، وفي المُسندِ من حَديثِ المِقدامِ أَبي كَريمةَ أنَّه سمِعَ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «مَنْ نزَلَ بقَومٍ فعليهم أنْ يَقروه، فإنْ لم يَقروه فله أنْ يُعقِبَهم بمِثلِ قِراه».
وفي المُسندِ لأَحمدَ أيضًا من حَديثِ أَبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ تَعالى عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّما ضَيفٍ نزَلَ بقَومٍ فأصبَحَ الضَّيفُ مَحرومًا فله أنْ يأخُذَ بقَدرِ قِراه ولا حَرجَ عليه».
وإنْ كانَ سَببُ الحَقِّ خَفيًّا بحيث يُتَّهمُ بالأخْذِ ويُنسَبُ إلى الخِيانةِ ظاهِرًا لم يَكُنْ له الأخْذُ وتَعريضُ نَفسِه للتُّهمةِ والخِيانةِ، وإنْ كانَ في الباطِنِ آخِذًا حَقَّه، كما أنَّه ليسَ له أنْ يَتعرَّضَ للتُّهمةِ التي تُسلِّطُ الناسَ على عِرضِه، وإنِ ادَّعى أنَّه مُحقٌّ غيرُ مُتَّهمٍ، وهذا القَولُ أصَحُّ الأَقوالِ وأَسدُّها وأَوفَقُها لقَواعدِ الشَّريعةِ وأُصولِها، وبه تَجتمِعُ الأَحاديثُ (١).
стр. 8192
القَولُ الخامِسُ: لا يَجوزُ إذا لم يَكُنْ عليه دَينٌ، فإنْ كانَ لم يأخُذْ إلا حِصتَه، وهو قَولٌ للمالِكيةِ.
قالَ الإِمامُ القَرافِيُّ ﵀: في «الجَواهر» من كِتابِ الوَديعةِ: إذا ظفِرَ صاحِبُ الدَّينِ بجِنسِ حَقِّه وقد تعذَّرَ عليه أخْذُ حَقِّه مِثلَ أنْ يَجحدَه وَديعَتَه ثم يُودِعَ عندَه، فهل له جَحدُ هذه الوَديعةِ في الأُولى؟ خَمسةُ أَقوالٍ: رَوى ابنُ القاسِمِ في الكِتابِ المَنعَ، والكَراهةُ رَواها أشهَبُ، وقالَ ابنُ عبدِ الحَكمِ: واستحَبَّه عبدُ المَلكِ تَخليصًا للظالِمِ من الظالِمِ.
والخامِسُ أنَّ هذا كلَّه إذا لم يَكُنْ عليه دَينٌ، فإنْ كانَ لم يأخُذْ إلا حِصَّتَه (١).
стр. 8193
فصل في اختِلافِ الغاصِبِ والمَغصوبِ منه
الغاصِبُ والمالِكُ قد يَتَّفِقانِ على الغَصبِ، إلا أنَّهما قد يَختلِفانِ في قيمةِ المَغصوبِ أو في قَدرِه أو صِفتِه أو رَدِّه أو تَلفِه أو غيرِ ذلك، فهل القَولُ قَولُ الغاصِبِ فيما يَدَّعيه أو قَولُ المالِكِ؟
أولاً: الاختِلافُ في قيمةِ المَغصوبِ:
إذا اتَّفقَ الغاصِبُ والمَغصوبُ منه على الغَصبِ ثم اختَلَفا في قيمةِ المَغصوبِ بأنْ قالَ الغاصِبُ: قيمَتُه عَشرةٌ مَثلًا، وقالَ المَغصوبُ منه: بل قيمَتُه خَمسةَ عَشرَ، ولا بَيِّنةَ لأَحدِهما فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ بيَمينِه عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذِمتِه فلا يَلزمُه إلا ما أقَرَّ به، كما لو ادَّعى عليه دَينًا من غيرِ غَصبٍ فأقَرَّ ببَعضِه، إلا أنْ يُقيمَ المالِكُ البَيِّنةَ على ما قالَ.
قالَ الشافِعيةُ: فإنْ أَقامَ البَيِّنةَ على أنَّ قيمَتَه أكثَرُ ممَّا قالَه الغاصِبُ من غيرِ تَقديرٍ سُمِعَت البَيِّنةُ، وكُلِّف الغاصِبُ الزِّيادةَ إلى ما قالَه، إلى حَدٍّ لا تَقطعُ البَيِّنةُ بالزِّيادةِ علاه، وقيلَ: إنَّها لا تُسمعُ (١).
стр. 8194
قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو اختَلَفا في أصلِ الغَصبِ أو في جِنسِ المَغصوبِ أو نَوعِه أو قَدرِه أو صِفتِه أو قيمَتِه وَقتَ الغَصبِ فالقَولُ في ذلك كلِّه قَولُ الغاصِبِ؛ لأنَّ المَغصوبَ منه يَدَّعي عليه الضَّمانَ وهو يُنكِرُ، فكانَ القَولُ قَولَه؛ إذِ القَولُ في الشَّرعِ قَولُ المُنكِرِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا اختَلفَ الغاصِبُ والمَغصوبُ منه في قَدرِ المَغصوبِ ولم يَكُنْ لأَحدِهما بَيِّنةٌ فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ مع يَمينِه إنْ أشبَهَ في دَعواه، سَواءٌ أشبَهَ رَبَّه أو لا، فإنْ كانَ قَولُ الغاصِبِ لم يُشبِهْ فالقَولُ لرَبِّه بيَمينِه.
قالَ الشَّيخُ أَحمدُ الصاويُّ ﵀: رُبَّما يَدخلُ في تَحالُفِهما في القَدْرِ مَسألتانِ:
الأُولى: غاصِبُ صُرةٍ ثم يُلقيها في البَحرِ مَثلًا، ولا يَدري ما فيها، فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ بيَمينِه عندَ مالِكٍ وابنِ ناجي وعليه الفَتوَى، لإِمكانِ مَعرفةِ ما فيه بعِلمٍ سابِقٍ أو بحَبسِها.
وقالَ مُطرِّفٌ وابنُ كِنانةَ وأشهَبُ: القَولُ لرَبِّها إنِ ادَّعى ما يُشبهُ وكانَ مِثلُه يَملِكُه؛ لأنَّه ادَّعى تَحقيقًا والآخَرُ يَدَّعي تَخمينًا، وهذا ما لم يَغِبِ الغاصِبُ عليها قبلَ ذلك، وإلا فالقَولُ قَولُه بيَمينِه من غيرِ خِلافٍ.
стр. 8195
الثانيةُ: قالَ عبدُ المَلكِ في قَومٍ أَغاروا على مَنزلِ رَجلٍ والناسُ يَنظُرونَ فنَهَبوا ما فيه وشهِدَت الناسُ بالإِغارةِ والنَّهبِ لا بأَعيانِ المَغصوبِ فلا يُعطَى المُنتهَبُ منه بيَمينِه وإنِ ادَّعى ما يُشبهُ، إلا ببَيِّنةٍ.
وقالَ ابنُ القاسِمِ: القَولُ قَولُ المُغارِ عليه مع يَمينِه إنْ أشبَهَ وكانَ مِثلُه يَملِكُ ذلك (١).
وقالَ ابنُ جُزيٍّ الكَلبيُّ الغِرناطيُّ ﵀: إنِ اختَلفَ الغاصِبُ والمَغصوبُ منه في جِنسِ المَغصوبِ أو صِفتِه أو قَدرِه ولم يَكُنْ لأَحدِهما بَيِّنةٌ فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ مع يَمينِه، والغاصِبُ ضامِنٌ لمَا غصَبَه، سَواءٌ تلِفَ بأمرِ اللهِ أو من مَخلوقٍ (٢).
وقالَ الخَرشيُّ: (ص) والقَولُ لهُ في تَلفِه ونَعتِه وقَدرِه وحلَفَ (ش) يَعني أنَّ الغاصِبَ إذا قالَ: «إنَّ الشَّيءَ المَغصوبَ قد تلِفَ»، وكَذَّبه رَبُّه فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ لأنَّه غارِمٌ، وكذلك القَولُ قَولُ الغاصِبِ في نَعتِه -أي: في صِفتِه-، وكذلك القَولُ قَولُ الغاصِبِ في قَدرِ الشَّيءِ المَغصوبِ، يُريدُ مع يَمينِه في المَسائلِ الثَّلاثِ، كما في «المُدوَّنة» فالضَّميرُ في «له» للغاصِبِ، وإنَّما يَكونُ القَولُ قَولَه في نَعتِه وقَدرِه حيثُ أشبَهَ، أشبَهَ الآخَرَ أو لا، فإنْ لم