وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀ بعدَ أنْ ذكَرَ هذه الأَقوالَ التي حَكاها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ: والخامِسُ: أنَّه إنْ كانَ سَببُ الحَقِّ ظاهِرًا كالنِّكاحِ والقَرابةِ وحَقِّ الضَّيفِ جازَ للمُستحِقِّ الأخْذُ بقَدرِ حَقِّه، كما أذِنَ فيه النَّبيُّ لهِندَ أنْ تأخُذَ من مالِ أَبي سُفيانَ ما يَكفيها ويَكفي بَنِيها، وكما أذِنَ لمَن نزَلَ بقَومٍ ولم يُضيِّفوه أنْ يُعقِبَهم في مالِهم بمِثلِ قِراه، كما في الصَّحيحَينِ عن عُقبةَ بنِ عامِرٍ قالَ: قُلتُ للنَّبيِّ: إنَّك تَبعثُنا فنَنزلُ بقَومٍ لا يَقرونَنا، فما تَرى؟ فقالَ لنا: «إنْ نَزَلتُم بقَومٍ فأمَروا لكم بما يَنبَغي للضَّيفِ فاقبَلوا، وإنْ لم يَفعَلوا فخُذوا منهم حَقَّ الضَّيفِ الذي يَنبَغي لهم»، وفي المُسندِ من حَديثِ المِقدامِ أَبي كَريمةَ أنَّه سمِعَ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «مَنْ نزَلَ بقَومٍ فعليهم أنْ يَقروه، فإنْ لم يَقروه فله أنْ يُعقِبَهم بمِثلِ قِراه».
وفي المُسندِ لأَحمدَ أيضًا من حَديثِ أَبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ تَعالى عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّما ضَيفٍ نزَلَ بقَومٍ فأصبَحَ الضَّيفُ مَحرومًا فله أنْ يأخُذَ بقَدرِ قِراه ولا حَرجَ عليه».
وإنْ كانَ سَببُ الحَقِّ خَفيًّا بحيث يُتَّهمُ بالأخْذِ ويُنسَبُ إلى الخِيانةِ ظاهِرًا لم يَكُنْ له الأخْذُ وتَعريضُ نَفسِه للتُّهمةِ والخِيانةِ، وإنْ كانَ في الباطِنِ آخِذًا حَقَّه، كما أنَّه ليسَ له أنْ يَتعرَّضَ للتُّهمةِ التي تُسلِّطُ الناسَ على عِرضِه، وإنِ ادَّعى أنَّه مُحقٌّ غيرُ مُتَّهمٍ، وهذا القَولُ أصَحُّ الأَقوالِ وأَسدُّها وأَوفَقُها لقَواعدِ الشَّريعةِ وأُصولِها، وبه تَجتمِعُ الأَحاديثُ (١).
стр. 8192
القَولُ الخامِسُ: لا يَجوزُ إذا لم يَكُنْ عليه دَينٌ، فإنْ كانَ لم يأخُذْ إلا حِصتَه، وهو قَولٌ للمالِكيةِ.
قالَ الإِمامُ القَرافِيُّ ﵀: في «الجَواهر» من كِتابِ الوَديعةِ: إذا ظفِرَ صاحِبُ الدَّينِ بجِنسِ حَقِّه وقد تعذَّرَ عليه أخْذُ حَقِّه مِثلَ أنْ يَجحدَه وَديعَتَه ثم يُودِعَ عندَه، فهل له جَحدُ هذه الوَديعةِ في الأُولى؟ خَمسةُ أَقوالٍ: رَوى ابنُ القاسِمِ في الكِتابِ المَنعَ، والكَراهةُ رَواها أشهَبُ، وقالَ ابنُ عبدِ الحَكمِ: واستحَبَّه عبدُ المَلكِ تَخليصًا للظالِمِ من الظالِمِ.
والخامِسُ أنَّ هذا كلَّه إذا لم يَكُنْ عليه دَينٌ، فإنْ كانَ لم يأخُذْ إلا حِصَّتَه (١).
стр. 8193
فصل في اختِلافِ الغاصِبِ والمَغصوبِ منه
الغاصِبُ والمالِكُ قد يَتَّفِقانِ على الغَصبِ، إلا أنَّهما قد يَختلِفانِ في قيمةِ المَغصوبِ أو في قَدرِه أو صِفتِه أو رَدِّه أو تَلفِه أو غيرِ ذلك، فهل القَولُ قَولُ الغاصِبِ فيما يَدَّعيه أو قَولُ المالِكِ؟
أولاً: الاختِلافُ في قيمةِ المَغصوبِ:
إذا اتَّفقَ الغاصِبُ والمَغصوبُ منه على الغَصبِ ثم اختَلَفا في قيمةِ المَغصوبِ بأنْ قالَ الغاصِبُ: قيمَتُه عَشرةٌ مَثلًا، وقالَ المَغصوبُ منه: بل قيمَتُه خَمسةَ عَشرَ، ولا بَيِّنةَ لأَحدِهما فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ بيَمينِه عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذِمتِه فلا يَلزمُه إلا ما أقَرَّ به، كما لو ادَّعى عليه دَينًا من غيرِ غَصبٍ فأقَرَّ ببَعضِه، إلا أنْ يُقيمَ المالِكُ البَيِّنةَ على ما قالَ.
قالَ الشافِعيةُ: فإنْ أَقامَ البَيِّنةَ على أنَّ قيمَتَه أكثَرُ ممَّا قالَه الغاصِبُ من غيرِ تَقديرٍ سُمِعَت البَيِّنةُ، وكُلِّف الغاصِبُ الزِّيادةَ إلى ما قالَه، إلى حَدٍّ لا تَقطعُ البَيِّنةُ بالزِّيادةِ علاه، وقيلَ: إنَّها لا تُسمعُ (١).
стр. 8194
قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو اختَلَفا في أصلِ الغَصبِ أو في جِنسِ المَغصوبِ أو نَوعِه أو قَدرِه أو صِفتِه أو قيمَتِه وَقتَ الغَصبِ فالقَولُ في ذلك كلِّه قَولُ الغاصِبِ؛ لأنَّ المَغصوبَ منه يَدَّعي عليه الضَّمانَ وهو يُنكِرُ، فكانَ القَولُ قَولَه؛ إذِ القَولُ في الشَّرعِ قَولُ المُنكِرِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: إذا اختَلفَ الغاصِبُ والمَغصوبُ منه في قَدرِ المَغصوبِ ولم يَكُنْ لأَحدِهما بَيِّنةٌ فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ مع يَمينِه إنْ أشبَهَ في دَعواه، سَواءٌ أشبَهَ رَبَّه أو لا، فإنْ كانَ قَولُ الغاصِبِ لم يُشبِهْ فالقَولُ لرَبِّه بيَمينِه.
قالَ الشَّيخُ أَحمدُ الصاويُّ ﵀: رُبَّما يَدخلُ في تَحالُفِهما في القَدْرِ مَسألتانِ:
الأُولى: غاصِبُ صُرةٍ ثم يُلقيها في البَحرِ مَثلًا، ولا يَدري ما فيها، فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ بيَمينِه عندَ مالِكٍ وابنِ ناجي وعليه الفَتوَى، لإِمكانِ مَعرفةِ ما فيه بعِلمٍ سابِقٍ أو بحَبسِها.
وقالَ مُطرِّفٌ وابنُ كِنانةَ وأشهَبُ: القَولُ لرَبِّها إنِ ادَّعى ما يُشبهُ وكانَ مِثلُه يَملِكُه؛ لأنَّه ادَّعى تَحقيقًا والآخَرُ يَدَّعي تَخمينًا، وهذا ما لم يَغِبِ الغاصِبُ عليها قبلَ ذلك، وإلا فالقَولُ قَولُه بيَمينِه من غيرِ خِلافٍ.
стр. 8195
الثانيةُ: قالَ عبدُ المَلكِ في قَومٍ أَغاروا على مَنزلِ رَجلٍ والناسُ يَنظُرونَ فنَهَبوا ما فيه وشهِدَت الناسُ بالإِغارةِ والنَّهبِ لا بأَعيانِ المَغصوبِ فلا يُعطَى المُنتهَبُ منه بيَمينِه وإنِ ادَّعى ما يُشبهُ، إلا ببَيِّنةٍ.
وقالَ ابنُ القاسِمِ: القَولُ قَولُ المُغارِ عليه مع يَمينِه إنْ أشبَهَ وكانَ مِثلُه يَملِكُ ذلك (١).
وقالَ ابنُ جُزيٍّ الكَلبيُّ الغِرناطيُّ ﵀: إنِ اختَلفَ الغاصِبُ والمَغصوبُ منه في جِنسِ المَغصوبِ أو صِفتِه أو قَدرِه ولم يَكُنْ لأَحدِهما بَيِّنةٌ فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ مع يَمينِه، والغاصِبُ ضامِنٌ لمَا غصَبَه، سَواءٌ تلِفَ بأمرِ اللهِ أو من مَخلوقٍ (٢).
وقالَ الخَرشيُّ: (ص) والقَولُ لهُ في تَلفِه ونَعتِه وقَدرِه وحلَفَ (ش) يَعني أنَّ الغاصِبَ إذا قالَ: «إنَّ الشَّيءَ المَغصوبَ قد تلِفَ»، وكَذَّبه رَبُّه فالقَولُ قَولُ الغاصِبِ لأنَّه غارِمٌ، وكذلك القَولُ قَولُ الغاصِبِ في نَعتِه -أي: في صِفتِه-، وكذلك القَولُ قَولُ الغاصِبِ في قَدرِ الشَّيءِ المَغصوبِ، يُريدُ مع يَمينِه في المَسائلِ الثَّلاثِ، كما في «المُدوَّنة» فالضَّميرُ في «له» للغاصِبِ، وإنَّما يَكونُ القَولُ قَولَه في نَعتِه وقَدرِه حيثُ أشبَهَ، أشبَهَ الآخَرَ أو لا، فإنْ لم
стр. 8196
يُشبِهْ وأشبَهَ رَبُّ المَغصوبِ فالقَولُ قَولُه مع يَمينِه، فإنْ لم يُشبِها قُضيَ بأوسَطِ القِيمِ بعدَ أيمانِهما بنَفيِ كلٍّ دَعوى صاحِبِه مع تَحقيقِ دَعواه، وفُهِم من قَولِه «نَعتُه وقَدرُه» أنَّهما لو اختَلَفا في جِنسِه لم يَكُنْ الحُكمُ كذلك، وهو كذلك في حالةِ عَدمِ شَبهِهما، فإنَّ القَولَ حينَئذٍ قَولُ الغاصِبِ لأنَّه غارِمٌ؛ إذْ لا يَتأتَّى فيه أوسَطُ القِيمِ (١).
ثانيًا: الاختِلافُ في تَلفِ المَغصوبِ:
إذا اتَّفقَ الغاصِبُ والمَغصوبُ منه على الغَصبِ، ثم اختَلَفا في تَلفِ المَغصوبِ هل تلِفَ أو لا، بأنْ قالَ الغاصِبُ: قد تلِفَ، وقالَ المَغصوبُ منه: بل هو باقٍ لم يَتلَفْ …
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ القَولَ قَولُ الغاصِبِ مع يَمينِه؛ لأنَّه قد يَكونُ صادِقًا ويَعجِزُ عن إِقامةِ البَيِّنةِ على التَّلفِ، فلو لم يُصدَّقْ لَأدَّى إلى تَخليدِ حَبسِه، فإنْ حلَفَ الغاصِبُ غرَّمَه المالِكُ بدَلَ المَغصوبِ من المِثلِ أو القيمةِ؛ لعَجزِه عن الوُصولِ إلى عَينِ مالِه بيَمينِ الغاصِبِ.
وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُقبلُ قَولُ المالِكِ بيَمينِه؛ لأنَّ الأصلَ بَقاؤُه (٢).
стр. 8197
وقالَ الحَنفيةُ: إذا قالَ الغاصِبُ: «هلَكَ المَغصوبُ في يَدي»، ولم يُصدِّقْه المَغصوبُ منه ولا بَيِّنةَ للغاصِبِ فإنَّ القاضِي يَحبِسُ الغاصِبَ مُدةً لو كانَ قائِمًا لأظهَرَه في تلك المُدةِ، ثم يَقضي عليه بالضَّمانِ؛ لأنَّ الحُكمَ الأَصليَّ للغَصبِ هو وُجوبُ رَدِّ عَينِ المَغصوبِ، والقيمةُ خَلَفٌ عنه، فما لم يَثبُتِ العَجزُ عن الأصلِ لا يُقضَى بالقيمةِ التي هي خَلَفٌ (١).
ثالِثًا: الاختِلافُ في رَدِّ المَغصوبِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو قالَ الغاصِبُ: «رَدَدتُ المَغصوبَ»، وأنكَرَه المالِكُ، هل القَولُ قَولُ الغاصِبِ أو قَولُ المالِكِ أنَّه لم يَردَّه؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ القَولَ قَولُ المالِكِ أنَّه لم يَردَّ عليه المَغصوبَ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ ذلك واشتِغالُ الذِّمةِ به، وذلك لأنَّ الغاصِبَ أقَرَّ بالسَّببِ المُوجِبِ للضَّمانِ وهو الغَصبُ، وادَّعى ما يُبَرِّئُه، فيَكونُ القَولُ قَولَ المالِكِ (٢).
стр. 8198
قالَ الحَنفيةُ: لو أقَرَّ الغاصِبُ بما يَدَّعي المَغصوبُ منه من الغَصبِ وادَّعى الرَّدَّ عليه لا يُصدَّقُ إلا ببَيِّنةٍ؛ لأنَّ الإِقرارَ بالغَصبِ إِقرارٌ بوُجودِ سَببِ وُجودِ الضَّمانِ منه، فهو بقَولِه: «رَدَدتُ عليكَ» يَدَّعي انفِساخَ السَّببِ فلا يُصدَّقُ من غيرِ بَيِّنةٍ، والقَولُ قَولُ المَغصوبِ منه أنَّه لم يَقبِضْ منه ولم يَردَّ عليه مع يَمينِه، إلا أنْ يُقيمَ الغاصِبُ بَيِّنةً.
ولو تعارَضَت البَيِّنتانِ فأقامَ المالِكُ البَيِّنةَ على أنَّ الدابةَ أو السَّيارةَ مَثلًا تلِفَت عندَ الغاصِبِ من رُكوبِه، وأقامَ الغاصِبُ البَيِّنةَ على أنَّه ردَّها إلى المالِكِ فتُقبلُ بَيِّنةُ المالِكِ، وعلى الغاصِبِ قيمةُ المَغصوبِ؛ لأنَّ بَيِّنةَ الغاصِبِ لا تَدفعُ بَينةَ المَغصوبِ منه؛ لأنَّها قامَت على رَدِّ المَغصوبِ، ومن الجائِزِ أنَّه رَدَّها، ثم غصَبَها وركِبَها فتلِفَت في يَدِه، ولو أقامَ المَغصوبُ منه البَيِّنةَ أنَّه غصَبَ الدابةَ ونفَقَت عندَه، وأقامَ الغاصِبُ البَيِّنةَ أنَّه رَدَّها إليه وأنَّها نفَقَت عندَه فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ من الجائِزِ أنَّ شُهودَ المَغصوبِ منه اعتَمَدوا في شَهادتِهم على استِصحابِ الحالِ؛ لمَا أنَّهم علِموا بالغَصبِ وما علِموا بالرَّدِّ، فبَنَوُا الأمرَ على ظاهِرِ بَقاءِ المَغصوبِ في يَدِ الغاصِبِ إلى وَقتِ الهَلاكِ، وشُهودُ الغاصِبِ اعتَمَدوا في شَهادتِهم حَقيقةَ الأمرِ، وهي الرَّدُّ؛ لأنَّه أمرٌ لم يَكُنْ، فكانَت الشَّهادةُ القائِمةُ على الرَّدِّ أوْلى، وعن أَبي يُوسفَ أنَّ الغاصِبَ ضامِنٌ (١).
стр. 8199
كتاب الشُّفعة
стр. 8200
كتاب الشُّفعة
تعريفُ الشُّفعةِ:
الشُّفعةُ لُغةً: مَأخوذةٌ من الشَّفعِ بمَعنى الضَّمِّ، ضِدُّ الوَترِ، ومنه شَفاعةُ النَّبيِّ ﷺ للمُذنِبينَ؛ لأنَّه يَضمُّهم بها إلى الفائِزينَ الصالِحينَ، يُقالُ: شفَعَ الرَّجلُ شَفعًا إذا كانَ فَردًا فصارَ له ثانٍ، والشَّفيعُ فيما نحن فيه يَضمُّ المَأخوذَ إلى مِلكِه فلذلك سُمِّيَ شُفعةً.
وقيلَ: مَأخوذةٌ من الشَّفاعةِ؛ لأنَّ الرَّجلَ إذا أَرادَ أنْ يَبيعَ دارَه أَتاه شَريكُه أو جارُه بشَفيعٍ يَشفَعُ إليه فيما بِيعَ (١).
الشُّفعةُ اصطِلاحًا:
تَعدَّدت عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الشُّفعةِ وإنْ كانَ مَردُّها على أنَّ
стр. 8201
الشُّفعةَ استِحقاقُ الشَّريكِ أخْذَ نَصيبِ شَريكِه فيما باعَه بالثَّمنِ نَفسِه الذي باعَه به.
مَثلًا: لو باعَ رَجلٌ دارَه أو عَقارَه واطَّلعَ شَريكُه على هذا البَيعِ كانَ له حَقُّ الاعتِراضِ على هذا البَيعِ، ويأخُذُ المَبيعَ بالثَّمنِ الذي باعَه به أو اشتَراه به الشَّريكُ الحادِثُ، وهذا الذي يَثبُتُ له حَقُّ الشُّفعةِ يُسمَّى شَفيعًا.
قالَ الحَنفيةُ: الشُّفعةُ هي تَملُّكُ البُقعةِ جَبرًا على المُشتَري بما قامَ عليه -أي بمِثلِ ثَمنِه الذي اشتَراه به وهو الثَّمنُ- وسَواءٌ رَضيَ المُتبايِعانِ أو سخِطا، وزادَ بعضُهم: شَرِكةً أو جِوارًا (١).
وقالَ المالِكيةُ: الشُّفعةُ هي استِحقاقُ شَريكٍ أخْذَ مَبيعِ شَريكِه بثَمنِه أخَذَ أو لم يأخُذْ.
أي: بجُزءٍ شائِعٍ لا بأذرُعٍ مُعيَّنةٍ فلا شُفعةَ لأَحدِهما على الآخَرِ قَطعًا؛ لأنَّهما جارانِ (٢).
وقيلَ: استِحقاقُ شَريكٍ أخْذَ ما عاوَضَ به شَريكَه من عَقارٍ بثَمنِه أو قيمَتِه بصِيغةٍ.
فخرَجَ ب «ما عاوَضَ به» الهِبةُ والصَّدقةُ والوَصيةُ بشِقصٍ، فلا شُفعةَ فيها.
стр. 8202
وب «عَقارٍ» خرَجَ غيرُ العَقارِ من الحَيوانِ والعُروضِ فلا شُفعةَ فيه.
«بثَمنِه» أي: الذي وقَعَ به البَيعُ كما هو الغالِبُ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: الشُّفعةُ شَرعًا: حَقُّ تَملُّكٍ قَهريٍّ يَثبتُ للشَّريكِ القَديمِ على الحادِثِ فيما ملَكَ بعِوضٍ لدَفعِ الضَّررِ بالعِوضِ الذي ملَكَ به (٢).
وقالَ الحَنابِلةُ: الشُّفعةُ: هي استِحقاقُ الشَّريكِ انتِزاعَ حِصةِ شَريكِه إذا انتقَلَت إلى غيرِه من يَدِ مَنْ انتقَلَت إليه إنْ كانَ المُنتقِلُ إليه مِثلَه أو دونَه -بأنْ كانَ الشَّفيعُ مُسلِمًا والمُشتَري كافِرًا، فإنْ كانَ مِثلَه فلا شُفعةَ- بعِوضٍ مالِيٍّ، فيأخُذُ الشَّفيعُ نَصيبَ البائِعِ بثَمنِه الذي استقَرَّ عليه العَقدُ (٣).
قالَ شَمسُ الدِّينِ السَّرخَسيُّ ﵀: وزعَمَ بعضُ أَصحابِنا ﵏ أنَّ القياسَ يَأبى ثُبوتَ حَقِّ الشُّفعةِ؛ لأنَّه يَتملَّكُ على المُشتَري مِلكًا صَحيحًا له بغيرِ رِضاه، وذلك لا يَجوزُ، فإنَّه من نَوعِ الأكلِ بالباطِلِ، وتأيَّدَ هذا بقَولِه ﷺ : «لا يَحلُّ مالُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا بطِيبِ نَفسٍ منه»، ولأنَّه بالأخذِ يَدفعُ الضَّررَ عن نَفسِه على وَجهٍ يَلحَقُ الضَّررُ بالمُشتَري في إِبطالِ مِلكِه عليه، وليسَ لأحدٍ أنْ يَدفعَ الضَّررَ عن نَفسِه بالإِضرارِ بغيرِه.
стр. 8203
ولكنَّا نَقولُ: ترَكنا هذا القياسَ بالأَخبارِ المَشهورةِ في البابِ، والأصَحُّ أنْ نَقولَ: الشُّفعةُ أصلٌ في الشَّرعِ فلا يَجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّه مُستحسَنٌ من القياسِ، بل هو ثابِتٌ، وقد دلَّت على ثُبوتِه الأَحاديثُ المَشهورةُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ وعن أَصحابِه رِضوانُ اللهِ عليهم (١).
مَشروعيةُ الشُّفعةِ:
ثبَتَت مَشروعيةُ الشُّفعةِ بالسُّنةِ الصَّحيحةِ والإِجماعِ والمَعقولِ.
أمَّا السُّنةُ: فما رَواه جَابِرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵁ قالَ: «قَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بالشُّفعةِ في كلِّ شَركةٍ لم تُقسَمْ، رَبعةٍ أو حائِطٍ، لا يَحلُّ له أنْ يَبيعَ حتى يُؤذِنَ شَريكَه، فإنْ شاءَ أخَذَ وإنْ شاءَ ترَكَ، فإذا باعَ ولم يُؤذِنْه فهو أحَقُّ به» (٢).
وعن جابِرٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «الجارُ أحَقُّ بشُفعةِ جارِه، يُنتظَرُ بها، وإنْ كانَ غائِبًا إذا كان طَريقُهما واحِدًا» (٣).
وعن جابِرٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كانَت له شَركةٌ في أرضٍ أو رِباعٍ فليسَ له أنْ يَبيعَ حتى يَستأذنَ شَريكَه؛ فإنْ شاءَ أخَذَه، وإنْ شاءَ ترَكَه» (٤).
стр. 8204
وأمَّا الإِجماعُ؛ فقد نقَلَ عَددٌ من العُلماءِ الإِجماعَ على جَوازِ الشُّفعةِ.
قالَ الإِمامُ أَبو بَكرِ بنُ المُنذرِ ﵀: ثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ جعَلَ الشُّفعةَ في كلِّ مالٍ لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ وصُرِفت الطُّرقُ فلا شُفعةَ.
وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على إِثباتِ الشُّفعةِ للشَّريكِ الذي لم يُقاسِمْ فيما بِيعَ من أرضٍ، أو دارٍ، أو حائِطٍ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀ بعدَما ذكَرَ حَديثَ جابِرٍ: اتَّفقَ جَماعةُ الفُقهاءِ على القَولِ بهذا الحَديثِ، وأوجَبوا الشُّفعةَ للشَّريكِ في المَشاعِ من الرِّباعِ، وكلِّ ما تأخُذُه الحُدودُ وتَحتَمِلُه القِسمةُ (٢).
وقالَ الإِمامُ الماوَرديُّ ﵀: والحُكمُ بالشُّفعةِ واجِبٌ بالنَّصِّ والإِجماعِ، إلا مَنْ شذَّ عن الجَميعِ من الأصَمِّ وابنِ عُليَّةَ فإنَّهما أبطَلاها رَدًّا للإِجماعِ، ومَنعًا من خَبَرِ الواحِدِ، وتَمسُّكًا بظاهِرِ قَولِه ﷺ : «لا يَحلُّ مالُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلا بطِيبِ نَفسٍ منه» (٣)، وهذا خَطأٌ لفُحشٍ مِنْ قائِلِه؛ لأنَّ ما رُويَ في الشُّفعةِ وإنْ لم يَكُنْ مُتواتِرًا فالعَملُ به مُستفيضٌ يَصيرُ به الخَبَرُ كالمُتواتِرِ، ثم الإِجماعُ عليه مُنعقِدٌ، والعِلمُ بكَونِه شَرعًا واقِعٌ، وليسَ في التَّمسكِ بقَولِه ﷺ : «لا يَحلُّ مالُ امرِئٍ مُسلمٍ إلا بطِيبِ نَفسٍ
стр. 8205
منه» ما يَمنعُ من الشُّفعةِ؛ لأنَّ المُشتَريَ يُعاوِضُ عليهما بما بذَلَه فيَصِلُ إليه ولا يَستحِلُّ منه (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الشُّفعةَ في الدُّورِ والأرضينَ والحَوانيتِ والرِّباعِ كلَّها بينَ الشُّركاءِ في المَشاعِ من ذلك كلِّه، وأنَّها سُنةٌ مُجتمَعٌ عليها يَجبُ التَّسليمُ لها (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقَ المُسلِمونَ على أنَّ الشُّفعةَ واجِبةٌ في الدُّورِ والعَقارِ والأَرضينَ كلِّها (٣).
وقالَ الإِمامُ النَّوَويُّ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على ثُبوتِ الشُّفعةِ للشَّريكِ في العَقارِ ما لم يُقسَمْ (٤).
وأمَّا المَعقولُ: وهو الحِكمةُ من مَشروعيَّتِها: إِزالةُ الضَّررِ عن الشَّريكِ الذي يَنشأُ من سُوءِ المُجاورةِ على الدَّوامِ.
مَحاسِنُ الشُّفعةِ:
قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: من مَحاسِنِ الشَّريعةِ وعَدلِها وقيامِها بمَصالحِ العِبادِ وُرودُها بالشُّفعةِ، ولا يَليقُ بها غيرُ ذلك؛ فإنَّ حِكمةَ الشارِعِ اقتَضَت رَفعَ الضَّررِ عن المُكلَّفينَ ما أمكَنَ، فإنْ لم يُمكِنْ رَفعُه إلا بضَررٍ أعظَمَ منه أبقاه
стр. 8206
على حالِه، وإنْ أمكَنَ رَفعُه بالتِزامِ ضَررٍ دونَه رفَعَه به، ولمَّا كانَت الشَّركةُ مَنشأَ الضَّررِ في الغالِبِ فإنَّ الخُلطاءَ يَكثُرُ فيهم بَغيُ بَعضِهم على بعضٍ، شرَعَ اللهُ سُبحانَه رَفْعَ هذا الضَّررِ بالقِسمةِ تارةً، وبانفِرادِ كلٍّ من الشَّريكَينِ بنَصيبِه وبالشُّفعةِ تارةً، وبانفِرادِ أحدِ الشَّريكَينِ بالجُملةِ إذا لم يَكُنْ على الآخَرِ ضَررٌ في ذلك، فإذا أرادَ بَيعَ نَصيبِه وأخْذَ عِوضِه كانَ شَريكُه أحَقَّ به من الأجنَبيِّ، وهو يَصلُ إلى غَرضِه من العِوضِ من أيِّهما كان، فكانَ الشَّريكُ أحَقَّ بدَفعِ العِوضِ من الأجنَبيِّ، ويَزولُ عنه ضَررُ الشَّركةِ، ولا يَتضرَّرُ البائِعُ؛ لأنَّه يَصلُ إلى حَقِّه من الثَّمنِ، وكانَ هذا من أعظَمِ العَدلِ وأحسَنِ الأَحكامِ المُطابِقةِ للعُقولِ والفِطَرِ ومَصالحِ العِبادِ، ومن هنا يُعلَمُ أنَّ التَّحيُّلَ لإِسقاطِ الشُّفعةِ مُناقِضٌ لهذا المَعنى الذي قصَدَه الشارِعُ ومُضادٌّ له (١).
حُكمُ الاحتِيالِ لإِسقاطِ الشُّفعةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الحِيلةِ لإِسقاطِ الشُّفعةِ، هل هي مُحرَّمةٌ أو مَكروهةٌ أو جائِزةٌ؟
فنَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّه حرُمَ التَّحايُلُ لإِسقاطِ الشُّفعةِ.
قالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا يَحلُّ الاحتِيالُ لإِسقاطِ الشُّفعةِ، وإنْ فعَلَ لم تَسقُطْ، قالَ أَحمدُ في رِوايةِ إِسماعيلَ بنِ سَعيدٍ: وقد سألتُه عن الحِيلةِ في إِبطالِ الشُّفعةِ فقالَ: لا يَجوزُ شَيءٌ من الحِيَلِ في ذلك، ولا في إِبطالِ حَقِّ مُسلمٍ. وبهذا قالَ أَبو أَيوبَ وأَبو خَيثَمةَ وابنُ أَبي شَيبةَ
стр. 8207
وأَبو إِسحاقَ الجَوزجانِيُّ، وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ: «مَنْ يَخدَعِ اللهَ يَخدَعْه»، وقالَ أَيوبُ السَّختَيانِيُّ: «إنَّهم ليُخادِعُونَ اللهَ كما يَخدَعونَ صَبيًّا، لو كانوا يأتونَ الأمرَ على وَجهِه كانَ أسهَلَ علَيَّ».
ومَعنى الحِيلةِ: أنْ يُظهِروا في البَيعِ شَيئًا لا يُؤخَذُ بالشُّفعةِ معه ويَتواطَؤوا في الباطِنِ على خِلافِه، مِثلَ أنْ يَشتَريَ شِقصًا يُساوي عَشرةَ دَنانيرَ بألفِ دِرهمٍ، ثم يَقضيَه عنها عَشرةَ دَنانيرَ، أو يَشتَريَه بمِئةِ دِينارٍ، ويَقضيَه عنها مِئةَ دِرهمٍ.
أو يَشتَريَ البائِعُ من المُشتَري عَبدًا قيمَتُه مِئةٌ بألفٍ في ذِمتِه، ثم يَبيعَه الشِّقصَ بالألفِ.
أو يَشتَريَ شِقصًا بألفٍ ثم يُبْرِئَه البائِعُ من تِسعِمِئةٍ.
أو يَشتَريَ جُزءًا من الشِّقصِ بمِئةٍ ثم يَهَبَ له البائِعُ باقيَه، أو يَهبَ الشِّقصَ للمُشتَري ويَهبَ المُشتَري له الثَّمنَ.
أو يَعقدَ البَيعَ بثَمنٍ مَجهولِ المِقدارِ كحِفنةِ قُراضةٍ أو جَوهرةٍ مُعيَّنةٍ أو سِلعةٍ مُعيَّنةٍ غيرِ مَوصوفةٍ، أو بمِئةِ دِرهمٍ، ولُؤلؤةٍ، وأَشباهِ هذا، فهذا كلُّه إذا وقَعَ من غيرِ تَحيُّلٍ سقَطَت الشُّفعةُ، وإنْ تَحيَّلا به على إِسقاطِ الشُّفعةِ لم يَسقُطْ، ويأخُذُ الشَّفيعُ الشِّقصَ في الصُّورةِ الأُولى بعَشرةِ دَنانيرَ أو قيمَتِها من الدَّراهمِ، وفي الثانيةِ بمِئةِ دِرهَمٍ أو قيمَتِها ذَهبًا، وفي الثالِثةِ بقيمةِ العَبدِ المَبيعِ، وفي الرابِعةِ بالباقي بعدَ الإِبراءِ وهو المِئةُ المَقبوضةُ، وفي الخامِسةِ يأخُذُ الجُزءَ المَبيعَ من الشِّقصِ بقِسطِه من الثَّمنِ، ويَحتملُ أنْ يأخُذَ
стр. 8208
الشِّقصَ كلَّه بجَميعِ الثَّمنِ؛ لأنَّه إنَّما وهَبَه بَقيةَ الشِّقصِ عِوضًا عن الثَّمنِ الذي اشتَرى به جُزءًا من الشِّقصِ، وفي السادِسةِ يأخُذُ بالثَّمنِ المَوهوبِ، وفي سائِرِ الصُّورِ المَجهولِ ثَمنُها يأخُذُه بمِثلِ الثَّمنِ أو بقيمَتِه إنْ لم يَكنْ مِثليًّا إذا كانَ الثَّمنُ مَوجودًا، وإنْ لم يُوجَدْ عَينُه دفَعَ إليه قيمةَ الشِّقصِ؛ لأنَّ الأغلَبَ وُقوعُ العَقدِ على الأَشياءِ بقيمَتِها.
وقالَ أَصحابُ الرأيِ والشافِعيُّ: يَجوزُ ذلك كلُّه، وتَسقطُ به الشُّفعةُ؛ لأنَّه لم يأخُذْ بما وقَعَ البَيعُ به، فلم يَجزْ كما لو لم يَكُنْ هناك حِيلةٌ.
ولنا: قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أدخَلَ فَرسًا بينَ فَرسَينِ ولم يأمَنْ أنْ يَسبِقَ فليس بقِمارٍ، وإنْ أمِنَ أنْ يَسبِقَ فهو قِمارٌ»، رَواه أَبو داودَ وغيرُه، فجعَلَ إِدخالَ الفَرسِ المُحلِّلِ قِمارًا في المَوضعِ الذي يَقصِدُ به إِباحةَ إِخراجِ كلِّ واحِدٍ من المُتسابقَينِ جُعلًا مع عَدمِ مَعنى المُحلَّلِ فيه، وهو كَونُه بحالٍ يَحتمِلُ أنْ يأخُذَ سَبقَيْهما، وهذا يَدلُّ على إِبطالِ كلِّ حِيلةٍ لم يُقصَدْ بها إلا إِباحةُ المُحرَّمِ مع عَدمِ المَعنى فيها.
واستدَلَّ أَصحابُنا بما رَوى أَبو هُرَيرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «لا تَرتَكِبوا ما ارتكَبَت اليَهودُ فتَستَحلُّوا مَحارمَ اللهِ بأَدْنى الحِيلِ» (١).
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «لعَنَ اللهُ اليَهودَ؛ إنَّ اللهَ لمَّا حرَّمَ عليهم شُحومَها جَمَلوه ثم باعوه وأَكلوا ثَمنَه» مُتَّفقٌ عليه، ولأنَّ اللهَ تَعالى ذَمَّ المُخادِعينَ له بقَولِه تَعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا
стр. 8209
أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [البقرة: ٩]، والحِيلُ مُخادَعةٌ، وقد مسَخَ اللهُ تَعالى الذين اعتَدَوْا في السَّبتِ قِردةً بحِيلَتِهم، فإنَّه رُويَ أنَّهم كانوا يَنصِبونَ شِباكَهم يَومَ الجُمعةِ، ومنهم مَنْ يَحفِرُ جِبابًا ويُرسلُ الماءَ إليها يَومَ الجُمعةِ، فإذا جاءَت الحِيتانُ يَومَ السَّبتِ وقَعَت في الشِّباكِ وفي الجِبابِ، فيَدَعونها إلى ليلةِ الأحَدِ فيأخُذونها ويَقولونَ: ما اصطَدْنا يَومَ السَّبتِ شَيئًا، فمسَخَهم اللهُ تَعالى بحِيلَتِهم، وقالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٦]، قيلَ: يَعني به أُمةَ مُحمدٍ ﷺ ، أي: لتَتَّعظَ بذلك أُمةُ مُحمدٍ ﷺ فيَجتَنِبوا مِثلَ ما فعَلَ المُعتَدونَ، ولأنَّ الحِيلةَ خَديعةٌ وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «لا تَحلُّ الخَديعةُ لمُسلمٍ»، ولأنَّ الشُّفعةَ وُضِعت لدَفعِ الضَّررِ، فلو سقَطَت بالتَّحيُّلِ للَحِقَ الضَّررُ فلم تَسقُطْ، كما لو أسقَطَها المُشتَري بالبَيعِ والوَقفِ، وفارَقَ ما لم يُقصَدْ به التَّحيُّلُ؛ لأنَّه لا خِداعَ فيه ولا قُصِد به إِبطالُ حَقٍّ، والأَعمالُ بالنِّياتِ، فإنِ اختَلَفا هل وقَعَ شَيءٌ من هذا حِيلةً أو لا فالقَولُ قَولُ المُشتَري مع يَمينِه؛ لأنَّه أعلَمُ بنِيَّتِه وحالِه (١).
стр. 8210
وأمَّا الحَنفيةُ فقالَ الإِمامُ عَلاءُ الدِّينِ السَّمرقَنديُّ ﵀: ثم الحِيلةُ في إِبطالِ الشُّفعةِ، هل هي مَكروهةٌ؟ رُويَ عن أَبي يُوسفَ أنَّها لا تُكرَهُ.
وعن مُحمدٍ أنَّه قالَ: أكرَهُ ذلك أشَدَّ الكَراهةِ (١).
قالَ الإِمامُ الكاسِانِيُّ ﵀: أمَّا الكَلامُ في كَراهةِ الحِيلةِ للإِسقاطِ وعَدمِها فالحِيلةُ إمَّا أنْ تَكونَ بعدَ وُجوبِ الشُّفعةِ، وإمَّا أنْ تَكونَ
стр. 8211
قبلَ الوُجوبِ، فإنْ كانَت بعدَ الوُجوبِ قيلَ: إنَّها مَكروهةٌ بلا خِلافٍ، وذلك بأنْ يَقولَ المُشتَري للشَّفيعِ: «صالَحتُك على كذا دِرهمًا على أنْ تُسلمَ لي شُفعتَك»، فيَقبلَ، فتَبطُلَ شُفعتُه ولا يَستحقَّ بَدلَ الصُّلحِ، أو يَقولَ له: «اشتَرِ الدارَ مِني بكذا»، فيَقولَ: «اشتَرَيت»، فتَبطُلَ شُفعتُه، ونَحوَ ذلك.
وإنْ كانَت قبلَ الوُجوبِ فقد اختُلفَ فيها، قالَ أَبو يُوسفَ ﵀: لا تُكرهُ، وقالَ مُحمدٌ ﵀: تُكرهُ.
وَجهُ قَولِ مُحمدٍ: أنَّ شَرعَ الحِيلةِ يُؤدِّي إلى سَدِّ بابِ الشُّفعةِ، وفيه إِبطالُ هذا الحَقِّ أَصلًا ورَأسًا.
وَجهُ قَولِ أَبي يُوسفَ أنَّ الحِيلةَ قبلَ الوُجوبِ مَنعٌ من الوُجوبِ بمُباشَرةِ سَببِ الامتِناعِ شَرعًا، وهذا جائِزٌ كالشِّراءِ والهِبةِ وسائِرِ التَّمليكاتِ، فإنَّ المُشتَريَ يَمنعُ حُدوثَ المِلكِ للبائِعِ في المَبيعِ بمُباشرةِ سَببِ الامتِناعِ شَرعًا وهو الشِّراءُ، وكذا الهِبةُ والصَّدقةُ وسائِرُ التَّمليكاتِ.
وقد خُرِّجَ الجَوابُ عن قَولِ مُحمدٍ ﵀ أنَّ هذا إِبطالٌ لحَقِّ الشُّفعةِ؛ لأنَّ إِبطالَ الشَّيءِ بعدَ ثُبوتِه ضَررٌ، والحَقُّ ههنا لم يَثبُتْ بعدَ ذلك، فلا تَكونُ الحِيلةُ إِبطالًا له، بل هو مَنعٌ من الثُّبوتِ بمُباشرةِ سَببِ الامتِناعِ شَرعًا، وأنَّه جائِزٌ، فما ذكَرَه أَبو يُوسفَ ﵀ هو الحُكمُ المَرويُّ، وما ذكَرَه مُحمدٌ ﵀ احتِياطٌ، والأَصلُ في شَرعِ الحِيلةِ قَولُه في قِصةِ
стр. 8212
سَيِّدِنا أَيوبَ ﵊: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الزَّيلَعيُّ الحَنفيُّ ﵀: قالَ ﵀: (ولا تُكرهُ الحِيلةُ لإِسقاطِ الشُّفعةِ والزَّكاةِ) وهذا عندَ أَبي يُوسفَ ﵀، وعندَ مُحمدٍ ﵀ تُكرهُ؛ لأنَّ الشُّفعةَ وجَبَت لدَفعِ الضَّررِ وهو واجِبٌ، وإِلحاقُ الضَّررِ به حَرامٌ، فكانَت مَكروهةً ضَرورةً، ولأَبي يُوسفَ ﵀ أنَّه يَحتالُ لدَفعِ الضَّررِ عن نَفسِه، والحِيلةُ لدَفعِ الضَّررِ عن نَفسِه مَشروعةٌ وإنْ كانَ غيرُه يَتضرَّرُ في ضِمنِه، ثم قيلَ: هذا الاختِلافُ بينَهما قبلَ الوُجوبِ وأمَّا بعدَه فمَكروهٌ بالإِجماعِ، هكذا ذكَرَه شَيخُ الإِسلامِ، ذكَرَ قَولَه في «النِّهاية»، والقائِلُ لهذا القَولِ قاسَه على الاختِلافِ في الزَّكاةِ، فإنَّه لا يُكرهُ عندَ أَبي يُوسفَ ﵀ قبلَ الوُجوبِ وعندَ مُحمدٍ ﵀ يُكرهُ، وقيلَ: لا تُكرهُ الحِيلةُ لمَنعِ وُجوبِ الشُّفعةِ، وإنَّما الخِلافُ في فَصلِ الزَّكاةِ.
وقالَ شَمسُ الأئِمةِ: الاشتِغالُ بالحِيلِ بإِبطالِ حَقِّ الشُّفعةِ لا بَأسَ به، أمَّا قبلَ وُجوبِ الشُّفعةِ فلا إِشكالَ فيه، وكذلك بعدَ الوُجوبِ إذا لم يَقصِدِ المُشتَري الإِضرارَ به، وإنَّما قصَدَ الدَّفعَ عن مِلكِ نَفسِه، ثم قالَ: وقيلَ: هذا قَولُ أَبي يُوسفَ ﵀، وأمَّا عندَ مُحمدٍ ﵀ فتُكرهُ على قياسِ اختِلافِهم في الزَّكاةِ، ثم الحِيلُ التي تُسقِطُ الوُجوبَ هي أنْ يُعوِّضَه فيُسقِطَ الشَّفيعُ الشُّفعةَ فتَسقطَ شُفعتُه ولا يَجبَ عليه العِوضُ، أو يَقولَ له: «أنا
стр. 8213
أَبيعُك إياه»، أو يَقولَ له المُشتَري: «اشتَرِه مني»، فيَقولَ الشَّفيعُ: «نَعم»، فتَسقُطَ به شُفعتُه، وكذا إذا آجَرَه من الشَّفيعِ على ما بيَّنَّا، ومن الحِيلِ التي تَمنعُ الوُجوبَ أنْ يُوكِّلَه ببَيعِها أو يُضمِّنَه الدَّركَ أو يَجعلَ البائِعُ الخيارَ إليه في عَقدِ البَيعِ، إلى غيرِ ذلك من الحِيلِ التي ذَكَرناها من قبلُ من الحِيلِ، أنْ يُؤجِّرَ المُشتَري البائِعَ شَيئًا ببعضِ العَقارِ الذي يُريدُ شِراءَه كالثَّوبِ مَثلًا يُؤجِّرُه ليَلبَسَه البائِعُ يَومًا بجُزءٍ شائِعٍ من العَقارِ الذي يُريدُ شِراءَه، ثم يَشتَريَ الباقيَ؛ لأنَّه لمَّا ملَّكَه منه جُزءًا شائِعًا صارَ شَريكًا له، وليس للشَّفيعِ فيه شُفعةٌ؛ لأنَّه ملَّكَه بالإِجارةِ، ولا فيما اشتَراه بعدَ ذلك؛ لأنَّ الشَّريكَ أوْلى، وهذه الحِيلةُ لا تَدفعُ إلا الجارَ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختَلَفوا، هل يَجوزُ الاحتِيالُ لإِسقاطِ الشُّفعةِ مِثلَ أنْ يَبيعَ سِلعةً مَجهولةً عندَ مَنْ يَرى ذلك مُسقِطًا للشُّفعةِ، أو بأنْ يُقرَّ له ببعضِ المِلكِ ثم يَبيعَه الباقيَ.
فقالَ أَبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: له ذلك. وقالَ مالِكٌ وأَحمدُ: ليس له ذلك (٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وقد اتَّفَقوا على أنَّ الاحتِيالَ لإِسقاطِ الشُّفعةِ بعدَ وُجوبِها مَكروهٌ، وإنَّما الخِلافُ فيما قبلَ الوُجوبِ (٣).
стр. 8214
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: فَصلٌ في الحِيلِ الدافِعةِ للشُّفعةِ:
منها: أنْ يَبيعَ الشِّقصَ بأَضعافِ ثَمنِه دَراهمَ ويأخُذَ عَرضًا قيمَتُه مِثلُ الثَّمنِ الذي تَراضَيا عليه عِوضًا عن الدَّراهمِ، أو يَحطَّ عن المُشتَري ما يَزيدُ عليه بعدَ انقِضاءِ الخيارِ.
ومنها: ما قالَه ابنُ سُرَيجٍ: يَشتَري أولًا بائِعُ الشِّقصِ عَرضًا يُساوي ثَمنَ الشِّقصِ بأَضعافِ ذلك الثَّمنِ، ثم يَجعلُ الشِّقصَ عِوضًا عمَّا لزِمَه.
ومنها: أنْ يَبيعَ جُزءًا من الشِّقصِ بثَمنِ كلِّه، ويَهبَ له الباقيَ، وهذه الطُّرقُ فيها غَررٌ فقد لا يَفي صاحِبُه.
ومنها: أنْ يَجعلَ الثَّمنَ حاضِرًا مَجهولَ القَدرِ ويَقبِضَه البائِعُ ولا يَزِنَه، بل يُنفِقُه أو يَخلِطُه فتَندفِعُ الشُّفعةُ على الصَّحيحِ، وفيها خِلافُ ابنِ سُرَيجٍ السابِقُ.
ومنها: إذا وقَفَ الشِّقصَ أو وهَبَه بطَلَت الشُّفعةُ على رأيِ أَبي إِسحاقَ.
ومنها: لو باعَ بعضَ الشِّقصِ ثم باعَ الباقيَ لم يَكُنْ للشَّفيعِ أنْ يأخُذَ جَميعَ المَبيعِ ثانيًا على أحدِ الوَجهَينِ، فيَندفِعَ أخْذُ جَميعِ المَبيعِ.
ومنها: لو وكَّلَ البائِعُ شَريكَه بالبَيعِ فباعَ لم تَكُنْ له الشُّفعةُ على أحدِ الوَجهَينِ.
قُلتُ -أي: النَّوويُّ-: ومنها أنْ يَهبَ له الشِّقصَ بلا ثَوابٍ، ثم يَهبَ له صاحِبُه قَدرَ قيمَتِه، قالَ الشَّيخُ أَبو حامِدٍ: هذا لا غَرَر فيه؛ لأنَّه يُمكِنُه أنْ
стр. 8215
يَحتَرِزَ من ألَّا يَفيَ صاحِبُه بأنْ يَهبَه ويَجعلَه في يَدِ أَمينٍ ليُقبضَه إياه، ويَهبَه صاحِبُه قَدرَ قيمَتِه ويَجعلَه في يَدِ أَمينٍ ليُقبِضَه إياه، ثم يَتقابَضا في حالةٍ واحِدةٍ، واللهُ أعلَمُ.
فَرعٌ: عندَ أَبي يُوسفَ لا يُكرهُ دَفعُ الشُّفعةِ بالحِيلةِ؛ إذْ ليسَ فيها دَفعُ حَقٍّ على الغيرِ، فإنَّه إنَّما يَثبُتُ بعدَ البَيعِ.
وعندَ مُحمدِ بنِ الحَسنِ يُكرهُ دَفعُ الشُّفعةِ بالحِيلةِ؛ لمَا فيها مِنْ إِبقاءِ الضَّررِ، وهذا أشبَهُ بمَذهبِنا في الحِيلةِ في مَنعِ وُجوبِ الزَّكاةِ.
قُلتُ: عَجَبٌ من الإِمامِ الرافِعيِّ ﵀! كيفَ قالَ ما قالَ مع أنَّ المَسألةَ مَسطورةٌ وفيها وَجهانِ:
أصَحُّهما: وبه قالَ ابنُ سُريجٍ والشَّيخُ أَبو حامِدٍ، تُكرهُ هذه الحِيلةُ.
والثانِي: لا، قالَه أَبو حاتِمٍ القَزوينيُّ في كِتابِ «الحِيل».
أمَّا الحِيلُ في دَفعِ شُفعةِ الجارِ فلا كَراهةَ فيها قَطعًا، وفيها من الحِيلِ غيرُ ما سبَقَ (مَا) ذكَرَه المُتولِّي، أنَّه يَشتَري عُشرَ الدارِ مَثلًا بتِسعةِ أَعشارِ الثَّمنِ فلا يَرغبُ الشَّفيعُ لكَثرةِ الثَّمنِ، ثم يَشتَري تِسعةَ أَعشارِه بعُشرِ الثَّمنِ فلا يَتمكَّنُ الجارُ من الشُّفعةِ؛ لأنَّ المُشتَريَ حالةَ الشِّراءِ شَريكٌ في الدارِ، والشَّريكُ مُقدَّمٌ على الجارِ، أو يَخطُّ البائِعُ على طَرفِ مِلكِه خَطًّا ممَّا يَلي دارَ جارِه، ويَبيعُ ما وَراءَ الخَطِّ فتَمتنِعُ شُفعةُ الجارِ؛ لأنَّ بينَ مِلكِه وبينَ المَبيعِ فاصِلًا، ثم يَهبُه الفاصِلَ، واللهُ أعلَمُ (١).
стр. 8216
أَركانُ الشُّفعةِ وشُروطُها:
ذكَرَ الفُقهاءُ أنَّ للشُّفعةِ ثَلاثةَ أَركانٍ:
الرُّكنُ الأولُ: المَأخوذُ: وهو المَشفوعُ فيه (مَحلُّ الشُّفعةِ، وهو الشَّيءُ الذي يُريدُ الشَّفيعُ أنْ يَتملَّكَه بالشُّفعةِ) وهو الأرضُ والعَقارُ.
والرُّكنُ الثانِي: الآخِذُ: (أي: الشَّفيعُ الذي له حَقُّ الشُّفعةِ).
والرُّكنُ الثالِثُ: المَأخوذُ منه: وهو المُشتَري الذي يَكونُ العَقارُ في حِيازتِه.
الرُّكنُ الرابِعُ: في الأخذِ بالشُّفعةِ.
والصِّيغةُ إنَّما تَجبُ في التَّمليكِ (١).
ولكلِّ رُكنٍ من هذه الأَركانِ شُروطٌ.
стр. 8217
الرُّكنُ الأولُ: المَأخوذُ:
وهو المَشفوعُ فيه (مَحلُّ الشُّفعةِ وهو الشَّيءُ الذي يُريدُ الشَّفيعُ أنْ يَتملَّكَه بالشُّفعةِ) وهو الأرضُ والعَقارُ.
الشُّفعةُ تَثبُتُ في أَشياءَ مُتَّفقٍ عليها بينَ الفُقهاءِ، كالشَّريكِ الذي له حِصةٌ شائِعةٌ في العَقارِ المَبيعِ ما لم يُقسَمْ يَثبتُ له حَقُّ الشُّفعةِ بالإِجماعِ.
واختَلَفوا في الجارِ، هل يَثبُتُ له حَقُّ الشُّفعةِ، وكذا الشُّفعةُ في المَنفَعةِ هل تَثبُتُ أو لا؟
وكذا الشُّفعةُ في العُروضِ هل تَثبُتُ أو لا؟ على تَفصيلٍ بَيانُه فيما يَلي:
أولاً: الشُّفعةُ للشَّريكِ في العَقارِ الذي لم يُقسَمْ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه تَثبُتُ الشُّفعةُ للشَّريكِ الذي له حِصةٌ شائِعةٌ في حِصةِ شَريكِه من العَقارِ الذي لم يُقسَمْ، لمَا رَواه جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵁ قالَ: «قَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بالشُّفعةِ في كلِّ شَركةٍ لم تُقسَّمْ رَبعةٍ أو حائِطٍ لا يَحلُّ له أنْ يَبيعَ حتى يُؤذِنَ شَريكَه، فإنْ شاءَ أخَذَ وإنْ شاءَ ترَكَ، فإذا باعَ ولم يُؤذِنْه فهو أحَقُّ به» (١).
وعن جابِرٍ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كانَت له شَركةٌ في أرضٍ أو رِباعٍ فليس له أنْ يَبيعَ حتى يَستأذِنَ شَريكَه؛ فإنْ شاءَ أخَذَه، وإنْ شاءَ ترَكَه» (٢).
стр. 8218
قالَ الإِمامُ أَبو بَكرِ بنُ المُنذرِ ﵀: ثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ جعَلَ الشُّفعةَ في كلِّ مالٍ لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ وصُرِفت الطُّرقُ فلا شُفعةَ.
وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على إِثباتِ الشُّفعةِ للشَّريكِ الذي لم يُقاسِمْ فيما بِيعَ من أَرضٍ أو دارٍ أو حائِطٍ (١).
وقالَ الإِمامُ ابنُ بَطالٍ ﵀ بعدَما ذكَرَ حَديثَ جابِرٍ: اتَّفقَ جَماعةُ الفُقهاءِ على القَولِ بهذا الحَديثِ، وأوجَبوا الشُّفعةَ للشَّريكِ في المَشاعِ من الرِّباعِ، وكلِّ ما تأخُذُه الحُدودُ وتَحتمِلُه القِسمةُ (٢).
وقالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الشُّفعةَ -في الدُّورِ والأَرضينَ والحَوانيتِ والرِّباعِ- كلَّها بينَ الشُّركاءِ في المَشاعِ من ذلك كلِّه، وأنَّها سُنةٌ مُجمَعٌ عليها يَجبُ التَّسليمُ لها (٣).
وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على ثُبوتِ الشُّفعةِ للشَّريكِ في العَقارِ ما لم يُقسَمْ (٤).
واتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ ما يُمكِنُ قِسمتُه من العَقارِ تَجوزُ الشُّفعةُ فيه، كالحَمَّامِ الكَبيرِ الواسِعِ في البُيوتِ بحيث إذا قُسِّم لم يُضَرَّ بالقِسمةِ، وأمكَنَ الانتِفاعُ به بكَونِه حَمَّامَينِ، فإنَّ الشُّفعةَ تَجبُ فيه، وكذلك البِئرُ متى أمكَنَ
стр. 8219
أنْ يَحصُلَ من ذلك شَيئانِ كالبِئرِ تَنقسِمَ بِئرَينِ يَرتَقي الماءُ منهما وجَبَت الشُّفعةُ، وكذلك إنْ كانَ مع البِئرِ بَياضُ أرضٍ بحيث تَحصُلُ البِئرُ في أحدِ النَّصيبَينِ وجَبَت الشُّفعةُ أيضًا؛ لأنَّه يُمكنُ القَسمُ.
إلا أنَّ العُلماءَ اختَلَفوا فيما لا يُمكِنُ قِسمتُه أو بحيث إذا قُسِّم بطَلَت مَنفعتُه المَقصودةُ منه، كالحَمَّامِ الصَّغيرِ الذي لا تُمكِنُ قِسمتُه، وكالطَّريقِ الضَّيقِ الذي إذا قُسِّم لم يَحصُلْ منه طَريقانِ، هل تَصحُّ الشُّفعةُ فيه أو لا؟
فذهَبَ الإِمامُ مالِكٌ في رِوايةٍ عنه والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ إلى أنَّه يُشتَرطُ أنْ يَكونَ المَبيعُ الذي تَثبُتُ فيه الشُّفعةُ ممَّا يُمكنُ قِسمتُه، فأمَّا ما لا يُمكنُ قِسمتُه من العَقارِ كالحَمَّامِ الصَّغيرِ والرَّحى الصَّغيرةِ والعِضادةِ والطَّريقِ الضَّيقةِ بحيث إذا قُسِّمت لم يُصِبْ كلُّ واحِدٍ منها طَريقًا، وكالعِراصِ الضَّيقةِ، فلا شُفعةَ في ذلك؛ لأنَّها تَبطُلُ مَنفَعتُها، فكلُّ ما لو قُسِّم بطَلَت مَنفَعتُه المَقصودةُ منه بألَّا يُنتفَعَ به بعدَ القِسمةِ من الوَجهِ الذي كانَ يُنتفَعُ به قبلَها كحَمَّامٍ ورَحًى صَغيرَينِ لا يُمكنُ تَعدُّدُهما لا شُفعةَ فيه.
وذلك لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «لا شُفعةَ في فِناءٍ ولا طَريقٍ ولا مَنقَبةٍ» (١)، والمَنقَبةُ الطَّريقُ الضَّيقُ بينَ دارَينِ لا يُمكنُ أنْ يَسلكَه أحدٌ، رَواه أَبو الخَطابِ في رُؤوسِ المَسائلِ.
стр. 8220
ورُويَ عن عُثمانَ ﵁ أنَّه قالَ: «لا شُفعةَ في بِئرٍ ولا فَحلٍ» (١).
ولأنَّ الحَديثَ: «إذا وقَعَت الحُدودُ، وصُرِفت الطُّرقُ»، والحُدودُ إنَّما تَقعُ فيما يَقبلُ القِسمةَ، فإذًا تَقديرُ الحَديثِ: الشُّفعةُ في كلِّ شَيءٍ يَقبلُ القِسمةَ ما لم يُقسَمْ، ولأنَّ إِثباتَ الشُّفعةِ فيما لا يَنقسِمُ يَضرُّ بالبائِعِ؛ لأنَّه لا يُمكنُه أنْ يَتخلَّصَ من إِثباتِ الشُّفعةِ في نَصيبِه بالقِسمةِ، وقد يَمتنِعُ المُشتَري لأجلِ الشَّفيعِ فيَتضرَّرُ البائِعُ، وقد يَمتنِعُ البَيعُ فتَسقطُ الشُّفعةُ فيُؤدِّي إِثباتُها إلى نَفيِها.
ويُمكنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الشُّفعةَ إنَّما تَثبُتُ لدَفعِ الضَّررِ الذي يَلحَقُه بالمُقاسَمةِ؛ لمَا يَحتاجُ إليه من إِحداثِ المَرافقِ الخاصةِ، ولا يُوجدُ هذا فيما لا يَنقسِمُ (٢).
стр. 8221
وذهَبَ الحَنفيةُ والإِمامُ مالِكٌ في رِوايةٍ ثانيةٍ عنه والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الشُّفعةَ تَثبُتُ فيما يُقسَمُ كالدُّورِ والحَوانيتِ والقُرى وما لا يُقسَمُ كالحَمَّامِ الصَّغيرِ والبِئرِ والرَّحى؛ لأنَّها وُضِعت لإِزالةِ الضَّررِ، ووُجودُه فيما لا يُقسَمُ أبلَغُ منه فيما يُقسَمُ، ولأنَّ النُّصوصَ المُوجِبةَ للشُّفعةِ لم تُفصَّلْ، فعَن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵁ قالَ: «الشُّفعةُ في كلِّ شِركٍ في أرضٍ، أو رَبعٍ، أو حائِطٍ، لا يَصلُحُ أنْ يَبيعَ حتى يَعرِضَ على شَريكِه، فيأخُذَ أو يَدعَ، فإنْ أبَى فشَريكُه أحَقُّ به حتى يُؤذِنَه» (١)، إلى غيرِ ذلك من العُموماتِ، ولأنَّ الشُّفعةَ سَببُها الاتِّصالُ في المِلكِ، والحِكمةُ دَفعُ ضَررِ سُوءِ الجِوارِ، وأنَّه يَنتظِمُ القِسمَينِ، ما يُقسَمُ وما لا يُقسَمُ، والضَّررُ فيما لا يُقسَمُ أبلَغُ منه فيما يُقسَمُ؛ لأنَّه يَتأبَّدُ ضَررُه فتَجوزُ الشُّفعةُ فيه؛ لأنَّ العِلةَ هي دَفعُ ضَررِ الشَّركةِ فيما يَدومُ، وكلٌّ من الضَّررَينِ حاصِلٌ قبلَ البَيعِ، ومن حَقِّ الراغِبِ فيه من الشَّريكَينِ أنْ يُخلِّصَ صاحِبَه منهما بالبَيعِ له، فإذا باعَ لغيرِه سلَّطَه الشَّرعُ على أخذِه منه: «قَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بالشُّفعةِ في كلِّ شَركةٍ لم تُقسَّمْ، رَبعةٍ أو حائِطٍ، لا يَحلُّ له أنْ يَبيعَ حتى يُؤذِنَ شَريكَه، فإنْ شاءَ أخَذَ وإنْ شاءَ ترَكَ، فإذا باعَ ولم يُؤذِنْه فهو أحَقُّ به» (٢)(٣).
стр. 8222
الشُّفعةُ في المِلكِ لا المَنفَعةِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ الشُّفعةَ إنَّما تَكونُ في المِلكِ لا في المَنفَعةِ، فإذا استأجَرَ رَجلانِ دارًا مُشتَركةً بينَهما ثم أرادَ أَحدُهما أنْ يُؤجِّرَ نَصيبَه لآخَرَ جازَ، ولا شُفعةَ فيه؛ لأنَّ الشُّفعةَ تَثبُتُ في المِلكِ لا المَنافعِ.
قالَ الإِمامُ الكاسانِيُّ ﵀: لا شُفعةَ له بدارٍ يَسكنُها بالإِجارةِ والإِعارةِ، ولا بدارٍ باعَها قبلَ الشِّراءِ ولا بدارٍ جعَلَها مَسجِدًا ولا بدارٍ جعَلَها وَقفًا، وقَضى القاضِي بجَوازِه أو لم يَقضِ، على قَولِ مَنْ يُجيزُ الوَقفَ؛ لأنَّه زالَ مِلكُه عنها لا إلى أحَدٍ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: لا شُفعةَ إلا لشَريكٍ في رَقبةِ العَقارِ، فلا تَثبُتُ للجارِ ولا للشَّريكِ في غيرِ رَقبةِ العَقارِ، كالشَّريكِ في المَنفَعةِ فقط، كانَ مِلكُها بوَصيةٍ (٢).
стр. 8223
وذهَبَ الإِمامُ مالِكٌ في رِوايةٍ عنه إلى أنَّ الشَّركةَ تَثبتُ في المَنافعِ، فللشَّريكِ في المَنفَعةِ المُطالَبةُ بالشُّفعةِ.
قالَ الشَّيخُ عُليشٌ ﵀: ولا شُفعةَ لشَريكٍ في كِراءٍ، فإنِ اكتَرى شَخصانِ دارًا مَثلًا ثم أكرَى أَحدُهما نَصيبَه من مَنفَعتِها فلا شُفعةَ فيه لشَريكِه على أحدِ قَولَيِ الإِمامِ مالِكٍ ﵁، وله الشُّفعةُ فيه على قَولِه الآخَرِ.
«ق» فيها لابنِ القاسِمِ إنِ اكتَرى رَجلانِ دارًا بينَهما فلأَحدِهما أنْ يُكريَ حِصَّتَه منها، مالِكٌ ﵁: لا شُفعةَ فيه لشَريكِه.
ابنُ ناجي: ما ذكَرَه من أنَّ لأَحدِهما أنْ يُكريَ حِصَّتَه لا خِلافَ فيه، وما ذكَرَه من عَدمِ الشُّفعةِ هو المَشهورُ.
وقالَ أشهَبُ وابنُ المَوَّازِ: له الشُّفعةُ.
ابنُ الحاجِبِ: وفي الثِّمارِ والكِتابةِ وإِجارةِ الأرضِ للزَّرعِ قَولانِ، المُوضِحُ لم يُرِدْ خُصوصيةَ إِجارةِ الأرضِ للزَّرعِ، بل أَرادَ كلَّ كِراءٍ، والقَولانِ لمالِكٍ ﵁، ومَذهبُ ابنِ القاسِمِ في «المُدوَّنة» سُقوطُها، وهو قَولُ عبدِ المَلكِ ومُطرِّفٍ والمُغيرةِ، وبوُجوبِها قالَ مُطرِّفٌ وأصبَغُ وأشهَبُ (١).
стр. 8224
ثانيًا: الشُّفعةُ للجارِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الجارِ، هل يَثبُتُ له حَقُّ الشُّفعةِ أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّها تَثبُتُ للشَّريكِ أولًا.
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يُشتَرطُ في الشُّفعةِ أنْ يَكونَ مَشاعًا غيرَ مَقسومٍ، فأمَّا الجارُ فلا شُفعةَ له لمَا رَواه جَابِرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵁ قالَ: «قَضى رَسولُ اللهِ ﷺ بالشُّفعةِ في كلِّ ما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ، وصُرِفت الطُّرقُ، فلا شُفعةَ» (١).
وفي لَفظٍ: «إنَّما الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ وصُرِفت الطُّرقُ فلا شُفعةَ» (٢).
ففي هذا الحَديثِ دَليلٌ على عَدمِ ثُبوتِ الشُّفعةِ للجارِ؛ لأنَّ قَولَ النَّبيِّ ﷺ : «إذا وقَعَت الحُدودُ فلا شُفعةَ»، فإنَّ الجارَ قد حدَّدَ مالَه من مالِ جارِه، ولا اشتِراكَ له معه، وهذا ضِدُّ قَولِ مَنْ قالَ بالشُّفعةِ للجارِ، وقَولُه ﷺ : «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ» يَنفي الشُّفعةَ في كلِّ مَقسومٍ.
فصَدرُ الحَديثِ إِثباتُ الشُّفعةِ في غيرِ المَقسومِ ونَفيُها في المَقسومِ؛ لأنَّ كَلمةَ «إنَّما» لإِثباتِ المَذكورِ ونَفيِ ما عَداه، وآخِرُه نَفيُ الشُّفعةِ عندَ وُقوعِ الحُدودِ وصَرفِ الطُّرقِ، والحُدودُ بينَ الجارَينِ واقِعةٌ والطُّرقُ مَصروفةٌ،
стр. 8225
فكانَت الشُّفعةُ مَنفيةً، ولأنَّ الأخذَ بالشُّفعةِ تَملُّكُ مالِ المُشتَري من غيرِ رِضاه، وعِصمةُ مِلكِه، وكَونُ التَّملُّكِ إِضرارًا يَمنعُ من ذلك، فكانَ يَنبَغي ألَّا يَثبُتَ حَقُّ الأخْذِ أَصلًا إلا أنَّا عَرَفنا ثُبوتَه فيما لم يُقسَمْ بالنَّصِّ غيرَ مَعقولِ المَعنى، فبَقيَ الأمرُ في المَقسومِ على الأصلِ، أو ثبَتَ مَعلولًا بدَفعِ ضَررٍ خاصٍّ، وهو ضَررُ القِسمةِ؛ لكَونِه ضَررًا لازِمًا لا يُمكنُ دَفعُه إلا بالشُّفعةِ، فأمَّا ضَررُ الجِوارِ فليسَ بلازِمٍ، بل هو مُمكنُ الدَّفعِ بالرَّفعِ إلى السُّلطانِ والمُقابَلةِ بنَفسِه، فلا حاجةَ إلى دَفعِه بالشُّفعةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّ الشُّفعةَ ثَبتَت في مَوضِعِ الوِفاقِ على خِلافِ الأَصلِ لمَعنًى مَعدومٍ في مَحلِّ النِّزاعِ فلا ثبَتَت فيه، وبَيانُ انتِفاءِ المَعنى هو أنَّ الشَّريكَ ربَّما دخَلَ عليه شَريكٌ فيَتأذَّى به، فتَدعوه الحاجةُ إلى مُقاسَمتِه، أو يُطالِبُ الداخِلُ بالمُقاسَمةِ فيَدخلُ الضَّررُ على الشَّريكِ بنَقصِ قيمةِ مِلكِه وما يَحتاجُ إلى إِحداثِه من المَرافقِ، وهذا لا يُوجدُ في المَقسومِ (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: ففي الحَديثِ دَليلانِ: أَحدُهما: قَولُه: «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ» فكانَ دُخولُ الألِفِ واللَّامِ مُستوعِبًا لجِنسِ الشُّفعةِ، فلم تَجِبْ في المَقسومِ شُفعةٌ.
والثانِي: قَولُه: «فإذا وقَعَت الحُدودُ فلا شُفعةَ»، فصرَّحَ بسُقوطِ الشُّفعةِ مع عَدمِ الخُلطةِ، فإنْ قيلَ: فإنَّما نَفَى الشُّفعةَ عنه بالقِسمةِ الحادِثةِ بعدَه ففيه جَوابانِ:
стр. 8226
أَحدُهما: أنَّه مَحمولٌ على عُمومِ القِسمةِ حادِثةً ومُتقدِّمةً.
والثانِي: أنَّه إنَّما نَفَى الشُّفعةَ عن المَقسومِ بما أثبَتَها في غيرِ المَقسومِ، فلمَّا أثبَتَها في غيرِ المَقسومِ بالبَيعِ دَلَّ على أنَّه نَفاها عن المَقسومِ بالبَيعِ، ورَوى أبو داودَ عن أَحمدَ بنِ حَنبَلٍ عن عبدِ الرَّزاقِ عن مَعمرٍ عن الزُّهريِّ عن أَبي سَلمةَ عن جابِرٍ ﵁ قالَ: «إنَّما جعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ الشُّفعةَ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ وصُرِفت الطُّرقُ فلا شُفعةَ» (١)، وهذا أَقوَى استِدلالًا بالوَجهَينِ المَذكورَينِ من الأولِ؛ لأنَّ في قَولِه: «إنَّما» إِثباتًا لمَا اتَّصلَ بها ونَفيًا لمَا انفَصَل عنها كقَولِه: «إنَّما الأَعمالُ بالنِّياتِ» (٢).
فإنْ قيلَ: إنَّما نَفَى الشُّفعةَ بصَرفِ الطُّرقاتِ وهي للجارِ غيرُ مَصروفةٍ.
قيلَ: الطُّرقاتُ التي تُصرَّفُ بالقِسمةِ مُختَصةٌ باستِطراقِ المَشاعِ الذي يَستطرِقُه الشَّريكُ ليَصلَ له إلى مِلكِه، فإذا وقَعَت به القِسمةُ انصرَفَ استِطراقُه من مِلكِ شَريكِه، فأمَّا غيرُه من الطُّرقاتِ المُستحَقةِ فلا تَنصرِفُ أبدًا، ورَوى ابنُ جُريجٍ عن الزُّهريِّ عن أَبي سَلمةَ أو عن أَبي سَعيدٍ أو عنهما جَميعًا عن أَبي هُرَيرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا قُسِّمتِ الأرضُ وحُدَّت فلا شُفعةَ فيها».
والدَّليلُ من طَريقِ القياسِ هو أنَّ تَمييزَ «المَبيع يَمنعُ» من وُجوبِ الشُّفعةِ فيه كاللذَينِ بينَهما طَريقٌ نافِذةٌ؛ لأنَّ المَبيعَ إذا لم يَكُنْ له حالٌ
стр. 8227
تُترقَبُ فيها المُقاسَمةُ لم تَثبُتْ فيه الشُّفعةُ قياسًا على مَشاعِ الغِراسِ والأبنيةِ، ولأنَّ أُصولَ الشَّرعِ مُقرَّرةٌ على الفَرقِ بينَ أَحكامِ المالِ المُشتَركِ والمالِ غيرِ المُشتَركِ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ أعتَقَ حِصةً له من عَبدٍ قُوِّم عليه باقيه ولا يُقوَّمُ عليه غيرُه، ولو أعتَقَ بعضَ عَبدِه عُتِق جَميعُه ولا يُعتَقُ غيرُه، ولو بدأ إِصلاحَ بعضِ حائِطِه حُكمَ بإِصلاحِ جَميعِه ولا يُحكمُ بإِصلاحِ غيرِه، فكانَت شَواهِدُ هذه الأُصولِ تُوجِبُ في الشُّفعةِ إذا ثبتَتَ في الشَّركةِ أنْ تَنتَفيَ عن غيرِ الشَّركةِ؛ لأنَّ الشُّفعةَ إنَّما وجَبَت لدَفعِ الضَّررِ بها لا لدُخولِ الضَّررِ فيها، وفي وُجوبِها للجارِ ضَررٌ داخِلٌ لتَقاعُدِه بالمالِكِ في بَدلِ النَّجشِ من الثَّمنِ؛ لتُثبتَ أنَّ غيرَه لا يُقدَّمُ على ابتِياعِها مع عِلمِه بشُفعتِه، ولا يُوجدُ مِثلُ ذلك في المُشتَركِ؛ لأنَّ الشَّريكَ يَقدِرُ على دَفعِ هذا الضَّررِ بمُقاسمةِ شَريكِه، وما كانَ مَوضوعًا لرَفعِ الضَّررِ لم يَجزْ أنْ يَدخلَ فيه الضَّررُ؛ لأنَّ استِحقاقَ الشُّفعةِ في المُشتَركِ إنَّما هو لضَررٍ لا يَقدِرُ على دَفعِه، وهو مُؤنةُ القِسمةِ، وهذا المَعنى مَعدومٌ في غيرِ المُشتَركِ (١).
وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: الشُّفعةُ بالجِوارِ لا تُستحَقُّ، خِلافًا لأَبي حَنيفةَ؛ لقَولِه ﷺ : «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ فلا شُفعةَ» ففيه ثَلاثةُ أدِلةٍ:
أحدُها: أنَّه أخبَرَ عن مَحلِّ الشُّفعةِ أنَّه فيما لم يُقسَمْ، فانتَفى بذلك وُجوبُها في غيرِه.
стр. 8228
والثانِي: دَليلُ الخِطابِ، وهو أنَّه لمَّا علَّقَها بغيرِ المَقسومِ دَلَّ على أنَّ المَقسومَ بخِلافِه.
والثالِثُ: نصُّه على سُقوطِها مع القِسمةِ.
ولأنَّه مِلكٌ مَحوزٌ بحُدودٍ، أَصلُه إذا كانَ بينَهما طَريقٌ نافِذٌ، ولأنَّ كلَّ شُفعةٍ تُستحَقُّ بالشَّركةِ فإنَّها تَسقطُ مع القِسمةِ، أصلُه الدارُ تَكونُ بينَ ثَلاثةٍ، فإنَّ لكلِّ واحِدٍ منهم الشُّفعةَ فيما يَبيعُ شَريكُه، فإذا قَسَّموها وجُعلَ بابُ أحدِهم في الوَسطِ، وبابُ كلِّ واحِدٍ من الآخَرينَ في الطَّرفِ، ثم باعَ صاحِبُ الطَّرفِ، فإنَّ الشُّفعةَ لصاحِبِ الوَسطِ، ولا يَكونُ لصاحِبِ الطَّرفِ الآخَرِ شُفعةٌ فيما يَبيعُه صاحِبُ الطَّرفِ الآخَرِ، وقد كانَت له شُفعتُه في هذا المَبيعِ قبلَ القِسمةِ، وإنَّما سقَطَت بالقِسمةِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والإِمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيمِ إلى أنَّ الشُّفعةَ تَثبُتُ للجارِ، وذلك لمَا رُويَ عن النَّبيِّ
стр. 8229
ﷺ أنَّه قالَ: «الجارُ أحَقُّ بشُفعةِ جارِه، يُنتظَرُ بها، وإنْ كانَ غائِبًا، إذا كانَ طَريقُهما واحِدًا» (١)، وهذا نَصٌّ في البابِ.
وعنِ ابنِ عَباسٍ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ كانَت له أرضٌ، فأَرادَ بَيعَها فليَعرِضْها على جارِه» (٢).
وعن سَمُرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «جارُ الدارِ أحَقُّ بدارِ الجارِ أو الأرضِ» (٣).
ولأنَّه مُتصلٌ بالبَيعِ فجازَ أنْ تُستحَقَّ به الشُّفعةُ كالخُلطةِ، ولأنَّ الشُّفعةَ إنَّما وجَبَت تَخوُّفًا من سُوءِ عِشرةِ الداخِلِ عليه، وهذا قد يُوجدُ في الدارِ كوُجودِه في الخَليطِ، فاقتَضَى أنْ تَجبَ الشُّفعةُ للجارِ كوُجوبِها للخَليطِ.
ولأنَّ حَقَّ الأَصيلِ -وهو الجارُ- أسبَقُ من حَقِّ الدَّخيلِ، وكلُّ مَعنًى اقتَضى ثُبوتَ الشُّفعةِ للشَّريكِ فمِثلُه في حَقِّ الجارِ، فإنَّ الناسَ يَتفاوَتونَ في الجِوارِ تَفاوُتًا فاحِشًا، ويَتأذَّى بَعضُهم ببَعضٍ، ويَقعُ بينَهم من العَداوةِ ما هو مَعهودٌ، والضَّررُ بذلك دائِمٌ مُتأبِّدٌ، ولا يَندفِعُ ذلك إلا برِضا الجارِ، إنْ شاءَ أقَرَّ الدَّخيلَ على جِوارِه له وإنْ شاءَ انتزَعَ المِلكَ بثَمنِه واستَراحَ من مُؤنةِ المُجاورةِ ومَفسَدتِها.
стр. 8230
وإذا كانَ الجارُ يَخافُ التأذِّيَ بالمُجاورةِ على وَجهِ اللُّزومِ كانَ كالشَّريكِ يَخافُ التأذيَ بشَريكِه على وَجهِ اللُّزومِ (١).
ورُويَ عن أبي رافِعٍ: أنَّ سَعدًا ساوَمَه بَيتًا بأربَعمِئةِ مِثقالٍ، فقالَ: لولا أنِّي سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «الجارُ أحَقُّ بصَقبِه» لمَا أعطَيتُك (٢).
وعن إِبراهيمَ بنِ مَيسَرةَ قالَ: سمِعتُ عَمرَو بنَ الشَّريدِ قالَ: جاءَ المِسورُ بنُ مَخرَمةَ فوضَعَ يَدَه على مَنكِبي، فانطَلَقت معه إلى سَعدٍ فقالَ أَبو رافِعٍ للمِسورِ: ألَا تأمُرُ هذا أنْ يَشتَريَ مني بَيتي الذي في داري؟ فقالَ: لا أَزيدُه على أربَعِمِئةٍ، إمَّا مُقطَّعةً وإمَّا مُنجَّمةً. قالَ: أُعطيتُ خَمسَمِئةٍ نَقدًا. فمنَعتُه، ولولا أنِّي سمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «الجارُ أحَقُّ بصَقَبِه» ما بِعتُكَه أو قالَ: ما أعطَيتُكَه (٣)، والصَّقبُ المُلاصِقُ، أي: أحَقُّ بما يَليه وبما يَقرُبُ منه، ورُويَ: «الجارُ أحَقُّ بشُفعتِه»، وهذا نَصٌّ في البابِ.
ففي هذا دَليلٌ على أنَّ مَنْ أرادَ بَيعَ مِلكِه فإنَّه يَنبَغي له أنْ يَعرضَه على جارِه لمُراعاةِ حَقِّ المُجاوَرةِ، قالَ ﷺ : «ما زالَ جِبريلُ يُوصيني بالجارِ حتى ظنَنتُ أنَّه سيُورِّثُه»، ولأنَّه أقرَبُ إلى حُسنِ العِشرةِ والتَّحرُّزِ عن الخُصومةِ والمُنازعةِ، فلهذا فعَلَه سَعدٌ ﵁ وحَطَّ عنه من الثَّمنِ لتَحقيقِ هذا المَعنى.