← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

أَحدُهما: أنَّه مَحمولٌ على عُمومِ القِسمةِ حادِثةً ومُتقدِّمةً. والثانِي: أنَّه إنَّما نَفَى الشُّفعةَ عن المَقسومِ بما أثبَتَها في غيرِ المَقسومِ، فلمَّا أثبَتَها في غيرِ المَقسومِ بالبَيعِ دَلَّ على أنَّه نَفاها عن المَقسومِ بالبَيعِ، ورَوى أبو داودَ عن أَحمدَ بنِ حَنبَلٍ عن عبدِ الرَّزاقِ عن مَعمرٍ عن الزُّهريِّ عن أَبي سَلمةَ عن جابِرٍ ﵁ قالَ: «إنَّما جعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ الشُّفعةَ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ وصُرِفت الطُّرقُ فلا شُفعةَ» (١)، وهذا أَقوَى استِدلالًا بالوَجهَينِ المَذكورَينِ من الأولِ؛ لأنَّ في قَولِه: «إنَّما» إِثباتًا لمَا اتَّصلَ بها ونَفيًا لمَا انفَصَل عنها كقَولِه: «إنَّما الأَعمالُ بالنِّياتِ» (٢). فإنْ قيلَ: إنَّما نَفَى الشُّفعةَ بصَرفِ الطُّرقاتِ وهي للجارِ غيرُ مَصروفةٍ. قيلَ: الطُّرقاتُ التي تُصرَّفُ بالقِسمةِ مُختَصةٌ باستِطراقِ المَشاعِ الذي يَستطرِقُه الشَّريكُ ليَصلَ له إلى مِلكِه، فإذا وقَعَت به القِسمةُ انصرَفَ استِطراقُه من مِلكِ شَريكِه، فأمَّا غيرُه من الطُّرقاتِ المُستحَقةِ فلا تَنصرِفُ أبدًا، ورَوى ابنُ جُريجٍ عن الزُّهريِّ عن أَبي سَلمةَ أو عن أَبي سَعيدٍ أو عنهما جَميعًا عن أَبي هُرَيرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا قُسِّمتِ الأرضُ وحُدَّت فلا شُفعةَ فيها». والدَّليلُ من طَريقِ القياسِ هو أنَّ تَمييزَ «المَبيع يَمنعُ» من وُجوبِ الشُّفعةِ فيه كاللذَينِ بينَهما طَريقٌ نافِذةٌ؛ لأنَّ المَبيعَ إذا لم يَكُنْ له حالٌ

стр. 8227

تُترقَبُ فيها المُقاسَمةُ لم تَثبُتْ فيه الشُّفعةُ قياسًا على مَشاعِ الغِراسِ والأبنيةِ، ولأنَّ أُصولَ الشَّرعِ مُقرَّرةٌ على الفَرقِ بينَ أَحكامِ المالِ المُشتَركِ والمالِ غيرِ المُشتَركِ، ألَا تَرى أنَّ مَنْ أعتَقَ حِصةً له من عَبدٍ قُوِّم عليه باقيه ولا يُقوَّمُ عليه غيرُه، ولو أعتَقَ بعضَ عَبدِه عُتِق جَميعُه ولا يُعتَقُ غيرُه، ولو بدأ إِصلاحَ بعضِ حائِطِه حُكمَ بإِصلاحِ جَميعِه ولا يُحكمُ بإِصلاحِ غيرِه، فكانَت شَواهِدُ هذه الأُصولِ تُوجِبُ في الشُّفعةِ إذا ثبتَتَ في الشَّركةِ أنْ تَنتَفيَ عن غيرِ الشَّركةِ؛ لأنَّ الشُّفعةَ إنَّما وجَبَت لدَفعِ الضَّررِ بها لا لدُخولِ الضَّررِ فيها، وفي وُجوبِها للجارِ ضَررٌ داخِلٌ لتَقاعُدِه بالمالِكِ في بَدلِ النَّجشِ من الثَّمنِ؛ لتُثبتَ أنَّ غيرَه لا يُقدَّمُ على ابتِياعِها مع عِلمِه بشُفعتِه، ولا يُوجدُ مِثلُ ذلك في المُشتَركِ؛ لأنَّ الشَّريكَ يَقدِرُ على دَفعِ هذا الضَّررِ بمُقاسمةِ شَريكِه، وما كانَ مَوضوعًا لرَفعِ الضَّررِ لم يَجزْ أنْ يَدخلَ فيه الضَّررُ؛ لأنَّ استِحقاقَ الشُّفعةِ في المُشتَركِ إنَّما هو لضَررٍ لا يَقدِرُ على دَفعِه، وهو مُؤنةُ القِسمةِ، وهذا المَعنى مَعدومٌ في غيرِ المُشتَركِ (١). وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: الشُّفعةُ بالجِوارِ لا تُستحَقُّ، خِلافًا لأَبي حَنيفةَ؛ لقَولِه ﷺ : «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ فلا شُفعةَ» ففيه ثَلاثةُ أدِلةٍ: أحدُها: أنَّه أخبَرَ عن مَحلِّ الشُّفعةِ أنَّه فيما لم يُقسَمْ، فانتَفى بذلك وُجوبُها في غيرِه.

стр. 8228

والثانِي: دَليلُ الخِطابِ، وهو أنَّه لمَّا علَّقَها بغيرِ المَقسومِ دَلَّ على أنَّ المَقسومَ بخِلافِه. والثالِثُ: نصُّه على سُقوطِها مع القِسمةِ. ولأنَّه مِلكٌ مَحوزٌ بحُدودٍ، أَصلُه إذا كانَ بينَهما طَريقٌ نافِذٌ، ولأنَّ كلَّ شُفعةٍ تُستحَقُّ بالشَّركةِ فإنَّها تَسقطُ مع القِسمةِ، أصلُه الدارُ تَكونُ بينَ ثَلاثةٍ، فإنَّ لكلِّ واحِدٍ منهم الشُّفعةَ فيما يَبيعُ شَريكُه، فإذا قَسَّموها وجُعلَ بابُ أحدِهم في الوَسطِ، وبابُ كلِّ واحِدٍ من الآخَرينَ في الطَّرفِ، ثم باعَ صاحِبُ الطَّرفِ، فإنَّ الشُّفعةَ لصاحِبِ الوَسطِ، ولا يَكونُ لصاحِبِ الطَّرفِ الآخَرِ شُفعةٌ فيما يَبيعُه صاحِبُ الطَّرفِ الآخَرِ، وقد كانَت له شُفعتُه في هذا المَبيعِ قبلَ القِسمةِ، وإنَّما سقَطَت بالقِسمةِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والإِمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ وهو اختيارُ شَيخِ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيمِ إلى أنَّ الشُّفعةَ تَثبُتُ للجارِ، وذلك لمَا رُويَ عن النَّبيِّ

стр. 8229

ﷺ أنَّه قالَ: «الجارُ أحَقُّ بشُفعةِ جارِه، يُنتظَرُ بها، وإنْ كانَ غائِبًا، إذا كانَ طَريقُهما واحِدًا» (١)، وهذا نَصٌّ في البابِ. وعنِ ابنِ عَباسٍ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ كانَت له أرضٌ، فأَرادَ بَيعَها فليَعرِضْها على جارِه» (٢). وعن سَمُرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «جارُ الدارِ أحَقُّ بدارِ الجارِ أو الأرضِ» (٣). ولأنَّه مُتصلٌ بالبَيعِ فجازَ أنْ تُستحَقَّ به الشُّفعةُ كالخُلطةِ، ولأنَّ الشُّفعةَ إنَّما وجَبَت تَخوُّفًا من سُوءِ عِشرةِ الداخِلِ عليه، وهذا قد يُوجدُ في الدارِ كوُجودِه في الخَليطِ، فاقتَضَى أنْ تَجبَ الشُّفعةُ للجارِ كوُجوبِها للخَليطِ. ولأنَّ حَقَّ الأَصيلِ -وهو الجارُ- أسبَقُ من حَقِّ الدَّخيلِ، وكلُّ مَعنًى اقتَضى ثُبوتَ الشُّفعةِ للشَّريكِ فمِثلُه في حَقِّ الجارِ، فإنَّ الناسَ يَتفاوَتونَ في الجِوارِ تَفاوُتًا فاحِشًا، ويَتأذَّى بَعضُهم ببَعضٍ، ويَقعُ بينَهم من العَداوةِ ما هو مَعهودٌ، والضَّررُ بذلك دائِمٌ مُتأبِّدٌ، ولا يَندفِعُ ذلك إلا برِضا الجارِ، إنْ شاءَ أقَرَّ الدَّخيلَ على جِوارِه له وإنْ شاءَ انتزَعَ المِلكَ بثَمنِه واستَراحَ من مُؤنةِ المُجاورةِ ومَفسَدتِها.

стр. 8230

وإذا كانَ الجارُ يَخافُ التأذِّيَ بالمُجاورةِ على وَجهِ اللُّزومِ كانَ كالشَّريكِ يَخافُ التأذيَ بشَريكِه على وَجهِ اللُّزومِ (١). ورُويَ عن أبي رافِعٍ: أنَّ سَعدًا ساوَمَه بَيتًا بأربَعمِئةِ مِثقالٍ، فقالَ: لولا أنِّي سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «الجارُ أحَقُّ بصَقبِه» لمَا أعطَيتُك (٢). وعن إِبراهيمَ بنِ مَيسَرةَ قالَ: سمِعتُ عَمرَو بنَ الشَّريدِ قالَ: جاءَ المِسورُ بنُ مَخرَمةَ فوضَعَ يَدَه على مَنكِبي، فانطَلَقت معه إلى سَعدٍ فقالَ أَبو رافِعٍ للمِسورِ: ألَا تأمُرُ هذا أنْ يَشتَريَ مني بَيتي الذي في داري؟ فقالَ: لا أَزيدُه على أربَعِمِئةٍ، إمَّا مُقطَّعةً وإمَّا مُنجَّمةً. قالَ: أُعطيتُ خَمسَمِئةٍ نَقدًا. فمنَعتُه، ولولا أنِّي سمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «الجارُ أحَقُّ بصَقَبِه» ما بِعتُكَه أو قالَ: ما أعطَيتُكَه (٣)، والصَّقبُ المُلاصِقُ، أي: أحَقُّ بما يَليه وبما يَقرُبُ منه، ورُويَ: «الجارُ أحَقُّ بشُفعتِه»، وهذا نَصٌّ في البابِ. ففي هذا دَليلٌ على أنَّ مَنْ أرادَ بَيعَ مِلكِه فإنَّه يَنبَغي له أنْ يَعرضَه على جارِه لمُراعاةِ حَقِّ المُجاوَرةِ، قالَ ﷺ : «ما زالَ جِبريلُ يُوصيني بالجارِ حتى ظنَنتُ أنَّه سيُورِّثُه»، ولأنَّه أقرَبُ إلى حُسنِ العِشرةِ والتَّحرُّزِ عن الخُصومةِ والمُنازعةِ، فلهذا فعَلَه سَعدٌ ﵁ وحَطَّ عنه من الثَّمنِ لتَحقيقِ هذا المَعنى.

стр. 8231

ولأنَّ حَقَّ الشُّفعةِ بسَببِ الشَّركةِ إنَّما يَثبُتُ لدَفعِ أذَى الدَّخيلِ وضَررِه، وذلك مُتوقَّعُ الوُجودِ عندَ المُجاوَرةِ، فوُرودُ الشَّرعِ هناك يَكونُ وُرودًا هنا دِلالةً، وتَعليلُ النَّصِّ بضَررِ القِسمةِ غيرُ سَديدٍ؛ لأنَّ القِسمةَ ليسَت بضَررٍ، بل هي تَكميلُ مَنافعِ المِلكِ، وهي ضَررٌ غيرُ واجِبِ الدَّفعِ؛ لأنَّ القِسمةَ مَشروعةٌ، ولهذا لم تَجِبِ الشُّفعةُ بسَببِ الشَّركةِ في العُروضِ دَفعًا لضَررِ القِسمةِ. وأمَّا قَولُهم: يُمكِنُ دَفعُ الضَّررِ بالمُقابَلةِ بنَفسِه والمُرافعةِ إلى السُّلطانِ فنَقولُ: وقد لا يَندفِعُ بذلك، ولو اندفَعَ فالمُقابَلةُ والمُرافَعةُ في نَفسِها ضَررٌ، وضَررُ الجارِ السَّوءِ يَكثُرُ وُجودُه في كلِّ ساعةٍ فيَبقَى في ضَررٍ دائِمٍ. وأمَّا الحَديثُ فليسَ في صَدرِه نَفيُ الشُّفعةِ عن المَقسومِ؛ لأنَّ كَلمةَ «إنَّما» لا تَقتَضي نَفيَ غيرِ المَذكورِ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت: ٦]، وهذا لا يَنفي أنْ يَكونَ غيرُه ﵊ بَشرًا مِثلَه، وآخِرُه حُجةٌ عليه؛ لأنَّه علَّقَ ﵊ سُقوطَ الشُّفعةِ بشَرطَينِ، هما: وُقوعُ الحُدودِ وصَرفُ الطُّرقِ، والمُعلَّقُ بشَرطَينِ لا يُتركُ عندَ وُجودِ أَحدِهما، وعندَه يَسقطُ بشَرطٍ واحِدٍ وهو وُقوعُ الحُدودِ وإنْ لم تُصرَّفِ الطُّرقُ، ثم هو مُؤوَّلٌ، وتأويلُه: فإذا وقَعَت الحُدودُ فتَبايَنَت وصُرِفت الطُّرقُ فتَباعَدَت فلا شُفعةَ، أو لا شُفعةَ مع وُجودِ مَنْ لم يَنفصِلْ حَدُّه وطَريقُه، فلا شُفعةَ بالقِسمةِ كما لا شُفعةَ بالرَّدِّ بخِيارِ الرُّؤيةِ؛ لأنَّ في القِسمةِ مَعنى المُبادلةِ، فكانَ هذا مَوضعَ الإِشكالِ، فأخبَرَ أنَّه لا شُفعةَ ليَزولَ الإِشكالُ (١).

стр. 8232

وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: والقِياسُ الصَّحيحُ يَقتَضي هذا القَولَ، فإنَّ الاشتِراكَ في حُقوقِ المِلكِ شَقيقُ الاشتِراكِ في المِلكِ، والضَّررُ الحاصِلُ بالشَّركةِ فيها كالضَّررِ الحاصِلِ بالشَّركةِ في المِلكِ أو أقرَبُ إليه، ورَفعُه مَصلحةٌ للشَّريكِ من غيرِ مَضرةٍ على البائِعِ ولا على المُشتَري، فالمَعنى الذي وجَبَت لأجلِه شُفعةُ الخُلطةِ في المِلكِ مَوجودٌ في الخُلطةِ في حُقوقِه، فهذا المَذهبُ أوسَطُ المَذاهبِ وأجمَعُها للأدَلةِ وأقرَبُها إلى العَدلِ. ومَن تأمَّلَ أَحاديثَ شُفعةِ الجِوارِ رآها صَريحةً في ذلك، وتبيَّنَ له بُطلانُ حَملِها على الشَّريكِ وعلى حَقِّ الجِوارِ غيرِ الشُّفعةِ، وباللهِ التَّوفيقُ (١). شُروطُ الشُّفعةِ بالجِوارِ وتَرتيبُ المُستَحقِّينَ في وُجوبِ الشُّفعةِ: الحَنفيةُ كما تقدَّمَ يَرَوْن أنَّ الجِوارَ سَببٌ للشُّفعةِ، إلا أنَّهم لم يأخُذوا بالجِوارِ على عُمومِه، فليسَ كلُّ جارٍ يَستحِقُّ الشُّفعةَ، وتَرتيبُ المُستحِقِّينَ للجِوارِ كما يَلي: الشُّفعةُ يَستحِقُّها الخَليطُ -الشَّريكُ- في المَبيعِ نَفسِه، وهو الذي لم يُقاسِمْ؛ لأنَّ الاتِّصالَ بالشَّركةِ أَقوَى؛ لأنَّه في كلِّ جُزءٍ. ثم للخَليطِ، وهو الشَّريكُ الذي قاسَمَ وبَقيَت له شَركةٌ في حَقٍّ من حُقوقِ المَبيعِ كالشِّربِ، وهو النَّصيبُ من الماءِ، ومن الطَّريقِ، وليس للجارِ شُفعةٌ معه؛ لأنَّه شَريكٌ في المَرافقِ، ولأنَّه أخَصُّ بالضَّررِ من الجارِ. فإنْ سلَّمَ الشَّريكُ في حَقِّ المَبيعِ أخَذَها الجارُ المُلاصِقُ، وهو الذي له

стр. 8233

حائِطٌ وللآخَرِ حائِطٌ ليسَ بينَ الحائِطَينِ مَمرٌّ لضِيقِ التِصاقِ الحائِطَينِ، حتى لو كانَ بينَهما طَريقٌ نافِذٌ فلا شُفعةَ للجارِ. والجارُ المُلاصِقُ يَكونُ أيضًا على وَجهَينِ: ١ - يَكونُ بتَلاصُقِ ظَهرِ العَقارِ المَشفوعِ بظَهرِ العَقارِ المَشفوعِ به، ففي هذه الحالِ يَكونُ بابُ العَقارِ المَشفوعِ به على سِكةٍ أُخرى، سَواءٌ أكانَت السِّكةُ الأُخرى نافِذةً أو لم تَكُنْ كذلك. ٢ - يَكونُ بتَلاصُقِ الجَنبِ، يَعني بتَلاصُقِ الطَّرفِ اليَمينِ أو اليَسارِ، وذلك يَكونُ بابَ العَقارِ المَشفوعِ به، ويَكونُ بابُ العَقارِ المَشفوعِ على الطَّريقِ العامِّ، أمَّا إذا كانَ بابُ العَقارِ على طَريقٍ خاصٍّ كانَ كلٌّ منهما خَليطًا للآخَرِ في حَقِّ المَبيعِ، وكانَ جَميعُ أهلِ السِّكةِ شُفعاءَ، سَواءٌ أكانَ مُقابِلًا أو مُلاصِقًا، ويَظهَرُ من ذِكرِ (مُلاصِقٍ) مُطلَقًا، أنَّ المُلاصِقَ ولو بشِبْرٍ واحِدٍ من جِهةٍ واحِدةٍ يَشتَركُ مع المُلاصِقِ من ثَلاثِ جِهاتٍ في حَقِّ الشُّفعةِ، وكما أنَّ المُتصِلَ اتِّصالًا أَزيدَ من غيرِه لا يَحرِمُ الآخَرَ من الشُّفعةِ فليسَ له أنْ يأخُذَ حِصةً أزيَدَ من المَشفوعِ. أمَّا إذا كانَ مُحاذيًا وبينَهما طَريقٌ نافِذٌ فلا شُفعةَ له، وإنْ قرُبَت الأَبوابُ؛ لأنَّ الطَّريقَ الفارِقةَ بينَهما تُزيلُ الضَّررَ، فالمُعتبَرُ في الشُّفعةِ هو القُربُ واتِّصالُ أحدِ المِلكَينِ بالآخَرِ، وذلك في الجارِ المُلاصِقِ دونَ الجارِ المُحاذِي، فإنَّ بينَ المِلكَينِ طَريقًا نافِذًا وهو يُزيلُ الضَّررَ. وكذا لا تَثبُتُ للجارِ المُقابِلِ ولو كانَ البابُ قَريبًا من البابِ جِدًّا؛

стр. 8234

لأنَّ الطَّريقَ العامَّ يُزيلُ الضَّررَ؛ لأنَّ سُوءَ المُجاوَرةِ لا يَتحقَّقُ إذا لم يَكُنْ مِلكُ أَحدِهما مُتصِلًا بمِلكِ الآخَرِ، ولا شَركةَ بينَهما في حُقوقِ المِلكِ. وحَقُّ الأخذِ بالشُّفعةِ يَثبُتُ للجارِ المُلاصِقِ ليَترفَّقَ به من حيثُ تَوسُّعُ المِلكِ والمَرافقِ، وهذا في الجارِ المُلاصِقِ يَتحقَّقُ لإِمكانِ جَعلِ إِحدى الدارَينِ من مَرافقِ الدارِ الأُخرى، ولا يَتحقَّقُ ذلك في الجارِ المُقابِلِ؛ لعَدمِ إِمكانِ جَعلِ إِحدى الدارَينِ من مَرافقِ الدارِ الأُخرى بطَريقٍ نافِذٍ بينَهما. لكنْ تَثبُتُ الشُّفعةُ للجارِ المُقابِلِ في الطَّريقِ الخاصِّ إذا كانَت الدُّورُ كلُّها في سِكةٍ غيرِ نافِذةٍ، تَثبُتُ الشُّفعةُ للكلِّ ليسَ لأنَّه مُقابِلٌ بل لأنَّه خَليطٌ، ولإِمكانِ جَعلِ بعضِها من مَرافِقِ بعضٍ، بأنْ تُجعَلَ الدُّورُ كلُّها دارًا واحِدةً. ثم لا بدَّ أنْ يَكونَ الطَّريقُ أو الشِّربُ خاصًّا حتى يَستحِقَّ الشُّفعةَ بالشَّركةِ؛ فالطَّريقُ الخاصُّ: ألَّا يَكونَ نافِذًا، والشِّربُ الخاصُّ: ألَّا يَكونَ تَجري فيه السُّفنُ، وما تَجري فيه السُّفنُ فهو عامٌّ، وهذا عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، وعن أَبي يُوسفَ: الخاصُّ أنْ يَكونَ نَهرًا ما يَسقي منه قَراحانِ أو ثَلاثةٌ، وما زادَ على ذلك فهو عامٌّ، فإنْ كانَت هناك سِكةٌ غيرُ نافِذةٍ يَتشعَّبُ منها سِكةٌ غيرُ نافِذةٍ وهي مُستطيلةٌ فبِيعَت دارٌ في السُّفلَى فلأهلِها الشُّفعةُ خاصةً دونَ أهلِ العُليا، وإنْ بِيعَت في العُليا فلأهلِ السِّكتَينِ، ولو كانَ هناك نَهرٌ صَغيرٌ يأخُذُ منه نَهرٌ أصغَرُ منه فهو على قياسِ الطَّريقِ. اه. لكنْ قالَ شَيخُنا: وعامَّةُ المَشايخِ على أنَّ الشُّركاءَ في النَّهرِ إنْ كانوا يُحصَونَ فصَغيرٌ، وإلا فكَبيرٌ (١).

стр. 8235

ثالِثًا: الشُّفعةُ في العُلوِّ والسُّفلِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَت هناك بُيوتٌ في عِمارةٍ مَثلًا، أو بَيتٌ فيه أسفَلُ وأَعلى، وأَرادَ أَحدُهما أنْ يَبيعَ بَيتَه، فهل لصاحِبِ العُلوِّ أو السُّفلِ منها حَقُّ الشُّفعةِ أو لا؟ قالَ الحَنفيةُ: إذا كانَ سُفلٌ لرَجلٍ وفَوقَه عُلوٌّ لغيرِه فباعَ صاحِبُ السُّفلِ سُفلَه فلصاحِبِ العُلوِّ الشُّفعةُ، ولو باعَ صاحِبُ العُلوِّ عُلوَّه فلصاحِبِ السُّفلِ الشُّفعةُ، فبعدَ ذلك إنْ كانَ طَريقُ العُلوِّ في السُّفلِ كانَ حَقُّ الشُّفعةِ بسَببِ الشَّركةِ في الطَّريقِ، وإنْ كانَ طَريقُ العُلوِّ في السِّكةِ العُظمى كانَ حَقُّ الشُّفعةِ بسَببِ الجِوارِ؛ إذِ الجِوارُ إنَّما يُعرَفُ بالاتِّصالِ، والاتِّصالُ بينَ المِلكَينِ ثابِتٌ. فإنْ لم يأخُذْ صاحِبُ العُلوِّ السُّفلَ بالشُّفعةِ حتى انهَدَم العُلوُّ، فعَلى قَولِ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ: تَبطُلُ شُفعتُه، وعلى قَولِ مُحمدٍ: لا تَبطُلُ. فوَجهُ قَولِ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ: أنَّ الشُّفعةَ ههنا إنَّما تَثبُتُ بالجِوارِ وإنَّما يُعرفُ بالاتِّصالِ، وقد زالَ الاتِّصالُ قبلَ قَبضِ الأخذِ بالشُّفعةِ فزالَ الجِوارُ، فتَبطلُ شُفعتُه، كما لو باعَ الدارَ التي يَستحِقُّ بها الشُّفعةَ قبلَ الأخذِ بالشُّفعةِ.

стр. 8236

وَجهُ قَولِ مُحمدٍ: أنَّ استِحقاقَ الأخذِ بالشُّفعةِ ههنا بسَببِ قَرارِ البِناءِ، لا بسَببِ عَينِ البِناءِ؛ لأنَّ البِناءَ مَنقولٌ، والشُّفعةُ لا تُستحَقُّ بالمَنقولِ، وحَقُّ القَرارِ ههنا باقٍ، فما يُستحَقُّ به الشُّفعةُ باقٍ. ولو بِيعَ السُّفلُ والعُلوُّ مُتهدِّمٌ فعلى قَولِ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ: لا شُفعةَ لصاحِبِ العُلوِّ بِناءً على أنَّ عندَه حَقَّ الشُّفعةِ له بسَببِ البِناءِ. وعلى قَولِ مُحمدٍ: له الشُّفعةُ؛ لأنَّ عندَه حَقَّ الشُّفعةِ له بسَببِ قَرارِ البِناءِ لا بسَببِ البِناءِ نَفسِه، وحَقُّ قَرارِ العُلوِّ باقٍ في البابِ الأولِ. وإنْ كانَ السُّفلُ لرَجلٍ وعُلوُّه لآخَرَ فبِيعَت دارٌ بجَنبِها فالشُّفعةُ لهما، فإنِ انهَدَمت الدارُ قبلَ أخذِ الشُّفعةِ فالشُّفعةُ لصاحِبِ السُّفلِ عندَ أَبي يُوسفَ ﵀ تَعالى؛ لقيامِ ما يُستحَقُّ به الشُّفعةُ وهو الأرضُ، ولا شُفعةَ لصاحِبِ العُلوِّ؛ لزَوالِ ما كانَ يُستحَقُّ به الشُّفعةُ. وقالَ مُحمدٌ ﵀ تَعالى: الشُّفعةُ لهما؛ لأنَّ حَقَّه قائِمٌ أيضًا، فإنَّه يَبني العُلوَّ إذا بَنى صاحِبُ السُّفلِ سُفلَه، وله أنْ يَبنيَ السُّفلَ بنَفسِه ثم يَبنيَ عليه العُلوَّ، ويَمنعَ صاحِبَ السُّفلِ عن الانتِفاعِ حتى يُعطيَه حَقَّه. ولو كانَ سُفلٌ بينَ رَجلَينِ عليه عُلوٌّ لأَحدِهما مُشتَركٌ بينَه وبينَ آخَرَ فباعَ هو السُّفلَ والعُلوَّ كانَ العُلوُّ لشَريكِه في العُلوِّ والسُّفلِ لشَريكِه في السُّفلِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما شَريكٌ في المَبيعِ نَفسِه في حَقِّه، وجارٌ في حَقِّ الآخَرِ، أو شَريكٌ في الحَقِّ إذا كانَ طَريقُهما واحِدًا.

стр. 8237

ولا شُفعةَ لشَريكِه في السُّفلِ في العُلوِّ، ولا لشَريكِه في العُلوِّ في السُّفلِ؛ لأنَّ شَريكَه في السُّفلِ جارُ العُلوِّ، وشَريكُه في حُقوقِ العُلوِّ، وإنْ كانَ طَريقُ العُلوِّ فيه ليسَ بشَريكٍ له في العُلوِّ، والشَّريكُ في عَينِ البُقعةِ أو ما هو في مَعنى البُقعةِ مُقدَّمٌ على الجارِ والشَّريكِ في الحُقوقِ، وشَريكُه في العُلوِّ جارٌ للسُّفلِ أو شَريكُه في الحُقوقِ إذا كانَ طَريقُ العُلوِّ في تلك الدارِ، ولا شَركةَ له في عَينِ البُقعةِ، فكانَ الشَّريكُ في عَينِ البُقعةِ أَولى (١). وقالَ المالِكيةُ: لا شُفعةَ لمَن له حِملٌ على جِدارٍ إذا بِيعَ؛ لأنَّه غيرُ شَريكٍ، ولا لصاحِبِ عُلوٍّ على سُفلٍ، ولا لصاحِبِ سُفلٍ على عُلوٍّ لعَدمِ الشَّركةِ. فإذا باعَ أحدُ شُركاءِ العُلوِّ والسَّقفِ لصاحِبِ السُّفلِ فلا شُفعةَ؛ لأنَّه بِناءٌ مُجدَّدٌ، وإنْ كانَ السَّقفُ للعُلوِّ فلا شُفعةَ لصاحِبِ السُّفلِ؛ لأنَّه مُجاوِرٌ لا شَريكٌ. وهل لشُركاءِ العُلوِّ الشُّفعةُ لأنَّ السَّقفَ على مِلكِهم أو لا تَثبُتُ لأنَّه ليس أرضًا؟ وَجهانِ لهم (٢). وقالَ الشافِعيةُ: لا شُفعةَ في عُلوٍّ بلا سُفلٍ ثابِتٍ كانَ باعَ شِقصًا من غُرفةٍ مَبنيةٍ على سَقفٍ لهما أو لأَحدِهما أو لغَيرِهما؛ إذْ لا قَرارَ له فهي كالمَنقولاتِ.

стр. 8238

ولو كانَ السُّفلُ مُشتَركًا بينَ اثنَينِ والعُلوُّ لأَحدِهما فباعَ صاحِبُ العُلوِّ عُلوَّه مع نَصيبِه من السُّفلِ فالشُّفعةُ ثابِتةٌ في نَصيبِه من السُّفلِ فقط، لا في العُلوِّ؛ لأنَّ العُلوَّ لا شَركةَ فيه، ولا حَقَّ للشَّفيعِ فيه. وكذا لو اشتَرَكا في أرضٍ فيها شَجرٌ لأَحدِهما فباعَه مع نَصيبِه منها، فالشُّفعةُ ثابِتةٌ في الأرضِ بحِصتِها من الثَّمنِ لا في الشَّجرِ لذلك (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إنْ بِيعَت حِصةٌ من عُلوِّ دارٍ مُشتَركٍ -أي: العُلوِّ- وكانَ السَّقفُ الذي تحتَه لصاحِبِ السُّفلِ وَحدَه أو كانَ السَّقفُ لهما -أي: لصاحِبِ السُّفلِ والعُلوِّ- أو كانَ السَّقفُ لصاحِبِ العُلوِّ فلا شُفعةَ في العُلوِّ؛ لأنَّه بِناءٌ مُفردٌ، ولا شُفعةَ أيضًا في السَّقفِ؛ لأنَّه لا أرضَ له فهو كالأَبنيةِ المُفرَدةِ. قالَ ابنُ قُدامةَ: ويَحتمِلُ ثُبوتَ الشُّفعةِ؛ لأنَّ له قَرارًا فهو كالسُّفلِ. وإنْ كانَ السُّفلُ مُشتَركًا بينَ اثنَينِ فأكثَرَ وكانَ العُلوُّ خالِصًا لأحدِ الشَّريكَينِ فباعَ رَبُّ العُلوِّ نَصيبَه من السُّفلِ فللشَّريكِ الشُّفعةُ في السُّفلِ فقط دونَ العُلوِّ؛ لعَدمِ الشَّركةِ فيه (٢).

стр. 8239

رابِعًا: الشُّفعةُ في العُروضِ والمَنقولِ والحَيوانِ: ذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الشُّفعةَ لا تَثبتُ في العُروضِ كالمَنقولِ والحَيوانِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا شُفعةَ إلا في رَبعٍ أو حائِطٍ» ولأنَّ الشُّفعةَ إنَّما وجَبَت لدَفعِ ضَررِ سُوءِ الجِوارِ على الدَّوامِ، والمِلكُ في المَنقولِ لا يَدومُ حسَبَ دَوامِه في العَقارِ، فلا يَلحَقُ به، فإذا كانَ هناك عَرضٌ أو طَعامٌ أو حَيوانٌ بينَ اثنَينِ باعَ أَحدُهما حِصَّتَه لأجنَبيٍّ فإنَّ البَيعَ يَمضي للأجنَبيِّ، وليسَ للشَّريكِ أنْ يأخُذَ منه بالشُّفعةِ؛ إذْ لا شُفعةَ له فيه (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: واختَلَفوا في الشُّفعةِ في العُروضِ والحَيوانِ. فقالَ أكثَرُ أهلِ العِلمِ: لا شُفعةَ فيه. هذا قَولُ عَطاءٍ، والحَسنِ البَصريِّ، وبه قالَ مالِكٌ، والثَّوريُّ، والأَوزاعيُّ، وعبدُ اللهِ بنُ الحَسنِ، وقَتادةُ، ورَبيعةُ، والشافِعيُّ، وأَحمدُ، وإِسحاقُ، وأَصحابُ الرأيِ. وقالَ الحَكمُ وحَمَّادٌ: لا شُفعةَ في العَبدِ. وقالَ عَطاءٌ مَرةً: الشُّفعةُ في كلِّ شَيءٍ حتى في الثَّوبِ، وقد اختُلفَ فيه عنه.

стр. 8240

قالَ أَبو بَكرٍ: بالقَولِ الأوَّلِ أَقولُ، وليسَ في البابِ حَديثٌ صَحيحٌ يَجبُ القَولُ به (١). قالَ الإِمامُ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: وأمَّا بَيعُ العُروضِ مَشاعًا فأكثَرُ العُلماءِ على أنَّه لا شُفعةَ فيها، وإنَّما الشُّفعةُ في الدُّورِ والأرضِ خاصَّةً، هذا قَولُ عَطاءٍ والحَسنِ ورَبيعةَ والحَكمِ وحَمَّادٍ، وبه قالَ مالِكٌ والثَّوريُّ والكُوفيُّونَ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ وأَحمدُ وإِسحاقُ، ورُويَ عن عَطاءٍ أنَّه قالَ: الشُّفعةُ في كلِّ شَيءٍ حتى في الثَّوبِ. وإذا اختَلفَ فيها قَولُ عَطاءٍ فكأنَّه لم يَأتِ عنه فيها شَيءٌ، فهو كالإِجماعِ أنَّه لا شُفعةَ في العُروضِ والحَيوانِ، قالَه ابنُ المُنذرِ (٢). وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: لا شُفعةَ في العُروضِ والحَيوانِ، خِلافًا لمَن يُحكى عنه ذلك؛ لقَولِه ﷺ : «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ»، وقَولُه: «إذا ضُرِبت الحُدودُ وصُرِفت الطُّرقُ فلا شُفعةَ»، ولأنَّه ممَّا يُنقلُ ويُحوَّلُ كالذَّهبِ والفِضةِ (٣). وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى» ما لا تَقعُ فيه الشُّفعةُ: (قُلتُ): أرَأيتَ ما سِوى الدُّورِ والأَرضينَ والنَّخلِ والشَّجرِ أفيه الشُّفعةُ في قَولِ مالِكٍ؟

стр. 8241

(قالَ): قالَ مالِكٌ: لا شُفعةَ إلا في الدُّورِ والأَرضينَ والنَّخلِ والشَّجرِ. (قيلَ): والشَّجرُ؟ (قالَ) الشَّجرُ بمَنزِلةِ النَّخلِ. (قالَ): وجعَلَ مالِكٌ في الثَّمرِ الشُّفعةَ؟ (قُلتُ): ولا شُفعةَ في دَينٍ ولا حَيوانٍ ولا سُفنٍ ولا بَزٍّ ولا طَعامٍ ولا في شَيءٍ من العُروضِ، ولا ساريةٍ ولا حَجرٍ ولا في شَيءٍ من الأَشياءِ سِوى ما ذَكَرتَ لي، كانَ ممَّا يُقسَمُ أو مما لا يُقسَمُ في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): نَعم لا شُفعةَ في ذلك، ولا شُفعةَ إلا فيما ذَكَرت لك (١). وقالَ الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه لا شُفعةَ في الحَيوانِ والثِّيابِ والأَمتِعةِ وسائِرِ المَنقولِ، قالَ القاضِي: وشَذَّ بعضُ الناسِ فأثبَتَ الشُّفعةَ في العُروضِ، وهي رِوايةٌ عن عَطاءٍ، وتَثبُتُ في كلِّ شَيءٍ حتى في الثَّوبِ، وكذا حَكاها عنه ابنُ المُنذرِ، وعن أَحمدَ رِوايةٌ أنَّها تَثبُتُ في الحَيوانِ والبِناءِ المُنفرِدِ (٢). وقالَ القاضِي العِمرانِيُّ ﵀: الأَشياءُ في الشُّفعةِ على ثَلاثةِ أَضرُبٍ، كما يَلي: ضَربٌ ثَبتَت فيه الشُّفعةُ، سَواءٌ بِيعَ مُنفرِدًا، أو مع غيرِه، وضَربٌ لا تَثبُتُ فيه الشُّفعةُ بحالٍ، وضَربٌ تَثبُتُ فيه الشُّفعةُ تَبعًا لغيرِه، ولا تَثبُتُ فيه الشُّفعةُ إذا بِيعَ مُنفرِدًا. فأمَّا الضَّربُ الأولُ -وهو ما تَثبُتُ فيه الشُّفعةُ إذا بِيعَ مُنفرِدًا، أو مع غيرِه-: فهو العِراصُ، مِثلَ: عَرصةِ الأرضِ والدارِ، فإذا باعَ أحدُ الشَّريكَينِ

стр. 8242

نَصيبَه فيها ثبَتَت لشَريكِه الشُّفعةُ فيه، وهو قَولُ عامةِ العُلماءِ، إلا الأصَمَّ، فإنَّه قالَ: لا تَثبُتُ الشُّفعةُ بحالٍ؛ لأنَّ في ذلك إِضرارًا بأَربابِ الأَملاكِ؛ لأنَّ المُشتَريَ متى علِمَ بأنَّه يُؤخَذُ منه لم يَرغَبْ في الشِّراءِ، فيُؤدِّي ذلك إلى الضَّررِ بالبائِعِ، وربَّما تقاعَدَ شَريكُه عن الشِّراءِ منه. ودَليلُنا عليه: ما ذَكَرناه من الأَخبارِ، وما ذَكَره فغيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّا نُشاهِدُ الأَشقاصَ تُشتَرى مع عِلمِ المُشتَري باستِحقاقِ الشُّفعةِ عليه. وأمَّا الضَّربُ الثانِي -وهو ما لا تَثبُتُ فيه الشُّفعةُ بحالٍ-: فهو كلُّ ما يُنقَلُ ويُحوَّلُ، مِثلَ: الطَّعامِ والثِّيابِ والعَبيدِ، فإذا باعَ أحدُ الشَّريكَينِ نَصيبَه في ذلك لم تَثبُتْ لشَريكِه فيه الشُّفعةُ، وبه قالَ عامةُ أهلِ العِلمِ. وقالَ مالِكٌ: (تَثبُتُ الشُّفعةُ في جَميعِ ذلك) (١). دَليلُنا قَولُه ﷺ : «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت الحُدودُ، وصُرِفت الطُّرقُ فلا شُفعةَ» وهذا لا يَتناوَلُ ما يَنتقِلُ. ورَوى جابِرٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا شُفعةَ إلا في رَبعٍ، أو حائِطٍ»، فنَفَى الشُّفعةَ عن غيرِهما (٢).

стр. 8243

وقالَ المَواقُ المالِكيُّ: ابنُ حارِثٍ: اتَّفَقوا في إِسقاطِ الشُّفعةِ في العُروضِ والأَمتِعةِ وما يُشبهُ ذلك (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا ما بِيعَ مُفرَدًا من الأرضِ فلا شُفعةَ فيه، سَواءٌ كانَ ممَّا يُنقَلُ كالحَيوانِ والثِّيابِ والسُّفنِ والحِجارةِ والزَّرعِ والثِّمارِ أو لا يُنقَلُ كالبِناءِ والغِراسِ إذا بِيعَ مُفرَدًا، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ، ورُويَ عن الحَسنِ والثَّوريِّ والأَوزاعيِّ والعَنبَريِّ وقَتادةَ ورَبيعةَ وإِسحاقَ: لا شُفعةَ في المَنقولاتِ. واختُلفَ عن مالِكٍ وعَطاءٍ، فقالا مَرةً كذلك، ومَرةً قالا: الشُّفعةُ في كلِّ شَيءٍ حتى في الثَّوبِ. قالَ ابنُ أَبي موسى: وقد رُويَ عن أَبي عبدِ اللهِ رِوايةٌ أُخرى أنَّ الشُّفعةَ واجِبةٌ فيما لا يَنقسِمُ، كالحِجارةِ والسَّيفِ والحَيوانِ وما في مَعنى ذلك. قالَ أَبو الخَطابِ: وعن أَحمدَ رِوايةٌ أُخرى أنَّ الشُّفعةَ تَجبُ في البِناءِ والغِراسِ وإنْ بِيعَ مُفرَدًا، وهو قَولُ مالِكٍ؛ لعُمومِ قَولِه ﵇: «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ»، ولأنَّ الشُّفعةَ وُضِعت لدَفعِ الضَّررِ، وحُصولُ الضَّررِ بالشَّركةِ فيما لا يَنقسِمُ أبلَغُ منه فيما يَنقسِمُ، ولأنَّ ابنَ أَبي مُلَيكةَ رَوى أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الشُّفعةُ في كلِّ شَيءٍ». ولنا: أنَّ قَولَ النَّبيِّ ﷺ : «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعَت

стр. 8244

الحُدودُ وصُرِفت الطُّرقُ فلا شُفعةَ» لا يَتناوَلُ إلا ما ذَكَرناه، وإنَّما أَرادَ ما لا يَنقسِمُ من الأرضِ بدَليلِ قَولِه: «فإذا وقَعَت الحُدودُ وصُرِفت الطُّرقُ»، ولأنَّ هذا ممَّا لا يَتَباقى على الدَّوامِ فلا تَجبُ فيه الشُّفعةُ كصُبرةِ الطَّعامِ، وحَديثُ ابنِ أَبي مُلَيكةَ مُرسَلٌ، لم يَرِدْ في الكُتبِ المَوثوقِ بها، والحُكمُ في الغَرَّافِ والدُّولابِ والناعُورةِ كالحُكمِ في البِناءِ، فأمَّا إنْ بِيعَت الشَّجرةُ مع قَرارِها من الأرضِ مُفرَدةً يَتخلَّلُها من الأرضِ فحُكمُها حُكمُ ما لا يَنقسِمُ من العَقارِ، ولأنَّ هذا ممَّا لا يَنقسِمُ على ما سنَذكُرُه، ويَحتملُ أنَّه لا تَجبُ الشُّفعةُ فيها بحالٍ؛ لأنَّ القَرارَ تابِعٌ لها، إذا لم تَجبِ الشُّفعةُ فيها مُفرَدةً لم تَجِبْ في تَبعِها (١).

стр. 8245

الرُّكنُ الثانِي: الآخِذُ: (أي: الشَّفيعُ الذي له حَقُّ الشُّفعةِ): يُشتَرطُ في الشَّفيعِ الآخِذِ شُروطٌ ذكَرَها الفُقهاءُ، وهي: أولاً: أنْ يَكونَ مالِكًا لما يَشفَعُ فيه: اشتَرطَ الفُقهاءُ في الآخِذِ بالشُّفعةِ أنْ يَكونَ مالِكًا للعَقارِ المَشفوعِ به، فلا تَثبُتُ الشُّفعةُ إلا للشَّريكِ في رَقبةِ العَقارِ، فلا شُفعةَ للجارِ -عندَ الجُمهورِ كما تقدَّمَ- ولا للشَّريكِ في غيرِ رَقبةِ العَقارِ، كالشَّريكِ في المَنفعةِ فقط، وقد تقدَّمَ بَيانُ ذلك مُفصَّلًا كما في الرُّكنِ الأولِ. ثانيًا: أنْ يَكونَ الشَّفيعُ مُسلمًا: لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الشُّفعةَ تَجبُ للمُسلمِ على الذِّميِّ كوُجوبِها له على المُسلمِ، وتَجبُ للذِّميِّ على الذِّميِّ كوُجوبِها للمُسلمِ على المُسلمِ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا: هل تَثبُتُ الشُّفعةُ للذِّميِّ على المُسلمِ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ المُسلمَ والذِّميَّ في استِحقاقِ الشُّفعةِ سَواءٌ، فالحُكمُ بالشُّفعةِ ليس خاصًّا بالمُسلمِ، بل للشَّريكِ مُطلَقًا ولو كانَ ذِميًّا، فإذا كانَ العَقارُ بينَ مُسلمٍ وذِميٍّ، فباعَ المُسلمُ حِصتَه لمُسلمٍ أو لذِميٍّ فلشَريكِه الذِّميِّ أنْ يأخُذَ بالشُّفعةِ؛ لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الشَّريكُ شَفيعٌ» (١) فعَمَّ، ولأنَّه حَقٌّ وُضعَ لإِزالةِ

стр. 8246

الضَّررِ فاستَوى فيه المُسلمُ والكافِرُ كالرَّدِّ بالعَيبِ، ولأنَّه مَعنًى يُستفادُ بالمِلكِ كالاستِخدامِ. ولأنَّ ما جازَ أنْ يَملِكَ به المُسلمُ من المُعاوَضاتِ جازَ أنْ يَملكَ به الذِّميُّ كالبِياعاتِ، ولأنَّ مَنْ ملَكَ بالبَيعِ ملَكَ بالشُّفعةِ كالمُسلمِ، ولأنَّ الحُقوقَ المَوضوعةَ لدَفعِ الضَّررِ في العُقودِ يَستَوي فيها المُسلمُ والذِّميُّ كالرَّدِّ بالعَيبِ، ولأنَّ ما تعلَّقَ بالشِّركِ مِنْ إِزالةِ المِلكِ استَوى فيه المُسلمُ والذِّميُّ قياسًا على عِتقِ الذِّميِّ شِركًا له في عَبدٍ (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَثبُتُ للذِّميِّ على المُسلمِ شُفعةٌ؛ لمَا رُويَ عن أَنسٍ ﵁ مَرفوعًا: «لا شُفعةَ لنَصرانِيٍّ» (٢)، وهذا يَخصُّ عُمومَ ما احتَجُّوا به. ولأنَّه مَعنًى يَختَصُّ بالعَقارِ فأشبَهَ الاستِعلاءَ في البُنيانِ، يُحقِّقُه أنَّ الشُّفعةَ إنَّما ثبَتَت للمُسلمِ دَفعًا للضَّررِ عن مِلكِه، فقُدِّم دَفعُ ضَررِه على دَفعِ

стр. 8247

ضَررِ المُشتَري، ولا يَلزمُ من تَقديمِ دَفعِ ضَررِ المُسلمِ على المُسلمِ تَقديمُ دَفعِ ضَررِ الذِّميِّ، فإنَّ حَقَّ المُسلمِ أرجَحُ، ورِعايَتَه أوْلى، ولأنَّ ثُبوتَ الشُّفعةِ في مَحلِّ الإِجماعِ على خِلافِ الأصلِ رِعايةً لحَقِّ الشَّريكِ المُسلمِ، وليس الذِّميُّ في مَعنى المُسلمِ، فيَبقَى فيه على مُقتَضى الأصلِ، وتَثبُتُ الشُّفعةُ للمُسلمِ على الذِّميِّ؛ لعُمومِ الأدِلةِ المُوجِبةِ؛ لأنَّها إذا ثبَتَت في حَقِّ المُسلمِ على المُسلمِ على عِظمِ حُرمتِه ورِعايةِ حَقِّه فلَأنْ تَثبُتَ على الذِّميِّ مع دَناءتِه أوْلى وأحرى. قالَ ابنُ قُدامةَ: وتَثبُتُ للذِّميِّ على الذِّميِّ؛ لعُمومِ الأَخبارِ، ولأنَّهما تَساوَيا في الدِّينِ والحُرمةِ فتَثبُتُ لأَحدِهما على الآخَرِ كالمُسلمِ على المُسلمِ، ولا نَعلَمُ في هذا خِلافًا (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ القَيمِ ﵀: فَصلٌ: كُفارٌ مَمنوعونَ من الاستِيلاءِ على أَملاكِ المُسلِمينَ. وحَقيقةُ الأمرِ أنَّ الكُفارَ مَمنوعونَ من الاستِيلاءِ على ما ثبَتَ للمُسلِمينَ فيه حَقٌّ من عَقارٍ أو رَقيقٍ أو زَوجةٍ مُسلِمةٍ أو إِحياءِ مَواتٍ أو تَملكٍ بشُفعةٍ من مُسلمٍ؛ لأنَّ مَقصودَ الدَّعوةِ أنْ تَكونَ كَلمةُ اللهِ هي العُليا، وإنَّما أقَرُّوا بالجِزيةِ للضَّرورةِ العارِضةِ، والحُكمُ المُقيَّدُ بالضَّرورةِ مُقدَّرٌ بقَدرِها، ولهذا لم يَثبُتْ عن واحِدٍ من السَّلفِ لهم حَقُّ شُفعةٍ على مُسلمٍ،

стр. 8248

وأخَذَ بذلك الإِمامُ أَحمدُ، وهي من مُفرَداتِه التي برَزَ بها على الثَّلاثةِ؛ لأنَّ الشِّقصَ يَملِكُه المُسلمُ إذا أوجَبْنا فيه شُفعةً لذِميٍّ كُنا قد أوجَبْنا على المُسلمِ أنْ يَنقُلَ المِلكَ في عَقارِه إلى كافِرٍ بطَريقِ القَهرِ للمُسلمِ، وهذا خِلافُ الأُصولِ. والشُّفعةُ في الأصلِ إنَّما هي من حُقوقِ أحدِ الشَّريكَينِ على الآخَرِ، بمَنزلةِ الحُقوقِ التي تَجبُ للمُسلمِ على المُسلمِ، كإِجابةِ الدَّعوةِ وعِيادةِ المَريضِ، وكمَنعِه أنْ يَبيعَ على بَيعِ أَخيه أو يَخطُبَ على خِطبَتِه. قالَ عبدُ اللهِ بنُ أَحمدَ: سألتُ أَبي عن الذِّميِّ اليَهوديِّ والنَّصرانِيِّ، لهم شُفعةٌ؟ قالَ: لا. قُلتُ: المَجوسيُّ؟ قالَ: ذاك أشَدُّ. وقالَ حَربٌ: سألتُ أَحمدَ، قُلتُ: أَهلُ الذِّمةِ لهم شُفعةٌ؟ قالَ: لا. وقالَ أَبو داودَ: سمِعتُ أَبا عبدِ اللهِ يُسألُ، للذِّميِّ شُفعةٌ؟ قالَ: لا. وذلك نَقلُ أَبي طالِبٍ وصالِحٍ وأَبي الحارِثِ والأثرَمِ كلِّهم عنه، ليسَ للذِّميِّ شُفعةٌ، زادَ أَبو الحارِثِ «مع المُسلمِ». قالَ الأثرَمُ: قيلَ له: لِمَ؟ قالَ: لأنَّه ليسَ له مِثلُ حَقِّ المُسلمِ. واحتُجَّ فيه. قالَ الأثرَمُ: ثنا ابنُ الطَّباعِ ثنا هُشَيمٌ أخبَرَنا الشَّيبانِيُّ عن الشَّعبيِّ أنَّه كانَ يَقولُ: ليسَ لذِميٍّ شُفعةٌ. وقالَ سُفيانُ عن حُمَيدٍ عن أَبيه: إنَّما الشُّفعةُ لمُسلمٍ، ولا شُفعةَ لذِميٍّ.

стр. 8249

وقالَ أَحمدُ: حدَّثَنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ عن حَمَّادِ بنِ زَيدٍ عن لَيثٍ عن مُجاهدٍ أنَّه قالَ: ليسَ ليَهوديٍّ ولا لنَصرانِيٍّ شُفعةٌ. وقالَ الخَلَّالُ: أخبَرَني مُحمدُ بنُ الحَسنِ بنِ هارونَ قالَ: سُئلَ أَبو عبدِ اللهِ وأنا أَسمعُ عن الشُّفعةِ للذِّميِّ، قالَ: ليسَ للذِّميِّ شُفعةٌ، ليس له حَقُّ المُسلمِ. أخبَرَني عِصمةُ بنُ عِصامٍ حدَّثَنا حَنبَلٌ قالَ: سمِعتُ أَبا عبدِ اللهِ قالَ: ليسَ ليَهوديٍّ ولا لنَصرانِيٍّ شُفعةٌ، إنَّما ذلك للمُسلِمينَ بينَهم. وقالَ في رِوايةِ إِسحاقَ بنِ مَنصورٍ: ليسَ لليَهوديِّ والنَّصرانِيِّ شُفعةٌ. قيلَ: ولِمَ؟ قالَ: لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا يَجتمِعُ دِينانِ في جَزيرةِ العَربِ». وهذا مَذهبُ شُرَيحٍ والحَسنِ والشَّعبيِّ. واحتَجَّ الإِمامُ أَحمدُ بثَلاثِ حُججٍ. إِحداها: أنَّ الشُّفعةَ من حُقوقِ المُسلِمينَ بعضِهم على بعضٍ، فلا حَقَّ للذِّميِّ فيها، ونُكتةُ هذا الاستِدلالِ أنَّ الشُّفعةَ من حَقِّ المالِكِ لا من حَقِّ المِلكِ. الحُجةُ الثانيةُ: قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَبدَؤوا اليَهودَ والنَّصارى بالسَّلامِ، وإذا لَقيتُموهم في طَريقٍ فاضطَرُّوهم إلى أَضيَقِه» (١).

стр. 8250

وتَقريرُ الاستِدلالِ من هذا أنَّه لم يَجعَلْ له حَقًّا في الطَّريقِ المُشتَركِ عندَ تَزاحُمِهم مع المُسلِمينَ، فكيف يجعَلُ لهم حَقًّا إلى انتِزاعِ مِلكِ المُسلمِ منه قَهرًا؟ بل هذا تَنبيهٌ على المَنعِ من انتِزاعِ الأرضِ من يَدِ المُسلمِ وإخراجِه منها لحَقِّ الكافِرِ لنَفيِ ضَررِ الشَّركةِ عنه، وضَررُ الشَّركةِ على الكافِرِ أهوَنُ عندَ اللهِ من تَسليطِه على إِزالةِ مِلكِ المُسلمِ عنه قَهرًا. الدَّليلُ الثالِثُ: قَولُه ﷺ : «لا يَجتمِعُ دِينانِ في جَزيرةِ العَربِ» (١). ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا أنَّ النَّبيَّ ﷺ حكَمَ بإِخراجِهم من أرضِهم وبنَقلِها إلى المُسلِمينَ؛ لتَكونَ كَلمةُ اللهِ هي العُليا، ويَكونَ الدِّينُ كلُّه للهِ ، فكيفَ نُسلِّطُهم على انتِزاعِ أَراضي المُسلِمينَ منهم قَهرًا وإِخراجِهم منها. وأيضًا فالشُّفعةُ حَقٌّ يَختَصُّ بالعَقارِ، فلا يُساوي الذِّميُّ فيه المُسلمَ كالاستِعلاءِ في البُنيانِ، يُوضِّحُه أنَّ الاستِعلاءَ تَصرُّفٌ في هَواءِ مِلكِه المُختصِّ به، فإذا مُنعَ منه فكيف يُسلَّطُ على انتِزاعِ مِلكِ المُسلمِ به قَهرًا وهو مَمنوعٌ من التَّصرفِ في هَوائِه تَصرُّفًا يَستَعلي فيه على المُسلمِ؟ فأينَ هذا الاستِعلاءُ من استِعلائِه عليه بإِخراجِه من مِلكِه قَهرًا؟ وأيضًا فالشُّفعةُ وجَبَت لإِزالةِ الضَّررِ عن الشَّفيعِ وإنْ كانَ فيها ضَررٌ بالمُشتَري، فإذا كانَ المُشتَري مُسلِمًا فسلَّطَ الذِّميَّ على انتِزاعِ مِلكِه منه قَهرًا كانَ فيه تَقديمُ حقٍّ للذِّميِّ على حَقِّ المُسلمِ، وهذا مُمتنِعٌ.

стр. 8251

وأيضًا: فإنَّه يَتضمَّنُ مع إِضرارِه بالمُسلمِ إِضرارًا بالدِّينِ، وتَملُّكَ دارِ المُسلِمينَ منهم قَهرًا وشَغلَها بما يُسخِطُ اللهَ بدَلَ ما يُرضيه، وهذا خِلافُ قَواعدِ الشَّرعِ. ولذلك حرَّمَ عليهم نِكاحَ المُسلِماتِ؛ إذْ كانَ فيه نَوعُ استِعلاءٍ عليهِنَّ، ولذلك لم يَجُزِ القِصاصُ بينَهم وبينَ المُسلِمينَ، ولا حَدُّ القَذفِ، ولا يُمكَّنونَ من تَملُّكِ رَقيقٍ مُسلِمٍ، وقد قالَ تَعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، ومن أعظَمِ السَّبيلِ تَسليطُ الكافِرِ على انتِزاعِ أَملاكِ المُسلِمينَ منهم وإِخراجِهم منها قَهرًا، وقد قالَ تَعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]، وهذا يَقتَضي مُطلَقَ المُساواةِ بينَ المُسلمِ والكافِرِ، لا نَفيَ المُساواةِ المُطلَقةِ، فإنَّها مُنتفيةٌ عن كلِّ شَيئَينِ وإنْ تَماثَلا، وبهذه الآيةِ احتَجَّ من نَفى القِصاصَ بينَهم وبينَ المُسلِمينَ. وأيضًا: فالذِّميُّ تَبَعٌ لنا في الدارِ، وليسَ بأصلٍ من أهلِ الدارِ، ولهذا عندَ الشافِعيِّ يُؤدِّي الجِزيةَ أُجرةً لمَكانِ السُّكنَى والتَّبسُّطِ في دارِ الإِسلامِ، ولهذا متى نقَضَ العَهدَ أُلحِقَ بمَأمَنِه وأُخرِجَ من دارِنا وأُلحِقَ بدارِه، فهو في دارِ الإِسلامِ أُجريَ مُجرَى الساكِنِ المُنتفِعِ لا مُجرى الساكِنِ الحَقيقيِّ، وحَقُّ السُّكنَى لا يَقوَى على انتِزاعِ الشِّقصِ من يَدِ مالِكِه، وقد قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقالَ النَّبيُّ ﷺ لليَهودِ: «اعلَموا أنَّ الأرضَ للهِ ورَسولِه» فعِبادُه الصالِحونَ هُمْ وارِثوها، وهُم المُلَّاكُ لها على الحَقيقةِ،

стр. 8252

والكُفارُ فيها تَبعٌ يَنتَفِعونَ بها لضَرورةِ إِبقائِهم بالجِزيةِ، فلا يُساوونَ المالِكينَ حَقيقةً، ولهذا منَعَهم كَثيرٌ من الأئِمةِ من شِراءِ الأرضِ العُشريةِ؛ لمَا في ذلك من إِسقاطِ حَقِّ المُسلمِ من العُشرِ الذي يَجبُ، فكيفَ يُسلَّطونَ على انتِزاعِ أرضِ المُسلمِ وعَقارِه منه قَهرًا. وأيضًا: فلو كانوا مالِكينَ حَقيقةً مَا أَوصى النَّبيُّ ﷺ بإِخراجِهم من جَزيرةِ العَربِ وقالَ: «لئِنْ عِشتُ لأُخرِجنَّ اليَهودَ والنَّصارَى من جَزيرةِ العَربِ» هذا مع بَقائِهم على عَهدِهم وعَدمِ نَقضِهم له، فلو كانوا مالِكينَ لدُورِهم حَقيقةً لمَا أخرَجَهم منها ولم يَنقُضوا عَهدًا. ولهذا احتَجَّ الإِمامُ أَحمدُ بذلك على أنَّه لا شُفعةَ لهم على مُسلمٍ، وهذا من ألطَفِ ما يَكونُ من الفَهمِ وأدَقِّ ما يَكونُ من الفِقهِ. وأيضًا: الشُّفعةُ تَقفُ على مِلكٍ ومالِكٍ، فإذا اختَصَّت الشُّفعةُ بمِلكٍ دونَ مالِكٍ وهو العَقارُ دونَ غيرِه فأوْلى أنْ تَختصَّ بمالِكٍ دونَ مالِكٍ، وهو المُسلمُ دونَ غيرِه، وهذا على أصلِ مَنْ يَقولُ: «الشُّفعةُ تَثبُتُ على خِلافِ القياسِ» ظاهِرٌ جِدًّا، فإنَّها تَسليطٌ على انتِزاعِ مِلكِ الغيرِ منه قَهرًا لمَصلَحةِ الشَّفيعِ، فيَجبُ أنْ يَقتصِرَ بها على ما قامَ عليه الدَّليلُ وثبَتَ به الإِجماعُ دونَ غيرِه. وأمَّا نحن فليسَت الشُّفعةُ عندَنا على خِلافِ القِياسِ، ولكنَّ حِكمةَ الشارِعِ وقياسَ أُصولِه أوجَباها دَفعًا لضَررِ الشَّركةِ بحَسبِ الإِمكانِ، وإذا كانَ البائِعُ قد رغِبَ عن الشِّقصِ ورَضيَ بالثَّمنِ فرَغبَتُه عنه لشَريكِه ليَدفعَ

стр. 8253

عنه ضَررَ الشَّريكِ الدَّخيلِ أوْلى، وهو يأخُذُ منه الثَّمنَ الذي يأخُذُه من الشَّريكِ ولا يَفوتُ عليه شَيءٌ. فهذا مَحضُ قياسِ الأُصولِ، ولكنَّ هذا حَقٌّ للمُسلمِ على المُسلمِ، فلا حَقَّ للذِّميِّ فيه كسائِرِ الحُقوقِ التي لأهلِ الإِسلامِ بعضِهم على بعضٍ، وإذا كانَ كَثيرٌ من الفُقهاءِ يَمنَعونَ الذِّميَّ من التَّملُّكِ بالإِحياءِ كعبدِ اللهِ بنِ المُبارَكِ والشافِعيِّ وأَحمدَ في رِوايةٍ وكَثيرٍ من المالِكيةِ -مع أنَّ الإِحياءَ لا يَتضمَّنُ انتِزاعَ مِلكِ مُسلمٍ منه- فلَأنْ يُمنعَ من انتِزاعِ أرضِ المُسلمِ وعَقارِه منه قَهرًا أَولى وأَحرى. وأيضًا: فإذا مُنعَ من مُشاركةِ المُسلمِ في تَجديدِ المِلكِ فيما هو مُشتَركٌ وفيه عِمارةٌ لدارِ الإِسلامِ فأحرى أنْ يُمنعَ من انتِزاعِ عَقارٍ ثَبَت عليه مِلكُ المُسلمِ واختَصَّ به، فإنَّ إِزالةَ المِلكِ الخاصِّ وانتِزاعَه من المُسلمِ قَهرًا أشَدُّ ضَررًا من المُشاركةِ فيما هو مُشتَركٌ بينَ العُمومِ. وليسَ مع المُوجِبينَ للشُّفعةِ نَصٌّ من كِتابِ اللهِ ولا من سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ولا من إِجماعِ الأُمةِ، وغايةُ ما معهم إِطلاقاتٌ وعُموماتٌ، كقَولِه: «قَضى رَسولُ اللهِ ﷺ فيما لم يُقسَمْ»، وقَولِه: «مَنْ كانَ له شَريكٌ في رَبعةٍ أو حائِطٍ فلا يَحلُّ أنْ يَبيعَ حتى يُؤذِنَ شَريكَه»، ونَحوِ ذلك ممَّا لا يُعرَضُ فيه للمُستحِقِّ، وإنَّما سِيقَت لأَحكامِ الأَملاكِ لا لعُمومِ الأَملاكِ من أهلِ المِلةِ وغيرِها.

стр. 8254

وليس معهم قياسٌ استَوى فيه الأَصلُ والفَرعُ في المُقتَضي للحُكمِ، فإنَّ قياسَ الكافِرِ على المُسلمِ من أفسَدِ القياسِ، وكذلك قياسُ بعضِهم من تَجبُ له الشُّفعةُ بمَن تَجبُ عليه من أفسَدِ القياسِ أيضًا، فإنَّ الذِّميَّ يَستحِقُّ عليه القِصاصَ ولا يَستحِقُّه هو على المُسلمِ، ويُستحَقُّ عليه حَدُّ القَذفِ ولا يَستحِقُّه، وكذلك المُطلِّقُ في مَرضِ المَوتِ يُستحَقُّ عليه المِيراثُ ولا يَستحِقُّه، وكذلك المُسلمُ يَستحِقُّ تَعليةَ البُنيانِ على الذِّميِّ ولا يَستحِقُّه الذِّميُّ عليه، والمُسلمُ يَستحِقُّ نِكاحَ الكافِرةِ وشِراءَ الرَّقيقِ الكافِرِ ولا يَستحِقُّ الذِّميُّ نِكاحَ المُسلمةِ ولا شِراءَ الرَّقيقِ المُسلمِ، والمُسلمُ يَستأجرُ الكافِرَ للخِدمةِ دونَ العَكسِ. وكذلك قياسُ بعضِهم الأَخذَ بالشُّفعةِ على الرَّدِّ بالعَيبِ من هذا النَّمطِ، فإنَّ الرَّد بالعَيبِ من بابِ استِدراكِ الظُّلامةِ وأخْذِ الجُزءِ الفائِتِ الذي يُتركُ على الثَّمنِ في مُقابَلتِه، فأينَ ذلك من تَسليطِه على انتِزاعِ مِلكِ المُسلمِ منه قَهرًا واستِيلائِه عليه؟ وكذلك قِياسُ بعضِهم ذلك على ثُبوتِ الخيارِ في البَيعِ هو مِنْ هذا الضَّربِ، فإنَّ الخيارَ إنْ كانَ خيارَ شَرطٍ فهو شَرطُه له على نَفسِه، وإنْ كانَ خيارَ مَجلسٍ فمَن لا يُثبِتُه كيفَ يَحتجُّ به؟ وإنْ ألزَمَ به مَنْ يُثبتُه فهو يَفتَرِقُ عنه بأنَّ خيارَ المَجلسِ هو مُوجبُ العَقدِ شَرعًا، فلا يَتخلَّفُ عن العَقدِ، كالحُلولِ والتَّقابُضِ والسَّلامةِ، وكذلك قياسُ بَعضِهم الأخْذَ بالشُّفعةِ على التَّملُّكِ بالإِحياءِ، مع أنَّه تَملُّكٌ بغيرِ عِوضٍ يَرجعُ إلى المُسلِمينَ، فيُقالُ: مَنْ

стр. 8255

الذي سلَّمَ الحُكمَ في هذه المَسألةِ وقد تنازَعَ فيها الفُقهاءُ قَديمًا وحَديثًا على أَحوالٍ أربَعةٍ؟ والمَقصودُ أنَّا إنْ قُلنا: لا يَملِكُ الذِّميُّ بالإِحياءِ، بطَلَ الاستِدلالُ به، وإنْ قُلنا: يَملكُ به، فالفَرقُ بينَه وبينَ تَملُّكِه بالشُّفعةِ من وُجوهٍ ثَلاثةٍ: أَحدُها: أنَّه بالإِحياءِ لا يُنتزَعُ مِلكُ مُسلمٍ منه، بل يُحيِي مَواتًا لا حَقَّ فيه لأحَدٍ يَنتفِعُ به فهو كتَملُّكِ المُباحاتِ من الحَطبِ والحَشيشِ والمَعادنِ وغيرِها. الثانِي: أنَّه ليسَ في إِحيائِه ضَررٌ على المُسلمِ ولا قَهرٌ وإِذلالٌ له، بخِلافِ تَسليطِه على إِخراجِه من دارِه وأَرضِه واستِيلائِه هو عليها. الثالِثُ: أنَّه بالإِحياءِ عامِرٌ للأَرضِ المَواتِ، وفي ذلك نَفعٌ له وللإِسلامِ، بخِلافِ قَهرِه للمُسلمِ وأخْذِ أرضِه ودارِه منه وإِخراجِه منها، فقياسُ الأخْذِ بالشُّفعةِ على الإِحياءِ باطِلٌ. وعلى هذا يُجابُ عن هذا القياسِ بالجَوابِ المُركَّبِ أنَّه إنْ لم يَكُنْ بينَ الإِحياءِ والأخذِ بالشُّفعةِ فَرقٌ فالحُكمُ فيهما واحِدٌ، وهو عَدمُ المِلكِ بهما، وإنْ كانَ بينَهما فَرقٌ بطَلَ الالتِزامُ به، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 8256

الرُّكنُ الثالِثُ: المَأخوذُ منه: وهو المُشتَري الذي يَكونُ العَقارُ في حِيازَتِه: يُشتَرطُ في المَأخوذِ منه وهو المُشتَري للعَقارِ عِدةُ شُروطٍ ذكَرَها الفُقهاءُ: أولاً: أنْ يَكونَ امتَلَك العَقارَ بعِوضٍ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الشُّفعةَ إنَّما تَثبُتُ للشَّريكِ القَديمِ في شَيءٍ ملَكَه الشَّريكُ الحادِثُ بمُعاوَضةٍ ماليةٍ كالبَيعِ وهِبةِ الثَّوابِ؛ لأنَّه أمكَنَ مُراعاةُ شَرطِ الشَّرعِ فيه، وهو التَّملُّكُ بمِثلِ ما تَملَّكَ به المُشتَري. قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا المَشفوعُ عليه فإنَّهم اتَّفَقوا على أنَّه مَنْ انتقَلَ إليه المِلكُ بشِراءٍ من شَريكٍ غيرِ مُقاسِمٍ أو مِنْ جارٍ عندَ مَنْ يَرى الشُّفعةَ للجارِ (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا المُنتقِلُ بعِوضٍ فيَنقسِمُ إلى قِسمَينِ، أَحدُهما ما عوَّضَه المالُ كالبَيعِ، فهذا فيه الشُّفعةُ بغيرِ خِلافٍ، وهو في حَديثِ جابِرٍ: «فإنْ باعَ ولم يُؤذِنْه فهو أحَقُّ به» (٢)، وكذلك كلُّ عَقدٍ جَرى مَجرى البَيعِ كالصُّلحِ بمَعنى البَيعِ، والصُّلحِ عن الجِناياتِ المُوجِبةِ للمالِ والهِبةِ المَشروطِ فيها الثَّوابُ المَعلومُ؛ لأنَّ ذلك بَيعٌ ثَبتَت فيه أَحكامُ البَيعِ، وهذا منها، وبه يَقولُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ، إلا أنَّ أَبا حَنيفةَ

стр. 8257

وأَصحابَه قالوا: لا تَثبُتُ الشُّفعةُ في الهِبةِ المَشروطِ فيها ثَوابٌ حتى يَتقابَضا؛ لأنَّ الهِبةَ لا تَثبُتُ إلا بالقَبضِ، فأشبَهَت البَيعَ بشَرطِ الخيارِ. ولنا: أنَّه يَملِكُها بعِوضٍ هو مالٌ فلم يَفتقِرْ إلى القَبضِ في استِحقاقِ الشُّفعةِ كالبَيعِ، ولا يَصحُّ ما قالوه من اعتِبارِ لَفظِ الهِبةِ؛ لأنَّ العِوضَ صرَفَ اللَّفظَ عن مُقتَضاه، وجعَلَه عِبارةً عن البَيعِ، خُصوصًا عندَهم، فإنَّه يَنعقِدُ بها النِّكاحُ الذي لا تَصحُّ الهِبةُ فيه بالاتِّفاقِ (١). ما مُلكَ بغيرِ عِوضٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما مُلكَ بغيرِ عِوضٍ ماليٍّ كهِبةٍ بغيرِ ثَوابٍ أو صَدقةٍ أو وَصيةٍ أو إِرثٍ هل تَثبُتُ فيه الشُّفعةُ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا تَثبُتُ الشُّفعةُ فيما مُلكَ بغيرِ عِوضٍ، فإذا كانَ عَقارًا بينَ اثنَينِ شَركةً ثم وهَبَ أَحدُهما نَصيبَه لإِنسانٍ آخَرَ أو تصدَّقَ به عليه فلا شُفعةَ له فيه؛ لأنَّ الآخِذَ بالشُّفعةِ يَملِكُ على المَأخوذِ منه بمِثلِ ما ملَكَ هو، فإذا انعدَمَ مَعنى المُعاوَضةِ فلو أخَذَ الشَّفيعُ فإمَّا أنْ يأخُذَ بالقيمةِ وإمَّا أنْ

стр. 8258

يأخُذَ مَجانًا بلا عِوضٍ، لا سَبيلَ إلى الأولِ لأنَّ المَأخوذَ منه لم يَملِكْه بالقيمةِ، ولا سَبيلَ إلى الثاني؛ لأنَّ الجَبْرَ على التَّبَرعِ ليسَ بمَشروعٍ، فامتنَعَ الأخْذُ أَصلًا (١). وذهَبَ الإِمامُ مالِكٌ في رِوايةٍ إلى أنَّ الشُّفعةَ تَجبُ بكلِّ مِلكٍ انتقَلَ بعِوضٍ أو بغيرِ عِوضٍ، كالهِبةِ لغيرِ الثَّوابِ والصَّدقةِ، ما عَدا المِيراثَ فإنَّه لا شُفعةَ عندَ الجَميعِ فيه اتِّفاقًا، ودَليلُ وُجوبِ الشُّفعةِ في الهِبةِ لغيرِ الثَّوابِ والصَّدقةِ قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «الشُّفعةُ في كلِّ شِركٍ» (٢)، وقَولُه ﷺ : «الشَّريكُ شَفيعٌ» (٣)، ولأنَّه ملَكَه باختِيارِه فوجَبَ تَعلُّقُ الشُّفعةِ به كالبَيعِ، وبذلك فارَقَ المِيراثَ (٤).

стр. 8259

الشُّفعةُ فيما انتَقلَ بعِوضٍ غيرِ المالِ (أنْ يَكونَ في مَهرٍ أو خُلعٍ أو صُلحٍ عن دَمٍ): اختَلفَ الفُقهاءُ فيما انتقَلَ بعِوضٍ غيرِ المالِ، نَحوَ أنْ يَجعلَ نَصيبَه الشِّقصَ من العَقارِ مَهرًا لزَوجَتِه أو يَكونَ الشِّقصُ عِوضًا في الخُلعِ أو في الصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ، هل تَثبُتُ فيه الشُّفعةُ أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تَجبُ فيه الشُّفعةُ. قالَ الحَنفيةُ: لا شُفعةَ في الدارِ التي يَتزوَّجُ الرَّجلُ عليها أو الدارِ التي يُخالِعُ المَرأةَ بها أو يَستأجِرُ بها دارًا أو غيرَها، أو يُصالِحُ بها عن دَمٍ عَمدٍ، أو يُعتِقُ عليها عَبدًا؛ لأنَّ الشُّفعةَ إنَّما تَجبُ في مُبادلةِ المالِ بالمالِ، وهذه الأَعواضُ ليسَت بأَموالٍ، فإِيجابُ الشُّفعةِ فيها خِلافُ المَشروعِ وقَلبٌ للمَوضوعِ. ولأنَّ تَقوُّمَ مَنافعِ البُضعِ في النِّكاحِ وغيرِها بعَقدِ الإِجارةِ ضَروريٌّ فلا يَظهَرُ في حَقِّ الشُّفعةِ، وكذا الدَّمُ والعِتقُ غيرُ مُتقوَّمٍ؛ لأنَّ القيمةَ ما يَقومُ مَقامَ غيرِه في المَعنى الخاصِّ المَطلوبِ، ولا يَتحقَّقُ فيهما، ومِثلُ هذا إذا تَزوَّجَها بغيرِ مَهرٍ ثم فرَضَ لها الدارَ مَهرًا؛ لأنَّه بمَنزِلةِ المَفروضِ في العَقدِ في كَونِه مُقابِلًا بالبُضعِ، بخِلافِ ما إذا باعَها بمَهرِ المِثلِ أو بالمُسمَّى؛ لأنَّه مُبادَلةُ مالٍ بمالٍ.

стр. 8260

ولو تَزوَّجَها على دارٍ على أنْ تَردَّ عليه ألفًا فلا شُفعةَ في جَميعِ الدارِ عندَ أَبي حَنيفةَ ﵀؛ لأنَّ مَعنى البَيعِ فيه تابِعٌ، ولا شُفعةَ في الأَصلِ فكذا في التَّبعِ، ولأنَّ الشُّفعةَ شُرِعت في المُبادَلةِ الماليةِ المَقصودةِ، حتى إنَّ المُضارِبَ إذا باعَ دارًا وفيها رِبحٌ لا يَستحِقُّ رَبُّ المالِ الشُّفعةَ في حِصةِ الرِّبحِ لكَونِه تابِعًا فيه. وقالَ أَبو يُوسفَ ومُحمدٌ: تَجبُ في حِصةِ الألفِ؛ لأنَّه مُبادَلةٌ ماليةٌ في حَقِّه. وكذا لا شُفعةَ في دارٍ إنْ صالَحَ عنها بإِنكارٍ، فإنْ صالَحَ عليها بإِقرارٍ وجَبَت الشُّفعةُ؛ لأنَّه إذا صالَحَ عنها بإِنكارٍ بَقيَت الدارُ في يَدِه، فهو يَزعمُ أنَّها لم تَزُلْ عن مِلكِه، وكذا إذا صالَحَ عنها بسُكوتٍ؛ لأنَّه يَحتمِلُ أنَّه بذَلَ المالَ افتِداءً ليَمينِه وقَطعًا لشَغبِ خَصمِه، كما إذا أنكَرَ صَريحًا، بخِلافِ ما إذا صالَحَ عنها بإِقرارٍ؛ لأنَّه مُعتَرِفٌ بالمِلكِ للمُدَّعي وإنَّما استَفادَه بالصُّلحِ فكانَ مُبادَلةً ماليةً، أمَّا إذا صالَحَ عليها بإِقرارٍ أو سُكوتٍ أو إِنكارٍ وجَبَت الشُّفعةُ في جَميعِ ذلك؛ لأنَّه أخَذَها عِوضًا عن حَقِّه في زَعمِه إذا لم يَكُنْ من جِنسِه فيُعامَلُ بزَعمِه (١). وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا شُفعةَ فيما عِوَضُه غيرُ المالِ كالصَّداقِ وعِوضِ الخُلعِ والصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ، نَحوَ أنْ يَجعلَ الشِّقصَ مَهرًا أو عِوضًا في الخُلعِ أو في الصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ؛ لأنَّه مَملوكٌ بغيرِ مالٍ، أشبَهَ

стр. 8261

المَوهوبَ والمَوروثَ، ولأنَّه يَمتنِعُ بمَهرِ المِثلِ وبالقيمةِ؛ لأنَّها ليسَت عِوضَ الشِّقصِ، فلا يَجوزُ الأخْذُ بها كالمَوروثِ فيتعَذَّرُ أخْذُه، ولأنَّه ليسَ له عِوضٌ يُمكنُ الأخِذُ به، فأشبَهَ المَوهوبَ والمَوروثَ، وفارَقَ البَيعَ فإنَّه أمكَنَ الأخْذُ بعِوضِه (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الشُّفعةَ تَثبُتُ فيما مُلكَ بمُعاوَضةٍ مَحضةٍ كالبَيعِ، أو غيرِ مَحضةٍ كالمَهرِ وعِوضِ خُلعٍ وصُلحِ دَمٍ. قالَ المالِكيةُ: كلُّ شِقصٍ مُلكَ بعِوضٍ ففيه الشُّفعةُ إلا أنْ يَعرضَ ما يَقطَعُها بأيِّ نَوعٍ كانَ من التَّمليكاتِ، من بَيعٍ أو إِجارةٍ أو خُلعٍ أو مَهرٍ أو صُلحٍ من أَرشِ جِنايةٍ أو قيمةِ مُتلَفٍ أو دَمٍ عَمدٍ أو خَطأٍ أو غيرِ ذلك من أَنواعِ المُعاوَضاتِ؛ لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الشَّريكُ شَفيعٌ»، وقَولِه ﷺ : «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ» ولم يُفرَّقْ، ولأنَّه نَوعُ مُعاوَضةٍ يُملَكُ به ما تَجبُ فيه الشُّفعةُ فجازَ أنْ تُستحَقَّ به الشُّفعةُ كالبَيعِ. إنَّما قُلنا: إنَّ الشُّفعةَ واجِبةٌ في أَنواعِ المُعاوَضاتِ لاتِّفاقِهم على ذلك في البَيعِ، فكانَ كلُّ عِوضٍ بمَثابتِه، وقُلنا: إنَّ الشُّفعةَ في النِّكاحِ والخُلعِ؛ لأنَّ النِّكاحَ نَوعُ مُعاوَضةٍ، فإذا مُلكَ به ما يَجبُ فيه الشُّفعةُ جازَ أنْ يُستحَقَّ كالبَيعِ. وإذا وجَبَت الشّفعةُ في المَهرِ فإنَّها تُؤخَذُ بقيمةِ الشِّقصِ؛ لأنَّ ذلك أعدَلُ بينَ الشَّفيعِ والمَرأةِ.

стр. 8262

ويُؤخذُ الشِّقصُ في الصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ بقيمَتِه، وعن دَمِ الخَطأِ بالدِّيةِ؛ لأنَّ الواجِبَ بالعَمدِ القَودُ، وإنَّما تَجبُ الدِّيةُ بالتَّراضي أو بتَعذُّرِ القَودِ، وليسَ كذلك الخَطأُ؛ لأنَّ الواجِبَ به الدِّيةُ، والشِّقصُ بَدلٌ منها (١). وقالَ الشافِعيةُ: تَثبتُ الشُّفعةُ فيما مُلكَ بمُعاوَضةٍ مَحضةٍ كالبَيعِ نَصًّا، وغيرِ مَحضةٍ كمَهرٍ وعِوضِ خُلعٍ وعِوضِ صُلحِ دَمٍ في جِنايةِ العَمدِ، فإنْ كانَت خَطًا أو شِبهَ عَمدٍ فالواجِبُ فيها إنَّما هو الإبِلُ، والمُصالَحةُ عنها باطِلةٌ على الأصَحِّ؛ لجَهالةِ صِفاتِها. وكذا الصُّلحُ عن المالِ، فإنَّه تَثبُتُ الشُّفعةُ فيه قَطعًا وكذا أُجرةٌ؛ لأنَّه يَصحُّ الاعتِياضٌ عنها، ورَأسُ مالِ سَلمٍ فإنَّه في مَعناه، فإنِ اشتَرى شِقصًا ثم قايَلَ البائِعَ فكما لو باعَه (٢). البَيعُ إذا كانَ فيه خِيارٌ: إذا كانَت دارٌ بينَ اثنَينِ فباعَ أَحدُهما نَصيبَه لآخَرَ بشَرطِ الخيارِ فقد اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الخيارَ إذا كانَ للبائِعِ وَحدَه أو للبائِعِ والمُشتَري مَعًا فلا تَجبُ الشُّفعةُ حتى يَجبَ البَيعُ، فليسَ للشَّريكِ أنْ يأخُذَ الشِّقصَ بالشُّفعةِ حتى يَنقَضيَ الخيارُ؛ لأنَّ الشُّفعةَ تَثبُتُ عندَ زَوالِ مِلكِ البائِعِ عن

стр. 8263

المَبيعِ، وخيارُه يَمنعُ زَوالَ المَبيعِ عن مِلكِه، إلا أنْ يُسقِطَ البائِعُ الخيارَ. قالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ المَبيعَ الذي بالخيارِ أنَّه إذا كانَ الخيارُ فيه للبائِعِ أنَّ الشُّفعةَ لا تَجبُ حتى يَجبَ البَيعُ (١). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو كانَ الخيارُ للمُشتَري وَحدَه، هل تَثبُتُ الشُّفعةُ أو لا بدَّ من وُجوبِ البَيعِ؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تَثبُتُ الشُّفعةُ قبلَ انقِضاءِ مُدةِ الخيارِ وقبلَ إِبرامِ العَقدِ؛ لأنَّه مَبيعٌ فيه الخيارُ فلم تَثبُتْ فيه الشُّفعةُ، كما لو كانَ الخيارُ للبائعِ، ولأنَّ العَقدَ لا يَتمُّ ما دامَ الخيارُ باقيًا، والشُّفعةُ إنَّما تَجبُ بعدَ تَمامِ البَيعِ، ولأنَّ أَحكامَ العَقدِ المُتضمِّنِ للخيارِ لا تَختلِفُ بكَونِه للبائِعِ أو للمُشتَري، بدَليلِ أنَّه لا يَستحِقُّ فيه النَّقدَ ولا يُمكنُ التَّصرفُ في أَحدِهما بغيرِ الاختِيارِ، وكذلك الشُّفعةُ. ولأنَّ في الأخْذِ إِلزامَ المُشتَري بالعَقدِ قبلَ رِضاه بالتِزامِه وإِيجابِ العُهدةِ عليه وتَفويتِ حَقِّه من الرُّجوعِ في عَينِ الثَّمنِ (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في تَخريجٍ إلى أنَّ

стр. 8264

الشُّفعةَ تَثبُتُ إذا كانَ الخيارُ للمُشتَري؛ لخُروجِه عن مِلكِ البائِعِ، ووُجوبُ الشُّفعةِ يَنبَني عليه. قالَ الحَنفيةُ: لو كانَ الخيارُ للمُشتَري تَجبُ الشُّفعةُ؛ لأنَّ خيارَه لا يَمنَعُ زَوالَ المَبيعِ عن مِلكِ البائِعِ، وحَقُّ الشُّفعةِ يَقفُ عليه (١). وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ: إنْ كانَ الخيارُ للمُشتَري وَحدَه فإنَّه يُؤخَذُ بالشُّفعةِ في الحالِ إنْ قُلنا: إنَّ المِلكَ في زَمنِ الخيارِ للمُشتَري، وهو الراجِحُ من المَذهبِ. وإلا بأنْ قُلنا: المِلكُ في زَمنِ الخيارِ للبائِعِ أو مَوقوفٌ، فلا يُؤخَذُ بالشُّفعةِ في الحالِ؛ لأنَّ مِلكَ البائِعِ غيرُ زائِلٍ على التَّقديرِ الأولِ، وغيرُ مَعلومِ الزَّوالِ على التَّقديرِ الثاني. قالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ ﵀: وإنْ كانَت دارٌ بينَ اثنَينِ، فباعَ أَحدُهما نَصيبَه بشَرطِ الخيارِ، فإنْ كانَ الخيارُ لهما أو للبائِعِ لم يَكُنْ للشَّفيعِ أنْ يَأخُذَه بالشُّفعةِ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى قَطعِ الخيارِ للبائِعِ. وإنْ كانَ الخيارُ للمُشتَري وَحدَه وقلنا: إنَّ المِلكَ مَوقوفٌ، أو لا يَنتقِلُ إلى المُشتَري إلا بانقِضاءِ الخيارِ لم يَكُنْ للشَّفيعِ الأخْذُ بالشُّفعةِ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ؛ لأنَّ المِلكَ لم يَحصُلْ للمُشتَري، وإنْ قُلنا: إنَّ المِلكَ يَنتقِلُ إلى

стр. 8265

المُشتَري بالعَقدِ نَفسِه فهل يَستحِقُّ الشَّفيعُ الأخْذَ بالشُّفعةِ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ؟ فيه قَولانِ: أَحدُهما: لا يَستحِقُّ، وهو اختِيارُ أَبي إِسحاقَ المَروَزيِّ؛ لأنَّه بَيعٌ فيه خيارٌ، فلم يَستَحقَّ الشَّفيعُ الأخْذَ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ، كما لو كانَ الخيارُ للبائِعِ، ولأنَّ المُشتَريَ شرَطَ الخيارَ لغَرضٍ قصَدَه، وفي أخْذِ الشَّفيعِ قَبلَ انقِضاءِ الخيارِ تَفويتٌ لغَرضِ المُشتَري، فلم يَجُزْ. والثاني -وهو اختيارُ الشَّيخَينِ: أَبي حامِدٍ، وأَبي إِسحاقَ-: أنَّه يَستحِقُّ؛ لأنَّه إذا ملَكَ الأخْذَ بعدَ استِقرارِ حَقِّ المُشتَري بانقِضاءِ الخيارِ فلَأنْ يَملِكَ قبلَ ذلك أوْلى، ولأنَّ المُشتَريَ لو وجَدَ بالشِّقصِ عَيبًا فأَرادَ رَدَّه كانَ للشَّفيعِ أنْ يَأخُذَه، ويُبطِلَ ما ثبَتَ للمُشتَري من الرَّدِّ، فكذلك هذا مِثلُه. وإنْ كانَ بينَ رَجلَينِ دارٌ، فباعَ أَحدُهما نَصيبَه فيه بشَرطِ الخيارِ له وللمُشتَري، أو له وَحدَه، ثم باعَ الشَّريكُ الثانِي نَصيبَه منها بغيرِ خيارٍ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ في البَيعِ الأولِ لم يَكُنْ للبائِعِ الثانِي شُفعةٌ؛ لأنَّ مِلكَه قد زالَ، ولا تَثبُتُ للمُشتَري فيه شُفعةٌ أيضًا؛ لأنَّه ملَكَه بعدَ البَيعِ الأولِ، ولمَن تَثبُتُ الشُّفعةُ في الشِّقصِ الثاني؟ يُبنَى على الأَقوالِ: إلى مَنْ يَنتقِلُ المَبيعُ في حالِ الخيارِ؟ فإنْ قُلنا: إنَّ المِلكَ فيه للبائِعِ كانَت الشُّفعةُ فيه للبائِعِ؛ لأنَّ مِلكَ الشِّقصِ له في هذه الحالةِ. فعلى هذا: إذا انقَضى الخيارُ ولم يُفسَخِ العَقدُ فإنَّ الشِّقصَ المَبيعَ أولًا لمُشتَريه، وإنَّ الشِّقصَ المَبيعَ ثانيًا لبائِعِ الشِّقصِ الأولِ؛ لأنَّه مِلكٌ أخَذَه بالبَيعِ الثاني، فلا يَسقطُ بعدَ ذلك.
следующие страницы →