← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

المَوهوبَ والمَوروثَ، ولأنَّه يَمتنِعُ بمَهرِ المِثلِ وبالقيمةِ؛ لأنَّها ليسَت عِوضَ الشِّقصِ، فلا يَجوزُ الأخْذُ بها كالمَوروثِ فيتعَذَّرُ أخْذُه، ولأنَّه ليسَ له عِوضٌ يُمكنُ الأخِذُ به، فأشبَهَ المَوهوبَ والمَوروثَ، وفارَقَ البَيعَ فإنَّه أمكَنَ الأخْذُ بعِوضِه (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الشُّفعةَ تَثبُتُ فيما مُلكَ بمُعاوَضةٍ مَحضةٍ كالبَيعِ، أو غيرِ مَحضةٍ كالمَهرِ وعِوضِ خُلعٍ وصُلحِ دَمٍ. قالَ المالِكيةُ: كلُّ شِقصٍ مُلكَ بعِوضٍ ففيه الشُّفعةُ إلا أنْ يَعرضَ ما يَقطَعُها بأيِّ نَوعٍ كانَ من التَّمليكاتِ، من بَيعٍ أو إِجارةٍ أو خُلعٍ أو مَهرٍ أو صُلحٍ من أَرشِ جِنايةٍ أو قيمةِ مُتلَفٍ أو دَمٍ عَمدٍ أو خَطأٍ أو غيرِ ذلك من أَنواعِ المُعاوَضاتِ؛ لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الشَّريكُ شَفيعٌ»، وقَولِه ﷺ : «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ» ولم يُفرَّقْ، ولأنَّه نَوعُ مُعاوَضةٍ يُملَكُ به ما تَجبُ فيه الشُّفعةُ فجازَ أنْ تُستحَقَّ به الشُّفعةُ كالبَيعِ. إنَّما قُلنا: إنَّ الشُّفعةَ واجِبةٌ في أَنواعِ المُعاوَضاتِ لاتِّفاقِهم على ذلك في البَيعِ، فكانَ كلُّ عِوضٍ بمَثابتِه، وقُلنا: إنَّ الشُّفعةَ في النِّكاحِ والخُلعِ؛ لأنَّ النِّكاحَ نَوعُ مُعاوَضةٍ، فإذا مُلكَ به ما يَجبُ فيه الشُّفعةُ جازَ أنْ يُستحَقَّ كالبَيعِ. وإذا وجَبَت الشّفعةُ في المَهرِ فإنَّها تُؤخَذُ بقيمةِ الشِّقصِ؛ لأنَّ ذلك أعدَلُ بينَ الشَّفيعِ والمَرأةِ.

стр. 8262

ويُؤخذُ الشِّقصُ في الصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ بقيمَتِه، وعن دَمِ الخَطأِ بالدِّيةِ؛ لأنَّ الواجِبَ بالعَمدِ القَودُ، وإنَّما تَجبُ الدِّيةُ بالتَّراضي أو بتَعذُّرِ القَودِ، وليسَ كذلك الخَطأُ؛ لأنَّ الواجِبَ به الدِّيةُ، والشِّقصُ بَدلٌ منها (١). وقالَ الشافِعيةُ: تَثبتُ الشُّفعةُ فيما مُلكَ بمُعاوَضةٍ مَحضةٍ كالبَيعِ نَصًّا، وغيرِ مَحضةٍ كمَهرٍ وعِوضِ خُلعٍ وعِوضِ صُلحِ دَمٍ في جِنايةِ العَمدِ، فإنْ كانَت خَطًا أو شِبهَ عَمدٍ فالواجِبُ فيها إنَّما هو الإبِلُ، والمُصالَحةُ عنها باطِلةٌ على الأصَحِّ؛ لجَهالةِ صِفاتِها. وكذا الصُّلحُ عن المالِ، فإنَّه تَثبُتُ الشُّفعةُ فيه قَطعًا وكذا أُجرةٌ؛ لأنَّه يَصحُّ الاعتِياضٌ عنها، ورَأسُ مالِ سَلمٍ فإنَّه في مَعناه، فإنِ اشتَرى شِقصًا ثم قايَلَ البائِعَ فكما لو باعَه (٢). البَيعُ إذا كانَ فيه خِيارٌ: إذا كانَت دارٌ بينَ اثنَينِ فباعَ أَحدُهما نَصيبَه لآخَرَ بشَرطِ الخيارِ فقد اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الخيارَ إذا كانَ للبائِعِ وَحدَه أو للبائِعِ والمُشتَري مَعًا فلا تَجبُ الشُّفعةُ حتى يَجبَ البَيعُ، فليسَ للشَّريكِ أنْ يأخُذَ الشِّقصَ بالشُّفعةِ حتى يَنقَضيَ الخيارُ؛ لأنَّ الشُّفعةَ تَثبُتُ عندَ زَوالِ مِلكِ البائِعِ عن

стр. 8263

المَبيعِ، وخيارُه يَمنعُ زَوالَ المَبيعِ عن مِلكِه، إلا أنْ يُسقِطَ البائِعُ الخيارَ. قالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ المَبيعَ الذي بالخيارِ أنَّه إذا كانَ الخيارُ فيه للبائِعِ أنَّ الشُّفعةَ لا تَجبُ حتى يَجبَ البَيعُ (١). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو كانَ الخيارُ للمُشتَري وَحدَه، هل تَثبُتُ الشُّفعةُ أو لا بدَّ من وُجوبِ البَيعِ؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تَثبُتُ الشُّفعةُ قبلَ انقِضاءِ مُدةِ الخيارِ وقبلَ إِبرامِ العَقدِ؛ لأنَّه مَبيعٌ فيه الخيارُ فلم تَثبُتْ فيه الشُّفعةُ، كما لو كانَ الخيارُ للبائعِ، ولأنَّ العَقدَ لا يَتمُّ ما دامَ الخيارُ باقيًا، والشُّفعةُ إنَّما تَجبُ بعدَ تَمامِ البَيعِ، ولأنَّ أَحكامَ العَقدِ المُتضمِّنِ للخيارِ لا تَختلِفُ بكَونِه للبائِعِ أو للمُشتَري، بدَليلِ أنَّه لا يَستحِقُّ فيه النَّقدَ ولا يُمكنُ التَّصرفُ في أَحدِهما بغيرِ الاختِيارِ، وكذلك الشُّفعةُ. ولأنَّ في الأخْذِ إِلزامَ المُشتَري بالعَقدِ قبلَ رِضاه بالتِزامِه وإِيجابِ العُهدةِ عليه وتَفويتِ حَقِّه من الرُّجوعِ في عَينِ الثَّمنِ (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في تَخريجٍ إلى أنَّ

стр. 8264

الشُّفعةَ تَثبُتُ إذا كانَ الخيارُ للمُشتَري؛ لخُروجِه عن مِلكِ البائِعِ، ووُجوبُ الشُّفعةِ يَنبَني عليه. قالَ الحَنفيةُ: لو كانَ الخيارُ للمُشتَري تَجبُ الشُّفعةُ؛ لأنَّ خيارَه لا يَمنَعُ زَوالَ المَبيعِ عن مِلكِ البائِعِ، وحَقُّ الشُّفعةِ يَقفُ عليه (١). وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ: إنْ كانَ الخيارُ للمُشتَري وَحدَه فإنَّه يُؤخَذُ بالشُّفعةِ في الحالِ إنْ قُلنا: إنَّ المِلكَ في زَمنِ الخيارِ للمُشتَري، وهو الراجِحُ من المَذهبِ. وإلا بأنْ قُلنا: المِلكُ في زَمنِ الخيارِ للبائِعِ أو مَوقوفٌ، فلا يُؤخَذُ بالشُّفعةِ في الحالِ؛ لأنَّ مِلكَ البائِعِ غيرُ زائِلٍ على التَّقديرِ الأولِ، وغيرُ مَعلومِ الزَّوالِ على التَّقديرِ الثاني. قالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ ﵀: وإنْ كانَت دارٌ بينَ اثنَينِ، فباعَ أَحدُهما نَصيبَه بشَرطِ الخيارِ، فإنْ كانَ الخيارُ لهما أو للبائِعِ لم يَكُنْ للشَّفيعِ أنْ يَأخُذَه بالشُّفعةِ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى قَطعِ الخيارِ للبائِعِ. وإنْ كانَ الخيارُ للمُشتَري وَحدَه وقلنا: إنَّ المِلكَ مَوقوفٌ، أو لا يَنتقِلُ إلى المُشتَري إلا بانقِضاءِ الخيارِ لم يَكُنْ للشَّفيعِ الأخْذُ بالشُّفعةِ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ؛ لأنَّ المِلكَ لم يَحصُلْ للمُشتَري، وإنْ قُلنا: إنَّ المِلكَ يَنتقِلُ إلى

стр. 8265

المُشتَري بالعَقدِ نَفسِه فهل يَستحِقُّ الشَّفيعُ الأخْذَ بالشُّفعةِ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ؟ فيه قَولانِ: أَحدُهما: لا يَستحِقُّ، وهو اختِيارُ أَبي إِسحاقَ المَروَزيِّ؛ لأنَّه بَيعٌ فيه خيارٌ، فلم يَستَحقَّ الشَّفيعُ الأخْذَ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ، كما لو كانَ الخيارُ للبائِعِ، ولأنَّ المُشتَريَ شرَطَ الخيارَ لغَرضٍ قصَدَه، وفي أخْذِ الشَّفيعِ قَبلَ انقِضاءِ الخيارِ تَفويتٌ لغَرضِ المُشتَري، فلم يَجُزْ. والثاني -وهو اختيارُ الشَّيخَينِ: أَبي حامِدٍ، وأَبي إِسحاقَ-: أنَّه يَستحِقُّ؛ لأنَّه إذا ملَكَ الأخْذَ بعدَ استِقرارِ حَقِّ المُشتَري بانقِضاءِ الخيارِ فلَأنْ يَملِكَ قبلَ ذلك أوْلى، ولأنَّ المُشتَريَ لو وجَدَ بالشِّقصِ عَيبًا فأَرادَ رَدَّه كانَ للشَّفيعِ أنْ يَأخُذَه، ويُبطِلَ ما ثبَتَ للمُشتَري من الرَّدِّ، فكذلك هذا مِثلُه. وإنْ كانَ بينَ رَجلَينِ دارٌ، فباعَ أَحدُهما نَصيبَه فيه بشَرطِ الخيارِ له وللمُشتَري، أو له وَحدَه، ثم باعَ الشَّريكُ الثانِي نَصيبَه منها بغيرِ خيارٍ قبلَ انقِضاءِ الخيارِ في البَيعِ الأولِ لم يَكُنْ للبائِعِ الثانِي شُفعةٌ؛ لأنَّ مِلكَه قد زالَ، ولا تَثبُتُ للمُشتَري فيه شُفعةٌ أيضًا؛ لأنَّه ملَكَه بعدَ البَيعِ الأولِ، ولمَن تَثبُتُ الشُّفعةُ في الشِّقصِ الثاني؟ يُبنَى على الأَقوالِ: إلى مَنْ يَنتقِلُ المَبيعُ في حالِ الخيارِ؟ فإنْ قُلنا: إنَّ المِلكَ فيه للبائِعِ كانَت الشُّفعةُ فيه للبائِعِ؛ لأنَّ مِلكَ الشِّقصِ له في هذه الحالةِ. فعلى هذا: إذا انقَضى الخيارُ ولم يُفسَخِ العَقدُ فإنَّ الشِّقصَ المَبيعَ أولًا لمُشتَريه، وإنَّ الشِّقصَ المَبيعَ ثانيًا لبائِعِ الشِّقصِ الأولِ؛ لأنَّه مِلكٌ أخَذَه بالبَيعِ الثاني، فلا يَسقطُ بعدَ ذلك.

стр. 8266

وإنْ قُلنا: إنَّ المِلكَ في الشِّقصِ الأولِ انتقَلَ إلى المُشتَري بالعَقدِ فإنَّ الشُّفعةَ في الشِّقصِ الثانِي لمُشتَري الأولِ، فإنْ فَسخَ البَيعَ بعدَ ذلك في الذي اشتَراه لم يَسقُطْ حَقُّه من الشُّفعةِ في الثاني؛ لمَا ذَكَرناه. وإنْ قُلنا: إنَّ المِلكَ في الشِّقصِ الأولِ مَوقوفٌ على انقِضاءِ الخيارِ كانَت الشُّفعةُ في الشِّقصِ الثانِي أيضًا مَوقوفةً، فإنْ فَسَخا البَيعَ كانَت الشُّفعةُ لبائِعِ الأولِ، وإنْ لم يَفسَخا كانَت للمُشتَري (١). ثانيًا: أنْ يَكونَ مِلكُه قبلَ مِلكِ الشَّريكِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يُشتَرطُ لثُبوتِ الشُّفعةِ تَقدُّمُ مِلكِ الشَّفيعِ لرَقبةِ العَقارِ المَشفوعِ، بأنْ كانَ مالِكًا لجُزءٍ منه قبلَ البَيعِ؛ لأنَّ الشُّفعةَ ثَبتَت لدَفعِ الضَّررِ عن الشَّريكِ، فإذا لم يَكُنْ له مِلكٌ سابِقٌ فلا ضَررَ عليه، فلو اشتَرى اثنان مَعًا دارًا أو بعضَها معًا ولو في الزَّمانِ ولو تعدَّدَ العَقدُ فلا شُفعةَ لأَحدِهما على الآخَرِ؛ لاستِوائِهما في وَقتِ حُصولِ المِلكِ. قالَ الشَّيخُ الدَّرديرُ ﵀: فلو ملَكَا العَقارَ معًا بمُعاوَضةٍ فلا شُفعةَ لأَحدِهما على صاحِبِه، إلا إذا باعَ أَحدُهما لأجنَبيٍّ فللآخَرِ الأَخذُ حينَئذٍ (٢).

стр. 8267

الرُّكنُ الرابِعُ: في الأخذِ بالشُّفعةِ: والنَّظرُ في هذا الرُّكنِ يَتضمَّنُ عِدةَ مَسائلَ: بماذا يأخُذُ الشَّفيعُ الشِّقصَ المَشفوعَ؟ الشَّريكُ إذا باعَ نَصيبَه لأجنَبيٍّ بثَمنٍ مَعلومٍ فأَرادَ الشَّريكُ أنْ يأخُذَه بالشُّفعةِ فهذا لا يَخلو من حالتَينِ: الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ الثَّمنُ حالًّا: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الشَّريكَ إذا باعَ بثَمنٍ حالٍّ مَعلومٍ ثم جاءَ شَريكُه الآخَرُ وأَرادَ أنْ يأخُذَ نَصيبَ شَريكِه بالشُّفعةِ فإنَّه يأخُذُه بالثَّمنِ الذي وقَعَ به العَقدُ حالًّا؛ لأنَّ الشَّفيعَ إنَّما استحَقَّ الشِّقصَ بالبَيعِ فكانَ مُستحِقًّا له بالعِوضِ الثابِتِ به، لا بالقيمةِ، فيَدفعُ مثلَ مِثليٍّ، وقيمةَ مُتقوَّمٍ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: إنَّ الشَّفيعَ استحَقَّ أخْذَه بغيرِ رِضا مالِكِه فيَنبَغي أنْ يأخُذَ بقيمَتِه كالمُضطَرِّ يأخُذُ طَعامَ غيرِه، قُلنا: المُضطَرُّ استحَقَّ أخْذَه بسَببِ حاجةٍ خاصةٍ، فكانَ المَرجعُ في بَدلِه إلى قيمَتِه، والشَّفيعُ استحَقَّه لأجلِ البَيعِ، ولهذا لو انتقَلَ بهِبةٍ أو مِيراثٍ لم يَستحِقَّ الشُّفعةَ، وإذا استحَقَّ ذلك بالبَيعِ وجَبَ أنْ يَكونَ بالعِوضِ الثابِتِ بالبَيعِ.

стр. 8268

إذا ثبَتَ هذا فإنَّا نَنظُرُ في الثَّمنِ، فإنْ كانَ دَنانيرَ أو دَراهمَ أَعطاه الشَّفيعُ مِثلَه، وإنْ كانَ ممَّا لا مِثلَ له كالثِّيابِ والحَيوانِ فإنَّ الشَّفيعَ يَستحِقُّ الشِّقصَ بقيمةِ الثَّمنِ، وهذا قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وبه يَقولُ أَصحابُ الرأيِ والشافِعيُّ، وحُكيَ عن الحَسنِ وسَوَّارٍ أنَّ الشُّفعةَ لا تَجبُ ههنا؛ لأنَّها تَجبُ بمِثلِ الثَّمنِ، وهذا لا مِثلَ له، فتَعذَّرَ الأخْذُ فلم يَجِبْ كما لو جهِلَ الثَّمنَ. ولنا: أنَّه أحدُ نَوعَيِ الثَّمنِ فجازَ أنْ تَثبُتَ به الشُّفعةُ في المَبيعِ كالمِثليِّ، وما ذَكَروه لا يَصحُّ؛ لأنَّ المِثلَ يَكونُ من طَريقِ الصُّورةِ ومِن طَريقِ القيمةِ، كبَدلِ المُتلَفِ. فأمَّا إنْ كانَ الثَّمنُ من المِثلياتِ غيرِ الأَثمانِ كالحُبوبِ والأَدهانِ فقالَ أَصحابُنا: يأخُذُه الشَّفيعُ بمِثلِه؛ لأنَّه من ذَواتِ الأَمثالِ فهو كالأَثمانِ، وبه يَقولُ أَصحابُ الرأيِ وأَصحابُ الشافِعيِّ، ولأنَّ هذا مِثلٌ من طَريقِ الصُّورةِ والقيمةِ، فكانَ أَولى من المُماثِلِ في إِحداهما، ولأنَّ الواجِبَ بَدلُ الثَّمنِ، فكانَ مِثلَه كبَدلِ القَرضِ والمُتلَفِ. فَصلٌ: ويَستحِقُّ الشَّفيعُ الشِّقصَ بالثَّمنِ الذي استقَرَّ عليه العَقدُ: فلو تَبايَعا بقَدرٍ ثم غَيَّراه في زَمنِ الخيارِ بزِيادةٍ أو نَقصٍ ثبَتَ ذلك التَّغييرُ في حَقِّ الشَّفيعِ؛ لأنَّ حَقَّ الشَّفيعِ إنَّما يَثبُتُ إذا تمَّ العَقدُ، وإنَّما يُستحَقُّ بالثَّمنِ الذي هو ثابِتٌ حالَ استِحقاقِه، ولأنَّ زَمنَ الخيارِ بمَنزِلةِ حالةِ العَقدِ، ولأنَّ التَّغييرَ يَلحَقُ بالعَقدِ فيه؛ لأنَّهما على اختيارِهم فيه، كما لو كانَ حالَ العَقدِ، فأمَّا إذا انقَضى الخيارُ وانبَرَم العَقدُ فزادا أو نَقَصا لم يُلحَقْ بالعَقدِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ بعدَه

стр. 8269

هِبةٌ يُعتبَرُ لها شُروطُ الهِبةِ، والنَّقصُ إِبراءٌ مُبتَدأٌ، ولا يَثبُتُ ذلك في حَقِّ الشَّفيعِ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ. وقالَ أَبو حَنيفةَ: يَثبُتُ النَّقصُ في حَقِّ الشَّفيعِ دونَ الزِّيادةِ، وإنْ كانَ عندَه يُلحَقانِ بالعَقدِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ تَضرُّ الشَّفيعَ فلم يَملِكْها بخِلافِ النَّقصِ. وقالَ مالِكٌ: إنْ بَقيَ ما يَكونُ ثَمنًا أُخذَ به، وإنْ حَطَّ الأكثَرَ أخَذَه بجَميعِ الثَّمنِ الأولِ. ولنا: أنَّ ذلك يُعتبَرُ بعدَ استِقرارِ العَقدِ فلم يَثبُتْ في حَقِّ الشَّفيعِ كالزِّيادةِ، ولأنَّ الشَّفيعَ استحَقَّ الأخْذَ بالثَّمنِ الأولِ قبلَ التَّغييرِ فلم يُؤثِّرِ التَّغييرُ بعدَ ذلك فيه كالزِّيادةِ، وما ذَكَروه من العُذرِ غيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّ ذلك لو لحِقَ العَقدَ لزِمَ الشَّفيعَ وإنْ أضَرَّ به كالزِّيادةِ في مُدةِ الخيارِ، ولأنَّه حَطَّ بعدَ لُزومِ العَقدِ فأشبَهَ حَطَّ الجَميعِ أو الأكثَرِ عندَ مالِكٍ. فَصلٌ: وإنْ كانَ الثَّمنُ ممَّا تَجبُ قيمَتُه فإنَّها تُعتبَرُ وَقتَ البَيعِ؛ لأنَّه وَقتُ الاستِحقاقِ، ولا اعتِبارَ بعدَ ذلك بالزِّيادةِ والنَّقصِ، وإنْ كانَ فيه خيارٌ اعتُبِرت القيمةُ حين انقِضاءِ الخيار واستِقرارِ العَقدِ؛ لأنَّه وَقتُ استِحقاقِ الشُّفعةِ، وبهذا قالَ الشافِعيُّ، وحُكيَ عن مالِكٍ أنَّه يأخُذُه بقيمَتِه يَومَ المُحاكَمةِ، وليسَ بصَحيحٍ؛ لأنَّ وَقتَ الاستِحقاقِ وَقتُ العَقدِ، وما زادَ بعدَ ذلك حصَلَ في مِلكِ البائِعِ فلا يَقومُ للمُشتَري، وما نقَصَ فمِن مالِ البائِعِ فلا يَنقُصُ به حَقُّ المُشتَري (١).

стр. 8270

الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ الثَّمنُ مُؤجَّلًا: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو باعَ الشَّريكُ نَصيبَه لآخَرَ بثَمنٍ مُؤجَّلٍ، فأَرادَ الشَّفيعُ أنْ يأخُذَ بالشُّفعةِ، هل يأخُذُه بالثَّمنِ نَفسِه حالًّا أو مُؤجَّلًا كما باعَه؟ فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الشَّريكَ إذا باعَ بثَمنٍ مُؤجَّلٍ فإنَّ الشَّفيعَ يأخُذُه بذلك الأجَلِ إنْ كانَ مَليئًا، وإلا أَقامَ ضَمينًا مَليئًا وأخَذَ به؛ لأنَّ الشَّفيعَ تابِعٌ للمُشتَري في قَدرِ الثَّمنِ وصِفتِه، والتَّأجيلُ مِنْ صِفاتِه، ولأنَّ في الحُلولِ زِيادةً على التَّأجيلِ فلم يَلزَمِ الشَّفيعَ كزِيادةِ القَدرِ، فإنْ لم يَكُنِ الشَّفيعُ مَليئًا ولا أتى بضامِنٍ لا يأخُذِ الشِّقصَ حتى يُعجِّلَ الثَّمنَ (١).

стр. 8271

وجاءَ في «المُوطَّأِ»: قالَ مالِكٌ في رَجلٍ اشتَرى شِقصًا في أرضٍ مُشتَركةٍ بثَمنٍ إلى أَجلٍ فأَرادَ الشَّريكُ أنْ يأخُذَها بالشُّفعةِ، قالَ مالِكٌ: إنْ كانَ مَليئًا فله الشُّفعةُ بذلك الثَّمنِ إلى ذلك الأَجلِ، وإنْ كانَ مَخوفًا ألَّا يُؤدِّيَ الثَّمنَ إلى ذلك الأَجلِ فإذا جاءَهم بحَميلٍ ثِقةٍ مَليءٍ مِثلِ الذي اشتَرى منه الشِّقصَ في الأرضِ المُشتَركةِ فذلك له (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ إلى أنَّ المُشتَريَ إذا اشتَرى بثَمنٍ مُؤجَّلٍ فالشَّفيعُ بالخيارِ: إنْ شاءَ أخَذَها بثَمنٍ حالٍّ، وإنْ شاءَ صبَرَ عن الأخْذِ بعدَ استِقرارِها بالإِشهادِ حتى يَنقَضيَ الأجلُ ثم يأخُذَها. قالَ الحَنفيةُ: وليسَ له أنْ يأخُذَها في الحالِ بثَمنٍ مُؤجَّلٍ؛ لأنَّ الشَّفيعَ إنَّما يأخُذُ بما وجَبَ بالبَيعِ، والأَجلُ لم يَجِبْ بالبَيعِ، وإنَّما وجَبَ بالشَّرطِ، والشَّرطُ لم يُوجَدْ في حَقِّ الشَّفيعِ، وليسَ الرِّضا به في حَقِّ المُشتَري رِضاءً به في حَقِّ الشَّفيعِ لتَفاوُتِ الناسِ. ولو اختارَ الشَّفيعُ أخَذَ الدارَ بثَمنٍ حالٍّ كانَ الثَّمنُ للبائِعِ على المُشتَري إلى أجَلِه كما كانَ؛ لأنَّ الأخْذَ من المُشتَري منه بمَنزِلةِ التَّملُّكِ المُبتَدأِ، كأنَّه اشتَرى منه فلا يُوجِبُ بُطلانَ البَيعِ الأولِ، فبَقيَ الأولُ على حالِه فكانَ الثَّمنُ على حالِه إلى أَجلِه (٢).

стр. 8272

وقالَ الشافِعيةُ في الأظهَرِ: لو اشتَرى بمُؤجَّلٍ أو بمُنجَّمٍ لا يأخُذُ الشَّفيعُ بمُؤجَّلٍ، بل هو مُخيَّرٌ بينَ: أنْ يُعجِّلَ الثَّمنَ للمُشتَري ويأخُذَ الشِّقصَ في الحالِ. أو أنْ يَصبِرَ إلى المَحلِّ ويأخُذَ بعدَ ذلك، وحَقُّه لا يَسقُطُ بتأخيرِه لعُذرِه؛ لأنَّا لو جَوَّزنا له الأَخذَ بالمُؤجَّلِ لأَضرَرْنا بالمُشتَري؛ لأنَّ الذِّممَ تَختلِفُ، وإنْ ألزَمْناه الأخْذَ في الحالِ بنَظيرِه من الحالِ أضرَرْنا بالشَّفيعِ؛ لأنَّ الأجَلَ يُقابِلُه قِسطٌ من الثَّمنِ، فكانَ ذلك دافِعًا للضَّررَينِ وجامِعًا لِلحقَّينِ. ولو رَضيَ المُشتَري بذِمةِ الشَّفيعِ -أي: بدَفعِ الشِّقصِ وتأجيلِ الثَّمنِ إلى مَحلِّه- تعيَّنَ عليه الأخْذُ حالًّا، وإلا سقَطَ حقُّه. والثاني مُقابِلُ الأظهَرِ: يأخُذُه بالمُؤجَّلِ تَنزيلًا له مَنزلةَ المُشتَري. والثالِثُ: يأخُذُه بسِلعةٍ لو بِيعَت إلى ذلك الأَجلِ لبِيعَت بذلك القَدرِ، فيَأخذُه بعِوضٍ يُساوِي الثَّمنَ مُؤجَّلًا؛ لتَعذُّرِ أَخذِه بحالٍّ ومُؤجَّلٍ، فيَتعيَّنُ هذا؛ لأنَّه أقرَبُ إلى العَدلِ (١). قالَ الإِمامُ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: «وإنِ اشتَراها بثَمنٍ إلى أَجلٍ قيلَ للشَّفيعِ: إنْ شِئتَ فعَجِّلِ الثَّمنَ وتَعجَّلِ الشُّفعةَ، وإنْ شِئتَ فدَعْ حتى يَحِلَّ الأجَلُ».

стр. 8273

قالَ الماوَرديُّ: وصُورتُها في رَجلٍ اشتَرى شِقصًا بثَمنٍ مُؤجَّلٍ، وحضَرَ الشَّفيعُ مُطالِبًا، ففيه قَولانِ: أَحدُهما: وهو قَولُه في القَديمِ -وبه قالَ مالِكٌ-: إنَّ للشَّفيعِ أنْ يَتعجَّلَ أخْذَها، ويَكونَ الثَّمنُ في ذِمتِه إنْ كانَ ثِقةً، وإنْ كانَ غيرَ ثِقةٍ أَقامَ ضَمينًا ثِقةً، قالَ الشافِعيُّ ﵁: وهذا أشبَهُ بَصلاحِ الناسِ. ووَجهُ هذا القَولِ شَيئانِ: أَحدُهما: أنَّ الشَّفيعَ يَدخلُ مَدخلَ المُشتَري في قَدرِ الثَّمنِ وصِفاتِه، والأَجلِ وصِفاتِه، فاقتَضى أنْ يأخُذَ بمِثلِ الثَّمنِ وأَجلِه. والثانِي: أنَّ تَعجيلَ المُؤجَّلِ زِيادةٌ في القَدرِ بتَفاضُلِ الأَثمانِ، وليسَ للمُشتَري أنْ يَستَزيدَ، وتأخيرُ الشَّفيعِ تَخَلٍّ له عن حَقِّه، وليسَ للمُشتَري دَفعُ الشَّفيعِ. والقَولُ الثانِي: وبه قالَ في الجَديدِ -وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ-: إنَّ الشَّفيعَ لا يَتعجَّلُ الشِّقصَ بالثَّمنِ المُؤجَّلِ، ويُقالُ له: أنتَ مُخيَّرٌ بينَ أنْ تُعجِّلَ الثَّمنَ فتَتعجَّلَ أخْذَ الشِّقصِ وبينَ أنْ تَصبِرَ إلى حُلولِ الأجلِ فتَدفعَ الثَّمنَ وتأخُذَ الشِّقصَ، ووَجهُ هذا القَولِ شَيئانِ: أَحدُهما: أنَّ أَخذَ الشُّفعةِ باستِحقاقِ الأَجلِ يَدخلُ في عُقودِ المُراضاةِ، ولا يَدخلُ في الاستِحقاقِ ما لم يَكُنْ مُراضاةً. والثانِي: أنَّ رِضا البائِعِ بذِمةِ المُشتَري لا يُوجِبُ على المُشتَري أنْ

стр. 8274

يَرضَى بذِمةِ الشَّفيعِ، ولذلك حَلَّ دَينُ المَيتِ؛ لأنَّ رِضا رَبِّه بذِمتِه لا يُوجِبُ عليه الرِّضا بذِمةِ وارِثِه (١). إذا حَطَّ البائِعُ عن المُشتَري بَعضَ الثَّمنِ بعدَ لُزومِ العَقدِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو حَطَّ البائِعُ عن المُشتَري بعضَ الثَّمنِ أو أبرَأه عن بعضِ الثَّمنِ بعدَ تَمامِ العَقدِ، هل يُحطُّ ذلك عن الشَّفيعِ أو لا؟ قالَ الحَنفيةُ: لو حَطَّ البائِعُ عن المُشتَري أو أبرَأه عن بعضِ الثَّمنِ سقَطَ ذلك المَحطوطُ عن الشَّفيعِ، ويأخُذُ بما بَقيَ؛ لأنَّ حَطَّ بعضِ الثَّمنِ يَلتحِقُ بأصلِ العَقدِ ويَظهَرُ في حَقِّ الشَّفيعِ، كانَ العَقدُ ما ورَدَ إلا على هذا القَدرِ. وإنْ حَطَّ البائِعُ عن المُشتَري جَميعَ الثَّمنِ لم يَسقُطْ عن الشَّفيعِ منه شَيءٌ؛ لأنَّ حَطَّ الكلِّ لا يَلتحِقُ بأصلِ العَقدِ؛ لعَدمِ بَقاءِ ما يَكونُ ثَمنًا، ولأنَّ في تَصحيحِ الزِّيادةِ في الثَّمنِ في حَقِّ الشَّفيعِ ضَررًا به، ولا ضَررَ عليه في الحَطِّ، فيأخُذُ الشَّفيعُ بجَميعِ الثَّمنِ، ولأنَّه لو التحَقَ لبطَلَ البَيعُ؛ لأنَّه يَكونُ بَيعًا بلا ثَمنٍ، فلم يَصحَّ الحَطُّ في حَقِّ الشَّفيعِ، والتحَقَ في حَقِّه بالعَدمِ، فيأخُذُ بجَميعِ الثَّمنِ ولا يَسقطُ عنه شَيءٌ. وإذا زادَ المُشتَري البائِعَ في الثَّمنِ لم تَلزَمْ تلك الزِّيادةُ الشَّفيعَ؛ لأنَّ في اعتِبارِ الزِّيادةِ ضَررًا بالشَّفيعِ؛ لاستِحقاقِه الأخْذَ بما دونَها بخِلافِ الحَطِّ؛

стр. 8275

لأنَّ فيه مَنفَعةً له، ونَظيرُ الزِّيادةِ إذا جدَّدَ العَقدَ بأكثَرَ من الثَّمنِ الأولِ لم يَلزَمِ الشَّفيعَ، حتى كانَ له أنْ يأخُذَها بالثَّمنِ الأولِ (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا حَطَّ البائِعُ عن المُبتاعِ بعضَ الثَّمنِ بعدَ لُزومِ العَقدِ نُظِر، فإنْ كانَ يَسيرًا يُشبهُ أنْ يَكونَ الباقي ثَمنًا للشِّقصِ حُطَّ عن الشَّفيعِ، وإنْ كانَ شَيئًا كَثيرًا لا يُبتاعُ بمِثلِه، كانَ ذلك هبةً للمُشتَري ولا يُحَطُّ عن الشَّفيعِ، وذلك لأنَّ الذي يَلزمُ الشَّفيعَ القَدرُ الذي بذَلَ المُشتَري في المُعاوَضةِ عن الشِّقصِ دونَ ما زادَ عليه، والذي بُذلَ هو ما بَقيَ بعدَ الحَطِّ، فوجَبَ أنْ يَكونَ ذلك هو الذي يَلزمُ الشَّفيعَ، ولا يَدخلُ عليه الحَطُّ الكَثيرُ الخارجُ على العادةِ؛ لأنَّ لذلك وَجهًا حُملَ عليه، وهو الهِبةُ دونَ قَصدِ المُشاحةِ في البَيعِ، ولأنَّ ذلك كأنَّه فَسخٌ للعَقدِ الأولِ بالعِوضِ الثاني. ودَليلُنا على أنَّ الحَطَّ الكَثيرَ لا يَجبُ حَطُّه عن الشَّفيعِ أنَّه هِبةٌ فلم يَسقُطْ بها عن الشَّفيعِ فألزَمَه، كما لو وهَبَ له الثَّمنَ كلَّه بلَفظِ الهِبةِ، ولا يُشبهُ اليَسيرَ؛ لأنَّ الباقيَ لا يَخرجُ عن أنْ يَكونَ ثَمنًا، فيُحملُ الحَطُّ على أنَّه فَسخٌ للعَقدِ وبَيعٌ مُستأنَفٌ (٢).

стр. 8276

وقالَ الشافِعيةُ: ولو حَطَّ البائِعُ عن المُشتَري بعضَ الثَّمنِ قبلَ لُزومِ البَيعِ أو زادَ في الثَّمنِ قبلَ لُزومِ البَيعِ -أي: في مُدةِ الخيارِ- لحِقَ بأصلِ العَقدِ، ولو حَطَّ كلَّ الثَّمنِ فلا شُفعةَ لانتِفاءِ البَيعِ. وأمَّا ما زِيدَ أو حُطَّ بعدَ مُدةِ الخيارِ فلا يَلحَقُ بالثَّمنِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لو حَطَّ البائِعُ عن المُشتَري بعضَ الثَّمنِ بعدَ لُزومِ العَقدِ فلا رُجوعَ للشَّفيعِ عليه بشَيءٍ؛ لأنَّ البَيعَ لازِمٌ من جِهةِ المُشتَري لا يَملِكُ فَسخَه (٢). كم يأخُذُ الشَّفيعُ من حِصةِ الشَّريكِ: الشَّفيعُ لا يَخلو: إمَّا أنْ يَكونَ واحِدًا أو أكثَرَ، والمَشفوعُ عليه أيضًا لا يَخلو أنْ يَكونَ واحِدًا أو أكثَرَ. فإنْ كانَ الشَّفيعُ واحِدًا وكانَ المَشفوعُ عليه واحِدًا فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ الواجِبَ على الشَّفيعِ أنْ يأخُذَ الكلَّ أو أنْ يَدعَ الكلَّ. وإنْ كانَ المَشفوعُ عليه واحِدًا وكانَ الشُّفعاءُ أكثَرَ من واحِدٍ فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ أيضًا على أنَّ الشُّفعةَ لجَميعِهم؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الشُّفعةُ في كلِّ شِركٍ في أرضٍ، أو رَبعٍ، أو حائِطٍ، لا يَصلُحُ أنْ يَبيعَ حتى

стр. 8277

يَعرِضَ على شَريكِه، فيأخُذَ أو يَدَعَ، فإنْ أبَى فشَريكُه أحَقُّ به حتى يُؤذِنَه» (١)، وكلُّ واحِدٍ منهم شَريكٌ. وكذا لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه يُقسَمُ بينَهم بالسَّويةِ إذا كانَت أَنصِباءُ الشُّفعاءِ مُتساويةً. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو تفاضَلَت أَنصِباءُ الشُّفعاءِ، هل يُقسَمُ بينَهم بالسَّويةِ على قَدرِ رُؤوسِهم أو على قَدرِ حِصَصِهم إذا طَلَبوها، كما لو كانَت دارٌ بينَ ثَلاثةٍ، لمُحمدٍ نِصفُها ولعُمرَ الرُّبعُ ولزَيدٍ الرُّبعُ، فأَرادَ زَيدٌ أنْ يَبيعَ نَصيبَه، فأخَذَها مُحمدٌ وعُمرُ شُفعةً، هل يُقسَمُ الرُّبعُ بينَهما نِصفَينِ على قَدرِ رَأسَيْهما أو يُقسَمُ بينَهما على قَدرِ حِصَتَيْهما فيَكونُ لمُحمدٍ ثُلثَا الرُّبعِ ولعُمرَ ثُلثُ الرُّبعِ، فيَكونُ نَصيبُ مُحمدٍ الثُّلثَينِ ويَكونُ نَصيبُ عُمرَ الثُّلثَ؟ ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ إلى أنَّ المَشفوعَ فيه يُقسَمُ بينَهم على قَدرِ حِصَصِهم من المِلكِ، يأخُذُ كلُّ إِنسانٍ منهم بقَدرِ نَصيبِه، إنْ كانَ قَليلًا فقَليلٌ، وإنْ كانَ كَثيرًا فبقَدْرِه. فإذا كانَت دارٌ بينَ ثَلاثةٍ، لأَحدِهم النِّصفُ ولآخَرَ الثُّلثُ ولآخَرَ السُّدسُ، فباعَ الأولُ صاحِبُ النِّصفِ نَصيبَه فإنَّ لصاحِبِ الثُّلثِ ثُلثَيِ النِّصفِ، أي: سَهمَينِ، ولصاحِبِ السُّدسِ ثُلثَه، أي: سَهمًا، فيَصيرُ له ثُلثُ الدارِ ولذلك ثُلثاها.

стр. 8278

وذلك لأنَّ الشُّفعةَ حَقٌّ يُستَفاد وُجوبُه بالمِلكِ المُتقدِّمِ، فوجَبَ أنْ يَتوزَّعَ على مِقدارِ الأصلِ، أصلُه الأَكريةُ في المُستَأجَراتِ المُشتَركةِ، والرِّبحُ في شَركةِ الأَموالِ وككَسبِ العَبدِ والنِّتاجِ والثِّمارِ، فإنَّها تُقسَّمُ بينَهم على حَسبِ أَنصِبائِهم، وكما لو قالَ مالِكانِ لعَبدٍ آبِقٍ -ومِلكُهما فيه مُختلِفٌ- لرَجلٍ: إنْ رَدَدتَه فلك دِينارٌ، فإنَّه يأخُذُه على قَدرِ حِصَّتَيِ المِلكِ لا على التَّسويةِ. وأيضًا فإنَّ الشُّفعةَ إنَّما هي لإِزالةِ الضَّررِ، والضَّررُ داخِلٌ على كلِّ واحِدٍ منهم على غيرِ استِواءٍ؛ لأنَّه إنَّما يَدخلُ على كلِّ واحِدٍ منهم بحَسبِ حِصتِه، فوجَبَ أنْ يَكونَ استِحقاقُهم لدَفعِه على تلك النِّسبةِ. ولأنَّ الدارَ إذا قُسِّمت قُسِّطَت مُؤنةُ البِناءِ في القِسمةِ على قَدرِ المِلكِ لا على قَدرِ الرُّؤوسِ، فإذا كانَت الشُّفعةُ مُستحَقةً لهذا وجَبَ أنْ تُستحَقَّ بقَدرِ المِلكِ؛ لأنَّ هذا الضَّررَ إذا وُجِد فقُسِّط بحَسبِ المالِ وكذلك إذا رُفعَ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأظهَرِ والإِمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إذا اجتمَعَ الشُّفعاءُ وتَساوَوْا في سَببِ الاستِحقاقِ فالشُّفعةُ بينَهم على

стр. 8279

عَددِ رُؤوسِهم؛ لأنَّهم استَوَوْا في سَببِ الاستِحقاقِ -وهو الاتِّصالُ- فيَستَوونَ في الاستِحقاقِ، والشُّركاءُ مُتساوُونَ في سَببِ الشُّفعةِ، ولهذا لو انفَرَد واحِدٌ منهم استحَقَّ كلَّ الشُّفعةِ ولو قَلَّ نَصيبُه، وهذا آيةُ كَمالِ السَّببِ، وكَثرةُ الاتِّصالِ تُؤذِنُ بكَثرةِ الغَلةِ، والتَّرجيحُ يَقعُ بقُوةٍ في الدَّليلِ لا بكَثرتِه، ولا قُوةَ ههنا لظُهورِ الأُخرى بمُقابَلتِه، فيُقسَمُ النِّصفُ في المِثالِ السابِقِ نِصفَينِ، ويَكونُ لكلِّ واحِدٍ منهما نِصفُه (١). إذا طلَبَ أحدُ الشُّفعاءِ الشُّفعةَ وترَكَها الباقونَ: إذا حضَرَ جَميعُ الشُّركاءِ فأَرادوا جَميعًا الأخْذَ بالشُّفعةِ فلا كَلامَ، وهو بينَهم على الخِلافِ السابِقِ على قَدرِ رُؤوسِهم أو على قَدرِ أَملاكِهم. وإنْ أَرادَ بَعضٌ أنْ يأخُذَ ولم يُرِدِ الباقونَ فإنَّ أهلَ العِلمِ أَجمَعوا على أنَّ مَنْ أَرادَ أنْ يأخُذَ مُخيَّرٌ بينَ أَمرَينِ، بينَ أنْ يأخُذَ الجَميعَ أو يَدَعَ الجَميعَ، ولا يَجوزُ له أنْ يأخُذَ بقَدرِ نَصيبِه فقط، إلا إذا رَضيَ الآخَرُ؛ لأنَّ في ذلك إِضرارًا عليه بتَبعيضِ الصَّفقةِ على المُشتَري. قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ مَنْ اشتَرى شِقصًا من أرضٍ مُشتَركةٍ، فسلَّمَ بَعضُهم الشُّفعةَ، وأَرادَ بعضُهم أنْ يأخُذَ، فلمَن أَرادَ

стр. 8280

الأخْذَ بالشُّفعةِ أنْ يأخُذَ الجَميعَ أو يَدعَه، وليسَ له أنْ يأخُذَ بقَدرِ حِصتِه ويَتركَ ما بَقيَ (١). ولأنَّ في أخْذِ بَعضٍ إِضرارًا بالمُشتَري بتَبعيضِ الصَّفقةِ عليه، والضَّررُ لا يُزالُ بالضَّررِ؛ لأنَّ الشُّفعةَ إنَّما تَثبُتُ على خِلافِ الأصلِ دَفعًا لضَررِ الشَّريكِ الداخِلِ خَوفًا من سُوءِ المُشاركةِ ومُؤنةِ القِسمةِ، فإذا أخَذَ بعضَ الشِّقصِ لم يَندفِعْ عنه الضَّررُ، فلم يُحقِّقِ المَعنى المُجوِّزَ لمُخالفةِ الأصلِ فلا تَثبُتُ، ولو كانَ الشَّفيعُ واحِدًا لم يَجزْ له أخْذُ بعضِ المَبيعِ لذلك، فإنْ فعَلَ سقَطَت شُفعتُه؛ لأنَّها لا تَتبعَّضُ، فإذا سقَطَ بعضُها سقَطَ جَميعُها كالقِصاصِ (٢). إذا وهَبَ أحدُ الشُّركاءِ نَصيبَه لآخَرَ دونَ الباقينَ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ بعضَ الشُّفعاءِ لو وهَبَ نَصيبَه من الشُّفعةِ بعضَ شُركائِه أو غيرَه بأنْ قالَ بعضُهم: «جعَلتُ حَقي من

стр. 8281

الشُّفعةِ لفُلانٍ» سقَطَ حَقُّه من الشُّفعةِ وكانَ لباقي الشُّفعاءِ؛ لأنَّ ذلك عَفوٌ وليسَ بهِبةٍ فلم يَصحَّ، ويُقسَمُ على باقي الشُّفعاءِ على قَدرِ عَددِهم أو سِهامِهم على الخِلافِ المُتقدِّمِ (١). إذا اختَلفَت أَسبابُ شَركتِهم، هل يَحجُبُ بعضُهم بعضًا عن الشُّفعةِ أو لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا اختَلفَت أَسبابُ شَركتِهم، هل يَحجُبُ بعضُهم بعضًا عن الشُّفعةِ أو لا؟ مِثلَ أنْ يَكونَ بعضُهم شُركاءَ في المالِ الذي وَرِثوه لأنَّهم أهلُ سَهمٍ واحِدٍ، ويَكونُ بعضُهم شُركاءَ لأنَّهم عَصبةٌ. قالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: قالَ مالِكٌ: أهلُ السَّهمِ الواحِدِ أحَقُّ بالشُّفعةِ إذا باعَ أَحدُهم من الأَشراكِ معهم في المالِ من قِبَلِ التَّعصيبِ، وأنَّه لا يَدخلُ ذَوو العَصبةِ في الشُّفعةِ على أهلِ السِّهامِ المُقدَّرةِ، ويَدخلُ ذَوو السِّهامِ على ذَوي التَّعصيبِ، مِثلَ أنْ يَموتَ مَيتٌ فيَتركَ عَقارًا تَرثُه عنه بِنتانِ وابنا عَمٍّ، ثم تَبيعَ البِنتُ الواحِدةُ حَظَّها، فإنَّ البِنتَ الثانيةَ عندَ مالِكٍ هي التي تَشفَعُ في ذلك الحَظِّ الذي باعَته أُختُها فقط دونَ ابنَيِ العَمِّ، وإنْ باعَ أحدُ ابنَيِ العَمِّ نَصيبَه يَشفعُ فيه البَناتُ وابنُ العَمِّ الثاني، وبهذا القَولِ قالَ ابنُ القاسِمِ.

стр. 8282

وقالَ أهلُ الكُوفةِ: لا يَدخلُ ذَوو السِّهامِ على العَصباتِ ولا العَصباتُ على ذَوي السِّهامِ، ويَتشافَعُ أهلُ السَّهمِ الواحِدِ فيما بينَهم خاصَّةً، وبه قالَ أشهَبُ. وقالَ الشافِعيُّ في أحدِ قَولَيه: يَدخُلُ ذَوو السِّهامِ على العَصباتِ، والعَصباتُ على ذَوي السِّهامِ، وهو الذي اختارَه المُزنِيُّ، وبه قالَ المُغيرةُ من أَصحابِ مالِكٍ. وعُمدةُ مَذهبِ الشافِعيِّ عُمومُ قَضائِه ﷺ بالشُّفعةِ بينَ الشُّركاءِ ولم يَفصِلْ ذَوي السَّهمِ من عُصبةٍ. ومَن خصَّصَ ذَوي السِّهامِ من العَصباتِ فلأنَّه رأى الشَّركةَ مُختلِفةَ الأَسبابِ -أعني بينَ ذَوي السِّهامِ وبينَ العَصباتِ- فشَبَّه الشَّركاتِ المُختلِفةَ الأَسبابِ بالشَّركاتِ المُختلِفةِ من قِبَلِ مَحلاتِها -التي هي المالُ- بالقِسمةِ بالأَموالِ. ومَن أدخَلَ ذَوي السِّهامِ على العَصبةِ ولم يُدخِلِ العَصبةَ على ذَوي السِّهامِ فهو استِحسانٌ على غيرِ قياسٍ، ووَجهُ الاستِحسانِ أنَّه رأى أنَّ ذَوي السِّهامِ أقعَدُ من العَصبةِ. وأمَّا إذا كانَ المَشفوعُ عليهما اثنَينِ فأكثَرَ فأَرادَ الشَّفيعُ أنْ يَشفعَ على أَحدِهما دونَ الثانِي فقالَ ابنُ القاسِمِ: إمَّا أنْ يأخُذَ الكلَّ أو يَدعَ. وقالَ أَبو حَنيفةَ وأَصحابُه والشافِعيُّ: له أنْ يَشفعَ على أيِّهما أحَبَّ، وبه قالَ أشهَبُ.

стр. 8283

فأمَّا إذا باعَ رَجلانِ شِقصًا من رَجلٍ فأَرادَ الشَّفيعُ أنْ يَشفعَ على أَحدِهما دونَ الثانِي فإنَّ أَبا حَنيفةَ منَعَ ذلك، وجوَّزَه الشافِعيُّ. وأمَّا إذا كانَ الشافِعونَ أكثَرَ من واحِدٍ -أَعني الأَشراكَ- فأَرادَ بعضُهم أنْ يَشفعَ ويُسلِّمَ له البَقيةُ في البُيوعِ فالجُمهورُ على أنَّ للمُشتَري أنْ يَقولَ للشَّريكِ: إمَّا أنْ تَشفعَ في الجَميعِ وإمَّا أنْ تَتركَ، وأنَّه ليسَ له أنْ يَشفعَ بحَسبِ حَظِّه إلا أنْ يُوافِقَه المُشتَري على ذلك، وأنَّه ليس له أنْ يُبعِّضَ الشُّفعةَ على المُشتَري إنْ لم يَرضَ بتَبعيضِها. وقالَ أَصبَغُ من أَصحابِ مالِكٍ: إنْ كانَ تَركُ بعضِهم الأخْذَ بالشُّفعةِ رِفقًا بالمُشتَري لم يَكُنْ للشَّفيعِ إلا أنْ يأخُذَ حِصَّتَه فقط (١). وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: الشُّركاءُ الأَقرِباءُ في السَّهمِ أحَقُّ من الشُّركاءِ الأَجانبِ. وقالَ أَبو حَنيفةَ: كلُّهم سَواءٌ، وهو أحَدُ قَولَيِ الشافِعيِّ. فدَليلُنا قَولُه ﷺ : «الشُّفعةُ في كلِّ مُشتَركٍ» وهذا يُفيدُ أَنواعَ الشَّركةِ، ولأنَّه نَوعٌ من الشَّركةِ فوجَبَ أنْ يَتعلَّقَ به استِحقاقُ الشُّفعةِ كالاشتِراكِ في الشِّراءِ (٢).

стр. 8284

إذا كانَ بعضُ الشُّفعاءِ حاضِرًا والآخَرُ غائِبًا: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ بعضَ الشُّفعاءِ إذا كانَ غائِبًا وكانَ بعضُهم حاضِرًا وأَرادَ الحاضِرُ أنْ يأخُذَ حِصَّتَه فقط بالشُّفعةِ ويَتركَ البَقيةَ فليسَ له ذلك، وإنَّما له أنْ يأخُذَ الحِصصَ كلَّها؛ لأنَّه لم يعلَمِ الآنَ مُطالِبًا سِواه، ولأنَّ الغائِبَ يَجوزُ أنْ يَطلبَ ويَجوزُ ألَّا يَطلبَ، فلا يَسقطُ حَقُّ الحاضِرِ بالشَّكِّ، أو يَجوزُ أنْ يَتركَها؛ لأنَّ في أخْذِ بعضِ الشِّقصِ تَبعيضًا لصَفقةِ المُشتَري فلم يَجزْ ذلك، كما لو لم يَكُنْ معه غيرُه، ولا يُمكنُ تَأخيرُ حَقِّه إلى أنْ يَقدَمَ شُركاؤُه لأنَّ في التَّأخيرِ إِضرارًا بالمُشتَري. وإنْ قالَ الشَّفيعُ: أنا آخُذُ حِصَّتي فإذا قدِمَ أَصحابي فإنْ أخَذوا شُفعتَهم وإلا أخَذتُ، لم يَكُنْ له ذلك، وإنَّما له أنْ يأخُذَ الجَميعَ أو يَدعَ، فإنْ سلَّمَ فلا أخْذَ له مع أَصحابِه إنْ قدِموا، ولهم أنْ يأخُذوا الجَميعَ أو يَدَعُوا، فإنْ سلَّموا إلا واحِدًا قيلَ له: «خُذِ الجَميعَ وإلا فدَعْ». ولو أخَذَ الحاضِرُ الجَميعَ ثم قدِموا فلهم أنْ يَدخُلوا كلُّهم معه إنْ أحَبُّوا فيَقسِموا معه، وإنْ شاؤُوا تَرَكوا، والصَّغيرُ إذا لم يَكُنْ له مَنْ يأخُذُ بالشُّفعةِ كالغائِبِ، وبُلوغُه كقُدومِ الغائِبِ (١).

стр. 8285

قالَ الحَنفيةُ: إذا كانَ أحدُ الشُّفعاءِ غائِبًا يُحكَمُ بالشُّفعةِ تامَّةً للحاضِرِ، ولا يَلزمُ بَقاءُ حِصةِ الغائِبِ عندَ المُشتَري؛ لأنَّه يَحتملُ ألَّا يَطلبَ الغائِبُ الشُّفعةَ؛ لذلك لا يَجوزُ تَأخيرُ الشُّفعةِ بِناءً على الشَّكِّ، ولكنْ إذا حضَرَ الغائِبُ وطلَبَ حِصَّتَه وراعَى شَرائطَ الشُّفعةِ وكانَ مُساوِيًا للحاضِرِ دَرجةً يُحكَمُ له بمِقدارِ حِصتِه، مَثلًا لو كانَ أحدُ الشُّفعاءِ حاضِرًا وكانَ اثنانِ غائبَينِ يُحكَمُ بالشُّفعةِ كلِّها للحاضِرِ، ولو جاءَ بعدَ ذلك أحدُ الغائبَينِ وطلَبَ الشُّفعةَ يُحكَمُ له بنِصفِ المَشفوعِ، ويُستَردُّ من الشَّفيعِ، ثم لو حضَرَ بعدَ ذلك الغائِبُ الآخَرُ وطلَبَ الشُّفعةَ أيضًا يُحكَمُ بثُلثِ العَقارِ المَشفوعِ له، ويَكونُ على هذا بينَهم أَثلاثًا، وبذلك تَحصُلُ بينَهم المُساواةُ، ولا يُقالُ للشَّفيعِ الأولِ إمَّا أنْ تأخُذَه كلَّه وإمَّا أنْ تَتركَه كلَّه. وإذا كانَ الشَّفيعُ الغائِبُ مَقدَّمًا عليه الشَّفيعُ الحاضِرُ دَرجةً فمَتى حضَرَ وطلَبَ الشُّفعةَ تُبطِلُ شُفعتُه شُفعةَ الحاضِرِ ويُحكَمُ له. وإذا كانَ الشَّفيعُ الغائِبُ مُؤخَّرًا عن الحاضِرِ دَرجةً لا يَلزَمُ للشَّفيعِ الثانِي شَيءٌ (١).

стр. 8286

هل الشُّفعةُ على الفَورِ أو على التَّراخي؟ الشَّفيعُ إمَّا أنْ يَكونَ حاضِرًا وإمَّا أنْ يَكونَ غائِبًا، وفي كلٍّ منهما إمَّا أنْ يَعلمَ بالشُّفعةِ وإمَّا ألَّا يَعلَمَ. الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ الشَّفيعُ حاضِرًا: الشَّفيعُ إذا كانَ حاضِرًا ولم يَعلَمْ بالشُّفعةِ لم تَسقُطْ شُفعتُه بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ وإنْ طالَ الزَّمانُ؛ لأنَّ هذا خيارٌ لإِزالةِ الضَّررِ، فلا يَسقُطُ بالجَهلِ به، كما لو اشتَرى شَيئًا مَعيبًا، ولم يَعلَمْ بالعَيبِ إلا بعدَ زَمانٍ طَويلٍ. أمَّا إذا علِمَ بالشُّفعةِ وتَمكَّنَ من طَلبِها فهل يَلزمُه أنْ يَطلُبَها وَقتَ العِلمِ مُباشَرةً أو يَجوزُ له تأخيرُ الطَّلبِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ طَلبَ الشُّفعةِ على الفَورِ، فإذا علِمَ بها وتَمكَّنَ من طَلبِها لزِمَه أنْ يَطلُبَها على الفَورِ، فإنْ أخَّرَ الطَّلبَ سقَطَت شُفعتُه، وذلك لمَا رَواه ابنُ ماجَه عن ابنِ عُمرَ مَرفوعًا: «الشُّفعةُ كَحَلِّ العِقالِ» (١)، مَعناه أنَّها تَفوتُ عندَ عَدمِ المُبادرةِ كما يَفوتُ البَعيرُ الشَّرودُ إذا حُلَّ عِقالُه ولم يُبتَدَرْ إليه. ولأنَّه خيارٌ لدَفعِ الضَّررِ عن المالِ فكانَ على الفَورِ كخيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ، ولأنَّ إِثباتَه على التَّراخي يَضرُّ المُشتَريَ لكَونِه لا يَستقِرُّ مِلكُه على

стр. 8287

البَيعِ ويَمنعُه من التَّصرفِ بعِمارةٍ خَشيةَ أخْذِه منه، ولا يَندفِعُ عنه الضَّررُ بدَفعِ قيمَتِه؛ لأنَّ خَسارتَها في الغالِبِ أكثَرُ من قيمَتِها مع تَعبِ قَلبِه وبَدنِه فيها (١). إلا أنَّ الحَنفيةَ قالوا: يَجبُ على الشَّفيعِ أنْ يُشهِدَ حينَ العِلمِ بالشُّفعةِ -فإذا ترَكَ الشَّفيعُ الإِشهادَ حينَ علِمَ وهو يَقدِرُ على ذلك بطَلَت شُفعتُه- وهذا يُسمَّى طلَبَ المُواثَبةِ، ثم عليه أنْ يَنهَضَ من مَجلِسِه بعدَ طَلبِ المُواثَبةِ فيَشهدَ على البائِعِ إنْ كانَ المَبيعُ في يَدِه ولم يَكُنْ سلَّمَ إلى المُشتَري، أو يُشهِدَ على المُشتَري أو يُشهِدَ عندَ العَقارِ؛ لأنَّ الحَقَّ مُتعلِّقٌ به. وصُورةُ هذا الطَّلبِ أنْ يَقولَ: إنَّ فُلانًا اشتَرى هذه الدارَ وأنا شَفيعُها، وقد كُنْتُ طلَبتُ الشُّفعةَ وأَطلُبُها الآنَ؛ فاشهَدوا على ذلك. فإنْ فعَلَ ذلك المَذكورَ استقَرَّت شُفعتُه ولم تَسقُطْ بعدَه بالتأخيرِ عندَ أَبي حَنيفةَ وأَبي يُوسفَ في رِوايةٍ وهو ظاهِرُ المَذهبِ وعليه الفَتوى؛ لأنَّ الحَقَّ متى ثبَتَ واستقَرَّ لا يَسقُطُ إلا بالإِسقاطِ، وهو التَّصريحُ بلِسانِه كما في سائِرِ الحُقوقِ.

стр. 8288

وقالَ مُحمدٌ: إنْ ترَكَها شَهرًا بعدَ الإِشهادِ من غيرِ عُذرٍ بطَلَت شُفعتُه؛ لأنَّه لو لم تَسقُطْ بتأخيرِ الخُصومةِ أبدًا يَتضرَّرُ به المُشتَري؛ لأنَّه لا يُمكنُه التَّصرفُ حَذرَ نَقضِه من جِهةِ الشَّفيعِ فقَدَّرناه بشَهرٍ؛ لأنَّه آجِلٌ وما دونَه عاجِلٌ. وقيلَ: الفَتوى في هذا الزَّمانِ على قَولِ مُحمدٍ؛ لتَغيُّرِ أَحوالِ الناسِ في قَصدِ الإِضرارِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الشُّفعةَ ليسَت على الفَورِ، بل وَقتُ وُجوبِها مُتَّسعٌ، واختَلفَ قَولُ الإِمامِ مالِكٍ، فالمَشهورُ في المَذهبِ أنَّها مُقدَّرةٌ بسَنةٍ، فإذا مَرَّت سَنةٌ ولم يَطلُبْها بعدَ عِلمِه بها سقَطَت شُفعتُه. وفي قَولٍ عنه أنَّ وَقتَها غيرُ مَحدودٍ، وأنَّها لا تَنقطِعُ أبدًا إلا أنْ يُحدِثَ المُبتاعُ بِناءً أو تَغييرًا كَثيرًا بمَعرِفتِه وهو حاضِرٌ عالِمٌ ساكِتٌ. وقيلَ: وَقتُها أكثَرُ من سَنةٍ، وقد قيلَ عنه: إنَّ خَمسةَ أَعوامٍ لا تَنقطِعُ فيها الشُّفعةُ. والدَّليلُ على أنَّها ليسَت على الفَورِ قَولُه ﷺ : «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ» ولم يُعلِّقْه بحَدٍّ، ولأنَّ المُطالَبةَ حَقٌّ للشَّفيعِ، والأَصلُ أنَّ كلَّ مَنْ ثبَتَ له حَقٌّ فله أخْذُه وله تَركُه أيَّ وَقتٍ شاءَ، إلى أنْ يَقومَ دَليلٌ على تَعلُّقِه بوَقتٍ يَفوتُ بخُروجِه، ولأنَّه حَقٌّ من جِهةِ استِيفاءِ مالٍ لم يَكُنْ فيه تَفريطٌ

стр. 8289

ولا تَدليسٌ، فلم تَجِبِ المُطالَبةُ فيه على الفَورِ، أَصلُه المُطالَبةُ بالدُّيونِ، ولأنَّ على الشَّفيعِ إِضرارًا في المُطالَبةِ على الفَورِ؛ لأنَّه قد يَعلَمُ ببَيعِ الشِّقصِ في وَقتٍ لا يَكونُ معه ثَمنُه، فيَحتاجُ إلى تَحصيلِ الثَّمنِ وبَيعِ ما يُحصِّلُه به، وذلك يَقتَضي مُهلةً يُمكِنُه فيها ذلك، وكذلك قد يَكونُ المُشتَري عَمَرَ الشِّقصَ فيَجبُ له قيمةُ العِمارةِ، ويَتعذَّرُ على الشَّفيعِ قيمةُ الشِّقصِ في الوَقتِ، والضَّررُ غيرُ جائِزٍ (١). وعندَ الشافِعيةِ ثَلاثةُ أَقوالٍ أُخرى بيَّنَها القاضِي العِمرانِيُّ في «البَيانِ» حيثُ قالَ ﵀: إذا اشتَرى رَجلٌ شِقصًا فيه شُفعةٌ فلا يَخلو: إمَّا أنْ يَعلَمَ الشَّفيعُ بالبَيعِ أو لم يَعلَمْ، فإنْ لم يَعلَمْ مِثلَ أنْ كانَ غائِبًا أو كُتِمَ عنه لم تَسقُطْ شُفعتُه وإنْ طالَ الزَّمانُ؛ لأنَّ هذا خيارٌ لإِزالةِ الضَّررِ، فلا يَسقطُ بالجَهلِ به، كما لو اشتَرى شَيئًا مَعيبًا ولم يَعلَمْ بالعَيبِ إلا بعدَ زَمانٍ طَويلٍ. وهكذا: لو علِمَ بالبَيعِ ولم يَعلَمْ مَنْ المُشتَري أو لم يَعلَمْ جِنسَ الثَّمنِ أو قَدرَه لم تَسقُطْ شُفعتُه؛ لأنَّه لا يَعلَمُ القَدرَ من الثَّمنِ الذي يَدفَعُه، ولأنَّ له غَرضًا في العِلمِ بعَينِ المُشتَري؛ لأنَّه قد لا يَرضَى بشَركةِ رَجلٍ، ويَرضَى بشَركةِ غيرِه.

стр. 8290

وإنْ علِمَ بالبَيعِ وقَدْرِ الثَّمنِ والمُشتَري فلا يَخلو من أنْ يَكونَ له عُذرٌ، أو ألَّا يَكونَ له عُذرٌ. فإنْ لم يَكُنْ له عُذرٌ، وطالَبَ بالشُّفعةِ على الفَورِ صَحَّ ذلك، وإنْ أخَّرَ الطَّلبَ عن الفَورِ فهل تَسقُطُ شُفعتُه؟ فيه أربَعةُ أَقوالٍ: أحدُها -قالَه في القَديمِ- (له الخيارَ على التأبيدِ لا يَسقُطُ إلا بالعَفوِ، أو بما يَدلُّ على التَّركِ، بأنْ يَقولَ للمُشتَري: قاسِمْني، أو بِعْني، وليسَ للمُشتَري أنْ يَرفعَه إلى الحاكِمِ ليُجبِرَه على الأخْذِ أو التَّركِ). ووَجهُه: قَولُه ﷺ : «فإنْ باعَه ولم يُؤذِنْه فشَريكُه أحَقُّ» ولم يُفرِّقْ. ولأنَّه استِيفاءُ حَقٍّ له، فجازَ له تأخيرُه إلى أيِّ وَقتٍ شاءَ، كالقِصاصِ. والقَولُ الثانِي -قالَه في القَديمِ أيضًا-: (على التَّراخي لا يَسقُطُ إلا بصَريحِ العَفوِ، أو بما يَدلُّ عليه)، إلا أنَّ للمُشتَري أنْ يَرفعَه إلى الحاكِمِ ليُجبِرَه على الأخْذِ أو التَّركِ؛ لأنَّا لو قُلنا: إنَّه على الفَورِ، أضرَرْنا بالشَّفيعِ؛ لأنَّ الحَظَّ له أنْ يُؤخِّره ليَنظُرَ: هل الحَظُّ في الأخْذِ أو في التَّركِ؟ ولو قُلنا: إنَّه على التأبيدِ أضرَرْنا بالمُشتَري؛ لأنَّه لا يَغرِسُ في أرضِه ولا يَبني؛ مَخافةَ أنْ يَنتزعَ ذلك منه، فجُعلَ له الخيارُ إلى أنْ يَرفعَه المُشتَري إلى الحاكِمِ. والقَولُ الثالِثُ -قالَه الشافِعيُّ في (سير) «حرملة» -: (للشَّفيعِ الخيارُ إلى ثَلاثةِ أيامٍ)؛ لأنَّه لا يُمكنُ أنْ يُجعَلَ له الخِيارُ على التأبيدِ ولا على الفَورِ

стр. 8291

لمَا بيَّنَّاه، ولا بُدَّ من فَصلٍ بينَهما، وقُدِّرَ ذلك بثَلاثةِ أيامٍ؛ لأنَّها مُدةٌ قَريبةٌ؛ لأنَّها آخِرُ حدِّ القِلةِ وأوَّلُ حَدِّ الكَثرةِ، والضَّررُ يَزولُ عنهما بذلك. والرابِعُ -قالَه في الجَديدِ-: (خيارُه على الفَورِ) فإذا أخَّرَ الطَّلبَ من غيرِ عُذرٍ سقَطَت شُفعتُه، وبه قالَ أَبو حَنيفةَ، وهو الصَّحيحُ؛ لقَولِه ﷺ : «الشُّفعةُ لمَن واثَبَها»، ورُوي عنه ﷺ أنَّه قالَ: «الشُّفعةُ كنَشطةِ العِقالِ، إنْ قيِّدَت ثبَتَت، وإنْ تُرِكت فاللَّومُ على مَنْ ترَكَها»، ولأنَّه خيارٌ لإِزالةِ الضَّررِ عن المالِ فكانَ على الفَورِ كخيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ، وفيه احِترازٌ من خيارِ القِصاصِ. فإذا قُلنا بهذا، وعليه التَّفريعُ: فمَعنى قَولِنا: (على الفَورِ) هو أنْ يُطالبَه على حَسبِ ما جَرَت العادةُ به، لا على أسرَعِ ما يُمكنُ، حتى لو أمكَنَه أنْ يَطرُدَ مَركوبَه، أو يُسرِعَ في السَّيرِ، فلم يَفعَلْ تَبطُلُ شُفعتُه؛ لأنَّ هذا لا يَقولُه أحدٌ، ولكنْ على حَسبِ العادةِ، فإنْ علِمَ ذلك باللَّيلِ فليسَ عليه أنْ يُطالِبَه حتى يُصبحَ؛ لأنَّ العادةَ في اللَّيلِ الإِيواءُ والسَّكنُ دونَ المُطالَبةِ بالحُقوقِ، وكذلك: إنْ علِمَ وهو جائِعٌ أو عَطشانُ لم يَكُنْ عليه أنْ يُطالِبَ حتى يَفرُغَ من الأكلِ والشُّربِ، وكذلك: إنْ علِمَ به وهو في الحَمَّامِ لم يَكُنْ عليه أنْ يُطالَبَ حتى يَخرجَ منه، وكذلك: إنْ كانَ يُريدُ الصَّلاةَ فله أنْ يَتطهَّرَ، ويَلبَسَ الثَّوبَ، ويُؤذِّنَ، ويَأتِيَ بسُننِ الصَّلاةِ وهَيئاتِها، ولا تَبطُلُ شُفعتُه بذلك؛ لأنَّ العادةَ جَرَت بتَقديمِ هذه الحَوائجِ على غيرِها، وكذلك إذا أخَّرَه لإِغلاقِ البابِ، وحِفظِ المالِ، وتَحصيلِ المَركوبِ إنْ كانَت عادَتُه الرُّكوبَ، أو

стр. 8292

كانَت المَسافةُ بَعيدةً؛ لأنَّ العادةَ جَرَت بتَقديمِ ذلك، وإذا لَقيَ المُشتَريَ، وقالَ: «السَّلامُ عليكم، أخَذتُ الشِّقصَ أو الشُّفعةَ بالثَّمنِ الذي اشتَرَيت به»، صَحَّ ذلك، ولا تَبطلُ شُفعتُه بالسَّلامِ؛ لأنَّ السَّلامَ قبلَ الكَلامِ سُنةٌ (١). الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ الشَّفيعُ غائِبًا: الشَّفيعُ إذا كانَ غائِبًا ولم يَعلَمْ بالشُّفعةِ فلا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه أحَقُّ بالشُّفعةِ إذا علِمَ، وأنَّ شُفعتَه لا تَسقُطُ وهو غائِبٌ ولم يَعلَمْ. قالَ الإِمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أمَّا شُفعةُ الغائِبِ فإنَّ أهلَ العِلمِ مُجمِعونَ على أنَّه إذا لم يَعلَمْ ببَيعِ الحِصةِ التي هو فيها شَريكٌ من الدُّورِ والأَرضينَ ثم قدِمَ فعلِمَ فله الشُّفعةُ مع طُولِ مُدةِ غَيبتِه (٢). وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: الذي له الشُّفعةُ رَجلانِ: حاضِرٌ أو غائِبٌ. فأمَّا الغائِبُ فأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الغائِبَ على شُفعتِه ما لم يَعلَمْ ببَيعِ شَريكِه (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ (ومَن كانَ غائِبًا وعلِمَ بالبَيعِ في وَقتِ قُدومِه فله الشُّفعةُ وإنْ طالَت غَيبَتُه).

стр. 8293

وجُملةُ ذلك أنَّ الغائِبَ له شُفعةٌ في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، رُوي ذلك عن شُريحٍ والحَسنِ وعَطاءٍ، وبه قالَ مالِكٌ واللَّيثُ والثَّوريُّ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ والعَنبَريُّ وأَصحابُ الرأيِ. ورُويَ عن النَّخَعيِّ: ليسَ للغائِبِ شُفعةٌ، وبه قالَ الحارِثُ العُكليُّ والبَتِّيُّ إلا للغائِبِ القَريبِ؛ لأنَّ إِثباتَ الشُّفعةِ له يَضرُّ بالمُشتَري ويَمنعُ من استِقرارِ مِلكِه وتَصرُّفِه على حَسبِ اختيارِه خَوفًا من أخْذِه، فلم يَثبُتْ ذلك كثُبوتِه للحاضِرِ على التَّراخي. ولنا: عُمومُ قَولِه ﵇: «الشُّفعةُ فيما لم يُقسَمْ» وسائِرُ الأَحاديثِ، ولأنَّ الشُّفعةَ حَقٌّ مالِيٌّ وُجدَ سَببُه بالنِّسبةِ إلى الغائِبِ فيَثبُتُ له كالإِرثِ، ولأنَّه شَريكٌ لم يَعلَمْ بالبَيعِ فتَثبُتُ له الشُّفعةُ عندَ عِلمِه، كالحاضِرِ إذا كتَمَ عنه البَيعَ وكالغائِبِ غَيبةً قَريبةً، وضَررُ المُشتَري يَندفِعُ بإِيجابِ القيمةِ له كما في الصُّورةِ المَذكورةِ. إذا ثبَتَ هذا أنَّه إذا لم يَعلَمْ بالبَيعِ إلا وَقتَ قُدومِه فله المُطالَبةُ وإنْ طالَت غَيبَتُه -لأنَّ هذا الخيارَ يَثبُتُ لإِزالةِ الضَّررِ عن المالِ- فتَراخي الزَّمانِ قبلَ العِلمِ به لا يُسقِطُه كالرَّدِّ بالعَيبِ (١). إلا أنَّ فُقهاءَ المَذاهبِ الأربَعةِ اختَلَفوا فيما لو علِمَ وهو غائِبٌ ولم يُشهِدْ أو لم يَطلُبْها، هل تَسقُطُ شُفعتُه أو هو على شُفعتِه أبَدًا حتى يَقدَمَ ولو لم يُشهِدْ؟

стр. 8294

قالَ المالِكيةُ: لا تَسقُطُ شُفعتُه؛ لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ من حَديثِ جابِرٍ أنَّه قالَ: «الجارُ أحَقُّ بصَقَبِه -أو قالَ بشُفعتِه- ينتَظرُ بها إذا كانَ غائِبًا»، وأيضًا فإنَّ الغائِبَ في الأكثَرِ مُعوَّقٌ عن الأخْذِ بالشُّفعةِ فوجَبَ عُذرُه (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الشَّفيعَ إذا كانَ غائِبًا عن بَلدِ المُشتَري وعلِمَ بالشُّفعةِ فليُشهِدْ على الطَّلبِ أو فليُوكِّلْ إنْ قدِرَ، فإنْ ترَكَ الإِشهادَ أو التَّوكيلَ حينَ العِلمِ مع قُدرتِه عليه بطَلَ حَقُّه. وفي مُقابِلِ الأظهَرِ عندَ الشافِعيةِ وهو قَولٌ للحَنابِلةِ: لا يَبطُلُ حَقُّه (٢). قالَ الحَنفيةُ: إنْ كانَ الشَّفيعُ حين علِمَ بالبَيعِ غائِبًا عن البَلدِ فإنْ أشهَدَ حينَ علِمَ أو وكَّلَ من يأخُذُ له بالشُّفعِة فهو على شُفعتِه، وإنْ علِمَه ولم يُشهِدْ ولم يُوكِّلْ حينَ بلَغَه ذلك مع قُدرتِه عليه وسكَتَ ساعةً بطَلَت شُفعتُه؛ لأنَّ الغائِبَ يَقدِرُ على الطَّلبِ كما يَقدِرُ عليه الحاضِرُ، وإنْ أخبَرَ بكِتابٍ والشُّفعةُ في أوَّلِه أو وَسَطِه وقَرَأ الكِتابَ إلى آخِرِه قبلَ الطَّلبِ بطَلَت شُفعتُه، على هذا عامَّةُ المَشايخِ وهذا على اعتِبارِ الفَورِ. وعن مُحمدٍ: له مَجلِسُ العِلمِ (٣).

стр. 8295

وقالَ الإِمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإنْ علِمَ وهو في السَّفرِ فلَم يُشهِدْ على مُطالَبتِه فلا شُفعةَ له): ظاهِرُ هذا أنَّه مَتى علِمَ الغائِبُ بالبَيعِ وقدِرَ على الإِشهادِ وعلى المُطالَبةِ فلم يَفعَلْ فشُفعتُه تَسقُطُ، سَواءٌ قدِرَ على التَّوكيلِ أو عجَزَ عنه، أو سارَ عُقَيبَ العِلمِ أو أقامَ، وهو ظاهِرُ كَلامِ أَحمدَ في رِوايةِ أَبي طالِبٍ في الغائِبِ له الشُّفعةُ إذا بلَغَه أشهَدَ وإلا فليسَ له شَيءٌ، وهو وَجهٌ للشافِعيِّ. والوَجهُ الآخَرُ: لا يَحتاجُ إلى الإِشهادِ؛ لأنَّه ثبَتَ عُذرُه فالظاهِرُ أنَّه ترَكَ الشُّفعةَ لذلك فقُبلَ قَولُه فيه. ولنا: أنَّه قد يَتركُ الطَّلبَ للعُذرِ وقد يَتركُه لغَيرِه، وقد يَسيرُ لطَلبِ الشُّفعةِ وقد يَسيرُ لغيرِه، وقد قدِرَ أنْ يُبيِّنَ ذلك بالإِشهادِ، فإذا لم يَفعَلْ سقَطَت شُفعتُه كتارِكِ الطَّلبِ مع حُضورِه. وقالَ القاضِي: إنْ سارَ عُقَيبَ عِلمِه إلى البَلدِ الذي فيه المُشتَري من غيرِ إِشهادٍ احتَمَل ألَّا تَبطُلَ شُفعتُه؛ لأنَّ ظاهِرَ سَيرِه أنَّه للطَّلبِ، وهو قَولُ أَصحابِ الرأيِ والعَنبَريِّ وهو قَولٌ للشافِعيِّ. وقالَ أَصحابُ الرأيِ: له من الأجَلِ بعدَ العِلمِ قَدرُ السَّيرِ، فإنْ مَضى الأجَلُ قبلَ أنْ يَبعثَ أو يَطلُبَ بطَلَت شُفعتُه، وقالَ العَنبَريُّ: له مَسافةُ الطَّريقِ ذاهِبًا وجائِيًا؛ لأنَّ عُذرَه في تَركِ الطَّلبِ ظاهِرٌ، فلم يَحتَجْ معه إلى الشَّهادةِ وقد ذَكَرنا وَجهَ قَولِ الخِرقيِّ.

стр. 8296

ولا خِلافَ في أنَّه إذا عجَزَ عن الإِشهادِ في سَفرِه فشُفعتُه لا تَسقُطُ لأنَّه مَعذورٌ في تَركِه، فأشبَهَ ما لو ترَكَ الطَّلبَ لعُذرِه أو لعَدمِ العِلمِ، ومتى قدِرَ على الإِشهادِ فأخَّرَه كانَ كتأخيرِ الطَّلبِ للشُّفعةِ، إنْ كانَ لعُذرٍ لم تَسقُطِ الشُّفعةُ، وإنْ كانَ لغيرِ عُذرٍ سقَطَت؛ لأنَّ الإِشهادَ قائِمٌ مَقامَ الطَّلبِ ونائِبٌ عنه، فيُعتبَرُ له ما يُعتبَرُ للطَّلبِ. ومَن لم يَقدِرْ إلا على إِشهادِ مَنْ لا تُقبلُ شَهادتُه كالصَّبيِّ والمَرأةِ والفاسِقِ فتَرَك الإِشهادَ لم تَسقُطْ شُفعتُه بتَركِه؛ لأنَّ قَولَهم غيرُ مُعتبَرٍ فلم يَلزَمْ إِشهادُهم كالأَطفالِ والمَجانينِ، وإنْ لم يَجِدْ مَنْ يُشهِدُه إلا مَنْ لا يَقدَمُ معه إلى مَوضعِ المُطالَبةِ فلم يُشهِدْ فالأَوْلى أنَّ شُفعتَه لا تَبطُلُ؛ لأنَّ إِشهادَه لا يُفيدُ فأشبَهَ إِشهادَ مَنْ لا تُقبلُ شَهادتُه، فإنْ لم يَجِدْ إلا مَستورَيِ الحالِ فلم يُشهِدهما احتَمَل أنْ تَبطُلَ شُفعتُه؛ لأنَّ شهادَتَهما يُمكنُ إِثباتُها بالتَّزكيةِ فأشبَها العَدلَينِ. ويُحتملُ ألَّا تَبطُلَ؛ لأنَّه يَحتاجُ في إِثباتِ شهادَتِهما إلى كُلفةٍ كَثيرةٍ وقد لا يَقدِرُ على ذلك، فلا تُقبلُ شَهادتُهما، وإنْ أشهَدَهما لم تَبطُلْ شُفعتُه، سَواءٌ قُبِلت شَهادتُهما أو لم تُقبَلْ؛ لأنَّه لم يُمكِنْه أكثَرُ من ذلك فأشبَهَ العاجِزَ عن الإِشهادِ، كذلك إنْ لم يَقدِرْ إلا على إِشهادِ واحِدٍ فأشهَدَه أو ترَكَ إِشهادَه (١).

стр. 8297

للشَّفيعِ تَركُ الشُّفعةِ مُقابلَ عِوضٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الشَّفيعِ هل له تَركُ الشُّفعةِ بأنْ يُصالِحَ عليها مُقابِلَ عِوضٍ يُبذلُ له أو لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَجوزُ للشَّفيعِ أنْ يَتركَ الشُّفعةَ مُقابِلَ بَذلِ عِوضٍ له عليها؛ لأنَّه عِوضٌ على إِزالةِ مِلكٍ في تَمليكٍ، فجازَ له أخْذُه كأخْذِ العِوضِ على تَمليكِ زَوجتِه أمْرَها والخُلعِ به (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ بَذلُ العِوضِ مُقابِلَ حَقِّ الشُّفعةِ، فإنْ قالَ المُشتَري للشَّفيعِ: «صالِحْني على ما وجَبَ لك من الشُّفعةِ بدِينارٍ»، فقالَ الشَّفيعُ: «صالَحتُك»، لم يَصحَّ الصُّلحُ، ولا يَملِكُ الشَّفيعُ العِوضَ؛ لأنَّه خيارُ تَملُّكٍ فلا يَصحُّ بَذلُ العِوضِ فيه كخيارِ الثَّلاثِ، ولأنَّ الشُّفعةَ حَقُّ التَّملُّكِ وليسَ حَقًّا مُتقرَّرًا، فلا يَصحُّ الاعتِياضُ عنه كالعِنِّينِ إذا قالَ لامرأتِه: «اختاري تَركَ الفَسخِ بألفٍ»، أو قالَ للمُخيَّرةِ: «اختاريني بألفٍ»، فاختارَت، سقَطَ الفَسخُ ولا شَيءَ لهما، ويَجبُ عليه رَدُّ العِوضِ لأنَّه لم يُقابِلْه حَقٌّ مُتقرَّرٌ، فلا يَكونُ تِجارةً عن تَراضٍ فلا يَحلُّ. ولأنَّه خيارٌ لا يَسقُطُ إلى مالٍ فلم يَجزْ أخْذُ العِوضِ عنه كخيارِ الشَّرطِ، ويَبطُلُ ما قالَه بخيارِ الشَّرطِ، وأمَّا الخُلعُ فهو مُعاوَضةٌ عمَّا ملَكَه بعِوضٍ، وههنا بخِلافِه، إلا أنَّهم اختَلَفوا هل تَسقطُ الشُّفعةُ بذلك أو لا؟

стр. 8298

فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الشُّفعةَ تَسقُطُ؛ لأنَّه لمَّا عدَلَ عن الشُّفعةِ إلى العِوضِ كانَ ذلك رِضًا بإِسقاطِها فيَردُّ العِوضَ لأنَّه أخَذه بغيرِ استِحقاقٍ؛ لأنَّ المالَ لا يُستحَقُّ إلا بمُقابَلةِ مِلكٍ، وحَقُّ الشُّفعةِ ليسَ بمِلكٍ بل حَقُّ تَملُّكٍ، فلا يَصحُّ الاعتِياضُ عنه. ولأنَّه رَضيَ بتَركِها وطلَبَ عِوضَها فيَثبُتُ التَّركُ المَرضيُّ به ولم يَثبُتِ العِوضُ، كما لو قالَ: «بِعْني»، فلم يَبِعْه، ولأنَّ تَركَ المُطالَبةِ بها كافٍ في سُقوطِها، فمع طَلبِ عِوضِها أوْلى. وذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والقاضِي من الحَنابِلةِ إلى أنَّها لا تَسقُطُ؛ لأنَّه عدَلَ عن الشُّفعةِ إلى عِوضٍ، فإذا لم يَصحَّ له العِوضُ رجَعَ إلى شُفعتِه، كما لو باعَ له عَينًا بثَمنٍ لا يَصحُّ (١). مُسقِطاتُ الشُّفعةِ: ذكَرَ الفُقهاءُ أنَّ الشُّفعةَ تَسقطُ بأَشياءَ، منها ما يَلي: أولاً: مَوتُ الشَّفيعِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الشُّفعةِ هل تُورَثُ أو لا؟ فإذا ماتَ الشَّفيعُ قبلَ أنْ يأخُذَ بالشُّفعةِ أو قبلَ المُطالَبةِ بها أو قبلَ الحُكمِ له بها، هل تَسقُطُ الشُّفعةُ بمَوتِه أو لوَرثتِه الحَقُّ في أنْ يأخُذوا ويُطالِبوا بالشُّفعةِ؟

стр. 8299

فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَشهورِ عندَهم في الجُملةِ إلى أنَّ الشُّفعةَ تَسقطُ بمَوتِ الشَّفيعِ. قالَ الحَنفيةُ: الشَّفيعُ إذا ماتَ بعدَ البَيعِ وقبلَ القَضاءِ بالشُّفعةِ بطَلَت الشُّفعةُ، وليسَ لوَرثتِه حَقٌّ فيها؛ لأنَّ مِلكَ الشَّفيعِ زالَ بالمَوتِ وانتَقَل إلى الوارِثِ، وبعدَ ثُبوتِه للوارِثِ لم يُوجَدِ البَيعُ فلا يَثبتُ له حَقُّ الشُّفعةِ؛ لأنَّ مِلكَ الشَّفيعِ فيما يأخُذُ به الشُّفعةَ يُشتَرطُ أنْ يَكونَ باقيًا من وَقتِ البَيعِ إلى وَقتِ الأخْذِ بالشُّفعةِ، ولم يُوجَدْ في حَقِّ المَيتِ وَقتَ الأخْذِ ولا في حَقِّ الوارِثِ وَقتَ البَيعِ فبطَلَت؛ لأنَّها لا تُستحَقُّ بالمِلكِ الحادِثِ بعدَ البَيعِ ولا بالزائِلِ بعدَ الأخْذِ. والمُرادُ إذا ماتَ الشَّفيعُ بعدَ البَيعِ قبلَ القَضاءِ بالشُّفعةِ، أمَّا إذا ماتَ بعدَ القَضاءِ لزِمَ وانتَقَلت إلى وَرثتِه ولزِمَهم الثَّمنُ. ولا تَبطُلُ الشُّفعةُ بمَوتِ المُشتَري؛ لأنَّ المُستحِقَّ -وهو الشَّفيعُ- قائِمٌ، وحَقُّه مُقدَّمٌ على حَقِّ المُشتَري، حتى لا تَنفُذَ وَصيَّتُه فيه، ولا يُباعُ في دَينِه، فيَكونُ مُقدَّمًا على حَقِّ الوارِثِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: الشَّفيعُ إذا ماتَ قبلَ الأخْذِ بالشُّفعةِ لم يَخلُ من حالَتَينِ: أَحدُهما: أنْ يَموتَ قبلَ أنْ يَطلُبَ الشُّفعةَ، فتَسقُطَ ولا تَنتقِلَ إلى الوَرثةِ على المَشهورِ؛ لأنَّه حَقُّ فَسخٍ ثبَتَ لا لفَواتِ جُزءٍ فلم يُورَّثْ كالرُّجوعِ في

стр. 8300

الهِبةِ، ولأنَّه نَوعُ خيارٍ جُعلَ للتَّمليكِ أشبَهَ خيارَ القَبولِ، ولأنَّا لا نَعلَمُ بَقاءَه على شُفعتِه؛ لاحتِمالِ رَغبتِه عنها، ولا يَنتقِلُ للوَرثةِ ما يُشَكُّ في ثُبوتِه. وقالَ أَحمدُ: المَوتُ يَبطُلُ به ثَلاثةُ أَشياءَ: الشُّفعةُ والحَدُّ إذا ماتَ المَقذوفُ والخيارُ إذا ماتَ الذي اشتَرطَ الخيارَ، ولم يَكُنْ للوَرثةِ هذه الأَشياءُ الثَّلاثةُ، إنَّما هي بالطَّلبِ، فإذا لم يَطلُبْ فليسَ تَجبُ إلا أنْ يَشهدَ أنِّي على حَقِّي من كذا وكذا وأنِّي قد طَلَبتُه، فإنْ ماتَ بعدَه كانَ لوارِثِه الطَّلبُ به، أمَّا إذا لم يَطلُبْها فلا تَنتقِلُ لوَرثتِه. الحالُ الثانيةُ: إذا طالَبَ بالشُّفعةِ ثم ماتَ، فإنَّ حَقَّ الشُّفعةِ يَنتقِلُ إلى الوَرثةِ قَولًا واحِدًا؛ لأنَّ الحَقَّ يَتقرَّرُ بالطَّلبِ، ولذلك لا يَسقُطُ بتأخيرِ الأخْذِ بعدَه، وقَبلَه يَسقطُ. قالَ ابنُ قُدامةَ: وقالَ القاضِي: يَصيرُ الشِّقصُ مِلكًا للشَّفيعِ بالمُطالبةِ نَفسِها، وقد ذَكَرنا أنَّ الصَّحيحَ غيرُ هذا، فإنَّه لو صارَ مِلكًا للشَّفيعِ لم يَصحَّ العَفوُ عن الشُّفعةِ بعدَ طَلبِها، كما لا يَصحُّ العَفوُ عنها بعدَ الأخْذِ بها، فإذا ثبَتَ هذا فإنَّ الحَقَّ يَنتقِلُ إلى جَميعِ الوَرثةِ على حَسبِ مَواريثِهم؛ لأنَّه حَقٌّ مالِيٌّ مَوروثٌ فيَنتقِلُ إلى جَميعِهم كسائِرِ الحُقوقِ الماليةِ، وسَواءٌ قُلنا: الشُّفعةُ على قَدرِ الأَملاكِ أو على عَددِ الرُّؤوسِ؛ لأنَّ هذا يَنتقِلُ إليهم من مَوروثِهم، فإنْ ترَكَ بعضُ الوَرثةِ حَقَّه تَوافَرَ الحَقُّ على سائِرِ الوَرثةِ، ولم يَكُنْ لهم أنْ يأخُذوا إلا الكُلَّ أو يَتركوا، كالشُّفعاءِ إذا عَفا بعضُهم عن شُفعتِه؛ لأنَّا لو جَوَّزنا أخْذَ بعضِ الشِّقصِ المَبيعِ تبعَّضَت الصَّفقةُ على المُشتَري وهذا ضَررٌ في حَقِّه.
следующие страницы →