ولا خِلافَ في أنَّه إذا عجَزَ عن الإِشهادِ في سَفرِه فشُفعتُه لا تَسقُطُ لأنَّه مَعذورٌ في تَركِه، فأشبَهَ ما لو ترَكَ الطَّلبَ لعُذرِه أو لعَدمِ العِلمِ، ومتى قدِرَ على الإِشهادِ فأخَّرَه كانَ كتأخيرِ الطَّلبِ للشُّفعةِ، إنْ كانَ لعُذرٍ لم تَسقُطِ الشُّفعةُ، وإنْ كانَ لغيرِ عُذرٍ سقَطَت؛ لأنَّ الإِشهادَ قائِمٌ مَقامَ الطَّلبِ ونائِبٌ عنه، فيُعتبَرُ له ما يُعتبَرُ للطَّلبِ.
ومَن لم يَقدِرْ إلا على إِشهادِ مَنْ لا تُقبلُ شَهادتُه كالصَّبيِّ والمَرأةِ والفاسِقِ فتَرَك الإِشهادَ لم تَسقُطْ شُفعتُه بتَركِه؛ لأنَّ قَولَهم غيرُ مُعتبَرٍ فلم يَلزَمْ إِشهادُهم كالأَطفالِ والمَجانينِ، وإنْ لم يَجِدْ مَنْ يُشهِدُه إلا مَنْ لا يَقدَمُ معه إلى مَوضعِ المُطالَبةِ فلم يُشهِدْ فالأَوْلى أنَّ شُفعتَه لا تَبطُلُ؛ لأنَّ إِشهادَه لا يُفيدُ فأشبَهَ إِشهادَ مَنْ لا تُقبلُ شَهادتُه، فإنْ لم يَجِدْ إلا مَستورَيِ الحالِ فلم يُشهِدهما احتَمَل أنْ تَبطُلَ شُفعتُه؛ لأنَّ شهادَتَهما يُمكنُ إِثباتُها بالتَّزكيةِ فأشبَها العَدلَينِ.
ويُحتملُ ألَّا تَبطُلَ؛ لأنَّه يَحتاجُ في إِثباتِ شهادَتِهما إلى كُلفةٍ كَثيرةٍ وقد لا يَقدِرُ على ذلك، فلا تُقبلُ شَهادتُهما، وإنْ أشهَدَهما لم تَبطُلْ شُفعتُه، سَواءٌ قُبِلت شَهادتُهما أو لم تُقبَلْ؛ لأنَّه لم يُمكِنْه أكثَرُ من ذلك فأشبَهَ العاجِزَ عن الإِشهادِ، كذلك إنْ لم يَقدِرْ إلا على إِشهادِ واحِدٍ فأشهَدَه أو ترَكَ إِشهادَه (١).
стр. 8297
للشَّفيعِ تَركُ الشُّفعةِ مُقابلَ عِوضٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الشَّفيعِ هل له تَركُ الشُّفعةِ بأنْ يُصالِحَ عليها مُقابِلَ عِوضٍ يُبذلُ له أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَجوزُ للشَّفيعِ أنْ يَتركَ الشُّفعةَ مُقابِلَ بَذلِ عِوضٍ له عليها؛ لأنَّه عِوضٌ على إِزالةِ مِلكٍ في تَمليكٍ، فجازَ له أخْذُه كأخْذِ العِوضِ على تَمليكِ زَوجتِه أمْرَها والخُلعِ به (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ بَذلُ العِوضِ مُقابِلَ حَقِّ الشُّفعةِ، فإنْ قالَ المُشتَري للشَّفيعِ: «صالِحْني على ما وجَبَ لك من الشُّفعةِ بدِينارٍ»، فقالَ الشَّفيعُ: «صالَحتُك»، لم يَصحَّ الصُّلحُ، ولا يَملِكُ الشَّفيعُ العِوضَ؛ لأنَّه خيارُ تَملُّكٍ فلا يَصحُّ بَذلُ العِوضِ فيه كخيارِ الثَّلاثِ، ولأنَّ الشُّفعةَ حَقُّ التَّملُّكِ وليسَ حَقًّا مُتقرَّرًا، فلا يَصحُّ الاعتِياضُ عنه كالعِنِّينِ إذا قالَ لامرأتِه: «اختاري تَركَ الفَسخِ بألفٍ»، أو قالَ للمُخيَّرةِ: «اختاريني بألفٍ»، فاختارَت، سقَطَ الفَسخُ ولا شَيءَ لهما، ويَجبُ عليه رَدُّ العِوضِ لأنَّه لم يُقابِلْه حَقٌّ مُتقرَّرٌ، فلا يَكونُ تِجارةً عن تَراضٍ فلا يَحلُّ.
ولأنَّه خيارٌ لا يَسقُطُ إلى مالٍ فلم يَجزْ أخْذُ العِوضِ عنه كخيارِ الشَّرطِ، ويَبطُلُ ما قالَه بخيارِ الشَّرطِ، وأمَّا الخُلعُ فهو مُعاوَضةٌ عمَّا ملَكَه بعِوضٍ، وههنا بخِلافِه، إلا أنَّهم اختَلَفوا هل تَسقطُ الشُّفعةُ بذلك أو لا؟
стр. 8298
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الشُّفعةَ تَسقُطُ؛ لأنَّه لمَّا عدَلَ عن الشُّفعةِ إلى العِوضِ كانَ ذلك رِضًا بإِسقاطِها فيَردُّ العِوضَ لأنَّه أخَذه بغيرِ استِحقاقٍ؛ لأنَّ المالَ لا يُستحَقُّ إلا بمُقابَلةِ مِلكٍ، وحَقُّ الشُّفعةِ ليسَ بمِلكٍ بل حَقُّ تَملُّكٍ، فلا يَصحُّ الاعتِياضُ عنه.
ولأنَّه رَضيَ بتَركِها وطلَبَ عِوضَها فيَثبُتُ التَّركُ المَرضيُّ به ولم يَثبُتِ العِوضُ، كما لو قالَ: «بِعْني»، فلم يَبِعْه، ولأنَّ تَركَ المُطالَبةِ بها كافٍ في سُقوطِها، فمع طَلبِ عِوضِها أوْلى.
وذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والقاضِي من الحَنابِلةِ إلى أنَّها لا تَسقُطُ؛ لأنَّه عدَلَ عن الشُّفعةِ إلى عِوضٍ، فإذا لم يَصحَّ له العِوضُ رجَعَ إلى شُفعتِه، كما لو باعَ له عَينًا بثَمنٍ لا يَصحُّ (١).
مُسقِطاتُ الشُّفعةِ:
ذكَرَ الفُقهاءُ أنَّ الشُّفعةَ تَسقطُ بأَشياءَ، منها ما يَلي:
أولاً: مَوتُ الشَّفيعِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الشُّفعةِ هل تُورَثُ أو لا؟
فإذا ماتَ الشَّفيعُ قبلَ أنْ يأخُذَ بالشُّفعةِ أو قبلَ المُطالَبةِ بها أو قبلَ الحُكمِ له بها، هل تَسقُطُ الشُّفعةُ بمَوتِه أو لوَرثتِه الحَقُّ في أنْ يأخُذوا ويُطالِبوا بالشُّفعةِ؟
стр. 8299
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في المَشهورِ عندَهم في الجُملةِ إلى أنَّ الشُّفعةَ تَسقطُ بمَوتِ الشَّفيعِ.
قالَ الحَنفيةُ: الشَّفيعُ إذا ماتَ بعدَ البَيعِ وقبلَ القَضاءِ بالشُّفعةِ بطَلَت الشُّفعةُ، وليسَ لوَرثتِه حَقٌّ فيها؛ لأنَّ مِلكَ الشَّفيعِ زالَ بالمَوتِ وانتَقَل إلى الوارِثِ، وبعدَ ثُبوتِه للوارِثِ لم يُوجَدِ البَيعُ فلا يَثبتُ له حَقُّ الشُّفعةِ؛ لأنَّ مِلكَ الشَّفيعِ فيما يأخُذُ به الشُّفعةَ يُشتَرطُ أنْ يَكونَ باقيًا من وَقتِ البَيعِ إلى وَقتِ الأخْذِ بالشُّفعةِ، ولم يُوجَدْ في حَقِّ المَيتِ وَقتَ الأخْذِ ولا في حَقِّ الوارِثِ وَقتَ البَيعِ فبطَلَت؛ لأنَّها لا تُستحَقُّ بالمِلكِ الحادِثِ بعدَ البَيعِ ولا بالزائِلِ بعدَ الأخْذِ.
والمُرادُ إذا ماتَ الشَّفيعُ بعدَ البَيعِ قبلَ القَضاءِ بالشُّفعةِ، أمَّا إذا ماتَ بعدَ القَضاءِ لزِمَ وانتَقَلت إلى وَرثتِه ولزِمَهم الثَّمنُ.
ولا تَبطُلُ الشُّفعةُ بمَوتِ المُشتَري؛ لأنَّ المُستحِقَّ -وهو الشَّفيعُ- قائِمٌ، وحَقُّه مُقدَّمٌ على حَقِّ المُشتَري، حتى لا تَنفُذَ وَصيَّتُه فيه، ولا يُباعُ في دَينِه، فيَكونُ مُقدَّمًا على حَقِّ الوارِثِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: الشَّفيعُ إذا ماتَ قبلَ الأخْذِ بالشُّفعةِ لم يَخلُ من حالَتَينِ:
أَحدُهما: أنْ يَموتَ قبلَ أنْ يَطلُبَ الشُّفعةَ، فتَسقُطَ ولا تَنتقِلَ إلى الوَرثةِ على المَشهورِ؛ لأنَّه حَقُّ فَسخٍ ثبَتَ لا لفَواتِ جُزءٍ فلم يُورَّثْ كالرُّجوعِ في
стр. 8300
الهِبةِ، ولأنَّه نَوعُ خيارٍ جُعلَ للتَّمليكِ أشبَهَ خيارَ القَبولِ، ولأنَّا لا نَعلَمُ بَقاءَه على شُفعتِه؛ لاحتِمالِ رَغبتِه عنها، ولا يَنتقِلُ للوَرثةِ ما يُشَكُّ في ثُبوتِه.
وقالَ أَحمدُ: المَوتُ يَبطُلُ به ثَلاثةُ أَشياءَ: الشُّفعةُ والحَدُّ إذا ماتَ المَقذوفُ والخيارُ إذا ماتَ الذي اشتَرطَ الخيارَ، ولم يَكُنْ للوَرثةِ هذه الأَشياءُ الثَّلاثةُ، إنَّما هي بالطَّلبِ، فإذا لم يَطلُبْ فليسَ تَجبُ إلا أنْ يَشهدَ أنِّي على حَقِّي من كذا وكذا وأنِّي قد طَلَبتُه، فإنْ ماتَ بعدَه كانَ لوارِثِه الطَّلبُ به، أمَّا إذا لم يَطلُبْها فلا تَنتقِلُ لوَرثتِه.
الحالُ الثانيةُ: إذا طالَبَ بالشُّفعةِ ثم ماتَ، فإنَّ حَقَّ الشُّفعةِ يَنتقِلُ إلى الوَرثةِ قَولًا واحِدًا؛ لأنَّ الحَقَّ يَتقرَّرُ بالطَّلبِ، ولذلك لا يَسقُطُ بتأخيرِ الأخْذِ بعدَه، وقَبلَه يَسقطُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ: وقالَ القاضِي: يَصيرُ الشِّقصُ مِلكًا للشَّفيعِ بالمُطالبةِ نَفسِها، وقد ذَكَرنا أنَّ الصَّحيحَ غيرُ هذا، فإنَّه لو صارَ مِلكًا للشَّفيعِ لم يَصحَّ العَفوُ عن الشُّفعةِ بعدَ طَلبِها، كما لا يَصحُّ العَفوُ عنها بعدَ الأخْذِ بها، فإذا ثبَتَ هذا فإنَّ الحَقَّ يَنتقِلُ إلى جَميعِ الوَرثةِ على حَسبِ مَواريثِهم؛ لأنَّه حَقٌّ مالِيٌّ مَوروثٌ فيَنتقِلُ إلى جَميعِهم كسائِرِ الحُقوقِ الماليةِ، وسَواءٌ قُلنا: الشُّفعةُ على قَدرِ الأَملاكِ أو على عَددِ الرُّؤوسِ؛ لأنَّ هذا يَنتقِلُ إليهم من مَوروثِهم، فإنْ ترَكَ بعضُ الوَرثةِ حَقَّه تَوافَرَ الحَقُّ على سائِرِ الوَرثةِ، ولم يَكُنْ لهم أنْ يأخُذوا إلا الكُلَّ أو يَتركوا، كالشُّفعاءِ إذا عَفا بعضُهم عن شُفعتِه؛ لأنَّا لو جَوَّزنا أخْذَ بعضِ الشِّقصِ المَبيعِ تبعَّضَت الصَّفقةُ على المُشتَري وهذا ضَررٌ في حَقِّه.
стр. 8301
فَصلٌ: وإنْ أشهَدَ الشَّفيعُ على مُطالبتِه بها للعُذرِ ثم ماتَ لم تَبطُلْ، وكانَ للوَرثةِ المُطالَبةُ بها، نَصَّ عليه أَحمدُ؛ لأنَّ الإِشهادَ على الطَّلبِ عندَ العَجزِ عنه يَقومُ مَقامَه، فلم تَسقُطِ الشُّفعةُ بالمَوتِ بعدُ كالطَّلبِ نَفسِه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الشُّفعةَ تُورَثُ، فإذا ماتَ الشَّفيعُ انتقَلَ الحَقُّ إلى وَرثتِه فلهم المُطالَبةُ بالشُّفعةِ.
لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فكانَ على عُمومِه، ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ ترَكَ مالًا أو حَقًّا فلوَرثتِه» (٢)، ولأنَّه خيارٌ ثبَتَ لدَفعِ الضَّررِ عن مالِه؛ فجازَ أنْ يَقومَ الوارِثُ مَقامَه كخيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ، ولأنَّه حَقٌّ مُستفادٌ بالمِلكِ فجازَ أنْ يُورَثَ كثِمارِ الشَّجرةِ ونِتاجِ الماشيةِ، ولأنَّه حَقٌّ يَلزمُ في البَيعِ فوجَبَ أنْ يَكونَ مَوروثًا كالرَّدِّ بالعَيبِ، ولأنَّ الشُّفعةَ من حُقوقِ المِلكِ فوجَبَ أنْ تَكونَ مَوروثةً مع المِلكِ كطُرقِ الأَملاكِ ومَرافِقِها والرَّهنِ في الدُّيونِ وضَمانِها، ولأنَّ المَوتَ يُسقِطُ التَّكليفَ، وما سقَطَ به التَّكليفُ لم تَبطُلْ به الشُّفعةُ كالجُنونِ، ولأنَّه قَبضٌ استُحِقَّ في عَقدِ بَيعٍ فوجَبَ أنْ يَكونَ كالقَبضِ في البَيعِ (٣).
стр. 8302
قالَ الإِمامُ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: «ولوَرثةِ الشَّفيعِ أنْ يأخُذوا ما كانَ يأخُذُه أَبوهم بينَهم على العَددِ، امرأتُه وابنُه في ذلك سَواءٌ».
قالَ المُزنِيُّ: «وهذا يُؤكِّدُ ما قُلتُ أيضًا».
قالَ الماوَرديُّ: أمَّا الشُّفعةُ فمَوروثةٌ تَنتقِلُ بمَوتِ الشَّفيعِ قبلَ عَفوِه إلى وَرثتِه.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: الشُّفعةُ غيرُ مَوروثةٍ، وقد بطَلَت بمَوتِ الشَّفيعِ؛ استِدلالًا بأنَّه خيارٌ مَوضوعٌ لاستِخلافِ مالٍ فوجَبَ أنْ يَبطُلَ بالمَوتِ قياسًا على خيارِ البَدلِ والقَبولِ، ولأنَّ الشَّفيعَ يَستحِقُّ بشُفعتِه دَفعَ الضَّررِ عن مالِه كالزَّوجِ الذي يَستحِقُّ باللِّعانِ دَفعَ الضَّررِ الداخِلِ عليه في نَسبِه، ثم ثبَتَ أنَّ اللِّعانَ يَبطُلُ بالمَوتِ ولا يَصيرُ مَوروثًا فوجَبَ أنْ تَبطُلَ الشُّفعةُ بالمَوتِ ولا تَصيرَ مَوروثةً.
وتَحريرُه قياسًا: أنَّ ما وُضعَ لدَفعِ الضَّررِ من الخيارِ إذا لم يَنتقِلْ إلى مالٍ بطَلَ بالمَوتِ كاللِّعانِ، قالَ: ولأنَّ مِلكَ الوَرثةِ مُستحدَثٌ بعدَ وُجوبِ الشُّفعةِ، وحُدوثُ المِلكِ بعدَها يَمنعُ من إِيجابِها، كمَن استُوهِبَ مِلكًا بعدَ وُجوبِ الشُّفعةِ لم يَستحِقَّ به شُفعةً، قالَ: ولأنَّ الحُقوقَ المَوروثةَ إذا عَفا عنها المَريضُ كانَ عَفوُه مَردودًا كالدُّيونِ، فلمَّا كانَ عَفوُ المَريضِ عن
стр. 8303
الشُّفعةِ صَحيحًا وليسَ للوَرثةِ فيه اعتِراضٌ دَلَّ على أنَّه غيرُ مَوروثٍ، قالَ: ولأنَّ ما وُرثَ بالأَسبابِ والأَنسابِ انتقَلَ إِرثُه عندَ عَدمِهم إلى بَيتِ المالِ، فلمَّا لم يَجزْ للإِمامِ أنْ يأخُذَ بالشُّفعةِ لبَيتِ المالِ، دَلَّ على أنَّ الشُّفعةَ غيرُ مَوروثةٍ مِيراثَ الأَموالِ.
ودَليلُنا قَولُه تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] فكانَ على عُمومِه، ولأنَّه حَقٌّ يَلزمُ في البَيعِ وجَبَ أنْ يَكونَ مَوروثًا كالرَّدِّ بالعَيبِ، ولأنَّ الشُّفعةَ من حُقوقِ المِلكِ فوجَبَ أنْ تَكونَ مَوروثةً مع المِلكِ كطُرقِ الأَملاكِ ومَرافِقِها والرَّهنِ في الدُّيونِ وضَمانِها، ولأنَّ المَوتَ يُسقِطُ التَّكليفَ، وما سقَطَ به التَّكليفُ لم تَبطُلْ به الشُّفعةُ كالجُنونِ، ولأنَّه قَبضٌ استُحِقَّ في عَقدِ بَيعٍ فوجَبَ أنْ يَكونَ كالقَبضِ في البَيعِ.
فأمَّا الجَوابُ عن قياسِهم على خيارِ البَدلِ والقَبولِ فهو أنَّه مُنتقَضٌ بخيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ، ثم إنَّ خيارَ البَدلِ والقَبولِ يَجوزُ أنْ يُورَثَ لولا أنَّه مُستحَقٌّ على الفَورِ، فكانَ بُطلانُ مِيراثِه لتَراخي زَمانِه لاستِحالةِ إِرثِه، ثم المَعنى في خيارِ القَبولِ أنَّه لمَّا لم يَجزْ أنْ يَستَنيبَ المَبدولُ له مَنْ يَقبلُ عنه لم يَنتقِلْ إلى وارِثِه، ولمَّا جازَ أنْ يَستنيبَ الشَّفيعُ مَنْ يُطالِبُ عنه انتَقَل إلى وارِثِه.
وأمَّا الجَوابُ عن قياسِهم على اللِّعانِ فهو ما ذَكَرنا أنَّ النِّيابةَ في اللِّعانِ لا تَصحُّ، وليسَ المَنعُ من أخْذِ العِوضِ عن الشُّفعةِ بمانِعٍ من أنْ يُورثَ كالرَّدِّ بالعَيبِ لا يَجوزُ أخذُ العِوضِ عنه ويَجوزُ أنْ يُورثَ.
стр. 8304
وأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِهم بأنَّ مِلكَ الوَرثةِ طارِئٌ فهو أنَّهم ليسوا يَملِكونَها لأنفُسِهم بالطارِئِ مِنْ مِلكِهم، وإنَّما يَنتقِلُ إليهم مِيراثًا عن مَيتِهم، فقاموا فيه مَقامَه، كمَن وَصَّى له بابنِه المَملوكِ فماتَ قبلَ قَبولِه وتَركَ ابنًا آخَرَ فقبِلَ بعدَ مَوتِ أَبيه الوَصيةَ بأَخيه عُتقَ عليه، وإنْ كانَ الأخُ لا يُعتِقُ أَخاه؛ لأنَّه قبِلَه نيابةً عن أَبيه.
وأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِهم بأنَّ الحُقوقَ المَوروثةَ تَردُّ عَفوَ المُوصَى عنها كالدُّيونِ فهو أنَّ أَصحابَنا قد اختَلَفوا في ذلك، فكانَ بعضُهم يَجعلُ للوارِثِ إِبطالَ عَفوِه، فعلى هذا سقَطَ السُّؤالُ، وقالَ الأَكثَرونَ منهم -وهو الصَّحيحُ- إنَّ عَفوَه ماضٍ ولا اعتِراضَ عليه للوارِثِ؛ لأنَّهم إنَّما يَعتَرضونَ عليه فيما استقَرَّ عليه مِلكُه من الأَملاكِ ولم يَستقِرَّ له ههنا مِلكٌ، وإنَّما هو سَببٌ يُفضي إلى المِلكِ، فصارَ كقَبضِ الهِبةِ الذي يُملَكُ به الهِبةُ، ولو رَدَّه المَريضُ لم يَعتَرضِ الوَرثةُ عليه، وإنْ جازَ أنْ يَقوموا في القَبضِ مَقامَه.
وأمَّا الجَوابُ عن استِدلالِهم بأنَّ ما كانَ مَوروثًا صارَ لبَيتِ المالِ عندَ عَدمِ الوَرثةِ، فهو أنَّ لأَصحابِنا فيه وَجهَينِ:
أَحدُهما: أنَّه مَوروثٌ لبَيتِ المالِ ويَستحِقُّ الإِمامُ أخْذَه بالشُّفعةِ لجَميعِ المُسلِمينَ إذا رأى ذلك صَلاحًا.
والوَجهُ الثانِي: لا شُفعةَ فيه، وقد بطَلَت؛ لأنَّ الشُّفعةَ تَجبُ لدَفعِ الضَّررِ بها فبطَلَت الشُّفعةُ، وليسَ كذلك الوارِثُ؛ لأنَّه يَختَصُّ بالتَّصرفِ فلحِقَه الضَّررُ فاستحَقَّ الشُّفعةَ، واللهُ أعلَمُ بالصَّوابِ (١).
стр. 8305
إلا أنَّ الشافِعيةَ اختَلَفوا فيما لو ماتَ الشَّفيعُ، هل تُقسَّمُ الشُّفعةُ على الوَرثةِ على قَدرِ فُروضِهم في الإِرثِ، أو على قَدرِ عَددِهم.
فذهَبَ أكثَرُ الشافِعيةِ إلى أنَّها تُقسَّمُ عليهم على قَدرِ فُروضِهم؛ لأنَّهم لم يَستحِقُّوا الشُّفعةَ بالمِلكِ، وإنَّما استحَقُّوها بالإِرثِ عن المَيتِ، وهُم مُتفاضِلونَ في المِيراثِ عنه، وعلى هذا لو عَفا أحَدُ الوَرثةِ لم يَسقُطْ حَقُّ مَنْ لم يَعفُ، وكانَ لمَن بَقيَ من الوَرثةِ -ولو كانَ واحدًا- أنْ يأخُذَ جَميعَ الشُّفعةِ كالشُّركاءِ إذا عَفا بعضُهم عادَ حَقُّه إلى مَنْ بَقيَ، وإنْ ماتَ الشَّفيعُ بعدَ البَيعِ فقد ملَكَ الشُّفعةَ بالبَيعِ وانتقَلَت عنه بالمَوتِ إلى وَرثتِه، ويَستَوي فيها الوارِثُ بنَسبٍ وسَببٍ، وهي بينَهم على قَدرِ مَواريثِهم.
والثانِي: على عَددِ رُؤوسِهم (١).
ثانيًا: إذا ترَكَ الشَّفيعُ الشُّفعةَ:
إذا علِمَ الشَّفيعُ بالشُّفعةِ وتمَكَّنَ من طَلبِها لزِمَه أنْ يَطلبَها على الفَورِ، فإنْ أخَّرَ الطَّلبَ سقَطَت شُفعتُه عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ في الأصَحِّ والحَنابِلةِ في المَذهبِ كما تقدَّمَ بَيانُه خِلافًا للمالِكيةِ.
ثالِثًا: تَركُ الشَّفيعِ الإِشهادَ حينَ علِمَه بالشُّفعةِ:
نَصَّ الحَنفيةُ كما تقدَّمَ على أنَّ الشُّفعةَ تَبطُلُ إذا ترَكَ الشَّفيعُ الشُّفعةَ حينَ علِمَ بها وهو يَقدِرُ على ذلك، وهذا يُسمَّى طلَبَ المُواثَبةِ، ثم يَنهَضُ من مَجلسِه بعدَ طَلبِ المُواثَبةِ فيُشهدُ على البائِعِ إنْ كانَ المَبيعُ في يَدِه ولم
стр. 8306
يَكُنْ سلَّمَ إلى المُشتَري، أو يُشهِدُ على المُشتَري أو يُشهِدُ عندَ العَقارِ؛ لأنَّ الحَقَّ مُتعلِّقٌ به (١).
وقد تقدَّمَت المَسألةُ بالتَّفصيلِ.
رابِعًا: إذا أخَذَ عِوضًا مُقابِلَ الشُّفعةِ:
ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الشُّفعةَ تَسقطُ إذا طلَبَ الشَّفيعُ عِوضًا على الشُّفعةِ؛ لأنَّه لمَّا عدَلَ عن الشُّفعةِ إلى العِوضِ كانَ ذلك رِضًا بإِسقاطِها، فيَردُّ العِوضَ؛ لأنَّه أخَذَه بغيرِ استِحقاقٍ؛ لأنَّ المالَ لا يُستحَقُّ إلا بمُقابلةِ مِلكٍ، وحَقُّ الشُّفعةِ ليسَ بمِلكٍ بل حَقُّ تَملُّكٍ، فلا يَصحُّ الاعتِياضُ عنه.
ولأنَّه رَضيَ بتَركِها وطلَبَ عِوضَها، فيَثبُتُ التَّركُ المَرضِيُّ به، ولم يَثبُتِ العِوضُ كما لو قالَ: «بِعْني»، فلم يَبِعْه، ولأنَّ تَركَ المُطالَبةِ بها كافٍ في سُقوطِها، فمع طَلبِ عِوضِها أَولى.
وذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والقاضِي من الحَنابِلةِ إلى أنَّها لا تَسقطُ؛ لأنَّه عدَلَ عن الشُّفعةِ إلى عِوضٍ، فإذا لم يَصحَّ له العِوضُ رجَعَ إلى شُفعتِه، كما لو باعَ له عَينًا بثَمنٍ لا يَصحُّ (٢).
стр. 8307
خامِسًا: تَنازُلُ الشَّفيعِ عن الشُّفعةِ أو بعضِها:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ الشَّفيعَ إذا تَنازلَ عن الشُّفعةِ أو عن بعضِها بأنْ قالَ: «آخُذُ نِصفَ الشُّفعةِ»، مَثلًا، سقَطَت الشُّفعةُ.
وكذا إذا تنازَلَ بعضُ الشُّركاءِ وأَرادَ أَحدُهم أنْ يأخُذَ نَصيبَه فقط سقَطَت الشُّفعةُ، وهذا مَحلُّ إِجماعٍ من العُلماءِ؛ لأنَّها لا تَتبعَّضُ، فإذا سقَطَ بعضُها سقَطَ جَميعُها كالقِصاصِ إلا إذا رَضيَ الآخَرُ؛ لأنَّ في ذلك إِضرارًا عليه بتَبعيضِ الصَّفقةِ على المُشتَري.
قالَ الإِمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأَجمَعوا على أنَّ مَنْ اشتَرى شِقصًا من أرضٍ مُشتَركةٍ فسلَّمَ بعضُهم الشُّفعةَ وأَرادَ بعضُهم أنْ يأخُذَ فلمَن أَرادَ الأخْذَ بالشُّفعةِ أنْ يأخُذَ الجَميعَ أو يَدعَه، وليسَ له أنْ يأخُذَ بقَدرِ حِصتِه، ويَتركَ ما بَقيَ (١).
стр. 8308
كتاب النكاح
стр. 8309
كتاب النكاح
تَعريفُ النِّكاحِ:
النِّكاحُ في اللُّغةِ: الضَّمُّ والاجتِماعُ، ومنهُ: تَناكحَتِ الأشجارُ، إذا تَمايلَتْ وتَعانقَتْ وانضَمَّ بعضُها إلى بعضٍ.
ويُطلَقُ على العَقدِ دونَ الوطءِ، وعلى الوَطءِ دونَ العقدِ، وعليهما معًا (١).
قالَ الأزهَريُّ: أصلُ النكاحِ في كَلامِ العرَبِ: الوطءُ، وقيلَ للتَّزويجِ نكاحٌ؛ لأنهُ سبَبُ الوطءِ، يُقالُ: نكَحَ المَطرُ الأرضَ، ونكَحَ النُّعاسُ عَيْنَه: أصابها.
стр. 8310
قالَ الواحِديُّ: وقالَ أبو القاسمِ الزَّجاجيُّ: النكاحُ في كَلامِ العَربِ:
الوَطءُ والعَقدُ جميعًا، قالَ: ومَوضعُ نَ كَ حَ على هذا التَّرتيبِ في كَلامِ العربِ للُزومِ الشَّيءِ الشَّيءَ راكِبًا عليهِ، هذا كَلامُ العرَبِ الصَّحيحُ، فإذا قالُوا: «نَكَحَ فُلانٌ فُلانةَ يَنكِحُها نَكحًا ونِكاحًا» أرادُوا: تَزوَّجَها.
وقالَ أبو عليٍّ الفارِسيُّ: فرَّقَتِ العربُ بينَهُما فَرقًا لطيفًا، فإذا قالُوا: «نكَحَ فُلانةَ أو بنتَ فُلانٍ، أو أختَه» أرادُوا: عقَدَ عليها.
وإذا قالُوا: «نكَحَ امرأتَه أو زوْجتَه» لم يُريدُوا إلَّا الوطءَ؛ لأنَّ بذِكرِ امرأتِه وزوْجتِه يُستغنَى عن ذِكرِ العَقدِ.
وقالَ الفرَّاءُ: العرَبُ تَقولُ «نُكْحُ المَرأةِ» بضمِّ النُّونِ بُضْعُها، وهو كِنايةٌ عنِ الفَرْجِ، فإذا قالُوا: «نكَحَها» أرادُوا: أصابَ نُكْحَها، وهو فَرْجُها؛ وقلَّ ما يُقالُ: «ناكَحَها» كما يقالُ: «باضَعَها».
وقالَ ابنُ فارِسٍ والجَوهريُّ وغيرُهما مِنْ أهلِ اللُّغةِ: النِّكاحُ الوَطءُ، وقدْ يكونُ العقدَ؛ ويُقالُ: نكَحْتُها، ونكَحَتْ هيَ: أي تَزوَّجَتْ، وأنكَحْتُه: زوَّجتُه، وهي ناكِحٌ: أي ذاتُ زَوجٍ، واستَنكَحَها: تَزوَّجَها، هذا كَلامُ أهلِ اللُّغةِ (١).
стр. 8311
النِّكاحُ شَرعًا:
تَعددَّتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ النِّكاحِ:
فعرَّفَ الحَنفيةُ النِّكاحَ بأنهُ: عَقدٌ يُفيدُ مِلكَ المُتعةِ قَصدًا مِنْ امرأةٍ لم يَمنعْ مِنْ نِكاحِها مانعٌ شَرعيٌّ.
ومِلكُ المُتعةِ: عِبارةٌ عن مِلكِ انتفاعِ الرَّجلِ بالمرأةِ وَطئًا ولَمسًا وتَقبيلًا.
والمُرادُ بالمِلكِ: الحِلُّ، لا المِلكُ الشَّرعيُّ؛ لأنَّ المَنكوحةَ لو وُطئَتْ بشُبهةٍ فمَهرُها لها، ولو ملَكَ الانتفاعَ ببُضعِها حَقيقةً لَكانَ بدلُه له.
ومَعنى قَصدًا: خرَجَ به ما يُفيدُ تلكَ المُتعةَ ضِمنًا، كما إذا اشتَرى جارِيةً، فإنَّ عقْدَ شرائِها يُفيدُ حِلَّ وَطئِها ضِمنًا، وهو ليسَ عقْدَ نِكاحٍ كما لا يَخفَى (١).
وقالَ المالكيَّةُ: النكاحُ: عقدٌ لحِلِّ تَمتُّعٍ -أي استِمتاعٍ وانتِفاعٍ وتلذُّذٍ وَطئًا ومُباشَرةً وتَقبيلًا وضَمًّا وغيرَ ذلكَ- بأُنثَى غيرِ مَحرَمٍ ولا مَجوسيَّةٍ ولا أمَةٍ كتابيَّةٍ بصِيغةٍ (٢).
وقالَ ابنُ عرَفةَ ﵀: النِّكاحُ: عَقدٌ على مُجرَّدِ مُتعةِ التَّلذذِ بآدَميةٍ غيرُ مُوجِبٍ قيمتَها، ببيِّنةٍ قبْلَه، غيرُ عالمٍ عاقِدُه حُرمتَها إنْ
стр. 8312
حرَّمَها الكِتابُ على المَشهورِ، أو الإجماعُ على الآخَرِ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: النِّكاحُ: عَقدٌ يَتضمَّنُ إباحةَ وَطءِ واستِمتاعِ كُلٍّ مِنْ الزَّوجينِ بالآخَرِ على الوجهِ المَشروعِ بلَفظِ إنكاحٍ أو تَزويجٍ أو تَرجَمتِه (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: النِّكاحُ هو عَقدُ التَّزويجِ، أي: عَقدٌ يُعتبَرُ فيهِ لَفظُ نِكاحٍ أو تَزويجٍ أو تَرجمتِه (٣).
стр. 8313
حَقيقةُ النِّكاحِ:
اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ لفْظَ النِّكاحِ يُطلَقُ على العَقدِ وعلى الوَطءِ جَميعًا، إلَّا أنهُم اختَلفُوا في حَقيقتِه، هل النِّكاحُ حَقيقةٌ في العَقدِ مَجازٌ في الوَطءِ؟ أم حَقيقةٌ في الوَطءِ مَجازٌ في العَقدِ؟ أم هو حَقيقةٌ فيهِما معًا؟
فذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والشَّافعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ النِّكاحَ حَقيقةٌ في العَقدِ مَجازٌ في الوَطءِ؛ كما جاءَ في القُرآنِ والأخبارِ، حتَّى قيلَ: لم يَرِدْ في القُرآنِ إلَّا له؛ ولا يَرِدُ على ذلكَ مثلُ قولِه تعالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ لأنَّ المُرادَ العَقدُ، وشَرطُ الوطءِ في التَّحليلِ إنَّما ثبَتَ بالسُّنةِ، والعَقدُ لا بُدَّ منهُ، فمعنى قولِه تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ حتَّى تَتزوَّجَ، أي يَعقدَ عليها، ومَفهومُه أنَّ هذا كافٍ بمُجرَّدِه، لكنْ بيَّنتِ السُّنةُ أنه لا عِبرةَ بمَفهومِ الغايةِ، وأنهُ لا بدَّ بعدَ العقدِ مِنْ ذَوقِ العُسيلةِ بقَولِه ﷺ : «حتَّى تَذُوقِي عُسَيلتَهُ».
حتَّى قالَ الإمامُ الزَّمَخشريُّ ﵀ وهو مِنْ عُلماءِ الحَنفيةِ-: لم يَرِدِ النِّكاحُ في القُرآنِ إلا بمعنى العَقدِ؛ لأنَّ كونَه بمَعنى الوطءِ مِنْ بابِ التَّصريحِ، ومَن أرادَ به الكِنايةَ عنه أتَى بلَفظِ المُلامَسةِ أو المُماسَّةِ.
وقالَ الرَّاغبُ: يَستحيلُ أنْ يكونَ النِّكاحُ حَقيقةً في الِجماعُ ويُكنَّى به عن العَقدِ؛ لأنَّ الجِماعَ يُستقبَحُ مِنْ ذِكره كما يُستقبَحُ مِنْ فِعلِه، والعَقدُ لا يُستقبَحُ -أي فلا يُكنَّى بالأقبَحِ عن غيرِه-، ولأنهُ يَصحُّ نفيُه عنِ الوطءِ؛ إذْ
стр. 8314
يُقالُ في الزِّنا: سِفاحٌ لا نِكاحٌ، ويُقال في السُّرِّيةِ: ليسَتْ مُزوَّجةً ولا مَنكوحةً، وصِحةُ النَّفيِ دليلُ المَجازِ.
ولأنَّ التَّزويجَ لمَّا كانَ بالإجماعِ اسمًا للعَقدِ حَقيقةً كانَ النِّكاحُ بمَثابتِه؛ لاشتِراكِهما في المَعنى، ولأنَّ استِعمالَ النِّكاحِ في العَقدِ أكثَرُ، وهو به أخَصُّ وأشهَرُ، وهو في أشعارِ العرَبِ أظهَرُ، قالَ الشَّاعرُ:
بَنُو دارِمٍ أَكْفاؤُهمْ آلُ مِسْمَعٍ … وتَنكِحُ في أَكْفائِها الحَبَطاتُ (١)
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشَّافعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنه حَقيقةٌ في الوَطءِ مَجازٌ في العَقدِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، والمرادُ به الوَطءُ؛ لأنَّ الأمَةَ إذا وَطئِها الأبُ حرمَتْ على الابنِ.
تقولُ العرَبُ: أنكَحْنا الفرَى فسنَرَى، أي أضرَبْنا فحلَ حِمارَ الوَحشِ أمَّه فستَرَى ما يتولَّدُ منهُما، يُضرَبُ مَثلًا للأمرِ يَجتمعونَ عليهِ ثمَّ يَتفرقونَ عنهُ.
وقالَ الشَّاعرُ:
ومِن أَيِّمٍ قد أَنكَحَتْنا رِماحُنا … وأُخرُى على خالٍ وعَمٍّ تَلَهَّفُ
стр. 8315
فمَتى أُطلقَ النِّكاحُ في الشَّرعِ فيُرادُ به الوطءُ، وقدْ قالَ النبيُّ ﷺ : «وُلِدْتُ مِنْ نِكاحٍ لا مِنْ سِفاحٍ»، أي مِنْ وَطءٍ حَلالٍ لا مِنْ وَطءٍ حَرامٍ؛ وقولُه ﷺ : «يَحِلُّ للرَّجلِ مِنْ امرأتِهِ الحائِضِ كُلُّ شيءٍ إلَّا النِّكاح»، أي الوَطءُ.
وقَد ورَدَ في أشعارِ العرَبِ بمَعنى الوَطءِ أيضًا، قالَ الأعشَى:
ومَنكُوحةٍ غيرِ مَمهُورةٍ … وأُخرَى يُقالُ لهُ فادِها
يعني: مَسبيَّةً مَوطوءةً بغيرِ عَقدٍ ولا مَهرٍ، وقالَ آخَرُ:
ومِن أَيِّمٍ قد أَنكَحَتْنا رِماحُنا … وأُخرُى على خالٍ وعَمٍّ تَلَهَّفُ
يعني: وُطءَ المَسبيَّة بالرِّماحِ.
وإنَّما يُفهمُ منه العقدُ بقَرينةٍ كقولِه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]؛ لأنَّ الوطءَ لا يَتوقفُ على إذنِ الأهلِ، وكذلكَ قولُه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] الآية؛ لأنَّ العقدَ هو الَّذي يَختصُّ بالعددِ دُونَ الوطءِ، وكذا قولُه ﷺ : «لا نِكاحَ إلَّا بشُهودٍ»؛ لأنَّ الشُّهودَ لا يكُونونَ على الوطءِ، ولأنهُما حالةَ العَقدِ مُفتَرِقانِ، وإنَّما يُطلَقُ عليهِ النِّكاحُ لإفضائِه إلى الضَّمِّ.
ولأنَّ النِّكاحَ لغةً الجَمعُ والضَّمُّ، ثمَّ المُتبادرُ مِنْ لَفظِ الضَّمِّ تعلُّقُه بالأجسامِ لا الأقوالِ؛ لأنها أعراضٌ يَتلاشَى الأولُ منها قبلَ وُجودِ الثَّاني،
стр. 8316
فلا يُصادفُ الثاني ما يَنضمُّ إليهِ، فوجَبَ كونُه مَجازًا في العَقدِ (١).
وذهَبَ بعضُ المالِكيةِ والشَّافعيةُ في وَجهٍ وبعضُ الحَنابلةِ كالقاضي أبي يَعلَى إلى أنَّ النكاحَ مشتَرَكٌ بينَهُما، فهو حَقيقةٌ في العَقدِ والوَطءِ جميعًا بالاشتِراكِ كالعَينِ، وحُمِلَ على هذا النَّهيُ في قولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] عنِ العقدِ وعنِ الوطءِ بمِلكِ اليَمينِ معًا على استِعمالِ المُشتَرَكِ في مَعنيَيهِ.
ولتَحريمِ مَوطوءةِ الأبِ مِنْ غيرِ تَزويجٍ؛ لدُخولِه في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢].
قال الحافظُ ابنُ حجَرٍ ﵀: النِّكاحُ في الشَّرعِ حَقيقةٌ في العَقدِ مَجازٌ في الوطءِ على الصَّحيحِ، والحُجةُ في ذلكَ كثرةُ وُرودهِ في الكتابِ والسَّنةِ للعَقدِ، حتَّى قيلَ: إنهُ لم يَرِدْ في القُرآنِ إلَّا للعقدِ ولا يَرِدُ مثلُ قولِه: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ لأنَّ شرْطَ الوطءِ في التَّحليلِ إنَّما ثبَتَ بالسُّنةِ، وإلَّا فالعقدُ لا بدَّ منهُ؛ لأنَّ قولَه: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ معناهُ: حتَّى تَتزوَّجَ، أي يَعقدَ عليها، ومَفهومُه أنَّ هذا كافٍ بمُجرَّدِه، لكنْ بيَّنتِ السُّنةُ أنه لا عِبرةَ بمَفهومِ الغايةِ، وأنهُ لا بدَّ بعدَ العقدِ مِنْ ذَوقِ العُسيلةِ، كما أنهُ لا بدَّ بعدَ ذلكَ مِنْ التَّطليقِ ثمَّ العِدَّةِ.
стр. 8317
نعَمْ أفادَ أبو الحُسينِ بنُ فارسٍ أنَّ النكاحَ لم يَرِدْ في القُرآنِ إلَّا للتَّزويجِ إلَّا في قولِه تعالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]، فإنَّ المُرادَ بهِ الحُلمُ، واللهُ أعلَمُ.
وفي وَجهٍ للشَّافعيةِ كقولِ الحَنفيةِ: إنَّه حَقيقةٌ في الوَطءِ مَجازٌ في العَقدِ.
وقيلَ: مَقُولٌ بالاشتِراكِ على كلٍّ منهُما، وبه جزَمَ الزجَّاجيُّ، وهذا الَّذي يَترجَّحُ في نظَرِي، وإنْ كانَ أكثرَ ما يُستعملُ في العَقدِ، ورجَّحَ بعضُهم الأولَّ بأنَّ أسماءَ الجِماعِ كلَّها كِناياتٌ؛ لاستِقباحِ ذِكرِه، فيَبعدُ أنْ يَستعيرَ مَنْ لا يَقصدُ فُحشًا اسمَ ما يَستفظِعُه لِمَا لا يَستفظعُه، فدلَّ على أنهُ في الأصلِ للعَقدِ، وهذا يَتوقفُ على تَسليمِ المُدَّعي أنها كلَّها كِناياتٌ، وقد جمَعَ اسم النِّكاحِ ابنُ القَطَّاعِ فزادَتْ على الألفِ (١).
ثمَرةُ الخِلافِ:
تظهَرُ ثمَرةُ الخِلافِ في حَقيقةِ النِّكاحِ -هل هو الوَطءُ أم العَقدُ؟ - في بَعضِ المَسائلِ:
أنَّ الوطءَ بالزِّنا هل يُحرِّمُ ما حرَّمَه النِّكاحُ أم لا؟
فمَن زنَى بامرأةٍ هل تَحرمُ على أصولِه كوالِدِه وفُروعِه كوَلدِه أم لا؟
стр. 8318
فذهَبَ الحَنفيةُ ومالكٌ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ عنهُ والحَنابلةُ في الصَّحيحِ إلى أنَّ مَنْ زنَى بامرأةٍ أو وَطئَها بشُبهةٍ حرمَتْ عليهِ أصولُها وفروعُها، وتَحرمُ المَوطوءةُ على أصولِ الواطئِ وفُروعِه؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، والحَملُ على الوطءِ أَولى؛ لأنَّ النِّكاحَ حَقيقةً هو الوطءُ، أو لأنهُ أعَمُّ فكانَ الحَملُ عليهِ أَولى وأعَمَّ فائدةً، فيصيرُ معنَى الآيةِ: (ولا تَطؤُوا ما وَطئَ آباؤُكُم مُطلَقًا)، فيَدخلُ فيهِ النِّكاحُ والسِّفاحُ (١).
وذهَبَ الإمامُ مالكٌ في المَشهورِ عنهُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في قولٍ إلى أنَّ مَنْ زنَى بامرأةٍ لا تَحرمُ على أصولِه وفُروعِه؛ وأنَّ الحرامَ لا يُحرمُ الحلالَ؛ لأنهُ لمَّا ارتَفعَ الصَّداقُ في الزِّنا ووُجوبُ العدَّةِ والميراثُ ولُحوقُ الولدِ ووُجوبُ الحَدِّ ارتَفعَ أنْ يُحكَمَ له بحُكمِ النِّكاحِ الجائِزِ (٢).
وسيأتي مَزيدُ تَفصيلِ هذهِ المَسألةِ في المُحرَّماتِ مِنْ النِّكاحِ.
وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: النِّكاحُ مَندوبٌ إليهِ وليسَ بواجِبٍ، وهذا قَولُ الفُقهاءِ أجمَعَ (١).
وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: أجمَعَتِ الأمَّةُ على جَوازِ النِّكاحِ (٢).
مَحاسِنُ النِّكاحِ وحِكمةُ مَشروعيَّتهِ:
مَقاصِدُ النكاحِ ثلاثةٌ: حِفظُ النَّسلِ، وإخراجُ الماءِ الَّذي يَضرُّ احتِباسُه بالبَدنِ، ونَيلُ اللَّذةِ.
وهذهِ الثالثةُ هيَ الَّتي في الجَنَّةِ؛ إذْ لا تَناسُلَ هُناكَ ولا احتِباسَ (٣).
قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: يَتعلقُ بهذا العَقدِ أنواعٌ مِنْ المَصالحِ الدِّينيةِ والدُّنيويةِ، مِنْ ذلكَ حِفظُ النِّساءِ والقيامُ عليهنَّ والإنفاقُ، ومِن ذلكَ صِيانةُ النَّفسِ عنِ الزِّنا، ومِن ذلكَ تكثيرُ عِبادِ اللهِ تَعالى وأمَّةِ الرَّسولِ وتَحقيقُ مُباهاةِ الرَّسولِ ﷺ بهِم كما قالَ: «تَناكَحُوا تَناسَلُوا تَكثُرُوا فإني مُباهٍ بكُم الأُممَ يومَ القِيامةِ».
ثمَّ قالَّ: وسبَبُه تَعلقُ البقاءِ المَقدورِ به إلى وقتِه؛ فإنَّ اللهَ تعالَى حكَمَ ببقاءِ العالَمِ إلى قيامِ السَّاعةِ، وبالتَّناسلِ يكونُ هذا البقاءُ، وهذا التَّناسلُ عادةً لا يكونُ إلا بينَ الذُّكورِ والإناثِ، ولا يَحصلُ ذلكَ بينَهُما إلَّا بالوطءِ، فجعَلَ الشَّرعُ طريقَ ذلكَ الوطءِ النِّكاحَ؛ لأنَّ في التَّغالُبِ فَسادًا، وفي الإقدامِ
стр. 8322
بغيرِ مِلكٍ اشتِباهَ الأنسابِ، وهو سَببٌ لضياعِ النَّسلِ؛ لِما بالإناثِ مِنْ بَني آدمَ مِنْ العَجزِ عنِ التكسُّبِ والإنفاقِ على الأولادِ، فتعيَّنَ المِلكُ طريقًا لهُ حتَّى يُعرفَ مَنْ يكونُ منهُ الولدُ فيُوجبَ عليهِ نَفقتُه لئلَّا يَضيعَ، وهذا المِلكُ على ما عليهِ أصلُ حالِ الآدميِّ مِنْ الحرِّيةِ لا يَثبتُ إلَّا بطَريقِ النِّكاحِ، فهذا معنَى قولِنا: إنهُ تَعلقَ بهِ البقاءُ المَقدورُ بهِ إلى وَقتِه (١).
وقالَ الإمامُ البابرتِيُّ ﵀: النِّكاحُ فيهِ مصالحُ الدِّينِ والدُّنيا، وقدِ اشتَهرَتْ في وَعيدِ مَنْ رَغبَ عنهُ وتَحريضِ مَنْ رَغبَ فيهِ الآثارُ، وما اتَّفقَ في حُكمٍ مِنْ أحكامٍ الشَّرعِ مثلُ ما اتَّفقَ في النِّكاحِ مِنْ اجتِماعِ دَواعي الشَّرعِ والعَقلِ والطَّبعِ.
فأمَّا دَواعي الشَّرعِ مِنْ الكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ فظاهِرةٌ.
وأمَّا دَواعي العَقلِ فإنَّ كلَّ عاقِلٍ يَحبُ أنْ يبقَى اسمُه ولا يَنمحِي رسْمُه، وما ذاكَ غالِبًا إلَّا ببَقاءِ النَّسلِ.
وأمَّا الطَّبعُ فإنَّ الطَّبعَ البَهيميَّ مِنْ الذَّكرِ والأُنثى يدعُو إلى تَحقيقِ ما أُعِدَّ مِنْ المُباضَعاتِ الشَّهوانيةِ والمُضاجَعاتِ النَّفسانيةِ، ولا مَزجَرةَ فيها إذا كانَتْ بأمرِ الشَّرعِ وإنْ كانَتْ بدَواعي الطَّبعِ، بل يُؤجَرُ عليهِ بخِلافِ سائرِ المَشروعاتِ (٢).
стр. 8323
وقالَ اللَّخميُّ: النِّكاحُ يَتضمَّنُ خمْسَ خِصالٍ: يُعفُّ الطَّرفَ، ويُحصنُ الفَرْجَ، ويُكثرُ النَّسلَ، ويُبقي الذِّكْرَ والأجرَ (١).
حُكْمُ النِّكَاحِ:
الأصلُ في النِّكاحِ أنهُ مَسنونٌ ومَرغوبٌ فيهِ، وهذا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشَّافعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ، وليسَ بواجِبٍ إلَّا في حالةِ التَّوَقانِ كما سَيأتي.
قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: عقدُ النِّكاحِ مَسنونٌ مُستحبٌ في قولِ جُمهورِ العُلماءِ ﵏، وعندَ أصحابِ الظَّواهِرِ واجِبٌ؛ لظاهِرِ الأمرِ بهِ في الكِتابِ والسُّنةِ، ولأنَّ التَّحرزَ مِنْ الزِّنا فَرضٌ، ولا يُتَوصَّلُ إليهِ إلَّا بالنكاحِ، وما لا يُتوصَّلُ إلى الفَرضِ إلَّا به يكونُ فَرضًا.
وحُجَّتُنا أنَّ النبيَّ ذكَرَ أركانِ الدِّينِ مِنْ الفرائِضِ وبيَّنَ الواجِباتِ ولم يَذكُرْ مِنْ جُملتِها النِّكاحَ، وقد كانَ في الصَّحابةِ ﵃ مَنْ لم يَتزوَّجْ، ولم يُنكِرْ عليهِ رسولُ اللهِ ذلكَ، والصَّحابةُ ﵃ فتَحُوا البلادَ ونقَلُوا ما جَلَّ ودَقَّ مِنْ الفرائِضِ، ولم يَذكرُوا مِنْ جُملتِها النِّكاحَ، وكما يُتوصَّلُ بالنكاحِ إلى التَّحرزِ عن الزِّنا يُتوصَّلُ بالصَّومِ إليهِ، قالَ ﷺ : «يا مَعشرَ الشُّبانِ عليكم بالنِّكاحِ، فمَن لم يَستطعْ فعليهِ بالصَّومِ فإنهُ له وِجَاءٌ»، وتأويلُ ما رُويَ في حَقِّ مَنْ تَتوَّقُ نَفسُه إلى النِّساءِ على وَجهٍ لا يَصبِرُ عنهُنَّ، وبه نقولُ إذا كانَ بهذهِ
стр. 8324
الصِّفةِ لا يسَعُه تَركُ النِّكاحِ، فأمَّا إذا لم يكُنْ بهذهِ الصِّفةِ فالنِّكاحُ سُنةٌ لهُ (١).
وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: النِّكاحُ مُستحَبٌّ غيرُ واجِبٍ عندَنا، وبه قالَ مالكٌ وأبو حَنيفةَ وأكثرُ أهلِ العلمِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: واختَلفَ أصحابُنا في وُجوبِه، فالمَشهورُ في المَذهبِ أنهُ ليسَ بواجِبٍ، إلَّا أنْ يَخافَ أحَدٌ على نَفسِه الوُقوعَ في مَحظورٍ بتَركِه، فيَلزمُه إعفافُ نَفسِه، وهذا قَولُ عامَّةِ الفُقهاءِ.
وقالَ أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: هو واجِبٌ، وحكاهُ عن أحمدَ، وحُكيَ عن داودَ أنهُ يجبُ في العُمرِ مرَّةً واحِدةً؛ للآيةِ والخبَرِ (٣).
واستَدلَّ الجُمهورُ على أنهُ مُستحبٌّ وليسَ بواجِبٍ بقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، فعلَّقَه بالاستِطابةِ، وما كانَ واجِبًا لا يَتعلقُ بالاستِطابةِ، وقولِه تعالَى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، ولا يجبُ ذلكَ بالاتِّفاقِ، فيَدلُّ على أنَّ الأمرَ للنَّدبِ، وكذا الخبَرُ يُحملُ على النَّدبِ أو على مَنْ خَشيَ الوُقوعَ في الحَرامِ.
وروَى أبو أيوبَ الأنصاريُّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «أربَعٌ مِنْ سُنَنِ المُرسَلينَ: الحَياءُ والتَّعطُّرُ والسِّواكُ والنِّكاحُ» (٤).
стр. 8325
وقالَ ﷺ : «مَنْ أحَبَّ فِطرَتي فلْيَستنَّ بسُنَّتي، ومِن سُنَّتي النكاحُ» (١)، فعلَّقَه على المَحبةِ، وسمَّاهُ سنَّةً، وإذا أُطلقَتِ السُّنةُ اقتَضَتْ المَندوبَ إليهِ.
ورويَ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: «جاءَ رَجلٌ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ بابنةٍ له فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ هذهِ ابنَتِي قد أبَتْ أنْ تَتزوَّجَ، فقالَ لها النبيُّ ﷺ : أطِيعِي أباكِ، فقالَتْ: والَّذي بعثَكَ بالحقِّ لا أتَزوَّجُ حتَّى تُخبرَنِي ما حَقُّ الزَّوجِ على زوْجتِه، فقالَ النبيُّ ﷺ : حقُّ الزَّوجِ على زوْجتِه أنْ لو كانَتْ قَرحةٌ فلحَسَتْها ما أدَّتْ حقَّه، قالَتْ: والَّذي بعثَكَ بالحقِّ لا أتزوَّجُ أبدًا، فقالَ النبيُّ ﷺ : لا تَنكحُوهنَّ إلَّا بإذنِهنَّ» (٢)، فلَو كانَ النِّكاحُ واجِبًا لَأنكَرَ عليها رسولُ اللهِ ﷺ .
ولقَولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ استَطاعَ مِنْكُمْ الباءةَ فلْيَتزوَّجْ، ومَن لم يَستطعْ فلْيَصمْ، فإنَّ الصَّومَ له وِجاءٌ» (٣)، فأقامَ النبيُّ ﷺ الصَّومَ مَقامَ النكاحِ، والصَّومُ ليسَ بواجِبٍ، فدلَّ أنَّ النكاحَ ليسَ بواجِبٍ أيضًا؛ لأنَّ غيرَ الواجِبِ لا يَقومُ مَقامَ الواجِبِ.
стр. 8326
ولأنَّ في الصَّحابةِ ﵃ مَنْ لم تكُنْ له زَوجةٌ، ورسولُ اللهِ ﷺ عَلِمَ منهُ بذلكَ ولم يُنكِرْ عليه، فدلَّ أنهُ ليسَ بواجِبٍ (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ بعدَ ذِكرِ للحَديثِ السَّابقِ: وفي هذا الحَديثِ الأمرُ بالنِّكاحِ لِمَنْ استَطاعَه وتاقَتْ إليه نَفسُه، وهذا مُجمَعٌ عليهِ، لكنَّه عندَنا وعندَ العُلماءِ كافَّةً أمرُ نَدبٍ لا إيجابٍ، فلا يَلزمُ التَّزوجُ ولا التَّسَرِّي، سواءٌ خافَ العنَتَ أم لا، هذا مَذهبُ العُلماءِ كافَّةً، ولا يُعلمُ أحَدٌ أوجَبَه إلَّا داودَ ومَن وافَقَه مِنْ أهلِ الظَّاهرِ وروايةٌ عن أحمَدَ، فإنهُم قالُوا: يَلزمُه إذا خافَ العنَتَ أنْ يتزوَّجَ أو يَتسرَّى، قالُوا: وإنَّما يَلزمُه في العُمرِ مرَّةً واحِدةً، ولم يَشرِطْ بعضُهم خوْفَ العنَتِ، قالَ أهلُ الظَّاهرِ: إنَّما يَلزمُه التَّزويجُ فقطْ ولا يَلزمُه الوَطءُ، وتَعلَّقُوا بظاهرِ الأمرِ في هذا الحَديثِ مع غيرِه مِنْ الأحاديثِ معَ القُرآنِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وغَيرها مِنْ الآياتِ.
واحتَجَّ الجُمهورُ بقولِه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ إلى قولِه تعالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فخيَّرَه بينَ النِّكاحِ والتَّسرِّي، قالَ الإمامُ المازِريُّ: هذا حُجةٌ للجُمهورِ؛ لأنَّه خيَّرَه بينَ النكاحِ والتَّسرِّي بالاتفاقِ، ولو كانَ النِّكاحُ واجِبًا لَمَا خيَّرَه بينَه وبينَ التَّسرِّي؛ لأنهُ لا يَصحُّ عندَ الأُصوليينَ التَّخييرُ بينَ واجِبٍ وغيرِه؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى إبطالِ حقيقةِ الواجِبِ، وأنَّ تارِكَه لا يكونُ آثِمًا.
стр. 8327
وأمَّا قولُه ﷺ : «فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ منِّي» فمَعناهُ: مَنْ رَغبَ عنها إعراضًا عنها غيرَ مُعتقِدٍ على ما هيَ، واللهُ أعلَمُ (١).
إلَّا أنَّ العُلماءَ قالُوا: إنَّ النِّكاحَ تَجرِي فيهِ الأحكامُ التَّكليفيةُ الخَمسةُ: الوُجوبُ والنَّدبُ والكَراهةُ والحُرمةُ والإباحَةُ، ولكلِّ مذهَبٍ تَفصيلٌ في ذلكَ بيانُه على النَّحو التَّالي:
أولاً: الوُجوبُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ يَخافُ على نَفسِه الوُقوعَ في المَحظورِ إنْ ترَكَ النِّكاحَ وجَبَ عليهِ النِّكاحُ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: في قولِ عامَّةِ الفُقهاءِ؛ لأنهُ يَلزمُه إعفافُ نَفسِه وصَونُها عنِ الحَرامِ، وطَريقُه النِّكاحُ (٢).
وقالَ القُرطبيُّ ﵀: المُستطيعُ الَّذي يَخافُ الضَّررَ على نَفسِه ودِينِه مِنْ العُزوبةِ بحيثُ لا يَرتفعُ عنهُ ذلكَ إلَّا بالتَّزويجِ لا يُختلَفُ في وُجوبِ التَّزويجِ عليهِ (٣).
قالَ الحَنفيةُ: النِّكاحُ في حالِ التَّوقانِ واجِبٌ؛ لأنَّ حالةَ التَّوقانِ يُخافُ عليهِ أو يَغلبُ على الظَّنِّ وُقوعُه في الزِّنا إذا لم يَتزوَّجْ، والنِّكاحُ يَمنعُه عن ذلكَ، فكانَ واجِبًا؛ لأنَّ الامتِناعَ عنِ الحَرامِ فَرضٌ واجِبٌ.
стр. 8328
وأما إنْ كانَ لا يَتمكَّنُ مِنْ التَّحرزِ مِنْ الوُقوعِ في الزِّنا إلَّا بالنكاحِ ولم يكُنْ قادِرًا على التَّسرِّي ولا الصَّومِ صارَ فَرضًا؛ لأنَّ ما لا يُتوصَّلُ إلى تَركِ الحَرامِ إلَّا به يكونُ فَرضًا.
فأمَّا لو قَدرَ على التَّسرِّي أو الصَّومِ المانعِ مِنْ الوُقوعِ في الزِّنا لم يَبْقَ النكاحُ فَرضًا أو واجِبًا عَينًا، بل هو أو غيرُه ممَّا يَمنعُه عنِ الوُقوعِ في المُحرَّمِ.
وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: وكذا فيما يَظهرُ لو كانَ لا يُمكِنُه مَنعُ نَفسِه عنِ النَّظرِ المُحرَّمِ أو عنِ الاستِمناءِ بالكفِّ فيَجبُ التَّزوجُ وإنْ لم يَخَفِ الوُقوعَ في الزِّنا. اه
وهذا إنْ ملَكَ المَهرَ والنَّفقةَ ولو بالاستِدانةِ على قَولٍ، فإنْ لم يَقدرْ على المَهرِ أو النَّفقةِ لم يكنْ واجِبًا ولا فَرضًا.
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: لا خِلافَ أنَّ النكاحَ فَرضٌ حالةَ التَّوقانِ، حتَّى أنَّ مَنْ تاقَتْ نَفسُه إلى النِّساءِ بحيثُ لا يُمكِنُه الصَّبْرُ عنهنَّ وهو قادِرٌ على المَهرِ والنَّفقةِ ولم يَتزوَّجْ يأثَمُ (١).
وهذا أيضًا عندَ عدمِ خوفِ الجَورِ -أي الظُّلمِ-، فإنْ تعارَضَ خوفُ الوُقوعِ في الزِّنا لو لم يتزوَّجْ وخوفُ الجَورِ لو تزوَّجَ قدَّمَ الثَّاني؛ فلا افتِراضَ بل يُكرَهُ؛ لأنَّ الجَورَ مَعصيةٌ مُتعلِّقةٌ بالعِبادِ، والمنعَ مِنْ الزِّنا مِنْ حُقوقِ اللهِ تعالَى، وحقُّ العبدِ مُقدَّمٌ عندَ التَّعارضِ؛ لاحتِياجِه وغِنَى المَولى تعالَى.
стр. 8329
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: وإنْ خافَ الزِّنا، لكنْ يأتي أنَّه يُندَبُ الاستِدانةُ لهُ، قالَ في «البَحرِ»: فإنَّ اللهَ ضامِنٌ له الأداءَ، فلا يَخافُ الفقرَ إذا كانَ مِنْ نيَّتِه التَّحصينُ والتَّعففُ. اه، ومُقتضاهُ أنهُ يجبُ إذا خافَ الزِّنا وإنْ لم يَملكِ المَهرَ إذا قَدرَ على استِدانتِه، وهذا مُنافٍ للاشتِراطِ المَذكورِ، إلَّا أنْ يُقالَ: الشَّرطُ مِلكُ كلٍّ مِنْ المَهرِ والنَّفقةِ ولو بالاستدانةِ، أو يُقالَ: هذا في العاجزِ عن الكَسبِ ومَن ليسَ لهُ جِهةُ وَفاءٍ.
وقدَّمَ الشَّارحُ في أوَّلِ الحَجِّ أنهُ لو لم يَحُجَّ حتَّى أتلَفَ مالَه وَسِعَه أنْ يَستقرِضَ ويَحُجَّ ولو غيرَ قادرٍ على وفائِه، ويُرجَى أنْ لا يُؤاخِذَه اللهُ تعالَى بذلكَ؛ أي لو ناوِيًا وفاءَهُ لو قَدرَ كما قيَّدَه في الظَّهيريةِ. اه
وقدَّمْنا أنَّ المُرادَ عدمُ قُدرتِه على الوفاءِ في الحالِ مع غلَبةِ ظنِّه أنه لوِ اجتَهدَ قدَرَ، وإلَّا فالأفضلُ عدَمُه، ويَنبغي حَملُ ما ذكَرَ مِنْ نَدبِ الاستِدانةِ على ما ذكَرْنا مِنْ ظنِّه القُدرةَ على الوَفاءِ، وحينَئذٍ فإذا كانَتْ مَندوبةً عندَ أمْنِه مِنْ الوُقوعِ في الزِّنا يَنبغِي وُجوبُها عندَ تَيقُّنِ الزِّنا، بل يَنبغِي وُجوبُها حِينئذٍ وإنْ لم يَغلبْ على ظنِّه قُدرةُ الوفاءِ، تأمَّلْ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَجبُ النِّكاحُ على مَنْ عندَه رَغبةٌ وخَشيَ على نَفسِه الزِّنا، وإنْ أدَّى إلى الإنفاقِ عليها مِنْ حَرامٍ، أو أدَّى إلى عَدمِ الإنفاقِ عليها، ويجبُ إعلامُها بذلكَ.
стр. 8330
ولكنْ اعتُرضَ على هذا بأنَّ الخائِفَ مِنْ العنَتِ مُكلَّفٌ بتَركِ الزِّنا؛ لأنهُ في طَوقِه كما هوَ مُكلَّفٌ بتَركِ التَّزوجِ الحرامِ، فلا يَحِلُّ فِعلٌ مَحرَّمٌ لدَفعِ مُحرَّمٍ.
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: والحاصلُ أنهُ لا يَحِلُّ مُحرَّمٌ لدَفعِ مُحرَّمٍ؛ لأنهُ مُكلَّفٌ بتَركِ كلٍّ منهُما، وحِينئذٍ فلا يَصحُّ أنْ يُقالَ: إذا خافَ الزِّنا وجَبَ النِّكاحُ ولو أدَّى للإنفاقِ مِنْ حرامٍ، وقد يُقالُ: إذا استَحكمَ الأمرُ فالقاعِدةُ ارتكابُ أخَفِّ الضَّررَينِ حيثُ بلَغَ الإلجاءَ، ألَا ترَى أنَّ المرأةَ إذا لم تَجدْ ما يَسدُّ رمَقَها إلَّا بالزِّنا جازَ لها الزِّنا (١).
وكذا يَجبُ النكاحُ على المَرأةِ عندَ عَجزِها عَنْ قُوتِها أو سُترتِها (٢).
قالَ اللَّخميُّ ﵀: وإنْ كانَتِ امرأةً لا إربَ لها في الرِّجالِ وهيَ عَقيمٌ -قد عَلِمَتْ ذلكَ من نَفسِها- كانَ النكاحُ لها مُباحًا، وإنْ كانَ لها رَغبةٌ وهي قادِرةٌ على التَّعففِ -وكانَتْ غيرَ عَقيمٍ- كانَ مَندوبًا.
وإنْ كانَتْ تَخشَى على نَفسِها الزِّنا ولا يُذهِبُه الصَّومُ كانَ واجِبًا وُجوبًا غيرَ مُوسَّعٍ، وإنْ كانَ يُذهِبُه الصَّومُ كانَ مُوسَّعًا، وكانَتْ بالخِيارِ بينَ النكاحِ أو الصَّومِ، ولا بُدَّ لها مِنْ التلبُّسِ بأحَدِهما، كانَتْ ذاتَ مالٍ أم لا؛ لأنهُ لا
стр. 8331
يَصحُّ مِنها التَّسرِّي، وتَزويجُها الحُرَّ والعبدَ سواءٌ؛ لأنَّ ولَدَها تبَعٌ لها في الحرِّيةِ، وإنْ كانَ تَزويجُها للحَرِّ أَولى، وندَبَ اللهُ سُبحانَه السَّاداتِ إلى إنكاحِ مَنْ في رِقِّهم مِنْ العَبيدِ والإماءِ؛ لأنهُم يَحتاجونَ مِنْ ذلكَ إلى مِثلِ ما يَحتاجُ إليه الأحرارُ، فقَالَ : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] (١).
وأمَّا الشَّافعيةُ فالمَنصوصُ عِندَهم أنهُ لا يَجبُ النكاحُ بحَالٍ وإنْ تاقَتْ نَفسُه إليهِ.
قالُوا: مَنْ تاقَتْ نَفسُه إلى النكاحِ ويَجدُ أُهبَتَه -وهوَ المَهرُ والنَّفقةُ وما يحتاجُ إليهِ- فيُستحَبُّ له أن يتزوَّجَ ولا يَجبُ؛ لِمَا رُويَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «يا مَعشرَ الشَّبابِ مَنْ استَطاعَ منكُم الباءةَ فلْيَتزوَّجْ، فإنهُ أغَضُّ للبصَرِ وأحصَنُ للفَرْجِ، ومَن لم يَستطعْ فعليه بالصَّومِ، فإنهُ له وِجاءٌ» (٢).
وقالَ أبو عبيدٍ: (الباءةُ): مَمدودٌ، وأصلُ الباءةِ الجِماعُ، والمُرادُ بالباءةِ المَذكورةِ في الخبَرِ المالُ الَّذي يملكُ به الجِماع، وهو المَهرُ والنَّفقةُ، فسمَّاه باسمِ سبَبِه.
وأرادَ منِ استِطاعَ مِنْكُمْ المالَ الَّذي يَتوصَّلُ به إلى الباءةِ فلْيتزوَّجْ؛ لأنهُ قالَ: «ومَن لم يَستطعْ فعليه بالصَّومِ»، أي: ومَن لم يَستطعِ المالَ ونَفسُه
стр. 8332
تَتوقُ إلى الجِماعِ فعليهِ بالصَّومِ؛ لِيكونَ له وِجاءً؛ يُقالُ للفَحلِ إذا رُضَّتْ أُنثَياهُ: قد وُجِئَ وِجاءً، يعنِي أنَّه قُطعَ النكاحَ؛ لأنَّ المَوجوءَ لا يَضرِبُ، فلو كانَ المرادُ بالباءةِ المَذكورةِ في الخبَرِ الجِماعُ لم يأمُرْ بالصَّومِ مَنْ لا يَستطيعُه لِيكونَ له وِجاءً؛ لأنهُ لا يحتاجُ إلى ذلك (١).
إلَّا أنَّ الرَّمليَّ الشَّافعيَّ نَصَّ على وُجوبِ النكاحِ على مَنْ خافَ العنَتَ ولم يُمكِنْ دَفعُه إلَّا بالنكاحِ، قالَ ﵀: لو خافَ العنَتَ وتعيَّنَ طريقًا لدَفعِه مع قُدرتِه وجَبَ (٢).
وكذا قالَ ابنُ حَجرٍ ﵀: ووُجِّهَ أنهُ واجبٌ على مَنْ خافَ زِنًا، قيلَ: مُطلَقًا؛ لأنَّ الإحصانَ لا يُوجَدُ إلَّا به، وقيلَ: إنْ لم يُرِدِ التَّسرِّي (٣).
والمرأةُ إذا كانَتْ مُحتاجةً إليهِ -أي لِتَوقانِها إلى النكاحِ، أو إلى النَّفقةِ، أو خائِفةً مِنْ اقتِحامِ الفجَرةِ، أو لم تكنْ مُتعبِّدةً- استُحبَّ لها أنْ تَتزوَّجَ -أي لِمَا في ذلكَ مِنْ تَحصينِ الدِّينِ وصِيانةِ الفَرْجِ والتَّرفهِ بالنَّفقةِ وغيرِها-، وأمَّا إذا لم يَندفِعْ عنها الفجَرةُ إلَّا بالنكاحِ وجَبَ عليها النِّكاحُ.
وقدِ اختَلفُوا أيضًا في وُجوبِه بالنَّذرِ على قولَينِ (٤).
стр. 8333
وقالَ الحنابلةُ: يجبُ النِّكاحُ على مَنْ يَخافُ الزِّنا بتَركِ النكاحِ مِنْ رَجلٍ وامرأةٍ، سواءٌ كانَ خَوفُه ذلكَ عِلمًا أو ظنًّا؛ لأنهُ يَلزمُه إعفافُ نَفسِه وصَرفُها عنِ الحَرامِ، وطَريقُه النكاحُ.
ويُقدَّمُ حِينئذٍ على حَجِّ واجِبٍ نصًّا؛ لخَشيةِ الوُقوعِ في المَحظورِ بتأخيرِه، بخِلافِ الحَجِّ.
ولا يَكتفِي في الخُروجِ مِنْ عُهدةِ الوُجوبِ بمرَّةٍ واحِدةٍ، بل يكونُ التَّزويجُ في مَجموعِ العُمرِ؛ لتَندفعَ خَشيةُ الوُقوعِ في المَحظورِ.
ولا يَكتفِي في الامتِثالِ بالعَقدِ فقطْ، بل يَجبُ الاستِمتاعُ؛ لأنَّ خَشيةَ المَحظورِ لا تَندفعُ إلَّا به.
ومَن أمَرَه به والِداهُ أو أحَدُهما وجَبَ عليهِ؛ لوُجوبِ بِرِّ والِديهِ.
وليسَ لأبوَيهِ إلزامُه بنكاحِ مَنْ لا يُريدُ نكاحَها؛ لعَدمِ حُصولِ الغرَضِ بها، فلا يكونُ عاقًّا بمُخالَفتِهما في ذلكَ، كأكلِ ما لا يُريدُ أكْلَه.
ويجبُ النكاحُ بالنَّذرِ مِنْ ذي الشَّهوةِ؛ لحَديثِ: «مَنْ نذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فلْيُطِعْه»، وأمَّا نحوُ العنِّينِ فيُخيَّرُ بينَه وبينَ الكفَّارةِ، كسائرِ المُباحاتِ إذا نذَرَها (١).
стр. 8334
ثانيًا: النَّدبُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ مَنْ كانَ ذا شَهوةٍ ولا يَخافُ الوُقوعَ في الزِّنا استُحبَّ له النكاحُ.
قالَ الحَنفيةُ: النكاحُ حالةَ الاعتِدالِ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ مَرغوبةٌ؛ لِما تَقدَّمَ مِنْ النُّصوصِ الوارِدةِ فيه، فبعضُها أمرٌ وأنهُ يقتضِي التَّرغيبَ والتَّأكيدَ على فِعلِه، ولأنَّه ﷺ واظَبَ عليهِ مدَّةَ عُمرِه، وأنهُ آيةُ التَّأكيدِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يُندبُ لِمَنْ احتاجَ له ورَغبَ وتاقَتْ نَفسُه إليهِ إذا كانَ مُستطيعًا ولهُ القُدرةُ على كِفايةِ الزَّوجةِ مِنْ مَهرٍ ونَفقةٍ وكِسوةٍ ولم يَخْشَ العنَتَ، أو رَغبَ فيمَن يَقومُ بشَأنهِ في حالِه ومَنزلِه، رَجَا نَسلًا أو لا (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: يُستحبُّ النكاحُ لِمَنْ تاقَتْ نَفسُه إلاهِ ووجَدَ أُهبَتَه -وهو المَهرُ والنَّفقةُ وما يحتاجُ إليهِ-، لقَولِ النبيِّ ﷺ : «يا مَعشرَ الشَّبابِ مَنْ استَطاعَ منكُم الباءةَ فلْيَتزوَّجْ، فإنهُ أغَضُّ للبصَرِ وأحصَنُ للفَرْجِ، ومَن لم يَستطعْ فعليه بالصَّومِ، فإنهُ له وِجاءٌ» (٣)(٤).
стр. 8335
وقالَ الحَنابلةُ: يُسَنُّ لِمَنْ له شَهوةٌ ولا يَخافُ الزِّنا؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «يا مَعشرَ الشَّبابِ مَنْ استَطاعَ منكُم الباءةَ فلْيَتزوَّجْ، فإنهُ أغَضُّ للبصَرِ وأحصَنُ للفَرْجِ، ومَن لم يَستطعْ فعليه بالصَّومِ، فإنهُ له وِجاءٌ» (١).
علَّلَ أمْرَه بهِ بأنهُ أغَضُّ للبَصرِ وأحصَنُ للفَرْجِ، وخاطَبَ الشَّبابَ؛ لأنهُم أغلَبُ شَهوةً، وذكَرَه ب (أفعَلَ) التَّفضيلِ، فدَلَّ على أنَّ ذلكَ أَولى؛ للأمْنِ مِنْ الوُقوعِ في مَحظورِ النَّظرِ والزِّنا مِنْ تَركِه.
ويُسَنُّ ولو كان فَقيرًا عاجِزًا عنِ الإنفاقِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُصبِحُ وما عِندهُم شَيءٌ، ويُمسِي وما عِندهُم شيءٌ؛ ولأنَّه ﷺ «زوَّجَ رَجلًا لم يَقدرْ على خاتَمٍ مِنْ حَديدٍ، ولا وجَدَ إلَّا إزارَهُ، ولمْ يكُنْ له رِداءٌ» أخرَجَه البُخاريُّ.
وقالَ أحمَدُ في رَجلٍ قليلِ الكَسبِ يَضعفُ قَلبُه عنِ التَّزوجِ: اللهُ يَرزقُهم، التَّزوجُ أحصَنُ لهُ.
قالَ المِرْداويُّ ﵀: ولا فرْقَ في ذلكَ بينَ الغنيِّ والفَقيرِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ نصَّ عليهِ، وقيلَ: لا يتزوَّجُ فَقيرٌ إلَّا عندَ الضَّرورةِ، قالَ المِرْداويُّ: وهو الصَّوابُ في هذهِ الأزمِنةِ، واختارُه صاحِبُ «المُبهج» (٢).