يَصحُّ مِنها التَّسرِّي، وتَزويجُها الحُرَّ والعبدَ سواءٌ؛ لأنَّ ولَدَها تبَعٌ لها في الحرِّيةِ، وإنْ كانَ تَزويجُها للحَرِّ أَولى، وندَبَ اللهُ سُبحانَه السَّاداتِ إلى إنكاحِ مَنْ في رِقِّهم مِنْ العَبيدِ والإماءِ؛ لأنهُم يَحتاجونَ مِنْ ذلكَ إلى مِثلِ ما يَحتاجُ إليه الأحرارُ، فقَالَ : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] (١).
وأمَّا الشَّافعيةُ فالمَنصوصُ عِندَهم أنهُ لا يَجبُ النكاحُ بحَالٍ وإنْ تاقَتْ نَفسُه إليهِ.
قالُوا: مَنْ تاقَتْ نَفسُه إلى النكاحِ ويَجدُ أُهبَتَه -وهوَ المَهرُ والنَّفقةُ وما يحتاجُ إليهِ- فيُستحَبُّ له أن يتزوَّجَ ولا يَجبُ؛ لِمَا رُويَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «يا مَعشرَ الشَّبابِ مَنْ استَطاعَ منكُم الباءةَ فلْيَتزوَّجْ، فإنهُ أغَضُّ للبصَرِ وأحصَنُ للفَرْجِ، ومَن لم يَستطعْ فعليه بالصَّومِ، فإنهُ له وِجاءٌ» (٢).
وقالَ أبو عبيدٍ: (الباءةُ): مَمدودٌ، وأصلُ الباءةِ الجِماعُ، والمُرادُ بالباءةِ المَذكورةِ في الخبَرِ المالُ الَّذي يملكُ به الجِماع، وهو المَهرُ والنَّفقةُ، فسمَّاه باسمِ سبَبِه.
وأرادَ منِ استِطاعَ مِنْكُمْ المالَ الَّذي يَتوصَّلُ به إلى الباءةِ فلْيتزوَّجْ؛ لأنهُ قالَ: «ومَن لم يَستطعْ فعليه بالصَّومِ»، أي: ومَن لم يَستطعِ المالَ ونَفسُه
стр. 8332
تَتوقُ إلى الجِماعِ فعليهِ بالصَّومِ؛ لِيكونَ له وِجاءً؛ يُقالُ للفَحلِ إذا رُضَّتْ أُنثَياهُ: قد وُجِئَ وِجاءً، يعنِي أنَّه قُطعَ النكاحَ؛ لأنَّ المَوجوءَ لا يَضرِبُ، فلو كانَ المرادُ بالباءةِ المَذكورةِ في الخبَرِ الجِماعُ لم يأمُرْ بالصَّومِ مَنْ لا يَستطيعُه لِيكونَ له وِجاءً؛ لأنهُ لا يحتاجُ إلى ذلك (١).
إلَّا أنَّ الرَّمليَّ الشَّافعيَّ نَصَّ على وُجوبِ النكاحِ على مَنْ خافَ العنَتَ ولم يُمكِنْ دَفعُه إلَّا بالنكاحِ، قالَ ﵀: لو خافَ العنَتَ وتعيَّنَ طريقًا لدَفعِه مع قُدرتِه وجَبَ (٢).
وكذا قالَ ابنُ حَجرٍ ﵀: ووُجِّهَ أنهُ واجبٌ على مَنْ خافَ زِنًا، قيلَ: مُطلَقًا؛ لأنَّ الإحصانَ لا يُوجَدُ إلَّا به، وقيلَ: إنْ لم يُرِدِ التَّسرِّي (٣).
والمرأةُ إذا كانَتْ مُحتاجةً إليهِ -أي لِتَوقانِها إلى النكاحِ، أو إلى النَّفقةِ، أو خائِفةً مِنْ اقتِحامِ الفجَرةِ، أو لم تكنْ مُتعبِّدةً- استُحبَّ لها أنْ تَتزوَّجَ -أي لِمَا في ذلكَ مِنْ تَحصينِ الدِّينِ وصِيانةِ الفَرْجِ والتَّرفهِ بالنَّفقةِ وغيرِها-، وأمَّا إذا لم يَندفِعْ عنها الفجَرةُ إلَّا بالنكاحِ وجَبَ عليها النِّكاحُ.
وقدِ اختَلفُوا أيضًا في وُجوبِه بالنَّذرِ على قولَينِ (٤).
стр. 8333
وقالَ الحنابلةُ: يجبُ النِّكاحُ على مَنْ يَخافُ الزِّنا بتَركِ النكاحِ مِنْ رَجلٍ وامرأةٍ، سواءٌ كانَ خَوفُه ذلكَ عِلمًا أو ظنًّا؛ لأنهُ يَلزمُه إعفافُ نَفسِه وصَرفُها عنِ الحَرامِ، وطَريقُه النكاحُ.
ويُقدَّمُ حِينئذٍ على حَجِّ واجِبٍ نصًّا؛ لخَشيةِ الوُقوعِ في المَحظورِ بتأخيرِه، بخِلافِ الحَجِّ.
ولا يَكتفِي في الخُروجِ مِنْ عُهدةِ الوُجوبِ بمرَّةٍ واحِدةٍ، بل يكونُ التَّزويجُ في مَجموعِ العُمرِ؛ لتَندفعَ خَشيةُ الوُقوعِ في المَحظورِ.
ولا يَكتفِي في الامتِثالِ بالعَقدِ فقطْ، بل يَجبُ الاستِمتاعُ؛ لأنَّ خَشيةَ المَحظورِ لا تَندفعُ إلَّا به.
ومَن أمَرَه به والِداهُ أو أحَدُهما وجَبَ عليهِ؛ لوُجوبِ بِرِّ والِديهِ.
وليسَ لأبوَيهِ إلزامُه بنكاحِ مَنْ لا يُريدُ نكاحَها؛ لعَدمِ حُصولِ الغرَضِ بها، فلا يكونُ عاقًّا بمُخالَفتِهما في ذلكَ، كأكلِ ما لا يُريدُ أكْلَه.
ويجبُ النكاحُ بالنَّذرِ مِنْ ذي الشَّهوةِ؛ لحَديثِ: «مَنْ نذَرَ أنْ يُطيعَ اللهَ فلْيُطِعْه»، وأمَّا نحوُ العنِّينِ فيُخيَّرُ بينَه وبينَ الكفَّارةِ، كسائرِ المُباحاتِ إذا نذَرَها (١).
стр. 8334
ثانيًا: النَّدبُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ مَنْ كانَ ذا شَهوةٍ ولا يَخافُ الوُقوعَ في الزِّنا استُحبَّ له النكاحُ.
قالَ الحَنفيةُ: النكاحُ حالةَ الاعتِدالِ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ مَرغوبةٌ؛ لِما تَقدَّمَ مِنْ النُّصوصِ الوارِدةِ فيه، فبعضُها أمرٌ وأنهُ يقتضِي التَّرغيبَ والتَّأكيدَ على فِعلِه، ولأنَّه ﷺ واظَبَ عليهِ مدَّةَ عُمرِه، وأنهُ آيةُ التَّأكيدِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يُندبُ لِمَنْ احتاجَ له ورَغبَ وتاقَتْ نَفسُه إليهِ إذا كانَ مُستطيعًا ولهُ القُدرةُ على كِفايةِ الزَّوجةِ مِنْ مَهرٍ ونَفقةٍ وكِسوةٍ ولم يَخْشَ العنَتَ، أو رَغبَ فيمَن يَقومُ بشَأنهِ في حالِه ومَنزلِه، رَجَا نَسلًا أو لا (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: يُستحبُّ النكاحُ لِمَنْ تاقَتْ نَفسُه إلاهِ ووجَدَ أُهبَتَه -وهو المَهرُ والنَّفقةُ وما يحتاجُ إليهِ-، لقَولِ النبيِّ ﷺ : «يا مَعشرَ الشَّبابِ مَنْ استَطاعَ منكُم الباءةَ فلْيَتزوَّجْ، فإنهُ أغَضُّ للبصَرِ وأحصَنُ للفَرْجِ، ومَن لم يَستطعْ فعليه بالصَّومِ، فإنهُ له وِجاءٌ» (٣)(٤).
стр. 8335
وقالَ الحَنابلةُ: يُسَنُّ لِمَنْ له شَهوةٌ ولا يَخافُ الزِّنا؛ لقَولِ النبيِّ ﷺ : «يا مَعشرَ الشَّبابِ مَنْ استَطاعَ منكُم الباءةَ فلْيَتزوَّجْ، فإنهُ أغَضُّ للبصَرِ وأحصَنُ للفَرْجِ، ومَن لم يَستطعْ فعليه بالصَّومِ، فإنهُ له وِجاءٌ» (١).
علَّلَ أمْرَه بهِ بأنهُ أغَضُّ للبَصرِ وأحصَنُ للفَرْجِ، وخاطَبَ الشَّبابَ؛ لأنهُم أغلَبُ شَهوةً، وذكَرَه ب (أفعَلَ) التَّفضيلِ، فدَلَّ على أنَّ ذلكَ أَولى؛ للأمْنِ مِنْ الوُقوعِ في مَحظورِ النَّظرِ والزِّنا مِنْ تَركِه.
ويُسَنُّ ولو كان فَقيرًا عاجِزًا عنِ الإنفاقِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُصبِحُ وما عِندهُم شَيءٌ، ويُمسِي وما عِندهُم شيءٌ؛ ولأنَّه ﷺ «زوَّجَ رَجلًا لم يَقدرْ على خاتَمٍ مِنْ حَديدٍ، ولا وجَدَ إلَّا إزارَهُ، ولمْ يكُنْ له رِداءٌ» أخرَجَه البُخاريُّ.
وقالَ أحمَدُ في رَجلٍ قليلِ الكَسبِ يَضعفُ قَلبُه عنِ التَّزوجِ: اللهُ يَرزقُهم، التَّزوجُ أحصَنُ لهُ.
قالَ المِرْداويُّ ﵀: ولا فرْقَ في ذلكَ بينَ الغنيِّ والفَقيرِ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ نصَّ عليهِ، وقيلَ: لا يتزوَّجُ فَقيرٌ إلَّا عندَ الضَّرورةِ، قالَ المِرْداويُّ: وهو الصَّوابُ في هذهِ الأزمِنةِ، واختارُه صاحِبُ «المُبهج» (٢).
стр. 8336
قالَ في «الشَّرح»: هذا في حَقِّ مَنْ يُمكِنُه التَّزوجُ، فأمَّا مَنْ لا يُمكنُه فقدْ قالَ تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] انتهى.
ونقَلَ صالحٌ: يَقترضُ ويَتزوجُ (١).
ثالثًا: الكَراهةُ:
نصَّ الفُقهاءُ على أنَّ النكاحُ يُكرَهُ في حالاتٍ:
قالَ الحَنفيةُ: يُكرَهُ النكاحُ في حالةِ الخَوفِ مِنْ الجَورِ -أي الظُّلمِ-؛ لأنَّ النكاحَ شُرعَ لِما فيهِ مِنْ تَحصينِ النَّفسِ ومَنعِها مِنْ الزِّنا، على سَبيلِ الاحتِمالِ وتَحصيلِ الثَّوابِ المُحتملِ بالوَلدِ الَّذي يَعبدُ اللهَ تعالَى ويُوحِّدُه.
فإنْ تَعارضَ خَوفُ الوُقوعِ في الزِّنا لو لم يتزوَّجْ وخَوفُ الجَورِ لو تزوَّجَ قدَّمَ الثَّاني، فلا افتِراضَ بل يُكرَهُ؛ لأنَّ الجَورَ مَعصيةٌ مُتعلِّقةٌ بالعِبادِ، والمنعَ مِنْ الزِّنا مِنْ حُقوقِ اللهِ تعالَى، وحقُّ العَبدِ مقدَّمٌ عندَ التَّعارضِ؛ لاحتياجِه وغِنى المَولى تعالَى (٢).
стр. 8337
وقالَ المالِكيةُ: يُكرَهُ النكاحُ لغيرِ راغِبٍ فيهِ إنْ أدَّاهُ إلى قَطعِ مَندوبٍ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ لم يَحتجْ إلى النكاحِ بأنْ لم تَتُقْ نَفسُه له مِنْ أصلِ الخِلقةِ أو لِعارضٍ كمَرضٍ أو عَجزٍ كُرهَ له إنْ فقَدَ الأُهبةَ؛ لِما فيهِ مِنْ التزامِ ما لا يقدرُ على القيامِ به مِنْ غيرِ حاجةِ، ولعدمِ حاجتِه إليهِ إنْ كانَ به عِلةٌ كهَرمٍ ومَرضٍ دائمٍ وتَعنينٍ وإنْ وجَدَ الأُهبةَ؛ لعَدمِ تَحصينِ المرأةِ المُؤدِّي غالِبًا إلى فَسادِها.
وإلَّا بأنْ وجَدَ الأُهبةَ مع عدمِ حاجتِه للنكاحِ ولا عِلةَ به فلا يُكرَهُ له؛ لقُدرتِه عليهِ، ومَقاصدُ النكاحِ لا تَنحصرُ في الجِماعِ، لكنَّ التَّخلِّي للعِبادةِ وللعلمِ في هذهِ الحالةِ أفضَلُ له مِنْ النكاحِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ في قَولٍ: يُكرَهُ النكاحُ لِمَنْ لا شَهوةَ لهُ، قالَ في «الإنصافِ»: وما هو ببَعيدٍ في هذهِ الأزمِنةِ؛ لمَنعِ مَنْ يتزوَّجُها مِنْ التَّحصينِ بغَيرِه، ويَضرُّها بحَبسِها على نَفسِه، ويُعرِّضُ نفْسَه لواجِباتٍ وحُقوقٍ لعلَّهُ لا يَقومُ بها، ويَشتغلُ عنِ العِلمِ والعِبادةِ بما لا فائِدةَ فيه (٣).
стр. 8338
رابعًا: الحُرمةُ:
نصَّ الفُقهاءُ على أنَّ النكاحَ يَحرمُ في حالاتٍ:
قالَ الحَنفيةُ: يَحرمُ النكاحُ إنْ تيقَّنَ الجَورَ، بأنْ يَخافَ الجَورَ بحيثُ لا يُمكِنُه الاحترازُ عنهُ؛ لأنَّ النِّكاحَ إنَّما شُرعَ لمَصلحةٍ مِنْ تَحصينِ النَّفسِ وتَحصيلِ الثَّوابِ، وبالجَورِ يأثَمُ ويَرتكِبُ المُحرَّماتِ، فتَنعدمُ المَصالِحُ لرُجحانِ هذهِ المفاسِدِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يَحرمُ النكاحُ على مَنْ لا يَخافُ العنَتَ -أي الوُقوعَ في الزِّنا- إذا لَم يتزوَّجْ وكانَ يُضرُّ بالمَرأةِ لعَدمِ قُدرتِه على الوَطءِ، أو لِعدمِ النَّفقةِ أو التكسُّبِ مِنْ حَرامٍ أو تأخيرِ الصَّلاةِ عن أوقاتِها لاشتِغالِه بتَحصيلِ نَفقتِها.
وهذا إذا لم تَعلمِ المرأةُ بذلكَ، فإنْ عَلِمَتْ بعَجزِه عنِ الوطءِ جازَ النكاحُ إنْ رَضيَتْ، وأمَّا الإنفاقُ مِنْ كَسبٍ حَرامٍ فلا يجوزُ معهُ النكاحُ وإنْ عَلِمَتْ المرأةُ بذلكَ (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: مَنْ لا يَصحُّ نِكاحُه معَ عدمِ الحاجةِ إليهِ فإنهُ يَحرمُ عليهِ النكاحُ.
وكذا يَحرمُ على المَرأةِ إنْ عَلِمَتْ مِنْ نَفسِها عدمَ القيامِ بحُقوقِ الزَّوجِ
стр. 8339
ولم تَحتَجْ للنكاحِ، فإنهُ يَحرمُ عليها النِّكاحُ؛ للوَعيدِ الشَّديدِ في ذلكَ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يَحرمُ النِّكاحُ بدارِ الحَربِ منهُم لغيرِ ضَرورةٍ مِنْ أجلِ الولدِ؛ لئلَّا يُستعبَدَ، فإنِ اضطَرَّ أُبيحَ له نكاحُ مُسلِمةٍ، ولْيَعزلْ عنها، ولا يتزوَّجْ منهُم.
فأمَّا إنْ كانَ في جيشِ المُسلمينَ فمُباحٌ له أنْ يتزوَّجْ، وقد رُويَ عن سعيدِ بنِ أبي هِلالٍ أنَّه بلَغَه «أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ زوَّجَ أبا بكرٍ أسماءَ ابنةَ عُميسٍ وهُم تحتَ الرَّاياتِ» أخرَجَه سعيدٌ، ولأنَّ الكفَّارَ لا يدَ لهُم عليهِ، فأشبَهَ مَنْ في دارِ الإسلامِ.
وأمَّا الأسيرُ فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا يَحلُّ له التزوُّجُ ما دامَ أسيرًا (٢).
خامسًا: الإباحَةُ:
ذكَرَ الفُقهاءُ أنَّ النكاحَ قد يكونُ مُباحًا في حالاتٍ:
قالَ الحَنفيةُ: يكونُ النِّكاحُ مُباحًا إنْ خافَ العجزَ عنِ الإيفاءِ بمَواجِبِه، قالَ ابنُ عابدينَ ﵀: أي خَوفًا غيرَ راجِحٍ، وإلَّا كانَ مَكروهًا تَحريمًا؛ لأنَّ عدمَ الجَورِ مِنْ مَواجِبِه، والظَّاهرُ أنهُ إذا لم يَقصدْ إقامةَ السُّنةِ بل قصَدَ مُجرَّدَ التوصُّلِ إلى قَضاءِ الشَّهوةِ ولم يَخَفْ شَيئًا لم يُثَبْ عليهِ؛ إذْ لا ثوابَ
стр. 8340
إلَّا بالنِّيةِ، فيكونُ مُباحًا أيضًا، كالوطءِ لقَضاءِ الشَّهوةِ، لكنْ لمَّا قيلَ له ﷺ : إنَّ أحَدَنا يَقضِي شَهوتَه فكيفَ يُثابُ؟ فقالَ ما مَعناهُ: «أرَأيْتَ لو وضَعَها في مُحرَّمٍ أمَا كانَ يُعاقَبُ»، فيُفيدُ الثَّوابَ مُطلَقًا، إلَّا أنْ يُقالَ: المُرادُ في الحَديثِ قَضاءُ الشَّهوةِ لأجْلِ تَحصينِ النَّفسِ، وقد صرَّحَ في «الأشْبَاه» بأنَّ النِّكاحَ سُنةٌ مؤكَّدةٌ، فيَحتاجُ إلى النِّيةِ، وأشارَ بالفاءِ إلى تَوقُّفِ كونِه سُنةً على النِّيةِ، ثمَّ قالَ: وأمَّا المُباحاتُ فتَختلفُ صِفتُها باعتبارِ ما قُصدَتْ لأجْلِه، فإذا قصَدَ بها التَّقوِّي على الطَّاعاتِ أو التوصُّلَ إليها كانَتْ عِبادةً، كالأكلِ والنَّومِ واكتسابِ المالِ والوَطءِ. اه.
ثمَّ رأيتُ في «الفَتح» قالَ: وقدْ ذكَرْنا أنهُ إذا لم يَقترنْ بنِيةٍ كانَ مُباحًا؛ لأنَّ المَقصودَ منهُ حِينئذٍ مُجرَّدُ قضاءِ الشَّهوةِ، ومَبنَى العبادةِ على خِلافِه.
وأقولُ: بل فيهِ فَضلٌ مِنْ جهةِ أنهُ كانَ مُتمكِّنًا مِنْ قَضائِها بغيرِ الطَّريقِ المَشروعِ، فالعُدولُ إليهِ معَ ما يَعلمُه مِنْ أنهُ قد يَستلزمُ أثقالًا فيهِ قَصدُ تَركِ المَعصيةِ. اه (١).
وقالَ المالِكيةُ: يُباحُ النكاحُ لمَن لا يُولَدُ له ولا أربَ له في النِّساءِ، بأنْ يكونَ غيرَ راغِبٍ في النِّساءِ، ولمْ يَقطعْه عن مَندوبٍ، والمرأةُ مُساوِيةٌ للرَّجلِ في هذهِ الأقسامِ.
قالَ اللَّخميُّ ﵀: إذا كانَ لا أربَ لهُ في النِّساءِ ولا يَرجو نَسلًا لأنَّه
стр. 8341
حَصورٌ أو خَصيٌّ ومَجبوبٌ أو شَيخٌ فانٍ أو عَقيمٌ قد عَلمَ ذلكَ مِنْ نَفسِه كانَ مُباحًا. انتهى.
قالَ الحطَّابُ ﵀: ويُقيَّدُ هذا بما إذا لم يَقطعْه عن عِبادتِه كما سَيأتي، وأنْ تَعلمَ المرأةُ منهُ كَونَه حَصورًا أو خَصيًّا أو مَجبوبًا؛ لأنهُ سَيأتي أنهُ يَحرمُ عليهِ إذا كانَ يَضرُّ بالمرأةِ لعَدمِ الوطءِ.
وأمَّا العُقمُ فالظَّاهرُ أنهُ لا يَجبُ إخبارُها بهِ؛ لأنَّه ليسَ بعَيبٍ يُوجِبُ الخِيارَ، ولأنهُ لا يقطعُ به، فلعلَّهُ يُولَدُ له مِنْ هذهِ وإنْ لم يُولَدْ له مِنْ غيرِها، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: إنْ لم يَحتَجْ إلى النكاحِ لعَدمِ تَوقانِه للوطءِ خِلقةً أو لِعارضٍ إلَّا أنهُ يَجدُ أُهبةَ النكاحِ فلا يُكرهُ له؛ لقُدرتِه عليهِ، ومَقاصدُ النكاحِ لا تَنحصرُ في الجِماعِ، لكنَّ التَّخلِّي للعِبادةِ وللعِلمِ في هذهِ الحالةِ أفضَلُ له مِنْ النكاحِ (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ما الأفضَلُ مِنْ النِّكاحِ وتَركِه؟ فقالَ أصحابُنا: النَّاسُ فيهِ أربعَةُ أقسامٍ:
стр. 8342
قِسمٌ تَتوقُ إليه نَفسُه ويَجدُ المُؤَنَ، فيُستحبُّ له النكاحُ.
وقِسمٌ لا تَتوقُ ولا يَجدُ المُؤنَ، فيُكرهُ له.
وقِسمٌ تَتوقُ ولا يَجدُ المُؤنَ، فيُكرهُ له، وهذا مَأمورٌ بالصَّومِ لدَفعِ التوَقانِ.
وقِسمٌ يَجدُ المُؤنَ ولا تَتوقُ، فمَذهبُ الشَّافعيِّ وجُمهورِ أصحابِنا أنَّ ترْكَ النكاحِ لهذا والتِّخلِّي للعِبادةِ أفضَلُ، ولا يُقالُ: النكاحُ مَكروهٌ، بلْ تَركُه أفضَلُ، ومذهَبُ أبي حَنيفةَ وبعضِ أصحابِ الشَّافعيِّ وبعضِ أصحابِ مالكٍ أنَّ النكاحَ لهُ أفضَلُ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ الحَنابلةُ في المَذهبِ: يُباحُ النكاحُ لِمَنْ لا شَهوةَ له أصلًا، وهو مَنْ لم تَتُقْ نَفسُه إليه خِلقةً كالعنِّينِ والمريضِ والكبيرِ؛ لأنَّ العِلةَ الَّتي يجبُ النكاحُ لها أو يُستحبُّ -وهو خَوفُ الزِّنا أو وُجودُ الشَّهوةِ- مَفقودةٌ فيهِ، ولأنَّ المَقصودَ مِنْ النكاحِ الولَدُ، وهو فيمَن لا شَهوةَ له غيرُ مَوجودٍ، فلا يَنصرفُ إليهِ الخِطابُ به، إلَّا أنْ يكونَ مُباحًا في حقِّه كسائرِ المُباحاتِ؛ لعَدمِ مَنعِ الشَّرعِ منه، وتَخلِّيه إذنْ لنَوافلِ العبادةِ أفضَلُ؛ لمَنعِ مَنْ يتزوَّجُها مِنْ التَّحصينِ بغيرِه ويَضرُّها بحَبسِها على نَفسِه، ويُعرِّضُ نفْسَه لواجِباتٍ وحُقوقٍ لعلَّهُ لا يَقومُ بها، ويَشتغلُ عنِ العِلمِ والعِبادةِ بما لا فائِدةَ فيه.
стр. 8343
وقيلَ: يُستحبُّ لهُ النكاحُ؛ لعُمومِ الأخبارِ، وقيلَ: يُكرهُ لهُ النِّكاحُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ ﵀: فأمَّا حُكمُ النكاحِ فقالَ قَومٌ: هو مَندوبٌ إليهِ، وهُم الجُمهورُ، وقالَ أهلُ الظِّاهرِ: هوَ واجِبٌ، وقالَ المُتأخِّرةُ مِنْ المالِكيةِ: هو في حَقِّ بعضِ النَّاسِ واجِبٌ، وفي حَقِّ بعضِهم مَندوبٌ إليهِ، وفي حَقِّ بعضِهم مُباحٌ، وذلكَ بحَسبِ ما يخافُ على نَفسِه مِنْ العنَتِ.
وسَببُ اختِلافِهم: هل تُحمَلُ صِيغةُ الأمرِ به في قولِه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وفي قولِه ﵊: «تَناكَحُوا فإني مُكاثِرٌ بكُم الأُممَ» (٢) وما أشبَهَ ذلكَ مِنْ الأخبارِ الوارِدةِ في ذلكَ على الوُجوبِ أم على النَّدبِ أم على الإباحةِ؟
فأمَّا مَنْ قالَ: «إنَّه في حَقِّ بعضِ النَّاسِ واجِبٌ، وفي حَقِّ بعضِهم مَندوبٌ إليهِ، وفي حَقِّ بعضِهم مُباحٌ» فهو التِفاتٌ إلى المَصلحةِ، وهذا النَّوعُ مِنْ القياسِ هو الَّذي يُسمَّى المُرسَلَ، وهو الَّذي ليسَ له أصلٌ مُعينٌ يَستندُ إليهِ، وقدْ أنكَرَه كثيرٌ مِنْ العُلماءِ، والظَّاهرُ مِنْ مَذهبِ مالكٍ القولُ بهِ (٣).
стр. 8344
صُوَرُ النِّكاحِ:
كانَ النِّكاحُ في الجَاهليةِ على أربَعةِ أقسامٍ (١)، كما روَى البُخاريُّ وغيرُه عَنْ عُروةَ بنِ الزُّبيرِ أنَّ عائِشةَ زوْجَ النبيِّ ﷺ أخبَرَتْه أنَّ النكاحَ في الجاهِليةِ كانَ على أربَعةِ أنحاءٍ:
فنكاحٌ منها نِكاحُ الناسِ اليومَ، يَخطُبُ الرَّجلُ إلى الرَّجلِ وليَّتَه أو ابنتَه فيُصدِقُها ثمَّ يَنكحُها.
ونكاحٌ آخرُ: كانَ الرَّجلُ يقولُ لامرأتِه: «إذا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِها أرسِلي إلى فُلانٍ فاستَبضِعي منهُ» ويَعتزِلُها زَوجُها ولا يَمسُّها أبدًا حتى يَتبيَّنَ حَملُها مِنْ ذلكَ الرَّجلِ الَّذي تَستبضعُ منهُ، فإذا تَبيَّنَ حَملُها أصابَها زَوجُها إذا أحَبَّ، وإنَّما يَفعلُ ذلكَ رَغبةً في نجابةِ الولدِ، فكانَ هذا النكاحُ نكاحَ الاستِبضاعِ.
ونكاحٌ آخرُ: يَجتمعُ الرَّهطُ ما دونَ العَشرةِ فيَدخلونَ على المرأةِ كلُّهم يُصيبُها، فإذا حَملَتْ ووضَعَتْ ومَرَّ عليها لَيالٍ بعدَ أنْ تضَعَ حمْلَها أرسَلَتْ إليهم، فلمْ يَستطعْ رَجلٌ منهُم أنْ يَمتنعَ حتَّى يَجتمِعوا عندَها، تَقولُ لهُم: «قد عَرَفْتم الَّذي كانَ مِنْ أمْرِكم وقد ولَدْتُ فهو ابنُكَ يا فُلانُ» تُسمِّي مَنْ أحَبَّتْ باسمِه، فيَلحقُ به ولَدُها لا يَستطيعُ أنْ يَمتنعَ منهُ الرَّجلُ.
ونكاحُ الرَّابعِ: يَجتمعُ الناسُ الكَثيرُ فيَدخلونَ على المرأةِ لا تَمتنعُ ممَّن
стр. 8345
جاءَها، وهُنَّ البَغايا، كُنَّ يَنصِبْنَ على أبوابِهنَّ راياتٍ تكونُ عَلَمًا، فمَن أرادَهُنَّ دخَلَ عليهنَّ، فإذا حمَلَتْ إحداهُنَّ ووضَعَتْ حمْلَها جُمِعُوا لها ودَعَوا لهُم القافَةَ، ثمَّ أَلحقُوا ولَدَها بالَّذي يَرونَ، فالْتَاطَ به ودُعيَ ابنَه لا يَمتنعُ مِنْ ذلكَ.
فلمَّا بُعِثَ مُحمدٌ ﷺ بالحقِّ هدَمَ نكاحَ الجَاهليةِ كلَّهُ إلَّا نكاحَ الناسِ اليومَ (١).
والنكاحُ الصَّحيحِ الَّذي عليهِ النَّاسُ إلى اليومِ هو الَّذي قالَ النبيُّ ﷺ فيه: «إنَّما خرَجْتُ مِنْ نكاحٍ ولمْ أخرُجْ مِنْ سِفاحٍ مِنْ لَدُنْ آدَمَ لم يُصِبْني سِفاحُ الجَاهليةِ» (٢)، وفي لَفظٍ مَشهورٍ: «وُلدْتُ مِنْ نِكاحٍ لا مِنْ سِفاحٍ».
стр. 8346
فصل في الخِطبةِ وأحكامِها
تعريفُ الخطبةِ:
الخِطبةُ -بكَسرِ الخاءِ-: هي التِماسُ الخاطِبِ النكاحَ مِنْ جِهةِ المَخطوبةِ (١)، فيقولُ عَقِبَ الخِطبةِ: جِئتُ خاطِبًا كَريمتَكُم فلانةَ» يَخطبُ الوليّ كذلكَ، ثمَّ يقولُ: «لسْتَ بمَرغوبٍ عنكَ» أو نحوَ ذلك (٢)
وقالَ في «التَّوضيح»: الخِطبةُ: عِبارةٌ عن استِدعاءِ النكاحِ وما يَجرِي مِنْ المُحاوَرةِ (٣).
وقالَ القُرطبيُّ ﵀: الخِطبةُ -بكَسرِ الخاءِ-: فِعلُ الخاطِبِ مِنْ كَلامٍ وقَصدٍ واستِلطافٍ بفِعلٍ أو قَولٍ؛ يُقالُ: خطَبَها يَخطُبُها خَطْبًا وخِطبَةً، ورَجلٌ خَطَّابٌ: كثيرُ التَّصرفِ في الخِطبةِ.
والخُطبةُ -بضَمِّ الخاءِ-: هيَ الكلامُ الَّذي يُقالُ في النكاحِ وغَيرِه، قالَ
стр. 8347
النحَّاسُ: والخُطبةُ: ما كانَ لها أولٌ وآخِرٌ، وكذا ما كانَ على فُعْلَةٍ، نحوُ الأُكلةِ والضُّغطةِ (١).
حُكمُ الخُطبةِ:
الخُطبةُ وسيلةٌ للنكاحِ، ومُجرَّدُ وَعدٍ وليسَتْ عَقدًا ولا شَرطًا لصحَّةِ النكاحِ بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ؛ فيَصحُّ النكاحُ بدُونِها باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ.
قالَ أبو بكرٍ بنُ المُنذِرِ ﵀: ولا أعلَمُ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلمِ أفسَدَ نِكاحًا ترَكَ المُعاقِدُ الخُطبةَ عنهُ (٢).
وذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى أنَّ الخُطبةَ مَندوبةٌ؛ لِما رُويَ عَنْ عُروةَ «أنَّ النبيَّ ﷺ خطَبَ عائِشةَ إلى أبي بكرٍ فقالَ لهُ أبو بَكرٍ: إنَّما أنا أخُوكَ، فقالَ: أنتَ أخي في دِينِ اللهِ وكِتابِه، وهيَ لي حَلالٌ» (٣).
وليسَتِ الخُطبةُ بواجِبةٍ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ، فيَجوزُ النكاحُ بدُونها؛ لِما رَواهُ البُخاريُّ وغيرُه عَنْ سَهلِ بن سَعدٍ قالَ: «أتَتْ النبيَّ ﷺ امرأةٌ فقالَتْ إنَّها قد وهَبَتْ نفْسَها للهِ ولرَسولِه ﷺ ، فقالَ: ما لي في النِّساءِ مِنْ حاجَةٍ، فقالَ رَجلٌ: زوِّجْنيها، قالَ: أَعطِها ثَوبًا،
стр. 8348
قالَ: لا أَجدُ، قالَ: أَعطِها ولو خاتَمًا مِنْ حَديدٍ، فاعْتَلَّ له، فقالَ: ما معكَ مِنْ القُرآنِ؟ قالَ: كذا وكذا، قالَ: فقدْ زوَّجْتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» (١).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: والخُطبةُ غيرُ واجِبةٍ عندَ أحَدٍ مِنْ أهلِ العِلمِ علِمْناه إلَّا داودَ فإنهُ أوجَبَها لِمَا ذكَرْناهُ.
ولنا: إنَّ رَجلًا قالَ للنبيِّ ﷺ : «يا رَسولَ اللهِ زَوِّجْنيها، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : زوَّجْتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» متفَقٌ عليهِ، ولم يَذكرْ خُطبةً.
وخطَبَ إلى عُمرَ مَولاةً له فما زادَ على أنْ قالَ: «أنكَحْتُكَ على ما أمَرَ اللهُ، على إمساكٍ بمَعروفٍ أو تَسريحٍ بإحسانٍ».
وقالَ جَعفرُ بنُ مُحمدٍ عن أبيهِ: «إنْ كانَ الحُسينُ لَيُزوِّجُ بعضَ بناتِ الحسَنِ وهو يَتعرَّقُ العرَقَ» رواهُما ابنُ المُنذرِ.
وروَى أبو داودَ بإسنادِه عن رَجلٍ مِنْ بَني سُليمٍ قالَ: «خطَبْتُ إلى النبيِّ ﷺ أُمامةَ بنتَ عبدِ المُطَّلبِ، فأنكَحَني مِنْ غيرِ أنْ يَتشهَّدَ» (٢)، ولأنهُ عَقدُ مُعاوَضةٍ، فلمْ تَجبْ فيهِ الخُطبةُ كالبيعِ، وما استَدلُّوا به يَدلُّ على عدمِ الكَمالِ بدُونِ الخُطبةِ لا على الوُجوبِ (٣).
стр. 8349
وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: وخُطبةُ النِّكاحِ ليسَتْ بواجِبةٍ عندَ جَميعِ الفُقهاءِ، إلَّا داودَ فإنهُ قالَ: هي واجِبةٌ (١).
وقالَ تاجُ الدِّينِ الدَّميريُّ المالِكيُّ ﵀: نصَّ مالكٌ في كِتابِ مُحمدٍ أنها مُستحَبةٌ، وقالَ: هي مِنْ الأمرِ القَديمِ، وليسَتْ بواجِبةٍ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ خِلافًا لداوُدَ (٢).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: اعلَمْ أنَّ خُطبةِ النكاحِ قبلَ الخِطبةِ سُنةٌ مُستحَبةٌ وليسَتْ بواجبةٍ، وقالَ أبو عُبيدٍ القاسِم بنُ سلامٍ وداودُ بنُ عليٍّ: خُطبةُ النِّكاحِ واجِبةٌ؛ استِدلالًا بروايةِ الأعرَجِ عن أبي سلَمةَ عن أبي هُريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «كلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لم يُبدَأْ فيه بحَمدِ اللهِ فهو أبتَرُ» (٣)، ولأنَّ النبيَّ ﷺ ما عقَدَ لنَفسِه نكاحًا إلَّا بعدَ خُطبةٍ، فكانَ الخاطِبُ في تَزويجِه خَديجةَ عمَّه أبا طالِبٍ، وكانَ الخاطِبُ بتَزويجِه بعائِشةَ طلحةَ بنَ عُبيدِ اللهِ، وزوَّجَ فاطِمةَ بعليٍّ فخطَبَا جَميعًا، ولأنهُ عَملٌ مَقبولٌ قد اتَّفقَ عليهِ أهلُ الأعصارِ في جميعِ الأمصارِ، فكانَ إجماعًا لا يُسوِّغُ خِلافًا، ولأنَّ ما
стр. 8350
وقَعَ به الفَرقُ بينَ ما يُستَسرُّ بهِ مِنْ الزِّنا ويُعلَنُ مِنْ النكاحِ كانَ واجِبًا في النكاحِ كالوليِّ والشُّهودِ.
والدَّليلُ على صِحةِ ما ذهَبْنا إليهِ مِنْ استِحبابها دونَ وُجوبها هو قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ: قولُ اللهِ تعالَى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، فجعَلَ الإذنَ شَرطًا دونَ الخُطبةِ؛ ولأنَّ النبيَّ ﷺ حينَ زوَّجَ الواهِبةَ لنَفسِها مِنْ خاطِبِها قالَ: «قد زوَّجتُكَها بما معكَ مِنْ القُرآنِ» فلم يَخطُبْ، ورُويَ «أنَّ رَجلًا مِنْ بَني سُليمٍ خطَبَ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ أُمامةَ بنتَ عبدِ المُطَّلبِ فأَنكَحَه ولم يَخطُبْ».
ورويَ أنَّ الحُسينَ بنَ عليٍّ ﵄ زوَّجَ بعضَ بناتِ أخيهِ الحسَنِ وهو يَتعرَّقَ عَظمًا»، أي لم يَخطُبْ تَشاغُلًا به.
ورُويَ «أنَّ ابنَ عُمرَ زوَّجَ بنتَه فما زادَ على أنْ قالَ: قَدْ زوَّجتُكَها على ما أمَرَ اللهُ تعالى بهِ مِنْ إمساكٍ بمَعروفٍ أو تَسريحٍ بإحسانٍ».
ولأنَّ الخُطبةَ لو وَجبَتْ في النكاحِ لَبطَلَ بتَركِها، وفي إجماعِهم على صِحةِ النكاحِ تَركها دَليلٌ على استِحبابِها دونَ وُجوبها، ولأنَّ النكاحَ عَقدٌ، فلمْ تجبْ فيهِ الخُطبةِ كسائرِ العُقودِ.
فأمَّا الاستِدلالُ بالخبَرِ فلمْ يَخرجْ مَخرجَ الأمرِ فيَلزمُ، وإنَّما أخبَرَ أنهُ أبتَرُ، وليسَ في هذا القولِ دَليلٌ على الوُجوبِ، على أنَّ للخبَرِ سَببًا هو مَحمولٌ عليهِ قد ذكَرْناه في أولِ الكِتابِ.
стр. 8351
وأما استِدلالُهم بأنَّ النبيَّ ﷺ ما عقَدَ نِكاحًا إلا بعدَ خُطبةٍ فقدْ قيلَ: «إنَّه نكَحَ بعضَ نِسائِه بغَيرِ خُطبةٍ»، وقد زوَّجَ الواهِبةَ بغَيرِ خُطبةٍ، وليسَ ما استَدلُّوا به مِنْ العمَلِ المَنقولِ إجماعًا؛ لِما روينَا مِنْ خِلافِه، فلمْ يكُنْ فيه دَليلٌ، ولا في كونِها فَرقًا بينَ الزِّنا والنِّكاحِ دليلٌ على وُجوبِها كالوَلائمِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا خُطبةُ النِّكاحِ المَرويَّةُ عن النبيِّ ﷺ فقالَ الجُمهورُ: إنها ليسَتْ واجِبةً، وقالَ داوُدُ: هيَ واجبةٌ.
وسببُ الخِلافِ: هل يُحمَلُ فِعلُه في ذلكَ ﵊ على الوُجوبِ أو على النَّدبِ؟ (٢).
مِقدارُ الخُطبةِ وما يُقالُ فِيها:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنهُ يُندَبُ تقديمُ خُطبةٍ عندَ الخِطبةِ إلى الْتِماسِ النكاحِ، إلَّا أنهُم اختَلفُوا هل المُستحَبُّ خُطبتانِ لِكلٍّ منهُما؟ أم خُطبةٌ واحِدةٌ؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ إلى أنهُ يُسَنُّ أربَعُ خُطَبٍ.
قالَ المالِكيةُ: نُدِبَ خُطبةٌ عندَ التِماسِ النكاحِ والمُحاولةِ عليهِ، وهي كَلامٌ مُسَجَّعٌ مَبدوءٌ بالحَمدِ والشَّهادتينِ مُشتمِلٌ على آيةٍ فيها أمرٌ بالتَّقوى وعلى ذِكرِ المَقصودِ.
стр. 8352
وهيَ إمَّا صريحٌ مثل أنْ يقولَ: «فُلانٌ يَخطِبُ فُلانةَ» أو غيرُ صريحٍ ك: «يُريدُ الاتِّصالَ بكُم والدُّخولَ في زِمرتِكُم» مِنْ الخاطِبِ والمُجيبِ لهُ، بأنْ يقولَ الأولُ: الحَمدُ للهِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسولِه، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] و ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] و ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠] الآية، ثمَّ يقولَ: أمَّا بعدُ: فإنَّ فُلانًا رَغبَ فيكُم وانطَوى إليكُم وفرَضَ لكُم مِنْ الصَّداقِ كذا وكذا فأَنكِحُوه، أو: إنَّا قد قصَدْنا الانضمامَ إليكُم ومُصاهَرتَكُم والدُّخولَ في حَومتِكُم، وما في معنَى ذلكَ.
ويُجيبُه المَخطوبُ إليهِ بمثلِ ذلكَ، ثمَّ يَقولُ: «أجَبْناكَ»؛ ولا بُدَّ مِنْ تَقديمِ البَسملةِ على الجَميعِ؛ لأنهُ مِنْ الأمورِ المُهمةِ.
ونُدِبَ خُطبةٌ عندَ عقدِ العَقدِ، لكنَّ البادِئَ عندَ الخِطبةِ هو الزَّوجُ أو وَكيلُه، وعندَ العقدِ هوَ الوليُّ أو وكيلُه.
والبادِئُ عندَ العقدِ الوليُّ بأنْ يقولَ بعدَ ما ذُكِرَ مِنْ الحَمدِ وما معهُ: أمَّا بعدُ: فقدْ زوَّجتُكَ فُلانةَ ابنتِي، أو أُختِي، أو بنتَ فُلانٍ، أو: أَنكَحْتُها على صَداقٍ قَدرُه كذا.
فيقولُ الزَّوجُ بعدَ الخُطبةِ: «قد قَبلْتُ نِكاحَها لنَفسِي»، ويَقولُ وكيلُه: «قد قَبلْتُ نِكاحَها لمُوكِّلي» وما في معنَى ذلكَ.
стр. 8353
ونُدِبَ تقليلٌ في الحالَتينِ؛ إذِ الكثرةُ تُوجِبُ السَّآمةَ.
وأقلُّها أنْ يَقولَ: «الحمدُ لله والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسولِ اللهِ، أمَّا بعدُ: فقدْ زوَّجتُكَ ابنَتِي -مَثلًا- بكَذا»، ويقولَ الزَّوجُ أو وكيلُه بعدَما مَرَّ مِنْ الحمدِ والصَّلاةِ: «أمَّا بعدُ: فقدْ قَبلْتُ نكاحَها لنَفسي، أو لموُكِّلي بالصَّداقِ المَذكورِ».
والبادِئُ عندَ العَقدِ الوليُّ، وهو الأفضَلُ، ولو بدَأَ الزَّوجُ لَكفَى.
ولا يَضرُّ الفَصلُ بينَ الإيجابِ والقَبولِ بالخِطبةِ، والظَّاهرُ أنَّ الفصلَ بينَهُما بالسُّكوتِ قدْرُها كذلكَ، فجَملةُ الخُطَبِ أربَعٌ (١).
قالَ الحطَّابُ ﵀: والخُطبةُ بالضَّمِ: واحِدةُ الخُطَبِ، وهي مَشروعةٌ في الخِطبةِ وفي العَقدِ.
قالَ مالكٌ: ما قلَّ منها أفضَلُ، قالَ في «التَّوضيح»: قالَ بعضُ الأكابرِ: أقلُّها أنْ يقولَ الوليُّ: «الحمدُ للهِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسولِه، زوَّجتُكَ على كذا»، ويقولَ الزَّوجُ: «الحمدُ للهِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على رَسولِه، قَبلْتُ نكاحَها».
وفي «الذَّخيرة»: قالَ صاحِبُ «المُنتقَى»: تُستحَبُّ الخُطبةُ -بالضَّمِّ-
ضَعيفةَ الدِّينِ في صِيانةِ نَفسِها وفَرْجِها أزْرَتْ بزَوجِها وسَوَّدتْ بينَ الناسِ وجهَهُ، وشَوَّشتْ بالغَيرةِ قلبَه، وتَنغَّصَ بذلكَ عَيشُه، فإنْ سلَكَ سبيلَ الحَميِّةِ والغَيرةِ لم يَزلْ في بَلاءٍ ومِحنةٍ، وإنْ سلَكَ سبيلَ التَّساهلِ كانَ مُتهاوِنًا بدِينِه وعِرضِه ومَنسوبًا إلى قِلةِ الحَميةِ والأنَفةِ.
وإذا كانَتْ مع الفسادِ جَميلةً كانَ بَلاؤُها أشَدَّ؛ إذْ يَشقُّ على الزَّوجِ مُفارَقتُها، فلا يَصبِرُ عنها ولا يَصبِرُ عليها، ويكونُ كالَّذي جاءَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وقالَ: «يا رسولَ اللهِ إنَّ لي امرأةً لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ، قالَ: طلِّقْها، فقالَ: إني أحِبُّها، قالَ: أَمسِكْها» (١)، وإنما أمَرَه بإمساكِها خَوفًا عليهِ بأنهُ إذا طلَّقَها أتبَعَها نفْسَه، وفسَدَ هو أيضًا معَها، فرَأى ما في دَوامِ نكاحِه مِنْ دَفعِ الفَسادِ عنه مِنْ ضِيقِ قلبِه أَولى.
وإنْ كانَتْ فاسِدةَ الدِّينِ باستِهلاكِ مالِه أو بوَجهٍ آخَرَ لم يَزلِ العَيشُ مُشوَّشًا معهُ، فإنْ سكَتَ ولم يُنكِرْه كانَ شريكًا في المَعصيةِ مُخالِفًا لقولِه تعالَى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، وإنْ أنكَرَ وخاصَمَ تَنغَّصَ العُمر، ولهذا بالَغَ رسولُ اللهِ ﷺ في التَّحريضِ على ذاتِ الدِّينِ فقالَ: «تُنكَحُ المرأةُ لأربَعٍ: لمالِها ولحَسَبِها وجَمالِها ولدِينِها، فاظفَرْ بذاتِ
стр. 8361
الدِّينِ تَربَتْ يَداكَ»، وإنما بالَغَ في الحثِّ على الدِّينِ لأنَّ مثلَ هذهِ المرأةِ تكونُ عَونًا على الدِّينِ، فأما إذا لم تَكنْ مُتدينةً كانتْ شاغِلةً عن الدِّينِ ومُشوِّشةً له.
الخَصلةُ الثَّانيةُ: حُسنُ الخلُقِ: وذلكَ أصلٌ مُهمٌّ في طلبِ الفراغةِ والاستِعانةِ على الدِّينِ، فإنها إذا كانَتْ سَليطةً بَذيةَ اللِّسانِ سَيئةَ الخلُقِ كافرةً للنِّعمِ كانَ الضَّررُ منها أكثَرَ مِنْ النَّفعِ، والصبْرُ على لسانِ النِّساءِ مما يُمتحَنُ به الأولياءُ.
قالَ بعضُ العرَبِ: لا تَنكحُوا مِنْ النِّساءِ سِتةً: لا أنَّانةً ولا منَّانةً ولا حنَّانةً، ولا تَنكحُوا حدَّاقةً ولا برَّاقةً ولا شدَّاقةً.
أمَّا الأنَّانة: فهي الَّتي تُكثِرُ الأنينَ والتشَكِّي، وتَعصبُ رأسَها كلَّ ساعةٍ، فنكاحُ الممراضةِ أو نكاحُ المُتمارِضةِ لا خيرَ فيه.
والمنَّانةُ: الَّتي تَمنُّ على زَوجِها فتقولُ: فعَلْتُ لأجْلِكَ كذا وكذا.
والحنَّانةُ: الَّتي تَحنُّ إلى زَوجٍ آخَرً، أو وَلدها مِنْ زَوجٍ آخَرَ، وهذا أيضًا ممَّا يجبُ اجتنابُه.
والحدَّاقةُ: الَّتي تَرمِي إلى كلِّ شيءٍ بحدَقتِها فتَشتهيهِ وتُكلِّفُ الزَّوجَ شِراءَه.
والبرَّاقةُ: تَحتملُ مَعنيينِ:
أحَدُهما: أنْ تكونَ طُولَ النهارِ في تَصقيلِ وَجهِها وتَزيينِه، ليَكونَ لوَجهِها بَريقٌ مُحصلٌ بالصُّنعِ.