← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

وقالَ ﷺ : «ما استَفادَ المُؤمِنُ بعدَ تقوَى اللَّهِ خيرًا له مِنْ زوجةٍ صالِحةٍ، إنْ أمَرَها أطاعَتْه، وإنْ نظَرَ إليها سَرَّتْه، وإنْ أقسَمَ عليها أبَرَّتْه، وإنْ غابَ عنها نصَحَتْه في نَفسِها ومالِه» (١)، وإنما يُسَرُّ بالنَّظرِ إليها إذا كانَت مُحبَّةً للزوجِ. الخَصلةُ الرابعةُ: أنْ تكونَ خَفيفةَ المَهرِ: عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «خيرُهنَّ أيسَرُهنَّ صَداقًا» (٢). وعن عائِشةَ ﵂ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «أعظَمُ النِّساءِ بَركةً أيسَرُهنَّ مُؤنةً» (٣). وقد نهَى عنِ المُغالاةِ في المَهرِ، فعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «جاءَ رَجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: إنِّي تَزوَّجْتُ امرأةً مِنْ الأنصارِ، فقالَ له النبيُّ ﷺ : هل نَظرْتَ إليها؟ فإنَّ في عُيونِ الأنصارِ شيئًا، قالَ: قدْ نَظرْتُ إليها، قالَ: على كم تَزوَّجْتَها؟ قالَ: على أربَعِ أواقٍ؛ فقالَ له النبيُّ ﷺ : على أربعِ أواقٍ؟! كأنَّما تَنحِتونَ الفضَّةَ مِنْ عَرضِ هذا الجَبلِ» (٤).

стр. 8367

وتزوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ بعضَ نِسائِه على عَشرةِ دَراهمَ وأثاثِ بَيتٍ، وكانَ رَحى يدٍ وجَرَّةٍ ووِسادةٍ مَنْ أدمٍ حَشوُها لِيفٌ. وأَولَم على بعضِ نِسائِه بمُدَّينِ مِنْ شعيرٍ، وعلى أُخرى بمُدَّينِ مِنْ تَمرٍ ومُدَّينِ مِنْ سَويقٍ. وكانَ عمرُ ﵁ يَنهَى عن المُغالاةِ في الصَّداقِ ويقولُ: «ما تزوَّجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ولا زوَّجَ بَناتِه بأكثرَ مِنْ أربعِمائةِ دِرهمٍ، ولو كانتِ المُغالاةُ بمُهورِ النِّساءِ مَكرُمةً لسبَقَ إليها رسولُ اللهِ ﷺ ». وقد تزوَّجَ بعضُ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ على نَواةٍ مِنْ ذَهبٍ قيمَتُها خَمسةُ دَراهمَ. وزوَّجَ سعيدُ بنُ المُسيبِ ابنتَه مِنْ أبي هُريرةَ ﵁ على دِرهمينِ، ثمَّ حمَلَها هو إليهِ ليلًا فأدخَلَها هو مِنْ البابِ ثمَّ انصرَفَ، ثمَّ جاءَها بعدَ سبعةِ أيامٍ فسلَّمَ عليها. ولو تزوَّجَ على عَشرةِ دَراهمَ للخُروجِ مِنْ خلافِ العُلماءِ فلا بأسَ به. وكما تُكرَهُ المُغالاةُ في المَهرِ مِنْ جهةِ المرأةِ يُكرَهُ السُّؤالُ عن مالِها مِنْ جهةِ الرَّجلِ، ولا يَنبغي أنْ يَنكحَ طَمعًا في المالِ. قالَ الثَّوريُّ ﵀: إذا تزوَّجَ وقالَ: «أيُّ شَيءٍ للمرأةِ؟» فاعلمْ أنهُ لِصٌّ، وإذا أهدَى إليهم فلا يَنبغي أنْ يُهديَ ليَضطرَّهم إلى المُقابَلةِ بأكثرَ

стр. 8368

منه، وكذلكَ إذا أَهدَوا إليهِ فنيَّةُ طلَبِ الزِّيادةِ نِيةٌ فاسِدةٌ، فأمَّا التَّهادِي فمُستحبٌ، وهو سَببُ المودَّةِ؛ قالَ ﷺ : «تَهادَوْا تَحابُّوا» (١). وأمَّا طلَبُ الزِّيادةِ فداخلٌ في قَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ [المدثر: ٦] أي: تُعطِي لتَطلبَ أكثرَ، وتحتَ قولِه تعالَى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: ٣٩] فإنَّ الرِّبا هو الزِّيادةُ، وهذا طَلبُ زيادةٍ على الجُملةِ، وإنْ لم يكنْ في الأموالِ الرِّبويةِ فكلُّ ذلكَ مَكروهٌ وبِدعةٌ في النكاحِ، يُشبهُ التِّجارةَ والقِمارَ ويُفسِدُ مَقاصدَ النكاحِ. الخَصلةُ الخامِسةُ: أنْ تكونَ المرأةُ ولُودًا: فإنْ عُرفَتْ بالعُقرِ فلْيَمتنعْ عن تزوُّجِها. فعن مَعقِلِ بنِ يَسارٍ قالَ: «جاءَ رَجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: إني أصَبتُ امرأةً ذاتَ حَسبٍ وجَمالٍ وإنها لا تَلِدُ، أفَأتزوَّجُها؟ قالَ: لا، ثمَّ أتاهُ الثانيةَ فنَهاهُ، ثمَّ أتاهُ الثالثةَ فقالَ: تَزوَّجُوا الوَدُودَ الوَلودَ فإني مُكاثِرٌ بكُم الأمَمَ» (٢). وعَن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قالَ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَأمرُ بالباءةِ ويَنهَى عن التَّبتُّلِ نَهيًا شديدًا ويقولُ: تَزوَّجُوا الوَدودَ الوَلودَ، إني مُكاثِرٌ بكُم الأنبياءَ يَومَ القِيامةِ» (٣).

стр. 8369

فإنْ لم يكُنْ لها زَوجٌ ولم يَعرفْ حالَها فيُراعِي صحَّتَها وشَبابَها، فإنها تكونُ وَلودًا في الغالِبِ مع هذَينِ الوَصفينِ، ويُستحبُّ أنْ تكونَ مِنْ نِساءٍ يُعرَفْنَ بكثرةِ الوِلادةِ. الخَصلةُ السادِسةُ: أنْ تكونَ بِكرًا: قالَ ﷺ لجابرٍ ﵁: «هل تَزوَّجتَ بِكرًا أم ثَيِّبًا؟ فقُلتُ: تَزوَّجتُ ثَيبًا، فقالَ: هلَّا تَزوَّجتَ بكرًا تُلاعبُها وتُلاعبُكَ وتُضاحكُها وتُضاحكُكَ» (١). وقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «عليكم بالأبكارِ، فإنهُنَّ أعذَبُ أفواهًا وأنْتَقُ أرحامًا وأرضَى باليسيرِ» (٢). وفي البَكارةِ ثلاثُ فوائِدَ: إحداها: أنْ تُحبَّ الزَّوجَ وتألَفَه، فيُؤثرَ في مِعنَى الوِدِّ، وقد قالَ ﷺ : «تَزوَّجُوا الوَدودَ»، والطِّباعُ مَجبولةٌ على الأُنسِ بأولِ مَألوفٍ. وأمَّا الَّتي اختبَرَتِ الرِّجالَ ومارَسَتِ الأحوالَ فربَّما لا ترضَى بعضَ الأوصافِ الَّتي تُخالِفُ ما ألِفَتْه، فتَقلي الزَّوجَ. الثانيةُ: أنَّ ذلكَ أكمَلُ في مَودتِه لها؛ فإنَّ الطَّبعَ يَنفرُ عن الَّتي مَسَّها غيرُ الزَّوجِ نفرةً ما، وذلكَ يَثقلُ على الطَّبعِ مَهما يُذكَرْ، وبَعضُ الطِّباعِ في هذا أشَدُّ نُفورًا.

стр. 8370

الثالثةُ: أنها لا تَحِنُّ إلى الزَّوجِ الأوَّلِ، وآكَدُ الحُبِّ ما يقَعُ مع الحَبيبِ الأولِ غالِبًا. الخَصلةُ السَّابعةُ: أنْ تكونَ نَسيبةً: أعني أنْ تكونَ مِنْ أهلِ بيتِ الدِّينِ والصَّلاحِ، فإنها ستُربِّي بناتِها وبَنيِها؛ فإذا لم تكُنْ مؤدَّبةً لم تُحسِنِ التأديبَ والتربيةَ، ولذلكَ قالَ ﷺ : «إيَّاكُم وخَضراءَ الدِّمَنِ، فقيلَ: ما خَضراءُ الدِّمنِ؟ قالَ: المرأةُ الحَسناءُ في المَنبِتِ السُّوءِ» (١). وقالَ ﷺ : «تَخيَّرُوا لنُطَفِكُم» (٢)، ويُروَى: «تَخيَّرُوا لنُطفِكم فإنَّ العِرْقَ دَسَّاسٌ» (٣). الخَصلةُ الثامنةُ: أنْ تكونَ أجنَبيةً ولا تكونَ مِنْ القَرابةِ القَريبةِ كما نَصَّ على ذلكَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ، قالَ الإمامُ الغَزاليُّ ﵀: فإنَّ ذلكَ يُقلِّلُ الشَّهوةَ؛ لِما رُويَ مرفوعًا: «لا تَنكحُوا القَرابةَ القَريبةَ، فإنَّ الولَدَ يُخلَقُ ضَاوِيًا» (٤) أي نَحيفًا، وذلكَ لتَأثيرِه في تَضعيفِ الشَّهوةِ، فإنَّ الشَّهوةَ إنَّما تَنبعِثُ بقُوةِ الإحساسِ بالنَّظرِ واللَّمسِ، وإنَّما يَقوَى الإحساسُ بالأمرِ

стр. 8371

الغَريبِ الجَديدِ، فأمَّا المَعهودُ الَّذي دامَ النَّظرُ إليه مُدةً فإنه يَضعُفُ الحِسُّ عن تَمامِ إدراكِه والتأثُّرِ به، ولا تَنبعثُ به الشَّهوةُ (١). وعنِ الشَّافعيِّ قالَ: أيُّما أهل بَيتٍ لم تَخرجْ نِساؤُهم إلى رجالِ غيرِهم كانَ في أولادِهم حُمقٌ. والقَرابةُ القَريبةُ عندَ الشَّافعيةُ هي مَنْ في أولِ دَرجاتِ العُمومةِ والخُؤولةِ، بخلافِ ابنِ بنتِ العمِّ أو ابنِ الخالِ، بل هيَ أَولى مِنْ الأجنبيةِ؛ لانتفاءِ ذلكَ مع حُنوِّ الرَّحمِ (٢). وقالَ الخطيبُ الشربينيُّ ﵀: قولُه: «ليسَتْ قرابةً قَريبةً» هذا مِنْ نفيِ الموصوفِ المقيَّدِ بصفةٍ، فيَصدقُ بالأجنبيةِ والقَرابةِ البعيدةِ، وهي أَولى منها، واستَدلَّ الرَّافعيُّ لذلكَ تبعًا ل «الوَسيط» بقَولِه ﷺ : «لا تَنكِحُوا القَرابةَ القريبةَ، فإنَّ الولَدَ يُخلَقُ ضاوِيًا» أي نَحيفًا، وذلكَ لضعفِ الشَّهوةِ، غيرَ أنَّه يَجيءُ كريمًا على طَبعِ قَومِه، قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ولم أجدْ لهذا الحديثِ أصلًا مُعتمَدًا، قالَ السُّبكيُّ: فيَنبغي أنْ لا يَثبتَ هذا الحُكمُ؛ لعدمِ الدَّليلِ، وقد زوَّجَ النبيُّ ﷺ عَليًّا بفاطِمةَ ﵄ وهي قَرابةٌ قَريبةٌ. اه.

стр. 8372

وما ذُكرَ مِنْ أنَّ غيرَ القَريبةِ أَولى هو ما صرَّحَ به في زِيادة الرَّوضة، لكنْ ذكَرَ صاحِبُ «البَحر» و «البَيان» أنَّ الشَّافعيَّ نَصَّ على أنه يُستحبُّ له أنْ لا يَتزوَّجَ مِنْ عَشيرتِه؛ وعللَّهُ الزَّنْجانِيُّ بأنَّ مِنْ مَقاصدِ النكاحِ اتصالُ القَبائلِ لأجْلِ التعاضُدِ والمعاوَنةِ واجتماعِ الكَلمةِ. اه. والأَولى حَملُ كَلامِ الشافعيِّ ﵁ على عَشيرتِه الأقرَبينِ، ولا يشكلُ ذلكَ بتزوُّجِ النبيِّ ﷺ زينبَ مع أنها بنتُ عمَّتِه؛ لأنهُ تزوَّجَها بَيانًا للجَوازِ، ولا بتزوُّجِ عليٍّ فاطمةَ ﵂؛ لأنها بَعيدةٌ في الجُملةِ؛ إذْ هي بنتُ ابنِ عمِّه، وأيضًا بَيانًا للجَوازِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَختارُ الأجنَبيةَ؛ فإنَّ ولَدَها أنجَبُ، ولهذا يُقالُ: «اغتَربُوا لا تَضْوُوا» يعني: انكِحُوا الغَرائبَ كَيلا تَضعُفَ أولادُكم، وقالَ بعضُهم: الغَرائبُ أنجَبُ وبناتُ العمِّ أصبَرُ. ولأنهُ لا تُؤمَنُ العَداوةُ في النكاحِ وإفضاؤُه إلى الطَّلاقِ، فإذا كانَ في قَرابتِه أفضَى إلى قَطيعةِ الرَّحمِ المأمورِ بصِلتِها، واللهُ أعلَمُ (٢). فهذهِ هي الخِصالُ المُرغبةُ في النِّساءِ، ويجبُ على الوليِّ أيضًا أنْ يُراعيَ خِصالَ الزَّوجِ، ولْيَنظرْ لكَريمتِه فلا يُزوِّجْها ممَّن ساءَ خلُقُه أو خَلقُه،

стр. 8373

أو ضَعُفَ دِينُه، أو قَصرَ عن القيامِ بحَقِّها، أو كانَ لا يُكافِئُها في نسَبِها، قالَ ﷺ : «النكاحُ رِقٌّ، فلْيَنظرْ أحَدُكم أينَ يضَعَ كَريمتَه». والاحتياطُ في حقِّها أهَمُّ؛ لأنها رَقيقةٌ بالنكاحِ لا مخلصَ لها، والزَّوجُ قادِرٌ على الطَّلاقِ بكُلِّ حالٍ، ومَهما زوَّجَ ابنتَهُ ظالِمًا أو فاسِقًا أو مبتَدِعًا أو شارِبَ خَمرٍ فقدْ جنَى على دِينِه وتعرَّضَ لسَخطِ اللهِ؛ لِما قطَعَ مِنْ حقِّ الرَّحمِ وسُوءِ الاختيارِ. وقالَ رجلٌ للحسَنِ: قد خطَبَ ابنَتِي جَماعةٌ فمَن أزوِّجُها؟ قالَ: ممَّن يتَّقِي اللهَ، فإنْ أحَبَّها أكرَمَها، وإنْ أبغَضَها لم يَظلمْها. ورُويَ عنِ الشَّعبيِّ: «مَنْ زوَّجَ كَريمتَه مِنْ فاسِقٍ فقدْ قطَعَ رَحِمَها» (١).

стр. 8374

مَنْ يَجوزُ خِطبتُها ومَن لا يَجوزُ: المَرأةُ لا تَخلُو: إمَّا أنْ تكونَ خَليَّةً غيرَ ذاتِ زَوجٍ، وإمَّا أنْ تكونَ مُتزوِّجةً، وإمَّا أنْ تكونَ مُعتدَّةً إمَّا عدَّةَ وَفاةٍ أو طَلاقٍ، وهو إمَّا أنْ يكونَ طَلاقًا رَجعيًّا أو بائِنًا، ولكلِّ واحِدةٍ مِنْ هؤلاءِ حِكمُها. أولاً: خِطبة المرأةِ الخَليَّةِ: اتفَقَّ فُقهاءُ المُسلمينَ على أنَّ المرأةَ الخَليةَ مِنْ النكاحِ الَّتي لا زوْجَ لها ولا مُعتدَّةً ولا مَخطوبةً ولا بها مانِعٌ مِنْ مَوانعِ النكاحِ أنه يَجوزُ خِطبتُها، إمَّا صَريحًا وإمَّا تَعريضًا. قالَ الدَّميريُّ ﵀: تَحلُّ خِطبةُ خَليةٍ عن نكاحٍ وعدَّةٍ، تَصريحًا وتَعريضًا بالإجماعِ، ولا بُدَّ مِنْ انتفاءِ مَوانعِ النكاحِ، وأنْ لا يَسبقَه غيرُه بخِطبتِها ويُجابَ (١). ثانيًا: خِطبةُ المَرأةِ المُتزوجةِ مِنْ الغَيرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنهُ يَحرمُ على الرَّجلِ أنْ يَخطِبَ امرأةً مَنكوحةً لغيرِه تصريحًا أو تَعريضًا؛ لأنَّ الخِطبةَ مُقدمةٌ للنكاحِ، ومَن كانَتْ في نكاحٍ صَحيحٍ لا يَجوزُ للغيرِ أنْ يَنكحَها، فلا تَصحُّ خِطبتُها ولا تَجوزُ، بل تَحرمُ إجماعًا. قالَ الخَطيبُ الشربينيُّ ﵀: تَحرمُ خِطبةُ مَنكوحةٍ إجماعًا (٢).

стр. 8375

وقالَ الإمامُ ابنُ نُجيمٍ الحنفيُّ ﵀: وتَحرمُ خِطبةُ المَنكوحةِ، وتَحرمُ تَصريحًا وتَعريضًا كما في «البَدائع» (١). ثالثًا: خِطبةُ المَرأةِ المُعتدَّةِ: المُعتدةُ إمَّا أنْ تكونَ مُعتدةً مِنْ وَفاةٍ أو طَلاقٍ، والطَّلاقُ إمَّا رَجعيٌّ وإمَّا بائنٌ؛ وإمَّا أنْ تكونَ مُعتدةً مِنْ فَسخٍ أو انفِساخٍ أو شُبهةٍ. ولا يَخلو حالُ الخاطبِ مِنْ أحَدِ أمرَينِ: إمَّا أنْ يُصرِّحَ لهنَّ بالخِطبةِ، وإمَّا أنْ يُعرِّضَ. الحالةُ الأُولى: أنْ يُصرِّحَ بالخِطبةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه لا يَجوزُ التَّصريحُ بالخِطبةِ أو المُواعَدةُ للمُعتدَّةِ مُطلَقًا، سواءٌ كانَتْ مُعتدَّةً مِنْ وَفاةٍ أو طَلاقٍ رَجعيٍّ أو بائِنٍ، لمَفهومِ قولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]،

стр. 8376

فأحَلَّ اللهُ التَّعريضَ بالخِطبةِ، وفي إحلالِه إيَّاها تَحريمُ التَّصريحِ، فإنَّ اللهَ فرَّقَ بينَ حُكمِ التَّصريحِ وبينَ حُكمِ التَّعريضِ تَفريقًا لا يَختلُّ على ذِي حِسٍّ سَليمٍ، وإذا كانَا شَيئينِ مُختلفينِ ليسَ لأحَدِهما حُكمُ الآخَرِ فلا يَجوزُ البتَّةَ أنْ يُجعلَ في أحَدِهما ما جُعلَ في الآخَرِ بغيرِ نَصٍّ ولا إجماعٍ. ولأنَّ اللهَ لمَّا أباحَ التَّعريضَ دَلَّ على أنَّ التَّصريحَ مُحرَّمٌ، ولأنَّ التَّصريحَ لا يَحتملُ غيرَ النكاحِ، فلا يُؤمَنْ أنْ يَحملَها الحِرصُ على النكاحِ فتُخبِرَ بانقضاءِ العدَّةِ؛ لأنَّ ما في المَرأةِ مِنْ غلَبةِ الشَّهوةِ والرَّغبةِ في الأزواجِ ما قد يَدعُوها إلى الإخبارِ بانقضاءِ عدَّتِها كاذِبةً، فلذلكَ حرَّمَ اللهُ تعالَى التَّصريحَ بخِطبتِها. قالَ الإمامُ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ التَّصريحَ بالخِطبةِ في العدَّةِ حَرامٌ (١). وقالَ القُرطبيُّ ﵀: قالَ ابنُ عَطيةَ: أجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ الكَلامَ معَ المعتدَّةِ بما هو نَصٌّ في تزوُّجِها وتَنبيهٌ عليهِ لا يَجوزُ، وكذلكَ أجمَعَتِ الأمَّةُ على أنَّ الكلامَ معَها بما هو رفَثٌ وذِكرُ جِماعٍ أو تحريضٌ عليهِ لا يَجوزُ، وكذلكَ ما أشبَهَه، وجوزَ ما عدا ذلكَ (٢).

стр. 8377

وقالَ الدَّميريُّ ﵀: يَحرمُ التَّصريحُ لمُعتدَّةٍ، سواءٌ كانَتْ عن وَفاةٍ أو طَلاقٍ بائنٍ أو رَجعيٍّ أو شُبهةٍ أو وَفاةٍ بالإجماعِ (١). وقالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: ولا يَجوزُ التَّصريحُ -وهو ما لا يَحتملُ إلَّا النكاحَ- بخِطبةِ المُعتدَّةِ بالإجماعِ (٢). وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: لا يَجوزُ للأجنَبيِّ خِطبةُ المُعتدةِ صَريحًا، سواءً كانَتْ مُطلَّقةً أو مُتوفَّى عنها زَوجُها (٣). صِفةُ التَّصريحِ: قالَ الحَنفيةُ: التَّصريحُ قولُه: «أنكِحُكِ، وأتزوَّجُ بكِ» ونَحوُه، وهذا كلُّه في المَبتوتةِ والمُتوفَّى عنها زَوجُها (٤). وقالَ المالِكيةُ: التَّصريحُ: هو التَّنصيصُ على النكاحِ والإفصاحُ بذِكرِه (٥). وقالَ الشَّافعيةُ: التَّصريحُ: ما يَقطعُ الرَّغبةَ في النكاحِ، ك: «أريدُ أنْ أنكِحَكِ، وإذا انقَضَتْ عدَّتُكِ نكَحتُكِ» (٦).

стр. 8378

وقالَ الحَنابلةُ: التَّصريحُ: هو اللَّفظُ الَّذي لا يَحتملُ غيرَ النكاحِ، نحو أنْ يقولَ: «زوِّجِيني نفْسَكِ، أو إذا انقَضَتْ عدَّتُكِ تزوَّجتُكِ» (١). الحالةُ الثانيةُ: التَّعريضُ بالخِطبةِ: التَّعريضُ بالخِطبةِ للمُعتدَّةِ لا يخلُو مِنْ ضَربينِ: إمَّا أنْ يكونَ للمُتوفَّى عنها زَوجُها، أو مُطلَّقةٍ ثلاثًا، أو مُطلَّقةٍ رَجعيةٍ: أوَّلاً: التَّعريضُ بالخِطبةِ للمُعتدةِ مِنْ وفاةٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المُسلمينَ على أنهُ يَجوزُ التَّعريضُ بالخِطبةِ للمعتدَّةِ مِنْ وفاةٍ؛ لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فأباحَ اللهُ التَّعريضَ بالنكاحِ في العدَّةِ. «وقدْ دخَلَ النبيُّ ﷺ على أمِّ سلَمةَ وهيَ مُتأيِّمةٌ مِنْ أبي سلَمةَ، فقالَ: لقدْ عَلمْتِ أني رسولُ اللهِ ﷺ وخيرَتُه مِنْ خَلقِه ومَوضِعي مِنْ قَومي، وكانَتْ تلكَ خِطبتَه» (٢).

стр. 8379

وفُرِّقَ بينَ التصريحِ والتعريضِ بأنهُ إذا صرَّحَ تحقَّقَتِ الرَّغبةُ فيها، فربَّما كذَبَتْ في انقضاءِ العدَّةِ لغلَبةِ الشهوةِ أو غيرِها، وفي التَّعريضِ لا يَتحقَّقُ ذلكَ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أباحَ التعريضَ بالنكاحِ في العدَّةِ، ولم يَختلفِ العُلماءُ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ في ذلكَ، فهو مِنْ المُحكَمِ المُجتمَعِ على تأويلِه، إلا أنهمُ اختَلفُوا في ألفاظِ التَّعريضِ (١). وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ التعريضَ بالخِطبةِ وهي في عدَّتِها حَلالٌ إذا كانَتْ العدَّةُ غيرَ رَجعيةٍ أو كانَتْ مِنْ وفاةٍ (٢). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: أباحَ التَّعريضَ في العِدةِ بقولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ الآية، ولم يَختلفِ العُلماءُ في إباحةِ ذلكَ (٣).

стр. 8380

وقالَ المَوصليُّ الحنَفيُّ ﵀ بعدَما أجازَ التَّعريضَ بالخِطبةِ: وهذا كلُّه في المَبتوتةِ -أي المُطلَّقةِ ثلاثًا- والمُتوفَّى عنها زَوجُها، أمَّا المُطلَّقةُ الرَّجعيةُ فلا يَجوزُ التَّصريحُ ولا التلويحُ؛ لأنَّ نكاحَ الأولِ قائمٌ على ما بيَّنَّا (١). ثانيًا: التَّعريضُ بالخِطبةِ للمُطلَّقةِ ثلاثًا: اختَلفَ فُقهاءُ المُسلمينَ في المرأةِ المُطلَّقةِ ثَلاثًا، هل يَجوزُ التَّعريضُ لها في أثناءِ عدَّتِها أم لا يَجوزُ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ -وهو ما حكاهُ المَوصليُّ عن الحَنفيةِ- أنه يَجوزُ التَّعريضُ للمُطلَّقةِ ثلاثًا في عدَّتِها، وفي معنى المُطلَّقةِ ثلاثًا المُلاعنةُ والمحرَّمةُ بمُصاهرةٍ أو رَضاعٍ، لقولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فأباحَ اللهُ التَّعريضَ بالنكاحِ في العِدةِ. ولأنَّ فاطمةَ بنتَ قيسٍ طلَّقَها زَوجُها فبَتَّ طلاقَها، فقالَ لها النبيُّ ﷺ : «إذا حلَلْتِ فآذنيني» فعن فاطِمةَ بنتِ قيسٍ أنَّ أبا عَمرِو بنَ حَفصٍ طلَّقَها البتَّةَ وهو غائِبٌ، فأرسَلَ إليها وَكيلُه بشَعيرٍ فسَخِطَته، فقالَ:

стр. 8381

واللهِ ما لكِ علينا مِنْ شيءٍ، فجاءَتْ رسولَ اللهِ ﷺ فذكَرَتْ ذلكَ له، فقالَ: «ليسَ لكِ عليهِ نَفقةٌ»، فأمَرَها أنْ تَعتدَّ في بيتِ أمِّ شَريكٍ، ثمَّ قالَ: «تلكِ امرأةٌ يَغشاها أصحابي، اعتَدِّي عندَ ابنِ أمِّ مَكتومٍ، فإنهُ رَجلٌ أعمَى، تَضعينَ ثيابَكِ، فإذا حلَلْتِ فآذنيني، فآذَنتْهُ» (١). وفُرِّقَ بينَ التصريحِ والتعريضِ بأنهُ إذا صرَّحَ تحقَّقَتِ الرَّغبةُ فيها، فربَّما كذَبَتْ في انقضاءِ العدَّةِ لغلَبةِ الشهوةِ أو غيرِها، وفي التَّعريضِ لا يَتحقَّقُ ذلكَ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أباحَ التعريضَ بالنكاحِ في العدَّةِ، ولم يَختلفِ العُلماءُ مِنْ السَّلفِ والخلَفِ في ذلكَ، فهو مِنْ المُحكَمِ المُجتمَعِ على تأويلِه، إلا أنهمُ اختَلفُوا في ألفاظِ التَّعريضِ (٢). وقالَ ابنُ القطَّانِ الفاسِيُّ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ التعريضَ بالخِطبةِ وهي في عدَّتِها حَلالٌ إذا كانَتْ العدَّةُ غيرَ رَجعيةٍ أو كانَتْ مِنْ وفاةٍ (٣). وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: أباحَ التَّعريضَ في العِدةِ بقولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] الآية، ولم يَختلفِ العُلماءُ في إباحةِ ذلكَ (٤).

стр. 8382

وقالَ المَوصليُّ الحنَفيُّ ﵀ بعدَما أجازَ التَّعريضَ بالخِطبةِ: وهذا كلُّه في المَبتوتةِ -أي المُطلَّقةِ ثلاثًا- والمُتوفَّى عنها زَوجُها، أمَّا المُطلَّقةُ الرَّجعيةُ فلا يَجوزُ التَّصريحُ ولا التلويحُ؛ لأنَّ نكاحَ الأولِ قائمٌ على ما بيَّنَّا (١). وذهَبَ أكثرُ الحَنفيةِ إلى أنهُ لا يَجوزُ التَّعريضُ للمُعتدةِ مِنْ طَلاقٍ في عدَّتِها. قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا أحكامُ العدَّةِ: فمِنها: أنهُ لا يَجوزُ للأجنَبيِّ نكاحُ المعتدَّةِ، لقَولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، قيلَ: أي لا تَعزِمُوا على عُقدةِ النِّكاحِ، وقيلَ: أي لا تَعقدُوا عقْدَ النكاحِ حتَّى ينقَضِي ما كتَبَ اللهُ عليها مِنْ العدَّةِ، ولأنَّ النكاحَ بعْدَ الطَّلاقِ الرَّجعيِّ قائمٌ مِنْ كلِّ وَجهٍ، وبعدَ الثَّلاثِ والبائنِ قائمٌ مِنْ وجهٍ حالَ قيامِ العدَّةِ؛ لقِيامِ بعضِ الآثارِ، والثابتُ مِنْ وجهٍ كالثابتِ مِنْ كلِّ وجهٍ في بابِ الحُرُماتِ احتِياطًا. ويجوزُ لصاحبِ العدَّةِ أنْ يَتزوَّجَها؛ لأنَّ النَّهيَ عنِ التَّزوجِ للأجانبِ لا لِلأزواجِ؛ لأنَّ عدَّةَ الطَّلاقِ إنما لَزمَتْها حقًّا للزَّوجِ؛ لكَونها باقيةً على حُكمِ نكاحِه مِنْ وَجهٍ، فإنَّما يَظهرُ في حقِّ التَّحريمِ على الأجنبيِّ لا على الزوجِ؛ إذ لا يَجوزُ أنْ يُمنَعَ حقَّه.

стр. 8383

ومنها: أنهُ لا يجوزُ للأجنبيِّ خِطبةُ المعتدَّةِ صريحًا، سواءً كانَتْ مُطلَّقةً أو مُتوفَّى عنها زَوجُها. أمَّا المُطلَّقةُ طلاقًا رَجعيًّا فلِأنها زَوجةُ المطلِّقِ؛ لقيامِ مِلكِ النكاحِ مِنْ كلِّ وجهٍ، فلا يَجوزُ خِطبتُها كما لا يَجوزُ قبلَ الطَّلاقِ. وأمَّا المُطلَّقةُ ثلاثًا أو بائنًا والمُتوفَّى عنها زَوجُها فلِأنَّ النكاحَ حالَ قيامِ العدَّةِ قائمٌ مِنْ كلِّ وجهٍ؛ لقيامِ بعضِ آثارِه، كالثابتِ مِنْ كلِّ وجهٍ في بابِ الحُرمةِ، ولأنَّ التَّصريحَ بالخِطبةِ حالَ قيامِ النكاحِ مِنْ وجهِ وُقوفِ مَوقفِ التُّهمةِ ورَتعٌ حولَ الحِمَى، وقدْ قالَ النبيُّ ﷺ : «مَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلا يَقفنَّ مَواقِفَ التُّهمِ»، وقالَ: «مَنْ رتَعَ حولَ الحِمَى يُوشكُ أنْ يقَعَ فيهِ»، فلا يَجوزُ التَّصريحُ بالخِطبةِ في العدَّةِ أصلًا. وأمَّا التعريضُ فلا يَجوزُ أيضًا في عدَّةِ الطَّلاقِ، ولا بأسَ به في عدَّةِ الوفاةِ، والفَرقُ بينَهُما مِنْ وجهَينِ: أحَدُهما: أنهُ لا يَجوزُ للمعتدَّةِ مِنْ طلاقٍ الخُروجُ مِنْ مَنزلِها أصلًا باللَّيلِ ولا بالنهارِ، فلا يُمكِنُ التعريضُ على وجهٍ لا يَقِفُ عليهِ الناسُ، والإظهارُ بذلكَ بالحُضورِ إلى بيتِ زَوجِها قَبيحٌ. وأمَّا المُتوفَّى عنها زَوجُها فيُباحُ لها الخروجُ نهارًا، فيُمكِنُ التعريضُ على وجهٍ لا يَقفُ عليه سِواها. والثَّاني: أنَّ تعريضَ المُطلَّقةِ اكتسابُ عَداوةٍ وبُغضٍ فيما بينَها وبينَ

стр. 8384

زَوجِها؛ إذِ العدَّةُ مِنْ حقِّه، بدليلِ أنهُ إذا لم يَدخلْ بها لا تَجبُ العدَّةُ، ومعنَى العَداوةِ لا يتقدَّرُ بينَها وبينَ المَيتِ، ولا بينَها وبينَ وَرثتِه أيضًا؛ لأنَّ العدَّةَ في المُتوفَّى عنها زَوجُها ليسَتْ لحَقِّ الزَّوجِ، بدليلِ أنها تَجبُ قبلَ الدُّخولِ بها، فلا يكونُ التَّعريضُ في هذهِ العدَّةِ تَسبيبًا إلى العَداوةِ والبُغضِ بينَها وبينَ وَرثةِ المُتوفَّى، فلم يكُنْ بها بأسٌ، والأصلُ في جوازِ التَّعريضِ في عدَّةِ الوفاةِ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (١). وقالَ في «الدُّر المُختار»: (وصَحَّ التَّعريضُ) ك: «أُريدُ التَّزوجَ» (لو مُعتدَّةَ الوفاةِ) لا المُطلَّقةَ إجماعًا؛ لإفضائِه إلى عَداوةِ المُطلِّقِ. قالَ ابنُ عابدِينَ: قولُه: (لا المُطلَّقةَ إجماعًا .. إلخ) نقَلَه في «البَحر» و «النَّهر» عنِ «المِعراج»، وشَملَ المُطلَّقةَ البائنَ، وبهِ صرَّحَ الزَّيلعيُّ. وفي «الفَتح» أنَّ التعريضَ لا يَجوزُ في المُطلَّقةِ بالإجماعِ، فإنه لا يَجوزُ لها الخُروجُ مِنْ منزلِها أصلًا، فلا يَتمكنُ مِنْ التَّعريضِ على وجهٍ لا يَخفى على النَّاسِ، ولإفضائِه إلى عَداوةِ المُطلِّقِ. اه. ويُنافِي نَقلُ الإجماعِ ما في «الاختِيار»، حيثُ قالَ ما نَصُّه: وهذا كلُّه في المَبتوتةِ والمُتوفَّى عنها زَوجُها، أما المُطلَّقةُ الرَّجعيةُ فلا يَجوزُ التَّصريحُ ولا التلويحُ؛ لأنَّ نكاحَ الأولِ قائمٌ. اه (٢).

стр. 8385

وهذا التَّعريضُ للمُطلَّقةِ ثلاثًا لغيرِ الزَّوجِ، أما الزَّوجُ المُطلِّقُ فلا يَجوزُ له أنْ يَخطبَها بصَريحٍ ولا تَعريضٍ؛ لأنها لا تَحلُّ له بعدَ العدَّةِ، فحَرُمتْ عليه الخِطبةُ. صِفةُ التَّعريضِ: قالَ الحنفيةُ: التعريضُ: أنْ يَذكرَ شَيئًا يَدلُّ على شيءٍ لم يَذكُرْه، وهو هنا أنْ يقولَ لها: «إنكِ لَجَميلةٌ، وإنكِ لَصالحةٌ، ومِن غَرَضي أنْ أتزوَّجَ، وإني فيكِ لَراغبٌ، وإني أُريدُ أنْ نَجتمعَ، وإني أُريدُ النكاحَ وأحِبُّ امرأةً صِفتُها كذا» فيَصفُها بالصِّفاتِ الَّتي فيها، أو يقولَ: «ليتَ لي مِثلَكِ، أو أرجُو أنْ يجمَعَ اللهُ بيني وبينَكِ» ونحوَ ذلكَ مِنْ الكَلامِ الدَّالِ على إرادةِ التزوُّجِ بها (١). وقال المالكية: التَّعريضُ: أنْ يقولَ الرَّجلُ للمرأةِ وهي في عدَّتِها مِنْ وفاةِ زَوجِها: «إنَّكِ عليَّ لَكريمةٌ، وأني فيكِ لَراغبٌ، وإنَّ اللهَ لَسائقٌ إليكِ خيرًا ورِزقًا، وأبشِري» ونحوَ هذا مِنْ القولِ. ويَجوزُ للرَّجلِ أنْ يُهديَ إلى المعتدَّةِ هَديةً في عدَّتِها؛ لأنَّ في الهديةِ مَودةً، ولا يكونُ كالتَّصريحِ بالخِطبةِ في العدَّةِ، بخِلافِ إجراءِ النَّفقةِ عليها، فإنْ أنفَقَ أو أهدَى ثمَّ تزوَّجَتْ غيْرَه لم يَرجعْ عليها بشيءٍ، ومثلُه

стр. 8386

لو أهدَى أو أنفَقَ لِمَخطوبةٍ غيرِ مُعتدةٍ ثم تزوَّجَتْ غيرَه، وسواءً كانَ الرُّجوعُ عن زواجِها مِنْ جهتِه أو مِنْ جهتِها (١). قالَ القُرطبيُّ ﵀: التَّعريضُ ضِدُّ التصريحِ، وهو إفهامُ المَعنيِّ بالشيءِ المُحتملِ له ولغيرِه؛ وهو مِنْ عُرضِ الشيءِ، وهو جانِبُه، كأنهُ يَحومُ به على الشَّيءِ ولا يُظهِرُه، ورُويَ في تفسيرِ التعريضِ ألفاظٌ كثيرةٌ جِماعُها يَرجعُ إلى قِسمينِ: الأولُ: أنْ يَذكرَها لوَليِّها، يقولُ له: «لا تَسبِقْني بها». والثَّاني: أنْ يُشيرَ بذلكَ إليها دُونَ واسِطةٍ فيقولَ لها: «إني أريدُ التَّزويجَ، أو إنكِ لَجميلةٌ، إنكِ لَصالحةٌ، إنَّ اللهَ لَسائقٌ إليكِ خَيرًا، إني فيكِ لَراغبٌ، ومَن يَرغَبُ عنكِ، إنكِ لَنافِقةٌ، وإنَّ حاجَتي في النِّساءِ، وإنْ يُقدِّرِ اللهُ أمرًا يكُنْ»، هذا هو تَمثيلُ مالكٍ وابنِ شِهابٍ. والهَديةُ إلى المعتدَّةِ جائِزةٌ، وهي مِنْ التَّعريضِ، قالَهُ سحنون وكثيرٌ مِنْ العُلماءِ (٢). وقالَ الشَّافعيةُ: التَّعريضُ: ما يَحتملُ الرَّغبةَ في النكاحِ وعدَمَها، وهو مأخوذٌ مِنْ عُرضِ الشَّيءِ، وهوَ جانِبُه؛ لأنهُ يُظهِرُ بعضَ ما يريدُه، كقَولِه: «أنتِ

стр. 8387

جميلةٌ، ورُبَّ راغبٍ فيكِ، ومَن يَجدُ مثلَكِ؟، ولَستِ بمَرغوبٍ عنكِ» (١). وقالَ الحَنابلةُ: التَّعريضُ: ما يُفهَمُ منه النكاحُ مع احتِمالِ غيرِه، مثلُ: «لا تَسبقِينا بنَفسِكِ، ولا تُفوِّتينا بنَفسكِ، وإني في مثلِكِ لَراغبٌ، وإذا حلَلْتِ فآذِنيني، وما أحوَجَني إلى مثلِكِ»، وتُجيبُه تَعريضًا: «ما يُرغَبُ عنكَ، وإن قُضيَ شيءٌ كانَ، وإنْ يَكُ مِنْ عندِ اللهِ يُمضِه» (٢). قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: والتَّعريضُ أنواعٌ، تارةً بذِكرِ صفاتِ نَفسِه، مثلَ ما ذُكرَ النبيِّ ﷺ لأمِّ سلَمةَ، وتارةً بذِكرِه لها صِفاتِ نَفسِها، وتارةً يَذكرُ لها طلَبًا لا بعَينِه، كقولِه: «رُبَّ راغبٍ فيكِ، وطالبٍ لكِ»، وتارةً يَذكرُ أنه طالِبٌ للنكاحِ، ولا يُعيِّنُها، وتارةً يَطلبُ منها ما يَحتملُ النكاحَ وغيرَه، كقوله: «إنْ قُضيَ شيءٌ كانَ»، ويَسوغُ لها الجوابُ بنحوِ ذلكَ (٣). ثالثًا: التَّعريضُ بخِطبةِ الرَّجعيةِ: أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنه لا يَحلُّ التعريضُ للمطلَّقةِ الرجعيةِ لغيرِ

стр. 8388

صاحبِ العدَّةِ؛ لأنها زوجةٌ أو في معنَى الزوجةِ، لا تَصريحًا ولا تَعريضًا؛ لأنَّ أحكامَ الزَّوجيةِ عليها جارِيةٌ، مِنْ وُجوبِ النفقةِ ووُقوعِ الطلاقِ والظِّهارِ مِنها، وأنهُما يَتوارثانِ إنْ ماتَ أحَدُهما، وتَعتدُّ عدَّةَ الوفاةِ إنْ ماتَ الزوجُ، ومتَى أرادَ الزوجُ رَجعتَها في العدَّةِ كانَتْ زوْجتَه، ولأنها مَجفوَّةٌ بالطلاقِ فقدْ تَكذبُ انتِقامًا. قالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: ولا يَجوزُ التعريضُ لخِطبةِ الرَّجعيةِ إجماعًا؛ لأنها كالزَّوجةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: الرَّجعيةُ لا يَحلُّ لأحَدٍ التعريضُ بخِطبتِها ولا التَّصريحُ؛ لأنها في حُكمِ الزَّوجاتِ، فهيَ كالَّتي في صُلبِ نكاحِه (٢). وقالَ الزَّركشيُّ ﵀: ويُستثنَى مِنْ التعريضِ الرَّجعيةُ، فإنه لا يَجوزُ أنْ يُعرَّضَ لخِطبتِها بلا نِزاعٍ؛ لأنها في حُكمِ الزَّوجةِ، وكذلكَ مُبانةٌ تُباحُ بعَقدٍ في وَجهٍ (٣).

стр. 8389

رابعًا: التَّعريضُ بالخِطبةِ للمطلَّقةِ البائنِ دونَ الثَّلاثِ كالمُختلِعةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التَّعريضِ للمطلَّقةِ البائنِ دونَ الثلاثِ، هل يَجوزُ أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ في مُقابِلِ الأظهرِ والحَنابلةُ في قولٍ إلى أنه لا يَجوزُ التعريضُ لها بالنكاحِ؛ لأنَّ في التعريضِ لها سَببًا في عَداوةٍ وبَغضٍ فيما بينَها وبينَ زَوجِها، وبينَ الزَّوجِ والخاطِبِ، ولأنَّ لزَوجِها أنْ يَنكحَها، فأشبَهَتِ الرَّجعيةَ (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ يَجوزُ التعريضُ للمُطلَّقةِ البائنِ. قالَ القُرطبيُّ ﵀: أمَّا مَنْ كانَتْ في عدَّةِ البَينونةِ فالصحيحُ جوازُ التَّعريضِ بخِطبتِها (٢). وقالَ ابنُ عَبدِ السَّلامِ ﵀: المَذهبُ جوازُ التَّعريضِ في كلِّ مُعتدَّةٍ، سواءٌ كانَتْ في عدِّةِ وفاةٍ أو طَلاقٍ (٣).

стр. 8390

قالَ الشَّافعيةُ: يَجوزُ التعريضُ لِبائنٍ بدُونِ الثَّلاثِ أو بفَسخٍ في الأظهَرِ؛ لعُمومِ الآيةِ، ولانقِطاعِ سُلطةِ الزَّوجِ عنها. وفي مُقابلِ الأظهَرِ: يَحرمُ؛ لأنَّ لصاحِبِ العدَّةِ أنْ يَنكحَها، فأشبَهَتِ الرَّجعيةَ. وسواءٌ أكانَتْ العدَّةُ بالأقراءِ أم بالأشهُرِ على الأصَحِّ. وقيلَ: إنْ كانَتْ بالأقراءِ حَرُمَ قَطعًا؛ لأنها قد تَكذبُ في انقِضاءِ العدَّةِ رَغبةً في الخاطِبِ .. وأمَّا البائِنُ بثَلاثٍ أو رَضاعٍ أو لِعانٍ فإنهُ يَصحُّ التَّعريضُ لها قَطعًا (١). وقالَ الحَنابلةُ: يَجوزُ التَّعريضُ بخِطبةِ معتدَّةٍ بائنٍ بغيرِ الثَّلاثِ، كالمُختلِعةِ والبائنِ بفَسخٍ لِعَيبٍ أو إعسارٍ ونحوِه، فلِزَوجِها التصريحُ بخِطبتِها والتَّعريضُ؛ لأنهُ يَحلُّ له نكاحُها في عدَّتِها؛ إذْ لا يُصانُ ماؤهُ عن مائِه، ولا يُخشَى اختِلاطُ نَسبِه بنَسبِ غيرِه. وهل يَحلُّ لغيرِه التَّعريضُ بخِطبتِها؟ فيهِ وَجهانِ: أصَحُّهما وهو المَذهبُ: يَحلُّ؛ لأنها بائِنٌ أشبَهَتِ المُطلَّقةَ ثلاثًا.

стр. 8391

والثَّاني: لا يَجوزُ؛ لأنَّ الزَّوجَ يَملكُ أنْ يَستبيحَها في عدَّتِها، فأشبَهَتِ الرجعيةَ (١). خامسًا: خِطبةُ المعتدَّةِ مِنْ نِكاحٍ فاسدٍ أو فَسخٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التَّعريضِ بخِطبةِ المُعتدَّةِ مِنْ نكاحٍ فاسدٍ أو فَسخٍ وشَبهِهما، كالمُعتدةِ مِنْ لِعانٍ أو عدَّةٍ أو المُستبرَأةِ مِنْ زنًا أو الَّتي فُرِّقَ بينَها وبينَ زَوجِها لعَيبٍ أو عُنَّةٍ، هل يَجوزُ التعريضُ لها في العدَّةِ أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ وبعضُ الحَنفيةِ -في الجُملةِ- إلى أنهُ يَجوزُ التَّعريضُ لهنَّ في العدَّةِ؛ لعُمومِ قولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾، فأباحَ اللهُ التَّعريضَ بالنكاحِ في العدَّةِ مُطلَقًا، وقِياسًا على المُطلَّقةِ ثلاثًا، ولأنَّ سلطنةَ الزَّوجِ قدِ انقطَعَتْ عنها. قالَ المالِكيةُ: الُمستبرأةُ مِنْ زنًا منهُ أو مِنْ غيرِه أو مِنْ غَصبٍ أو مِنْ مِلكٍ أو شُبهة مِلكٍ أو مِنْ شُبهةِ نكاحٍ حُكمُها حُكمُ المعتدَّةِ مِنْ طَلاقٍ أو وفاةٍ في تَحريمِ التَّصريحِ في العدَّةِ وجوازِ التعريضِ (٢). قالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ ﵀: المَذهبُ جوازُ التَّعريضِ في كلِّ مُعتدَّةٍ (٣).

стр. 8392

وقالَ الشَّافعيةُ: لا يَحلُّ التَّصريح لمُعتدَّةٍ، بائنًا كانَتْ أو رَجعيةً بطَلاقٍ أو فَسخٍ أو انفِساخٍ أو مَوتٍ أو مُعتدَّةً من شبهةٍ. ويَحلُّ تَعريضٌ لبائِنٍ بفَسخٍ أو رِدَّةٍ أو طلاقٍ في الأظهَرِ؛ لعُمومِ الآيةِ ولانقطاعِ سَلطنةِ الزَّوجِ عنها. والثَّاني: المَنعُ. وأمَّا البائنُ بثَلاثٍ أو رَضاعٍ أو لِعانٍ فإنهُ يصحُّ التَّعريضُ لها قَطعًا. وهذا في غيرِ صاحِبِ العدَّةِ الَّذي يَحلُّ له نكاحُها فيها، أمَّا هو فيَحلُّ له التَّعريضُ والتصريحُ، وأمَّا مَنْ لا يَحلُّ له نكاحُها فيها -كما لو طلَّقَها بائِنًا أو رَجعيًّا فوَطئَها أجنبيٌّ بشُبهةٍ في العدَّةِ فحَملَتْ منهُ فإنَّ عدَّةَ الحَمْلِ تُقدَّمُ، فلا يَحلُّ لصاحبِ عدَّةِ الشُّبهةِ أنْ يَخطبَها؛ لأنهُ لا يَجوزُ له العَقدُ عليها حِينئذٍ (١). وقالَ الحَنابلةُ: يَجوزُ التَّعريضُ في عدَّةِ الوفاةِ والبائنِ بطَلاقٍ ثَلاثٍ والبائنِ بغيرِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ كالمُختلِعةِ والمطلَّقةِ على عِوضٍ والبائنِ بفَسخ لعُنَّةٍ وعَيبٍ وإعسارٍ ورَضاعٍ ونحوِه؛ لقولِه تعالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (٢).

стр. 8393

قالَ الإمامُ ابنُ مُفلحٍ ﵀: فأمَّا البائنُ بغَيرِ الثَّلاثِ كالمُختلِعةِ والبائنُ بفَسخٍ لعَيبٍ أو إعسارٍ ونحوِه فلزَوجِها التصريحُ بخِطبتِها والتَّعريضُ؛ لأنهُ مُباحٌ له نكاحُها في عدِّتِها. وهل يَجوزُ في عدَّةِ البائنِ بغيرِ الثَّلاثِ؟ على وَجهينِ: أحَدُهما: يَجوزُ؛ لعُمومِ الآيةِ وكالمطلَّقةِ ثلاثًا. والثَّاني: لا، وجزَمَ به في «الوَجِيز»؛ لأنَّ الزَّوجَ يَملكُ أنْ يَستبيحَها، أشبَهَتِ الرَّجعيةَ (١). أمَّا الحَنفيةُ فقالَ الإمامُ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: واعلَمْ أنَّ كلامَه صَريحٌ في جوازِ التَّعريضِ لكُلِّ مُعتدَّةٍ، وليسَ بالواقعِ، بل خاصٌّ بالمُتوفَّى عنها زَوجُها، أمَّا المطلَّقةُ فلا يَجوزُ التَّعريضُ لها بالإجماعِ؛ لأنها لا تَخرجُ، فلا يَتمكَّنُ مِنْ التَّعريضِ على وَجهٍ لا يَخفى على النَّاسِ، وكذا في «المِعْراج» مَعزيًّا إلى «شَرح التَّأويلاتِ»، ثمَّ نقَلَ عنِ «اليَنابيعِ»: ولا يَجوزُ التَّعريضُ في عدَّةِ الطَّلاقِ؛ لإفضائِه إلى عَداوةِ المُطلِّقِ، ولم أَرَ حُكمَ المُعتدَّةِ مِنْ عِتقٍ أو نِكاحٍ فاسدٍ أو وَطءٍ بشُبهةٍ، ومُقتضَى التَّعليلِ أنْ يَجوزَ (٢).

стр. 8394

وقالَ الحَصكفيُّ ﵀: (وصَحَّ التعريضُ) كأريدُ التزوُّجَ، (لو مُعتدَّةَ الوَفاةِ) لا المُطلَّقةَ إجماعًا؛ لإفضائِه إلى عَداوةِ المطلِّقِ، ومَفادُه جَوازُه لمُعتدَّةِ عِتقٍ ونكاحٍ فاسدٍ ووَطءِ شُبهةٍ «نَهرٌ»، لكنْ في القُهُستانِيِّ عنِ المُضمَراتِ أنَّ بناءَ التعريضِ على الخروجِ (١). قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قولُه: (ومَفادُه) أي: مَفادُ التَّعليلِ حَيثُ قُيِّدَ بعَداوةِ المطلِّقِ، والضَّميرُ في جَوازِه للتعريضِ، وبه يُفرَّقُ بينَ الخِطبةِ والتَّعريضِ، أي: لِمَا قدَّمَه الشارحُ أنهُ لا يَجوزُ خِطبةُ معتدَّةِ عِتقٍ ونكاحٍ فاسدٍ. قولُه: (لكنْ في القُهستانِيِّ .. إلخ) عِبارتُه هكذا، ولم يُوجَدْ نَصٌّ في مُعتدَّةِ عِتقٍ ومعتدَّةِ وطءٍ بالشُّبهةِ وفُرقةٍ ونكاحٍ فاسدٍ؛ وينبغِي أنْ يُعرِّضَ للأُوليَينِ بخِلافِ الأُخريَينِ. ففِي «الظَّهيريَّة»: لا يَجوزُ خُروجُهما منَ البيتِ، بخِلافِ الأُوليَينِ، وفي المُضمَراتِ أنَّ بناءَ التَّعريضِ على الخُروجِ. اه وحاصِلُه أنَّ الأُوليَينِ -أي مُعتدَّةَ العِتقِ ومعتدَّةَ وَطءِ الشُّبهةِ- يَجوزُ أنْ يُعرِّضَ لهُما؛ لجَوازِ خُروجِهما مِنْ بيتِ العدِّةِ، بخلافِ مُعتدَّةِ الفُرقةِ -أي الفَسخِ- ومُعتدَّةِ النكاحِ الفاسِدِ؛ فلا يَجوزُ التَّعريضُ لهُما؛ لعَدمِ جوازِ خُروجِهما، فإنَّ جوازَ التعريضِ مَبنيٌّ على جَوازِ الخُروجِ؛ إذ لا يُتمكَّنُ مِنْ

стр. 8395

التَّعريضِ لمَن لا تَخرجُ، لكنْ نصَّ في «كافِي الحاكِمِ» على جَوازِ خُروجِ مُعتدَّةِ العتقِ والنكاحِ الفاسدِ، نعمْ يُشكِلُ ذلكَ في معتدَّةِ العتقِ؛ فإنكَ عَلمْتَ ممَّا مَرَّ تعليلَ حُرمةِ التَّعريضِ بإفضائِه إلى عَداوةِ المطلِّقِ، ومُعتدَّةُ العتقِ فيها ذلكَ؛ فإنَّ سيِّدَها الَّذي أعتَقَها وهيَ أمُّ ولَدِه إذا كانَ مُرادُه تزوُّجَها مِنْ نَفسِه يُعادِي مَنْ نازَعَه في ذلكَ أكثَرَ، إلَّا أنْ يُريدَ بمعتدَّةِ العتقِ الَّتي ماتَ عنها سيِّدُها، فلا يُشكِلُ؛ لكَونِها معتدَّةَ وفاةٍ. هذا وقد سقَطَتْ مُعتدَّةُ العتقِ مِنْ نُسخةِ القُهستانِيِّ الَّتي وقَعَتْ للمُحَشِّي، فحُمِلَ كلامُه على غيرِ المُرادِ، فافهَمْ (١). سادسًا: حُكمُ المرأةِ في التَّصريحِ والتَّعريضِ كالرَّجلِ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّ حُكمَ المرأةِ في التصريحِ والتعريضِ كالرَّجلِ في الخِطبةِ فيما يَحلُّ ويَحرمُ؛ لأنَّ الخِطبةَ للعَقدِ، فلا يَختلفانِ في حِلِّه وحُرمتِه. فيَحرمُ عليها أنْ تُصرِّحَ في عدَّةِ وفاةٍ أو طَلاقٍ، ويَجوزُ لها التعريضُ، فكُلُّ عدَّةٍ يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يُصرِّحَ فيها جازَ لها أنْ تُصرِّحَ بالخِطبةِ للغيرِ فيها، وكلُّ مَوضعٍ حَرُمَ على الرَّجلِ التَّصريحُ فيهِ حَرُمَ عليها التَّصريحُ فيهِ، وكلُّ مَوضعٍ جازَ للرَّجلِ أنْ يُعرِّضَ بالخِطبةِ فيه جازَ لها أنْ تُعرِّضَ بالخِطبةِ فيه وأنْ تُعرِّضَ بالإجابةِ عنِ الخِطبةِ فيه. فيَجوزُ للمرأةِ البائنِ أنْ تُعرِّضَ بخِطبتِها إذا كانَتْ مُعتدَّةً مِنْ وفاةٍ أو

стр. 8396

طِلاقٍ باتٍّ، ولا يَجوزُ لها التَّصريحُ، ويَحرمُ عليها التصريحُ والتعريضُ إذا كانَتْ مطلَّقةً رَجعيةً لغيرِ مَنْ تَحلُّ له (١). سابعًا: حكمُ خِطبةِ المتزوِّجِ مِنْ أربَعٍ أو المُطلِّقِ الرابعةَ طلاقًا رجعيًّا: نَصَّ فُقهاءُ الشَّافعيةِ على أنَّ الرَّجلَ إذا كانَ تحتَه أربَعُ نِسوةٍ فلا يَجوزُ له خِطبةُ خامِسةٍ، وإنْ طلَّقَ واحِدةً منهنَّ وكانَتْ في عدَّتِها فلا يَجوزُ له خِطبةُ امرأةٍ أُخرى حتَّى تَنقضيَ عدَّةُ المطلَّقةِ. قالَ الشَّافعيةُ: لا بُدَّ أنْ يَحلَّ له نِكاحُ المَخطوبةِ، فلو كانَ تحتَه أربَعٌ حَرُمَ أنْ يَخطبَ خامِسةً، كما نَصَّ عليهِ الماوَرديُّ، وكذا يَحرمُ خِطبةُ مَنْ يَحرمُ الجَمعُ بينَها وبينَ زَوجتِه كأختِها وعمَّتِها وخالتِها في العدَّةِ، وكذا ثانيةُ السَّفيهِ وثالثةُ العَبدِ كما قالَه ابنُ النَّقيبِ. لكنَّ الإمامَ البَلقينيَّ ﵀ خالَفَ في هذا، وقالَ فيمَن في نكاحِه أربَعٌ: لم أقِفْ على نَقلٍ، والأقرَبُ الجوازُ إذا كانَ القَصدُ أنها إذا أجابَتْ أبانَ واحِدةً، قالَ: وقياسُه يَجري في زَوجٍ يَخطبُ أختَ زوْجتِه. قالَ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ ﵀: وهوَ مُتجِهٌ، أي: بَحثُ الحِلِّ (٢).

стр. 8397

وقالَ البجيرمِيُّ ﵀: ويَجوزُ للرَّجلِ خِطبةُ خامسةٍ وأختِ الزَّوجةِ إذا عزَمَ على إزالةِ المانعِ عندَ الإجابةِ، كما صرَّحَ به البلقينيُّ، وهو المُعتمَدُ شَوبَريٌّ. ولو خطَبَ خَمسًا دُفعةً واحدةً فأَذِنَّ، أو مُرتَّبًا بأنْ خطَبَ كلَّ واحِدةٍ على وَحدِها وأُجيبَ صَريحًا لم يَحلَّ لأحَدٍ خِطبةُ واحدةٍ منهنَّ حتَّى يَتركَها الأولُ أو يَعقِدَ على أربعةٍ فتَحلُّ الخامِسةُ (١). وأمَّا سائرُ الفُقهاءِ فتكلَّمُوا على حُكمِ النكاحِ ولم يَتطرَّقوا إلى الخِطبةِ، وإنْ كانَ الحُكمُ عندَ مَنْ يقولُ أنهُ لا يَجوزُ له النكاحُ في العدَّةِ يَجوزُ له أنْ يَخطبَ، ومَن قالَ: «لا يَجوزُ نكاحُ الخامِسةِ أو أختِ الزَّوجةِ حتَّى تَنقضيَ عدَّتُها» يَقولُ بعدمِ جوازِ الخِطبةِ، واللهُ أعلَمُ. فأجمَعُوا أنه لا يَجوزُ لمَن تحتَه أربَعُ نِسوةٍ وطلَّقَ إحداهُنَّ طلاقًا رجعيًّا أنْ يتزوَّجَ مِنْ خامِسةٍ حتَّى تنقضيَ عدَّتُها، وكذا مَنْ طلَّقَ امرأتَه طلاقًا رَجعيًّا فلا يَجوزُ له أنْ يتزوَّجَ مِنْ أختِها حتَّى تَنقضيَ عدَّتُها. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ الرَّجلَ إذا طلَّقَ المرأةَ طلاقًا يَملكُ الرَّجعةَ أنهُ ليسَ له أنْ يَنكحَ أختَها أو رابِعةً سِواها حتَّى تَنقضيَ عدَّةُ المُطلَّقةِ (٢).

стр. 8398

واختَلفُوا فيمَن طلَّقَ واحِدةً منهنَّ طلاقًا بائنًا، هل له أنْ يَنكحَ وهي ما زالَتْ في عدَّتِها؟ أم لا بُدَّ مِنْ انتهاءِ العدَّةِ؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ إلى أنهُ يَجوزُ له إذا كانَ تحتَه أربَعُ نِسوةٍ وطلَّقَ واحِدةً طلاقًا بائنًا فلهُ أنْ يتزوَّجَ مِنْ أُخرى وإنْ كانَتْ هذهِ ما زالَتْ في عدَّتِها (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يَنكحَ حتَّى تَنقضيَ عدَّةُ الَّتي طلَّقَها، ولا أنْ يتزوَّجَ أختَها (٢). وستأتي المَسألةُ مُفصَّلةً في الرُّكنِ الرَّابعِ مِنْ أركانِ النكاحِ (الزَّوجانِ). ثامنًا: خِطبةُ المُحرِمِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ خِطبةِ المُحرِمِ، هل تُكرَهُ أم تَحرمُ أم تَجوزُ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنهُ يُكرهُ خِطبةُ المُحرمِ كراهةً تَنزيهٍ؛ لِما رواهُ مُسلمٌ عن نافعٍ عنِ نُبَيهِ بنِ وَهبٍ أنَّ عُمرَ بنَ عُبيدِ اللهِ أرادَ أنْ يُزوِّجَ طَلحةَ بنَ عُمرَ بنتَ شَيبةَ بنِ جُبيرٍ، فأرسَلَ إلى أبانَ بنِ عُثمانَ يَحضرُ ذلكَ وهو أميرُ الحَجِّ، فقالَ أبانُ: سَمعْتُ عُثمانَ بنَ عفَّانَ يقولُ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَنْكِحُ المُحرِمُ ولا

стр. 8399

يُنكَحُ ولا يَخطُبُ» (١)، قالَ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا قولُه ﷺ : «ولا يَخطُبُ» فهو نهيُ تنزيهٍ ليسَ بحَرامٍ، وكذلكَ يُكرهُ للمُحرمِ أنْ يكونَ شاهِدًا في نكاحٍ عقَدَه المُحِلُّونَ، وقالَ بعضُ أصحابِنا: لا يَنعقدُ بشَهادتِه؛ لأنَّ الشَّاهدَ رُكنٌ في عقدِ النكاحِ كالوليِّ، والصَّحيحُ الَّذي عليهِ الجُمهورُ انعقادُه (٢). قالَ ابنُ حَجرٍ الهَيثميُّ ﵀: تَصريحُهم بكراهةِ خِطبةِ المُحرِمِ مع حُرمةِ نكاحِه مَحلُّه حيثُ لم يَخطبْها لِيَنكحَها مع الإحرامِ، وإلَّا حَرُمتْ، وكذا يقالُ في خِطبةِ الحَلالِ للمُحرِمةِ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: قولُه: «ولا يَخطُبُ» على أنهُ قد صرَّحَ في «شَرح دُررِ البحارِ» بأنَّ النهيَ للتنزيهِ، وقولُ «الكَنز»: «وحَلَّ تَزوُّجُ الكتابيَّةِ والصابِئةِ والمُحرِمةِ» صَريحٌ في ذلكَ؛ فإنَّ المكروهَ تَحريمًا لا يَحلُّ، فافهَمْ (٤).

стр. 8400

وقالَ المِرداويُّ ﵀: تُكرهُ خِطبةُ المُحرمِ كخطبةِ العقدِ وشُهوده على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، وقالَ ابنُ عَقيلٍ: يَحرمُ ذلكَ؛ لتَحريمِ دواعِي الجِماعِ، وأطلَقَ أبو الفرَجِ الشِّيرازيُّ تَحريمَ الخِطبةِ (١). وذهَبَ ابنُ عَقيلٍ مِنْ الحَنابلةِ وشيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى أنهُ يَحرمُ خِطبةُ المُحرمِ؛ لتَحريمِ دَواعِي الجِماعِ. قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: إذا خطَبَ المُحرمُ امرأةً لنَفسِه وتزوَّجَها بعدَ الحِلِّ، أو خطَبَها لرَجلٍ حَلالٍ، أو خُطبَتِ المُحرِمةُ لمَن يتزوَّجُها بعدَ الحِلِّ؛ فقالَ القاضي وابنُ عَقيلٍ في بعضِ المَواضعِ وأبو الخطَّابِ وكثيرٌ مِنْ أصحابِنا: تُكرهُ الخِطبةُ ولا تَحرمُ، ويَصحُّ العقدُ في هذهِ الصُّورِ. وقالَ ابنُ عقيلٍ في مَوضعٍ: لا يَحلُّ له أنْ يَخطبَ ولا يَشهَدَ، وهذا قِياسُ المَذهبِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عنِ الجَميعِ نهيًا واحِدًا ولم يُفصِّلْ، ومُوجَبُ النهيِ التَّحريمُ، وليسَ لنا ما يُعارِضُ ذلكَ مِنْ أثَرٍ ولا نَظرٍ، بل رُويَ ما يُؤكِّدُ ذلكَ، فعَن نافعٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ قالَ: «لا يَصلحُ للمُحرِمُ أنْ يَخطبَ ولا يَنْكِحَ ولا يَخطبَ على غَيرِه ولا يُنكِحَ غيْرَه» رواهُ حَربٌ،

стр. 8401

ولأنَّ الخِطبةَ مُقدِّمةُ النكاحِ وسَببٌ إليهِ، كما أنَّ العقدَ سببٌ للوَطءِ، والشَّرعُ قد منَعَ مِنْ ذلكَ كلِّه حَسمًا للمادةِ، ولأنَّ الخِطبةَ كَلامٌ في النكاحِ وذِكرٌ لهُ، ورُبَّما طالَ فيه الكلامُ وحَصلَ بها أنواعٌ مِنْ ذِكرِ النِّساءِ، والمُحرِمُ مَمنوعٌ مِنْ ذلكَ كلِّه، ولأنَّ الخِطبةَ تُوجِبُ تَعلُّقَ القلبِ بالمَخطوبةِ واستِثقالَ الإحرامِ والتعجُّلَ إلى انقِضائِه لتَحصيلِ مَقصودِ الخِطبةِ، كما يَقتضِي العَقدُ تعلُّقَ القلبِ بالمَنكوحةِ، ولهذا مُنعَتِ المُعتدَّةُ أنْ تُخطَبَ، كما مُنعتْ أنْ تُنكَحَ، ونُهيَ الرَّجلُ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ أخيهِ، كما نُهيَتِ المَرأةُ أنْ تَسألَ طَلاقَ أختِها. فأمَّا الشَّهادةُ فقدْ سَوَّى كَثيرٌ مِنْ أصحابِنا بينَها وبينَ الخِطبةِ كَراهةً وحَظرًا، وقالَ القاضي في «المُجرَّد»: لا يُمنَعُ مِنْ الشَّهادةِ على عَقدِ النِّكاحِ؛ لأنه لا فِعلٌ لهُ، فهو كالخاطِبِ أنَّ الشَّهادةَ لا تُكرَهُ مُطلَقًا؛ إذْ لا نَصَّ فيها ولا هيَ في معنَى المَنصوصِ (١). أمَّا الحَنفيةُ فإنهُم يَرَونَ جوازَ نكاحِ المُحرِمِ -كما سيأتي مُفصَّلًا-، فكذلكَ خِطبتُه (٢). وأمَّا المالِكيةُ فقالَ ابنُ الحاجِّ المالِكيُّ ﵀: وإنْ سَعَى المُحرِمُ في عَقدِ النكاحِ بسِفارةِ حَلالٍ أو سَعى فيهِ بنَفسِه وأكمَلَ العَقدَ بعدَ أنْ حَلَّ قالَ

стр. 8402

الباجي: لم أَرَ فيهِ نَصًّا، وعندِي أنهُ قد أساءَ، والنِّكاحُ لا يُفسَخُ، وبهذا جزَمَ ابنُ الحاجِّ في مَناسِكِه. وكذلكَ الحُكمُ إذا تَولَّى خُطبةَ النكاحِ -بضَمِّ الخاءِ المُعجَمةِ- وتَولَّى العقدَ غيرُه. وكذلكَ حُضورُه عقْدَ النِّكاحِ، قالَهُ أشهَبُ، وقالَ أصبَغُ: لا شيءَ عليهِ (١). تاسعًا: حُكمُ الخِطبةِ على خِطبةِ الغَيرِ: الخِطبةُ على خِطبةِ الغيرِ لا تَخلو مِنْ أربعةِ أحوالٍ: إمَّا أنْ تكونَ بعدَ الرُّكونِ إلى الخاطِبِ الأوَّلِ والإذنِ لهُ في نكاحِها. وإمَّا أنْ تُمسِكَ عن خِطبتِها، فلا يكونُ منها إذنٌ ولا رضًا، ولا يكونُ منها رَدٌّ ولا كَراهيةٌ. وإمَّا أنْ يَظهرَ منها الرِّضا بالخاطِبِ ولا تأذَنَ في العَقدِ، وذلكَ بأنْ تُقرِّرَ صَداقَها أو بشَرطِ ما تُريدُ مِنْ الشُّروطِ لنَفسِها. وإمَّا أنْ تَرُدَّ خِطبتَه ولا تأذَنُ في نكاحِه، أو يَتركَ خِطبتَها. الحالَةُ الأُولى: أنْ تكونَ خِطبةُ الغَيرِ بعدَ رُكونِ المَخطوبةِ للخاطِبِ الأولِ، وأنْ تأذَنَ له في نِكاحِها: أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا خطَبَ امرأةً وركَنَتْ إليهِ وأذِنَتْ له ورَضيَتْ بخِطبتِه، أو أذنَتْ لوليِّها في إجابتِه أو تَزويجِه ولم يَكنْ فاسِقًا

стр. 8403

فلا يَجوزُ لآخَرَ أنْ يَتقدَّمَ لخِطبتِها؛ لِما رواهُ نافعٌ أنَّ ابنَ عُمرَ ﵄ كانَ يقولُ: «نَهَى النبيُّ ﷺ أنْ يَبيعَ بَعضُكم على بَيعِ بعضٍ، ولا يَخطُبَ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ حتَّى يَتركَ الخاطِبُ قبلَه أو يأذَنَ له الخاطِبُ» (١). وفي رِوايةٍ عنِ ابنِ عُمرَ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «لا يَبِعْ بعضُكُم على بَيعِ بعضٍ، ولا يَخطُبْ بعضُكم على خِطبةِ بعضٍ» (٢). وعن أبي هُريرةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «إيَّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظّنَّ أكذَبُ الحَديثِ، ولا تَجسَّسُوا ولا تَحسَّسُوا ولا تَباغَضُوا، وكُونوا إخوانًا، ولا يَخطُبِ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ حتَّى يَنْكِحَ أو يَتركَ» (٣). وعَن عبدِ الرَّحمنِ بنِ شمَاسةَ أنهُ سَمعَ عُقبةَ بنَ عامرٍ على المِنبَرِ يَقولُ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «المُؤمِنُ أخو المُؤمنِ، فلا يَحلُّ للمُؤمِنِ أنْ يَبتاعَ على بَيعِ أخيهِ، ولا يَخطُبَ على خِطبةِ أخيهِ حتَّى يَذَرَ» (٤). وذلكَ حِفظًا للأُلفةِ ومَنعًا مِنْ الفَسادِ وحَسمًا للتَّقاطعِ، ولأنَّ في ذلكَ إفسادًا على الخاطِبِ الأول، وإيقاعَ العَداوةِ بينَ الناسِ وإضرارًا به؛ لأنَّها ربَّما مالَتْ إلى الثاني وترَكَتِ الأولَ (٥).

стр. 8404

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّ قَومًا حمَلُوا النهيَ على الكَراهةِ، والأولُ أَولى (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ بعدَ ذِكرِ هذهِ الأحاديثِ: هذهِ الأحادِيثُ ظاهِرةٌ في تَحريمِ الخِطبةِ على خِطبةِ أخيهِ، وأجمَعُوا على تَحريمَها إذا كانَ قد صُرِّحَ للخاطِبِ بالإجابةِ ولم يأذَنْ ولم يَتركْ، فلو خطَبَ على خِطبتِه وتزوَّجَ والحالَةُ هذهِ عَصَى وصَحَّ النكاحُ ولم يُفسَخْ، هذا مَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ، وقالَ داودُ: يُفسَخُ النكاحُ، وعن مالِكٍ رِوايتانِ كالمَذهبَينِ، وقالَ جَماعةٌ مِنْ أصحابِ مالكٍ: يُفسخُ قبلَ الدُّخولِ لا بعدَه (٢). وسُئلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن رَجلٍ خطَبَ ابنةَ رَجلٍ مِنْ العُدولِ، واتَّفقَ معهُ على المَهرِ منهُ عاجِلٌ ومنهُ آجِلٌ، وأوصَلَ إلى والِدِها المُعجَّلَ مِنْ مدَّةِ أربعِ سِنينَ وهو يُواصِلُهم بالنَّفقةِ، ولم يكُنْ بينَهُم مُكاتَبةٌ، ثمَّ بعدَ هذا جاءَ رَجلٌ فخَطَبها وزادَ عليهِ في المَهرِ ومنَعَ الزَّوجَ الأولَ. فأجابَ: لا يَحلُّ للرَّجلِ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ أخيهِ إذا أُجيبَ إلى النكاحِ وركَنُوا إليهِ باتِّفاقِ الأئمَّةِ، كما ثبَتَ عنِ النبيِّ ﷺ أنهُ قالَ:

стр. 8405

«لا يَحلُّ للرَّجلِ أنْ يَخطُبَ على خِطبةِ أخيهِ»، وتَجبُ عُقوبةُ مَنْ فعَلَ ذلكَ وأعانَ عليهِ عُقوبةً تَمنعُهم وأمثالَهم عن ذلكَ، وهل يَكونُ نكاحُ الثَّاني صَحيحًا أو فاسِدًا؟ فيه قولانِ للعُلماءِ في مَذهبِ مالكٍ وأحمَدَ وغَيرِهما (١). وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قالَ الجُمهورُ: هذا النهيُ للتحريمِ، وقالَ الخطَّابيُّ: هذا النهيُ للتأدِيبِ وليسَ بنَهيِ تَحريمٍ يُبطِلُ العقدَ عِند أكثرِ الفُقهاءِ، كذا قالَ، ولا مُلازَمةَ بينَ كونِه للتَّحريمِ وبينَ البُطلانِ عندَ الجُمهورِ؛ بل هو عندَهم للتحريمِ ولا يَبطلُ العَقدُ، بل حكَى النَّوويُّ أنَّ النَّهيَ فيه للتَّحريمِ بالإجماعِ (٢). ومَحلُّ الحُرمةِ إذا كانَ الخاطِبُ الأوَّلُ عَدلًا، فإنْ كانَ فاسِقًا فاختَلفَ الفُقهاءُ فيهِ؛ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنهُ لا يَجوزُ أيضًا؛ لعُمومِ الأحاديثِ، سواءٌ كانَ الأولُ كفئًا أو غيرَ كُفءٍ. وذهَبَ المالكيةُ في الصَّحيحِ عِندَهم إلى أنهُ يَجوزُ أنْ يَخطبَها آخَرُ إنْ كانَ الأولُ فاسِقًا، فإنْ خِطبتَها لا تَحرُمُ إذا كانَ الثَّاني صالحًا أو مجهولًا، وإلَّا حَرُمَ، وينبغِي للوليِّ أنْ يَحُضَّها على تزويجِ الصَّالحِ الذي يُعلمُها الخيرَ ويُعِينُها عليهِ (٣).
следующие страницы →