← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

ولأنَّ الخِطبةَ مُقدِّمةُ النكاحِ وسَببٌ إليهِ، كما أنَّ العقدَ سببٌ للوَطءِ، والشَّرعُ قد منَعَ مِنْ ذلكَ كلِّه حَسمًا للمادةِ، ولأنَّ الخِطبةَ كَلامٌ في النكاحِ وذِكرٌ لهُ، ورُبَّما طالَ فيه الكلامُ وحَصلَ بها أنواعٌ مِنْ ذِكرِ النِّساءِ، والمُحرِمُ مَمنوعٌ مِنْ ذلكَ كلِّه، ولأنَّ الخِطبةَ تُوجِبُ تَعلُّقَ القلبِ بالمَخطوبةِ واستِثقالَ الإحرامِ والتعجُّلَ إلى انقِضائِه لتَحصيلِ مَقصودِ الخِطبةِ، كما يَقتضِي العَقدُ تعلُّقَ القلبِ بالمَنكوحةِ، ولهذا مُنعَتِ المُعتدَّةُ أنْ تُخطَبَ، كما مُنعتْ أنْ تُنكَحَ، ونُهيَ الرَّجلُ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ أخيهِ، كما نُهيَتِ المَرأةُ أنْ تَسألَ طَلاقَ أختِها. فأمَّا الشَّهادةُ فقدْ سَوَّى كَثيرٌ مِنْ أصحابِنا بينَها وبينَ الخِطبةِ كَراهةً وحَظرًا، وقالَ القاضي في «المُجرَّد»: لا يُمنَعُ مِنْ الشَّهادةِ على عَقدِ النِّكاحِ؛ لأنه لا فِعلٌ لهُ، فهو كالخاطِبِ أنَّ الشَّهادةَ لا تُكرَهُ مُطلَقًا؛ إذْ لا نَصَّ فيها ولا هيَ في معنَى المَنصوصِ (١). أمَّا الحَنفيةُ فإنهُم يَرَونَ جوازَ نكاحِ المُحرِمِ -كما سيأتي مُفصَّلًا-، فكذلكَ خِطبتُه (٢). وأمَّا المالِكيةُ فقالَ ابنُ الحاجِّ المالِكيُّ ﵀: وإنْ سَعَى المُحرِمُ في عَقدِ النكاحِ بسِفارةِ حَلالٍ أو سَعى فيهِ بنَفسِه وأكمَلَ العَقدَ بعدَ أنْ حَلَّ قالَ

стр. 8402

الباجي: لم أَرَ فيهِ نَصًّا، وعندِي أنهُ قد أساءَ، والنِّكاحُ لا يُفسَخُ، وبهذا جزَمَ ابنُ الحاجِّ في مَناسِكِه. وكذلكَ الحُكمُ إذا تَولَّى خُطبةَ النكاحِ -بضَمِّ الخاءِ المُعجَمةِ- وتَولَّى العقدَ غيرُه. وكذلكَ حُضورُه عقْدَ النِّكاحِ، قالَهُ أشهَبُ، وقالَ أصبَغُ: لا شيءَ عليهِ (١). تاسعًا: حُكمُ الخِطبةِ على خِطبةِ الغَيرِ: الخِطبةُ على خِطبةِ الغيرِ لا تَخلو مِنْ أربعةِ أحوالٍ: إمَّا أنْ تكونَ بعدَ الرُّكونِ إلى الخاطِبِ الأوَّلِ والإذنِ لهُ في نكاحِها. وإمَّا أنْ تُمسِكَ عن خِطبتِها، فلا يكونُ منها إذنٌ ولا رضًا، ولا يكونُ منها رَدٌّ ولا كَراهيةٌ. وإمَّا أنْ يَظهرَ منها الرِّضا بالخاطِبِ ولا تأذَنَ في العَقدِ، وذلكَ بأنْ تُقرِّرَ صَداقَها أو بشَرطِ ما تُريدُ مِنْ الشُّروطِ لنَفسِها. وإمَّا أنْ تَرُدَّ خِطبتَه ولا تأذَنُ في نكاحِه، أو يَتركَ خِطبتَها. الحالَةُ الأُولى: أنْ تكونَ خِطبةُ الغَيرِ بعدَ رُكونِ المَخطوبةِ للخاطِبِ الأولِ، وأنْ تأذَنَ له في نِكاحِها: أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا خطَبَ امرأةً وركَنَتْ إليهِ وأذِنَتْ له ورَضيَتْ بخِطبتِه، أو أذنَتْ لوليِّها في إجابتِه أو تَزويجِه ولم يَكنْ فاسِقًا

стр. 8403

فلا يَجوزُ لآخَرَ أنْ يَتقدَّمَ لخِطبتِها؛ لِما رواهُ نافعٌ أنَّ ابنَ عُمرَ ﵄ كانَ يقولُ: «نَهَى النبيُّ ﷺ أنْ يَبيعَ بَعضُكم على بَيعِ بعضٍ، ولا يَخطُبَ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ حتَّى يَتركَ الخاطِبُ قبلَه أو يأذَنَ له الخاطِبُ» (١). وفي رِوايةٍ عنِ ابنِ عُمرَ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «لا يَبِعْ بعضُكُم على بَيعِ بعضٍ، ولا يَخطُبْ بعضُكم على خِطبةِ بعضٍ» (٢). وعن أبي هُريرةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «إيَّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظّنَّ أكذَبُ الحَديثِ، ولا تَجسَّسُوا ولا تَحسَّسُوا ولا تَباغَضُوا، وكُونوا إخوانًا، ولا يَخطُبِ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ حتَّى يَنْكِحَ أو يَتركَ» (٣). وعَن عبدِ الرَّحمنِ بنِ شمَاسةَ أنهُ سَمعَ عُقبةَ بنَ عامرٍ على المِنبَرِ يَقولُ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «المُؤمِنُ أخو المُؤمنِ، فلا يَحلُّ للمُؤمِنِ أنْ يَبتاعَ على بَيعِ أخيهِ، ولا يَخطُبَ على خِطبةِ أخيهِ حتَّى يَذَرَ» (٤). وذلكَ حِفظًا للأُلفةِ ومَنعًا مِنْ الفَسادِ وحَسمًا للتَّقاطعِ، ولأنَّ في ذلكَ إفسادًا على الخاطِبِ الأول، وإيقاعَ العَداوةِ بينَ الناسِ وإضرارًا به؛ لأنَّها ربَّما مالَتْ إلى الثاني وترَكَتِ الأولَ (٥).

стр. 8404

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّ قَومًا حمَلُوا النهيَ على الكَراهةِ، والأولُ أَولى (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ بعدَ ذِكرِ هذهِ الأحاديثِ: هذهِ الأحادِيثُ ظاهِرةٌ في تَحريمِ الخِطبةِ على خِطبةِ أخيهِ، وأجمَعُوا على تَحريمَها إذا كانَ قد صُرِّحَ للخاطِبِ بالإجابةِ ولم يأذَنْ ولم يَتركْ، فلو خطَبَ على خِطبتِه وتزوَّجَ والحالَةُ هذهِ عَصَى وصَحَّ النكاحُ ولم يُفسَخْ، هذا مَذهبُنا ومَذهبُ الجُمهورِ، وقالَ داودُ: يُفسَخُ النكاحُ، وعن مالِكٍ رِوايتانِ كالمَذهبَينِ، وقالَ جَماعةٌ مِنْ أصحابِ مالكٍ: يُفسخُ قبلَ الدُّخولِ لا بعدَه (٢). وسُئلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن رَجلٍ خطَبَ ابنةَ رَجلٍ مِنْ العُدولِ، واتَّفقَ معهُ على المَهرِ منهُ عاجِلٌ ومنهُ آجِلٌ، وأوصَلَ إلى والِدِها المُعجَّلَ مِنْ مدَّةِ أربعِ سِنينَ وهو يُواصِلُهم بالنَّفقةِ، ولم يكُنْ بينَهُم مُكاتَبةٌ، ثمَّ بعدَ هذا جاءَ رَجلٌ فخَطَبها وزادَ عليهِ في المَهرِ ومنَعَ الزَّوجَ الأولَ. فأجابَ: لا يَحلُّ للرَّجلِ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ أخيهِ إذا أُجيبَ إلى النكاحِ وركَنُوا إليهِ باتِّفاقِ الأئمَّةِ، كما ثبَتَ عنِ النبيِّ ﷺ أنهُ قالَ:

стр. 8405

«لا يَحلُّ للرَّجلِ أنْ يَخطُبَ على خِطبةِ أخيهِ»، وتَجبُ عُقوبةُ مَنْ فعَلَ ذلكَ وأعانَ عليهِ عُقوبةً تَمنعُهم وأمثالَهم عن ذلكَ، وهل يَكونُ نكاحُ الثَّاني صَحيحًا أو فاسِدًا؟ فيه قولانِ للعُلماءِ في مَذهبِ مالكٍ وأحمَدَ وغَيرِهما (١). وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قالَ الجُمهورُ: هذا النهيُ للتحريمِ، وقالَ الخطَّابيُّ: هذا النهيُ للتأدِيبِ وليسَ بنَهيِ تَحريمٍ يُبطِلُ العقدَ عِند أكثرِ الفُقهاءِ، كذا قالَ، ولا مُلازَمةَ بينَ كونِه للتَّحريمِ وبينَ البُطلانِ عندَ الجُمهورِ؛ بل هو عندَهم للتحريمِ ولا يَبطلُ العَقدُ، بل حكَى النَّوويُّ أنَّ النَّهيَ فيه للتَّحريمِ بالإجماعِ (٢). ومَحلُّ الحُرمةِ إذا كانَ الخاطِبُ الأوَّلُ عَدلًا، فإنْ كانَ فاسِقًا فاختَلفَ الفُقهاءُ فيهِ؛ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنهُ لا يَجوزُ أيضًا؛ لعُمومِ الأحاديثِ، سواءٌ كانَ الأولُ كفئًا أو غيرَ كُفءٍ. وذهَبَ المالكيةُ في الصَّحيحِ عِندَهم إلى أنهُ يَجوزُ أنْ يَخطبَها آخَرُ إنْ كانَ الأولُ فاسِقًا، فإنْ خِطبتَها لا تَحرُمُ إذا كانَ الثَّاني صالحًا أو مجهولًا، وإلَّا حَرُمَ، وينبغِي للوليِّ أنْ يَحُضَّها على تزويجِ الصَّالحِ الذي يُعلمُها الخيرَ ويُعِينُها عليهِ (٣).

стр. 8406

ومَحلُّ الحُرمةِ أيضًا إذا عَلِمَ الثَّاني بالخِطبةِ، فإنْ لم يَعلمْ فلا إثْمَ عليهِ. قالَ الإمامُ زينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: مَحلُّ التَّحريمِ أيضًا إذا لم يأذَنِ الخاطِبُ لغيرِه في الخِطبةِ، فإنْ أَذِنَ ارتَفعَ التَّحريمُ؛ لأنَّ المَنعَ كانَ لِحقِّه، وفي صَحيح مُسلمٍ مِنْ حَديثِ ابنِ عُمرَ ﵁ التَّصريحُ بذلكَ بقَولِه: «إلا أنْ يأذَنَ له»، لكنْ يَبقَى النظرُ في أنهُ إذا أَذِنَ لشَخصٍ مَخصوصٍ في الخِطبةِ هل لغَيرِه الخِطبةُ أيضًا؟ لأنَّ الإذنَ لشَخصٍ يَدلُّ على الإعراضِ عنِ الخِطبةِ؛ إذْ لا يُمكِنُ تَزويجُ المَرأةِ لخاطبَينِ، أو ليسَ لغَيرِه الخِطبةُ إذْ لم يُؤذَنْ لهُ، وزوالُ المنعِ إنما كانَ للإذنِ، هذا مُحتمَلٌ، والأرجَحُ الأوَّلُ. ومَحلُّ التَّحريمِ أيضًا إذا لم يَتركِ الخاطِبُ الخِطبةَ ويُعرضْ عنها، فإنْ ترَكَ جازَ لغَيرِه الخِطبةُ وإنْ لم يأذَنْ لهُ، وفي صَحيحِ البُخاريِّ مِنْ رِوايةِ الأعرَجِ عن أبي هُريرةَ: «حتَّى يَنْكِحَ أو يَتركَ»، وفي حَديثِ مُسلمٍ مِنْ حديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ: «المُؤمِنُ أخو المُؤمِنِ، فلا يَحلُّ للمُؤمنِ أنْ يَبتاعَ على بَيعِ أخيهِ، ولا يَخطبَ على خِطبةِ أخيهِ حتَّى يَذَرَ»، وقولُه «حتَّى يَذَرَ» يعودُ للجُملتَينِ معًا، كما هو مُقتضَى قاعِدةِ الشَّافعيِّ ﵀، وقد ورَدَ التصريحُ بهِ في سنَنِ البَيهقيِّ، قالَ فيهِ «حتَّى يَذَرَ» بعدَ كلٍّ مِنْ الجُملتينِ. ومَحلُّ التحريمِ أيضًا أنْ تكونَ الخِطبةُ الأُولى جائِزةً، فإنْ كانَتْ مُحرَّمةً كالواقِعةِ في العدِّةِ لم تَحرُمِ الخِطبةُ عليها، كما صرَّحَ به الرُّويانِيُّ في «البَحر». ومَحلُّ التحريمِ أيضًا إذا لم تأذَنِ المَرأةُ لوليِّها أنْ يُزوِّجَها ممَّن يَشاءُ،

стр. 8407

فإنْ أذنَتْ له كذلكَ صَحَّ وحَلَّ لكُلِّ أحَدٍ أنْ يَخطبهَا على خِطبةِ الغيرِ، كما نقَلَه الرُّويانِيُّ في «البَحْر» عن نَصِّ الشَّافعيِّ في «الأمِّ»، ولكَ أنْ تقولَ: إنْ كانَ الضَّميرُ في قَولِه (ممَّن يَشاءُ) عائِدًا على الوليِّ فيَنبغي إذا أجابَ الوليُّ الخاطِبَ الأولَ أنْ يَحرُمَ على غيرِه الخِطبةُ، وإنْ كانَ عائِدًا على الخاطِبِ فإذا خطَبَها شَخصٌ فقدْ شاءَ تَزويجَها، وقد أذنَتْ في تَزويجِها ممَّن يَشاءُ هو تَزويجَها، فيَجبُ على الوليِّ إجابتُه، ويَحرُمُ على غيرِه خِطبتُها؛ لأنها قد أجابَتْهُ بالوَصفِ وإنْ لم تُجِبْه بالتَّعيينِ، واللهُ أعلَمُ (١). الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ تُمسِكَ عن خِطبتِها، فلا يكونُ منها إِذنٌ ولا رَضًا، ولا يكونُ منها رَدٌّ ولا كَراهيَةٌ: إذا خطَبَ الرَّجلُ امرأةً فأمسَكَتْ عن خِطبتِها فلم يُوجَدْ منها إذنٌ ولا رضًا، ولم يُوجَدْ منها رَدٌّ ولا كَراهيةٌ، فهذهِ يَجوزُ عندَ عامَّةِ العُلماءِ أنْ يَخطبَها آخَرُ غيرُ الَّذي تَقدَّمَ لها؛ لِما رواهُ مُسلمٌ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ أنَّ أبا عمرِو بنَ حَفصٍ طلَّقَها البتَّةَ وهو غائِبٌ، فأرسَلَ إليها وكِيلُه بشَعيرٍ فسَخطَتْه، فقالَ: واللهِ ما لكِ علينا مِنْ شيءٍ، فجاءَتْ رسولَ اللهِ ﷺ فذكَرَتْ ذلكَ له، فقالَ: «ليسَ لكِ عليه نَفقةٌ»، فأمَرَها أنْ تَعتدَّ في بيتِ أمِّ شَريكٍ، ثمَّ قالَ: «تلكِ امرأةٌ يَغشاها أصحابي، اعتَدِّي عندَ ابنِ أمِّ مَكتومٍ، فإنه رَجلٌ أعمَى تَضعينَ ثيابَكِ، فإذا حلَلْتِ فآذِنيني»، قالَتْ: فلمَّا

стр. 8408

حلَلْتُ ذكَرْتُ له أنَّ مُعاويةَ بنَ أبي سُفيانَ وأبا جَهمٍ خَطَباني، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أمَّا أبو جَهمٍ فلا يَضعُ عَصاهُ عنْ عاتِقِه، وأمَّا مُعاويةُ فصُعلوكٌ لا مالَ لهُ، انكِحِي أسامةَ بنَ زَيدٍ» فكَرهْتُه، ثمَّ قالَ: «انكِحِي أسامةَ»، فنَكحْتُه فجعَلَ اللهُ فيه خيرًا واغتبَطْتُ به (١). ففِي هذا الحَديثِ دَليلٌ مِنْ وَجهينِ: أحَدُهما: أنَّ أحَدَ الرَّجلينِ قد خطَبَها بعدَ صاحِبِه، فلمْ يَذكرِ النبيُّ ﷺ تَحريمَه. والوجهُ الثَّاني: أنَّ النبيَّ ﷺ قد خطَبَها لِأسامةَ بعدَ خِطبتِها، فدَلَّ على أنَّ الإمساكَ عنِ الإجابةِ لا يَقتضي الخِطبةَ. قالَ النَّوويُّ ﵀: فيهِ -أي الحَديث- جَوازُ الخِطبةِ على خِطبةِ غيرِه إذا لم يَحصلْ للأوَّلِ إجابةٌ؛ لأنها أخبَرتْهُ أنَّ مُعاويةَ وأبا الجَهمِ وغيرَهُما خَطبوها (٢). ولأنَّ تَحريمَ خِطبتِها على هذا الوجهِ إضرارٌ بها؛ فإنهُ لا يَشاءُ أحَدٌ أنْ يَمنعَ المرأةَ النِّكاحَ إلَّا منَعَها بخِطبتِه إيَّاها، وكذلكَ لو عرَّضَ لها في عدِّتِها بالخِطبةِ فقالَ: «لا تَفُوتِيني بنَفسِكِ» وأشباهِ هذا لم تَحرُمْ خِطبتُها؛ لأنَّ في قِصةِ فاطِمةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لها: «لا تَفُوتينا بنَفسِكِ» ولم يُنكِرْ خِطبةَ أبي جَهمٍ ومُعاويةَ لها.

стр. 8409

قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ ﵀: أخبَرَنا مُحمدُ بنُ إسماعيلَ عن ابنِ أبي ذِئبٍ عن مُسلمٍ الخيَّاطِ عن ابنِ عُمرَ «أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى أنْ يَخطُبَ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ حتَّى يَنْكِحَ أو يَتركَ». قالَ الشَّافعيُّ: فكانَ الظَّاهرُ مِنْ هذهِ الأحادِيثِ أنَّ مَنْ خطَبَ امرأةً لم يكُنْ لأحَدٍ أنْ يَخطبَها حتَّى يأذَنَ الخاطِبُ أو يدَعَ الخِطبةَ، وكانَتْ مُحتملةً لَأنْ يكونَ نهي النبيِّ ﷺ أنْ يَخطبَ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ في حالٍ دُونَ حالٍ، فوجَدْنا سُنةَ النبيِّ ﷺ تَدلُّ على أنهُ ﷺ إنَّما نهَى عنها في حالٍ دونَ حالٍ … ثمَّ ذكَرَ حَديثَ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ ثمَّ قالَ: فكَمَا بيَّنَّا أنَّ الحالَ الَّتي خطَبَ فيها رسولُ اللهِ ﷺ فاطِمةَ على أسامةَ غيرَ الحالِ التي نَهَى عنِ الخِطبةِ فيها، ولم يكُنْ للمَخطوبةِ حالانِ مُختلفَيِ الحُكمِ، إلَّا بأنْ تأذَنَ المَخطوبةَ بإنكاحٍ رَجلٍ بعَينهِ، فيكونُ للوليِّ أنْ يزوِّجَها جازَ النكاحُ عليها، ولا يكونُ لأحَدٍ أنْ يَخطبَها في هذهِ الحالِ حتَّى يأذَنَ الخاطِبُ أو يَتركَ خِطبتَها، وهذا بيِّنٌ في حديثِ ابنِ أبي ذِئبٍ، وقد أعلَمَتْ فاطِمةُ رسولَ اللهِ ﷺ أنَّ أبا جَهمٍ ومُعاويةَ خَطَباها، ولا أشُكُّ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى أنَّ خِطبةَ أحَدِهما بعدَ خِطبةِ الآخرِ، فلمْ يَنهَهُما ولا واحِدًا منهُما، ولم نَعلَمْه أنها أذنَتْ في واحِدٍ منهُما فخطَبَها على أسامةَ، ولمْ يكُنْ لِيَخطبَها في الحالِ التي نهَى فيها عنِ الخِطبةِ، ولم أعلَمْه

стр. 8410

نهَى مُعاويةَ ولا أبا جَهمٍ عمَّا صنَعَا، والأغلَبُ أنَّ أحَدُهما خطَبَها بعدَ الآخَرِ، فإذا أذنَتِ المَخطوبةُ في إنكاحِ رَجلٍ بعَينِه لم يَجُزْ خِطبتُها في تلكِ الحالِ (١). وذكَرَ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀ (٢) أنَّ ابنَ وَهبٍ روى بإسنادِه عنِ الحارثِ بن سَعدٍ بنِ أبي ذُبَابٍ «أنَّ عمَرَ بنَ الخطَّابِ خطَبَ امرأةً على جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ وعلى مَروانَ بنِ الحكَمِ وعلى عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، فدخَلَ على المَرأةِ وهيَ جالِسةٌ في بَيتِها فقالَ عُمرُ: إنَّ جريرَ بنَ عبدِ اللهِ البَجليَّ يَخطبُ وهو سيِّدُ أهلِ المَشرقِ، ومَروانَ يَخطبُ وهوَ سيِّدُ شَبابِ قُريشٍ، وعبدَ اللهِ بنَ عُمرَ وهو مَنْ قد عَلِمْتُم، وعُمرُ بنُ الخطَّابِ، فكشَفَتِ المَرأةُ السِّتْرَ فقالَتْ: أجادٌّ أميرُ المُؤمنينَ؟ فقالَ: نعَمْ، فقالَتْ: فقدْ أنكَحْتُ أميرَ المُؤمنينَ فأَنكِحُوه»، فهذا عُمرُ قد خطَبَ على واحِدٍ بعدَ واحِدٍ قبلَ أنْ يعلَمَ ما تقولُ المَرأةُ في الأولِ، فدَلَّ ذلكَ على جَوازِ الخِطبةِ في هذهِ الحالةِ (٣). وقالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: وتَفسيرُ قولِ رسولِ اللهِ ﷺ فيما نَرَى واللهُ أعلَمُ: «لا يَخطُبْ أحَدُكم على خِطبةِ أخيهِ» أنْ يَخطبَ الرَّجلُ المرأةَ فتَركَنَ إليهِ ويتَّفقانِ على صَداقٍ واحِدٍ مَعلومٍ وقدْ تَراضَيَا، فهي تَشترطُ عليهِ لنَفسِها، فتلكَ الَّتي نهَى أنْ يَخطبَها الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ،

стр. 8411

ولم يَعْنِ بذلكَ إذا خطَبَ الرَّجلُ المَرأةَ فلمْ يُوافِقْها أمْرُه ولم تَركَنْ إليهِ أنْ لا يَخطبَها أحَدٌ، فهذا بابُ فَسادٍ يَدخلُ على النَّاسِ (١). قالَ الإمامُ أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: بنحوِ ما فسَّرَ مالِكٌ هذا الحديثَ فسَّرَه الشَّافعيُّ وأبو عُبيدٍ، وهو مَذهبُ جَماعةِ الفُقهاءِ، كلُّهُم يتَّفقونَ في ذلكَ المعنَى، وهو المَعمولُ بهِ عندَ السَّلفِ والخلَفِ، وذلكَ -واللهُ أعلَمُ- لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أباحَ الخِطبةَ لِأسامةَ بنِ زيدٍ على خِطبةِ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ وأبي جَهمِ بنِ حُذيفةَ حينَ خطَبَا فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ، فأتَتْ رسولَ اللهِ ﷺ مُشاوِرةً لهُ، فخطَبَها لِأسامةَ بنِ زَيدٍ على خِطبتِها، ومَعلومٌ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لا يَفعلُ ما يَنهَى عنه، ولا أعلَمُ أحَدًا ادَّعَى نَسخًا في أحاديثِ هذا البابِ، فدَلَّ ذلكَ على أنَّ المعنَى ما قالَه الفُقهاءُ مِنْ الرُّكونِ والرِّضا، واللهُ أعلَمُ. فإذا ركَنَتِ المَرأةُ أو وليُّها ووقَعَ الرِّضا لم يَجُزْ لأحَدٍ حِينئذٍ الخِطبةُ على مَنْ رُكِنَ إليه ورُضِيَ به واتُّفِقَ عليهِ، ومَن فعَلَ ذلكَ كانَ عاصِيًا إذا كانَ بالنهيِ عالِمًا (٢). وقالَ في «الكافِي»: وجائزٌ للجَماعةِ أنْ يَخطبُوا امرأةً واحدةً مُجتمِعينَ ومُتفرِّقينَ، ما لم تُوافِقْ واحدًا منهُم وتَسكُنْ إليهِ، فإنْ سكَنَتْ إليهِ وركَنَتْ

стр. 8412

نحْوَه لم يَجُزْ لغيرِه أنْ يَخطبَها حتَّى يَعدِلَ عنها ذلكَ أو يَتركَها، فإذا فعَلَ جازَ لغيرِه أنْ يَخطبَها (١). وقالَ في «التَّمهِيد»: معنَى قولِه ﷺ : «لا يَخطُبْ أحَدُكم على خِطبةِ أخيهِ» إنَّه كما قالَ مالكٌ والشَّافعيُّ وجُمهورُ الفُقهاءِ: إنَّ ذلكَ أنْ تَركَنَ إليه ويَتراضَيَا ويتَّفقَا على صَداقٍ مَعلومٍ وهي تَشترطُ لنَفسِها ونحوَ ذلكَ ممَّا تُعلَمُ به المُوافَقةُ والرُّكونُ، واللهُ أعلَمُ. وذكَرَ إسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ قالَ: سُئلَ مالكٌ عن رَجلٍ خطَبَ امرأةً وركَنَتْ إليهِ واتَّفقَا على صَداقٍ مَعروفٍ حتَّى صارَتْ مِنْ اللَّواتي قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لا يَخطُبْ أحَدُكم على خِطبةِ أخيهِ»؟ قالَ: قالَ مالكٌ: إذا كانَ هكذا فملَكَها رَجلٌ آخَرُ ولم يَدخلْ بها فإنهُ يُفرَّقُ بينَهُما، وإنْ دخَلَ بها مضَى النِّكاحُ (٢). الحالَةُ الثالثةُ: أنْ يَظهرَ مِنْ المرأةِ أو وليِّها الرِّضا بالخاطِبِ ولا تأذَنَ في العَقدِ: إذا خطَبَ الرَّجلُ امرأةً وظهَرَ مِنْ المرأةِ الرِّضا بهِ تَعريضًا لا تَصريحًا

стр. 8413

كقولِها: «ما أنتَ إلَّا رضًى وما عنكَ رَغبةٌ»، أو أنْ تُقرِّرَ صَداقَها، أو بشَرطِ ما تُريدُ مِنْ الشُّروطِ لنَفسِها، أو خطَبَ رَجلٌ امرأةً إلى وليِّها وكانَ ممَّن يُخيِّرُها فعرَّضَ له بالإجابةِ ولم يُصرِّحْ، مثلَ أنْ يقولَ: «أنا أستَشيرُ في ذلكَ، أو أنتَ مَرغوبٌ فيكَ»، أو يَشترطَ شَرائطَ للعَقدِ مثلَ تَقديمِ المَهرِ وغيرِه، فاختَلفَ الفقهاءُ في حُكمِ ذلكَ، هل يَجوزُ للغيرِ أنْ يتقدَّمَ لخِطبتِها أم لا يَجوزُ؟ فذهَبَ الشَّافعيةُ في القَديمِ والحَنابلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ -وقالَ العَمرانِيُّ: وهوَ قولُ مالكٍ وأبي حَنيفةَ- إلى أنهُ لا يَحلُّ لغيرِه خِطبتُها؛ لأنَّ الرُّكونَ يُستدلُّ عليهِ بالتَّعريضِ تارةً وبالتَّصريحِ أُخرى؛ لعُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَخطُبْ أحَدُكم على خِطبةِ أخيهِ» ولم يُفصِّلْ، ولأنهُ وُجِدَ منها ما دَلَّ على الرِّضى بهِ وسُكونِها إليهِ، فحَرُمتْ خِطبتُها كما لو صرَّحَتْ بذلكَ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا حديثُ فاطِمةَ فلا حُجةَ لهم فيه؛ فإنَّ فيه ما يَدلُّ على أنها لم تَركَنْ إلى واحِدٍ منهُما مِنْ وجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ النبيَّ ﷺ قد كانَ قالَ لها: «لا تَسبِقيني بنَفسكِ» وفي لَفظٍ: «لا تَفُوتيني بنَفسِكِ» وفي رِوايةٍ: «إذا حلَلْتِ فآذِنيني»، فلمْ تكُنْ لِتَفتاتَ بالإجابةِ قبلَ أنْ تُؤذِنَ رسولَ اللهِ ﷺ . والثَّاني: أنها ذكَرَتْ ذلكَ لرَسولِ اللهِ ﷺ كالمُستشيرةِ له فيهِما

стр. 8414

أو في العُدولِ عنهُما إلى غيرِهِما، وليسَ في الاستِشارةِ دَليلٌ على تَرجيحِ أحَدِ الأمرينِ ولا مَيلٍ إلى أحِدِهما، على أنها إنَّما ذكَرَتْ ذلكَ للنبيِّ ﷺ لتَرجعَ إلى قولِه ورَأيِه، وقد أشارَ عليها بتَركِهما؛ لِمَا ذكَرَ مِنْ عَيبِهما، فجَرَى ذلكَ مَجرَى رَدِّها لهُما وتَصريحِها بمَنعِهما. ومِن وجهٍ آخَرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قد سبَقَهما بخِطبتِها تَعريضًا بقَولِه لها ما ذكَرْنا، فكانَتْ خِطبتُه بعدَهُما مَبنيَّةً على الخِطبةِ السَّابقةِ لهُما، بخِلافِ ما نحنُ فيهِ (١). وذهَبَ الشَّافعيةُ في الجَديدِ -وهو المَذهبُ عِندَهم- والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنهُ لا تَحرمُ خِطبتُها بالرِّضا حتَّى يُصرِّحَ وليُّها بالإذنِ أو تُصرِّحَ هيَ؛ لأنَّ الأصلَ إباحةُ الخِطبةِ ما لم تَتحقَّقْ شُروطُ الحَظرِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ خطَبَ فاطِمةَ بنتَ قَيسٍ ﵂ لأسامةَ ﵁ بعدَ أنْ أخبَرَتْه أنَّ مُعاويةَ وأبا الجَهمِ ﵄ خَطَباها، ولم يَسألْها: هل ركَنْتِ إلى أحَدِهما أو رَضِيتِ بهِ أم لا؟ فدَلَّ على أنَّ الحُكمَ لا يَختلفُ بذلكَ، ولأنَّ الظاهِرَ مِنْ حالِها أنها ما جاءَتْ تَستَشيرُه إلَّا وقد رَضيَتْ بذلكَ وركَنَتْ إليهِ (٢).

стр. 8415

قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أمَّا إذا عُرِّضَ له بالإجابةِ ولم يُصرَّحْ ففي تَحريمِ الخِطبةِ على خِطبتِه قَولانِ للشَّافعيِّ: أصَحُّهما: لا يَحرُمُ، وقالَ بعضُ المالِكيةِ: لا يَحرمُ حتَّى يَرضَوا بالزِّوجِ ويُسمَّى المَهرِ، واستَدلُّوا لِما ذكَرْناهُ مِنْ أنَّ التَّحريمَ إنما هوَ إذا حصَلَتِ الإجابةُ بحَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ، فإنها قالَتْ: «خطَبَني أبو جَهمٍ ومُعاويةَ فلَم يُنكِرِ النبيِّ ﷺ خِطبةَ بعضِهم على بَعضٍ، بل خطَبَها لأسامَةَ». وقد يُعتَرضُ على هذا الدَّليلِ فيُقالُ: لعَلَّ الثَّاني لم يَعلمْ بخِطبةِ الأولِ، وأما النبيِّ ﷺ فأشارَ بأسامةَ، لا أنهُ خطَبَ له (١). وقالَ الإمامُ زينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: قالَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ: مَحلُّ التَّحريمِ ما إذا صرَّحَ للخاطِبِ بالإجابةِ، بأنْ يقولَ: «أجَبتُكَ إلى ذلكَ» أو يأذَنَ لوليِّها في أنْ يزوِّجَها إياهُ، وهي مُعتبَرةٌ الإذنِ. فلو لَم يقَعِ التصريحُ بالإجابةِ لكنْ وُجدَ تَعريضٌ كقَولها: «لا رَغبةَ عنكَ» ففيهِ قَولانِ للشَّافعيِّ وأحمَدَ، قالَ الشَّافعيُّ في القَديمِ: تَحرمُ الخِطبةُ، وقالَ في الجَديدِ: تَجوزُ. وحكَى والِدِي ﵀ في «شَرحِ التِّرمذيِّ» عن مالِكٍ وأبي حَنيفةَ تَحريمَ الخِطبةِ عندَ التَّعريضَ أيضًا، وقالَ النَّوويُّ في «شرحِ مُسلمٍ» بعدَ ذكِرْه قولَ الشَّافعيِّ عندَ التَّعريضِ وتصحيحَ التَّحريمِ: واستَدلُّوا لِما ذكَرْناهُ

стр. 8416

مِنْ أنَّ التحريمَ إنَّما هو إذا حصَلَتِ الإجابةُ بحَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ، فإنها قالَتْ: «خطَبَني مُعاويةُ وأبو جَهمٍ فلمْ يُنكِرِ النبيُّ ﷺ خِطبةَ بعضِهم على بَعضٍ، بل خطَبَها لأسامةَ». قالَ النَّوويُّ: وقد يُعتَرضُ على هذا الدَّليلِ فيُقالُ: لعلَّ الثَّاني لم يَعلمْ بخِطبةِ الأولِ، وأمَّا النبيُّ ﷺ فأشارَ بأسامةَ، لا أنهُ خطَبَ لهُ. انتهى. وقالَ والِدِي ﵀ في «شَرح التِّرمذيِّ»: وفيهِ نَظرٌ، وقالَ قبلَ ذلكَ: لعَلَّه لمَّا ذكَرَ لها ما في أبي جَهمٍ ومُعاويةَ ممَّا يُرغِّبُ عنهُما رَغِبتْ عنهُما، فخطَبَها حينئذٍ على أسامة، وقالَ أيضًا: في الاستِدلالِ به نَظرٌ؛ لأنهُ لم يُنقلْ أنَّ واحِدًا مِنْ أبي الجَهمِ ومُعاويةَ أُجيبَ، لا تَصريحًا ولا تَعريضًا. قلتُ: والشَّافعيُّ ﵀ لم يَذكرْ هذا الاستِدلالَ في صُورةِ التَّعريضِ، وإنَّما ذكَرَه عندَ عدمِ الرِّضا والرُّكونِ، فقالَ التِّرمذيُّ في جَامعِه: قالَ الشَّافعيُّ: معنَى هذا الحديثِ: «لا يَخطُبِ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ» هذا عندَنا إذا خطَبَ الرَّجلُ المرأةَ فرَضيَتْ به وركَنَتْ إليه، فليسَ لأحدٍ أنْ يَخطبَ على خِطبتِه. وأمَّا قبلَ أنْ يَعلمَ رِضاها أو رُكونَها إليه فلا بأسَ أنْ يَخطبَها، والحُجةُ في ذلكَ حديثُ فاطمةَ بنتِ قَيسٍ، فذكَرَه ثمَّ قالَ: فمعنَى هذا الحديثِ عندَنا -واللهُ أعلَمُ- أنَّ فاطِمةَ لم تُخبِرْه برِضاها بواحدٍ منهُما، ولو أخبَرتْهُ لم يُشِرْ عليها بغيرِ الَّذي ذكَرَتْ. انتهى.

стр. 8417

قالَ أصحابُنا: ولو رَدَّتْه فللغيرِ خِطبتُها قَطعًا، ولو لم يُوجَدْ إجابةٌ ولا رَدٌّ فقطَعَ بعضُ أصحابِنا بالجَوازِ، وأجَرَى بعضُهم فيهِ القَولينِ المتقدِّمينِ، قالوا: ويجوزُ الهُجومُ على خِطبةِ مَنْ لم يَدْرِ أخُطِبتْ أم لا؟ ومَن لمْ يَدْرِ أُجيبَ خاطِبُها أم رُدَّ؟ لأنَّ الأصلَ الإباحَةُ، وقالَ الحَنابلةُ: إنْ لم يَعلمْ أُجيبَ أم لا فعَلى وجهَينِ (١). وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وإنْ وقَعَتِ الإجابةُ بالتعريضِ كقَولِها: «لا رَغبةَ عنكَ» فقولانِ عندَ الشَّافعيةِ: الأصَحُّ -وهو قولُ المالِكيةِ والحَنفيةِ- (٢): لا يَحرمُ أيضًا، وإذا لم تَرُدَّ ولم تَقبلْ فيَجوزُ، والحُجةُ فيه قَولُ فاطمةَ: «خطَبَني مُعاويةُ وأبو جَهمٍ فلم يُنكِرِ النبيُّ ﷺ ذلكَ عَليهما، بل خطَبَها لأسامةَ». وأشارَ النَّوويُّ وغيرُه إلى أنهُ لا حُجةَ فيهِ؛ لاحتِمالِ أنْ يكونَا خطَبَا معًا، أو لم يَعلمِ الثَّاني بخِطبةِ الأوَّلِ، والنبيُّ ﷺ أشارَ بأسامةَ ولم يَخطبْ، وعلى تَقديرِ أنْ يكونَ خطَبَ فكأنَّه لمَّا ذكَرَ لها ما في مُعاويةَ وأبي جَهمٍ ظهَرَ منها الرَّغبةُ عنهُما، فخطَبَها لأسامةَ، وحكَى التِّرمذيُّ عنِ الشَّافعيِّ أنَّ معنَى حديثِ البابِ: إذا خطَبَ الرَّجلُ المرأةَ فرَضيَتْ به وركَنَتْ إليهِ فليسَ لأحَدٍ أنْ يَخطبَ على خِطبتِه، فإذا لم يَعلمْ برِضاها ولا رُكونِها فلا بأسَ أنْ يَخطبَها.

стр. 8418

والحُجةُ فيه قِصةِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ؛ فإنها لم تُخبِرْه برِضاها بواحِدٍ منهُما، ولو أخبَرتْهُ بذلكَ لم يُشِرْ عليها بغيرِ مَنْ اختارَتْ، فلو لم تُوجَدْ منها إجابةٌ ولا رَدٌّ فقطَعَ بعضُ الشَّافعيةُ بالجَوازِ، ومنهُم مَنْ أجرَى القَولينِ، ونَصَّ الشَّافعيُّ في البِكرِ على أنَّ سُكوتَها رِضًا بالخاطِبِ، وعن بعضِ المالِكيةِ: لا تُمنَعُ الخِطبةُ إلَّا على خِطبةِ مَنْ وقَعَ بينَهُما التَّراضي على الصَّداقِ (١). أمَّا الحَنفيةُ فلمْ يُوجَدْ عندَهم إلَّا هذا التَّفصيلُ فقطْ، وهو ما قالَه الكاسانِيُّ ﵀: إذا خطَبَ رَجلٌ امرأةً وركَنَ قَلبُها إليهِ يُكرَهُ لغيرِه أنْ يَخطبَها؛ لِما رَوَينا، وإنْ لم يَركَنْ فلا بأسَ بهِ (٢). وقالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: الخالِيةُ عن نكاحٍ وعدَّةٍ تَحلُّ خِطبتُها تَصريحًا وتَعريضًا؛ لجَوازِ نكاحِها، لكنْ بشَرطِ أنْ لا يَخطبَها غيرُه قبلَه، فإنْ خطَبَها فعلى ثلاثةِ أَوجهٍ: إمَّا أنْ تُصرِّحَ بالرِّضا فتَحرُمُ، أو بالرَّدِّ فتَحلُّ، أو تَسكُتَ فقَولانِ للعِلماءِ، ولم أَرَ هذا التَّفصيلَ لأصحابِنا، وأصلُه الحَديثُ الصَّحيحُ: «لا يَخطبْ أحَدُكم على خِطبةِ أخيهِ»، وقيَّدوهُ بأنْ لا يأذَنَ له (٣). وقالَ في «الدُّر المُختار»: وأمَّا الخالِيةُ فتُخطَبُ إذا لم يَخطبْها غيرُه وتَرضَى به، فلو سكَتَتْ فقَولانِ: (تَحرُمُ خِطبتُها) بالكَسرِ وتُضَمُّ.

стр. 8419

قالَ الإمامُ ابنُ عابدِينَ ﵀: قولُه: (إذا لم يَخطبْها غيرُه وترضَى بهِ .. إلخ) نقَلَه في «البَحر» عنِ الشَّافعيةِ وقالَ: ولم أرَهُ لأصحابِنا، وأصلُه الحديثُ الصَحيحُ: «لا يَخطبْ أحَدُكم على خِطبةِ أخيهِ»، وقيَّدُوه بأنْ لا يأذَنَ لهُ. اه أي: بأنْ لا يأذَنَ الخاطِبُ الأولُ، وهو مَنقولٌ عندَنا، فقدْ قالَ الرَّمليُّ: وفي «الذَّخيرة»: كما نهَى عنِ الاستِيامِ على سَومِ الغيرِ نهَى عن الخِطبةِ على خِطبةِ الغيرِ، والمُرادُ مِنْ ذلكَ أنْ يركَنَ قلبُ المرأةِ إلى خاطِبِها الأولِ، كذا في «التَّتارْخانية» في بابِ الكراهيَةِ، فافهَمْ. اه قولُه: (فلو سكَتَتْ فقَولانِ) أي: للشَّافعيةِ، قالَ الخيرُ الرَّمليُّ: وقَولُهم: «لا يُنسَبُ إلى ساكتٍ قَولٌ» يَقتضي ترجيحَ الجَوازِ. اه قلتُ -أي ابن عابدِينَ-: هذا ظاهِرٌ إذا لم يُعلَمْ ركونُ قَلبِها إلى الأولِ بقَرائنِ الأحوالِ، وإلَّا فيَكونُ بمَنزلةِ التَّصريحِ بالرِّضا (١). وأمَّا المالِكيةُ فإنهُ إنْ حصَلَ رُكونٌ منها بوَجهٍ يُفهَمُ منه إذعانُ كلِّ واحِدٍ لشَرطِ صاحبِه وإرادةُ عَقدِه فيَحرُمُ، وإنْ لم يَفرضْ لها صَداقًا على قولِ ابنِ القاسِمِ وغيرِه، وهو المَشهورُ. وقالَ ابنُ نافعٍ: إنْ لم يَفرضْ صداقًا جازَتِ الخِطبةُ عليهِ (٢).

стр. 8420

وقالَ الإمامُ ابنُ العربيِّ ﵀ بعدَ أنْ ذكَرَ الحَديثَ: وفي ذلكَ مِنْ الفقهِ إحدى عَشرةَ مَسألةً: الأُولى: لا خِلافَ في أنهُ لا يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ غيرِه؛ لنهيِ النبيِّ ﷺ عنهُ، وقدِ اختُلفَ في صفةِ الخِطبةِ التي نهَى النبيُّ ﷺ عنها بِناءً على قولينِ: أحَدُهما: أنْ يَركنَ كلُّ واحِدٍ مِنْ الزَّوجينِ إلى صاحبِه ويتَّفقَا على صَداقٍ مَعلومٍ، يعنِي ولا يَبقَى إلَّا الإعلانُ أو الإشهادُ بالتَّواجُبِ. الثَّاني: أنه لا تَجوزُ الخِطبةِ إذا تَراكَنَا وإنْ لم يتَّفقَا على صداقٍ، قالَه ابنُ القاسِمِ وابنُ وَهبٍ ومُطرِّفٌ وابنُ الماجشونَ وابنُ عبدِ الحَكمِ والشَّافعيُّ، وساعَدَنا ابنُ نافعٍ على الروايةِ الشُّهرَى عن مالكٍ المَذكورةِ في مُوَطَّئِه. قالَ الإمامُ الحافِظُ: وتَحقيقُ القولِ في ذلكَ أنَّ للخِطبةِ مَبدأً ومُراوضةً ومُنتهًى، فأمَّا المَبدأُ فلا خِلافَ في جوازِ دُخولِ بعضِها على بعضٍ، وأمَّا المُنتهَى فلا خلافَ في تحريمِ الخِطبةِ فيها، وهي ما إذا لم يَبْقَ إلَّا التواجُبُ فأدخَلَ على ذلكَ أحَدٌ خِطبتَه، وإنَّما القولُ في حالِ المُراوَضةِ، فإنْ تَراكَنَا وتَقاربَا في الرِّضا لكنْ لم يَجْرِ ذِكرُ صَداقٍ فهذا مَوضعُ الخلافِ، مَنْ قالَ: تَجوزُ الخِطبةُ قالَ: لأنَّ الاتفاقَ لم يَقعْ بَعدُ؛ إذْ قد يَذكُرانِ مِنْ الصَّداقِ ما لا

стр. 8421

يتَّفقانِ عليه، ومَن قالَ: لا تَجوزُ قالَ: لأنَّ التواجُبَ قد يقَعُ بغيرِ صَداقٍ، والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ السُّكوتَ عنِ الصَّداقِ نادرٌ، وهو أصلُ الاتفاقِ، فإنْ لم يُذكَرْ فليسَ برُكونٍ ولا مُقارَبةٍ. الثانيةُ: قالَ علماؤُنا: هذا إذا كانَا شَكْلَيْنِ، فأمَّا إذا لم يَكنِ الزَّوجانِ مُتَشاكِلَينِ جازَ للشَّاكِلةِ أنْ يَدخلَ عليهِ، وهذا ممَّا لا يَنبغِي أنْ يكونَ فيهِ خِلافٌ. الثَّالثةُ: مَنْ اقتَحمَ النَّهيَ وخطَبَ أَثِمَ، ورَأى عُلماؤُنا تأديبَه (١). الحالةُ الرَّابعةُ: أنْ تَرُدَّ المرأةُ خِطبتَه ولا تأذَنَ في نِكاحِه، أو يَتركَ هو خِطبتَها: إذا خطَبَ رَجلٌ امرأةً ولكنْ ردَّتْه المرأةُ ولم تأذَنْ في نِكاحِه، فيَجوزُ لغيرِه مِنْ الرِّجالِ أنْ يَخطبَها، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ؛ لأنَّ المَقصودَ بالنَّهيِ عنِ الخِطبةِ رَفعُ الضَّررِ والمَنعُ مِنْ التقاطُعِ، فلو حُملَ النَّهيُ على ظاهِرِه فيمَن لم تأذَنْ لهُ حَلَّ الضَّررُ عليها؛ لأنَّ تحريمَ خِطبتِها على هذا الوجهِ إضرارٌ بها؛ فإنه لا يَشاءُ أحَدٌ أنْ يَمنعَ المرأةَ النكاحَ إلَّا منَعَها بخِطبتِه إياها. وكذلكَ إنْ رجَعَ الأولُ عن خِطبتِه أو رجَعَتِ المرأةُ عن إجابتِه ارتَفعَ حُكمُ الإذنِ، وعادَتْ إلى الحالِ الأُولى في إباحةِ خِطبتِها؛ لحَديثِ أبي

стр. 8422

هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَخطبِ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ حتى يَنكحَ أو يَتركَ» (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واتَّفقُوا على أنه إذا ترَكَ الخِطبةَ رَغبةً عنها وأَذِنَ فيها جازَتِ الخِطبةُ على خِطبتِه، وقد صُرِّحَ بذلكَ في هذهِ الأحادِيثِ (٢). الخطبة على خطبة الكافر: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الخِطبةِ على خِطبةِ الكافرِ الذِّميِّ -كما لو خطَبَ كافرٌ ذِميٌّ كِتابيةً وتمَّتِ الخِطبةِ-، هل يَجوزُ للمُسلمِ أنْ يَخطبَ على خِطبتِه أم لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشَّافعيةُ إلى أنه لا يَجوزُ للمُسلمِ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ الكافرِ الذِّميِّ المُحتَرمِ (غَير الحَربيِّ أو المُرتدِّ)؛ لعُمومِ قولِ النبيِّ ﷺ : «لا يَخطبِ الرَّجلُ على خِطبةِ أخيهِ»، فذِكرُ الأخِ هُنا لا مَفهومُ له؛ لأنهُ خرَجَ مَخرجَ الغالبِ (٣). قالَ المالِكيةُ: إذا قِيلَ: إنَّ الذِّميَّ أسوَأُ حالًا مِنْ الفاسِقِ، وإنهُ يَجوزُ أنْ

стр. 8423

يَخطبَ على خِطبةِ الفاسِقِ، ولا يَجوزُ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ الذميِّ، والذميُّ أسوَأُ حالًا مِنْ الفاسِقِ عندَ اللهِ. فالجَوابُ أنَّ الفاسِقَ على حالةِ لا يُقَرُّ عليها شَرعًا، بخِلافِ الذميِّ؛ فإنه على حالٍ يُقَرُّ عليهِ، فالشَّارعُ أقَرَ الذِّميَّ على كُفرِه، وأباحَ له أنْ يتزوَّجَ مَنْ كانَتْ على كُفرِه، والفاسِقُ لا يُقَرُّ على فِسقِه، ولا يَجوزُ له أنْ يتزوَّجَ، ويُفسَخُ نكاحُه (١). وذهَبَ الحَنابلةُ وبعضُ الشَّافعيةِ كابنِ المُنذِرِ وغيرِه إلى أنهُ يَجوزُ للمُسلمِ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ الكافرِ الذميِّ، وقولُ النبيِّ ﷺ : «لا يَخطبِ المُسلمُ على خِطبةِ أخيهِ» إنما هو للمُسلمينَ، ولو خطَبَ على خِطبةِ يَهوديٍّ لم يكُنْ داخِلًا في ذلكَ؛ لأنهُم ليسُوا بإخوةٍ للمُسلمينَ؛ لأنَّ لفْظَ النهيِ خاصٌّ في المُسلمينَ، وإلحاقُ غيرِه به إنما يَصحُّ إذا كانَ مِثلَه، وليسَ الذميُّ كالمُسلمِ ولا حُرمتُه كحُرمتِه، ولذلكَ لم تَجبْ إجابتُهم في دَعوةِ الوليمةِ ونحوِها (٢). قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: ونهيُه ﵇ أنْ يَخطبَ على خِطبةِ أخيهِ المُسلمِ يَدلُّ على إباحةِ أنْ يَنكحَ على خِطبةِ اليَهوديِّ والنصرانِيِّ؛ لأنَّ الأمورَ كانَتْ على الإباحةِ حتَّى نهَى عن الخِطبةِ على المُسلمِ، فثَبتَتِ

стр. 8424

الإباحةُ على مَنْ ليسَ بمُسلمٍ؛ لأنَّ المُؤمنينَ إخوةٌ (١). وأمَّا قولُهم: «إنهُ خرَجَ مخرَجَ الغالبِ» قُلنا: متَى كانَ في المَخصوصِ بالذِّكرِ معنًى يَصحُّ أنْ يُعتبَرَ في الحُكمِ لم يَجُزْ حَذفُه ولا تَعديَةُ الحُكمِ بدونِه، وللأخوَّةِ الإسلاميةِ تأثيرٌ في وجوبِ الاحترامِ وزِيادةِ الاحتياطِ في رعايةِ حُقوقِه وحفظِ قَلبِه واستبقاءِ مودَّتِه، فلا يجوزُ خلافُ ذلكَ (٢). وقالَ زينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: قالَ الخطَّابيُّ وغيرُه: ظاهِرُه اختِصاصُ التَّحريمِ بما إذا كانَ الخاطِبُ مُسلمًا، فإنْ كانَ كافرًا فلا تَحريمَ، وبه قالَ الأوزاعيُّ، وحكاهُ الرَّافعيُّ عن أبي عُبيدِ بنِ حَربَويهِ، قالَ والِدِي ﵀ في «شَرح التِّرمذيِّ»: ويُقوِّي ذلكَ قولُه في أولِ حديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ عندَ مُسلمٍ: «المُؤمِنُ أخو المُؤمِنِ»، فهو ظاهِرٌ في اختِصاصِ ذلكَ بخِطبةِ المُسلمِ. انتهى. وقالَ الجُمهورُ: تَحرمُ الخِطبةُ على خِطبةِ الكافرِ أيضًا، قالَ النَّوويُّ: ولهُم أنْ يُجيبُوا عن الحديثِ بأنَّ التقييدَ بأخيهِ خرَجَ على الغالِبِ، فلا يكونُ له مَفهومٌ يُعمَلُ به، كما في قولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقولِه تعالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ونظائِرِه (٣).

стр. 8425

هل النَّهيُ في الحديثِ لِحَقِّ اللهِ أم لحقِّ الخاطِبِ: قالَ الإمامُ ابنُ العرَبيِّ المالِكيُّ ﵀: هل الحَقُّ في ذلك للهِ أمْ للخاطبِ؟ فمِنهُم مَنْ قالَ: الحقُّ في ذلكَ للخاطِبِ، فلْيَتحللْ منهُ، فإنْ لم يَفعلْ فارَقَها، قالَه ابنُ وَهبٍ. وهذا لا يَصحُّ؛ لأنهُ رآهُ مُستوجِبًا حقًّا في النكاحِ، وهذا لا يَصحُّ، وقد فاتَ مَحلُّ حَقِّه، أمَا إنه إنْ حلَّلَ خلَصَ مِنْ مُطالَبتِه (١). مَنْ خطَبَتْه امرأةٌ وركَنَتْ إليهِ فهل لغَيرِه أنْ يَخطبَها؟ قالَ الإمامُ الحطَّابُ ﵀: مَنْ خطَبَتْه امرأةٌ وركَنَتْ إليهِ فهل لغَيرِه أنْ يَخطبَها؟ للحَنابلةِ قَولانِ، واستَظهَروا المنعَ، وفي «الإكمال» ما يَدلُّ على الجَوازِ. قالَ في حَديثِ المرأةِ الَّتي عرَضَتْ نفْسَها على النبيِّ ﷺ «فصعَّدَ النَّظرَ فيها وصوَّبَه، ثمَّ طَأطأَ رأسَه، فقالَ له رَجلٌ: إنْ لم يَكنْ لكَ بها حاجةٌ فزوِّجنِيها»، وفي قولِ الرَّجلِ هذا دليلٌ على جَوازِ الخِطبةِ ما لم يَتراكَنَا، لا سيِّما معَ ما رَأى مِنْ زُهدِ النبيِّ ﷺ فيها. قالَ الباجِي: فيهِ جَوازُ ذلكَ إذا كانَ باستِئذانِ الناكِحِ؛ إذْ هو حَقُّه. عِياضٌ: وعندي أنَّ الاستِدلالَ بهذا كلِّه ضَعيفٌ؛ لأنهُ لم يَكنْ هُناكَ خِطبةٌ إلَّا مِنْ المرأةِ للنبيِّ ﷺ في نَفسِها، والرَّجلُ إنَّما طلَبَ المرأةَ وخطَبَها

стр. 8426

للنبيِّ، ولم يَخطبْها أحَدٌ قبلَه حتَّى يُقالَ: «هي خِطبةٌ على خِطبةٍ». انتهى فيُؤخذُ منه أنَّ المرأةَ إذا خطَبَتْ رَجلًا أنه يَجوزُ لغيرِه أنْ يَخطبَها إذا لم يَقعْ مِنْ الأولِ خِطبةٌ لها، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: لو خطَبَتِ المرأةُ أو وَليُّها الرَّجلَ ابتداءً فأجابَهما فيَنبغِي أنْ لا يَجعلَ لرَجلٍ آخَرَ خِطبتَها، إلَّا أنه أضعَفُ مِنْ أنْ يكونَ هوَ الخاطِبَ، وكذا لو خطَبَتْه أو وَليُّها بعدَ أنْ خطَبَ هو امرأةً فالأولُ أبْدَى للخاطِبِ، والثَّاني أبدَى للمَخطوبِ، وهذا بمَنزلةِ البيعِ على بَيعِ أخيهِ قبلَ انعِقادِ البيعِ (٢). وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: قالَ الشَّيخُ: (ولو خطَبَتِ المرأةُ أو وليُّها الرَّجلَ ابتِداءً فأجابَها فيَنبغِي أنْ لا يَحلَّ لرَجلٍ آخَرَ خِطبتُها)؛ لأنهُ إيذاءٌ لهُ، (إلَّا أنهُ أضعَفُ مِنْ أنْ يكونَ هو الخاطِبَ)؛ لأنهُ دُونَه في الإيذاء، ثمَّ ذكَرَ الشَّيخُ مَسألةً وقَعَ فيها في كَلامِه سَقطُ كَلمةٍ فتَركَها المُصنِّفُ، ثمَّ قالَ الشَّيخُ: (ونظيرُ الأُولى) وهي الَّتي ذكَرْتُ لكَ في المَتنِ (أنْ تَخطبَه امرأةٌ أو) يَخطبَه (وليُّها بعدَ أنْ خطَبَ هو امرأةً، فإنَّ هذا إيذاءٌ للمَخطوبِ في المَوضعَينِ، كما أنَّ ذلكَ إيذاءٌ للخاطِبِ، وهذا بمَنزلةِ البيعِ على بَيعِ أخيهِ قبلَ انعِقادِ العَقدِ) أي لُزومِه، (وذلكَ كلُّه يَنبغي أنْ يكونَ حَرامًا. انتهى).

стр. 8427

قالَ في «المُبدِع»: وظاهِرُ كَلامِهم نَقيضُ جَوازِ خِطبةِ المرأةِ على خِطبةِ أختِها، وصرَّح في «الاختِيارات» بالمَنعِ، ولَعلَّ العِلةَ تُساعِدُه (١). وقالَ الإمامُ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ الشَّافعيُّ ﵀: إنَّما ورَدَ في النَّهيُ عن خِطبةِ الرَّجلِ على خِطبةِ أخيهِ، ويَنبغي أنْ يُلحقَ به خِطبةِ المرأةِ على خِطبةِ امرأةٍ أُخرى، بأنْ تَرغبَ امرأةٌ في تَزويجِ رَجلٍ مِنْ أهلِ الفَضلِ وتَخطبَه، فيَركنُ إلى التَّزوجِ بها، فتَجيءُ امرأةٌ أُخرى فتَخطبُه، وقد ذكَرَ ذلكَ شَيخُنا الإمامُ جَمالُ الدِّينِ الإسنَويُّ في «المُهمَّات» فقالَ: نَصُّوا على استِحبابِ خِطبةِ أهلِ الفضلِ مِنْ الرِّجالِ، فإذا وقَعَ ذلكَ فلا شَكَّ أنهُ يأتي في التَّحريمِ ما سبَقَ في المرأةِ. انتهى. فإنْ قُلتَ: الفَرقُ بينَهُما أنهُ لا يُمكِنُ تَزويجُ المرأةِ لرَجلينِ، ويُمكِنُ تَزويجُ الرَّجلِ بامرَأتينِ. قلتُ: الصُّورةُ فيما إذا لم يَكنْ عزَمَ الرَّجلُ أنْ يَتزوجَ إلَّا بامرأةٍ واحِدةٍ، بحيثُ إنْ عرَضَتِ الثَّانيةُ عليهِ نفْسَها يَصرفُه عن التزوُّجِ بالأُولى لتَميُّزِها عليها في الأوصافِ المُقتضيةِ للرَّغبةِ (٢). حُكمُ رُجوعِ كلٍّ مِنْ الخاطِبِ أو المَخطوبةِ عنِ الخِطبةِ: قالَ المالِكيةُ: يُكرهُ للرَّجلِ تَركُ مَنْ ركَنَتْ إليهِ بعدَ خِطبتِه؛ لأنه مِنْ إخلافِ المَوعِدِ.

стр. 8428

ولا يَحرمُ على المرأةِ أو وليِّها بعدَ الرُّكونِ أنْ يَرجعَا عن ذلكَ إلى غيرِ الخاطِبِ (١). وقالَ الحطَّابُ ﵀: هل لِمَنْ ركَنَتْ له امرأةٌ وانقَطعَ عنها الخُطَّابُ لرُكونِها إليهِ أنْ يَتركَها أو يُكرَهُ؟ والظَّاهرُ أنهُ يُكرهُ؛ لأنَّ العِدَةَ إنَّما كُرهَتْ في العدَّةِ، قالُوا: خوْفَ اختِلافِ الوَعدِ، واللهُ أعلَمُ (٢). وقالَ الشَّافعيةُ: الخِطبةُ ليسَتْ بعَقدٍ شَرعيٍّ، وإنْ تَخيَّلَ كَونَها عَقدًا فليسَ بِلازمٍ، بل جَائزٌ مِنْ الجانبَينِ قَطعًا (٣)، فيَجوزُ لكُلِّ واحدٍ منهُما أنْ يفسَخَها. وقالَ الحَنابلةُ: ولا يُكرهُ للوليِّ الرُّجوعُ عنِ الإجابةِ إذا رَأى المَصلحةَ لها في ذلكَ؛ لأنَّ الحَقَّ لها، وهو نائبٌ عنها في النَّظرِ لها، فلا يُكرهُ له الرُّجوعُ الَّذي رَأى المَصلحةَ فيهِ، كما لو ساوَمَ في بَيعِ دارِها ثمَّ تبيَّنَ له المَصلحةُ في تَركِها، ولا يُكرهُ لها أيضًا الرُّجوعُ إذا كَرهَتِ الخاطِبَ؛ لأنهُ عَقدُ عُمرٍ يَدومُ الضَّررُ فيهِ، فكانَ لها الاحتِياطُ لنَفسِها والنَّظرُ في حَظِّها. وإنْ رجَعَا عن ذلكَ لغيرِ غَرضٍ كُرِهَ؛ لِما فيه مِنْ إخلافِ الوَعدِ والرُّجوعِ عنِ القولِ، ولم يَحرمْ؛ لأنَّ الحَقَّ بعدُ لم يَلزمْهُما، كمَن ساوَمَ بسِلعتِه ثمَّ بدَا له ألَّا يَبيعَها (٤).

стр. 8429

الرُّجوعُ بالهَديةِ إلى المَخطوبةِ أو النَّفقة عَليها: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو خطَبَ رَجلٌ امرأةً وأهْدَى لها هَديةً أو أنفَقَ عليها نَفقةً ثمَّ لم يَتزوَّجْها لسَببٍ ما، هل لهُ الرُّجوعُ فيما أعطاهَا أم لا؟ فقالَ الحَنفيةُ: لو خطَبَ بنتَ رَجلٍ وبعَثَ إليها شَيئًا ولم يُزوِّجْها أبوها فما بعَثَ للمَهرِ يَستردُّ عيْنَه قائِمًا فقَطْ وإنْ تغيَّرَ بالاستِعمالِ؛ لأنه مُسلَّطٌ عليهِ مِنْ قِبلِ المالكِ، فلا يَلزمُ في مُقابَلةِ ما انتَقصَ باستِعمالِه شَيءٌ، أو قِيمتَه هالِكًا -أي قِيمته وهو هالِكٌ-؛ لأنهُ مُعاوَضةٌ ولم تَتمَّ، فجازَ الاستِردادُ. وكذا كلُّ ما بعَثَ هَديةً وهو قائِمٌ، دُونَ الهالِكِ والمُستهلَكِ؛ لأنَّ فيه معنَى الهِبةِ، والهَلاكُ والاستِهلاكُ مانعٌ مِنْ الرُّجوعِ بها، وكذا يُشتَرطُ عدَمُ ما يَمنعُ مِنْ الرُّجوعِ، كما لو كانَ ثَوبًا فصبَغَتْه أو خالَطَتْه. ولو أنفَقَ على مُعتدَّةِ الغيرِ على طَمعٍ أنْ يتزوَّجَها إذا انقَضتْ عدَّتُها فلمَّا انقَضتْ أبَتْ ذلكَ، إنْ شرَطَ في الإنفاقِ التزوُّجَ -كأنْ يقولَ: أُنفِقُ بشرطِ أنْ تتزوَّجِيني- يَرجعُ، زوَّجتْ نفْسَها أو لا، وكذا إذا لم يَشترطْ على الصَّحيحِ، وقيلَ: لا يَرجعُ إذا زوَّجتْ نفْسَها وقد كانَ شرَطَه، وصُحِّحَ أيضًا، وإنْ أبَتْ ولم يَكنْ شرَطَه لا يَرجعُ على الصَّحيحِ. قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: والحاصِلُ أنَّ المُعتمَدَ ما ذكَرَه العِماديُّ في

стр. 8430

فُصولِه، أنَّها إنْ تزوَّجَتْه لا رُجوعَ مُطلَقًا، وإنْ أبَتْ فلهُ الرُّجوعُ إنْ كانَ دفَعَ لها، وإنْ أكَلَتْ معهُ فلا مُطلَقًا (١). وجاءَ في «تَنقيح الفَتاوى الحامِديةِ» لابنِ عابدِينَ ﵀: (سُئلَ) في رَجلٍ خطَبَ بِكرًا بالِغةً ثمَّ بعَثَ إليها أشياءَ هَديةً واستُهلِكَتْ، ولم يُزوجْها أبوها، ويُريدُ الرُّجوعَ بما بعَثَه، فهل ليسَ لهُ ذلكَ؟ (الجَوابُ): ما بعَثَ للمَهرِ يَستردُّ عيْنَه قائِمًا أو قِيمتَه هالِكًا، وكذا ما بعَثَ هَديةً وهو قائِمٌ، دونَ الهالِكِ والمُستهلَكِ، والمَسألةُ في التَّنويرِ مِنْ المَهرِ والحاوِي الزَّاهِديِّ. أقولُ: وفي «الفَتاوى الخَيريَّةِ»: سُئلَ في رَجلٍ خطَبَ مِنْ آخَرَ أختَهُ ودفَعَ لها شيئًا يُسمَّى «مُلَّاكًا» ودَراهمَ أيضًا مِنْ عادةِ أهلِ الزَّوجةِ اتِّخاذُ طعامٍ بها، ولم يَتمَّ أمرُ النكاحِ، هل للخاطِبِ أنْ يَرجعَ فيهِ أم لا؟ (أجابَ): نَعم له أنْ يَرجعَ بذلكَ، بشَرطِ عَدمِ الإذنِ منهُ، فإنْ أَذِنَ لهم باتخاذِه وإطعامِه للناسِ صارَ كأنَّه أطعَمَ الناسَ بنَفسِه طَعامًا له وفيهِ لا يَرجعُ. اه. وفيها أيضًا مِنْ كِتابِ النَّفقةِ: (سُئلَ): في رَجلٍ خطَبَ امرأةً وصارَ يُنْفِقُ

стр. 8431

عليها لتَتزوَّجَ به، وتَحقَّقتْ أنهُ إنَّما يُنْفِقُ عليها ليَتزوَّجَها، ثمَّ امتَنعَتْ عنِ التزوُّجِ به وتَزوَّجتْ بغيرِه، هل يَرجعُ بما أنفَقَ أم لا؟ (أجابَ): نعَمْ يَرجعُ، قالَ في «الخَانيَّة» بعدَ أنْ ذكَرَ القَولينِ في المسألةِ: قالَ المُصنِّفُ ﵀: ويَنبغِي أنْ يَرجعَ؛ لأنهُ إذا عَلِمَ أنهُ لو لم يَتزوَّجْها لا يُنْفِقُ عليها كانَ ذلكَ بمَنزلةِ الشَّرطِ وإنْ لم يَكنْ مَشروطًا لَفظًا. قالَ في «التَّتمَّة»: سُئلَ والِدِي عمَّن بعَثَ إلى أبِ الخَطيبةِ سكَّرًا ولَوزًا وجَوزًا وتَمرًا، ثمَّ ترَكَ الأبُ المُعاقَدةَ، هل لهذا الخاطِبِ أنْ يَرجعَ باستِردادِ ما دفَعَ؟ فقالَ: إنْ فرَّقَ ذلكَ على الناسِ بإذنِ الدَّافعِ فليسَ له حَقُّ الرُّجوعِ، وإنْ لم يأذَنْ له في ذلكَ فلهُ ذلك. اه. وهوَ مُرجَّحٌ؛ لِما علَّلَه في «الخانيَّة»، وهو ظاهِرُ الوجهِ، فلا يَنبغي أنْ يُعدَلَ عنه، واللهُ أعلَمُ. اه ما في «الخَيريَّة» فليُتأمَّلْ (١). وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ الإهداءُ للمُعتدَّةٍ مِنْ وفاةٍ أو طلاقِ غيرِه البائنِ، لا الإنفاقُ عليها، فيَحرمُ كالمُواعَدةِ، فإنْ أهدَى أو أنفَقَ عليها ثمَّ تزوَّجَتْ غيرَه فلا يَرجعُ عليها بشَيءٍ، قالَ الشَّيخُ عليش: وفي «التَّوضيح» أنَّ غيرَ المُعتدَّةِ مثلُها.

стр. 8432

وذكَرَ اللَّقانِيُّ عنِ «البَيان» أنَّ ذلكَ إذا كانَ الإعراضُ منه، فإنْ أعرَضَتْ عنه فيَرجعُ عليها؛ لأنَّ الَّذي أعطَى لأجْلِه لم يَتمَّ له. وفي «المِعيَار»: للرَّجلِ الرُّجوعُ بما أنفَقَ على المرأةِ، أو بما أعطَى في اختِلاعِها مِنْ الزَّوجِ الأولِ، إذا جاءَ التعذُّرُ والامتِناعُ مِنْ قِبَلها؛ لأنَّ الذي أعطَى مِنْ أجْلِه لم يَثبتْ لهُ، وإنْ كانَ التعذُّرُ مِنْ قِبَله فلا رُجوعَ له عليها؛ لأنَّ التَّمكينَ كالاستِيفاءِ. اه. ولعلَّ هذا كلَّه إنْ لم يَكنْ شَرطٌ ولا عُرفٌ بالرُّجوعِ، وإلَّا عُملَ به اتِّفاقًا (١). وجاءَ في «حاشِيَة الصَّاوي على الشَّرحِ الصَّغيرِ»: (و) جازَ (الإهداءُ فيها) أي في العدَّةِ، كالخُضَرِ والفواكِهِ وغيرِهما، لا النَّفقةُ، فلو تزوَّجَتْ بغيرِه فلا رُجوعَ له عليها بشَيءٍ. وكذا لو أهدَى أو أنفَقَ لمَخطوبةٍ غيرِ مُعتدَّةٍ ثم رجَعَتْ عنه ولو كانَ الرُّجوعُ مِنْ جهتِها، إلَّا لعُرفٍ أو شَرطٍ. وقيل: إنْ كانَ الرُّجوعُ مِنْ جهتِها فلهُ الرُّجوعُ عليها؛ لأنه في نَظيرِ شَيءٍ لم يَتمَّ، واستُظهِرَ. قولُه: [لا النَّفقةُ]: أي: فلا يَجوزُ إجراءُ النَّفقةِ عليها في العدَّةِ، بل يَحرمُ. قولُه: [واستُظهِرَ]: أي: استَظهَرَ هذا التَّفصيلَ الشَّمسُ اللَّقانِيُّ (٢).

стр. 8433

وقالَ الخِرَشيُّ ﵀: يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يُهديَ إلى المُعتدَّةِ هَديةً في عدَّتِها؛ لأنَّ في الهَديةِ مودَّةً، ولا يكونُ كالتَّصريحِ بالخِطبةِ في العدِّةِ، بخِلافِ إجراءِ النَّفقةِ عليها، فإنْ أنفَقَ أو أهدَى ثمَّ تزوَّجَتْ غيْرَه لم يَرجعْ عليها بشَيءٍ، ومثلُه لو أهَدَى أو أنفَقَ لمَخطوبةٍ غيرِ مُعتدَّةٍ ثم تزوَّجَتْ غيرَه (١). وقالَ الدِّرديرُ ﵀: وجازَ (الإهداءُ) في العدَّةِ لا النَّفقةُ عليها، فإنْ أهدَى أو أنفَقَ ثمَّ تزوَّجَتْ غيرَه لم يَرجعْ عليها بشَيءٍ، ومثلُ المُعتدَّةِ غيرُها، ولو كانَ الرُّجوعُ مِنْ جِهتِها، والأوجَهُ الرُّجوعُ عليها إذا كان الامتناعُ مِنْ جهتِها، إلَّا لعُرفٍ أو شَرطٍ (٢). قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: قولُه: (لا النَّفقةُ عليها) أي: لا إجراءُ النَّفقةِ عليها في العدَّةِ، فلا يَجوزُ بل يَحرمُ. قولُه: (لم يَرجعْ عَليها بشَيءٍ) أي: سَواءٌ كانَ الرُّجوعُ عن زَواجِها مِنْ جهتِه أو مِنْ جهتِها، وهذا هو أصلُ المَذهبِ. قولُه: (والأوجَهُ .. إلخ) هذا التَّفصيلُ ذكَرَه الشَّمسُ اللَّقانِيُّ عن «البَيان»، وأجابَ بهِ صاحِبُ «المِعيار» لمَّا سُئلَ عنِ المَسألةِ، وصحَّحَه ابنُ غازِي في «تكمِيل التَّقييدِ».

стр. 8434

قولُه: (إذا كانَ الامتناعُ مِنْ جهتِها) أي: لأنَّ الَّذي أعطَى لأجْلِه لم يَتمَّ، أمَّا إنْ كانَ الرُّجوعُ مِنْ جهتِه فلا رُجوعَ له قَولًا واحِدًا (١). وقالَ الشَّافعيةُ: مَنْ خطَبَ امرأةً ثمَّ أنفَقَ عليها نَفقةً ليَتزوَّجَها فله الرُّجوعُ بما أنفَقَه على مَنْ دفَعَه له، سواءٌ أكانَ مأكلًا أم مَشرَبًا أم حلوى أم حُليًّا، وسواءٌ رجَعَ هو أم مُجيبُه أم ماتَ أحَدُهما؛ لأنه إنَّما أنفَقَه لأجْلِ تزوُّجِها، فيَرجعُ به إنْ بَقيَ، وببَدلِه إنْ تَلفَ، ولو كانَ ذلكَ بقَصدِ الهديَّةِ لا لأجْلِ تزوُّجِه بها لم يُختلَفْ في عَدمِ الرُّجوعِ؛ لأنَّ قَرينةَ سَبْقِ الخِطبةِ تُغلِّبُ على الظَّنَّ أنهُ إنَّما بعَثَ أو دفَعَ إليها لتَتمَّ تلكَ الخِطبةُ. وقالُوا: لو دفَعَ الخاطِبُ بنَفسِه أو وكيلِه أو وليِّه شيئًا مِنْ مأكولٍ أو مَشروبٍ أو مَلبوسٍ لمَخطوبتِه أو وليِّها ثمَّ حصَلَ إعراضٌ مِنْ الجانبَينِ أو مِنْ أحَدِهما أو مَوتٌ لهما أو لأحَدِهما رجَعَ الدَّافعُ أو وارثُه بجَميعِ ما دفَعَه إنْ كانَ قبْلَ العقدِ مُطلَقًا، وكذا بعدَه إنْ طلَّقَ قبلَ الدُّخولِ أو ماتَ، لا إنْ ماتَتْ هي، ولا رُجوعَ بعدَ الدُّخولِ مُطلَقًا (٢). وقالَ البجيرمِيُّ ﵀: وقدْ سُئلَ م ر عمَّن خطَبَ امرأةً وأنفَقَ عليها ولم يَتزوَّجْ بها، فهل له الرُّجوعُ بما أنفَقَه أم لا؟ فأجابَ بأنَّ له الرُّجوعَ بما أنفَقَه على مَنْ دفَعَه له، سواءٌ كانَ مأكَلًا أم

стр. 8435

مَشربًا أو مَلبسًا أم حُليًّا، وسَواءٌ رجَعَ هو أم مُجيبُه أم ماتَ أحَدُهما؛ لأنه إنَّما أنفَقَ لأجْلِ تزوُّجِها، فيَرجعُ بهِ إنْ بَقيَ، وببَدلِه إنْ تَلفَ (١). وقالُوا أيضًا: لو خطَبَ امرأةً ثمَّ أرسَلَ أو دفَعَ إليها بلا لَفظٍ يَدلُّ على التَّبرعِ مالًا قبلَ العَقدِ -أي ولم يَقصدِ التَّبرعُ، ويُعرَفُ القَصدُ بإقرارِه- ثمَّ وقَعَ الإعراضُ عنِ العَقدِ منها أو منهُ رجَعَ عليها أو على وليِّها أو وَكيلِها بما وصَلَها منه، كما صرَّحَ به جَمعٌ مُحقِّقونَ. ولو طلَّقَ في مَسألتِنا بعدَ العَقدِ لم يَرجعْ بشَيءٍ، كما رجَّحَه الأذرعِيُّ، خِلافًا للبَغويِّ، لأنه إنَّما أعطَى لأجلِ العَقدِ وقد وُجِدَ. ولو دفَعَ لمَخطوبتِه قبلَ العَقدِ مالًا وقالَ: «جعَلْتُه مِنْ الصَّداقِ الذي سيَجبُ بالعقدِ، أو مِنْ الكِسوةِ التي ستَجبُ بالعَقدِ والتَّمكينِ» وقالتَ: «بل هيَ هَديةٌ» فالَّذي يتَّجهُ تَصديقُها؛ إذ لا قَرينةَ هنا على صِدقِه في قَصدِه (٢). وقالَ الحَنابلةُ: وهَديةُ الزَّوجِ ليسَتْ مِنْ المَهرِ، فما أهداهُ الزَّوجُ مِنْ هَديةٍ قبلَ العَقدِ إنْ وَعَدوهُ بأنْ يزوِّجوهُ ولم يَفُوا بأنْ زوَّجُوا غيرَه رجَعَ بها، قالَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ؛ لأنهُ بذَلَها في نَظيرِ النِّكاحِ ولم يَسلمْ لهُ، وعُلِمَ منه أنهُ إنْ امتَنعَ هو لا رُجوعَ له، كالمُجاعِلِ إذا لم يَفِ بالعَملِ. وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ فيما إنِ اتَّفقَ الخاطِبُ مع المرأةِ

стр. 8436

ووليِّها على النِّكاحِ مِنْ غيرِ عَقدٍ، فأعطَى الخاطِبُ إيَّاها لأجْلِ ذلكَ شيئًا مِنْ غيرِ الصَّداقِ، فماتَتْ قبلَ العَقدِ: ليسَ له استِرجاعُ ما أعطاهُم. انتهى؛ لأنَّ عدَمَ التَّمامِ ليسَ مِنْ جِهتِهم، وعلى قياسِ ذلكَ لو ماتَ الخاطِبُ لا رُجوعَ لوَرثتِه. وما قُبضَ بسَببِ النِّكاحِ -كالَّذي يُسمُّونَه المأكَلةَ- فحُكمُه حكمُ المَهرِ فيما يُسقِطُه أو يُنصِّفُه أو يُقرِّرُه، ويكونُ ذلك لها، ولا يَملكُ منه الوليُّ شيئًا، إلَّا أنْ تَهبَه له بشَرطِه، إلَّا الأبَ فله أنْ يأخُذَ بالشَّرطِ وبلا شَرطٍ مِنْ مالِها ما شاءَ بشَرطِه، وما كُتِبَ فيه المَهرُ لها ولو طَلُقَتْ، قالهُ الشَّيخُ؛ لأنَّ العادةَ أخذُها له. ولو فُسخَ النكاحُ في فُرقةٍ قَهريةٍ كفَسخِها لفَقدِ كَفاءةٍ قبلَ الدُّخولِ رُدَّ للزَّوجُ كلُّ الصَّداقِ وما دفَعَه ولو هَديةً؛ لدَلالةِ الحالِ على أنهُ وهَبَ بشرطِ بقاءِ العَقدِ، فإذا زالَ ملَكَ الرُّجوعَ، كالهبةِ بشَرطِ الثَّوابِ. قالَ البُهوتيُّ ﵀: قلتُ: قِياسُ ذلكَ لو وهَبَتْه هي شَيئًا قبلَ الدُّخولِ ثمَّ طلَّقَ ونحوه. وكذا يُرَدُّ إليه الكلُّ ولو هَديةً في فُرقةٍ اختِياريةٍ مُسقِطةٍ للمهرِ، كفَسخِها لعَيبِه ونَحوه قبلَ الدُّخولِ؛ لدَلالةِ الحالِ على أنهُ وهَبَ بشرطِ بقاءِ العَقدِ، فإذا زالَ ملَكَ الرُّجوعَ، كالهبةِ بشَرطِ الثَّوابِ. وتَثبتُ الهديةُ للزوجةِ مع فَسخٍ للنِّكاحِ مُقرِّرٍ له -أي للصَّداقِ- مِنْ

стр. 8437

وَطءٍ أو خَلوةٍ، أو لنِصفِه كطَلاقٍ ونحوِه، فلا رُجوعَ له في الهديةِ إذنْ؛ لأنَّ زَوالَ العَقدِ ليسَ مِنْ قِبَلها، وهوَ المُفوِّتُ على نَفسِه. وإنْ كانَتِ العَطيةُ لغيرِ العاقدِينِ بسَببِ العَقدِ، كأُجرةِ الدلَّالِ ونَحوِها كأُجرةِ الكيَّالِ والوزَّانِ قالَ ابنُ عَقيلٍ في «النَّظريات»: إنْ فُسخَ بَيعٌ بإقالةٍ ونحوِها ممَّا يَقفُ على تَراضٍ مِنْ العاقدَينِ لم يَرُدَّ الدلَّالُ ما أخَذَه، وإنْ لم يَقفِ الفَسخُ على تراضِيهما كالفَسخِ لعَيبٍ ونحوِه رَدَّ الدلَّالُ ما أخَذَه؛ لأنَّ المَبيعَ وقَعَ مُتردِّدًا بينَ اللُّزومِ وعَدمِه، وقِياسُ المَبيعِ نكاحٌ فُسخَ لفَقدِ كَفاءةِ الزَّوجِ، أو ظُهورِ عَيبٍ في أحَدِهما فيَردُّه، أي يَردُّ الخاطِبُ ما أخَذَه مِنْ الزَّوجينِ أو مِنْ أحَدِهما بسَببِ توسُّطِه التَّزويجَ؛ لأنه أخَذَ على عَقدٍ لم يَسلمْ، ولا يَردُّ المأخوذَ إنِ انفَسخَ النكاحُ لردَّةٍ ورَضاعٍ ومُخالَعةٍ (١).

стр. 8438

حكمُ ذِكرِ عُيوبِ الخاطِبِ: نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على أنه يَجوزُ ذِكرُ مَساوئِ الخاطِبِ، وأنَّ هذا ليسَ مِنْ الغِيبةِ المُحرَّمةِ. قالَ المالِكيةُ: يَجوزُ لمَن استشارَه أحَدُ الزَّوجينِ ذِكرُ الأشياءِ التي تَسوءُ ممَّا يَعلمُه في الآخَرُ مِنْ العُيوبِ، للتَّحذيرِ منه بما يُفهَمُ مِنْ تَلويحٍ؛ ولا يَجوزُ التَّصريحُ إذا استَغنَى عنهُ، ولا يَقتصرُ على ذِكرِ مَساوئِ الزَّوجِ فقط. ومَحلُّ جَوازِ ذِكرِ المَساوئِ لمَن استَشارَه إذا كانَ هناكَ مَنْ يَعرفُ حالَ المَسؤولِ عنه غيرُ ذلكَ المَسؤولِ، وإلَّا وجَبَ عليهِ الذِّكرُ؛ لأنه مِنْ بابِ النَّصيحةِ لأخيهِ المُسلمِ. وقيلَ: إذا استَشارَه وجَبَ عليه ذِكرُ العُيوبِ، وإنْ لم يَستشرْه نُدبَ له ذِكرُ العُيوبِ. والدَّليلُ على جَوازِ ذِكرِ المَساوئِ ما رواهُ مُسلمٌ عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ

стр. 8439

أنَّ أبا عَمرِو بنَ حَفصٍ طلَّقَها البتَّةَ وهو غائِبٌ، فأرسَلَ إليها وكيلُه بِشَعيرٍ فسَخطَتْه، فقالَ: واللهِ ما لكِ علينا مِنْ شيءٍ، فجاءَتْ رسولَ اللهِ ﷺ فذكَرَتْ ذلك له، فقالَ: «ليسَ لكِ عليهِ نَفقةٌ»، فأمَرَها أنْ تَعتدَّ في بيتِ أمِّ شَريكٍ، ثمَّ قالَ: «تلك امرأةٌ يَغشَاها أصحابي، اعتَدِّي عندَ ابنِ أمِّ مَكتومٍ، فإنهُ رَجلٌ أعمَى تَضعينَ ثِيابَكِ، فإذا حلَلْتِ فآذِنيني»، قالَتْ: فلمَّا حلَلْتُ ذكَرْتُ له أنَّ مُعاويةَ بنَ أبي سُفيانَ وأبا جَهمٍ خطَبانِي، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «أمَّا أبو جَهمٍ، فلا يَضعُ عَصاهُ عَنْ عاتِقِه، وأمَّا مُعاويةُ فصُعلوكٌ لا مالَ له، انكِحِي أُسامةَ بنَ زَيدٍ» فكَرهْتُه، ثمَّ قالَ: «انكِحِي أُسامةَ»، فنكَحْتُه، فجعَلَ اللهُ فيه خيرًا، واغتبَطْتُ به» (١) (٢). وقالَ الشَّافعيةُ: مَنْ استُشيرَ في خاطِبٍ أو مَخطوبةٍ أو غيرِهما ممَّن أرادَ الاجتماعَ عليهِ لنَحوِ مُعامَلةٍ أو مُجاوَرةِ كالرِّوايةِ عنهُ أو القَراءةِ عليه ذكَرَ المُستشارُ مَساويهِ -أي عُيوبَه- بصِدقٍ ليَحذَرَ، بَذْلًا للنَّصيحةِ الواجِبةِ، لا للإيذاءِ والوَقيعةِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ لفاطمةَ بنتِ قَيسٍ ﵄: «أمَّا أبو جَهمٍ فلا يَضعُ عَصاهُ عن عاتِقِه، وأمَّا مُعاويةُ فصُعلوكٌ لا مالَ له … » (٣). وهل هذا على سَبيلِ الوُجوبِ أم النَّدبِ؟ قَولانِ في المَذهبِ، الصَّحيحُ

стр. 8440

أنه للوُجوبِ، فيَجبُ عليه أنْ يَذكرَ عُيوبَه، كما يَجبُ على مَنْ عَلِمَ بالمَبيعِ عَيبًا أنْ يُخبِرَ به مَنْ يُريدُ شِراءَه مُطلَقًا، بلِ الأعراضُ أشَدُّ حُرمةً وضَررًا مِنْ الأموالِ؛ لأنَّ فيه تَكشُّف بُضعٍ وهتْكَ سَوأةٍ، وذُو المُروءةِ يَسمحُ في الأموالِ ما لا يَسمحُ في الأعراضِ. وهلْ لا يَذكرُها إلَّا بعدَ الاستِشارةِ؟ أم أنه يَجبُ ذِكرُها ابتداءً مِنْ غيرِ استشارةٍ؟ قولانِ: أصَحُّهما أنَّ له ذِكرَها ابتداءً. ومَحلُّ ذِكرِ المَساوِي عندَ الاحتياجِ إليه، فإنِ اندَفعَ بدُونِه بأنْ لم يَحتجْ إلى ذِكرِها كقولِه: «لا تَصلحُ لكَ مُصاهَرتُه» ونَحوَه ك: «لا تَصلحُ لكَ مُعامَلتُه» وجَبَ الاقتصارُ عليه ولم يَجُزْ ذِكرُ عُيوبِه، قالَه في «الأذكار تَبعًا ل «الإحياء»، وهوَ المُعتمَدُ وإنْ نظَرَ فيهِ الأذرَعيُّ، وقياسُه أنه إذا اندَفعَ بذِكرِ بعضِها حَرُمَ عليه ذِكرُ شَيءٍ منِ البعضِ الآخَرِ، كما قالَه ابنُ النَّقيبِ، وإنِ اقتَضَى كلامُ المُصنِّفِ خِلافَه. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وغِيبةُ الكافرِ مُحرَّمةٌ إنْ كانَ ذِميًّا؛ لأنَّ فيها تَنفيرًا لهم عن قَبولِ الجِزيةِ وتَركًا لوَفاءِ الذمَّةِ، ولقولِه ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ ذمِّيًّا وجَبَتْ له النَّارُ» رواهُ ابنُ حِبَّانَ في صحَيحِه، ومباحَةٌ إنْ كانَ حَربيًّا؛ لأنَّه ﷺ كانَ يأمُرُ حسَّانَ أنْ يَهجوَ المُشركينَ. والحاصِلُ أنَّ الغِيبةَ -وهي ذِكرُ الإنسانِ بما فيهِ ممَّا يَكرَهُ، ولو في مالِه أو وَلدِه أو زَوجتِه أو نحوِ ذلكَ- مُحرَّمةٌ، سواءٌ أذَكَرَه بلَفظٍ أم كِتابةً أم
следующие страницы →